Qur'an&Sunnah

İmam Rabbânî — Mektûbât (ed-Dürerü'l-meknûnât, Arapça ta'rîb)

Section V02/P406–V02/P408

وما تصرّف العلماء في لفظ الغير لدفع التّناقض وأرادوا بالغير معنى خاصّا لا حاجة إليه أصلا بل النّظر الكشفيّ يمنع هذا التّخصيص ويثبت نفي الغيريّة بأيّ معنى كانت ونجد أنّ صفاته تعالى كما أنّها ليست عين ذاته الاقدس بل زائدة ليست غير ذاته أيضا ولو كانت زائدة وثبتت نسبة الاثنينيّة بينها وبين الذّات وقد تخلّف هنا القضيّة المقرّرة لدى أرباب المعقول من أنّ الاثنين متغايران ونقضت أصولهم وما قلت من أنّه وراء طور العقل بمعنى أنّ العقل لا يهتدي إليه قاصر عن إدراكه لا أنّه يحكم بخلافه كيف يحكم بخلافه وهو لم يتصوّره بعد؟ بل هو خارج عن حيطة إدراكه فكيف يتصوّر حكمه بإثباته ونفيه؟ رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا . المكتوب الثالث عشر والمائة إلى الملّا سلطان السّرهندىّ في بيان أنّ صفاته تعالى متّصفة بالحياة والعلم وسائر الكمالات وفي تحقيق معنى قيام الصّفات بذاته جلّ سلطانه اعلم أنّ صفات واجب الوجود الّتي هي قائمة بذاته سبحانه مثل الحياة والقدرة والعلم وغيرها لا مناسبة لها من كمال التّقدّس والتّنزّه بصفات الممكن أصلا فإنّ صفات الممكن أعراض قائمة بالجواهر وصفات الواجب جلّ سلطانه مقوّمات الجواهر فإنّ قيام الجواهر إنّما هو بها وأيضا إنّ صفات الممكن جماد محض حكمها حكم الميّت ليس لها نصيب من الحياة والعلم وغيرهما ولكنّ الممكن يصير بتوسّطها حيّا وعالما وقادرا وأمّا هي أنفسها فليست بحيّة ولا عالمة ولا قادرة بخلاف صفات واجب الوجود تعالى وتقدّس فإنّها في نظر هذا الحقير الكشفيّ حيّة عالمة كموصوفها ومدركة لكمالاتها المندرجة فيها ومشغوفة بها ولكنّ علمها يفهم من قبيل العلم الحضوريّ لا العلم الحصوليّ وكذلك كلّ صفة وشأن تثبت في مرتبة الوجوب تنكشف كلّها بثبوت الحياة والعلم لها وتظهر في النّظر نورا صرفا وكأنّ ذلك النّور بتمامه حياة وبتمامه علم وانكشاف وهاتان الصّفتان الكاملتان بيّنتان وواضحتان هناك بخلاف صفات اخر من القدرة والارادة وغيرهما فانّها لا تنكشف هناك بهذا الوضوح نعم انّ ما هو اللّازم في ذلك الموطن هو انكشاف الكمالات وهو متعلّق بصفة العلم ولمّا كان العلم تابعا للحياة لا بدّ من صفة الحياة أيضا والقدرة والإرادة مربوطتان بالمقدور والمراد ويمكن الاكتفاء من السّمع والبصر بالعلم والمقصود من الكلام هو الإفادة والتّكوين إنّما هو للمكوّنات ومع ذلك لمّا كانت كلّ صفة جامعة كانت هذه الصّفات الكاملة فيها ثابتة ظهرت أو لم تظهر (لا يقال) يلزم من هذا البيان قيام المعنى بالمعنى فإنّ الصّفات إذا كانت حيّة وعالمة لا بدّ من قيام الحياة والعلم بها (لانّا) نقول كلتاهما قائمتان بذات الواجب تعالى إحداهما بالاصالة والاخرى بالتّبعيّة كما قال العلماء في بقاء الاعراض أنّ العرض وبقاء العرض كليهما قائمان بمحلّ العرض (وتحقيق هذا المبحث) أنّ قيام صفات الواجب بذاته الاقدس ليس هو كقيام العرض بالجوهر كلّا بل هو شبيه بقيام المصنوع بالصّانع فإنّ الصّانع قيّوم المصنوع وإن كان هناك اتّصاف وفقد ذلك الاتّصاف هنا لا بل هو كقيام الشّيء بذاته وإنّما الفرق أنّ هناك زيادة والزّيادة غير متصوّرة هنا ولكنّ تلك الزّيادة غير موصّلة إلى حدّ الغيريّة فإنّهم قالوا: ولا غيره فكان التّغاير الاعتباريّ ثابتا في الموضعين والقيام متحقّقا وحصول الاتّصاف هنا من قبيل اتّصاف الإنسان بالإنسانيّة واتّصاف الجوهر بالجوهريّة بل أقول: إنّ مرتبة الذّات الاقدس والصّفات الحقيقيّة المقدّسة القائمة بها ليست فيها ملاحظة الصّفات والاتّصاف أصلا لا في حضرة الذّات ملاحظة الموصوفيّة ولا في الصّفات ملاحظة الصّفاتيّة فإذا لم يكن للوجود ووجوب الوجود مجال في تلك الحضرة كيف يكون للصّفة والاتّصاف فيها مجال؟

Section V02/P408–V02/P409

فإنّها فرع الوجود لا مجال في ذلك الموطن المقدّس لشيء غير النّور وهو أيضا لا كيفيّ فإن كان فيه حياة فهو نور وإن كان علم فهو أيضا نور وعلى هذا القياس فلو أثبت لهذا النّور الاقدس اللّاكيفيّ ظهور في مرتبة ثانية بلا تغيّر وانتقال لا يكون القابل لمظهريّته شيء غير الوجود ولهذا كان التّعيّن الاوّل عند هذا الحقير هو التّعيّن الوجوديّ وسائر التّعيّنات تابعة لهذا التّعيّن الاوّل وإن لم يكن لإطلاق لفظ التّعيّن ههنا مجال بمقتضى علوم هذا الفقير ولكن لمّا صار هذا اللّفظ متعارفا فيما بين القوم نحن أيضا جرينا على اصطلاحاتهم واخترنا المساهلة في إطلاقه رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا واِغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ المكتوب الرّابع عشر والمائة إلى محمّد هاشم الكشميّ في تحقيق صفات الواجب تعالى وبيان كيفيّة تعلّق علمه تعالى بكمالاته وبيان أنّه لا بدّ للمعنى من القيّام بالعين ولكن لا يحتاج فيه إلى إثبات المحلّ وبيان التّعيّن الوجوديّ ومبادي تعيّنات الانبياء المتبوعين والانبياء التّابعين والملائكة الكرام على الانبياء وعليهم الصّلاة والسّلام ومبادي تعيّنات الأولياء وعوامّ المؤمنين والكفّار وموجودات النّشأة الاخرويّة إنّ الصّفات الحقيقيّة الّتي نثبتها في مرتبة حضرة الذّات لا يحدث من ذلك الإثبات تعيّن ولا تنزّل في تلك الحضرة تعالت وتقدّست ولا تثبت مرتبة أخرى وراء المرتبة الاولى ولا يتصوّر انفكاكها منها بوجه من الوجوه وما لم تتحقّق مرتبة ثانية ولم يحصل انفكاك بوجه من الوجوه لا يتصوّر تعيّن ولا تنزّل وكأنّ حضرة الذّات والصّفات في مرتبة واحدة وكأنّ الصّفات مع وجود الزّيادة عين الذّات تعالت وتقدّست وهذه الصّفات وإن كانت تفصيل الكمالات المندرجة في حضرة الذّات ولكنّ حكمها ممتاز عن حكم سائر الإجمال والتّفصيل فإنّ الإجمال إنّما يكون في مرتبة ليس فيها تفصيل بل مرتبة التّفصيل دون مرتبة الإجمال وهذا المعنى مفقود في تلك الحضرة فإنّ التّفصيل فيها في عين مرتبة الإجمال وهذه المعرفة وراء طور العقل وإنّما اهتدى إليه النّظر الكشفيّ وعلم الواجب الذي تعلّق بهذه الصّفات في تلك المرتبة كعلمه بذاته وكمالاته المندرجة في ذاته علم حضوريّ وهذه الصّفات مع وجود زيادتها عين العالم وحضورهما كحضور نفس العالم ومن كمال اتّحادهما بحضرة الذّات قال جمّ غفير من الصّوفيّة بعينيّة الصّفات بالذّات وأنكروا على زيادة الصّفات ومنعوا قولهم: لا هو وأثبتوا قولهم: لا غيره والكمال هو أن يثبت: لا غيره مع وجود التّصديق ب? : لا هو وأن يسلب الغيريّة مع وجود الزّيادة وهذا الكمال موافق لعلوم الانبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات ومطابق لآراء الفرقة النّاجية أهل السّنّة والجماعة شكر الله سعيهم (ينبغي أن يعلم) أنّ الانكشاف الذّاتيّ في المرتبة الّتي يتعلّق بحضرة الذّات والصّفات المقدّسة من قبيل العلم الحضوريّ فإنّ للصّفات المقدّسة أيضا حكم حضرة الذّات كما مرّ وإنّما قلت إنّه من قبيل العلم الحضوريّ فإنّ العلم الحضوريّ عبارة عن حضور نفس العالم وحيث انّ الصّفات ليست عين العالم ينبغي أن لا يكون علمها علما حضوريّا ولكن لمّا لم تنتزع منها صورة وحضور أنفسها كائن كان علمها من قبيل العلم الحضوريّ والانكشاف الذي يتعلّق بصفة العلم من قبيل العلم الحصوليّ وإنّما قلت: من قبيل العلم الحصوليّ فإنّ العلم الحصوليّ عبارة عن صورة حاصلة من المعلوم في العقل وقد صار محقّقا عند هذا الفقير ومكشوفا انّه لا انتقاش لصورة شيء من الاشياء في علم الواجب جلّ سلطانه وانّ علمه تعالى ليس محلّا لصورة من صور المعلومات فكيف يتصوّر حصول الصّورة في ذات العالم تعالى؟

Section V02/P409–V02/P410

بل لعلمه سبحانه تعلّق بمعلوم وانكشافه له تعالى من غير أن تثبت صورة من معلوم في العلم وموطن العلم خال من النّقوش ومصفّى من الصّور العلميّة ومع ذلك لا يعزب عن علمه مثقال ذرّة في الارض ولا في السّماء ولكن يكون مكشوفا أنّ علمه تعالى إذا تعلّق بمعلوم تنتزع منه بسبب هذا التّعلّق صورة تقوم بعلمه تعالى من غير أن يحدث في العلم شيء من الحلول والحصول فلمّا انتزع من المعلوم بسبب التّعلّق صورة وقامت بالعلم بل بالعالم صحّ كونه من قبيل العلم الحصوليّ فإذا تعلّقت صفة العلم بكمالاته المندرجة في ذاته تعالى تنتزع بهذا التّعلّق من تلك الكمالات صور علميّة وتقوم بالعلم وإن لم يثبت حلولها وحصولها في العلم (فإن قيل) قد أثبت لهذه الصّور العلميّة قياما بصفة العلم ولكن لم يعلم ما محلّ ثبوت هذه الصّور فإنّ المعنى كما أنّه لا بدّ له من القيام بالعين لا بدّ له من محلّيّة العين أيضا (قلت) نعم لا بدّ للمعنى من القيام بالعين ولكن لا حاجة إلى إثبات المحلّ له أصلا فإنّ المقصود من إثبات المحلّ للمعنى إنّما هو إثبات قيامه لا أنّه أمر زائد على القيام فإذا قيل في الجواهر المجرّدة الممكنة الّتي هي كالظّلال لتلك الصّور العلميّة وتلك الصّور مبادي تعيّنات تلك الجواهر إنّها لم يثبت لها محلّ ولا مكان بل لا حاجة إليه أصلا فلا مجال للتّعجّب إن لم يكن لأصول تلك الجواهر المجرّدة محلّ إيّاك وتصوّر هذه الصّور العلميّة أصول تلك الجواهر الّتي بها تقوم الاعراض بل مبادي تعيّناتها فكيف تقاس هي على الاعراض؟ بل نقول في الاعراض أيضا إنّ المقصود من إثبات المحلّ لها إنّما هو لإثبات قيامها بالمحلّ لا انّ المحلّ مقصود بالاستقلال (وتحقيق) ذلك أنّ هذه الصّور العلميّة كائنة في مرتبة الوجوب ولا مجال للمحلّ والمكان هناك ولا يتصوّر فيها غير القيام الا ترى أنّ صفاته تعالى الحقيقيّة قائمة بحضرة ذاته الاقدس ولا حاليّة هناك ولا محلّيّة وما قالوا من الثبوت الذّهنيّ والخارجيّ فإنّما هو منقسم عليهما في مرتبة الإمكان فإنّه لا مجال في تلك الحضرة للخارج ولا للعلم فإذا لم يكن للوجود فيها مجال كيف يكون للذّهنيّ والخارجيّ اللّذين هما من أقسامه فيها مجال؟ وكيف يتصوّر فيها ظرفيّة العلم والخارج للوجود فهذه الصّور العلميّة تكون ثابتة وقائمة بصفة العلم ولا يكون شيء من الثبوت العلميّ والخارجيّ متحقّقا فيها بل يكون الوجود العلميّ والخارجيّ عارا عليها لكونه من صفات الإمكان وسمات الحدوث فإنّ كلّ ممكن حادث عندهم والوجود وإن كان ثابتا في مرتبة الوجوب ولكن لم يثبت ظرفيّة العلم والخارج لذلك الوجود؛ لانّه لا مجال فيها للظّرفيّة والمظروفيّة (استمع) استماعا كاملا أنّ صورة المعلوم عبارة عن نفس العلم فما يكون معنى حصولها وحلولها في العلم وقال المتأخّرون من الصّوفيّة العليّة: إنّ الصّور العلميّة الّتي هي عبارة عن الاعيان الثابتة وحقائق الممكنات ثبوتها في العلم فقط وفي خارج العلم لم تصل إليها رائحة من الوجود ولكن لمّا وقعت عكوس تلك الصّور العلميّة في مرآة ظاهر الوجود الذي لا موجود في الخارج غيره صارت تتوهّم أنّها موجودة في الخارج كما أنّ الصّورة إذا انعكست في المرآة تتوهّم أنّها في المرآة فيا ليت شعري ما مراد هؤلاء الكبراء؟ وما معنى حصول الصّور في العلم؟ وما الصّور في الشّاهد إلّا نفس العلم وفي الغائب علمه تعالى أزليّ قديم بسيط وحدانيّ تعلّق بمعلومات متكثّرة حصلت من تعلّقه صورة متعدّدة متميّزة لتلك المعلومات من غير أن يثبت حصولها وحلولها في ذلك العلم الازليّ كيف تحصل الصّورة المتعدّدة فيه وهو يستلزم التّبعّض والانقسام للمحلّ؟ وفرض شيء فيه غير شيء وهو يوجب التّركيب المنافي للقدم والازليّة؟

Section V02/P410–V02/P413

(والعجب) أنّ أرباب المعقول أثبتوا الصّورة الحاصلة من المعلوم في الذّهن واعتقدوا حلولها في الذّهن لا في العلم فإنّ تلك الصّورة عندهم عين العلم لا أنّها حالة في العلم والمتبادر من عبارة متأخّري الصّوفيّة حصول تلك الصّورة في العلم الذي يقولون له باطن الوجود وهو سبحانه أعلم (ينبغي أن يعلم) أنّ تلك الصّورة العلميّة الّتي ثبتت من تعلّق صفة العلم بكمالاته تعالى الذّاتيّة تلوح في النّظر الكشفيّ أنّ لها حياة وعلما والانكشاف المناسب للعلم الحضوريّ بالنّسبة إلى الكمالات المندرجة فيها ثابت لها كما بيّنّا تحقيق هذا المبحث في مكتوب بالتّفصيل فإذا بقي خفاء من غرابة هذه المعرفة واحتيج إلى الاستكشاف والاستفسار فليراجع هناك فإذا اتّضح من البيان السّابق أنّ ذاته تعالى الاقدس وصفاته المقدّسة في مرتبة واحدة وأنّه لم تحدث في تلك الحضرة من كون وجود الصّفات زائدا على وجود الذّات تنزّل وتعيّن أصلا فاعلم أنّ لهذه المرتبة المقدّسة الّتي هي مرتبة حضرة الذّات مع الصّفات ظهورا أوّلا في مرتبة ثانية بلا تبديل ولا تغيير وهو عند هذا الحقير على وجه الكشف والشّهود حضرة الوجود الذي هو خير محض وكمال صرف وفيه قابليّة ظهور جميع الكمالات بطريق الظّلّيّة وهذه الدولة لم تتيسّر لغير الوجود ولهذا لو تعلّق بهذه المرتبة المقدّسة علم وانتزعت كمالاتها كما مرّ يكون أوّل شيء ينتزع من تلك الحضرة حضرة الوجود البتّة والكمالات الاخر تكون توابعه ومن ههنا اعتقد الجمّ الغفير من الصّوفيّة وغيرهم أنّ الوجود عين الذّات وظنّوا تعيّن الوجود لا تعيّنا وثبوت هذا التّعيّن الاسبق ما وراء العلم والخارج كما بيّن تحقيق هذا المعنى في مواضع متعدّدة وحضرة الوجود هذا جامع لجميع الكمالات الذّاتيّة والصّفاتيّة بطرق الظّلّيّة إجمالا ولهذه المرتبة الجامعة الإجماليّة تفصيل يمكن أن يقال له تعيّنا ثانويّا وأوّل شيء ظهر في مرتبة التّفصيل صفة الحياة الّتي هي أمّ جميع الصّفات وصفة الحياة هذه كأنّها ظلّ صفة الحياة الّتي في مرتبة حضرة الذّات تعالت ولا هو ولا غيره صادق في حقّها بخلاف هذا الظّلّ فإنّه لمّا ظهر في مرتبة وراء مرتبة حضرة الذّات لا يكون لا غيره ثابتا في حقّه البتّة بل يكون متّسما بسمة الغيريّة وبعد صفات الحياة صفة العلم بطريق الظّلّيّة كما مرّ في صفة الحياة وهذه الصّفة جامعة لجميع الصّفات وصفة القدرة والإرادة وغيرهما مع وجود استقلالها كالاجزاء لها فإنّ لهذه الصّفة نوع اتّحاد بحضرة الذّات وليس ذلك الاتّحاد لغيرهما لانّ في صورة العلم الحضوريّ اتّحاد العالم والعلوم والقدرة لم تتّحد بالمقدور والقادر قطّ وهذا الاتّحاد ليس هو أيضا في الإرادة الّتي هي تخصيص أحد المقدورين وعلى هذا القياس وعند هذا الحقير مبدأ تعيّن الخليل على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام التّعيّن الاوّل الذي هو التّعيّن الوجوديّ ومركز هذا التّعيّن الذي هو أشرف أجزائه مبدأ لتعيّن خاتم الرّسل عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام بالاصالة كما ذكر تحقيق هذا المبحث في مكتوب بالتّفصيل وحيث انّ ولاية الخليل عليه السّلام ولاية إسرافيليّة يكون مبدأ تعيّن إسرافيل عليه السّلام هو هذا التّعيّن الوجوديّ البتّة ومبدأ تعيّن كلّ نبيّ ورسول بالاصالة حصّة من حصص هذا التّعيّن الاوّل الوجوديّ فلو كان لشخص من الامم نصيب من هذا التّعيّن الوجوديّ ببركة متابعته للانبياء عليهم الصّلاة والسّلام وكانت حصّة من حصص ذلك التّعيّن أو نقطة من نقط مبدأ تعيّنه فهو مجوّز بل واقع وما لم يكن في هذا التّعيّن مبدأ تعيّن لا يكون للوصول إلى حضرة الذّات بالاصالة مجال ومبادي تعيّنات الملائكة العليّة الذين هم مقرّبوا حضرة الذّات أيضا في هذا التّعيّن الوجوديّ فإنّ الوصول إلى حضرة الذّات مربوط به (ينبغي أن يعلم) أنّ صفة العلم الّتي ظهرت في مرتبة تفصيل التّعيّن الوجوديّ وإن كانت حصّة من حصص ذلك التّعيّن الوجوديّ ولكن لمّا كانت لها جامعيّة صارت كأنّها نفس الوجود جامعة لجميع حصص ذلك التّعيّن ولها أيضا إجمال وتفصيل والإجمال له حكم مركز الدائرة والتّفصيل له حكم المحيط فمركز هذا التّعيّن العلميّ الذي هو إجمال كأنّه ظلّ مركز ذلك التّعيّن الاوّل الوجوديّ وبهذه العلاقة تيقّن جماعة أنّ مبدأ تعيّن خاتم الرّسل على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام إجمال حضرة العلم وليس كذلك بل هذا الإجمال ظلّ مبدأ تعيّنه عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام الذي هو مركز التّعيّن الاوّل الوجوديّ كما مرّ وأيضا اعتقدوا إجمال العلم هذا تعيّنا أوّلا واعتقدوا المرتبة الفوقانيّة ولا تعيّنا وظنّوها عين حضرة الوجود نعم إنّها عين الوجود ولكنّها منسوبة إلى التّعيّن كما مرّ لا يخفى أنّ التّعيّن الاوّل وإن كانت حصصه المندرجة فيه مبادي تعيّنات الانبياء الكرام والملائكة العلّيّين العظام عليهم الصّلاة والسّلام ولكن لمّا كان الإجمال كائنا في تلك المرتبة لا يعلم مبادي كلّ منهم بالتّفصيل على حدة ولا تكون مسمّاة باسم ولمّا عرض التّفصيل عليها صارت مبادئ كلّ متميّزة وصار كلّ مبدأ مسمّى باسم على حدة مثلا حصّة من ذلك التّعيّن الاوّل الوجوديّ سمّيت باسم الحياة وحصّة أخرى باسم العلم على هذا القياس وصار مشهودا أنّ اسم الحياة باعتبار جامعيّتها مبدأ لتعيّن الملائكة العلّيّين العظام عليهم السّلام ولمّا كان لروح الله على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام مناسبة بالملأ الاعلى كان له نصيب من هذا المقام وحيث انّ للمهديّ عليه الرّضوان مناسبة خاصّة بروح الله فهو أيضا راج من هذا القيام (ينبغي أن يعلم) أنّ كلّ واحد من الصّفات الثمانية الّتي عرض لها التّفصيل في مرتبة التّعيّن الثاني مبدأ لكلّ نبيّ ذي شأن مقتدى به فالعلم مثلا مبدأ تعيّن خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام والقدرة مبدأ تعيّن عيسى عليه السّلام والتّكوين مبدأ تعيّن آدم عليه السّلام وجزئيّات هذه الاسماء الكلّيّة المقدّسة مبادي تعيّنات سائر الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام فكلّ طائفة من هؤلاء الكبراء لها مناسبة باسم خاصّ وبنبيّ مقتدى به كان جزئيّات ذلك الاسم مبادي تعيّناتهم ومبادي تعيّنات الأولياء الذين هم على قدم نبيّ من الانبياء المقتدى بهم عليهم الصّلاة والسّلام جزئيّات لجزئيّات الاسم الذي هو مبدأ لتعيّن ذلك النّبيّ عليه السّلام وكذلك تعيّن سائر المؤمنين جزئيّات الاسم الذي هو مبدأ لتعيّن نبيّ كان هؤلاء على قدمه ومبادي تعيّنات الكفّار متعلّقة باسم المضلّ وممتازة من التّعيّنات المذكورة فإذا علمت مبادي تعيّنات الممكنات فاعلم أنّ تماميّة دائرة الوجوب بانتهاء هذه التّعيّنات إلى منتهاها والشّروع بعد ذلك في دائرة الممكنات ولمّا أراد الحقّ سبحانه من كمال كرمه وإحسانه أن يفيض فيوضاته وإنعاماته على الغير وأن ينشر خزائنه خلق الخلق ووهب لهم من كمالات وجوده وتوابعه من غير أن ينفكّ من هناك شيء ويلحق هنا فإنّ ذلك من سمات النّقص تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا والمقصود من الخلق إفاضة الإنعام والإحسان عليهم لا تكميل الكمالات الاسمائيّة والصّفاتيّة وتتميمها بالتّوسّل بهم حاشاه سبحانه من ذلك وكلّا فإنّ صفاته تعالى كاملة في حدّ ذاتها لا احتياج لها إلى ظهور ومظهر أصلا وكلّ كمال حاصل في تلك الحضرة جلّ شأنها بالفعل لا بالقوّة حتّى يكون حصوله مربوطا بأمر فإن كان في حضرته سبحانه شهود ومشاهدة فهما من نفسه لنفسه تعالى وإن كان علم ومعلوم فهو سبحانه بنفسه عالم وبنفسه معلوم وكذلك هو سبحانه متكلّم في نفسه وسامع بنفسه وجميع الكمالات مفصّلة هناك ومتميّزة لكن بعنوان اللّاكيفيّة فإنّه لا سبيل للكيفيّ إلى اللّاكيفيّ وما هو الخلق حتّى يكون مرآة لكمالاته سبحانه (ع) في أيّ مرآة يكون مصوّرا وما يكون العالم حتّى يفصّل ذلك الإجمال وحضرته سبحانه تفصيل في عين الإجمال ووسعة في عين الضّيق ولمّا كان التّفصيل والوسعة هناك لا كيفيّين يتوّهم انّ الاجمال لا بدّ له من التّفصيل وهو مربوط بخلق العالم وانّ تكميل ذلك الإجمال بهذا التّفصيل والحقّ أنّ هناك إجمالا وتفصيلا كما مرّ والله واسِعٌ عَلِيمٌ .

Section V02/P413–V02/P414

(ينبغي أن يعلم) أنّ خلق هذا العالم واقع في مرتبة لا مزاحمة بينها وبين تلك المرتبة المقدّسة أصلا ولا مدافعة ووجود أحد الموجودين وإن كان مقتضيا لتحديد وجود الآخر لكنّ هذه القاعدة مفقودة هنا فإنّ وجود العالم لم يحدث تحديدا ولا نهاية لذلك الوجود الاقدس ولم يثبت فيه نسبة ولا جهة أصلا الا ترى أنّ صورة زيد المتوهّمة في المرآة ثبوتها كائن في مرتبة لا مزاحمة بين هذا الثبوت وثبوت زيد الذي هو أصل تلك الصّورة أصلا ولا مدافعة وثبوت هذه الصّورة لم يحدث في ثبوت أصلها تحديدا ولا نهاية ولم يورث له نسبة أصلا ولا جهة ووجود العالم كوجود تلك الصّورة كائن في مرتبة الوهم لا مزاحمة بينه وبين أصله الموجود في الخارج ولم يحدث من هذا الثبوت الوهميّ تحديد ولا نهاية ولا جهة في الاصل ولله المثل الاعلى (وقد فهم) من هذا التّحقيق حقيقة ما قالوا: إنّ العالم ثابت في مرتبة الوهم: يعني أنّ العالم خلق في مرتبة شبيهة بمرتبة الوهم الثابتة للصّورة المنعكسة في المرآة بالنّسبة إلى أصلها الذي هو موجود في الخارج بل يمكن أن يقال: إنّ إطلاق الوجود الخارجيّ في تلك المرتبة المقدّسة أيضا من قبيل التّشبيه والتّنظير فإنّه لا مجال هناك للخارج فإذا تقاصر الوجود عن تلك المرتبة الاقدس ماذا يكون الخارج فإنّه فرعه وقسمه (خاتمة حسنة) إنّ جميع مبادي التّعيّنات المذكورة هذه سواء كان تعيّنا وجوديّا إجماليّا أو تفصيليّا بالنّسبة إلى ممكنات هذه النّشأة الدنيويّة ووجود موجودات هذه النّشأة وتشخّصاتها مربوط بتلك المبادي العالية وأمّا الموجودات الاخرويّة فقد تشاهد أنّها ليست منوطة بتلك المبادي المذكورة بل مبادي تعيّناتها أمور أخر وتلك الامور عند هذا الفقير كمالات ذاتيّة لم يصب ذيلها المطهّر غبار من الظّلّيّة ومندرجة في تلك المرتبة الاقدس مفصّلة ومتميّزة في تلك المرتبة المقدّسة بتفصيل وتميّز لا كيفيّين وكلّ واحد من تلك الكمالات المفصّلة الذّاتيّة المقدّسة مبدأ تعيّن موجود من موجودات تلك النّشأة الاخرويّة ووجود أهل الجنّة كأنّه لا مساس له بتلك التّعيّنات الوجوديّة الإجماليّة والتّفصيليّة الّتي تتعلّق بالنّشأة الدنيويّة وموجودات تلك النّشأة كأنّها مواجهة لتلك المرتبة المقدّسة على عكس موجودات هذه النّشأة فإنّها قليلة النّصيب من المواجهة وماذا أبيّن من موجودات تلك النّشأة الدائمة فإنّ لها نصيبا وحظّا من تلك المرتبة المقدّسة لا يمكن وصفه (ع) هنيئا لأرباب النّعيم نعيمها (شعر) ومن بعد هذا ما يدقّ بيانه . وما كتمه أحظى لديّ وأجمل رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى . المكتوب الخامس عشر والمائة إلى الخواجة أبي المكارم في التّحريض على خدمة خلق الله تعالى رزق الله سبحانه الاستقامة على حدّ الاعتدال ومركز العدالة ومن الدولة العظيمة جعل الله سبحانه عبدا مخصوصا ببعض الفضائل والمزايا فيحيل مفتاح حوائج جماعة من عباده إلى يد تصرّفه ويجعله ملاذا وملجأ لتلك الجماعة ومن نعمه سبحانه جعل جمع من الخلائق الذين هم عياله تعالى مرتبطين به فيفوّض تربيتهم إليه والسّعيد من يقوم بحمد هذه الدولة والعاقل من يؤدّي شكر هذه النّعمة ويعدّ الخدمة بمال صاحبه سعادة نفسه ويعتقد تربية عبيد مولاه وإمائه شرف رأسه حمدا لله سبحانه على أنّ أهل تلك البقعة رطب اللّسان بذكره الخير والجاري على السنتهم أحاديث كرمه لا غير.

Section V02/P414–V02/P419

المكتوب السّادس عشر والمائة إلى مولانا الشّيخ غلام محمّد في بيان معنى قوله تعالى إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى الآية وبيان اعتراضات أخر الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى (قال الشّيخ) الاجلّ قدّس سرّه في كتابه العوارف في الباب الثاني منه في بيان معنى قوله تعالى إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وهُوَ شَهِيدٌ قال الواسطيّ: أي لذكري لقوم مخصوصين لا لسائر النّاس وهم الذين قال الله تعالى فيهم أَومَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ وقال الواسطيّ أيضا: المشاهدة تذهل والحجبة تفهم لانّ الله تعالى إذا تجلّى لشيء خضع له وخشع قال الشّيخ: وهذا الذي قاله الواسطيّ صحيح في حقّ أقوام وهذه الآية تحكم بخلاف هذا الامر لأقوام آخرين وهم أرباب التّمكين يجمع لهم بين المشاهدة والفهم لا يخفى أنّ ما قاله الواسطيّ أوّلا يدلّ على أنّ الذّكرى لأهل التّمكين خصوصا لأنّهم الذين أحياهم الله بعد الموت أي أبقاهم بعد الفناء وأهل التّلوين لا فناء لهم ولا بقاء فلا حياة لهم موهوبة ثانية لأنّهم في وسط الطّريق والفناء والبقاء من أحوال الانتهاء وقوله الثاني أنّ ذكره في بيان الآية يدلّ على أنّ الذّكرى لأهل التّلوين في حال الاحتجاب والاستتار لا في وقت المشاهدة والمكاشفة لانّه اوان الذّهول فينا في هذا القول قوله الاوّل وأنّ ذكر هذه المعرفة في توسّط حاله في موضع آخر لا في بيان هذه الآية فلا منافاة ولا اعتراض للشّيخ قدّس سرّه بأنّ ما قاله الواسطيّ صحيح في أقوام أي لأهل التّلوين وهذه الآية تحكم بخلاف هذا الامر لقوم آخرين وهم أرباب التّمكين لانّ الواسطيّ بيّن في معنى الآية أنّ الذّكرى مخصوص بأرباب التّمكين لأنّهم هم الاحياء بعد الموت لا أهل التّلوين غاية ما في الباب أنّه ذكر ثانيا معرفة برأسها في بيان أحوال أهل التّلوين لا تعلّق لها ببيان الآية فلا اعتراض عليه بأنّها تخالف حكم الآية لانّ الآية وردت في حقّ قوم وهذه المعرفة بيان لأحوال قوم آخرين ولو أنّ الواسطيّ لم يخصّ الذّكرى بأهل التّمكين أوّلا وأثبت الذّكرى لأهل التّلوين أيضا في حال احتجابهم بقوله الثاني لما حصل المنافاة بين قوليه ولما ورد اعتراض الشّيخ عليه والظّاهر عندي أنّ الآية الكريمة بيان حال الفريقين فمن كان له قلب هم أرباب القلوب الذين تلوّنت أحوالهم وهم أصحاب التّلوين وقوله تعالى أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وهُوَ شَهِيدٌ بيان حال أهل التّمكين فإنّهم القوا سمعهم للفهم في حال عين الشّهود إلّا أنّ الذّكرى للقوم الاوّل في بعض الاوقات وللثّاني في جميع الأحوال كما ترى ولو قال الشّيخ قدّس سرّه: وهذه الآية تحكم بخلاف هذا الامر لقوم آخرين أيضا لكان أنسب وكلمة " أو " لمنع الخلوّ فلا ينافي الجمع بين الفريقين في الذّكرى ثمّ قال الشّيخ بعد ذلك " فموضع الفهم محلّ المحادثة والمكالمة وهو سمع القلب وموضع المشاهدة بصر القلب فمن هو في سكر الحال يغيب سمعه في بصره ومن هو في حال الصّحو والتّمكين لا يغيب سمعه في بصره لتملّكه ناصية الحال ويفهم بالوعاء الوجوديّ المستعدّ لفهم المقال لانّ الفهم مورد الالهام والسّماع والالهام والسّماع يستدعيان وعاء وجوديّا وهذا الوجود يكون موهوبا منشأ إنشاء ثانيا للتّمكّن في مقام الصّحو وهو غير الوجود الذي يتلاشى عند لمعان نور المشاهدة لمن جاوز على ممرّ الفناء إلى مقارّ البقاء» انتهى قوله فموضع الفهم محلّ المحادثة والمكالمة أي مع الله عزّ وجلّ يغيب سمعه في بصره أي لا يفهم وقت المشاهدة وهو حال أهل التّلوين يذهل عند المشاهدة كما قاله الواسطيّ: لا يغيب سمعه في بصره أي يفهم في عين المشاهدة وهو حال أهل التّمكين يجمع لهم بين المشاهدة والفهم كما مرّ لمن جاوز متعلّق بقوله موهوبا أي موهوبا لمن جاوز الفناء ووصل إلى البقاء لا يخفى أنّه ما معنى المشاهدة في أهل التّلوين والمشاهدة إنّما تكون في الذّات كما قالوا وهو غير واصل بعد إلى الذّات فالاولى في حقّه المكاشفة بالصّفات المتخيّلة المتلوّنة وما هو في الذّات لا تلوين له ولا تغيّر وليس في تلك الحضرة المقدّسة تارة الذّهول وأخرى الشّعور بل شعور في عين الذّهول وفهم في نفس الشّهود والظّاهر من كلام الشّيخ قدّس سرّه جواز وقوع المشاهدة في الدنيا ببصر القلب وصاحب التّعرّف قدّس سرّه وهو إمام الطّائفة منع رؤيته تعالى في الدنيا بالبصر والقلب معا وادّعى الإجماع عليه وقال: وأجمعوا على أنّه تعالى لا يرى في الدنيا بالابصار وبالقلوب إلّا من جهة الإيقان وما قاله صاحب التّعرّف قدّس سرّه أقرب إلى الصّواب عندي بل هو الصّواب لانّ ما يتخيّل أنّه سبحانه يرى فإنّما هو رؤية خيال أي كشف صورة في الخيال للإيقان الذي حصل للقلب وللموقن به أيضا صورة كوشفت للقلب فإنّهم جوّزوا المثال للحقّ سبحانه وإن لم يكن له تعالى مثل فلله المثل الاعلى وإنّما ارتسم في الخيال صورة الإيقان وصورة الموقن به وإن لم يكن له تعالى صورة في الواقع لانّ المعاني الحاصلة للقلب ولسائر اللّطائف بل كلّ ما وجد ويوجد لها صورة في الخيال الذي هو تمثال المثال الذي هو أوسع العوالم كلّها فليس ههنا إلّا ايقان للقلب وصورة إيقان وصورة موقن به تمثّل في الخيال بصورة رؤية ومرئيّ ولا رؤية في الحقيقة للقلب له تعالى فضلا عن أن يكون للبصر وإنّما هي رؤية مثاليّة للقلب تمثّل إيقانه بصورة الرّؤية وتمثّل الموقن به بصورة المرئيّ فظنّ منه أنّه رآه حقيقة وما هي إلّا رؤية خياليّة بل نقول: إنّ صورة الموقن ليست صورة مثاليّة للحقّ سبحانه بل صورة كشف تعلّق الإيقان به وظهرت في الخيال وحاشا لله أن يكون له تعالى صورة ولو في الخيال وإنّما هو صورة لبعض مكشوفات قلب السّالك من الوجوه والاعتبارات الّتي لها تعلّق بالذّات تعالت ولهذا إذا وصل العارف إلى الذّات تعالت لا يتخيّل له مثل هذا الخيال فليس لذاته تعالى صورة ولو في المثال والخيال وليس له تعالى مثال عندي كما لا مثل له سبحانه إذ الصّورة تستلزم الحدّ والنّهاية ولو في مرتبة من المراتب وهو سبحانه منزّه من التّحديد والتّقييد وجميع المراتب مخلوقة له تعالى فافهم الحمد لله الذي أعطانا سلطان الخيال وجعله مرآة لحصول صور المعاني والكمال ولو لا الخيال لما أدركنا درجات الاتّصال عن دركات الانفصال ولما علمنا واردات الأحوال فإنّ لكلّ معنى وحال صورة فيه إن كوشفت يدرك به ذلك المعنى والحال فشأن اللّطائف السّبع السّير والسّلوك والانتقال من حال إلى حال وشأن الخيال إراءته درجات السّير والسّلوك الحاصلة للسّالك بصورها المرتسمة فيه وإراءة مزيد الرّغبة إلى الفوق وأيضا بإراءته يحصل السّير على بصيرة ويتيسّر السّلوك على معرفة وبسلطانه يخرج السّالك عن الجهل ويكون من أهل العلم فلله سبحانه درّه والسّلام على من اتّبع الهدى المكتوب السّابع عشر والمائة إلى مولانا عبد القادر الانباليّ قال الشّيخ رضي الله عنه في الباب الثاني من كتابه العوارف في بيان الحديث المرفوع إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ما نزل من القرآن آية إلّا ولها ظهر وبطن ولكلّ حرف حدّ ولكلّ حدّ مطلع ويخالج سرّي أن يكون المطلع ليس بالوقوف بصفاء الفهم على دقيق المعنى وغامض السّرّ في الآية ولكنّ المطلع أن يطّلع عند كلّ آية على شهود المتكلّم بها؛ لأنّها مستودع وصف من أوصافه ونعت من نعوته فتجدّد له التّجلّيات بتلاوة الآيات وسماعها وتصير مرايا منبئة عن عظيم الجلال إلى آخر ما قال في تأييد هذا التّوجيه وشرحه ويخطر ببالي بكرم الله المتعالي أنّ الظّهر نظم القرآن البالغ إلى حدّ الإعجاز والبطن تفسيره وتأويله على اختلاف صفاء الفهم على دقيق المعاني وغامض السّرّ والحدّ نهاية مراتب الكلام وهو شهود المتكلّم بها وهو التّجلّي النّعتيّ المنبئ عن عظيم الجلال والمطلع ما هو فوق ذلك التّجلّي النّعتيّ وهو التّجلّي الذّاتيّ المعرّى عن النّسب والاعتبارات أثبت لحدّ الكلام ونهايته مطلعا فيكون المطلع وراء الكلام ووراء نهايته والكلام صفته تعالى وشهود المتكلّم في مرآة تلك الصّفة تجلّى لتلك الصّفة ونهاية لمراتب كمالها والاطّلاع على وراء تلك التّجلّي يكون بالتّرقّي منه إلى التّجلّي الذّاتيّ لا محالة فالوصول إلى الذّات ههنا يكون بتوسّط صفة الكلام وبتوسّل تلاوة النّظم القرآنيّ الدالّ على تلك الصّفة فلا بدّ من الخطوتين خطوة من النّظر الدالّ إلى المدلول الذي هو الصّفة والخطوة الثانية من الصّفة إلى الموصوف قال العارف قدّس سرّه: خطوتان وقد وصلت وما ذكر الشّيخ قدّس سرّه إلّا الخطوة الاولى وأتمّ بها هذا السّير وقيّد فائدة التّلاوة بها لا غير سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ وقال الشّيخ قدّس سرّه بعد ذلك: إنّه قد نقل عن جعفر الصّادق رضي الله عنه وعن آبائه الكرام أيضا أنّه خرّ مغشيّا عليه وهو في الصّلاة فسئل عن ذلك فقال: ما زلت أردّد الآية حتّى سمعتها من المتكلّم بها فالصّوفيّ لمّا لاح له نور ناصية التّوحيد والقى سمعه عند سماع الوعد والوعيد وقلبه بالتّخلّص عمّا سوى الله تعالى صار بين يدي الله تعالى حاضرا شهيدا يرى لسانه أو لسان غيره في التّلاوة كشجرة موسى عليه السّلام حيث أسمعه الله تعالى منها خطابه إيّاه بأنّي أنا الله فإذا كان سماعه من الله واستماعه إلى الله صار سمعه بصره وبصره سمعه وعلمه علمه وعمله علمه وعاد آخره أوّله وأوّله آخره إلى أن قال: فإذا تحقّق الصّوفيّ بهذا الوصف صار وقته سرمدا وشهوده مؤيّدا وسماعه متواليا متجدّدا قوله: فالصّوفيّ لمّا لاح له نور ناصية التّوحيد بيان لقول الإمام رضي الله عنه وشرح لسماعه من المتكلّم بأنّ الصّوفيّ لمّا غلب عليه حال التّوحيد وزال عن نظره شهود الغير صار بين يدي الله حاضرا شهيدا يجد كلّ ما سمع كلاما من نفسه أو من غيره أنّه سمعه من الله سبحانه ويرى لسانه ولسان غيره كشجرة موسى عليه السّلام فالإمام كلّ ما كرّر الآية سمعها من نفسه ومن لسانه إلى أن لاح له في أثناء التّكرار حال التّوحيد فسمعها من المتكلّم بها وإن كان صدر منه ومن لسانه فإنّه وجد لسانه ح كالشّجرة الموسويّة فالكلام الظّاهر من اللّسان كالكلام الظّاهر من تلك الشّجرة في أنّه كلام الله سبحانه أقول وبالله سبحانه العصمة والتّوفيق: إنّ المسموع من الشّجرة الموسويّة كان كلام الله سبحانه لا محالة حتّى لو أنكره أحد كان كافرا والمسموع من الالسنة ليس في الحقيقة كلام الله وإنّ تخيّل الصّوفيّ في غلبة التّوحيد أنّه كلام الله حتّى لو أنكره أحد لا يكون كافرا بل يكون محقّا صادقا لانّه حصل من حركة اللّسان واعتماد المخارج ولا كذلك في الشّجرة فأين أحد الكلامين من الآخر فإنّ الاوّل تحقيقيّ والآخر تخييليّ والعجب من الشّيخ الاجلّ قدّس سرّه أنّه بالغ ههنا في التّوحيد حتّى جعل التّخييليّ تحقيقيّا وجعل الكلام الصّادر من العبد في غلبة الحال صادرا من الحقّ سبحانه وقد أنكر في موضع آخر من كتابه الاقوال الصّادرة في التّوحيد من أربابه في غلبة الحال وحملها على الحكاية من الله سبحانه فرارا من شائبة توحيد الحلول والاتّحاد وما فرّ هنا من شوب الحلول بل حكم بالاتّحاد والعينيّة والحقّ في هذا المقام أنّ الحكم بالاتّحاد والعينيّة في غلبة الحال تخييليّ لا تحقيقيّ سواء كان الاتّحاد في الذّات أو في الصّفات أو في الافعال فسبحان من لا يتغيّر بذاته ولا بصفاته ولا في أسمائه بحدوث الاكوان ولا يتحدّ معه أحد ولا يتّحدّ صفات أحد مع صفاته تعالى ولا أفعال أحد مع أفعاله سبحانه فهو سبحانه هو هو والممكن ممكن حادث في الذّات وفي الصّفات والافعال الحكم بالاتّحاد بين القديم والحادث من تلوينات العشق وغلبات المحبّة والسّكر فلا يؤاخذ عليهم بشائبة الحلول ومظنّة الاتّحاد المستلزمة للكفر والالحاد فإنّها غير مرادة لهم حاشا لله سبحانه أن يكون مرادهم ما هو غير لائق بجناب قدسه تعالى فإنّهم أولياء الله وأحبّاؤه سبحانه المحفوظون من تجويز ما لا يجوز على الله والذين تشبّهوا بهم من غير حال وبدون صدق المقال وتكلّموا بكلماتهم وفهموا منها غير مراداتهم فوقعوا في الالحاد والزّندقة حتّى أثبتوا الحلول والاتّحاد مع الله سبحانه وحكموا بصيرورة الممكن واجبا فهم الزّنادقة الخارجة من المبحث قاتَلَهُمُ الله أَنّى يُؤْفَكُونَ ولا يخفى أنّ ما ذكره الشّيخ قدّس سرّه في بيان قول الإمام رضي الله عنه وإن صدق في حقّ قوم من أهل التّلوين الذين استولى عليهم السّكر وغلب عليهم التّوحيد ولكنّى لحسن ظنّي بشأن الإمام لا أجوّز صدقه في حقّه رضي الله عنه؛ لانّه عندي من أكابر أرباب التّمكين والصّحو لا يلتبس عنده المتخيّل بالمتحقّق والسّماع من الغير بالسّماع من الحقّ سبحانه فليطلب لكلامه محمل حسن مناسب لحاله غير هذا الوجه وهو أنّه يمكن أن يسمع العبد كلام الرّبّ العالى بلا كيف كما سمع موسى عليه السّلام في الطّور (فإن قلت) ما معنى سماع الكلام من الله تعالى ولا يسمع إلّا ما هو حرف وصوت (قلت) ممنوع الا يرى أنّ الله تعالى يسمع كلامه بلا حرف وصوت فجاز أن يكون العبد إذا صار متخلّقا بأخلاقه تعالى يسمع بلا حرف وصوت والاستحالة ببديهة الوهم النّاشئة من قياس الغائب على الشّاهد مع وجود الفارق كيف يقاس والشّاهد في مضيق الزّمان المقتضي للتّرتّب والتّقدّم والتّأخّر والغائب لا يجري عليه زمان ولا تقدّم ولا تأخّر ولا ترتّب فجاز في الغائب ثبوت أشياء لا يجوز في الشّاهد فليفهم والله سبحانه أعلم بالصّواب (والتّحقيق) أنّ السّماع إن كان بحاسّة السّمع فلا بدّ أن يكون المسموع حرفا أو صوتا وأمّا إذا كان السّماع بكلّ جزء من أجزاء السّامع غير مخصوص بالحاسّة فجاز أن يحصل بلا حرف وصوت من المسموع فإنّا نسمع بكلّيّتنا وبكلّ جزء من أجزائنا كلاما ليس من جنس الحروف وإن كان يتخيّل في الخيال بالحروف والاصوات الخياليّة فعلم أنّ الكلام المأخوذ المسموع بكلّيّتنا كان أوّلا مجرّدا عن الحرف والصّوت وتلبّس ثانيا في الخيال بالحرف والصّوت الخياليّ ليقرب من الفهم والافهام على أنّا نقول ما هو أعجب منه وهو أنّ الله تعالى يسمع كلامنا المركّب من الحروف والكلمات المترتّبة المتقدّمة المتأخّرة لكنّ سماعه تعالى إنّما يكون بلا توسّط حرف وكلمة وبلا ترتّب وتقدّم وتأخّر لانّ الكلام المركّب المترتّب المتقدّم المتأخّر يقتضي زمانا ولا يجري عليه سبحانه زمان وهو تعالى خلق الزّمان فلمّا جاز سماع الكلام المركّب من الحروف والكلمات بلا توسّط حرف وكلمة فأولى أن يجوز سماع كلام ليس من جنس الحروف والاصوات فافهم ولا تكن من القاصرين ولا من العقلاء الجاهلين والله سبحانه الملهم للصّواب والذى الهمت به ثانيا بعد تسويد هذا المسطور في تحقيق هذا الكلام أنّ فهم العبد المستعدّ لخطابه تعالى وأخذه منه سبحانه إنّما يكون أوّلا بتلقّ روحانيّ بلا توسّط صوت ونداء ثمّ يتمثّل هذا المعنى المتلقّى في سلطان الخيال الذي فيه ارتسم صور الاشياء كلّها بصورة حرف وصوت لانّ الإفادة والاستفادة في عالم الشّهادة لا تكون إلّا بتوسّط الالفاظ والحروف ويجوز أن يطلق على هذا التّلقّي سماع بلا كيف أيضا لانّ الكلام بلا كيف فلا بدّ أن يكون سماعه أيضا بلا كيف إذ لا سبيل لكيف إلى ما لا كيف فيه فصحّ أن يجوز أن يسمع كلامه تعالى المجرّد من الحرف والصّوت بلا كيف ثمّ بعد ذلك يتمثّل ذلك الكلام في الخيال بصورة حرف وكلمة ليحصل الإفادة والاستفادة في عالم الاجسام أيضا ومن لم يطّلع على هذه الدقيقة يزعم بعض منهم وهم أحسن حالا أنّهم يسمعون كلامه تعالى لكن بتوسّط حروف وكلمات حادثة دالّة عليه وبعضهم أطلقوا القول بأنّهم يسمعون كلامه تعالى ولم يفرّقوا بين ما يليق بشأنه تعالى وما لا يليق وهم الجهّال البطّالون لم يفرّقوا ما يجوز على الله تعالى عمّا لا يجوز والحقّ ما حقّقت بفضل الله سبحانه وإحسانه تعالى قوله: صار سمعه بصره وبصره سمعه إلى أن قال: وعاد آخره أوّله وأوّله آخره أي أخذ سمعه حكم بصره وبصره حكم سمعه أي سمع بكلّيّته وبصر بكلّيّته وعلم بكلّيّته لا أنّه سمع ببعضه وبصر ببعضه الآخر مثلا فحينئذ لا يكون السّمع غير البصر ثمّ بيّن قوله: وعاد آخره أوّله وأوّله آخره لخفاءه وحاصله أنّ الله سبحانه خاطب الذّرّ بقوله أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ فسمعت النّداء بلا واسطة على غاية الصّفا ثمّ لم تزل الذّرّات تتقلّب في الاصلاب وتنتقل في الارحام حتّى برزت إلى أجسادها فاحتجبت بالحكمة عن القدرة وتراكم ظلماتها بالتّقلّب في الاطوار فإذا أراد الله بالعبد حسن الاستماع بأن يصيّره صوفيّا صافيا لا يزال يرقيه في رتب التّزكية والتّحلية حتّى يخلص إلى فضاء القدرة ويزال عن بصيرته النّافذة حجاب الحكمة فيصير سماعه ب?

Section V02/P419–V02/P421

أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ كشفا وعيانا وتوحيده وعرفانه تبيانا وبرهانا حيث أخذ لسانه ولسان غيره في حقّه حكم شجرة موسى يسمع منه كلامه تعالى كما سمع موسى من تلك الشّجرة فصحّ أنّه عاد آخره أوّله وأوّله آخره حيث سمع كلامه تعالى آخرا كما سمع أوّلا وعلى هذا حمل قول البعض أنّه قال: أنا أذكر خطاب أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ أي كان ذلك الخطاب الذي أسمع الآن منه تعالى على الالسنة ولا يخفى عليك أنّ الخطاب الاوّل منه تعالى كان تحقيقا وسماع الذّرّ منه تعالى كان على سبيل الحقيقة وهذا الخطاب المأخوذ المسموع من الالسنة إنّما يكون خطاب الله تعالى على سبيل التّخيّل والتّوهّم كما مرّ فأين أحدهما من الآخر؟ فالعجب كلّ العجب أنّ الشّيخ مع جلالة قدره جعل أحدهما عين الآخر ولم يفرّق بين المتحقّق والمتخيّل وما هو إلّا عين السّكر وصرف التّوحيد مثله مثل قوله: أنا الحقّ وسبحاني وليس في جبّتي سوى الله وأعجب من هذا ما قال بعد ذلك: فإذا تحقّق الصّوفيّ بهذا الوصف صار وقته سرمدا إلخ لا يذهب عليك أنّ الصّوفيّ في هذا المقام ما تحقّق إلّا بالتّجلّي المعنويّ الصّفاتيّ كما مرّ وهو مقام التّلوين لا غير فمن أين صار وقته سرمدا ومشهوده مؤبّدا؟ أو ما الدوام السّرمد للوقت إلّا في الوصول إلى الذّات تعالت والتّجلّي الذّاتيّ وكذلك الشّهود والمشاهدة لا يكون إلّا بالوصول إلى الذّات تعالت كما قالوا وما حصل في مرتبة الصّفات يسمّى بالمكاشفة فالشّهود ودوامه هو نصيب أرباب التّمكين الواصلين إلى الذّات لا أهل التّلوين المقيّدين بالصّفات فإنّهم أرباب القلوب وأصحاب التّقلّب سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ المكتوب الثامن عشر والمائة إلى الشّيخ مودود محمّد قال الشّيخ قدّس سرّه في الباب التّاسع من كتاب العوارف في ذكر من انتمى إلى الصّوفيّة: من جملة أولئك قوم يقولون بالحلول خذلهم الله سبحانه ويزعمون أنّ الله تعالى يحلّ فيهم ويحلّ في أجسام يصطفيها ويسبق إلى فهومهم معنى من قول النّصارى في اللّاهوت والنّاسوت ومنهم من يستبيح النّظر إلى المستحسنات إشارة إلى هذا الوهم ويتخايل له أنّ من قال كلمات في بعض غلباته كان مضمرا لشيء ممّا زعموه مثل قول الحلّاج أنا الحقّ وما يحكى عن أبي يزيد من قوله: سبحاني حاشا أن نعتقد في أبي يزيد أنّه يقول ذلك إلّا على معنى الحكاية عن الله تعالى وهكذا ينبغي أن نعتقد في قول الحلّاج ذلك ولو علمنا أنّه ذكر ذلك القول مضمرا لشيء من الحلول رددناه كما نردّهم انتهى فيا ليت شعري ما معنى الحكاية عن الله تعالى وما وجه تخصيص أرباب السّكر بمثل هذا القول على معنى الحكاية اللهمّ إلّا أن يقال: إنّه قدّس سرّه أراد أنّ القائل بمثل هذا القول إن كان هو العبد كما هو الظّاهر عند الاكثر فلا بدّ أن يكون حكاية من الله تعالى فإنّ العبد لا يصير ربّا لكنّ القائل به في الحقيقة هو الرّبّ سبحانه ولسان العبد مثل الشّجرة الموسويّة فلا اعتراض على الحلّاج ولا تعرّض على أبي يزيد قدّس الله تعالى أسرارهما والظّاهر من عبارة الشّيخ أنّه لو لم يحمل على معنى الحكاية يفهم منه الحلول وليس كذلك إذ يجوز أن يقول ذلك عند غلبات التّوحيد واستتار ما سوى الواحد المشهود عند لمعان نور الشّهود بلا شائبة حلول واتّحاد فمعنى قوله: أنا الحقّ عند اختفائه عن نظره لست أنا بشيء وإنّما الموجود الحقّ لا أنّي متّحد مع الحقّ أو حالّ في الحقّ فإنّه كفر ومناف للتّوحيد الشّهوديّ فإنّ المشهود فيه ليس إلّا الواحد الاحد وعلى تقدير الحلول والاتّحاد المشهود متعدّد ولو على صفة الاتّحاد والحاليّة (قوله) ومنهم من يستبيح النّظر إلى المستحسنات إشارة إلى هذا الوهم أي الحلول والعجب من الشّيخ الاجلّ انّه يفهم من أمثال هذه العبارات الاتّحاد والحلول والحال أنّ المتبادر من هذه الاقوال الظّهور وهو وراء الحلول لانّ الحلول كينونة نفس شيء في شيء مثل كينونة نفس زيد في البيت والظّهور كينونة عكس شيء مثل كينونة عكس زيد في المرآة والاوّل محال في مرتبة الوجوب ونقص لتلك المرتبة المقدّس والثاني لا منع لثبوته ولا نقص عند حصوله فإنّ الاوّل يستلزم التّغيّر المنافي للقدم والثاني لا يستلزم كما لا يخفى فلو ظهرت الكمالات الوجوبيّة في مرايا الأعدام والإمكان لم يلزم منه حلول تلك الكمالات في تلك المرايا ولا تغيّرها ولا انتقالها المنافي للقدم وإنّما هو ظهور وإراءة كمال في مرآة فتجويز شهود كمالاته تعالى في مرايا الإمكان ليس تجويزا لحلول تلك الكمالات فيها بل هو تجويز لظهور الكمال في المرآة ولا نقص فيه وإن كان المجوّز لمثل هذا الشّهود صاحب نقص وغير مستقيم على الجادّة لكنّ المقصود دفع تهمة الحلول عنده لا إثبات كماله وكونه على شيء والله سبحانه أعلم بحقائق الامور كلّها.

Section V02/P421–V02/P422

المكتوب التّاسع عشر والمائة إلى المير منصور في بيان اختيار العزلة الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وقد أطاب الوقت صحائف أخي الاعزّ بورودها متعاقبة حمدا لله سبحانه لم يتطرّق الفتور والتّلوين إلى محبّتكم للفقراء وارتباطكم بهم مع وجود أسباب عدم المناسبة بل زادت قوّة ذلك الارتباط رزق الله سبحانه الاستقامة على محبّة هذه الطّائفة الّتي هي رأس بضاعة السّعادة (أيّها المشفق) قد غلب شوق الانزواء في هذه الفرصة فاخترت القعود في زاوية حتّى لا أذهب إلى المسجد لغير صلاة الجمعة وجماعة الاوقات الخمسة تنعقد في تلك الزّاوية وصار طريق ملاقاة النّاس مسدودا وتمرّ الاوقات على جمعيّة تامّة وكأنّ متمنّى جميع العمر تيسّر الآن حمدا لله سبحانه على ذلك وبقيّة الأحوال الصّوريّة أيضا مقرونة بالعافية والاولاد وسائر المتعلّقين على جمعيّة وقدم الخواجه عبد الله على دهلي قبل شهر رمضان المبارك حمدا لله سبحانه قد حصّل الخواجه في مجيئه هذا فوائد كثيرة وقلب الورق بالتّمام وتخلّص من غلبات التّوحيد وخاض في بحر التّنزيه ومتوجّه إلى العمق والقعر وذاهب من الظّاهر إلى الباطن بل إلى ابطن البطون وتفصيل الأحوال لمّا قدم الحافظ بهاء الدين هناك أحلناه إليه. المكتوب العشرون بعد المائة إلى المرزا حسام الدين أحمد في حلّ عبارات مكتوب متضمّن للأسرار الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى قد شرّفت بمطالعة الصّحيفة الشّريفة المرسلة إلى هذا الفقير على وجه الشّفقة والرأفة وقد اندرج فيها أنّ لواحد من الاعزّة اعتراضات على عبارات المكتوب الذي كتبه من أجمير فينبغي كتابة شيء في حلّها ولمّا كتب بعض الاصحاب بتعيين مواضع الاشتباه كتبنا في حلّها مقدّمات بمقياس التّعيين والله سبحانه الهادي إلى سبيل الرّشاد (أيّها المخدوم المكرّم) إنّ السّير المراديّ والسّير المريديّ كلّ منهما أمر يتعلّق بوجدان صاحب ذلك السّير لا أنّه الزام أمر يتعلّق بالغير فلا مجال إذا لطلب الحجّة والبرهان على إثباته ومع ذلك إذا أعطى الله سبحانه شخصا قوّة قدسيّة ولاحظ في أحوال صاحب ذلك السّير وأوضاعه ملاحظة تامّة وشاهد الفيوض والبركات والعلوم والمعارف الإلهيّة الّتي هو ممتاز بها يمكن أن يحكم بكون سيره سيرا مراديّا من غير احتياج إلى دليل أصلا كما يحكم بكون نور القمر مستفادا من نور الشّمس بعد ملاحظة قرب القمر من الشّمس وبعده عنها ومقابلته بها واجتماعه معها وإن لم يكن هذا المعنى حجّة لغير أرباب الحدس وأيضا قال حضرة شيخنا قدّس سرّه في أوائل حال سير هذا الفقير أنّ سيره سير مراديّ ولعلّ الاصحاب أيضا سمعوا منه هذا الكلام وأنشد هذين البيتين من المثنويّ معتقدا بأنّهما مطابقان لحال هذا الفقير. (شعر) عشق معشوق خفيّ وستّير . عشق عشّاق بطبل ونفير غير أنّ الثاني مضن للبدن .

Section V02/P422–V02/P423

عشق معشوق مزيد في السّمن وكلّ من وصل من المرادين كان سيره على طريق الاجتباء وطريق الاجتباء ليس مخصوصا بالانبياء عليهم السّلام صرّح بذلك صاحب العوارف قدّس سرّه في بيان المجذوب السّالك والسّالك المجذوب وقال لطريق المريدين: طريق الإنابة ولطريق المرادين: طريق الاجتباء قال الله تعالى: «الله يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ ويَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ " نعم انّ طريق الاجتباء بالاصالة مخصوص بالانبياء عليهم الصّلاة والسّلام وللأمّة كسائر الكمالات بتبعيّتهم لا أنّه مخصوص بالانبياء مطلقا لا نصيب منه للأمّة أصلا فإنّه غير واقع (أيّها المخدوم) إنّ وصول الفيض إلى السّالك بتوسّط خير البشر وحيلولته عليه الصّلاة والسّلام إنّما هو قبل أن تنطبق حقيقة السّالك المحمّديّ المشرب على الحقيقة المحمّديّة وقبل أن تتّحد بها فإذا حصل الاتّحاد بين هاتين الحقيقتين في مقامات العروج بكمال متابعته بل بمحض الفضل ارتفع التّوسّط من البين فإنّ التّوسّط إنّما هو حين المغايرة وفي الاتّحاد لا متوسّط ولا متوسّط له ولا حاجب ولا محجوب بل المعاملة في مقام الاتّحاد بالشّركة ولكن لمّا كان السّالك تابعا وملحقا وطفيليّا لزم أن تكون تلك الشّركة من قبيل شركة الخادم بالمخدوم (وما قلت) من أنّه يحصل لحقيقته انطباق على حقيقته صلّى الله عليه وسلّم وإنّها تتّحد بها بيانه أنّ الحقيقة المحمّديّة جامعة لجميع الحقائق ويقال لها حقيقة الحقائق وحقائق الآخرين كالاجزاء لها أو كالجزئيّات لانّ السّالك لو كان محمّديّ المشرب فحقيقته كالجزئيّ لتلك الكلّيّة ومحمولة عليها وإن كان غير محمّديّ المشرب فحقيقته كالجزء بالنّسبة إلى الكلّ وغير محمولة عليها فإن عرض لحقيقة غير محمّديّ المشرب اتّحاد في أثناء العروج انّما يكون ذلك بحقيقة نبيّ هو على قدمه وتكون محمولة على تلك الحقيقة وتحصل له شركة معه في الكمالات المناسبة به ولكن تكون تلك الشّركة من قبيل شركة الخادم بالمخدوم كما مرّ فإذا حصل لذلك الجزئيّ بعلاقة كمال المتابعة بل بمحض الفضل محبّة خاصّة لكلّيّته وأخذ شوق الوصول إليه بيده يشرع القيد الذي جعل الكليّ جزئيّا بفضل الله تعالى في الزّوال وبعد زواله بالتّدريج يحصل لذلك الجزئيّ انطباق على ذلك الكلّيّ والحاق به وما قلت من أنّه إذا حصل له محبّة خاصّة فهي كما حصلت لهذا الفقير بمحض الفضل حتّى قلت في غلبات تلك المحبّة: إنّ محبّتي لحضرة الحقّ سبحانه إنّما هي من جهة كونه تعالى ربّ محمّد صلّى الله عليه وسلّم وتعجّب الميان تاج وغيره من الاصحاب من هذا الكلام وأظنّ أنّه لم يخرج من خاطركم أيضا وما لم يحصل مثل هذه المحبّة كيف يتصوّر اللّحاق والاتّحاد؟ ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (ولنبيّن) حقيقة التّوسّط وعدم التّوسّط ينبغي أن يسمع بحسن الاستماع (اعلم) أنّ في طريق الجذبة لمّا كان الجذب والجرّ من جانب المطلوب وكانت العناية الإلهيّة متكلّفة لحال الطّالب لا يقبل الوساطة بالضّرورة وفي طريق السّلوك لمّا كانت الإنابة من طرف الطّالب لا بدّ فيه من وجود الوسائط والوسائط وإن كان لا يحتاج إليها في نفس الجذبة ولكنّ تماميّة الجذبة منوط بالسّلوك فإن لم ينضمّ السّلوك الذي هو عبارة عن إتيان الاحكام الشّرعيّة من التّوبة والزّهد وغيرهما إلى الجذبة فتلك الجذبة غير تامّة بل أبتر وقد رأيت كثيرا من الهنود والملاحدة فيهم جذبة ولكن لمّا لم يكونوا متحلّين بمتابعة صاحب الشّريعة عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام والتّحيّة ليس لهم نصيب غير صورة الجذبة وحالهم خراب وأبتر (فإن قيل) إنّ حصول الجذب يستدعي نحوا من المحبوبيّة فكيف يجوز في حقّ الكفّار الذين هم أعداء الله كون نصيب من الجذبة؟

Section V02/P423–V02/P425

(قلت) يمكن أن يكون في بعض الكفّار نحو من معنى المحبوبيّة ويكون ذلك باعثا لحصول الجذب ولكن لمّا لم يكونوا متحلّين بمتابعة صاحب الشّريعة عليه الصّلاة والسّلام بقوا خاسرين مخذولين ولم تزدهم تلك الجذبة غير الحجّة عليهم حيث آذنت باستعدادهم ولم يخرجوه من القوّة إلى الفعل بسبب الجهل والعناد وما ظَلَمَهُمُ الله ولكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ فإذا تيسّر الوصول إلى المطلوب في طريق الجذبة بمتابعة صاحب الشّريعة الّتي هي عبارة عن السّلوك يكون بلا واسطة وبلا حيلولة أمر قالوا لو دلّيتم بدلو لوقعتم على الله يعني لو انجذبتم وانجررتم إلى حضرة الحقّ سبحانه ووصلتم إلى أبطن البطون لا يكون بينكم وبين الحقّ جلّ وعلا حيلولة أمر وحجابيّته ولعلّ بقي في خاطركم الشّريف أيضا ما قاله حضرة شيخنا قدّس سرّه إنّ تيسّر الوصول للعبد إلى الحقّ سبحانه من طريق المعيّة بينه وبينه تعالى يكون بلا توسّط أمر البتّة فإنّه هو المناسب للمعيّة والواسطة إنّما هي في سلسلة التّربية الّتي هي عبارة عن السّلوك وطريق المعيّة واحد من طرق الجذبة وحديث «المرء مع من أحبّ " أيضا يؤيّد ذلك فإنّه لمّا ثبتت المعيّة بين شخص وبين محبوبه فقد ارتفعت الواسطة. (اسمع) انّ لكلّ ظلّ طريقا واضحا إلى أصله ولا حائل بينهما أصلا فلئن حصل للظّلّ بعناية الله جلّ شأنه ميل إلى أصله وحصل له انجذاب إليه ولحوق به يكون ذلك بلا حيلولة أمر البتّة وحيث انّ ذلك الاصل اسم من الاسماء الإلهيّة لا يكون بين الاسم وبين مسمّاه حائل البتّة ويكون وصول الظّلّ من هذا الطّريق إلى أصل الاصل الذي هو مسمّى ذلك الاسم بلا توسّط أمر وأيضا إنّ كلّ من كان واصلا إلى حضرة الذّات تعالت بوصول لا كيفيّ فتوسّط أمر وحيلولته مفقود في حقّه فإذا ارتفعت حيلولة صفات الواجب وحجابيّتها في صورة الوصول إلى حضرة الذّات فكيف يكون لحيلولة غير الصّفات وحجابيّته مجال؟ (فإن قيل) إذا لم يجز انفكاك الصّفات عن الذّات فما معنى ارتفاع حيلولة الصّفات من بين الواصل والموصول إليه؟ (قلت) إذا حصل للسّالك وصول إلى أصله الذي هو اسم من الاسماء الإلهيّة والسّالك ظلّه وتحقّق السّالك به لا يكون بينه وبين حضرة الذّات - تعالت - توسّط وحيلولة البتّة كما لا حيلولة بين الاسم ومسمّاه فعلى هذا لا يلزم ارتفاع ولا انفكاك وقد مرّ مثل هذا التّحقيق آنفا في بيان اتّحاد حقيقة السّالك بالحقيقة المحمّديّة وقد مرّت أيضا شمّة من هذا البيان عند بيان وصول الظّلّ إلى أصله (تنبيه) ولا يظنّ أبله من عدم التّوسّط الذي ذكر في طريق الجذبة وغيرها الاستغناء عن تبعيّة خير البشر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام فإنّ ذلك كفر وزندقة وإنكار على الشّريعة الحقّة وقد مرّ آنفا الجذبة بلا انضمام السّلوك إليه الذي هو عبارة عن إتيان أحكام الشّريعة غير تامّة وأبتر ونقمة ظهرت في صورة النّعمة وأتمّت الحجّة على صاحبها (وبالجملة) قد بلغ مرتبة اليقين بالكشف الصّحيح والالهام الصّريح أيضا أنّه لا يتيسّر دقيقة من دقائق هذا الطّريق ولا معرفة من معارف القوم بلا وساطته ووساطة متابعته عليه الصّلاة والسّلام وفيوض هذا الطّريق وبركاته لا تحصل للمنتهي كالمبتدي والمتوسّط بلا تبعيّته وتطفّله صلّى الله عليه وسلّم. (شعر) ومن المحال المشي في طرق الصّفا . يا سعد من غير اتّباع المصطفى وزعم أفلاطون الابله نفسه مستغنيا عن الانبياء عليهم السّلام بسبب الصّفاء الذي حصل لنفسه من الرّياضات والمجاهدات!

Section V02/P425

وقال: نحن قوم مهذّبون لا حاجة بنا إلى من يهذّبنا (ينبغي أن يعلم) أنّ هذا الصّفاء الذي يحصل بالرّياضات بلا توسّط متابعة الانبياء حكمه حكم نحاس أسود طلي بالذّهب أو سمّ غلّف بالسّكّر والذى يقلب حقيقة النّحاس ذهبا خالصا ويخرج النّفس من الامّاريّة إلى الاطمئنان هو متابعة الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام والحكيم المطلق جلّ وعلا إنّما قرّر بعثة الانبياء ووضع شرائعهم لتعجيز النّفس الامّارة وتخريبها ولم يجعل تخريبها - بل إصلاحها - في غير متابعة الانبياء عليهم السّلام فمن ارتكب ألوفا من الرّياضات والمجاهدات بلا متابعة هؤلاء الاكابر لا ينقص من أمّاريّتها مقدار شعرة بل تزيد في طغيانها وعنادها (ع) كلّ مختار العليل علّة وإزالة مرضها الذّاتيّ منوطة بالتّمسّك بشرائع الانبياء عليهم السّلام وبدونه خرط القتاد (ينبغي) أن يعلم أنّ الجذبة وإن كانت لا بدّ لها من السّلوك سواء كانت مقدّمة عليه أو مؤخّرة عنه ولكنّ الفضل لتقدّم الجذبة على السّلوك فإنّ السّلوك ح خادمها وفي تأخير الجذبة يكون مخدومها لانّ الجذب ح إنّما يتيسّر له بدولة السّلوك وفي تقدّم الجذبة ليس كذلك فإنّه على هذا التّقدير بنفسه مدعوّ ومطلوب ولهذا كان مرادا وذاك مريدا ورأس المرادين ورئيس المحبوبين محمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فإنّ المقصود الذّاتيّ والمدعوّ الاوّل في هذه الدعوة هو عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام وغيره إنّما دعوا بتطفّله سواء كانوا مرادين أو مريدين لولاه لما خلق الله الخلق ولما أظهر الرّبوبيّة كما ورد فإذا كان كلّ من سواه طفيليّة وكان هو صلّى الله عليه وسلّم مقصودا أصليّا من هذه الدعوة فلا جرم يكون الكلّ محتاجين إليه ويأخذون الفيوض والبركات بتوسّطه عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام فلو قيل للكلّ اله من هذه الحيثيّة لجاز فإنّ الكلّ متّبعون له لا يأخذون كمالا إلّا بتوسّطه فإنّه إذا كان وجود من سواه لا يتصوّر بدون وجوده كيف تتصوّر كمالاتهم الّتي هي تابعة للوجود بدون توسّطه عليه الصّلاة والسّلام؟ نعم ينبغي لمحبوب ربّ العالمين أن يكون كذلك (اسمع) قد صار مكشوفا أن محبوبيّته صلّى الله عليه وسلّم كائنة بمحبّته تعالى المتعلّقة بذاته البحت بلا ملاحظة الشّئون والاعتبارات وصارت حضرة الذّات محبوبة بتلك المحبّة بخلاف محبوبيّة غيره صلّى الله عليه وسلّم فإنّها كائنة بالمحبّة المتعلّقة بالشّئون والاعتبارات ومتلبّسة بالاسماء والصّفات أو بظلال الاسماء والصّفات على تفاوت الدرجات. (شعر) فإنّ فضل رسول الله ليس له .

Section V02/P425–V02/P427

حدّ فيعرب عنه ناطق بفم عليه وعلى جميع إخوانه من الانبياء والمرسلين والملائكة المقرّبين الصّلوات والتّسليمات والبركات (وتحقيق هذا المقام) انّه يمكن أن يكون توسّطه صلّى الله عليه وسلّم بمعنيين أحدهما أنّه يكون حائلا وحاجبا بين السّالك والمطلوب والثاني أنّ السّالك يصل إلى المطلوب بتطفّله وبتوسّط تبعيّته ومتابعته عليه الصّلاة والسّلام ففي طريق السّلوك التّوسّط كائن بمعنييه قبل الوصول إلى الحقيقة المحمّديّة بل أظنّ أنّ كلّ من كان واسطة في البين من الشّيوخ في هذا الطّريق فهو حاجب عن شهود السّالك فويل لمثل هذا السّالك لو لم يتدارك ذلك أخيرا بالجذبة ولم تجرّ معاملته من الحجاب إلى عدم الحجابيّة فإنّ في طريق الجذبة وبعد الوصول إلى حقيقة الحقائق التّوسّط بالمعنى الثاني الذي هو تطفّل السّالك وتبعيّته دون الحيلولة والحجاب حتّى يكون حجابا للشّهود والمشاهدة وأمثالهما (لا يقال) إنّ عدم التّوسّط وإن كان بمعنى واحد يستلزم قصورا لجنابه صلّى الله عليه وسلّم لأنّا نقول أنّ عدم التّوسّط بالمعنى المذكور مستلزم لكمال جنابه صلّى الله عليه وسلّم لا للقصور بل القصور في وجود التّوسّط فإنّ كمال المتبوع هو أن يصل تابعه بتطفّله وتبعيّته إلى جميع درجات الكمال وأن لا يترك دقيقة من دقائقه وهذا إنّما هو في عدم التّوسّط لا في وجوده فإنّ في عدم التّوسّط شهودا بلا حجاب وهو أقصى درجات الكمال وفي وجود الشّهود في حجاب فيكون الكمال في عدم التّوسّط والقصور في التّوسّط ومن شوكة المخدوم وعظمته أن لا يتخلّف عنه خادمه في مقام أصلا ويكون بتبعيّته شريكا في دولة أقرانه ومن ههنا قال عليه الصّلاة والسّلام «علماء أمّتي كأنبياء بني إسرائيل " وستكون الرّؤية الاخرويّة بلا توسّط شيء وحيلولة أمر وقد ورد في الحديث الصّحيح " إنّ العبد إذا دخل في الصّلاة يرتفع الحجاب الذي بين العبد والرّبّ " ولهذا كانت الصّلاة معراج المؤمن وصار الحظّ الوافر منها نصيبا للمنتهى الواصل فإنّ رفع الحجاب مخصوص بالمنتهى الواصل فثبت ارتفاع التّوسّط والحيلولة وهذه المعرفة من خواصّ المعارف اللدنيّة بهذا الفقير أعطيها بمحض الفضل والكرم وتحقّق بحقيقتها. (شعر) كأنّي بقعة فيها سحاب ال? . رّبيع ممطر ماء زلالا ونعم ما قيل (شعر) وإذا أتى باب العجوز خليفة . إيّاك يا صاح ونتف سبالكا ولمشائخ الطّريقة قدّس الله أسرارهم اختلافات في توسّطه وعدم توسّطه صلّى الله عليه وسلّم ذهب جماعة إلى وجود التّوسّط وطائفة إلى عدمه ولم يبيّن منهم أحد تحقيق التّوسّط وعدم التّوسّط ولم يتكلّم في كمالهما وقصورهما وأرباب الظّاهر يكادون يظنّون عدم التّوسّط الذي هو كمال الإيمان كفرا ويضلّلون القائل به من جهالاتهم ويتصوّرون التّوسّط من كمال الإيمان ويعدّون القائل به من كمّل المتابعين والحال أنّ عدم التّوسّط منبئ عن كمال المتابعة ووجود التّوسّط مشعر بقصور المتابعة كما مرّ كلّ ذلك منهم لعدم الدرك إلى حقيقة الحال قال الله تعالى بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ (أيّها المخدوم) انّ القول بالاويسيّة ليس بانكار على الشّيخ الظّاهر فانّ الاويسىّ شخص يكون للرّوحانيّين مدخل في تربيته الا ترى انّ الخواجه أحرار قدّس سرّه لمّا وجد الامداد من روحانيّة الخواجه النّقشبند قدّس سرّه قيل له مع وجود شيخه الظّاهر اويسيّا وكذلك الخواجه النّقشبند لمّا نال الامداد من روحانيّة الخواجه عبد الخالق الغجدوانىّ قدّس سرّهما كان مع وجود شيخه الظّاهر اويسيّا خصوصا اذا كان شخص مع وجود الاويسيّة مقرّا بشيخه الظّاهر وجعل المراد انكارا على الشّيخ بالزّور والبهتان انصاف عجيب (أيّها المخدوم) انّ المراد من تركيب لفظ عبد الباقي معناه الاضافيّ لا العلمىّ وان كان فيه اشعار بالمعنى العلمىّ أيضا بابلغ الوجوه يعنى انّ شيخى وان كان عبد الباقى ولكنّ المتكّفل بتربيتى الله الباقى فاىّ تحريف وانحراف هنا واىّ سوء ادب رزق الله الانصاف (أيّها المخدوم) انّ القصور الذى قيل في معنى قول " سبحانى " الذى صدر عن ابى يزيد البسطامىّ قدّس سرّه في غلبات السّكر لو سلّم لا يلزم منه ان يكون ذلك القصور مستقرّا ومستمرّا في قائله حتّى يكون غيره افضل منه فانّ كثيرا من المعارف تصدر في وقت بمقتضى حال ذلك الوقت ثمّ لمّا ظهر قصور تلك المعرفة بعناية الله تعالى في وقت آخر تترك تلك المعرفة ويترقّى إلى مقام فوقانىّ قد اندرج في المكتوب الشّريف انّ امثال هذه الكلمات الممزوجة بالشّطح لو كتبها ارباب السّكر لجاز ولكنّ اظهار ارباب الصّحو امثال هذه الكلمات مستبعد جدّا (أيّها المخدوم) انّ كلّ من كتب هذه الكلمات فمنشأه السّكر لم يحرّك القلم في هذا الباب بلا مزج السّكر غاية ما في الباب انّ في السّكر مراتب كثيرة وكلّما كان السّكر اكثر يكون الشّطح اغلب واوفر وسكر البسطامىّ هو ما يصدر عنه قول " لوائى ارفع من لواء محمّد بلا تحاش " فكلّ من حاله الصّحو لا يظنّ به انّه لا سكر معه اصلا فانّه عين القصور لانّ الصّحو الخالص نصيب العوامّ ومن رجّح الصّحو فمراده غلبة الصّحو لا الصّرف وكذلك كلّ من يرجّح السّكر فمراده غلبه السّكر لا السّكر الخالص فانّه آفة الا ترى انّ الجنيد قدّس سرّه مع كونه رئيس ارباب الصّحو وترجيحه الصّحو على السّكر له عبارات كثيرة ممزوجة بالسّكر يعسر تعدادها قال العارف هو المعروف وقال لون المألون إنائه وقال المحدث اذا قرن بالقديم لم يبق له اثر وصاحب العوارف من كمّل ارباب الصّحو ومع ذلك في كتابه من المعارف السّكريّة ما لا يمكن شرحه وهذا الفقير قد جمع بعض معارفه السّكريّة في ورق ومن بقايا السّكر تجويز افشاء الأسرار ومنه المباهات والافتخار ومنه ادّعاء المزيّة على الاغيار فلو كان صحو الخالص يكون افشاء الأسرار ح كفرا واعتقاد الافضليّة على الغير شركا وبقيّة السّكر في الصّحو كالملح المصلح للطّعام فلو لم يكن ملح يكون الطّعام معطّلا (شعر) فلو لم يكن عشق وهيمان عاشق .

Section V02/P427–V02/P428

لما كان من يصغى وما كان سامر وقد حمل صاحب العوارف قدّس سرّه قول " قدمى هذه على رقبة كلّ ولىّ " الصّادر عن الشّيخ عبد القادر قدّس سرّه على السّكر وليس مراده اثبات القصور لهذا القول كما توهّم فانّه عين محمدة له بل بيان الواقع يعنى انّ صدور مثل هذا الكلام المنبئ عن المباهات والافتخار ليس هو بلا بقيّة سكر فانّ التّكلّم بامثال هذا الكلام في الصّحو الخالص عسير وكلّ هذه الدفاتر الّتى كتبها هذا الفقير في علوم هذه الطّائفة العليّة وأسرارهم كأنّه تقرّر في خاطركم الشّريف انّه كتبها عن صحو خالص بلا مزج السّكر حاشا وكلّا من ذلك فانّه حرام منكر وجزاف ونسج للكلام والذين ينسجون الكلام المتّصفون بصحو خالص كثير فلم لا ينسجون الاقوال على هذا المنوال ولا يحرّكون بها قلوب الرّجال (شعر) خليلى ما هذا بهذل وانّما . حديث عجيب من بديع الغرائب (أيّها المخدوم) انّ امثال هذه الكلمات المنبئة عن افشاء الأسرار المصروفة عن الظّاهر قد صدرت عن مشائخ الطّريقة قدّس الله أسرارهم في كلّ وقت وصار ذلك عادتهم المستمرّة ليس هو امر ابتدعه هذا الفقير واخترعه ليس هذا اوّل قارورة كسرت في الاسلام فما كلّ هذا الاضطراب والجدال فان صدر لفظ لا يطابق ظاهره بعلوم الشّريعة ينبغي ان يصرفه عن الظّاهر بادنى توجّه وان يجعله مطابقا بعلوم الشّريعة دون ان يتّهم مسلما فاذا كان اشاعة فاحشة وافضاح فاسق حراما ومنكرا في الشّريعة فافضاح مسلم بمجرّد اشتباه كيف يكون مناسبا واىّ تديّن في النّداء من بلد إلى بلد وطريق الاسلاميّة والشّفقة هو انّه اذا صدر عن شخص كلمة ظاهرها مخالف للعلوم الشّرعيّة ينبغي ان ينظر إلى قائله انّه من هو فان كان ملحدا وزنديقا ينبغي ان يردّه وان لا يشتغل باصلاحه وان كان من المسلمين وكان له ايمان بالله ورسوله ينبغي ان يجتهد في اصلاح كلامه وان يحمله على محمل صحيح وان يطلب حلّه من قائله فلو عجز عن حلّه ينبغي ان ينصحه فانّ الامر بالمعروف والنّهى عن المنكر هو الرّفق لكونه قريبا من الاجابة فان لم يكن المقصود الاجابة بل كان تفضيحا فهو امر آخر رزق الله تعالى التّوفيق واعجب من ذلك انّه يفهم من المكتوب الشّريف أنّه قد طرأ الاشتباه والانحراف على ملازميكم أيضا بعد استماع مكتوب هذا الفقير من ذاك العزيز ويشبه ان يكون انعكاسا وكان ينبغي لهم ان يحلّوا مظانّ الاشتباه بانفسهم من غير ان يطرح لهذا الفقير وان يسكّنوا الفتنة فماذا اقول في حقّ سائر الاصحاب بانّ بعضهم لم يدفع الاشتباه ولم تسمح نفسه بذلك واختار السّكوت مع وجود القدرة على الدفع (شعر) ونحن قد توقّعنا .

Section V02/P428–V02/P435

من الاحباب امدادا ربّنا آتنا من لدنك رحمة وهيّئ لنا من امرنا رشدا والسّلام اوّلا وآخرا المكتوب الحادى والعشرون: إلى مولانا حسن الدهليّ بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى اعلم انّ الحقيقة المحمّديّة ظهور اوّل وحقيقة الحقائق بمعنى انّ سائر الحقائق سواء كانت حقائق الانبياء الكرام او حقائق الملائكة العظام عليهم الصّلاة والسّلام كالظّلال لها وانّها اصل جميع الحقائق قال عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام " اوّل ما خلق الله نورى " وقال عليه الصّلاة والسّلام «خلقت من نور الله والمؤمنون من نورى " فبالضّرورة تكون تلك الحقيقة بين سائر الحقائق وبين الحقّ جلّ وعلا ويكون وصول احد إلى المطلوب بلا توسّطه عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام محالا فهو نبىّ الانبياء والمرسلين وارساله رحمة للعالمين ومن ههنا يتمنّى الانبياء اولو العزم مع وجود الاصالة فيهم تبعيّته والدخول في عداد امّته كما ورد عنه عليه وعليهم الصّلاة والسّلام (فإن قيل) اىّ كمال مربوط بكون الانبياء من أمّته صلّى الله عليه وسلّم ولم يتيسّر لهم مع وجود دولة النّبوّة فيهم (قلت) انّ ذلك الكمال هو الوصول إلى حقيقة الحقائق والاتّحاد به وهما منوطان بالتّبعيّة والوراثة بل موقوفان على كمال فضله تعالى فانّهما نصيب اخصّ الخواصّ من امّته صلّى الله عليه وسلّم ومن لم يكن من امّته لا يصل إلى هذه الدولة ولا يرتفع في حقّه الحجاب فانّه انّما يتيسّر بسبب الاتّحاد ولعلّ الله سبحانه قال من هذه الحيثيّة " كنتم خير امّة " فهو عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام كما هو افضل من كلّ فرد من الانبياء الكرام والملائكة العظام كذلك هو عليه الصّلاة والسّلام كما هو افضل الكلّ عليه وعليهم الصّلاة والسّلام فانّ للاصل فضلا على ظلّه وان كان ذلك الظلّ متضمّنا لالوف من الظّلال فانّ وصول الفيوض من المبدأ الفيّاض سبحانه إلى الظّلّ انّما هو بتوسّط الاصل وقد حقّق هذا الفقير في رسائله انّ للنّقطة الفوقانيّة فضلا على جميع النّقط الّتى تحتها وهنّ كالظّلال لها وقطع العارف لتلك النّقطة الفوقانيّة الّتي هى كالاصل ازيد من قطعه لجميع النّقط التّحتانيّة الّتى هى كالظّلال لها (فإن قيل) يلزم من هذا البيان فضل خواصّ هذه الامّة على الانبياء عليهم السّلام (قلت) لا يلزم ذلك اصلا وانّما يلزم شركة خواصّ هذه الامّة مع الانبياء في تلك الدولة ومع ذلك في الانبياء كمالات كثيرة ومزايا عديدة مختصّة بهم واخصّ الخواصّ من هذه الامّة لو ترقّى غاية التّرقّى لا يصل رأسه إلى قدم ادنى الانبياء واين المجال للمساواة والمزيّة بعد قال الله تعالى " ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ " عليهم الصّلوات والتّسليمات فلو ترقّى فرد من أفراد الامّة بتطفّل نبيّه وتبعيّته فوق بعض الانبياء عليهم السّلام انّما يكون ذلك بعنوان الخادميّة والتّبعيّة ومن المعلوم انّه ما نسبة الخادم إلى اقران المخدوم غير الخادميّة والتّبعيّة والخادم الطّفيلىّ طفيلىّ في جميع الوقت والحقيقة المحمّديّة الّتى هى حقيقة الحقائق على ما انكشف لهذا الفقير في آخر الامر بعد طىّ جميع مراتب الظّلال هى التّعيّن الحبّىّ وظهوره الذى هو مبدأ الظهورات ومنشأ خلق المخلوقات كما ورد في الحديث القدسىّ المشهور كنت كنزا مخفيّا فأحببت ان اعرف فخلقت الخلق لاعرف واوّل شيء جاء إلى منصّة الظّهور من ذلك الكنز الخفىّ كان الحبّ الذى صار سببا لخلق الخلائق فلو لم يكن هذا الحبّ لما انفتح باب الإيجاد وكان قدم العالم راسخا ومستقرّا في العدم وينبغي ان يطلب سرّ حديث «لولاك لما خلقت الافلاك " ولما اظهرت الرّبوبيّة في هذا المقام (فإن قيل) انّ صاحب الفتوحات المكّيّة جعل التّعيّن الاوّل الذى هو الحقيقة المحمّديّة عبارة عن اجمال العلم وانت قلت في رسائلك انّ التّعيّن الاوّل هو التّعيّن الوجودىّ وجعلت مركزه الذى هو اشرف اجزائه واسبقها عبارة عن الحقيقة المحمّديّة وظننت تعيّن حضرة الاجمال ظلّ هذا التّعيّن الوجودىّ وتكتب الآن ههنا انّ التّعيّن الاوّل هو التّعيّن الحبّىّ وانّه حقيقة محمّديّة فما وجه التّوفيق بين هذه الاقوال (قلت) كثيرا ما يظهر ظلّ شيء بصورة اصله ويجعل السّالك مشغولا ومشغوفا بنفسه فذانك التّعيّنان من ظلال التّعيّن الاوّل ظهرا للسّالك وقت العروج بصورة اصلهما الذى هو التّعيّن الاوّل الحبّىّ (فإن قيل) كيف يستقيم القول بانّ التّعيّن الوجودىّ ظلّ التّعيّن الحبّىّ والحال انّ للوجود سبقة على الحبّ فانّ الحبّ فرع الوجود (قلت) انّ هذا الفقير قد حقّق في رسائله انّ الحقّ سبحانه وتعالى موجود بذاته لا بالوجود وكذلك صفاته الثمانية الحقيقيّة موجودة بذاته جلّ شأنه لا بالوجود فانّه لا مجال للوجد بل للوجوب في تلك المرتبة لانّ الوجود والوجوب كليهما من الاعتبارات واوّل اعتبار ظهر لايجاد العالم هو الحبّ ثمّ بعده اعتبار الوجود الذى هو مقدّمة ايجاد العالم فانّ لحضرة الذّات تعالت بلا اعتبار هذا الحبّ والوجود استغناء عن العالم وعن ايجاد العالم " إِنَّ الله لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ " نصّ قاطع والقول بظلّيّة التّعيّن العلمىّ الاجمال لذينك التّعيّنين باعتبار انّهما من اعتبارات حضرة الذّات بلا ملاحظة الصّفات والملحوظ في هذا التّعيّن هو الصّفة الذى هى كالظّلّ للذّات (ينبغي) ان يعلم انّه اذا أجيل النّظر في التّعيّن الاوّل الذى هو التّعيّن الحبّىّ بالدّقّة والامعان يعلم بفضل الله سبحانه انّ مركز ذلك التّعيّن هو الحبّ الذى هو الحقيقة المحمّديّة ومحيطه الذى هو كالدّائرة في صورة المثال وكالظّلّ لذلك المركز هو الخلّة الّتى هى الحقيقة الابراهيميّة فكان الحبّ اصلا والخلّة كالظّلّ له ومجموع المركز والمحيط الذى هو دائرة واحدة تعيّن اوّل ومسمّى باسم اشرف اجزائه واسبقها الذى هو المركز الذى هو عبارة عن الحبّ وفي النّظر الكشفىّ أيضا يظهر باعتبار اصالة ذلك الجزء وغلبته تعيّنا حبّيّا ومن حيث انّ محيط الدائرة كالظّلّ لمركزها وناش منه وانّ ذلك المركز اصل ومنشأ له لو قيل للمحيط تعيّنا ثانويّا أيضا لجاز ولكن ليس في النّظر الكشفىّ تعيّنان بل تعيّن واحد مشتمل على الحبّ والخلّة اللّذين هما المركز والمحيط والتّعيّن الثانى في النّظر الكشفيّ هو التّعيّن الوجودىّ الذى هو كالظّلّ للتّعيّن الاوّل كما مرّ فاذا كان المركز اصلا للمحيط لا بدّ للمحيط في الوصول إلى المطلوب من توسّط المركز فانّ الوصول إلى المطلوب من طريق المركز الذى هو اصل الدائرة واجمالها ينبغى ان يعرف من هذا البيان مناسبة حبيب الله واتّحاده بخليل الله عليهما الصّلاة والسّلام ولمّا كان الاصل واسطة للظّلّ في الوصول إلى المطلوب لا جرم اراد الخليل توسّط حبيب الله وتمنّى ان يكون داخلا في عداد امّته عليهما الصّلاة والسّلام كما ورد في الخبر (فإن قيل) اذا كانت المعاملة هكذا فما معنى امر حبيب الله بمتابعة ملّة خليل الله عليهما الصّلاة والسّلام ولم قال صلّى الله عليه وسلّم في بيان الصّلاة والسّلام على نفسه الشّريفة كما صلّيت وكما سلّمت على ابراهيم (قلت) انّ حقيقة الشّيئ كلّما كانت اعلى واقرب إلى التّنزيه يكون مظهر تلك الحقيقة في عالم العناصر اسفل ويكون تلبّسه بالصّفات البشريّة اكثر فوصول ذلك المظهر إلى تلك الحقيقة بطريق العروج يكون متضمّنا للعسر والملّة الّتى اعطاها الله سبحانه لابراهيم عليهم السّلام طريق واضح للوصول إلى الحقيقة الابراهيميّة الّتى هى واقعة في جوار الحقيقة المحمّديّة كما مرّ وابراهيم عليه السّلام وصل هناك من هذا الطّريق ولهذا امر صلّى الله عليه وسلّم بمتابعة ملّته ليصل بها إلى حقيقة الحقائق وقال صلّى الله عليه وسلّم كما صلّيت وكما سلّمت لانّ الصّلاة والرّحمة عليه عليه السّلام انّما هى بعد حصول دولة الوصول إلى الحقيقة مع انّا نقول انّ الفاضل يؤمر في بعض الاحيان بمتابعة المفضول ولا يلزم من ذلك الامر بالمتابعة قصور في فاضليّته قال الله تعالى لنبيّه عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام " وشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ " والامر بمشورة الاصحاب لا يخلو من تضمّن الامر بمتابعتهم وإلّا فما فائدة المشورة (واعلم انّ حقيقة) الصّدّيق رضي الله عنه يعنى ربّه من الاسماء الالهيّة الذى هو مبدأ تعيّنه ظلّ الحقيقة المحمّديّة بلا توسّط امر على نهج كلّما هو كائن في تلك الحقيقة ثابت لذلك الظّلّ بطريق التّبعيّة والوراثة ومن ههنا كان هو رضي الله عنه اكمل ورثة هذه الامّة وافضلهم قال عليه الصّلاة والسّلام «ما صبّ الله شيئا في صدرى إلّا وقد صببته في صدر ابى بكر» (ولاح) أيضا انّ الحقيقة الاسرافيليّة أيضا هى تلك الحقيقة المحمّديّة لا بطريق الاصالة والظّلّيّة كما في الحقيقة الصّدّيقيّة حيث كانت ظلّا لتلك الحقيقة بل في كليهما اصالة هنا لا ظلّيّة حائلة وانّما الفرق بينهما بالكلّيّة والجزئيّة فانّ حقيقته صلّى الله عليه وسلّم كلّيّة ولهذا كانت تلك الحقيقة منسوبة إلى اسمه عليه الصّلاة والسّلام وحقائق الملائكة الكرام عليهم السّلام ناشئة من الحقيقة الاسرافيليّة (فإن قيل) هل يجوز يترقّى العارف من حقيقته الّتى هى عبارة عن الاسم الالهىّ الذى هو ربّه بعد الوصول اليها او لا (قلت) انّ الوصول إلى تلك الحقيقة بعد طىّ مراتب السّلوك الذى قالوا انّه عبارة عن تماميّة السّير إلى الله على نوعين احدهما وصول إلى ظلّ من ظلال ذلك الاسم الذى ظهر في المظاهر الوجوبيّة في صورة حقيقته وبرز بوصف اصله وهذا الاشتباه كثير الوقوع في هذا الطّريق وعقبة عظيمة على السّالك إلّا ان يتيسّر مخلص من هذه العقبة بمحض فضل الله تعالى ولا شكّ انّ هذا التّرقّى من هذا الظّلّ الشّبيه بالحقيقة جائز بل واقع وامّا اذا وقع الوصول إلى نفس الحقيقة فلا يجوز التّرقّى منها بلا تطفّل احد وتبعيّته فانّ تلك الحقيقة نهاية مراتب استعداده الذّاتيّ وامّا اذا وصل إلى حقيقة غيره الّتى هى فوق حقيقته بطريق التّطفّل فجائز بل واقع وهذا السّير كأنّه سير قسرىّ وراء السّير الطّبيعىّ الاستعدادى كما مرّت شمّة من ذلك عند بيان الوصول إلى الحقيقة المحمّديّة (فإن قيل) هل يجوز التّرقّى من الحقيقة المحمّديّة الّتى هى حقيقة الحقائق ولا حقيقة فوقها من حقائق الممكنات او لا وانت كتبت في رسائلك انّ التّرقّى من الحقيقة المحمّديّة قد وقع فما حقيقة هذه المعاملة (قلت) لا يجوز فانّ فوقها مرتبة اللّاتعيّن ووصول المتعيّن اليها ولحوقه بها محال والقول بالوصول واللّحوق بلا تكيّف مجرّد تفوّه يتسلّى به قبل الوصول إلى حقيقة المعاملة وامّا بعد الوصول إلى حقيقة الامر فالحكم بعدم الوصول واللّحوق لازم لانّه ليس فيه شائبة الرّيب وما كتبت انّه قد وقع التّرقّى من الحقيقة المحمّديّة فالمراد من تلك الحقيقة ظلّ تلك الحقيقة الذى قالوا انّه عبارة عن اجمال حضرة العلم ومعبّر عنه بالوحدة كان في ذلك الوقت اشتباه الظّلّ بالاصل ولمّا تيسّر التّخلّص بمحض فضل الله جلّ سلطانه من ذلك الظّلّ وسائر الظّلال علم انّ التّرقّى من حقيقة الحقائق غير واقع بل غير جائز فانّ رفع القدم منها ووضعها فيما فوقها وضع القدم في الوجوب وخروج من الامكان وذلك محال عقلا وشرعا (فإن قيل) يلزم من هذا التّحقيق انّ التّرقّى من تلك الحقيقة غير واقع لخاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام أيضا (قلت) انّه صلّى الله عليه وسلّم أيضا مع علوّ شأنه وجلالة قدره ممكن دائما لا يخرج من الامكان قطّ ولا يلحق بالوجوب اصلا فانّه مستلزم للتّحقّق بالالوهيّة تعالى الله ان يكون له ندّ وشريك دع ما ادّعته النّصارى في نبيّهم الخ (فإن قيل) قد اتّضح من التّحقيق السّابق ان الوصول إلى حقيقة الحقائق واللّحوق والاتّحاد بها بتطفّله ووراثته صلّى الله عليه وسلّم ثابت للآخرين أيضا وشركتهم له في كماله الخاصّ به صلّى الله عليه وسلّم كائنة فعلى هذا التّقدير ما الفرق بين المتبوع الاصل وبين التّابع الطّفيلىّ في هذا الكمال الذى هو متضمّن لرفع الحجاب وارتفاع الواسطة وفوق جميع الكمالات واىّ مزيّة في المتبوع والاصل ليست هى في التّابع والطّفيلىّ (قلت) انّ وصول الآخرين إلى تلك الحقيقة ولحوقهم بها من قبيل لحوق الخادم بالمخدوم ووصول الطّفيلىّ إلى الاصيل فان كان الواصل من اخصّ خواصّ الامّة الذين هم الاقلّون فهو خادم وان كان من الانبياء عليهم السّلام فهو أيضا طفيلىّ والخادم الذى هو نائل حصّة ممّا في يد المخدوم اىّ شركة له مع المخدوم واىّ عزّة له واىّ مزيّة في جنبه والطّفيلىّ وان كان جليسا وشريكا في اللّقمة ولكنّ الطّفيلىّ طفيلىّ ووصول الخدمة بتبعيّة المخدوم إلى امكنة عالية واكلهم من الاطعمة المخصوصة به ونيلهم الاعزاز والاحترام من عظمة شأن المخدوم وعلوّ منزلته وكأنّه يلحق للمخدوم ح عزّة اخرى من جهة لحوق خدمة به مع وجود عزّته الذّاتيّة ويزيد بذلك قدره ويرتفع شأنه (اسمع سماعا حسنا) انّه قد ورد في الحديث النّبوىّ على صاحبه الصّلاة والسّلام " من سنّ سنّة حسنة فله اجرها واجر من عمل بها فالمتبوع كلّما كان التّابع له في سنّته الحسنة اكثر يكون اجره مثل اجورهم ازيد واوفر ويكون موجبا لازدياد منزلته فكيف يكون للتّابعين شركة مع المتبوع وكيف تتوهّم المساواة بينهما (اسمع اسمع) انّه يجوز ان يكون جماعة في مقام واحد وشركاء في دولة واحدة ولكن يكون مع كلّ منهم معاملة على حدة ولا يكون لاحد منهم اطّلاع على الآخر الا ترى انّ ازواج النّبىّ صلّى الله عليه وسلّم يكون معه في الجنّة في مقام واحد ويتناولن من طعام واحد وشراب واحد ولكنّ المعاملة الّتى تكون مع النّبىّ صلّى الله عليه وسلّم لا تكون معهنّ والالتذاذ والسّرور اللّذان يكونان له صلّى الله عليه وسلّم لا يكونان لهنّ فلو كانت لهنّ شركة هناك معه في جميع الامور يلزم افضليّتهنّ على الكلّ كافضليّته صلّى الله عليه وسلّم فانّ الافضليّة هنا بمعنى كثرة الثواب عند الله (فإن قيل) انّ هذا التّعيّن الحبّىّ الذى هو التّعيّن الاوّل والحقيقة المحمّديّة هل هو ممكن او واجب حادث او قديم وقد قال صاحب الفصوص للتّعيّن الاوّل حقيقة محمّديّة وعبّر عنه بالوحدة وكذلك قال للتّعيّن الثانى واحديّة واثبت الاعيان الثابتة الّتى هى حقائق الممكنات عنده في تلك المرتبة وقال لكلا التعيّنين تعيّنا وجوبيّا واعتقد قدمهما وقال للتّعيّنات الثلاثة الباقية اعنى الرّوحىّ والمثالىّ والجسدىّ تعيّنا امكانيّا فما معتقدك في هذه المسئلة (قلت) لا تعيّن عند هذا الفقير اصلا ولا متعيّن اىّ تعيّن يجعل اللّامتعيّن متعيّنا وهذه الالفاظ موافقة لمذاق حضرة الشّيخ محى الدين واتباعه قدّس الله تعالى أسرارهم فان وقع مثل هذه الالفاظ في عبارات الفقير ينبغى ان نعتقده من قبيل صنعة المشاكلة وعلى كلّ حال اقول انّ ذلك التّعيّن تعيّن امكانىّ ومخلوق وحادث قال عليه الصّلاة والسّلام «اوّل ما خلق الله نوى " وورد في احاديث اخر تعيّن وقت خلقة ذلك النّور أيضا كما ورد قبل خلق السّموات بالفى عام وامثاله وكلّما هو مخلوق ومسبوق بالعدم فهو ممكن وحادث فاذا كانت حقيقة الحقائق الّتى هى اسبق الحقائق مخلوقة وممكنة تكون حقائق الآخرين مخلوقة وممكنة وحادثة بالطّريق الاولى والعجب من الشّيخ قدّس سرّه من اين يحكم للحقيقة المحمّديّة بل حقائق جميع الممكنات الّتى قال لها اعيانا ثابتة بالوجوب ويعتقد قدمها ويخالف قول نبيّه عليه الصّلاة والسّلام والممكن بجميع اجزائه وممكن بصورته وحقيقته لاىّ شيء يكون التّعيّن الوجوبيّ حقيقة الممكن وحقيقة الممكن ينبغى ان تكون ممكنة البتّة فانّ الممكن لا اشتراك له مع الواجب تعالى اصلا ولا انتساب غير ان يكون الممكن مخلوقة وهو سبحانه خالقه والشّيخ لعدم تمييزه بين الواجب والممكن حيث قال بنفسه بعدم التّميّز بينهما لا يبالى من ان يقول للواجب ممكنا وللممكن واجبا فلو سومح في ذلك فهو من كمال الكرم والعفو ربّنا لا تؤاخذنا ان نسينا او اخطأنا (فإن قيل) انّك قد اثبتّ في رسائلك بين الواجب تعالى والممكن نسبة الاصالة والظّلّيّة (وقلت) في حقّ الممكن انّه ظلّ الواجب تعالى وكتبت أيضا انّ الواجب تعالى باعتبار الاصالة حقيقة للممكن الذى هو كالظّلّ له وفرّعت على ذلك معارف كثيرة فلو قال الشّيخ قدّس سرّه أيضا للواجب حقيقة الممكن بهذا الاعتبار اىّ محذور يلزم منه ولم يكون ملوما به (قلت) انّ مثل هذه العلوم الّتى تثبت بين الواجب تعالى والممكن نسبة ولم يرد بها الشّرع كلّها من المعارف السّكريّة ولعدم الاطّلاع على حقيقة المعاملة ولعدم ادراك كنه الامر وماذا يكون الممكن حتّى يكون ظلّ الواجب تعالى وكيف يكون للواجب تعالى ظلّ فانّ الظّلّ موهم لتوليد المثل ومنبئ عن شائبة عدم كمال لطافة الاصل فاذا لم يكن لمحمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من لطافته ظلّ كيف يكون لاله محمّد ظلّ والموجود في الخارج بالذّات وبالاستقلال هو حضرة الذّات تعالت وصفاته الثمانية الحقيقيّة وما سواها ايّاما كان صار موجودا بإيجاده تعالى وممكن ومخلوق وحادث ولا شيء من المخلوق بظلّ لخالقه وليس له انتساب إلى الخالق تعالى غير المخلوقيّة وغير ما ورد به الشّرع وهذا العلم بظلّيّة العالم ينفع للسّالك في الطّريق نفعا كثيرا ويؤدّيه بجذبه إلى الاصل فاذا طوى بكمال العناية منازل الظّلال ووصل إلى الاصل يجد بفضل الله تعالى انّ هذا الاصل أيضا حكمه حكم الظّلّ ليس له لياقة بالمطلوبيّة لكونه متّسما بسمة الامكان وانّ المطلوب ما وراء حيطة الادراك والوصل والاتّصال ربّنا آتنا من لدنك رحمة وهيّئ لنا من امرنا رشدا (فصل) قد كان منبع الفضائل والكمالات مولانا حسن الكشميرىّ الدهلوىّ احسن الله سبحانه أحواله وحصّل آماله ارسل رسالة إلى هذا الفقير وادرج فيها اسئلة متعدّدة وطلب حلّها ولمّا كان حلّها متضمّنا لاظهار بعض الأسرار مع بعض موانع اخر ما اجترأ الفقير على تحرير الجواب وامر الوقت بالتّعلّل ولكن لمّا كان للمشار اليه حقوق عظيمة على ذمّة الفقير حيث تشرّف بحسن دلالته بدولة الحضور عند صاحب الولاية حاوى طريق اندراج النّهاية في البداية فاخذ منه تعليم الف باء في هذا الطّريق واستفاد في خدمته فيوضات وبركات غير متناهية ادرج حلّ بعض اسئلته الّتى لها مناسبة بعلوم هذه الرّسالة في ذيل هذه الرّسالة بالضّرورة والله سبحانه الهادى إلى سبيل الرّشاد (وقد سئل) انّ الكمالات الصّوريّة والمعنويّة والظّاهريّة والباطنيّة والعلميّة والعلميّة والدنيويّة والاخرويّة وما يمكن في نوع البشر كلّها حاصل لحضرة خير البشر عليه الصّلاة والسّلام إلى يوم الحشر ومتمكّنة فيه بالفعل كما يفهم من حديث «انا سيّد ولد آدم ولا فخر وآدم ومن دونه تحت لوائى يوم القيامة " فعلمت علم الاوّلين والآخرين وامثالها وما كان مشروطا بشروط او موقوفا على وقت يحصل له باحسن الوجوه البتّة فعلى هذا التّقدير لماذا يكون حزنه صلّى الله عليه وسلّم الموصوف بالدّوام المعروف بالكثرة وما سبب ذلك فانّ السّبب للحزن والغمّ فقدان شيء يطلبه ويريده البتّة (ايّها المخدوم) انّ استبعاد وجود الحزن وفقدان الكمال بالنّسبة إلى خاتم الرّسل عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام والتّحيّة نظرا إلى جاهه وجلاله المحمّدىّ وعناية الله جلّ سلطانه الشّاملة لحاله في حاله ومآله عليه الصّلاة والسّلام مسلّم ومستحسن واذا نظرنا إلى عبديّته وعجزه البشرىّ صلّى الله عليه وسلّم ولاحظنا عزّه وجلاله وعظمته وكبريائه واستغنائه تعالى الذّاتيّات لا يستبعد حصول حزن له او فقدان كمال من كمالاته تعالى الغير المتناهية في حقّه صلّى الله عليه وسلّم أيضا بل ذلك لائق بحال العبوديّة قوله تعالى " ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا " وقوله تعالى " لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ " كلاهما شاهدان عدلان لهذا المعنى ويثبتان الفقدان في حقّ الكلّ نعم انّ الممكن وان بلغ الدرجات العلى ماذا يدرك من حقيقة الواجب وماذا ينال الحادث من القديم وكيف يحيط المتناهى بما هو غير متناه وما كتبوه من انّ كلّ كمال ممكن الحصول لنوع البشر فهو حاصل فيه صلّى الله عليه وسلّم بالفعل نعم انّ الفضل الكلّىّ على الكلّ مخصوص به عليه الصّلاة والسّلام ولكن يجوز ان يكون كمال راجع إلى فضل جزئىّ مخصوصا ببعض الانبياء الكرام او الملائكة العظام عليهم الصّلاة والسّلام ولا يوجب ذلك قصورا في فضله صلّى الله عليه وسلّم الكلّىّ اصلا وقد وردت احاديث صحيحة بكون بعض الكمالات في أفراد الامّة حتّى يغبطه الانبياء عليهم السّلام والحال انّ الفضل الكلّىّ على جميع أفراد الامّة للانبياء عليهم السّلام وأيضا قد ورد في الحديث انّ للشّهداء في سبيل الله مزيّة على الانبياء باشياء حيث انّ الشّهداء لا احتياج لهم إلى الغسل ولم يشرع صلاة الجنازة على الشّهداء كما هو مذهب الامام الشّافعىّ والانبياء لا بدّ لهم من الصّلاة وقال في القرآن المجيد " ولا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ الله أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ " الآية وقال في حقّ الانبياء موتى وهذه كلّها فضائل جزئيّة لا تستلزم القصور في فضل الانبياء الكلّىّ فيمكن ان يطرأ عليه صلّى الله عليه وسلّم حزن وغمّ بسبب فقدان هذه الفضائل الجزئيّة ويكون ذلك الحزن سببا لحصول الاستعداد والوصول إلى تلك الفضائل بان تجتمع الشّهادة مثلا مع النّوبة ولئن سلّمنا انّ جميع كمالات جميع أفراد الانسان حاصلة له صلّى الله عليه وسلّم بالفعل نقول انّ همّته صلّى الله عليه وسلّم لمّا كانت عالية لم يكتف بتلك الكمالات بل اشاق إلى ما فوقها قائلا هل من مزيد ولمّا كان حصول الكمالات الفوقانيّة للبشر خارجا عن حدّ الامكان كان دوام الحزن وافراط الغمّ نقد وقته صلّى الله عليه وسلّم وتحقيق هذا المبحث والله اعلم بحقيقة الحال انّ مدار الامر في الطّريقة والحقيقة وفي القربة والمعرفة على الفناء وعلى زوال الصّفات البشريّة والأحوال الامكانيّة (شعر) ومن لم يكن في حبّ مولاه فانيا .

Section V02/P435–V02/P437

فليس له في كبرياه سبيل وكلّما يبقى من وجود البشريّة يكون حجاب الطّريق بقدره وارتفاع الصّفات البشريّة بالكلّيّة غير ممكن في حقّ الكلّ سواء كان من الخواصّ او من اخصّ الخواصّ قال الشّيخ فريد الدين العطّار (شعر) الا ترى سيّد الكونين ما وصلا . لكنّه فقر فدع عن نفسك التّعبا واراد بكنه الفقر زوال الصّفات البشريّة والاحكام الامكانيّة بالكلّيّة وحصول ذلك غير متصوّر لكونه مستلزم لقلب الحقائق فانّ الممكن اذا ترقّى وانخلع من امكانيّته يصير واجبا البتّة وذلك محال عقلا وشرعا وما قاله واحد من الاعزّة (شعر) لو نفض الممكن اغبرة الامكان . لا يبقى سوى واجب محمول على التّمثيل والتّشبيه لا على التّحقيق والتّقرير فانّه غير واقع قال واحد من الاعزّة (شعر) سواد الوجه في الدارين صاح . من المخلوق اصلا لا يزول (فإن قيل) انّ بقاء احكام الامكان وآثاره ظاهر في مقام " قاب قوسين " فانّ قوس الوجوب وقوس الامكان كليهما قائمان فيه وامّا مقام " او ادنى " الذى هو بالاصالة مخصوص به صلّى الله عليه وسلّم فما معنى بقاء احكام الامكان فيه (قلت) انّ ما به الامتياز بين الوجوب والامكان هو العدم الذى هو احد طرفى الامكان فانّ الطّرف الآخر من الامكان الذى هو الوجود مشترك بين الوجوب والامكان وفي مقام " او ادنى " تشرع احكام تلك العدم في الزّوال فيرتفع الامتياز من بين القوسين لا انّ الامكان يرتفع بالكلّيّة وينقلب وجوبا فانّه محال كما مرّ وانّما الفرق انّ في مقام " قاب قوسين لا تخلّص من الحجب الظّلمانيّة الّتى هى من آثار العدم وفي مقام " او ادنى " لو وجدت الحجب فهى نورانيّة وناشئة من طرف الوجود الامكانىّ ويمكن حمل معنى ذلك البيت الذى مرّ على هذا التّوجيه بان يراد من نفض غبار الامكان زوال احكام العدم الّتى هى كدورة بالكلّيّة (فإن قيل) اذا زال طرف العدم عن الامكان وارتفع ما به الامتياز من بين الوجوب والامكان ولم يبق فيه غير الوجود الذى هو طرف آخر من الامكان وقدر مشترك بينه وبين الوجوب فقد انخلع الامكان عن حقيقته وصار ملحقا بالوجوب الذى هو الوجود الصّرف ولزم قلب الحقيقة وكان معنى البيت المذكور اعنى لم يبق فيه شيء غير الواجب محمولا على حقيقته (قلت) انّ الوجود الذى هو احد طرفى الامكان ظلّ الوجود الذى هو ثابت في الوجوب لا عينه وذاك الوجوب الذى حدث في الممكن بسبب زوال طرفه العدم هو وجوب بالغير الذى هو قسم من الممكن لا وجوب بالذّات حتّى يلزم انقلاب الحقيقة وذلك لانّ ارتفاع هذا العدم ما جاء من جهة الممكن حتّى يصير واجبا بالذّات ويلزم المحال بل ارتفاع هذا العدم من الممكن انّما هو لاستيلاء وجود الواجب وقهر الوجوب الذّاتىّ للممكن الذّاتىّ والمتبادر من الوجوب المذكور في المصراع السّابق هو الوجوب الذّاتىّ لا الوجوب بالغير والقول بكون الوجود قدرا مشتركا بين الواجب والممكن فهو من قبيل الاشتراك اللّفظىّ لا المعنوىّ وان قالوا انّه كلّىّ مشكّك فانّه لا شركة لوجود الممكن مع وجود الواجب في الحقيقة اصلا حتّى تتصوّر الكلّيّة والجزئيّة (فإن قيل) فما معنى الفناء والبقاء اللّذين قال بهما الصّوفيّة وجعلوا الولاية عبارة عنهما فانّه اذا لم يتصوّر ارتفاع الصّفات البشريّة كيف يتصوّر الفناء (قلت) انّ الفناء الذى هو معتبر في الولاية باعتبار الشّعور والشّهود فانّه عبارة عن نسيان ما سوى الحقّ سبحانه لا ارتفاع ما سواه غاية ما في الباب انّ صاحب ذلك الفناء ربّما يظنّ في غلبات السّكر عدم الشّعور بالاشياء عدم الاشياء ويتوهّمه ارتفاع ما سواه تعالى ويتسلّى بذلك فاذا ترقّى من ذلك بمحض فضله تعالى وتشرّف بدولة الصّحو وصار صاحب تميّز يعلم انّ ذلك الفناء كان نسيان الاشياء لا انعدام الاشياء فلو زال بسبب هذا النّسيان شيء فانّما هو التّعلّق بالاشياء الذى كان متمكّنا ومذموما لا نفس الاشياء فانّها قائمة على صرافتها ممتنع نفيها واعدامها (ع) سياهى از حبشى كى رود كه خود رنكست فاذا حصل بفضل الله تعالى هذه الرّؤية والتّمييز زال ذلك التّسلّى وقعد مكانه الحزن والغمّ وعدم الاستراحة وتيقّن انّ وجوده مرضىّ لا يكون بسعيه واهتمامه معدوما وعلم انّ نقص الامكان وقصور الحدوث لا زمان له دائما والعجب انّ العارف كلّما يترقّى إلى فوق ويكون عروجاته اكثر يكون رؤية النّقص والقصور فيه ازيد ويكون عديم القرار والرّاحة وتشبه معاملة هذا العارف بقصّة تلميذ رسن تاب حيث قال لاستاذه على وجه التّعجّب كلّما يكون عملى ازيد اقع ابعد ولعلّه من ههنا قال عليه الصّلاة والسّلام كما ورد يا ليت ربّ محمّد لم يخلق محمّدا وقال أيضا صلّى الله عليه وسلّم " ما اوذى نبىّ مثل ما اوذيت " ويشبه ان يكون المراد بهذه الاذيّة رؤية النّقص والقصور الموجبة لكمال الحزن والغمّ فانّ سائر الاذيّة يمكن ان يقال انّها كانت في سائر الانبياء اكثر فانّ نوحا عليه السّلام كان بين قومه تسعمائة وخمسين عاما ورأى منهم انواع الاذيّة ونقل انّ قومه رموه حين دعاهم إلى الايمان بالاحجار حتّى سقط مغشيّا عليه من كثرة الاحجار كالامطار فكان مستورا تحت الاحجار فلمّا افاق شرع إلى الدعوة وعامله قومه بالمعاملة السّابقة وهكذا إلى ان يبلغ الكتاب اجله ينبغى ان يعلم انّ رؤية النّقص والقصور هذه ليست هى من البعد بل هى القرب والحضور فانّ الكدورة القليلة في المحلّ النّورانىّ ترى في النّظر كثيرة والكدورة الكثيرة في المحلّ الظّلمانىّ ترى يسيرة وانّما قلت فيما سبق انّ مدار الامر في القرب والمعرفة على الفناء فانّ السّالك ما لم يفن عن نفسه ولم يخرج من الصّفات البشريّة والامكانيّة بالكلّيّة لا يصل إلى المطلوب فانّ اجتماعه مع المطلوب من قبيل اجتماع النّقيضين فانّ ثبوت العدم ضرورىّ في الامكان وفي الوجوب سلبه ضرورىّ وما لم يصل إلى المطلوب ماذا يدرك من كمالات المطلوب لا يدرك الشّيئ إلّا بما يضادّه ويغايره قضيّة مقرّرة عند ارباب المعقول الا ترى انّ الصّبىّ الذى لا يعرف لذّة الجماع اذا وصفت له لذّته ليقال انّه حلو لامر وهو يتوهّم حلاوته كحلاوة النّبات والعسل البتّة فانّه لا حلاوة في وجدانه غيرها وهذه اللّذّة ليست هى لذّته بل هى لذّة مجعولة ومخترعة باختراع وهم ذلك الصّبىّ وفي الحقيقة هى راجعة اليه لا إلى ذاك فالعارف كلّما يحكى من المطلوب من قبل نفسه بلا اعلام منه انّما يكون حاكيا من نفسه واذا مدحه كان مادحا لنفسه قال عارف في هذا المقام يمكن ان يكون ضمير " بحمده " في قوله تعالى " وإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ " راجعا إلى الشّئ يعنى لا يسبّح شيء ولا يقدّس ولا يمدح إلّا نفسه لهذا قال البسطامىّ " سبحانى " لاعادة التّسبيح اليه ونعم ما قيل بالفارسيّة المثنويّة اشعار (ع) اى شده هم در جمال خويشتن .

Section V02/P437–V02/P439

مى ? رستى هم خيال خويشتن قسم خلقان زان جمال وزان كمال . هست اكر برهم نهى مشت خيال كر ز معشوقت خيالى در سرست . نيست معشوق آن خيال دى كراست قال صاحب الفصوص والتّجلّى من الذّات لا يكون إلّا بصورة المتجلّى له فالمتجلّى له ما رأى سوى صورته في مرآة الحقّ وما رآى الحقّ ولا يمكن ان يراه وقال بامكان الرّؤية على وجه المتابعة لا على وجه التّحقيق فانّ الرّؤية في الدنيا جائزة وفي الآخرة واقعة ولمّا كان فناء السّالك بالكلّيّة ممتنعا وكان الوصول إلى المطلوب والاتّصال به بدونه ممنوعا ولم تتصوّر المعرفة بدون الوصول لزم العجز عن المعرفة بالضّرورة وصار العجز عن المعرفة عين المعرفة لا يقال انّ العجز عن المعرفة كيف يكون عين المعرفة فانّه نقيضها لانّ العجز عن المعرفة عبارة عن معرفة بانّه لا يعرف قال الصّدّيق الاكبر رضي الله تعالى عنه العجز عن درك الادراك ادراك فسبحان من لم يجعل للخلق اليه سبيلا إلّا بالعجز عن معرفته قال واحد من الاكابر (شعر) سبحانه من خالق . اوصافه من كبرياه القى على تراب عجز فيه عقل انبياه فاذا كان الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام عاجزين في معرفة صفة كبرياءه وقال الملائكة الكرام عليهم السّلام سبحانك ما عرفناك حقّ معرفتك واعترف الصّدّيق رضي الله عنه الذى هو رئيس هذه الامّة الّتى هى خير الامم بالعجز فمن ذا الذى يدّعى المعرفة بعد هؤلاء إلّا ان يظنّ جهله المركّب معرفة ويعتقد غير الحقّ حقّا وهذا العجز عن المعرفة هو نهاية نهايات مراتب العروج ومنتهى غايات مدارج القرب ومن لم يصل إلى النّقطة الاخيرة ولم يطو مراتب التّجلّيات والظّهورات ولم يجد الوصل والاتّصال الذين كان مسرورا بهما مدّة كثيرة عين الانفصال لا يكون مشرّفا بدولة هذا العجز ولا يتخلّص عن الجهل بالله ومعرفة غير الحقّ حقّا (فإن قيل) فعلى هذا ما معنى وجوب معرفة الله تعالى (قلت) معنى وجوب المعرفة هو انّ كلّ ما ورد به الشّرع في معرفة الذّات والصّفات الالهيّة فمعرفته واجبة وكلّ معرفة تستفاد من غير الشّريعة فاطلاق معرفة الحقّ عليها جراءة عند هذا الفقير وحكم على الحقّ جلّ وعلا بالظّنّ والتّخمين اتقولون على الله ما لا تعلمون ولعلّه لذلك قال سراج الامّة وامام الائمّة الامام الاعظم الكوفىّ رضي الله تعالى عنه سبحانك ما عبدناك حقّ عبادتك ولكن عرفناك حقّ معرفتك وان كان هذا القول ثقيلا على الاكثر ولكنّه قابل للتّوجيه الوجيه فانّ حقّ المعرفة ان يعرف الحقّ بجميع ما نطقت به الشّريعة من كمالاته وتنزيهاته وتقديساته تعالى لانّه لم يبق ماوراءه معرفة حتّى تكون مانعة عن المعرفة (فإن قيل) للعوامّ شركة في هذه المعرفة مع الخواصّ بل مساواة فيلزم ان تكون معرفة عوامّ المؤمنين مثل معرفة الانبياء عليهم الصّلاة والتّسليمات فإنّ حقّ المعرفة حصل للكلّ وهذه المسئلة تشبه ما قال الامام الاعظم الايمان لا يزيد ولا ينقص وقالوا هناك انّه يلزم من هذه العبارة ان يكون ايمان عوامّ المؤمنين مثل ايمان الانبياء عليهم السّلام (قلت) انّ حاصل هذه الشّبهة القويّة مبنيّة على دقيقة اهتدى اليها هذا الفقير بمحض الفضل والكرم وهى انّ حقّ المعرفة هو ان يلحق بتلك المعارف الشّرعيّة الحاصلة للعارف العجز عن المعرفة مثلا وردت الشّريعة بثبوت صفة العلم للواجب تعالى وذلك العلم غير متكيّف وغير متّكم كذاته تعالى وخارج عن حيطة ادراكنا فمن عرف ذلك العلم قياسا على علمه فهو لم يعرفه بل المعرفة هناك مجعول وهمه ومخترع خياله لا معرفة علم الحقّ الذى هو صفته الكاملة ففى هذه الصّورة لم توجد نفس المعرفة فضلا عن حقّ المعرفة فان انجرّت معاملته من القياس والتّخمين إلى العجز ووجد بوجدانه وحاله انّه لا يمكن معرفته وايقن انّه لا نصيب له من ذلك غير الايمان بثبوت تلك الصّفة الكاملة فحينئذ قد حصل له نفس المعرفة وحقّ المعرفة فكان اصل المعرفة هو حقّ المعرفة في الحقيقة وما ليس بحقّ المعرفة ليس باصل المعرفة فلم يكن للعوامّ شركة مع الخواصّ في حقّ المعرفة واين المساواة بعد (فإن قيل) اذا كان حقّ المعرفة نفس المعرفة يلزم ان لا يكون في العوامّ نفس المعرفة لعدم حقّ المعرفة فيهم (قلت) انّ للمعرفة صورة وحقيقة والمعرفة الّتى هى عين حقّ المعرفة هى حقيقة المعرفة المربوطة بالعجز عن المعرفة وصورتها هى ما لم تبلغ حدّ هذا العجز ولم تتخلّص من شائبة المقايسة على صفات الامكان كما مرّ ومن كمال فضله تعالى اعتبر صورة المعرفة في نفس الايمان وجعل النّجاة مربوطة بها كما اعتبر صورة الايمان أيضا وجعل دخول الجنّة مترتّبا عليها وصورة المعرفة كافية في صورة الايمان وامّا حقيقة الايمان فلا بدّ فيها من حقيقة المعرفة فعلم من هذا التّحقيق انّ للايمان أيضا فردين صورة وحقيقة وما هو نصيب العوامّ هو الصّورة وما اعطيه الخواصّ هو الحقيقة فلم يكن ايمان العوامّ مثل ايمان الانبياء عليهم السّلام الذين هم اخصّ الخواصّ فانّ ذاك الايمان غير هذا الايمان لا مماثلة بينهما ولمّا كان العجز عن المعرفة ماخوذا في حقيقة الايمان وكانت المعرفة بانّه لا يعرف موجودة فيها لا جرم يكون الزّيادة والنّقصان مفقودين فيها فانّه لا احتمال لتفاوت درجات المعرفة في سلب المعرفة وتفاوت الدرجات انّما هو في الثبوت فلا يكون في حقيقة الايمان زيادة ولا نقصان والله سبحانه اعلم بحقيقة الحال.

Section V02/P439

(فإن قيل) يلزم على هذا التّقدير ان تكون علوم الصّوفيّة ومعارفهم الكشفيّة ساقطة عن حيّز الاعتبار وان لا تكون معرفة الحقّ جلّ وعلا مربوطة بها اصلا فانّ حقّ المعرفة حصل بالعلوم الشّرعيّة ولم تبق معرفة حتّى يكتسبها الصّوفيّة بالسّعى والاجتهاد فلم نثبت للصّوفيّة مزيّة على العلماء في معرفة الحقّ جلّ شأنه أصلا (قلت) انّ علوم الصّوفيّة ومعارفهم الكشفيّة معدّات لذلك العجز الذى يتيسّر لمنتهين منهم إلى نهاية النّهاية وهؤلاء الاكابر يتدرّجون في مدارج تلك المعارف الكشفيّة إلى ان يتشرّفوا بدولة الوصول إلى ذلك العجز فتكون معارف هؤلاء الاصفياء معتبرة لكونها وسيلة لحصول حقّ المعرفة وذريعة الوصول إلى تلك الحقيقة. (فإن قيل) اذا ثبت العجز عن المعرفة وكان الكمال منحصرا في العجز فما معنى اعتبار الصوفيّة ثلاثة مراتب في المعرفة وما يكون المراد بعلم اليقين وعين اليقين وحقّ اليقين (قلت) انّ لهذا الفقير مشاجرة في هذه المسئلة مع القوم وهؤلاء الاكابر اعتبروا هذه المراتب الثلاث بالنّسبة إلى ذاته تعالى واثبتوا علم اليقين وعين اليقين وحقّ اليقين في حضرته جلّ شأنه وفي التّمثيل الذى اوردوه لذلك قالوا للعلم بالنّار الحاصل من الاستدلال بالدّخان " علم اليقين " بالنّسبة إلى النّار وقالوا لرؤية النّار عين اليقين وللتّحقّق بالنّار حقّ اليقين وهذا الفقير نزّل هذه المراتب الثلاث إلى الآيات الدالّة على ذات الواجب جلّ سلطانه وقال بالعلم والعين والحقّ في الدوالّ لا في المدلول فانّه اجلّ واعلى من العلم والعين والحقّ وفي التّمثيل اثبت العلم والعين والحقّ بالنّسبة إلى الدخان لا بالنّسبة إلى النّار فانّ العلم بالدّخان اذا حصل بالاستدلال فهو علم اليقين بالنّسبة إلى الدخان المستلزم للنّار واذا حصلت رؤية الدخان واستدل به لوجود النّار فهو عين اليقين بالنّسية إلى الدخان واذا حصل التّحقّق بالدّخان واستدلّ به على وجود النّار فهو حقّ اليقين بالنّسبة إلى الدخان وهذا الاستدلال اتمّ من الاستدلال السّابق فانّ ذاك استدلال من الآفاق وهذا استدلال من الانفس لحصول التّحقّق بالدّخان وأيضا انّ الدخان واسطة في عين اليقين وفي حقّ اليقين ليس بواسطة بل النّسبة الّتى هى كائنة للدّخان مع النّار تحصل تلك النّسبة بعينها للمستدلّ فيصل إلى اعلا مدارج القرب الذى هو ما وراء العلم والعين والحقّ (لا يقال) اذا ارتفعت الواسطة فقد تحقّقت الرّؤية الّتى هى عين اليقين (لانّا نقول) انّ ارتفاع الواسطة لا يكفى في تحقّق الرّؤية بل لا بدّ من اشياء اخر وهى مفقودة ولمّا كانت مراتب اليقين راجعة إلى الآيات ولم تبق معرفة تكون راجعة إلى المدلول لزم العجز عن المعرفة في المدلول بالضّرورة ولم تتحقّق هناك معرفة غير سلب المعرفة فلو لم تجعل هذه المراتب الثلاث لليقين راجعة إلى الآيات وكانت راجعة إلى المدلول كيف يتصوّر العجز عن المعرفة وما يكون معنى سلب المعرفة.

Section V02/P439–V02/P440

المكتوب الثاني والعشرون والمائة: إلى نور محمّد التّهاريّ في بيان انّ الطريق الموصل إلى جناب قدس الحقّ تعالى اثنان بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى انّ الطّريق الموصل إلى جناب قدسه تعالى اثنان طريق يتعلّق بقرب النّبوّة على اربابها الصّلاة والتّحيّة وهو موصل إلى اصل الاصل والواصلون من هذا الطّريق بالاصالة هم الانبياء عليهم السّلام واصحابهم الكرام ويشرّف به أيضا من اريد له ذلك من سائر أولياء الامّة العظام وان كانوا قليلين بل اقلّ ولا توسّط في هذا الطّريق ولا حيلولة وكلّ من يأخذ الفيض من هؤلاء الواصلين يأخذه من الاصل بلا توسّط احد وليس احدهم حائلا للآخر وطريق يتعلّق بقرب الولاية والأقطاب والأوتاد والبدلاء والنّجباء وعامّة أولياء الله تعالى واصلون من هذا الطّريق وطريق السّلوك عبارة عن هذا الطّريق بل الجذبة المتعارفة أيضا داخلة فيه وفيه التّوسّط والحيلولة ومقتدى الواصلين من هذا الطّريق ورئيسهم ومنبع فيض هؤلاء الاكابر علىّ المرتضى كرّم الله تعالى وجهه الكريم وهذا المنصب العظيم الشّأن متعلّق به وكأنّ قدمى النّبىّ صلّى الله عليه وسلّم في هذا المقام على فرقه المبارك كرّم الله تعالى وجهه وحضرة الفاطمة وحضرات الحسنين شركاء معه في هذا المقام واظنّ انّه كرّم الله وجهه كان ملاذ هذا المقام قبل النّشأة العنصريّة أيضا كما انّ بعد النّشأة العنصريّة كلّ من وصل اليه الفيض والهداية من هذا الطّريق وصل بتوسّطه فانّه عند نقطة منتهى هذا الطّريق ومركز هذا المقام متعلّق به ولمّا تمّ دوره كرّم الله وجهه فوّض هذا المنصب العظيم القدر وسلّمه إلى حضرات الحسنين على التّرتيب وبعدهما إلى كلّ واحد من الائمّة الاثنى عشر على التّرتيب والتّفصيل وكلّ من وصل اليه الفيض والهداية في اعصار هؤلاء الاكابر وكذلك بعد ارتحالهم وصل بتوسّطهم وبحيلولتهم وان كان من الأقطاب ونجباء الوقت وكان ملاذ الجميع وملجأ الكلّ هؤلاء الاكابر فانّه لا بدّ للاطراف من اللّحوق بالمركز إلى ان وصلت النّوبة إلى الشّيخ عبد القادر الجيلانىّ قدّس سرّه ولمّا بلغت النّوبة اليه فوّض المنصب المذكور اليه قدّس سرّه ولا يشاهد على هذا المركز احد بين الائمّة المذكورين وبين الشّيخ قدّس سرّه ويفهم وصول الفيوض والبركات في هذا الطّريق إلى اىّ فرد كان من الأقطاب والنّجباء بتوسّطه الشّريف فانّ هذا المركز لم يتيسّر لغيره ولهذا قال (شعر) افلت شموس الاوّلين وشمسنا .

Section V02/P440–V02/P441

ابدا على افق العلى لا تغرب والمراد بالشّمس شمس فيضان الهداية والإرشاد ومن افولها عدم الفيضان المذكور ولمّا تعلّقت المعاملة الّتى كانت اوّلا متعلّقة بالاوّلين بالشّيخ بعد وجوده وصار هو واسطة وصول الرّشد والهداية كما كان الاوّلون قبله ويكون وصول الفيض أيضا بتوسّطه ما دامت معاملة التّوسّط باقية صحّ قوله (شعر) افلت شموس الاوّلين وشمسنا البيت (فان قيل) انّ هذا الحكم منتقض بمجدّد الالف الثانى فانّه قد اندرج في مكتوب من مكتوبات الجلد الثانى في بيان معنى مجدّد الالف الثانى انّ كلّما يصل إلى الامّة في تلك المدّة من انواع الفيض انّما يصل بتوسّطه سواء كانوا أقطابا او أوتادا او بدلاء او نجباء في ذلك الوقت (قلت) انّ مجدّد الالف في هذا المقام نائب مناب حضرة الشّيخ قدّس سرّه وهذه المعاملة مربوطة به نيابة عن حضرة الشّيخ كما قالوا انّ نور القمر مستفاد من نور الشّمس فلا محذور (فان قيل) انّ معنى مجدّد الالف الذى ذكر فيما سبق مشكل لانّ عيسى عليه السّلام ينزل في المدّة المذكورة والمهدىّ عليه الرّضوان أيضا يظهر في تلك المدّة ومعاملتهما اجلّ واعلى من ان تأخذا الفيوض بتوسّط احد (قلت) انّ معاملة التّوسّط مربوطة بالطّريق الثانى من الطّريقين المذكورين الذى هو عبارة عن قرب الولاية وفي الطّريق الاوّل الذى هو عبارة عن قرب النّبوّة معاملة التّوسّط مفقودة وكلّ من وصل من ذاك الطّريق ليس له حائل ومتوسّط في البين بل يأخذ الفيوض والبركات بلا توسّط احد والتّوسّط والحيلولة انّما هما في الطّريق الاخير فقط ومعاملة ذلك الموطن ممتازة عن غيره كما مرّ وعيسى عليه السّلام والمهدىّ عليه الرّضوان واصلان من الطّريق الاوّل كما انّ الشّيخين رضى الله عنهما وصلا من الطّريق الاوّل في ضمنه صلّى الله عليه وسلّم ولهما فيه شأن خاصّ على تفاوت درجاتهما (تنبيه) ينبغي ان يعلم انّه يصحّ ان يصل شخص من طريق قرب الولاية إلى قرب النّبوّة ويكون شريكا في كلتا المعاملتين ويعطى محلّا هناك أيضا بتطفّل الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام ويجعل معاملة كلا الطّريقين مربوطة به (شعر) ليس على الله بمستنكر . ان يجمع العالم في واحد ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم سبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله تعالى على سيّدنا محمّد سيّد المرسلين وآله وصحبه اجمعين قد منّ الله سبحانه وتعالى على هذا العبد العاجز اللّاشى باتمام هذه التّرجمة الحقيرة بعد اتعاب الجسم والرّوح في عدّة شهور وصارت بحيث يطلق عليه اسم المسطور فلو لا ان منّ الله به علىّ لما تيسّر مدى الدهور لانّى حين الاشتغال كنت مبتلى بغاية سوء الحال وتشتّت البال وانواع الاهوال بحيث كان الاشتغال بها من اظهر المحالّ إلّا انّ ما يسّر الله سبحانه ليس بعسير وهو على كلّ شيء قدير وكان الشّروع فيها في اواسط شعبان المعظّم عام ثلاثة وثلاثمائة والف والفراغ منها في ذى القعدة من العام الثانى وكم شرّدت في تلك المدّة لاقتناص شواردها رقادى وكم فرقت لجمع فرائدها شمل فؤادى وكم فارقت لوصل خرائدها قومى وكم صبرت لقيد فوائدها على ايذاء من خاض في لومى وكم اقتحمت لاستيضاح نكتة منها مواقع السّهر في ظلماء الدياجر وكم اقدمت لتصحيح شبهة منها ظماء الهواجر فنسأل الله سبحانه ان يجعلها خالصة لوجهه الكريم وان ينفع بها اخوان الصّفاء النّفع العميم انّه لطيف بعباده رؤف رحيم وصلّى الله على سيّدنا محمّد ذى الخلق العظيم وآله وصحبه الذين تأهّبوا ليوم عظيم.

Section V02/P441–V02/P443

يقول الراجي من ربه نيل الأماني عبد الحميد فردوس المكي الخالدي الأفغاني مصحح الكتب العربية بالمطبعة الميرية غفر الله له ولوالديه ولمحبيه وللمسلمين الحمد لله الذي نور قلوب العارفين بنور اليقين وشرح صدور الواصلين بالمشاهدة فكانوا هداة الدين فأعربوا عن الحقائق الالهية بلسان الحق المبين والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين ترجمان لسان القدم ومنبع الحكمة والحكم من أوتى فصل الخطاب وجوامع الكلم وعلى آله وأصحابه هداة الأمم والتابعين لهم باحسان إلى يوم الدين وبعد فقد تم بحمد الله الوهاب طبع الكتاب المستطاب المرسوم بالدرر المكنونات النفيسة في تعريب المكتوبات الشريفة للامام الكامل المكمل ذي الجناحين المرشد المجدد للالف الثاني بلا ريب ولا مين العلامة الأستاذ الشيخ الرباني والهيكل الصمداني سيدي ومولاي الشيخ أحمد السرهندي الأفغاني النقشبندي نفع الله به آمين والتعريب للعالم الفاضل الكامل الجامع بين علمي الظاهر والباطن العلامة الشيخ محمد مراد القزاني المكي فلله در مؤلفه فقد أفاد وأجاد بلغه الله وايانا المراد وشكر سعيه ونفع به كما نفع بأصله أنه سميع قريب مجيب ولم نألوا جهدا في التصحيح ثم نرفعه لملاحظة المؤلف فيطبع بعد ذلك وذلك في المطبعة الميرية الكائنة بمكة المحمية في ظل الله في الارض وخليفته في الطول والعرض ملك البرين وخاقان البحرين والممالك التي لا تحصى خادم الحرمين الشريفين والمسجد الاقصى مولانا السلطان المظفر المعان المحفوظ بالقرآن والسبع المثاني مولانا السلطان الغازي (عبد الحميد) خان الثاني اللهم انصره نصرا تعزبه الدين وتنجز وعد وكان حقا علينا نصر المؤمنين ووفقه ووزراءه وقضاته وعماله لما تحب وترضى في كل وقت وحين بنظر وادارة مديرها من للمكارم يبدي شويكي زاده عبد الغني أفندي والتصحيح بمصاحبه العالم الفاضل الشيخ عبد الله زبير وكان تمام الطبع وختام الترتيب والوضع في اليوم السابع عشر من شهر ربيع الأول من عام السابع عشر والثلاثمائة والألف من هجرة من خلقه الله على أكمل وصف صلى الله عليه وسلّم وكل ناسج على منواله ما طاف بالبيت العتيق طائف، ووقف بعرفة واقف ولما بدا بدر تمامه وفاح مسك ختامه قلت مؤرخا درر زهت بالطبع يا صاح . أم غادة جليت بأفراح أم روضة مأنوسة جمعت . للروح والريحان والراح أم ذا كتاب عربت وعلت . ألفاظه بالطبق يا صاحى سر الطريقة والحقيقة قد . ابداه فيه لنا بأيضاح للفاضل الشيخ الذكي مرا . د من أمد بفيض فتاح فالله يعلى قدره أبدا . بالأنبيا والسيد الماحى من غير كاف تم ارخه .

Questions