İbn Rüşd — Bidâyetü'l-Müctehid (Mâlikî)
والسبب في اختلافهم هل في قوله تعالى فول وجهك شطر المسجد الحرام محذوف حتى يكون تقديره ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام أم ليس هاهنا محذوف أصلا وأن الكلام على حقيقته فمن قدر هنالك محذوفا قال الفرض الجهة ومن لم يقدر هنالك محذوفا قال الفرض العين والواجب حمل الكلام على الحقيقة حتى يدل الدليل على حمله على المجاز وقد يقال إن الدليل على تقدير هذا المحذوف قوله عليه الصلاة والسلام ما بين المشرق والمغرب قبلة إذا توجه نحو البيت قالوا واتفاق المسلمين على الصف الطويل خارج الكعبة يدل على أن الفرض ليس هو العين أعني إذا لم تكن الكعبة مبصرة والذي أقوله إنه لو كان واجبا قصد العين لكان حرجا وقد قال تعالى وما جعل عليكم في الدين من حرج فإن إصابة العين شيء لا يدرك إلا بتقريب وتسامح بطريق الهندسة واستعمال الأرصاد في ذلك فكيف بغير ذلك من طرق الاجتهاد ونحن لم نكلف الاجتهاد فيه بطريق الهندسة المبني على الأرصاد المستنبط منها طول البلاد وعرضها وأما المسألة الثانية فهي هل فرض المجتهد في القبلة الإصابة أو الاجتهاد فقط حتى يكون إذا قلنا إن فرضه الإصابة متى تبين له أنه أخطأ أعاد الصلاة ومتى قلنا إن فرضه الاجتهاد لم يجب أن يعيد إذا تبين له الخطأ وقد كان صلى قبل اجتهاده أما الشافعي فزعم أن فرضه الإصابة وأنه إذا تبين له أنه أخطأ أعاد أبدا وقال قوم لا يعيد وقد مضت صلاته ما لم يتعمد أو صلى بغير اجتهاد وبه قال مالك وأبو حنيفة إلا أن مالكا استحب له الإعادة في الوقت وسبب الخلاف في ذلك معارضة الأثر للقياس مع الاختلاف أيضا في تصحيح أما القياس فهو تشبيه الجهة بالوقت أعني بوقت الصلاة وذلك أنهم أجمعوا على أن الفرض فيه هو الإصابة وأنه إن انكشف للمكلف أنه صلى قبل الوقت أعاد أبدا إلا خلافا شاذا في ذلك عن ابن عباس وعن الشعبي وما روي عن مالك من أن المسافر إذا جهل فصلى العشاء قبل غيبوبة الشفق ثم انكشف له أنه صلاها قبل غيبوبة الشفق أنه قد مضت صلاته ووجه الشبه بينهما أن هذا ميقات وقت وهذا ميقات جهة وأما الأثر فحديث عامر بن ربيعة قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة ظلماء في سفر فخفيت علينا القبلة فصلى كل واحد منا إلى مراجعة وعلمنا فلما أصبحنا فإذا نحن قد صلينا إلى غير القبلة فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال مضت صلاتكم ونزلت ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله وعلى هذا فتكون هذه الاية محكمة وتكون فيمن صلى فانكشف له أنه صلى لغير القبلة والجمهور على أنها منسوخة بقوله تعالى ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام فمن لم يصح عنده هذا الأثر قاس ميقات الجهة على ميقات الزمان ومن ذهب مذهب الأثر لم تبطل صلاته وفي هذا الباب مسألة مشهورة وهي جواز الصلاة في داخل الكعبة وقد اختلفوا في ذلك فمنهم من منعه على الإطلاق ومنهم من أجازه على الإطلاق ومنهم من فرق بين النفل في ذلك والفرض وسبب اختلافهم تعارض الاثار في ذلك والاحتمال المتطرق لمن استقبل أحد حيطانها من داخل هل يسمى مستقبلا للبيت كما يسمى من استقبله من خارج أم لا أما الأثر فإنه ورد في ذلك حديثان متعارضان كلاهما ثابت أحدهما حديث ابن عباس قال لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل حتى خرج فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة وقال هذه القبلة والثاني حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة هو وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة وبلال بن رباح فأغلقها عليه ومكث فيها فسألت بلالا حين خرج ماذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال جعل عمودا عن يساره وعمودا عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه ثم صلى
فمن ذهب مذهب الترجيح أو النسخ قال إما بمنع الصلاة مطلقا إن رجح حديث ابن عباس وإما بإجازتها مطلقا إن رجح حديث ابن عمر ومن ذهب مذهب الجمع بينهما حمل حديث ابن عباس على الفرض وحديث ابن عمر على النفل والجمع بينهما فيه عسر فإن الركعتين اللتين صلاهما عليه الصلاة والسلام خارج الكعبة وقال هذه قبلة هي نفل ومن ذهب مذهب سقوط الأثر عند التعارض فإن كان ممن يقول باستصحاب حكم الإجماع والاتفاق لم يجز الصلاة داخل البيت أصلا وإن كان ممن لا يرى استصحاب حكم الإجماع عاد النظر في انطلاق اسم المستقبل للبيت على من صلى داخل الكعبة فمن جوزه أجاز الصلاة ومن لم يجوزه وهو الأظهر لم يجز الصلاة في البيت واتفق العلماء بأجمعهم على استحباب السترة بين المصلي والقبلة إذا صلى منفردا كان أو إماما وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل واختلفوا في الخط إذا لم يجد سترة فقال الجمهور ليس عليه أن يخط وقال أحمد بن حنبل يخط خطا بين يديه وسبب اختلافهم اختلافهم في تصحيح الأثر الوارد في الخط والأثر رواه أبو هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئا فإن لم يكن فلينصب عصا فإن لم تكن معه عصا فليخط خطا ولا يضره من مر بين يديه خرجه أبو داود وكان أحمد بن حنبل يصححه والشافعي لا يصححه وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم صلى لغير سترة والحديث الثابت أنه كان يخرج له العنزة فهذه جملة قواعد هذا الباب وهي أربع مسائل الباب الرابع من الجملة الثانية وهذا الباب ينقسم إلى فصلين أحدهما في ستر العورة والثاني فيما يجزىء من اللباس في الصلاة الفصل الأول اتفق العلماء على أن ستر العورة فرض بإطلاق واختلفوا هل هو شرط من شروط صحة الصلاة أم لا وكذلك اختلفوا في حد العورة من الرجل والمرأة وظاهر مذهب مالك أنها من سنن الصلاة وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنها من فروض الصلاة في ذلك تعارض الاثار واختلافهم في مفهوم قوله تعالى يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد هل الأمر بذلك على الوجوب أو على الندب فمن حمله على الوجوب قال المراد به ستر العورة واحتج لذلك بأن سبب نزول هذه الاية كان أن المرأة كانت تطوف بالبيت عريانة وتقول اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله فنزلت هذه الاية وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ومن حمله على الندب قال المراد بذلك الزينة الظاهرة من الرداء وغير ذلك من الملابس التي هي زينة واحتج لذلك بما جاء في الحديث من أنه كان رجال يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم عاقدي أزرهم على أعناقهم كهيئة الصبيان ويقال للنساء لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوسا قالوا ولذلك من لم يجد ما به يستر عورته لم يختلف في أنه يصلي واختلف فيمن عدم الطهارة هل يصلي أم لا يصلي وأما المسألة الثانية وهو حد العورة من الرجل فذهب مالك والشافعي إلى أن حد العورة منه ما بين السرة إلى الركبة وكذلك قال أبو حنيفة وقال قوم العورة هما السوأتان فقط من الرجل وسبب الخلاف في ذلك أثران متعارضان كلاهما ثابت أحدهما حديث جرهد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الفخذ عورة والثاني حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم حسر عن فخذه وهو جالس مع أصحابه قال البخاري وحديث أنس أسند وحديث جرهد أحوط وقد قال بعضهم العورة الدبر والفرج والفخذ وأما المسألة الثالثة وهي حد العورة من المرأة فأكثر العلماء على أن بدنها كله عورة ما خلا الوجه والكفين وذهب أبو حنيفة إلى أن قدمها ليست بعورة وذهب أبو بكر بن عبد الرحمن وأحمد إلى أن المرأة كلها عورة
وسبب الخلاف في ذلك احتمال قوله تعالى ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها هل هذا المستثنى المقصود منه أعضاء محدودة أم إنما المقصود به ما لا يملك ظهوره فمن ذهب إلى أن المقصود من ذلك ما لا يملك ظهوره عند الحركة قال بدنها كله عورة حتى ظهرها واحتج لذلك بعموم قوله تعالى يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين الاية ومن رأى أن المقصود من ذلك ما جرت به العادة بأنه لا يستر وهو الوجه والكفان ذهب إلى أنهما ليسا بعورة واحتج لذلك بأن المرأة ليست تستر وجهها في الحج الفصل الثاني من الباب الرابع فيما يجزىء في اللباس في الصلاة أما اللباس فالأصل فيه قوله تعالى خذوا زينتكم عند كل مسجد والنهي الوارد عن هيئات بعض الملابس في الصلاة وذلك أنهم اتفقوا فيما أحسب على أن الهيئات من اللباس التي لهن على الصلاة فيها مثل اشتمال الصماء وهو أن يحتبي الرجل في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء وسائر ما ورد من ذلك أن ذلك كله سد ذريعة ألا تنكشف عورته ولا أعلم أن أحدا قال لا تجوز صلاة على إحدى هذه الهيئات إن لم تنكشف عورته وقد كان على أصول أهل الظاهر يجب ذلك واتفقوا على أنه يجزىء الرجل من اللباس في الصلاة الثوب الواحد لقول النبي صلى الله عليه وسلم وقد سئل أيصلي الرجل في الثوب الواحد فقال أو لكلكم ثوبان واختلفوا في الرجل هل يصلي مكشوف الظهر والبطن فالجمهور على جواز صلاته لكون الظهر والبطن من الرجل ليسا بعورة وشذ قوم فقالوا لا تجوز صلاته لنهيه صلى الله عليه وسلم أن يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء وتمسك بوجوب قوله تعالى خذوا زينتكم عند كل مسجد واتفق الجمهور على أن اللباس المجزىء للمرأة في الصلاة هو درع وخمار لما روي عن أم سلمة أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ماذا تصلي فيه المرأة فقال في الخمار والدرع السابغ إذا غيبت ظهور قدميها ولما روي أيضا عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار وهو المروي عن عائشة وميمونة وأم سلمة أنهم كانوا يفتون بذلك وكل هؤلاء يقولون إنها إن صلت مكشوفة أعادت في الوقت وبعده إلا مالكا فإنه قال إنها تعيد في الوقت فقط والجمهور على أن الخادم لها أن تصلي مكشوفة الرأس والقدمين وكان الحسن البصري يوجب عليها الخمار واستحبه عطاء وسبب الخلاف الخطاب المتوجه إلى الجنس الواحد هل يتناول الأحرار والعبيد معا أم الأحرار فقط دون العبيد واختلفوا في صلاة الرجل في الثوب الحرير فقال قوم تجوز صلاته فيه وقال قوم لا تجوز وقوم استحبوا له الإعادة في الوقت وسبب اختلافهم في ذلك هل الشيء المنهي عنه مطلقا اجتنابه شرط في صحة الصلاة أم لا فمن ذهب إلى أنه شرط قال إن الصلاة لا تجوز به ومن ذهب إلى أنه يكون بلباسه مأثوما والصلاة جائزة قال ليس شرطا في صحة الصلاة كالطهارة التي هي شرط وهذه المسألة هي من نوع الصلاة في الدار المغصوبة والخلاف فيها مشهور الباب الخامس وأما الطهارة من النجس فمن قال إنها سنة مؤكدة فيبعد أن يقول إنها فرض في الصلاة أي من شروط صحتها وأما من قال إنها فرض بإطلاق فيجوز أن يقول إنها فرض في الصلاة ويجوز ألا يقول ذلك وحكى عبد الوهاب عن المذهب في ذلك قولين أحدهما أن إزالة النجاسة شرط في صحة الصلاة في حال القدرة والذكر
والقول الاخر إنها ليست شرطا والذي حكاه من أنها شرط لا يتخرج على مشهور المذهب من أن غسل النجاسة سنة مؤكدة وإنما يتخرج على القول بأنها فرض مع كتاب الطهارة وعرف هناك أسباب الخلاف فيها وإنما الذي يتعلق به هاهنا الكلام من ذلك هل ما هو فرض مطلق مما يقع في الصلاة يجب أن يكون فرضا في الصلاة أم لا والحق أن الشيء المأمور به على الإطلاق لا يجب أن يكون شرطا في صحة شيء ما ( آخر مأمور به وإن وقع فيه إلا بأمر آخر وكذلك الأمر في الشيء المنهي عنه على الإطلاق لا يجب أن يكون شرطا في صحة شيء ما ) إلا بأمر آخر الباب السادس وأما المواضع التي يصلي فيها فإن من الناس من أجاز الصلاة في كل موضع لا تكون فيه نجاسة ومنهم من استثنى من ذلك سبعة مواضع المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق والحمام ومعاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله ومنهم من استثنى من ذلك المقبرة فقط ومنهم من استثنى المقبرة والحمام ومنهم من كره الصلاة في هذه المواضع المنهي عنها ولم يبطلها وهو أحد ما روي عن مالك وقد روي عنه الجواز وهذه رواية ابن القاسم وسبب اختلافهم تعارض ظواهر الاثار في هذا الباب وذلك أن هاهنا حديثين متفق على صحتهما وحديثين مختلف فيهما فأما المتفق عليهما فقوله عليه الصلاة والسلام أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي وذكر فيها وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأينما أدركتني الصلاة صليت وقوله عليه الصلاة والسلام اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا وأما غير المتفق عليهما روي أنه عليه الصلاة والسلام نهى أن يصلى في سبعة مواطن في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام وفي معاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله خرجه الترمذي والثاني ما روي أنه قال عليه الصلاة والسلام صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل فذهب الناس في هذه الأحاديث ثلاثة مذاهب أحدها مذهب الترجيح والنسخ والثاني مذهب البناء أعني بناء الخاص على العام والثالث مذهب الجمع فأما من ذهب مذهب الترجيح والنسخ فأخذ بالحديث المشهور وهو قوله عليه الصلاة والسلام جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وقال هذا ناسخ لغيره لأن هذه هي فضائل له عليه الصلاة والسلام وذلك مما لا يجوز نسخه وأما من ذهب مذهب بناء الخاص على العام فقال حديث الإباحة عام وحديث النهي خاص فيجب أن يبنى الخاص على العام فمن هؤلاء من استثنى السبعة مواضع ومنهم من استثنى الحمام والمقبرة وقال هذا هو الثابت عنه عليه الصلاة والسلام لأنه قد روي أيضا النهي عنهما مفردين ومنهم من استثنى المقبرة فقط للحديث المتقدم وأما من ذهب مذهب الجمع ولم يستثن خاصا من عام فقال أحاديث النهي محمولة على الكراهة والأول علة الجواز واختلفوا في الصلاة في البيع والكنائس فكرهها قوم وأجازها قوم بين أن يكون فيها صور أو لا يكون وهو مذهب ابن عباس لقول عمر لا تدخل كنائسهم من أجل التماثيل والعلة فيمن كرهها لا من أجل التصاوير حملها على النجاسة واتفقوا على الصلاة على الأرض واختلفوا في الصلاة على الطنافس وغير ذلك مما يقعد عليه على الأرض والجمهور على إباحة السجود علة الحصير وما يشبهه مما تنبته الأرض والكراهية بعد ذلك وهو مذهب بن أنس الباب السابع في معرفة الشروط التي هي شروط في صحة الصلاة وأما التروك المشترطة في الصلاة فاتفق المسلمون على أن منها قولا ومنها فعلا فأما الأفعال فجميع الأفعال المباحة التي ليست من أفعال الصلاة إلا قتل العقرب والحية في الصلاة فإنهم اختلفوا في ذلك لمعارضة الأثر في ذلك للقياس واتفقوا فيما أحسب على جواز الفعل الخفيف
وأما الأقوال فهي أيضا الأقوال التي ليست من أقاويل الصلاة وهذه أيضا لم يختلفوا أنها تفسد الصلاة عمدا لقوله تعالى وقوموا لله قانتين ولما ورد من قوله عليه الصلاة والسلام إن الله يحدث من أمره ما يشاء ومما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة وهو حديث ابن مسعود وحديث زيد بن أرقم أنه قال كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت وقوموا لله قانتين فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام إلا أنهم اختلفوا من ذلك في موضعين أحدهما إذا تكلم ساهيا والاخر إذا تكلم عامدا لإصلاح الصلاة وشذ الأوزاعي فقال من تكلم في الصلاة لإحياء نفس أو لأمر كبير فإنه يبني والمشهور من مذهب مالك أن التكلم عمدا على جهة الإصلاح لا يفسدها وقال الشافعي يفسدها التكلم كيف كان إلا مع النسيان وقال أبو حنيفة يفسدها التكلم كيف كان والسبب في اختلافهم تعارض ظواهر الأحاديث في ذلك وذلك أن الأحاديث المتقدمة تقتضي تحريم الكلام على العموم وحديث أبي هريرة المشهور أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من اثنتين فقال له ذو اليدين أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أصدق ذو اليدين فقالوا نعم فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ركعتين أخريين ثم سلم ظاهره أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم والناس معه وأنهم بنوا بعد التكلم ولم يقطع ذلك التكلم صلاتهم فمن أخذ بهذاالظاهر ورأى أن هذا شيء يخص الكلام لإصلاح الصلاة استثنى هذا من ذلك العموم وهو مذهب مالك بن أنس ومن ذهب إلى أنه ليس في الحديث دليل على أنهم تكلموا عمدا في الصلاة وإنما يظهر منهم أنهم تكلموا وهم يظنون أن الصلاة قد قصرت وتكلم النبي عليه الصلاة والسلام وهو يظن أن الصلاة قد تمت ولم يصح عنده أن الناس قد تكلموا بعد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قصرت الصلاة وما نسيت قال إن المفهوم من الحديث إنما هو إجازة الكلام لغيرالعامد فإذن السبب في اختلاف مالك والشافعي في المستثنى من ذلك العموم هو اختلافهم في مفهوم هذا الحديث مع أن الشافعي اعتمد أيضا في ذلك أصلا عاما وهو قوله عليه الصلاة والسلام رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وأما أبو حنيفة فحمل أحاديث النهي على عمومها ورأى أنها ناسخة لحديث ذي اليدين وأنه متقدم عليها الباب الثامن في معرفة النية وكيفية اشتراطها في الصلاة وأما النية فاتفق العلماء على كونها شرطا في صحة الصلاة لكون الصلاة هي رأس العبادات التي وردت في الشرع لغير مصلحة معقولة أعني من المصالح المحسوسة واختلفوا هل من شرط نية المأموم أن توافق نية الإمام في تعيين الصلاة وفي الوجوب حتى لا يجوز أن يصلي المأموم ظهرا بإمام يصلي عصرا ولا يجوز أن يصلي الإمام ظهرا يكون في حقه نفلا وفي حق المأموم فرضا فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنه يجب أن توافق نية المأموم نية الإمام وذهب الشافعي إلى أنه ليس يجب والسبب في اختلافهم معارضة مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام إنماجعل الإمام ليؤتم به لما جاء في حديث معاذ من أنه كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم يصلي بقومه فمن رأى ذلك خاصا لمعاذ وأن عموم قوله عليه الصلاة والسلام إنما جعل الإمام ليؤتم به يتناول النية اشترط موافقة نية الإمام للمأموم ومن رأى أن الإباحة لمعاذ في ذلك هي إباحة لغيره من سائر المكلفين وهو الأصل قال لا يخلو الأمر في ذلك الحديث الثاني من أحد أمرين إما أن يكون ذلك العموم الذي فيه لا يتناول النية لأن ظاهره إنما هو في الأفعال فلا يكون بهذا الوجه معارضا لحديث معاذ وإما أن يكون يتناولها فيكون حديث معاذ قد خصص في ذلك العموم وفي النية مسائل ليس لها تعلق بالمنطوق به من الشرع رأينا تركها إذ كان غرضنا على القصد الأول إنما هو الكلام في المسائل التي تتعلق بالمنطوق به من الشرع
الجملة الثالثة من كتاب الصلاة وهي معرفة ما تشتمل عليه من الأقوال والأفعال وهي الأركان والصلوات المفروضة تختلف في هذين بالزيادة والنقصان إما من قبل الانفراد والجماعة وإما من قبل الزمان مثل مخالفة ظهر الجمعة لظهر سائر الأيام وإما من قبل الحضر والسفر وإما من قبل الأمن والخوف وإما من قبل الصحة والمرض فإذا أريد أن يكون القول في هذه صناعيا وجاريا على نظام فيجب أن يقال أولا فيما تشترك فيه هذه كلها ثم يقال فيما يخص واحدة واحدة منها أو يقال في واحدة واحدة منها وهو الأسهل وإن كان هذا النوع من التعليم يعرض منه تكرار ما وهو الذي سلكه الفقهاء ونحن نتبعهم في ذلك فنجعل هذا الجملة مقسمة إلى ستة أبواب الباب الأول في صلاة المنفرد الآمن الصحيح الباب الثاني في صلاة الجماعة أعني في أحكام الإمام والمأموم في الصلاة الباب الثالث في صلاة الجمعة الباب الرابع في صلاة السفر الباب الخامس في صلاة الخوف الباب السادس في صلاة المريض الباب الأول في صلاة المنفرد الحاضر الامن الصحيح وهذا الباب فيه فصلان الفصل الأول في أقوال الصلاة والفصل الثاني في أفعال الصلاة الفصل الأول في أقوال الصلاة وفي هذا الفصل من قواعد المسائل تسع مسائل المسألة الأولى اختلف العلماء في التكبير على ثلاثة مذاهب فقوم قالوا إن التكبير كله واجب في الصلاة وقوم قالوا إنه كله ليس بواجب وهو شاذ وقوم أوجبوا تكبيرة الإحرام فقط وهم الجمهور وسبب اختلاف من أوجبه كله ومن أوجب منه تكبيرة الإحرام فقط معارضة ما نقل من قوله لما نقل من فعله عليه الصلاة والسلام فأما ما نقل من قوله فحديث أبي هريرة المشهور أن النبي عليه الصلاة والسلام قال للرجل الذي علمه الصلاة إذا أردت الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة ثم كبر ثم اقرأ فمفهوم هذا هو أن التكبيرة الأولى هي الفرض فقط ولو كان ما عدا ذلك من التكبير فرضا لذكره له كما ذكر سائر فروض الصلاة وأما ما نقل من فعله فمنهما حديث أبي هريرة أنه كان يصلي فيكبر كلما خفض ورفع ثم يقول إني لأشبهكم صلاة بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنها حديث مطرف بن عبد الله بن الشخير قال صليت أنا وعمران بن الحصين خلف علي بن أبي طالب رضي الله عنه فكان إذا سجد كبر وإذا رفع رأسه من الركوع كبر فلما قضى صلاته وانصرفنا أخذ عمران بيده فقال أذكرني هذا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم فالقائلون بإيجابه تمسكوا بهذا العمل المنقول في هذه الأحاديث وقالوا الأصل أن تكون كل أفعاله التي أتت بيانا لواجب محمولة على الوجوب كما قال صلى الله عليه وسلم صلوا كما رأيتموني أصلي وخذوا عني مناسككم وقالت الفرقة الأولى ما في هذه الاثار يدل على أن العمل عند الصحابة إنما كان على إتمام التكبير ولذلك كان أبو هريرة يقول إني لأشبهكم صلاة بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال عمران أذكرني هذا بصلاته صلاة محمد صلى الله عليه وسلم وأما من جعل التكبير كله نفلا فضعيف ولعله قاسه على سائر الأذكار التي في حرام على سائر التكبيرات قال أبو عمر بن عبد البر ومما يؤيد مذهب الجمهور ما رواه شعبة بن الحجاج عن الحسن بن عمران عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه قال صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يتم التكبير وصليت مع عمر بن عبد العزيز فلم يتم التكبير وما رواه أحمد بن حنبل عن عمر رضي الله عنه أنه كان لا يكبر إذا صلى وحده وكأن هؤلاء رأوا أن التكبير إنما هو لمكان إشعار الإمام للمأمومين بقيامه وقعوده ويشبه أن يكون إلى هذا ذهب من رآه كله نفلا المسألة الثانية قال مالك لا يجزىء من لفظ التكبير إلا الله أكبر وقال الشافعي الله أكبر والله الأكبر اللفظان كلاهما يجزىء وقال أبو حنيفة يجزىء من لفظ التكبير كل لفظ في معناه مثل الله الأعظم والله الأجل
وسبب اختلافهم هل اللفظ هو المتعبد به في الافتتاح أو المعنى وقد استدل المالكيون والشافعيون بقوله عليه الصلاة والسلام مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم قالوا والألف واللام هاهنا للحصر والحصر يدل على أن الحكم خاص بالمنطوق به وأنه لا يجوز بغيره وليس يوافقهم أبو حنيفة على هذا الأصل فإن هذا المفهوم هو عنده من باب دليل الخطاب وهو أن يحكم للمسكوت عنه بضد حكم المنطوق به ودليل الخطاب عند أبي حنيفة غير معمول به المسألة الثالثة ذهب قوم إلى أن التوجيه في الصلاة واجب وهو أن يقول بعد التكبير إما ( وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض ) وهو مذهب الشافعي وإما أن يسبح وهو مذهب أبي حنيفة وإما أن يجمع بينهما وهو مذهب أبي يوسف صاحبه وقال مالك ليس التوجيه بواجب في الصلاة ولا بسنة وسبب الاختلاف معارضة الاثار الواردة بالتوجيه للعمل عند مالك أو الاختلاف في صحة الاثار الواردة بذلك قال القاضي قد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسكت بين التكبير والقراءة إسكاتة قال فقلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي إسكاتك بين بين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد وقد ذهب قوم إلى استحسان سكتات كثيرة في الصلاة منها حين يكبر ومنها حين يفرغ من قراءة أم القرآن وإذا فرغ من القراءة قبل الركوع وممن قال بهذا القول الشافعي وأبو ثور والأوزاعي وأنكر ذلك مالك وأصحابه وأبو حنيفة وأصحابه وسبب اختلافهم اختلافهم في تصحيح حديث أبي هريرة أنه قال كانت له عليه الصلاة والسلام سكتات في صلاته حين يكبر ويفتتح الصلاة وحين يقرأ فاتحة الكتاب وإذا فرغ من القراءة قبل الركوع المسألة الرابعة اختلفوا في قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في افتتاح القراءة في الصلاة فمنع ذلك مالك في الصلاة المكتوبة جهرا كانت أو سرا لا في استفتاح أم القرآن ولا في غيرها من السور وأجاز ذلك في النافلة وقال أبو حنيفة والثوري وأحمد يقرؤها مع أم القرآن في كل ركعة سرا وقال الشافعي يقرؤها ولا بد في الجهر جهرا وفي السر سرا وهي عنده آية من فاتحة الكتاب وبه قال أحمد وأبو ثور وأبو عبيد واختلف قول الشافعي هل هي آية من كل سورة أم إنما هي من سورة النمل فقط ومن فاتحة الكتاب فروي عنه القولان جميعا وسبب الخلاف في هذا آيل إلى شيئين أحدهما اختلاف الاثار في هذا الباب والثاني اختلافهم هل بسم الله الرحمن الرحيم آية من فاتحة الكتاب أم لا فأما الاثار التي احتج بها من أسقط ذلك فمنها حديث ابن مغفل قال سمعني أبي وأنا أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم فقال يا بني إياك والحدث فإني صليت مع سمع رجلا منهم يقرؤها قال أبو عمر بن عبد البر ابن مغفل رجل مجهول ومنها ما رواه مالك من حديث أنس أنه قال قمت وراء أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فكلهم كان لا يقرأ بسم الله إذا افتتحوا الصلاة قال أبو عمر وفي بعض الروايات أنه قام خلف النبي صلى الله عليه وسلم فكان لا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم قال أبو عمر إلا أن أهل الحديث قالوا في حديث أنس هذا إن النقل فيه مضطرب اضطرابا لا تقوم به حجة وذلك أن مرة روي عنه مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومرة لم يرفع ومنهم من يذكر عثمان ومن لا يذكره ومنهم من يقول فكانوا يقرأون بسم الله الرحمن الرحيم ومنهم من يقول فكانوا لا يقرأون بسم الله الرحمن الرحيم ومنهم من يقول فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم وأما الأحاديث المعارضة لهذا فمنها حديث نعيم بن عبد الله المجمر قال صليت خلف أبي هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم قبل أم القرآن وقبل السورة وكبر في الخفض والرفع وقال أنا أشبهكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم
ومنها حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ومنها حديث أم سلمة أنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين فاختلاف هذه الاثار أحد ما أوجب اختلافهم في قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة والسبب الثاني كما قلنا هو هل بسم الله الرحمن الرحيم آية من أم الكتاب وحدها أو من كل سورة أم ليست آية لا من أم الكتاب ولا من كل سورة فمن رأى أنها آية من أم الكتاب أوجب قراءتها بوجوب قراءة أم الكتاب عنده في الصلاة ومن رأى أنها آية من أول كل سورة وجب عنده أن يقرأها مع السورة وهذه المسألة قد كثر الاختلاف فيها والمسألة محتملة ولكن من أعجب ما وقع في هذه المسألة أنهم يقولون ربما اختلف فيه هل بسم الله الرحمن الرحيم آية من القرآن في غير سورة النمل أم إنما هي آية من القرآن في سورة النمل فقط ويحكون على جهة الرد على الشافعي أنها لو كانت من القرآن في غير سورة النمل لبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن القرآن نقل تواترا وهذا الذي قاله القاضي في الرد على الشافعي وظن أنه قاطع وأما أبو حامد فانتصر لهذا بأن قال إنه أيضا لو كانت من غير القرآن لوجب على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبين ذلك وهذا كله تخبط وشيء غير مفهوم فإنه كيف يجوز في الاية الواحدة بعينها أن يقال فيها إنها من القرآن في موضع وإنها ليست من القرآن في موضع آخر بل يقال إن بسم الله الرحمن الرحيم قد ثبت أنها من القرآن حيثما ذكرت وأنها آية من سورة النمل وهل هي آية من سورة أم القرآن ومن كل سورة يستفتح بها مختلف فيه والمسألة محتملة وذلك أنها في سائر السور فاتحة وهي جزء من سورة النمل فتأمل هذا فإنه بين والله أعلم المسألة الخامسة اتفق العلماء على أنه لا تجوز صلاة بغير قراءة لا عمدا ولا سهوا إلا شيئا روي عن عمر رضي الله عنه أنه صلى فنسي القراءة فقيل له في ذلك فقال كيف كان الركوع والسجود فقيل حسن فقال لا بأس إذا وهو حديث غريب عندهم أدخله مالك في موطئه في بعض الروايات وإلا شيئا روي عن ابن عباس أنه لا يقرأ في صلاة السر وأنه قال قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلوات وسكت في أخرى في الظهر والعصر قراءة فقال لا وأخذ الجمهور بحديث خباب أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر والعصر قيل فبأي شيء كنتم تعرفون ذلك قال باضطراب لحيته وتعلق الكوفيون بحديث ابن عباس في ترك وجوب القراءة في الركعتين الأخيرتين من الصلاة لاستواء صلاة الجهر والسر في سكوت النبي صلى الله عليه وسلم في هاتين الركعتين واختلفوا في القراءة الواجبة في الصلاة فرأى بعضهم أن الواجب من ذلك أم القرآن لمن حفظها وأن ما عداها ليس فيه توقيت ومن هؤلاء من أوجبها في كل ركعة ومنهم من أوجبها في أكثر الصلاة ومنهم من أوجبها في نصف الصلاة ومنهم من أوجبها في ركعة من الصلاة وبالأول قال الشافعي وهي أشهر الروايات عن مالك وقد روي عنه أنه إن قرأها في ركعتين من الرباعية أجزأته وأما من رأى أنها تجزىء في ركعة فمنهم الحسن البصري وكثير من فقهاء البصرة وأما أبو حنيفة فالواجب عنده إنما هو قراءة القرآن أي آية اتفقت أن تقرأ وحد أصحابه في ذلك ثلاث آيات قصار أو آية طويلة مثل آية الدين وهذا في الركعتين الأوليين وأما في الأخيرتين فيستحب عنده التسبيح فيهما دون القراءة وبه قال الكوفيون والجمهور يستحبون القراءة فيها كلها
والسبب في هذا الاختلاف تعارض الاثار في هذا الباب ومعارضة ظاهر الكتاب للأثر أما الاثار المتعارضة في ذلك فأحدها حديث أبي هريرة الثابت أن رجلا دخل المسجد فصلى ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم السلام وقال ارجع فصل فإنك لم تصل فصلى ثم جاء فسلم فأمره بالرجوع فعل ذلك ثلاث مرات فقال والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فقال عليه الصلاة والسلام إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعتدل قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تستوي قائما ثم افعل ذلك في صلاتك كلها وأما المعارض لهذا فحديثان ثابتان متفق عليهما أحدهما حديث عبادة بن الصامت أنه عليه الصلاة والسلام قال لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب وحديث أبي هريرة أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج فهي خداج فهي خداج ثلاثا وحديث أبي هريرة المتقدم ظاهره أنه يجزىء من القراءة في الصلاة ما تيسر من القرآن وحديث عبادة وحديث أبي هريرة الثاني يقتضيان أن أم القرآن شرط في الصلاة وظاهر قوله تعالى فاقرؤوا ما تيسر منه يعضد حديث أبي هريرة المتقدم والعلماء المختلفون في هذه المسألة إما أن يكونوا ذهبوا في تأويل هذه الأحاديث مذهب الجمع وإما أن يكونوا ذهبوا مذهب الترجيح وعلى كلا القولين يتصور هذا المعنى وذلك أنه من ذهب مذهب من أوجب قراءة ما تيسر من القرآن له أن يقول هذا أرجح لأن ظاهر الكتاب يوافقه وله أن يقول على طريق الجمع إنه يمكن أن يكون حديث عبادة المقصود به نفي الكمال لا نفي الإجزاء وحديث أبي هريرة المقصود منه الإعلام بالمجزىء من القراءة إذا كان المقصود منه تعليم فرائض الصلاة ولأولئك أيضا أن يذهبوا هذين المذهبين بأن يقولوا هذه الأحاديث أوضح لأنها أكثر وأيضا فإن حديث أبي هريرة المشهور يعضده وهو الحديث الذي فيه يقول الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل يقول العبد الحمد لله رب العالمين يقول الله حمدني عبدي الحديث ولهم أن يقولوا أيضا إن قوله عليه الصلاة والسلام ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن مبهم والأحاديث الأخر معينة والمعين يقضي على المبهم وهذا فيه عسر فإن معنى حرف ما هاهنا إنما هو معنى أي شيء تيسر وإنما يسوغ هذا إن دلت ما في كلام العرب على ما تدل عليه لام العهد فكان يكون تقدير الكلام اقرأ الذي تيسر معك من القرآن ويكون المفهوم منه أم الكتاب إذا كانت الألف واللام في الذي في الظاهر تدل على العهد فينبغي أن يتأمل هذا في كلام العرب فإن وجدت العرب تفعل هذا أعني تتجوز في موطن ما فتدل بما على شيء معين فليسغ هذا التأويل وإلا فلا وجه له فالمسألة كما ترى محتملة وإنما كان يرتفع الاحتمال لو ثبت النسخ وأما اختلاف من أوجب أم الكتاب في الصلاة في كل ركعة أو في بعض الصلاة فسببه احتمال عودة الضمير الذي في قوله عليه الصلاة والسلام لم يقرأ فيها بأم القرآن على كل أجزاء الصلاة أو على بعضها وذلك أن من قرأ في الكل منها أو في الجزء أعني في ركعة أو ركعتين لم يدخل تحت قوله عليه الصلاة والسلام لم يقرأ فيها وهذا الاحتمال بعينه هو الذي أصار أبا حنيفة إلى أن يترك القراءة أيضا في بعض الصلاة أعني في الركعتين الأخيرتين
واختار مالك أن يقرأ في الركعتين الأوليين من الرباعية بالحمد وسورة وفي الأخيرتين بالحمد فقط فاختار الشافعي أن يقرأ في الأربع من الظهر بالحمد وسورة إلا أن السورة التي تقرأ في الأوليين تكون أطول فذهب مالك إلى حديث أبي قتادة الثابت أنه عليه الصلاة والسلام كان يقرأ في الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة وفي الأخريين منها بفاتحة الكتاب فقط وذهب الشافعي إلى ظاهر حديث أبي سعيد الثابت أيضا أنه كان يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر قدر ثلاثين آية وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية ولم يختلفوا في العصر لاتفاق الحديثين فيها وذلك أن في حديث أبي سعيد هذا أنه كان يقرأ في الأوليين من العصر قدر خمس عشرة آية وفي الأخريين قدر النصف من ذلك المسألة السادسة اتفق الجمهور على منع قراءة القرآن في الركوع والسجود لحديث علي في ذلك قال نهاني جبريل صلى الله عليه وسلم أن أقرأ القرآن راكعا وساجدا قال الطبري وهو حديث صحيح وبه أخذ فقهاء الأمصار وصار قوم من التابعين إلى جواز ذلك وهو مذهب البخاري لأنه لم يصح الحديث عنده والله أعلم واختلفوا هل الركوع والسجود قول محدود يقوله المصلي أم لا فقال مالك ليس في ذلك قول محدود وذهب الشافعي وأبو حنيفة وأحمد وجماعة غيرهم إلى أن المصلي يقول في ركوعه سبحان ربي العظيم ثلاثا وفي السجود سبحان ربي الأعلى ثلاثا على ما جاء في حديث عقبة بن عامر وقال الثوري أحب إلي أن يقولها الإمام خمسا في صلاته حتى يدرك الذي خلفه ثلاث تسبيحات والسبب في هذا الاختلاف معارضة حديث ابن عباس في هذا الباب لحديث عقبة بن عامر وذلك أن في حديث ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام قال ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا فأما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا فيه في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم وفي حديث عقبة بن عامر أنه قال لما نزلت فسبح باسم ربك العظيم قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم اجعلوها في ركوعكم ولما نزلت سبح اسم ربك الأعلى قال اجعلوها في سجودكم وكذلك اختلفوا في الدعاء في الركوع بعد اتفاقهم على جواز الثناء على الله فكره ذلك مالك لحديث علي أنه قال عليه الصلاة والسلام أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا فيه في الدعاء وقالت طائفة يجوز الدعاء في الركوع واحتجوا بأحاديث جاء فيها أنه عليه الصلاة والسلام دعا في الركوع وهو مذهب البخاري واحتج بحديث عائشة قالت كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي وأبو حنيفة لا يجيز الدعاء في الصلاة بغير ألفاظ القرآن و مالك والشافعي يجيزان ذلك والسبب في ذلك اختلافهم فيه هل هو كلام أم لا المسألة السابعة اختلفوا في وجوب التشهد وفي المختار منه فذهب مالك وأبو حنيفة وجماعة إلى أن التشهد ليس بواجب وذهبت طائفة إلى وجوبه وبه قال الشافعي وأحمد وداود وسبب اختلافهم معارضة القياس لظاهر الاثار وذلك أن القياس يقتضي إلحاقه بسائر الأركان التي ليست بواجبة في الصلاة لاتفاقهم على وجوب القرآن وأن التشهد ليس بقرآن فيجب وحديث ابن عباس أنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن يقتضي وجوبه مع أن الأصل عند هؤلاء أن أفعاله وأقواله في الصلاة يجب أن تكون محمولة على الوجوب حتى يدل الدليل على خلاف ذلك والأصل عند غيرهم على خلاف هذا وهو أن ما ثبت وجوبه في الصلاة مما اتفق عليه أو صرح بوجوبه فلا يجب أن يلحق به إلا ما صرح به ونص عليه فهما كما ترى أصلان متعارضان
وأما المختار من التشهد فإن مالكا رحمه الله اختار تشهد عمر رضي الله عنه الذي كان يعلمه الناس على المنبر وهو التحيات لله الزاكيات لله الطيبات الصلوات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله واختار أهل الكوفة أبو حنيفة وغيره تشهد عبد الله بن مسعود قال أبو عمر وبه قال أحمد وأكثر أهل الحديث لثبوت نقله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله واختار ذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن فكان يقول التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وسبب اختلافهم اختلاف ظنونهم في الأرجح منها فمن غلب على ظنه رجحان حديث ما من هذه الأحاديث الثلاثة مال إليه وقد ذهب كثير من الفقهاء إلى أن هذا كله على التخيير كالأذان والتكبير على الجنائز وفي العيدين وفي غير ذلك مما تواتر نقله وهو الصواب والله أعلم وقد اشترط الشافعي الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد وقال إنها فرض لقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ذهب إلى أن هذا التسليم هو التسليم من الصلاة وذهب الجمهور إلى أنه التسليم الذي يؤتى به عقب الصلاة عليه وذهب قوم من أهل الظاهر إلى أنه واجب أن يتعوذ المتشهد من الأربع التي جاءت في الحديث من عذاب القبر ومن عذاب جهنم ومن فتنة المسيح الدجال ومن فتنة المحيا والممات لأنه ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ منها في آخر تشهده وفي بعض طرقه إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليتعوذ من أربع الحديث خرجه مسلم المسألة الثامنة اختلفوا في التسليم من الصلاة فقال الجمهور بوجوبه وقال أبو حنيفة وأصحابه ليس بواجب والذين أوجبوه منهم من قال الواجب على المنفرد والإمام تسليمة واحدة ومنهم من قال اثنتان فذهب الجمهور مذهب ظاهر حديث علي وهو قوله عليه الصلاة والسلام فيه وتحليلها التسليم ومن ذهب إلى أن الواجب من ذلك تسليمتان فلما ثبت من أنه عليه الصلاة والسلام كان يسلم تسليمتين وذلك عند من حمل فعله على الوجوب واختار مالك للمأموم تسليمتين وللإمام واحدة وقد قيل عنه إن المأموم يسلم ثلاثا الواحدة للتحليل والثانية للإمام والثالثة لمن هو عن يساره وأما أبو حنيفة فذهب إلى ما رواه عبد الرحمن بن زياد الإفريقي أن عبد الرحمن بن رافع وبكر بن سوادة حدثاه عن عبد الله بن عمروا بن العاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس الرجل في آخر صلاته فأحدث قبل أن يسلم فقد تمت صلاته قال أبو عمر بن عبد البر وحديث علي المتقدم أثبت عند أهل النقل لأن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص انفرد به الإفريقي وهو عند أهل النقل ضعيف قال القاضي إن كان أثبت من طريق النقل فإنه محتمل من طريق اللفظ وذلك أنه ليس يدل على أن الخروج من الصلاة لا يكون بغير التسليم إلا بضرب من دليل الخطاب وهو مفهوم ضعيف عند الأكثر ولكن للجمهور أن يقولوا إن الألف واللام التي للحصر أقوى من دليل الخطاب في كون حكم المسكوت عنه بضد حكم المنطوق به
المسألة التاسعة اختلفوا في القنوت فذهب مالك إلى أن القنوت في صلاة الصبح مستحب وذهب الشافعي إلى أنه سنة وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يجوز القنوت في صلاة الصبح وأن القنوت إنما موضعه الوتر وقال قوم بل يقنت في كل صلاة وقال قوم لا قنوت إلا في رمضان وقال قوم بل في النصف الأخير منه وقال قوم بل في النصف الأول منه والسبب في ذلك اختلاف الاثار المنقولة في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وقياس بعض الصلوات في ذلك على بعض أعني التي قنت فيها على التي لم يقنت فيها قال أبو عمر بن عبد البر والقنوت بلعن الكفرة في رمضان مستفيض في الصدر الأول اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في دعائه على رعل وذكوان والنفر الذين قتلوا أصحاب بئر معونة وقال الليث بن سعد ما قنت منذ أربعين عاما أو خمسة وأربعين عاما إلا وراء إمام يقنت قال الليث وأخذت في ذلك بالحديث الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قنت شهرا أو أربعين يدعو لقوم ويدعو على آخرين حتى أنزل الله تبارك وتعالى عليه معاتبا ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم القنوت فما قنت بعدها حتى لقي الله قال فمنذ حملت هذا الحديث لم أقنت وهو مذهب يحيى بن يحيى قال القاضي ولقد حدثني الأشياخ أنه كان العمل عليه بمسجده عندنا بقرطبة وأنه استمر إلى زماننا أو قريب من زماننا وخرج مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت في صلاة الصبح ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما نزلت ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم وخرج عن أبي هريرة أنه قنت في الظهر والعشاء الأخيرة وصلاة الصبح وخرج عنه عليه الصلاة والسلام أنه قنت شهرا في صلاة الصبح يدعو على بني عصية واختلفوا فيما يقنت به فاستحب مالك القنوت ب اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونستهديك ونؤمن بك ونخنع لك ونخلع ونترك من يكفرك اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخاف عذابك إن عذابك بالكفار ملحق ويسميها أهل العراق السورتين ويروى أنها في مصحف أبي بن كعب وقال الشافعي وإسحاق بل يقنت ب اللهم اهدنا فيمن هديت وعافنا فيمن عافيت وقنا شر ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك تباركت ربنا وتعاليت وهذا يرويه الحسن بن علي من طرق ثابتة أن النبي عليه الصلاة والسلام علمه هذا الدعاء يقنت به في الصلاة وقال عبد الله بن داود من لم يقنت بالسورتين فلا يصلى خلفه وقال قوم ليس في القنوت شيء موقوت الفصل الثاني في الأفعال التي هي أركان وفي هذا الفصل من قواعد المسائل ثمان مسائل المسألة الأولى اختلف العلماء في رفع اليدين في الصلاة في ثلاثة مواضع أحدها في حكمه والثاني في المواضع التي ترفع فيها من الصلاة والثالث إلى أين ينتهي برفعها فأما الحكم فذهب الجمهور إلى أنه سنة في الصلاة وذهب داود وجماعة من أصحابه إلى أن ذلك فرض وهؤلاء انقسموا أقساما فمنهم من أوجب ذلك في تكبيرة الإحرام فقط ومنهم من أوجب ذلك في الاستفتاح وعند الركوع أعني عند الانحطاط فيه وعند الارتفاع منه ومنهم من أوجب ذلك في هذين الموضعين وعند السجود وذلك بحسب اختلافهم في المواضع التي يرفع فيها وسبب اختلافهم معارضة ظاهر حديث أبي هريرة الذي فيه تعليم فرائض الصلاة لفعله عليه الصلاة والسلام وذلك أن حديث أبي هريرة إنما فيه أنه قال له وكبر ولم يأمره برفع يديه وثبت عنه عليه الصلاة والسلام من حديث ابن عمر وغيره أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وأما اختلافهم في المواضع التي ترفع فيها فذهب أهل الكوفة أبو حنيفة وسفيان الثوري وسائر فقهائهم إلى أنه لا يرفع المصلي يديه إلا عند تكبيرة الإحرام فقط وهي رواية ابن القاسم عن مالك
وذهب الشافعي وأحمد وأبو عبيد وأبو ثور وجمهور أهل الحديث وأهل الظاهر إلى الرفع عند تكبيرة الإحرام وعند الركوع وعند الرفع من الركوع وهو مروي عن مالك إلا أنه عند بعض أولئك فرض وعند مالك سنة وذهب بعض أهل الحديث إلى رفعها عند السجود وعند الرفع منه والسبب في هذا الاختلاف كله اختلاف الاثار الواردة في ذلك ومخالفة العمل بالمدينة لبعضها وذلك أن في ذلك أحاديث أحدها حديث عبد الله بن مسعود وحديث البراء بن عازب أنه كان عليه الصلاة والسلام يرفع يديه عند الإحرام مرة واحدة لا يزيد عليها والحديث الثاني حديث سالم بن عبد الله ابن عمر عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما أيضا كذلك وقال سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد وكان لا يفعل ذلك في السجود وهو حديث متفق على صحته وزعموا أنه روى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر رجلا من أصحابه حديث وائل بن حجر وفيه زيادة على ما في حديث عبد الله بن عمر أنه كان يرفع يديه عند السجود فمن حمل الرفع هاهنا على أنه ندب أو فريضة فمنهم من اقتصر به على الإحرام فقط ترجيحا لحديث عبد الله بن مسعود وحديث البراء بن عازب وهو مذهب مالك لموافقة العمل به ومنهم من رجح حديث عبد الله بن عمر فرأى الرفع في الموضعين أعني في الركوع وفي الافتتاح لشهرته واتفق الجميع عليه ومن كان رأيه من هؤلاء أن الرفع فريضة حمل ذلك على الفريضة ومن كان رأيه أنه ندب حمل ذلك على الندب ومنهم من ذهب مذهب الجمع وقال إنه يجب أن تجمع هذه الزيادات بعضها إلى بعض على ما في حديث وائل بن حجر فإذن العلماء ذهبوا في هذه الاثار مذهبين إما مذهب الترجيح وإما مذهب الجمع والسبب في اختلافهم في حمل رفع اليدين في الصلاة هل هو على الندب أو على الفرض هو السبب الذي قلناه قبل من أن بعض الناس يرى أن الأصل في أفعاله صلى الله عليه وسلم أن تحمل على الوجوب حتى يدل الدليل على غير ذلك ومنهم من يرى أن الأصل أن لا يزاد فيما صح بدليل واضح من قول ثابت أو إجماع أنه من فرائض الصلاة إلا بدليل واضح وقد تقدم هذا من قولنا ولا معنى لتكرير الشيء الواحد مرات كثيرة وأما الحد الذي ترفع إليه اليدان فذهب بعضهم إلى أنه المنكبان وبه قال مالك والشافعي وجماعة وذهب بعضهم إلى رفعها إلى الأذنين وبه قال أبو حنيفة وذهب بعضهم إلى رفعها إلى الصدر وكل ذلك مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن أثبت ما في ذلك أنه كان يرفعهما حذو منكبيه وعليه الجمهور والرفع إلى الأذنين أثبت من الرفع إلى الصدر وأشهر المسألة الثانية ذهب أبو حنيفة إلى أن الاعتدال من الركوع وفي الركوع غير واجب وقال الشافعي هو واجب واختلف أصحاب مالك هل ظاهر مذهبه يقتضي أن في ذلك والسبب في اختلافهم هل الواجب الأخذ ببعض ما ينطلق عليه الاسم أم بكل ذلك الشيء الذي ينطلق عليه الاسم فمن كان الواجب عنده الأخذ ببعض ما ينطلق عليه الاسم لم يشترط الاعتدال في الركوع ومن كان الواجب عنده الأخذ بالكل اشترط الاعتدال وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الحديث المتقدم للرجل الذي علمه فروض الصلاة اركع حتى تطمئن راكعا وارفع حتى تطمئن رافعا فالواجب اعتقاد كونه فرضا وعلى هذا الحديث عول كل من رأى أن الأصل لا تحمل أفعاله عليه الصلاة والسلام في سائر أفعال الصلاة مما لم ينص عليها في هذا الحديث على الوجوب حتى يدل الدليل على ذلك ومن قبل هذا لم يروا رفع اليدين فرضا ولا ما عدا تكبيرة الإحرام والقراءة من الأقاويل التي في الصلاة فتأمل هذا فإنه أصل مناقض للأصل الأول وهو سبب الخلاف في أكثر هذه المسائل
المسألة الثالثة اختلف الفقهاء في هيئة الجلوس فقال مالك وأصحابه ويفضي بأليتيه إلى الأرض وينصب رجله اليمنى ويثني اليسرى وجلوس المرأة عنده كجلوس الرجل وقال أبو حنيفة وأصحابه ينصب الرجل اليمنى ويقعد على اليسرى وفرق الشافعي بين الجلسة الوسطى والأخيرة فقال في الوسطى بمثل قول أبي حنيفة وفي الأخيرة بمثل قول مالك وسبب اختلافهم في ذلك تعارض الاثار وذلك أن في ذلك ثلاثة آثار أحدها وهو ثابت باتفاق حديث أبي حميد الساعدي الوارد في وصف صلاته عليه الصلاة والسلام وفيه وإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى وإذا جلس في الركعة الأخيرة قدم رجله اليسرى ونصب اليمنى وقعد على مقعدته والثاني حديث وائل بن حجر وفيه أنه كان إذا قعد في الصلاة نصب اليمنى أنه قال إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني اليسرى وهو يدخل في المسند لقوله فيه إنما سنة الصلاة وفي روايته عن القاسم بن محمد أنه أراهم الجلوس في التشهد فنصب رجله اليمنى وثنى اليسرى وجلس على وركه الأيسر ولم يجلس على قدمه ثم قال أراني هذا عبد الله بن عبد الله بن عمر وحدثني أن أباه كان يفعل ذلك فذهب مالك مذهب الترجيح لهذا الحديث وذهب أبو حنيفة مذهب الترجيح لحديث وائل وذهب الشافعي مذهب الجمع على حديث أبي حميد وذهب الطبري مذهب التخيير وقال هذه الهيئات كلها جائزة وحسن فعلها لثبوتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قول حسن فإن الأفعال المختلفة أولى أن تحمل على التخيير منها على التعارض وإنما يتصور ذلك التعارض أكثر في الفعل مع القول أو في القول مع القول المسألة الرابعة اختلف العلماء في الجلسة الوسطى والأخيرة فذهب الأكثر في الوسطى إلى أنها سنة وليست بفرض وشذ قوم وقالوا إنها فرض وكذلك ذهب الجمهور في الجلسة الأخيرة إلى أنها فرض وشذ قوم فقالوا إنها ليست بفرض والسبب في اختلافهم هو تعارض مفهوم الأحاديث وقياس إحدى الجلستين على الثانية وذلك أن في حديث أبي هريرة المتقدم اجلس حتى تطمئن جالسا فوجب الجلوس على ظاهر هذا الحديث في الصلاة كلها فمن أخذ بهذا قال إن الجلوس كله فرض ولما جاء في حديث ابن بحينة الثابت أنه عليه الصلاة والسلام أسقط الجلسة الوسطى ولم يجبرها وسجد لها وثبت عنه أنه أسقط ركعتين فجبرها وكذلك ركعة فهم الفقهاء من هذاالفرق بين حكم الجلسة الوسطى وحكم الركعة وكانت عندهم الركعة فرضا بإجماع فوجب أن لا تكون الجلسة الوسطى فرضا فهذا هو الذي أوجب أن فرق الفقهاء بين الجلستين ورأوا أن سجود السهو إنما يكون للسنن دون الفروض ومن رأى أنها فرض قال السجود للجلسة الوسطى شيء يخصها دون سائر الفرائض وليس في ذلك دليل على أنها ليست بفرض وأما من ذهب إلى أنهما كليهما سنة فقاس الجلسة الأخيرة على الوسطى بعد أن اعتقد في الوسطى بالدليل الذي اعتقد به الجمهور أنها سنة فإذن السبب في اختلافهم هو في الحقيقة آيل إلى معارضة الاستدلال لظاهر القول أو ظاهر الفعل فإن من الناس أيضا من اعتقد أن الجلستين كليهما فرض من جهة أن أفعاله عليه الصلاة والسلام عنده الأصل فيها أن تكون في الصلاة محمولة على الوجوب حتى يدل الدليل على غير ذلك على ما تقدم فإذن الأصلان جميعا يقتضيان هاهنا أن الجلوس الأخير فرض ولذلك عليه أكثر الجمهور من غير أن يكون له معارض إلا القياس وأعني بالأصلين القول والعمل لذلك أضعف الأقاويل من رأى أن الجلستين سنة والله أعلم وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يضع كفه اليمنى على ركبته اليمنى وكفه اليسرى على ركبته اليسرى ويشير بأصبعه واتفق العلماء على أن هذه الهيئة من هيئات الجلوس المستحسنة في الصلاة أنه كان يشير فقط المسألة الخامسة اختلف العلماء في وضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة فكره ذلك مالك في الفرض وأجازه في النفل ورأى قوم أن هذا الفعل من سنن الصلاة وهم الجمهور
والسبب في اختلافهم أنه قد جاءت آثار ثابتة نقلت فيها صفة صلاته عليه الصلاة والسلام ولم ينقل فيها أنه كان يضع يده اليمنى على اليسرى وثبت أيضا أن الناس كانوا يؤمرون بذلك وورد ذلك أيضا من صفة صلاته عليه الصلاة والسلام في حديث أبي حميد فرأى قوم أن الاثار التي أثبتت ذلك اقتضت زيادة على الاثار التي لم تنقل فيها هذه الزيادة وأن الزيادة يجب أن يصار إليها ورأى قوم أن الأوجب المصير إلى الاثار التي ليست فيها هذه الزيادة لأنها أكثر ولكون هذه ليست مناسبة لأفعال الصلاة وإنما هي من باب الاستعانة ولذلك أجازها مالك في النفل ولم يجزها في الفرض وقد يظهر من أمرها أنها هيئة تقتضي الخضوع وهو الأولى بها المسألة السادسة اختار قوم إذا كان الرجل في وتر من صلاته أن لا ينهض حتى يستوي قاعدا واختار آخرون أن ينهض من سجوده نفسه وبالأول قال الشافعي وجماعة وبالثاني قال مالك وجماعة وسبب الخلاف أن في ذلك حديثين مختلفين أحدهما حديث مالك بن الحويرث الثابت أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدا وفي حديث أبي حميد في صفة صلاته عليه الصلاة والسلام أنه لما رفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة الأولى قام ولم يتورك فأخذ بالحديث الأول الشافعي جد هل يضع يديه قبل ركبتيه أو ركبتيه قبل يديه ومذهب مالك وضع الركبتين قبل اليدين وسبب اختلافهم أن في حديث ابن حجر قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه وعن أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه وكان عبد الله بن عمر يضع يديه قبل ركبتيه وقال بعض أهل الحديث حديث وائل بن حجر أثبت من حديث أبي هريرة المسألة السابعة اتفق العلماء على أن السجود يكون على سبعة أعضاء الوجه واليدين والركبتين وأطراف القدمين لقوله عليه الصلاة والسلام أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء واختلفوا فيمن سجد على وجهه ونقصه السجود على عضو من تلك الأعضاء هل تبطل صلاته أم لا فقال قوم لا تبطل صلاته لأن اسم السجود إنما يتناول ضاء للحديث الثابت ولم يختلفوا أن من سجد على جبهته وأنفه فقد سجد على وجهه واختلفوا فيمن سجد على أحدهما فقال مالك إن سجد على جبهته دون أنفه جاز وإن سجد على أنفه دون جبهته لم يجز وقال أبو حنيفة بل يجوز ذلك وقال الشافعي لا يجوز إلا أن يسجد عليهما جميعا وسبب اختلافهم هل الواجب هو امتثال بعض ما ينطلق عليه الاسم أم كله وذلك أن في حديث النبي عليه الصلاة والسلام الثابت عن ابن عباس قال أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء فذكر منها الوجه فمن رأى أن الواجب هو بعض ما ينطلق عليه الاسم قال إن سجد على الجبهة أو الأنف أجزأه ومن رأى أن اسم السجود يتناول من سجد على الجبهة ولا يتناول من سجد على الأنف أجاز السجود على الجبهة دون الأنف وهذا كأنه تحديد البعض الذي هو امتثاله هو الواجب مما ينطلق عليه الاسم وكان هذا على مذهب من يفرق بين أبعاض الشيء فرأى أن بعضها يقوم في امتثاله مقام الوجوب وبعضها لا يقوم مقامه فتأمل هذا فإنه أصل في هذا الباب وإلا جاز لقائل أن يقول إنه إن مس من أنفه الأرض مثقال خردلة تم سجوده وأما من رأى أن الواجب هو امتثال كل ما ينطلق عليه الاسم فالواجب عنده أن يسجد على الجبهة والأنف والشافعي يقول إن هذا الاحتمال الذي من قبل اللفظ قد أزاله فعله عليه الصلاة والسلام وبينه فإنه كان يسجد على الأنف والجبهة لما جاء من أنه انصرف من صلاة من الصلوات وعلى جبهته وأنفه أثر الطين والماء فوجب أن يكون فعله مفسرا للحديث المجمل
قال أبو عمر بن عبد البر وقد ذكر جماعة من الحفاظ حديث ابن عباس فذكروا فيه الأنف والجبهة قال القاضي أبو الوليد وذكر بعضهم الجبهة فقط وكلا الروايتين في كتاب مسلم وذلك حجة لمالك واختلفوا أيضا هل من شرط السجود أن تكون يد الساجد بارزة وموضوعة على الذي يوضع عليه الوجه أم ليس ذلك من شرطه شرط السجود أحسبه شرط تمامه وقالت جماعة ليس ذلك من شرط السجود ومن هذا الباب اختلافهم في السجود على طاقات العمامة وللناس فيه ثلاثة مذاهب قول بالمنع وقول بالجواز وقول بالفرق بين أن يسجد على طاقات يسيرة من العمامة أو كثيرة وقول بالفرق بين أن يمس من جبهته الأرض شيء أو لا يمس منها شيء وهذا الاختلاف كله موجود في المذهب وعند فقهاء الأمصار وفي البخاري كانوا يسجدون على القلانس والعمائم واحتج من لم ير إبراز اليدين في السجود بقول ابن عباس أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن نسجد على سبعة أعضاء ولا نكفت ثوبا ولا شعرا وقياسا على الركبتين وعلى الصلاة في الخفين ويمكن أن يحتج بهذا العموم في السجود على العمامة المسألة الثامنة اتفق العلماء على كراهية الإقعاء في الصلاة لما جاء في الحديث من النهي أن يقعي الرجل في صلاته كما يقعي الكلب إلا أنهم اختلفوا فيما يدل عليه الاسم فبعضهم رأى أن الإقعاء المنهي عنه هو جلوس الرجل على أليتيه في الصلاة ناصبا فخذيه مثل إقعاء الكلب والسبع ولا خلاف بينهم أن هذه الهيئة ليست من هيئات الصلاة وقوم رأوا أن معنى الإقعاء الذي نهي عنه هو أن يجعل أليتيه على عقبيه بين السجدتين وهو أن يجلس على صدور قدميه وهو مذهب مالك لما روي عن ابن عمر أنه ذكر أنه إنما كان يفعل ذلك لأنه كان يشتكي قدميه وأما ابن عباس فكان يقول الإقعاء على القدمين في السجود على هذه الصفة هو سنة نبيكم سبب اختلافهم هو تردد اسم الإقعاء المنهي عنه في الصلاة بين أن يدل على المعنى اللغوي أو يدل على معنى شرعي أعني على هيئة خصها الشرع بهذا الاسم فمن رأى أنه يدل على المعنى اللغوي قال هو إقعاء الكلب ومن رأى أنه يدل على معنى شرعي قال إنما أريد بذلك إحدى هيئات الصلاة المنهي عنها ولما ثبت عن ابن عمر أن قعود الرجل على صدور قدميه ليس من سنة الصلاة سبق إلى اعتقاده أن هذه الهيئة هي التي أريد بالإقعاء المنهي عنه وهذا ضعيف فإن الأسماء التي لم تثبت لها معان شرعية يجب أن تحمل على المعنى اللغوي حتى يثبت لها معنى شرعي بخلاف الأمر في الأسماء التي تثبت لها معان شرعية أعني أنه يجب أن يحمل على المعاني الشرعية حتى يدل الدليل على المعنى اللغوي مع أنه قد عارض حديث ابن عمر في ذلك حديث ابن عباس الباب الثاني من الجملة الثالثة وهذا الباب الكلام المحيط بقواعده فيه فصول سبعة أحدها في معرفة حكم صلاة الجماعة والثاني في معرفة شروط الإمامة ومن أولى بالتقديم وأحكام الإمام الخاصة به الثالث في مقام المأموم من الإمام والأحكام الخاصة بالمأمومين الرابع في معرفة ما يتبع فيه المأموم الإمام مما ليس يتبعه الخامس في صفة الاتباع السادس فيما يحمله الإمام عن المأمومين السابع في الأشياء التي إذا فسدت لها صلاة الإمام يتعدى الفساد إلى المأمومين الفصل الأول في معرفة حكم صلاة الجماعة في هذا الفصل مسألتان إحداهما هل صلاة الجماعة واجبة على من سمع النداء أم ليست بواجبة المسألة الثانية إذا دخل الرجل المسجد وقد صلي هل يجب عليه أن يصلى مع الجماعة الصلاة التي قد صلاها أم لا أما المسألة الأولى فإن العلماء اختلفوا فيها فذهب الجمهور إلى أنها سنة أو فرض على الكفاية وذهبت الظاهرية إلى أن صلاة الجماعة فرض متعين على كل مكلف
والسبب في اختلافهم تعارض مفهومات الاثار في ذلك وذلك أن ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة أو بسبع وعشرين درجة يعني أن الصلاة في جماعات من جنس المندوب إليه وكأنها كمال زائد على الصلاة الواجبة فكأنه قال عليه الصلاة والسلام صلاة الجماعة أكمل من صلاة المنفرد والكمال إنما هو شيء زائد على الإجزاء وحديث الأعمى المشهور حين استأذنه في التخلف عن صلاة الجماعة لأنه لا قائد له فرخص له في ذلك ثم قال له عليه الصلاة والسلام أتسمع النداء قال نعم قال لا أجد لك رخصة هو كالنص في وجوبها مع عدم العذر خرجه مسلم ومما يقوي هذا حديث أبي هريرة المتفق على صحته وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عظما سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء وحديث ابن مسعود وقال فيه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمنا سنن الهدى وإن من سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه وفي بعض رواياته ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم فسلك كل واحد من هذين الفريقين مسلك الجمع بتأويل حديث مخالفه وصرفه إلى ظاهر الحديث الذي تمسك به فأما أهل الظاهر فإنهم قالوا إن المفاضلة لا يمنع أن تقع في الواجبات أنفسها أي أن صلاة الجماعة في حق من فرضه صلاة الجماعة تفضل صلاة المنفرد في حق من سقط عنه وجوب صلاة الجماعة لكان العذر بتلك الدرجات المذكورة قالوا وعلى هذا فلا تعارض بين الحديثين واحتجوا لذلك بقوله عليه الصلاة والسلام صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم وأما أولئك فزعموا أنه يمكن أن يحمل حديث الأعمى على نداء يوم الجمعة إذ ذلك هو النداء الذي يجب على من سمعه الإتيان إليه باتفاق وهذا فيه بعد والله أعلم لأن نص الحديث هو أن أبا هريرة قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى فقال يا رسول الله إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص له فيصلي في بيته فرخص له فلما ولى دعاه فقال هل تسمع النداء بالصلاة فقال نعم قال فأجب وظاهر هذا يبعد أن يفهم منه نداء الجمعة مع أن الإتيان إلى صلاة الجمعة واجب على كل من كان في المصر وإن لم يسمع النداء ولا أعرف في ذلك خلافا وعارض هذا الحديث أيضا حديث عتبان بن مالك المذكور في الموطأ وفيه أن عتبان بن مالك كان يأم وهو أعمى وأنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنه تكون الظلمة والمطر والسيل وأنل رجل ضرير البصر فصل يا رسول الله في بيتي مكانا أتخذه مصلى فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أين تحب أن أصلي فأشار له إلى مكان من البيت فصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما المسألة الثانية فإن الذي دخل المسجد وقد صلى لا يخلو من أحد وجهين إما أن يكون صلى منفردا وإما أن يكون صلى في جماعة فإن كان صلى منفردا فقال قوم يعيد معهم كل الصلوات إلا المغرب فقط وممن قال بهذا القول مالك وأصحابه وقال أبو حنيفة يعيد الصلوات كلها إلا المغرب والعصر وقال الأوزاعي إلا المغرب والصبح وقال أبو ثور إلا العصر والفجر وقال الشافعي يعيد الصلوات كلها وإنما اتفقوا على إيجاب إعادة الصلاة عليه بالجملة لحديث بشر بن محمد عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له حين دخل المسجد ولم يصل معه ما لك لم تصل مع الناس ألست برجل مسلم فقال بلى يا رسول الله ولكني صليت في أهلي فقال عليه الصلاة والسلام إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت قد صليت
فاختلف الناس لاحتمال تخصيص هذا العموم بالقياس أو بالدليل فمن حمله على عمومه أوجب عليه إعادة الصلوات كلها وهو مذهب الشافعي وأما من استثنى من ذلك صلاة المغرب فقط فإنه خصص العموم بقياس الشبه وهو مالك رحمه الله وذلك أنه زعم أن صلاة المغرب هي وتر فلو أعيدت لأشبهت صلاة الشفع التي ليست بوتر لأنها كانت تكون بمجموع ذلك ست ركعات فكأنها كانت تنتقل من جنسها إلى جنس صلاة أخرى وذلك مبطل لها وهذا القياس فيه ضعف لأن السلام قد فصل بين الأوتار والتمسك بالعموم أقوى من الاستثناء بهذا النوع من القياس وأقوى من هذا ما قاله الكوفيون من أنه إذا أعادها يكون قد أوتر مرتين وقد جاء في الأثر لا وتران في ية تكون له نفلا فإن أعاد العصر يكون قد تنفل بعد العصر وقد جاء النهي عن ذلك فخصص العصر بهذا القياس والمغرب بأنها وتر والوتر لا يعاد وهذا قياس جيد إن سلم لهم الشافعية أن الصلاة الأخيرة لهم نفل وأما من فرق بين العصر والصبح في ذلك فلأنه لم تختلف الاثار في النهي عن الصلاة بعد الصبح واختلف في الصلاة بعد العصر كما تقدم وهو قول الأوزاعي وأما إذا صلى في جماعة فهل يعيد في جماعة أخرى فأكثر الفقهاء على أنه لا يعيد منهم مالك وأبو حنيفة وقال بعضهم بل يعيد وممن قال بهذا القول أحمد وداود وأهل الظاهر والسبب في اختلافهم تعارض مفهوم الاثار في ذلك وذلك أنه ورد عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال لا تصلى صلاة في يوم مرتين وروي عنه أنه أمر الذين صلوا في جماعة أن يعيدوا مع الجماعة الثانية وأيضا فإن ظاهر حديث بسر يوجب الإعادة على كل مصل إذا جاء المسجد فإن قوته قوة العموم والأكثر على أنه إذا ورد العام على سبب خاص لا يقتصر به على سببه وصلاة معاذ مع النبي عليه الصلاة والسلام ثم كان يؤم قومه في تلك الصلاة فيه دليل على جواز إعادة الصلاة في الجماعة فذهب الناس في هذه الاثار مذهب الجمع ومذهب الترجيح أما من ذهب مذهب الترجيح فإنه أخذ بعموم قوله عليه الصلاة والسلام لا تصلى صلاة واحدة في يوم مرتين ولم يستثن من ذلك إلا صلاة المنفرد فقط لوقوع الاتفاق عليها وأما من ذهب لصلاة والسلام لا تصلى صلاة واحدة في يوم مرتين إنما ذلك أن لا يصلي الرجل الصلاة الواحدة بعينها مرتين يعتقد في كل واحدة منهما أنها فرض بل يعتقد في الثانية أنها زائدة على الفرض ولكنه مأمور بها وقال قوم بل معنى هذا الحديث إنما هو للمنفرد أعني ألا يصلي الرجل المنفرد صلاة واحدة بعينها مرتين الفصل الثاني في معرفة شروط الإمامة ومن أولى بالتقديم وأحكام الإمام الخاصة به وفي هذا الفصل مسائل أربع المسألة الأولى اختلفوا فيمن أولى بالإمامة فقال مالك يؤم القوم أفقههم لا أقرؤهم وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة والثوري وأحمد يؤم القوم أقرؤهم والسبب في هذا الاختلاف اختلافهم في مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم إسلاما ولا يؤم الرجل الرجل في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه وهو حديث متفق على صحته لكن اختلف العلماء في مفهومه فمنهم من حمله على ظاهره وهو أبو حنيفة ومنهم من فهم من الأقرأ هاهنا الأفقه لأنه زعم أن الحاجة إلى الفقه في الإمامة أمس من الحاجة إلى القراءة وأيضا فإن الأقرأ من الصحابة كان هو الأفقه ضرورة وذلك بخلاف ما عليه الناس اليوم المسألة الثانية اختلف الناس في إمامة الصبي الذي لم يبلغ الحلم إذا كان قارئا فأجاز ذلك قوم لعموم هذا الأثر ولحديث عمرو بن سلمة أنه كان يؤم قومه وهو صبي ومنع ذلك قوم مطلقا وأجازه قوم في النفل ولم يجيزوه في الفريضة وهو مروي عن مالك
وسبب الخلاف في ذلك هل يؤم أحد في صلاة غير واجبة عليه من وجبت عليه وذلك لاختلاف نية الإمام والمأموم المسألة الثالثة اختلفوا في إمامة الفاسق فردها قوم بإطلاق وأجازها قوم بإطلاق وفرق قوم بين أن يكون فسقه مقطوعا به أو غير مقطوع به فقالوا إن كان فسقه مقطوعا به أعاد الصلاة المصلي وراءه أبدا وإن كان مظنونا استحبت له الإعادة في الوقت وهذا الذي اختاره الأبهري تأولا على المذهب ومنهم من فرق بين أن يكون فسقه بتأويل أو يكون بغير تأويل مثل الذي يشرب النبيذ ويتأول أقوال أهل العراق فأجازوا الصلاة وراء المتأول ولم يجيزوها وراء غير المتأول وسبب اختلافهم في هذا أنه شيء مسكوت عنه في الشرع والقياس فيه متعارض فمن رأى أن الفسق لما كان لا يبطل صحة الصلاة ولم يكن يحتاج المأموم من إمامه إلا صحة صلاته فقط على قول من يرى أن الإمام يحمل عن المأموم أجاز إمامة الفاسق ومن قاس الإمامة على الشهادة واتهم الفاسق أن يكون يصلي صلاة فاسدة كما يتهم في الشهادة أن يكذب لم يجز إمامته ولذلك فرق قوم بين أن يكون فسقه بتأويل أو بغير تأويل وإلى قريب من هذا يرجع من فرق بين أن يكون فسقه مقطوعا به أو غير مقطوع به لأنه إذا كان مقطوعا به فكأنه غير معذور في تأويله وقد رام أهل الظاهر أن يجيزوا إمامة الفاسق بعموم قوله عليه الصلاة والسلام يؤم القوم أقرؤهم قالوا فلم يستثن من ذلك فاسقا من غير فاسق والاحتجاج بالعموم في غير المقصود ضعيف ومنهم من فرق بين أن يكون فسقه في شروط صحة الصلاة أو في أمور خارجة عن الصلاة بناء على أن الإمام إنما يشترط فيه وقوع صلاته صحيحة المسألة الرابعة اختلفوا في إمامة المرأة فالجمهور على أنه لا يجوز أن تؤم الرجال واختلفوا في إمامتها النساء فأجاز ذلك الشافعي ومنع ذلك مالك وشذ أبو ثور والطبري فأجازا إمامتها على الإطلاق وإنما اتفق الجمهور على منعها أن تؤم الرجال لأنه لو كان جائزا لنقل ذلك عن الصدر الأول ولأنه أيضا لما كانت سنتهن في الصلاة التأخير عن الرجال علم أنه ليس يجوز لهن التقدم عليهم لقوله عليه الصلاة والسلام أخروهن حيث أخرهن الله ولذلك أجاز بعضهم إمامتها النساء إذ كن متساويات في المرتبة في الصلاة مع أنه أيضا نقل ذلك عن بعض الصدر الأول ومن أجاز إمامتها فإنما ذهب إلى ما رواه أبو داود من حديث أم ورقة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزورها في بيتها وجعل لها مؤذنا يؤذن لها وأمرها أن تؤم أهل دارها وفي هذا الباب مسائل كثيرة أعني من اختلافهم في الصفات المشترطة في الإمام تركنا ذكرها لكونها مسكوتا عنها في الشرع قال القاضي وقصدنا في هذا الكتاب إنما هو ذكر المسائل المسموعة أو ما له تعلق قريب بالمسموع وأما أحكام الإمام الخاصة به فإن في ذلك أربع مسائل متعلقة بالسمع إحداها هل يؤمن الإمام إذا فرغ من قراءة أم القرآن أم المأموم هو الذي يؤمن فقط والثانية متى يكبر تكبيرة الإحرام والثالثة إذا ارتج عليه هل يفتح عليه أم لا والرابعة هل يجوز أن يكون موضعه أرفع من موضع المأمومين فأما هل يؤمن الإمام إذا فرغ من قراءة أم الكتاب فإن مالكا ذهب في رواية ابن القاسم عنه والمصريين أنه لا يؤمن وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يؤمن كالمأموم سواء وهي رواية المدنيين عن مالك وسبب اختلافهم أن في ذلك حديثين متعارضي الظاهر أحدهما حديث أبي هريرة المتفق عليه في الصحيح أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمن الإمام فأمنوا والحديث الثاني ما خرجه مالك عن أبي هريرة أيضا أنه قال عليه الصلاة والسلام إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين فأما الحديث الأول فهو نص في تأمين الإمام
وأما الحديث الثاني فيستدل منه على أن الإمام لا يؤمن وذلك أنه لو كان يؤمن لما أمر المأموم بالتأمين عند الفراغ من أم الكتاب قبل أن يؤمن الإمام لأن الإمام كما قال عليه الصلاة والسلام إنما جعل الإمام ليؤتم به إلا أن يخص هذا من أقوال الإمام أعني أن يكون للمأموم أن يؤمن معه أو قبله فلا يكون فيه دليل على حكم الإمام في التأمين ويكون إنما تضمن حكم المأموم فقط ولكن الذي يظهر أن مالكا ذهب مذهب الترجيح للحديث الذي رواه لكون السامع هو المؤمن لا الداعي وذهب الجمهور لترجيح الحديث الأول لكونه نصا ولأنه ليس فيه شيء من حكم الإمام وإنما الخلاف بينه وبين الحديث الاخر في موضع تأمين المأموم فقط لا في هل يؤمن الإمام أو لا يؤمن فتأمل هذا ويمكن أيضا أن يتأول الحديث الأول بأن يقال إن معنى قوله فإذا أمن الإمام فأمنوا أي فإذا بلغ موضع التأمين وقد قيل إن التأمين هو الدعاء وهذا عدول عن الظاهر لشيء غير مفهوم من الحديث إلا بقياس أعني أن يفهم من قوله فإذا قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين فأمنوا أنه لا يؤمن الإمام وأما متى يكبر الإمام فإن قوما قالوا لا يكبر إلا بعد تمام الإقامة واستواء الصفوف وهو مذهب مالك والشافعي وجماعة وقوم قالوا إن موضع التكبير هو قبل أن يتم الإقامة واستحسنوا تكبيره عند قول المؤذن قد قامت الصلاة وهو مذهب أبي حنيفة والثوري وزفر وسبب الخلاف في ذلك تعارض ظاهر حديث أنس وحديث بلال أما حديث أنس فقال أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يكبر في الصلاة فقال أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري وظاهر هذا أن الكلام منه كان بعد الفراغ من تمت الإقامة واستوت الصفوف حينئذ يكبر وأما حديث بلال فإنه روى أنه كان يقيم للنبي صلى الله عليه وسلم فكان يقول له يا رسول الله لا تسبقني بآمين خرجه الطحاوي قالوا فهذا يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكبر والإقامة لم تتم وأما اختلافهم في الفتح على الإمام إذا ارتج عليه فإن مالكا والشافعي وأكثر العلماء أجازوا الفتح عليه ومنع ذلك الكوفيون وسبب الخلاف في ذلك اختلاف الاثار وذلك أنه روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تردد في آية فلما انصرف قال أين أبي ألم يكن في القوم أي يريد الفتح عليه وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال لا يفتح على الإمام والخلاف في ذلك في الصدر الأول والمنع مشهور عن علي والجواز عن ابن عمر مشهور وأما موضع الإمام فإن قوما أجازوا أن يكون أرفع من موضع المأمومين وقوم منعوا ذلك وقوم استحبوا من ذلك اليسير وهو مذهب مالك وسبب الخلاف في ذلك حديثان متعارضان أحدهما الحديث الثابت أنه عليه الصلاة والسلام أم الناس على المنبر ليعلمهم الصلاة وأنه كان إذا أراد أن يسجد نزل من على المنبر والثاني ما رواه أبو داود أن حذيفة أم الناس على دكان فأخذ ابن مسعود بقميصه فجذبه فلما فرغ من صلاته قال ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك أو ينهى عن ذلك وقد اختلفوا هل يجب على الإمام أن ينوي الإمامة أم لا فذهب قوم إلى أنه ليس ذلك بواجب عليه لحديث ابن عباس أنه قام إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد دخوله في الصلاة ورأى قوم أن هذا محتمل وأنه لا بد من ذلك إذا كان يحمل بعض أفعال الصلاة عن المأمومين وهذا على مذهب من يرى أن الإمام يحمل فرضا أو نفلا عن المأمومين الفصل الثالث في مقام المأموم من الإمام والأحكام الخاصة بالمأمومين