İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
ولنا إنه لا يحتمل غير امرأته على وجه صحيح فلم يقبل تفسيره بها كما لو فسر كلامه بما لا يحتمله وكما لو قال زينب طالق عند الشافعي وما ذكروه من الفرق لا يصح فإن إحداكما ليس بصريح في واحدة منهما إنما يتناول واحدة لا بعينها وزينب يتناول واحدة لا بعينها ثم تعينت الزوجة لكونها محل الطلاق وخطاب غيرها به عبث كما إذا قال إحداكما طالق ثم لو تناولها بصريحه لكنه صرفه عنها دليل فصار ظاهرا في غيرها ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم للمتلاعنين أحدكما كاذب لم ينصرف إلا إلى الكاذب منهما وحده ولما قال حسان يعني النبي صلى الله عليه وسلم وأبا سفيان فشركما لخيركما الفداء لم ينصرف شرهما إلا إلى أبي سفيان وحده وخيرهما النبي صلى الله عليه وسلم وحده وهذا في الحكم أما فيما بينه وبين الله تعالى فيدين فيه فمتى علم من نفسه أنه أراد الأجنبية لم تطلق زوجته لأن اللفظ محتمل له وإن كان غير مقيد ولو كانت ثم قرينة دالة على إرادته الأجنبية مثل أن يدفع بيمينه ظلما أو يتخلص بها من مكروه قبل قوله في الحكم لوجود الدليل الصارف إليها وإن لم ينو زوجته ولا الأجنبية طلقت زوجته لأنها محل الطلاق واللفظ يحتملها ويصلح لها ولم يصرفه عنها فوقع به كما لو نواها فصل فإن كانت له امرأتان حفصة وعمرة فقال يا حفصة فأجابته عمرة فقال أنت طالق فإن لم تكن له نية أو نوى المجيبة وحدها طلقت وحدها لأنها المطلقة دون غيرها وإن قال ما خاطبت بقولي أنت طالق إلا حفصة وكانت حاضرة طلقت وحدها وإن قال علمت أن المجيبة عمرة فخاطبتها بالطلاق وأردت طلاق حفصة طلقتا معا في قولهم جميعا وإن قال ظننت المجيبة حفصة فطلقتها طلقت حفصة رواية واحدة وفي عمرة روايتان إحداهما تطلق أيضا وهو قول النخعي وقتادة والأوزاعي وأصحاب الرأي واختاره ابن حامد لأنه خاطبها بالطلاق وهي محل له فطلقت كما لو قصدها والثانية لا تطلق وهو قول الحسن والزهري وأبي عبيد قال أحمد في رواية مهنا في رجل له امرأتان فقال فلانة أنت طالق فالتفتت فإذا هي غير التي حلف عليها قال قال إبراهيم يطلقان والحسن يقول تطلق التي نوى قيل له ما تقول أنت قال تطلق التي نوى ووجهه أنه لم يقصدها بالطلاق فلم تطلق كما لو أراد أن يقول أنت طاهر فسبق لسانه فقال أنت طالق وقال أبو بكر لا يختلف كلام أحمد أنها لا تطلق وقال الشافعي تطلق المجيبة وحدها لأنها مخاطبة بالطلاق فطلقت كما لو لم ينو غيرها ولا تطلق المنوية لأنه لم يخاطبها بالطلاق ولم تعترف بطلاقها وهذا يبطل بما لو علم أن المجيبة عمرة فإن المنوية تطلق بإرادتها الطلاق ولولا ذلك لم تطلق بالاعتراف به لأن الاعتراف بما لا يوجب لا يوجب ولأن الغائبة مقصودة بلفظ الطلاق فطلقت كما لو علم الحال فصل وإن أشار إلى عمرة فقال يا حفصة أنت طالق وأراد طلاق عمرة فسبق لسانه إلى نداء حفصة طلقت عمرة وحدها لأنه لم يرد بلفظه إلا طلاقها وإنما سبق لسانه إلى غير ما أراده فأشبه ما لو أراد أن يقول أنت طاهر فسبق لسانه إلى أنت طالق وإن أتى باللفظ مع علمه أن المشار إليها عمرة طلقتا معا عمرة بالإشارة إليها وإضافة الطلاق إليها وحفصة بنيته وبلفظه بها وإن ظن أن المشار إليها حفصة طلقت حفصة وفي عمرة روايتان كالتي قبلها فصل وإن لقي أجنبية ظنها زوجته فقال فلانة أنت طالق فإذا هي أجنبية طلقت زوجته نص عليه أحمد وقال الشافعي لا تطلق لأنه خاطب بالطلاق غيرها فلم يقع كما لو علم أنها أجنبية فقال أنت طالق
ولنا إنه قصد زوجته بلفظ الطلاق فطلقت كما لو قال علمت أنها أجنبية وأردت طلاق زوجتي وإن قال لها أنت طالق ولم يذكر اسم زوجته احتمل وذلك أيضا لأنه قصد امرأته بلفظ الطلاق واحتمل أن لا تطلق لأنه لم يخاطبها بالطلاق ولا ذكر اسمها معه وإن علمها أجنبية وأراد بالطلاق زوجته طلقت وإن لم يردها بالطلاق لم تطلق فصل وإن لقي امرأته فظنها أجنبية فقال أنت طالق أو تنحي يا مطلقة أو لقي أمته فظنها أجنبية فقال أنت حرة أو تنحي يا حرة فقال أبو بكر فيمن لقي امرأته فقال تنحي يا مطلقة أو يا حرة وهو لا يعرفها فإذا هي زوجته أو أمته لا يقع بهما طلاق ولا حرية لأنه لم يرد بهما ذلك فلم يقع بهما شيء كسبق اللسان إلى ما لم يرده ويحتمل أن لا تعتق الأمة لأن العادة من الناس مخاطبة من لا يعرفها بقوله يا حرة وتطلق الزوجة لعدم العادة بالمخاطبة بقوله يا مطلقة فصل فأما غير الصريح فلا يقع الطلاق به إلا بنية أو دلالة حال وقال مالك الكنايات الظاهرة كقوله أنت بائن وبتة وبتلة وحرام يقع بها الطلاق من غير نية قال القاضي في الشرح وهذا ظاهر كلام أحمد والخرقي لأنها مستعملة في الطلاق في العرف فصارت كالصريح ولنا إن هذه كناية لم تعرف بإرادة الطلاق بها ولا اختصت به فلم يقع الطلاق بها بمجرد اللفظ كسائر الكنايات وإذا ثبت اعتبار النية فإنها تعتبر مقارنة للفظ فإن وجدت في ابتدائه وعريت عنه في سائره وقع الطلاق وقال بعض أصحاب الشافعي لا يقع فلو قال أنت بائن ينوي الطلاق وعريت نيته حين قال أنت بائن لا يقع لأن القدر الذي صاحبته النية لا يقع به شيء ولنا إن ما تعتبر له النية يكتفي فيه بوجودها في أوله كالصلاة وسائر العبادات فأما إن تلفظ بالكناية غير ناو ثم نوى بها بعد ذلك لم يقع بها الطلاق وكما لو نوى الطهارة بالغسل بعد فراغه منه مسألة قال ( ولو قيل له ألك امرأة فقال لا وأراد به الكذب لم يلزمه شيء ولو قال قد طلقتها وأراد به الكذب لزمه الطلاق ) إنما لم يلزمه إذا أراد الكذب لأن قوله ما لي امرأة كناية تفتقر إلى نية الطلاق وإذا نوى الكذب فما نوى الطلاق فلم يقع وهكذا لو نوى أنه ليس لي امرأة تخدمني أو ترضيني أو أني كمن لا امرأة له أو لم ينو شيئا لم تطلق لعدم النية المشترطة في الكناية وإن أراد بهذا اللفظ طلاقها طلقت لأنها كناية صحبتها النية وبهذا قال الزهري ومالك وحماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة والشافعي وقال أبو يوسف ومحمد لا تطلق فإن هذا ليس بكناية وإنما هو خبر هو كاذب فيه وليس بإيقاع ولنا إنه محتمل للطلاق لأنه إذا طلقها فليست له بامرأة فأشبه قوله أنت بائن وغيرها من الكنايات الظاهرة وهذا يبطل قولهم فأما إن قال قال طلقتها وأراد الكذب طلقت لأن لفظ الطلاق صريح يقع به الطلاق من غير نية وإن قال خليتها أو ابنتها افتقر إلى النية لأنه كناية لا يقع به الطلاق من غير نية فصل فإن قيل له أطلقت امرأتك فقال نعم أو قيل له امرأتك طالق فقال نعم طلقت امرأته وإن لم ينو وهذا الصحيح من مذهب الشافعي واختيار المزني لأن نعم صريح في الجواب والجواب الصريح للفظ الصريح صريح ألا ترى أنه لو قيل له ألفلان عليك ألف فقال نعم وجب عليه وإن قيل طلقت امرأتك فقال قد كان بعد ذلك وقال أردت الإيقاع وقع وإن قال أردت أني علقت طلاقها بشرط قبل لأنه محتمل لما قاله وإن قال أردت الإخبار عن شيء ماض أو قيل له ألك امرأة فقال قد طلقتها ثم قال إنما أردت أني طلقتها في نكاح آخر دين فيما بينه وبين الله تعالى
فأما في الحكم فإن لم يكن ذلك وجد منه لم يقبل لأنه لا يحتمل ما قاله وإن كان وجد فعلى وجهين فصل فإن قال حلفت بالطلاق أو قال على يمين بالطلاق ولم يكن حلف لم يلزمه شيء فيما بينه وبين الله تعالى ولزمه ما أقر به في الحكم ذكره القاضي وأبو الخطاب وقال أحمد في رواية محمد بن الحكم في الرجل يقول حلفت بالطلاق ولم يكن حلف هي كذبة ليس عليه يمين وذلك لأن قوله له حلفت ليس بحلف وإنما هو خبر عن الحلف فإذا كان كاذبا فيه لم يصر حالفا كما لو قال حلفت بالله وكان كاذبا واختار أبو بكر أنه يلزمه ما أقر به وحكي في زاد المسافر عن الميموني عن أحمد أنه قال إذا قال حلفت بالطلاق ولم يكن حلف يلزمه الطلاق ويرجع إلى نيته في الطلاق الثلاث أو الواحد وقال القاضي معنى قول أحمد يلزمه الطلاق أي في الحكم ويحتمل أنه أراد يلزمه الطلاق إذا نوى به الطلاق فجعله كناية عنه ولذلك قال يرجع إلى نيته أما الذي قصد الكذب فلا نية له في الطلاق فلا يقع به شيء لأنه ليس بصريح في الطلاق ولا نوى به الطلاق فلم يقع به طلاق كسائر الكنايات وذكر القاضي في كتاب الأيمان فيمن قال حلفت بالطلاق ولم يكن حلف فهل يقع الطلاق على روايتين مسألة قال ( وإذا وهب زوجته لأهلها فإن قبلوها فواحدة يملك الرجعة إن كانت مدخولا بها وإن لم يقبلوها فلا شيء ) هذا المنصوص عن أحمد في هذه المسألة وبه قال ابن مسعود وعطاء ومسروق والزهري ومكحول ومالك وإسحاق وروي عن علي رضي الله عنه والنخعي إن قبلوها فواحدة بائنة وإن لم يقبلوها فواحدة رجعية وعن زيد بن ثابت والحسن إن قبلوها فثلاث وإن لم يقبلوها فواحدة رجعية وروي عن أحمد مثل ذلك وقال ربيعة ويحيى بن سعيد وأبو الزناد ومالك هي ثلاث على كل حال قبلوها أو ردوها وقال أبو حنيفة فيها كقوله في الكناية الظاهرة قبلوها أو ردوها وكذلك قال الشافعي واختلفا هاهنا بناء على اختلافهما ولنا على أنها لا تطلق إذا لم يقبلوها أنه تمليك للبضع فافتقر إلى القبول كقوله اختاري وأمرك بيدك وكالنكاح وعلى أنها لا تكون ثلاثا أنه لفظ محتمل فلا يحمل على الثلاث عند الإطلاق كقوله اختاري وعلى أنها رجعية أنها طلقة لمن عليها عدة بغير عوض قبل استيفاء العدد فكانت رجعية كقوله أنت طالق وقوله إنها واحدة محمول على ما إذا أطلق النية أو نوى واحدة فأما إن نوى ثلاثا أو اثنتين فهو على ما نوى لأنها كناية غير ظاهرة فيرجع إلى نيته في عددها كسائر الكنايات ولا بد من أن ينوي بذلك الطلاق أو تكون ثم دلالة حال لأنها كناية والكنايات لا بد فيها من النية كذلك قال القاضي وينبغي أن تعتبر النية من الذي يقبل أيضا كما تعتبر في اختيار الزوجة إذا قال لها اختاري أو أمرك بيدك إذا ثبت هذا فإن صيغة القبول أن يقول أهلها قبلناها نص عليه أحمد والحكم في هبتها لنفسها أو لأجنبي كالحكم في هبتها لأهلها فصل فإن باع امرأته لغيره لم يقع به طلاق وإن نوى وبهذا قال الثوري وإسحاق وقال مالك تطلق واحدة وهي أملك بنفسها لأنه أتى بما يقتضي خروجها عن ملكه فأشبه ما لو وهبها ولنا إن البيع لا يتضمن معنى الطلاق لأنه نقل ملك بعوض والطلاق مجرد إسقاط لا يقتضي العوض فلم يقع به طلاق كقوله أطعميني واسقيني مسألة قال ( وإذا قال لها أمرك بيدك فهو بيدها وإن تطاول ما لم يفسخ أو يطأها ) وجملة ذلك أن الزوج مخير بين أن يطلق بنفسه وبين أن يوكل فيه وبين أن يفوضه إلى المرأة ويجعله إلى اختيارها بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم خير نساءه فاخترنه ومتى جعل أمر امرأته بيدها فهو بيدها أبدا لا يتقيد ذلك بالمجلس روي ذلك عن علي رضي الله عنه وبه قال الحكم وأبو ثور وابن المنذر
وقال مالك والشافعي وأصحاب الرأي هو مقصور على المجلس ولا طلاق لها بعد مفارقته لأنه تخيير لها فكان مقصورا على المجلس كقوله اختاري ولنا قول علي رضي الله عنه في رجل أمر امرأته بيدها قال هو لها حتى تنكل ولا نعرف له في الصحابة مخالفا فيكون إجماعا ولأنه نوع توكيل في الطلاق فكان على التراخي كما لو جعله لأجنبي وفارق قوله اختاري فإنه تخيير فإن رجع الزوج فيما جعل إليها أو قال فسخت ما جعلت إليك بطل وبذلك قال عطاء ومجاهد والشعبي والنخعي والأوزاعي وإسحاق وقال الزهري والثوري ومالك وأصحاب الرأي ليس له الرجوع لأنه ملكها ذلك فلم يملك الرجوع كما لو طلقت ولنا إنه توكيل فكان له الرجوع فيه كالتوكيل في البيع وكما لو خاطب بذلك أجنبيا وقولهم تمليك لا يصح فإن الطلاق لا يصح تمليكه ولا ينتقل عن الزوج وإنما ينوب فيه غيره عنه فإذا استناب غيره فيه كان توكيلا لا غير ثم وإن سلم أنه تمليك يصح الرجوع فيه قبل اتصال القبول به كالبيع وإن وطئها الزوج كان رجوعا لأنه نوع توكيل والتصرف فيما وكل فيه يبطل الوكالة وإن ردت المرأة ما جعل إليها بطل كما تبطل الوكالة بفسخ الوكيل فصل ولا يقع الطلاق بمجرد هذا القول ما لم ينو به إيقاع طلاقها في الحال أو تطلق نفسها ومتى ردت الأمر الذي جعل إليها بطل ولم يقع شيء في قول أكثر أهل العلم منهم ابن عمر وسعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز ومسروق وعطاء ومجاهد والزهري والثوري والأوزاعي والشافعي وقال قتادة إن ردت فواحدة رجعية ولنا إنه توكيل رده الوكيل أو تمليك لم يقبله المملك فلم يقع به شيء كسائر التوكيل والتمليك فأما إن نوى بهذا تطليقها في الحال طلقت في الحال ولم يحتج إلى قبولها كما لو قال حبلك على غاربك مسألة قال ( فإن قالت اخترت نفسي فواحدة تملك الرجعة ) وجملة الأمر أن المملكة والمخيرة إذا قالت اخترت نفسي فهي واحدة رجعية وروي ذلك عن عمر وابن مسعود وابن عباس وبه قال عمر بن عبد العزيز والثوري وابن أبي ليلى والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وروي عن علي أنها واحدة بائنة وبه قال أبو حنيفة وأصحابه لأن تمليكه إياها أمرها يقتضي زوال سلطانه عنها وإذا قبلت ذلك بالاختيار وجب أن يزول عنها ولا يحصل ذلك مع بقاء الرجعة وعن زيد بن ثابت أنها ثلاث وبه قال الحسن ومالك والليث إلا أن مالكا قال إذا لم تكن مدخولا بها قبل منه إذا أراد واحدة أو اثنتين وحجتهم أن ذلك يقتضي زوال سلطانه عنها ولا يكون ذلك إلا بثلاث وفي قول مالك إن غير المدخول بها يزول سلطانه عنها بواحدة فاكتفى بها ولنا إنها لم تطلق بلفظ الثلاث ولا نوت ذلك فلم تطلق ثلاثا كما لو أتى الزوج بالكناية الخفية فصل وهذا إذا لم تنو أكثر من واحدة فإن نوت أكثر من واحدة وقع ما نوت لأنها تملك الثلاث بالتصريح فتملكها بالكناية كالزوج وهكذا إن أتت بشيء من الكنايات فحكمها فيها حكم الزوج إن كانت مما يقع بها الثلاث من الزوج وقع بها الثلاث إذا أتت بها وإن كانت من الكنايات الخفية نحو قولها لا يدخل علي ونحوها وقع ما نوت قال أحمد إذا قال لها أمرك بيدك فقالت لا يدخل علي إلا بإذن تنوي في ذلك إن قالت واحدة فواحدة وإن قالت أردت أن أغيظه قبل منها يعني لا يقع شيء وكذلك لو جعل أمرها في يد أجنبي فأتى بهذه الكنايات لا يقع شيء حتى ينوي الوكيل الطلاق ثم إن طلق بلفظ صريح أو بكناية ظاهرة طلقت ثلاثا وإن كان بكناية خفية وقع ما نواه
فصل وقوله أمرك بيدك وقوله اختاري نفسك كناية في حق الزوج يفتقر إلى نية أو دلالة حال كما في سائر الكنايات فإن عدم لم يقع به طلاق لأنه ليس بصريح وإنما هو كناية فيفتقر إلى ما يفتقر إليه سائر الكنايات وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك لا يفتقر إلى نية لأنه من الكنايات الظاهرة وقد سبق الكلام معه فيها وهو أيضا كناية في حق المرأة إن قبلته بلفظ الكناية وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يفتقر وقوع الطلاق إلى نيتها إذا نوى الزوج لأن الزوج علق الطلاق بفعل من جهتها فلم يفتقر إلى نيتها كما لو قال إن تكلمت فأنت طالق فتكلمت وقال لا يقع إلا واحدة بائن وإن نوت ثلاثا لأن ذلك تخيير والتخيير لا يدخله عدد كخيار المعتقة ولنا إنها موقعة للطلاق بلفظ الكناية فافتقر إلى نيتها كالزوج وعلى أنه يقع الثلاث إذا نوت أن اللفظ يحتمل الثلاث لأنها تختار نفسها بالواحدة وبالثلاث فإذا نوياه وقع كقوله أنت بائن مسألة قال ( وإن طلقت نفسها ثلاثا وقال لم أجعل إليها إلا واحدة لم يلتفت إلى قوله والقضاء ما قضت ) وممن قال القضاء ما قضت عثمان وابن عمر وابن عباس وروي ذلك عن علي وفضالة بن عبيد وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء والزهري وعن عمر وابن مسعود أنها تطليقة واحدة وبه قال عطاء ومجاهد والقاسم وربيعة ومالك والأوزاعي والشافعي وقال الشافعي إن نوى ثلاثا فلها أن تطلق ثلاثا وإن نوى غير ذلك لم تطلق ثلاثة والقول قوله في نيته قال القاضي ونقل عبد الله عن أحمد ما يدل على أنه إذا نوى واحدة فهي واحدة لأنه نوع تخيير فيرجع إلى نيته فيه كقوله اختاري ولنا إنه لفظ يقتضي العموم في جميع أمرها لأنه اسم جنس مضاف فيتناول الطلقات الثلاث كما قال طلقي نفسك ما شئت ولا يقبل قوله أردت واحدة لأنه خلاف ما يقتضيه اللفظ ولا يدين في هذا لأنه في الكنايات الظاهرة والكنايات الظاهرة تقتضي ثلاثا مسألة قال ( وكذلك الحكم إذا جعله في يد غيرها ) وجملة ذلك أنه إذا جعل أمر امرأته بيد غيرها صح وحكمه حكم ما لو جعله بيدها في أنه بيده في المجلس وبعده ووافق الشافعي على هذا في حق غيرها لأنه توكيل وسواء قال له أمر امرأتي بيدك أو قال جعلت لك الخيار في طلاق امرأتي أو قال طلق امرأتي وقال أصحاب أبي حنيفة ذلك مقصور على المجلس لأنه نوع تخيير أشبه ما لو قال اختاري ولنا إنه توكيل مطلق فكان على التراخي كالتوكيل في البيع وإذا ثبت هذا فإن له أن يطلقها ما لم يفسخ أو يطأها وله أن يطلق واحدة وثلاثا كالمرأة وليس له أن يجعل الأمر إلا بيد من يجوز توكيله وهو العاقل فأما الطفل والمجنون فلا يصح أن يجعل الأمر بأيديهم فإن فعل فطلق واحد منهم لم يقع طلاقه وقال أصحاب الرأي يصح ولنا إنهما ليسا من أهل التصرف فلم يصح تصرفهم كما لو وكلهم في العتق وإن جعله في يد كافر أو عبد صح لأنه ممن يصح طلاقه لنفسه فصح توكيلهما فيه وإن جعله في يد امرأة صح لأنه يصح توكيلها في العتق فصح في الطلاق كالرجل وإن جعله في يد صبي يعقل الطلاق انبنى ذلك على صحة طلاقه لزوجته وقد مضى ذلك
وقد نص أحمد هاهنا على اعتبار وكالته بطلاقه فقال إذا قال الصبي طلق امرأتي ثلاثا فطلقها ثلاثا لا يجوز عليها حتى يعقل الطلاق أرأيت لو كان لهذا الصبي امرأة فطلقها أكان يجوز طلاقه فاعتبر طلاقه بالوكالة بطلاقه لنفسه وهكذا لو جعل أمر الصغيرة والمجنونة بيدها لم تملك ذلك نص عليه أحمد في امرأة صغيرة قال لها أمرك بيدك فقالت اخترت نفسي ليس بشيء حتى يكون مثلها يعقل وهذا لأنه تصرف بحكم التوكيل وليست من أهل التصرف وظاهر كلام أحمد أنها إذا عقلت الطلاق وقع طلاقها وإن لم تبلغ كما قررناه في الصبي إذا طلق وفي الصبي رواية أخرى لا يقع طلاقه حتى يبلغ فكذلك يخرج في هذه لأنها مثله في المعنى والله أعلم فصل فإن جعله في يد اثنين أو وكل اثنين في طلاق زوجته صح وليس لأحدهما أن يطلق على الانفراد إلا أن يجعل إليه ذلك إنما رضي بتصرفهما جميعا وبهذا قال الحسن ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأبو عبيد وابن المنذر وإن طلق أحدهما واحدة والآخر ثلاثا وقعت واحدة وبهذا قال إسحاق وقال الثوري لا يقع شيء ولنا إنهما طلقا جميعا واحدة مأذونا فيها فصح كما لو جعل إليهما واحدة فصل ويصح تعليق أمرك بيدك واختاري نفسك بالشروط وكذلك إن جعل ذلك إلى أجنبي صح مطلقا ومقيدا ومعلقا نحو أن يقول اختاري نفسك وأمرك بيدك شهرا أو إذا قدم فلان فأمرك بيدك أو اختاري نفسك يوما أو يقول ذلك لأجنبي قال أحمد إذا قال إذا كان سنة أو أجل مسمى فأمرك بيدك فإذا دخل ذلك فأمرها بيدها وليس لها قبل ذلك أمر وقال أيضا إذا تزوج امرأة وقال لأبيها إن جاءك خبري إلى ثلاث سنين وإلا فأمر ابنتك إليك فلما مضت السنون لم يأت خبره فطلقها الأب فإن كان الزوج لم يرجع فيما جعل إلى الأب فطلاقه جائز ورجوعه أن يشهد أنه قد رجع فيما جعل إليه ووجه هذا أنه فوض أمر الطلاق إلى من يملكه فصح تعليقه على شرط كالتوكيل الصريح فإذا صح هذا فإن الطلاق إلى من فوض إليه على حسب ما جعله إليه في الوقت الذي عينه له لا قبله ولا بعده وللزوج الرجوع في هذا لأنه عقد غير جائز قال أحمد ولا تقبل دعواه للرجوع إلا ببينة لأنه مما يمكن إقامة البينة عليه فإن طلق الوكيل والزوج غائب كره للمرأة التزوج لأنه يحتمل أن الزوج رجع في الوكالة وقد نص أحمد على منعها من التزوج لهذه العلة وحمله القاضي على الاستحباب والاحتياط فإن غاب الوكيل كره للزوج الوطء مخافة أن يكون الوكيل طلق ومنع منه أحمد أيضا لهذه العلة وحمله القاضي أيضا على الاستحباب لأن الأصل بقاء النكاح فحمل الأمر فيه على اليقين وقول أحمد رجوعه أن يشهد على أنه قد رجع فيما جعل إليه معناه أنه لا يقبل قوله إنه قد رجع إليه إلا ببينة ولو صدقته المرأة في أنه قد رجع قبل وإن لم تكن له بينة مسألة قال ( ولو خيرها فاختارت فرقته من وقتها وإلا فلا خيار لها ) أكثر أهل العلم على أن التخيير على الفور إن اختارت في وقتها وإلا فلا خيار لها بعده روي ذلك عن عمر وعثمان وابن مسعود وجابر رضي الله عنهم وبه قال عطاء وجابر بن زيد ومجاهد والشعبي والنخعي ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وقال الزهري وقتادة وأبو عبيد وابن المنذر ومالك في إحدى الروايتين هو على التراخي ولها الاختيار في المجلس وبعده ما لم يفسخ أو يطأ واحتج ابن المنذر بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة لما خيرها إن ذاكر لك أمرا فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك وهذا يمنع قصره على المجلس ولأنه جعل أمرها إليها فأشبه أمرك بيدك ولنا إنه قول من سمينا من الصحابة روى النجاد بإسناده عن سعيد بن المسيب أنه قال قضى عمر وعثمان في الرجل يخير امرأته أن لها الخيار ما لم يتفرقا
وعن عبد الله بن عمر قال ما دامت في مجلسها ونحوه عن ابن مسعود وجابر ولم نعرف لهم مخالفا في الصحابة فكان إجماعا ولأنه خيار تمليك فكان على الفور كخيار القبول فأما الخبر فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل لها الخيار على التراخي وخلافنا في المطلق وأما أمرك بيدك فهو توكيل والتوكيل يعم الزمان ما لم يقيده بقيد بخلاف مسألتنا فصل وقوله في وقتها أي عقيب كلامه ما لم يخرجا من الكلام الذي كانا فيه إلى غير ذكر الطلاق فإن تفرقا عن ذلك الكلام إلى كلام غيره بطل خيارها قال أحمد إذا قال لامرأته اختاري فلها الخيار ما داموا في ذلك الكلام فإن طال المجلس وأخذوا في كلام غير ذلك ولم تختر فلا خيار لها وهذا مذهب أبي حنيفة ونحوه مذهب الشافعي على اختلاف عنه فقيل عنه إنه يتقيد بالمجلس وقيل هو على الفور وقال أحمد أيضا الخيار على مخاطبة الكلام أن تجاوبه ويجاوبها إنما هو جواب كلام إن أجابته من ساعته وإلا فلا شيء ووجهه أنه تمليك مطلق تأخر قبوله عن أول حال الإمكان فلم يصح كما لو قامت من مجلسها فإن قام أحدهما عن المجلس قبل اختيارها بطل خيارها وقال أبو حنيفة يبطل بقيامها دون قيامه بناء على أصله في أن الزوج لا يملك الرجوع وعندنا أنه يملك الرجوع فبطل بقيامه كما يبطل بقيامها وإن كان أحدهما قائما أو مشى بطل الخيار وإن قعد لم يبطل والفرق بين القيام والقعود أن القيام يبطل الفكر والارتياء في الخيار فيكون إعراضا والقعود بخلافه ولو كانت قاعدة فاتكأت أو متكئة فقعدت لم يبطل لأن ذلك لا يبطل الفكرة وإن تشاغل أحدهما بالصلاة بطل الخيار وإن كانت في صلاة فأتمتها لم يبطل خيارها وإن أضافت إليها ركعتين أخريين بطل خيارها وإن أكلت شيئا يسيرا أو قالت بسم الله أو سبحت شيئا يسيرا لم يبطل لأن ذلك ليس بإعراض وإن قالت ادع لي شهودا أشهدهم على ذلك لم يبطل خيارها وإن كانت راكبة فسارت بطل خيارها وهذا كله قول أصحاب الرأي فصل فإن جعل لها الخيار متى شاءت أو في مدة فلها ذلك في تلك المدة وإذا قال اختاري إذا شئت أو متى شئت أو متى ما شئت فلها ذلك لأن هذه تفيد جعل الخيار لها في عموم الأوقات وإن قال اختاري اليوم وغدا وبعد غد فلها ذلك فإن ردت الخيار في الأول بطل كله وكذلك إن قال لا تعجلي حتى تستأمري أبويك ونحوه فلها الخيار على التراخي فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك لعائشة فدل على أن خيارها لا يبطل بالتأخير وإن قال اختاري نفسك اليوم واختاري نفسك غدا فردته في اليوم الأول لم يبطل في الثاني وقال أبو حنيفة لا يبطل في المسألة الأولى أيضا لأنهما خياران في زمنين فلم يبطل أحدهما برد الآخر قياسا على المسألة الثانية ولنا إنه خيار واحد في مدة واحدة فإذا بطل أوله بطل ما بعده كما لو كان الخيار في يوم واحد كخيار الشرط وخيار المعتقة ولا نسلم أنهما خياران وإنما هو خيار واحد في يومين وفارق ما إذا قال اختاري نفسك اليوم واختاري نفسك غدا فإنهما خياران لأن كل واحد ثبت بسبب مفرد ولو خيرها شهرا فاختارت نفسها ثم تزوجها لم يكن لها عليه خيار وعند أبي حنيفة لها الخيار
ولنا إنها استوفت ما جعل لها في هذا العقد فلم يكن لها في عقد ثان كما لو اشترط الخيار في سلعة مدة ثم فسخ ثم اشتراها بعقد آخر في تلك المدة ولو لم تختر نفسها أو اختارت زوجها وطلقها الزوج ثم تزوجها بطل خيارها لأن الخيار المشروط في عقد لا يثبت في عقد سواه كما في البيع والحكم في قوله أمرك بيدك في هذا كله كالحكم في التخيير لأنه نوع تخيير ولو قال لها اختاري أو أمرك بيدك اليوم وبعد الغد فردت في اليوم الأول لم يبطل بعد في غد لأنهما خياران ينفصل أحدهما من صاحبه فلم يبطل أحدهما ببطلان الآخر بخلاف ما إذا كان الزمان متصلا واللفظ واحد فإنه خيار واحد فبطل كله ببطلان بعضه وإن قال لك الخيار يوما أو أمرك بيدك يوما فابتداؤه من حين نطق به إلى مثله من الغد لأنه لا يمكن استكمال يوم بتمامه إلا بذلك وإن قال شهرا فمن ساعة نطق إلى استكمال ثلاثين يوما إلى مثل تلك الساعة وإن قال الشهر أو اليوم أو السنة فهو على ما بقي من اليوم والشهر والسنة مسألة قال ( وليس لها أن تختار أكثر من واحدة إلا أن يجعل إليها أكثر من ذلك ) وجملة الأمر أن لفظة التخيير لا تقتضي بمطلقها أكثر من تطليقة رجعية قال أحمد هذا قول ابن عمر وابن مسعود وزيد بن ثابت وعمر وعائشة رضي الله عنهم وروي ذلك عن جابر وعبد الله بن عمرو وقال أبو حنيفة هي واحدة بائن وهو قول ابن شبرمة لأن اختيارها نفسها يقتضي زوال سلطانه عنها ولا يكون إلا بالبينونة وقال مالك هي ثلاث في المدخل بها لأن المدخول بها لا تبين بأقل من ثلاث إلا أن تكون بعوض ولنا إجماع الصحابة رضي الله عنهم فإن من سمينا منهم قالوا إن اختارت نفسها ة وهو أحق بها رواه النجاد عنهم بأسانيده ولأن قوله اختاري تفويض مطلق فيتناول أقل ما يقع عليه الاسم وذلك طلقة واحدة ولا يجوز أن تكون بائنا لأنها طلقة بغير عوض لم يكمل بها العدد بعد الدخول فأشبه ما لو طلقها واحدة ويخالف قوله أمرك بيدك فإنه للعموم فإنه اسم جنس فيتناول جميع أمرها لكن إن جعل إليها أكثر من ذلك فلها ما جعل إليها سواء جعله بلفظه مثل أن يقول اختاري ما شئت أو اختاري الطلقات الثلاث إن شئت فلها أن تختار ذلك فإن قال اختاري من الثلاث ما شئت فلها أن تختار واحدة أو اثنتين وليس لها اختيار الثلاث بكمالها لأن من للتبعيض فقد جعل لها اختيار بعض الثلاث فلا يكون لها اختيار الجميع أو جعله نيته وهو أن ينوي بقوله اختاري عددا فإنه يرجع إلى ما نواه لأن قوله اختاري كناية خفية فيرجع في قدر ما يقع بها إلى نيته كسائر الكنايات الخفية فإن نوى ثلاثا أو اثنتين أو واحدة فهو على ما نوى وإن أطلق النية فهي واحدة وإن نوى ثلاثا فطلقت أقل منها وقع ما طلقته لأنه يعتبر قولهما جميعا فيقع ما اجتمعا عليه كالوكيلين إذا طلق واحد منهما واحدة والآخر ثلاثا فصل وإن خيرها فاختارت زوجها أو ردت الخيار أو الأمر لم يقع شيء نص عليه أحمد في رواية الجماعة وروي ذلك عن عمر وعلي وزيد وابن مسعود وابن عباس وعمر بن عبد العزيز وابن شبرمة وابن أبي ليلى والثوري والشافعي وابن المنذر وعن الحسن تكون واحدة رجعية وروي ذلك عن علي ورواه إسحاق بن منصور عن أحمد قال فإن اختارت زوجها فواحدة يملك الرجعة وإن اختارت نفسها فثلاث قال أبو بكر انفرد بهذا إسحاق بن منصور والعمل على ما رواه الجماعة ووجه هذه الرواية أن التخيير كناية نوى بها الطلاق فوقع بها بمجردها كسائر كناياته وكقوله أنكحي من شئت
ولنا قول عائشة قد خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان طلاقا وقالت لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتخيير أزواجه بدأ بي فقال إني لمخبرك خبرا فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك ثم قال إن الله تعالى قال يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها الأحزاب 28 حتى بلغ فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما الأحزاب 29 فقالت في أي هذا استأمر أبوي فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة قالت ثم فعل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما فعلت متفق عليهما قال مسروق ما أبالي خيرت امرأتي واحدة أو مائة أو ألفا بعد أن تختارني ولأنها مخيرة اختارت النكاح فلم يقع بها الطلاق كالمعتقة تحت عبد فأما إن قالت اخترت نفسي فيفتقر إلى نيتها لأنه لفظ كناية منها فإن نوى أحدهما دون الآخر لم يقع لأن الزوج إذا لم ينو فما فوض إليها الطلاق فلا يصح أن يوقعه وإن نوى ولم تنو هي فقد فوض إليها الطلاق فما أوقعته فلم يقع شيء كما لو وكل وكيلا في الطلاق فلم يطلق وإن نويا جميعا وقع ما نوياه من العدد إن اتفقا فيه وإن نوى أحدهما أقل من الآخر وقع الأقل لأن ما زاد انفرد به أحدهما فلم يقع فصل وإن قال أمرك بيدك أو اختاري فقالت قبلت لم يقع شيء لأن أمرك بيدك توكيل فقولها في جوابه قبلت ينصرف إلى قبول الوكالة فلم يقع شيء كما لو قال لأجنبي أمر امرأتي بيدك فقال قبلت وقوله اختاري في معناه وكذلك إن قالت أخذت أمري نص عليهما أحمد في رواية إبراهيم بن هانىء إذا قال لامرأته أمرك بيدك فقالت قبلت ليس بشيء حتى تبين وقال إذا قالت أخذت أمري ليس بشيء قال وإذا قال لامرأته اختاري فقالت قبلت نفسي أو قالت اخترت نفسي كان أبين قال القاضي ولو قالت اخترت ولم تقل نفسي لم تطلق وإن نوت ولو قال الزوج اختاري ولم يقل نفسك ولم ينوه لم تطلق ما لم تذكر نفسها ما لم يكن في كلام الزوج أو جوابها ما يصرف الكلام إليه لأن ذلك في حكم التفسير فإذا عري عن ذلك لم يصح وإن قالت اخترت زوجي أو اخترت البقاء على النكاح أو رددت الخيار أو رددت عليك سفهتك بطل الخيار وإن قالت اخترت أهلي أو أبوي ونوت وقع الطلاق لأن هذا يصلح كناية من الزوج فيما إذا قال الحقي بأهلك فكذلك منها وإن قالت اخترت الأزواج فكذلك لأنهم لا يحلون إلا بمفارقة هذا الزوج ولذلك كان كناية منه في قوله انكحي من شئت فصل فإن كرر لفظة الخيار فقال اختاري اختاري اختاري فقال أحمد إنما يردد عليها ليفهمها وليس نيته ثلاثا فهي واحدة وإن كان أراد بذلك ثلاثا فهي ثلاث فرد الأمر إلى نيته في ذلك وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة إذا قبلت وقع ثلاثا لأنه كرر ما يقع به الطلاق فتكرر كما لو كرر الطلاق ولنا إنه يحتمل التأكيد فإذا قصده قبل منه كما لو قال أنت طالق الطلاق وإن أطلق فقد روي عن أحمد ما يدل على أنها واحدة يملك الرجعة وهذا اختيار القاضي ومذهب عطاء وأبي ثور لأن تكرر التخيير لا يزيد به الخيار كشرط الخيار في البيع وروي عن أحمد إذا قال لامرأته اختاري فقالت اخترت نفسي هي واحدة إلا أن يقول اختاري اختاري اختاري وهذا يدل على أنها تطلق ثلاثا ونحوه قال الشعبي والنخعي وأصحاب الرأي ومالك لأن اللفظة الواحدة تقتضي طلقة فإذا تكررت اقتضت ثلاثا كلفظة الطلاق
فصل فإن قال لزوجته طلقي نفسك ونوى عددا فهو على ما نوى وإن أطلق من غير نية لم يملك إلا واحدة لأن الأمر المطلق يتناول أقل ما يقع عليه الاسم وكذلك الحكم لو وكل أجنبيا فقال طلق زوجتي فالحكم على ما ذكرناه قال أحمد إذا قال لامرأته طلقي نفسك ونوى ثلاثا فطلقت نفسها ثلاثا فهي ثلاث وإن كان نوى واحدة فهي واحدة وذلك لأن الطلاق يكون واحدة وثلاثا فأيهما نواه فقد نوى بلفظه ما احتمله وإن لم ينو تناول اليقين وهو الواحدة فإن طلقت نفسها أو طلقها الوكيل في المجلس أو بعده وقع الطلاق لأنه توكيل وقال القاضي إذا قال لها طلقي نفسك تقييد بالمجلس لأنه تفويض للطلاق إليها فتقيد بالمجلس كقوله اختاري ولنا إنه توكيل في الطلاق فكان على التراخي كتوكيل الأجنبي وكقوله أمرك بيدك وفارق اختاري فإنه تخيير وما ذكروه ينتقض بقوله أمرك بيدك ولها أن توقع الطلاق بلفظ الصريح وبالكناية مع النية وقال بعض أصحاب الشافعي ليس لها أن توقعه بالكناية لأنه فوضه إليها بلفظ الصريح فلا يصح أن توقع غير ما فوض إليها ولنا إنه فوض إليها الطلاق وقد أوقعته فوقع كما لو أوقعته بلفظ الصريح وما ذكره غير صحيح فإن التوكيل في شيء لا يقتضي أن يكون إيقاعه بلفظ الأمر من جهته كما لو قال لوكيله بع داري جاز له بيعها بلفظ التمليك وإن قال لها طلقي ثلاثا فطلقت واحدة وقع نص عليه وقال مالك لا يقع شيء لأنها لم تمتثل أمره ولنا إنها ملكت إيقاع ثلاث فملكت إيقاع واحدة كالموكل لأنه لو قال وهبتك هؤلاء العبيد الثلاثة فقال قبلت واحدا منهم صح كذا هاهنا وإن قال طلقي واحدة فطلقت ثلاثا وقعت واحدة نص عليه أيضا وبه قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة لا يقع شيء لأنها لم تأت بما يصلح قبولا فلم يصح كما لو قال بعتك نصف هذا العبد فقال قبلت البيع في جميعه ولنا إنها أوقعت طلاقا مأذونا فيه وغيره فوقع المأذون فيه دون غيره كما لو قال طلقي نفسك فطلقت نفسها وضرائرها فإن قال طلقي نفسك فقالت أنا طالق إن قدم زيد لم يصح لأن إذنه انصرف إلى المنجز فلم يتناول المعلق على شرط وحكم توكيل الأجنبي في الطلاق كحكمها فيما ذكرناه كله فصل نقل عنه أبو الحارث إذا قال طلقي نفسك طلاق السنة قالت قد طلقت نفسي ثلاثا هي واحدة وهو أحق برجعتها إنما كان كذلك لأن التوكيل بلفظ يتناول أقل ما يقع عليه اللفظ وهو طلقة واحدة سيما وطلاق السنة في الصحيح طلقة واحدة في طهر لم يصبها فيه فصل ويجوز أن يجعل أمر امرأته بيدها بعوض وحكمه حكم ما لا عوض له في أن له الرجوع فيما جعل لها وأنه يبطل بالوطء قال أحمد إذا قالت امرأته اجعل أمري بيدي وأعطيك عبدي هذا قبض العبد وجعل أمرها بيدها فلها أن تختار ما لم يطأها أو ينقضه وذلك لأنه توكيل والتوكيل لا يلزم بدخول العوض فيه وكذلك التمليك بعوض لا يلزم ما لم يتصل به القبول كالبيع فصل إذا اختلفا فقال الزوج لم أنو الطلاق بلفظ الاختيار وأمرك بيدك وقالت بل نويت كان القول قوله لأنه أعلم بنيته ولا سبيل إلى معرفته إلا من جهته ما لم يكن جواب سؤال أو معها دلالة حال وإن قال لم تنو الطلاق باختيار نفسك وقالت بل نويت فالقول قولها لما ذكرنا وإن قالت قد اخترت نفسي وأنكر وجود الاختيار منها فالقول قوله لأنه منكر له وهو مما يمكنه علمه ويمكنها إقامة البينة عليه فأشبه ما لو علق طلاقها على دخول الدتر فادعته فأنكره
فصل إذا قال لزوجته أنت علي حرام فهو ظهار وقال الشافعي لا شيء عليه وله قول آخر عليه كفارة يمين وليس بيمين وقال أبو حنيفة هو يمين وقد روي ذلك عن أبي بكر وعمر بن الخطاب وابن مسعود رضي الله عنهم وقال سعيد حدثنا خالد بن عبد الله عن جويبر عن الضحاك أن أبا بكر وعمر وابن مسعود قالوا في الحرام يمين وبه قال ابن عباس وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعن أحمد ما يدل على ذلك لأن الله تعالى قال لم تحرم ما أحل الله لك التحريم 1 ثم قال قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم التحريم 2 وقال ابن عباس لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة الأحزاب 21 ولأنه تحريم للحلال أشبه تحريم الأمة ولنا إنه تحريم للزوجة بغير طلاق فوجبت به كفارة الظهار كما لو قال أنت علي حرام كظهر أمي فأما إن نوى غير الظهار فالمنصوص عن أحمد في رواية جماعة أنه ظهار نوى الطلاق أو لم ينوه وذكره الخرقي في موضع غير هذا وممن قال إنه ظهار عثمان بن عفان وابن عباس وأبو قلابة وسعيد بن جبير وميمون بن مهران والبتي روى الأثرم بإسناده عن ابن عباس في الحرام أنه تحرير رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا لأنه صريح في تحريمها فكان ظهارا وإن نوى غيره كقوله أنت علي كظهر أمي وعن أحمد أنه إذا نوى الطلاق كان طلاقا إذا قال ما أحل الله علي حرام يعني به الطلاق أخاف أن يكون ثلاثا ولا أفتي به وهذا مثل قوله في الكنايات الظاهرة فكأنه جعله من كنايات الطلاق يقع به الطلاق إذا نواه ونقل عنه البغوي في رجل قال لامرأته أمرك بيدك فقالت أنا عليك حرام فقد حرمت عليه فجعله منها كناية في الطلاق فكذلك من الرجل واختاره ابن عقيل وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وروي ذلك عن ابن مسعود وممن روي عنه أنه طلاق ثلاث علي وزيد بن ثابت وأبو هريرة والحسن البصري وابن أبي ليلى وهو مذهب مالك في المدخول بها لأن الطلاق نوع تحريم فصح أن يكنى به عنه كقوله أنت بائن فأما إن لم ينو الطلاق فلا يكون طلاقا بحال لأنه ليس بصريح في الطلاق فإذا لم ينو معه لم يقع به طلاق كسائر الكنايات وإن قلنا إنه كناية في الطلاق ونوى به فحكمه حكم الكنايات الظاهرة على ما مضى من الاختلاف فيها وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي كل على أصله ويمكن حمله على الكنايات الخفية إذا قلنا إن الرجعة محرمة لأن أقل ما تحرم به الزوجة طلقة رجعية فحمل على اليقين
وقد روي عن أحمد ما يدل عليه فإنه قال إذا قال أنت علي حرام أعني به طلاقا فهي واحدة وروي هذا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه والزهري وقد روي عن مسروق وأبي سلمة بن عبد الرحمن والشعبي ليس بشيء لأنه قول هو كاذب فيه وهذا يبطل بالظهار فإنه منكر من القول وزور وقد وجبت الكفارة ولأن هذا إيقاع للطلاق فأشبه قوله أنت بائن أو أنت طالق وروي عن أحمد أنه إذا نوى اليمين كان يمينا فإنه قال في رواية مهنا إنه إذا قال أنت علي حرام ونوى يمينا ثم تركها أربعة أشهر قال هو يمين وإنما الإيلاء أن يحلف بالله أن لا يقرب امرأته فظاهر هذا أنه إذا نوى اليمين كانت يمينا وهذا مذهب ابن مسعود وقول أبي حنيفة والشافعي وممن روي عنه عليه كفارة يمين أبو بكر الصديق وعمر وابن عباس وعائشة وسعيد بن المسيب والحسن وعطاء وطاوس وسليمان بن يسار وقتادة والأوزاعي وفي المتفق عليه عن سعيد بن جبير أنه سمع ابن عباس يقول إذا حرم الرجل عليه امرأته فهي يمين يكفرها وقال لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة الأحزاب 21 ولأن الله تعالى قال يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم التحريم 1 2 فجعل الحرام يمينا ومعنى قوله نوى يمينا والله أعلم أنه نوى بقوله أنت علي حرام ترك وطئها واجتنابها وأقام ذلك مقام قوله والله لا وطئتك فصل وإن قال أنت علي حرام أعني به الطلاق فهو طلاق رواه الجماعة عن أحمد وروى عنه أبو عبد الله النيسابوري أنه إذا قال أنت علي حرام أريد به الطلاق كنت أقول إنها طالق يكفر كفارة الظهار وهذا كأنه رجوع عن قوله إنه طلاق ووجهه أنه صريح في الظهار فلم يصر طلاقا بقوله أريد به الطلاق كما لو قال أنت علي كظهر أمي أعني به الطلاق قال القاضي ولكن جماعة أصحابنا على أنه طلاق وهي الرواية المشهورة التي رواها عنه الجماعة لأنه صرح بلفظ الطلاق فكان طلاقا كما لو ضربها وقال هذا طلاقك وليس هذا صريحا في الظهار إنما هو صريح في التحريم والتحريم يتنوع إلى تحريم بالظهار وإلى تحريم بالطلاق فإذا بين بلفظ إرادة تحريم الطلاق وجب صرفه إليه وفارق قوله أنت علي كظهر أمي فإنه صريح في الظهار وهو تحريم لا يرتفع إلا بالكفارة فلم يمكن جعل ذلك طلاقا بخلاف مسألتنا ثم إن قال أعني به الطلاق أو نوى به ثلاثا فهي ثلاث نص عليه أحمد لأنه أتى بالألف واللام التي للاستغراق تفسيرا للتحريم فيدخل فيه الطلاق كله وإذا نوى الثلاث فقد نوى بلفظه ما يحتمله من الطلاق فوقع كما لو قال أنت بائن وعنه لا يكون ثلاثا حتى ينويها سواء كانت فيه الألف واللام أو لم تكن لأن الألف واللام تكون لغير الاستغراق في أكثر أسماء الأجناس وإن قال أعني به طلاقا فهو واحدة لأنه ذكره منكرا فيكون طلاقا واحدا نص عليه أحمد وقال في رواية جنبل إذا قال أعني طلاقا فهي واحدة أو اثنتان إذا لم تكن فيه ألف ولام فصل فإن قال أنت علي كظهر أمي ونوى به الطلاق لم يكن طلاقا لأنه صريح في الظهار فلم يصح كناية في الطلاق كما لا يكون الطلاق كناية في الظهار ولأن الظهار تشبيه بمن هي محرمة على التأبيد والطلاق يفيد تحريما غير مؤبد فلم تصلح الكناية بأحدهما عن الآخر ولو صرح به فقال أعني به الطلاق لم يصر طلاقا لأنه لا يصلح الكناية به عنه
فصل وإن قال أنت علي كالميتة والدم ونوى به الطلاق كان طلاقا لأنه يصح أن يكون كناية فيه فإذا اقترنت به النية وقع به الطلاق ويقع به من عدد الطلاق ما نواه فإن لم ينو شيئا وقعت واحدة لأنه من الكنايات الخفية وهذا حكمها وإن نوى به الظهار وهو أن يقصد تحريمها عليه مع بقاء نكاحها احتمل أن يكون ظهارا كما قلنا في قوله أنت علي حرام واحتمل أن لا يكون ظهارا كما لو قال أنت علي كظهر البهيمة أو كظهر أمي وإن نوى اليمين وهو أن يريد بذلك ترك وطئها لا تحريمها ولا طلاقها فهو يمين وإن لم ينو شيئا لم يكن طلاقا لأنه ليس بصريح في الطلاق ولا نواه به وهل يكون ظهارا أو يمينا على وجهين أحدهما يكون ظهارا لأن معناه أنت حرام علي كالميتة والدم فإن تشبيهها بهما يقتضي التشبيه بهما في الأمر الذي اشتهرا به وهو التحريم لقول الله تعالى فيهما حرمت عليكم الميتة والدم المائدة 3 والثاني يكون يمينا لأن الأصل براءة الذمة فإذا أتى بلفظ محتمل ثبت به أقل الحكمين لأنه اليقين وما زاد مشكوك فيه فلا نثبته بالشك ولا نزول عن الأصل إلا بيقين وعند الشافعي هو كقوله أنت علي حرام سواء مسألة قال ( وإذا طلقها بلسانه واستثنى شيئا بقلبه وقع الطلاق ولم ينفعه الاستثناء ) وجملة ذلك أن ما يتصل باللفظ من قرينة أو استثناء على ثلاثة أضرب أحدها ما لا يصح نطقا ولا نية وذلك نوعان أحدهما ما يرفع حكم اللفظ كله مثل أن يقول أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا أو أنت طالق طلقة لا تلزمك أو لا تقع عليك فهذا لا يصح بلفظه ولا بنيته لأنه يرفع حكم اللفظ كله فيصير الجميع لغوا فلا يصح هذا في اللغة بالاتفاق وإذا كان كذلك سقط الاستثناء والصفة ووقع الطلاق الضرب الثاني ما يقبل لفظا ولا يقبل نية لا في الحكم ولا فيما بينه وبين الله تعالى وهو استثناء الأقل فهذا يصح لفظا لأنه من لسان العرب ولا يصح بالنية مثل أن يقول أنت طالق ثلاثا ويستثني بقلبه إلا واحدة أو أكثر فهذا لا يصح لأن العدد نص فيما تناوله لا يحتمل غيره فلا يرتفع بالنية ما ثبت بنص اللفظ فإن اللفظ أقوى من النية ولو نوى بالثلاث اثنتين كان مستعملا للفظ في غير ما يصلح له فوقع مقتضى اللفظ ولغت نيته وحكي عن بعض الشافعية أنه يقبل فيما بينه وبين الله تعالى كما لو قال نسائي طوالق واستثنى بقلبه إلا فلانة والفرق بينهما أن نسائي اسم عام يجوز التعبير به عن بعض ما وضع له وقد استعمل العموم بإزاء الخصوص كثيرا فإذا أراد به البعض صح وقوله ثلاثا اسم عدد للثلاث لا يجوز التعبير به عن عدد غيرها ولا يحتمل سواها بوجه فإذا أراد بذلك اثنتين فقد أراد باللفظ ما لا يحتمله وإنما تعمل النية في صرف اللفظ المحتمل إلى أحد محتملاته فأما ما لا يحتمل فلا فإنا لو عملنا به فيما لا يحتمل كان عملا بمجرد النية ومجرد النية لا تعمل في نكاح ولا طلاق ولا بيع ولو قال نسائي الأربع طوالق أو قال لهن أربعتكن طوالق واستثنى بعضهن بالنية لم يقبل على قياس ما ذكرناه ولا يدين فيه لأنه عنى باللفظ ما لا يحتمل الضرب الثالث ما يصح نطقا وإذا نواه دين فيما بينه وبين الله تعالى وذلك مثل تخصيص تخصيص العام أو استعمال اللفظ في مجازه مثل قوله نسائي طوالق يريد بعضهن أو ينوي بقوله طالق أي من وثاق فهذا يقبل إذا كان لفظا وجها واحدا لأنه وصل كلامه بما يبين مراده وإن كان بنيته قبل فيما بينه وبين الله تعالى لأنه أراد تخصيص اللفظ العام واستعماله في الخصوص وهذا سائغ في اللغة شائع في الكلام فلا يمنع من استعماله والتكلم به ويكون اللفظ بنيته منصرفا إلى ما أراده دون ما لم يرده وهل يقبل ذلك في الحكم يخرج على روايتين إحداهما يقبل
لأنه فسر كلامه بما يحتمله فصح كما لو قال أنت طالق أنت طالق وأراد بالثانية إفهامها والثانية لا يقبل لأنه خلاف الظاهر وهو مذهب الشافعي ومن شرط هذا أن تكون النية مقارنة للفظ وهو أن يقول نسائي طوالق يقصد بهذا اللفظ بعضهن فأما إن كانت النية متأخرة عن اللفظ فقال نسائي طوالق ثم بعد فراغه نوى بقلبه بعضهن لم تنفعه النية ووقع الطلاق بجميعهن وكذلك لو طلق نساءه ونوى بعد طلاقهن أي من وثاق لزمه الطلاق لأنه مقتضى اللفظ والنية الأخيرة نية مجردة لا لفظ معها فلا تعمل ومن هذا الضرب تخصيص حال دون حال مثل أن يقول أنت طالق ثم يصله بشرط أو صفة مثل قوله إن دخلت الدار أو بعد شهر أو قال إن دخلت الدار بعد شهر فهذا يصح إذا كان نطقا بغير خلاف وإن نواه ولم يلفظ به دين وهل يقبل في الحكم على روايتين قال في رواية إسحاق بن إبراهيم فيمن حلف لا تدخل الدار وقال نويت شهرا يقبل منه أو قال إذا دخلت دار فلان فأنت طالق ونوى تلك الساعة وذلك اليوم قبلت نيته والرواية الأخرى لا تقبل فإنه قال لامرأته أنت طالق ونوى في نفسه إلى سنة تطلق ليس ينظر إلى نيته وقال إذا قال أنت طالق وقال نويت إن دخلت الدار لا يصدق ويمكن الجمع بين هاتين الروايتين بأن يحمل قوله في القبول على أنه يدين فيما بينه وبين الله تعالى وقوله في عدم القبول على الحكم فلا يكون بينهما اختلاف والفرق بين هذه الصورة والتي قبلها أن إرادة الخاص بالعام شائع كثير وإرادة الشرط من غير ذكره غير سائغ فهو قريب من الاستثناء ويمكن أن يقال هذا كله من جملة التخصيص فصل وإذا قالت له امرأة من نسائه طلقني فقال نسائي طوالق ولا نية له طلقن كلهن بغير خلاف لأن لفظه عام وإن قالت له طلق نساءك فقال نسائي طوالق فكذلك وحكي عن مالك أن السائلة لا تطلق في هذه الصورة لأن الخطاب العام يقصر على سببه الخاص وسببه سؤال طلاق من سواها ولنا إن اللفظ عام ولم يرد به غير مقتضاه فوجب العمل بعمومه كالصورة الأولى والعمل بعموم اللفظ أولى من خصوص السبب لأن دليل الحكم هو اللفظ فيجب اتباعه والعمل بمقتضاه في خصوصه وعمومه ولذلك لو كان أخص من السبب لوجب قصره على خصوصه واتباع صفة اللفظ دون صفة السبب فإن أخرج السائلة بنيته دين فيما بينه وبين الله تعالى في الصورتين وقبل في الحكم في الصورة الثانية لأن خصوص السبب دليل على نيته ولم يقبل في الصورة الأولى قاله ابن حامد لأن طلاقه جواب لسؤالها الطلاق لنفسها فلا يصدق في صرفه عنها لأنه يخالف الظاهر من وجهين ولأنها سبب الطلاق وسبب الحكم لا يجوز إخراجه من العموم بالتخصيص وقال القاضي يحتمل أن لا تطلق لأن لفظه عام والعام يحتمل التخصيص فصل فإن قال أنت طالق إن دخلت الدار ثم قال إنما أردت الطلاق في الحال لكن سبق لساني إلى الشرط طلقت في الحال لأنه أقر على نفسه بما يوجب الطلاق فلزمه كما لو قال قد طلقتها فإن قال بعد ذلك كذبت وإنما أردت طلاقها عند الشرط دين في ذلك ولم يقبل في الحكم لأنه رجوع عما أقر به
فصل وقول الخرقي واستثنى شيئا بقلبه يدل بمفهومه على أنه إذا استثنى بلسانه صح ولم يقع ما استثناه وهو قول جماعة أهل العلم قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الرجل إذا قال لامرأته أنت طالق ثلاثا إلا واحدة أنها تطلق طلقتين منهم الثوري والشافعي وأصحاب الرأي وحكي عن أبي بكر أن الاستثناء لا يؤثر في عدد الطلقات ويجوز في المطلقات فلو قال أنت طالق ثلاثا إلا واحدة وقع الثلاث ولو قال نسائي طوالق إلا فلانة لم تطلق لأن الطلاق لا يمكن رفعه بعد إيقاعه والاستثناء يرفعه لو صح وما ذكره من التعليل باطل بما سلمه من الاستثناء في المطلقات وليس الاستثناء رفعا لما وقع إذ لو كان كذلك لما صح في المطلقات ولا الإعتاق ولا في الإقرار ولا الاخبار وإنما هو مبين أن المستثنى غير مراد بالكلام فهو يمنع أن يدخل فيه ما لولاه لدخل فقوله تعالى فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما العنكبوت 14 عبارة عن تسعمائة وخمسين وقوله تعالى إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني الزخرف 26 27 تبرؤ من غير الله فكذلك قوله أنت طالق ثلاثا إلا واحدة عبارة عن اثنتين لا غير وحرف الاستثناء المستولى عليه إلا ويشبه به أسماء وأفعال وحروف فالأسماء غير وسوى والأفعال ليس ولا يكون وعدا والحروف حاشا وخلا فأي كلمة استثنى بها صح الاستثناء فصل ولا يصح استثناء الأكثر نص عليه أحمد فلو قال أنت طالق ثلاثا إلا اثنتين وقع ثلاث والأكثرون على أن ذلك جائز وقد ذكرناه في الإقرار وذكرنا أن أهل العربية إنما أجازوه في القليل من الكثير وحكينا ذلك عن جماعة من أئمة أهل اللغة فإذا قال أنت طالق ثلاثا إلا واحدة وقع اثنتان وإن قال إلا اثنتين وقع ثلاث وإن قال طلقتين إلا طلقة ففيه وجهان أحدهما يقع طلقة والثاني طلقتان بناء على استثناء النصف هل يصح أو لا على وجهين وإن قال أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا وقع ثلاث بغير خلاف لأن الاستثناء لرفع بعض المستثنى منه فلا يصح أن يرفع جميعه وإن قال أنت طالق خمسا إلا ثلاثا وقع ثلاث لأن الاستثناء إن عاد إلى الخمس فقد استثنى الأكثر وإن عاد إلى الثلاث التي يملكها فقد رفع جميعها وكلاهما لا يصح وإن قال خمسا إلا طلقة ففيه وجهان أحدهما يقع ثلاث لأن الكلام مع الاستثناء كأنه نطق بما عدا المستثنى فكأنه قال أنت طالق أربعا والثاني يقع اثنتان ذكره القاضي لأن الاستثناء يرجع إلى ما ملكه من الطلقات وهي الثلاث وما زاد عليها يلغو وقد استثنى واحدة من الثلاث فيصح ويقوع طلقتان وإن قال أنت طالق أربعا إلا اثنتين فعلى الوجه الأول يصح الاستثناء ويقع اثنتان وعلى قول القاضي ينبغي أن لا يصح الاستثناء ويقع ثلاث لأن الاستثناء يرجع إلى الثلاث فيكون استثناء الأكثر فصل فإن قال أنت طالق اثنتين وواحدة إلا واحدة ففيه وجهان أحدهما لا يصح الاستثناء لأن الاستثناء يرفع الجملة الأخيرة بكمالها من غير زيادة عليها فيصير ذكرها واستثناؤها لغوا وكل استثناء أفضى تصحيحه إلى الغاية وإلغاء المستثنى منه بطل كاستثناء الجميع ولأن إلغاءه وحده أولى من إلغائه مع إلغاء غيره ولأن الاستثناء يعود إلى الجملة الأخيرة في أحد الوجهين فيكون استثناء للجميع والوجه الثاني يصح الاستثناء ويقع طلقتان لأن العطف بالواو يجعل الجملتين كالجملة الواحدة فيصير مستثنيا لواحدة من ثلاث ولذلك لو قال له علي مائة وعشرون درهما إلا خمسين صح والأول أصح وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي
وإن قال أنت طالق واحدة واثنتين إلا واحدة فعلى الوجه الثاني يصح الاستثناء وعلى الوجه الأول يخرج في صحته وجهان بناء على استثناء النصف وإن قال أنت طالق وطالق وطالق إلا طلقة أو قال طالق طلقتين ونصفا إلا طلقة فالحكم في ذلك كالحكم في المسألة الأولى سواء وإن كان العطف بغير واو كقوله أنت طالق فطالق فطالق أو طالق ثم طالق ثم طالق إلا طلقة لم يصح الاستثناء لأن هذا حرف يقتضي الترتيب وكون الطلقة الأخيرة مفردة عما قبلها فيعود الاستثناء إليها وحدها فلا يصح وإن قال أنت طالق اثنتين واثنتين إلا اثنتين لم يصح الاستثناء لأنه إن عاد إلى الجملة التي تليه فهو رفع لجميعها وإن عاد إلى الثلاث التي يملكها فهو رفع لأكثرها وكلاهما لا يصح ويحتمل أن يصح بناء على أن العطف بالواو يجعل الجملتين جملة واحدة وأن استثناء النصف يصح فكأنه قال أربعا إلا اثنتين وإن قال أنت طالق اثنتين واثنتين إلا واحدة احتمل أن يصح لأنه استثنى واحدة من ثلاث واحتمل أن لا يصح لأنه إن عاد إلى الرابعة فقد بقي بعدها ثلاث وإن عاد إلى الواحدة الباقية من الاثنتين فهو استثناء الجميع فصل وإن قال أنت طالق ثلاثا إلا طلقة وطلقة ففيه وجهان أحدهما يلغو الاستثناء ويقع ثلاث لأن العطف يوجب اشتراك المعطوف مع المعطوف عليه فيصير مستثنيا لثلاث من ثلاث وهذا وجه لأصحاب الشافعي وقول أبي حنيفة والثاني يصح الاستثناء في طلقة لأن الاستثناء الأقل جائز وإنما لا يصح استثناء الثانية والثالثة فيلغو وحده وقال أبو يوسف ومحمد يصح استثناء اثنتين ويلغو في الثالثة بناء على أصلهم في أن استثناء الأكثر جائز وهو الوجه الثاني لأصحاب الشافعي وإن قال أنت طالق طلقتين إلا طلقة وطلقة ففيه الوجهان وإن قال أنت طالق ثلاثا إلا طلقة ونصف احتمل وجهين أيضا أحدهما يلغو الاستثناء لأن النصف يكمل فيكون مستثنيا للأكثر فيلغو والثاني يصح في طلقة فتقع طلقتان لما ذكرنا في التي قبلها فإن قال أنت طالق ثلاثا إلا واحدة وإلا واحدة كان عاطفا لاستثناء على استثناء فيصح الأول ويلغو الثاني لأننا لو صححناه لكان مستثنيا للأكثر فيقع به طلقتان ويجيء على قول من أجاز استثناء الأكثر أن يصح فيهما فتقع طلقة واحدة وإن قال أنت طالق ثلاثا إلا واحدة إلا واحدة كان مستثنيا من الواحدة المستثناة واحدة فيحتمل أن يلغو الاستثناء الثاني ويصح الأول فيقع به طلقتان ويحتمل أن يقع به الثلاث لأن الاستثناء الثاني معناه إثبات طلقة في حقها لكون الاستثناء من النفي إثباتا فيقبل ذلك في إيقاع طلاقه وإن لم يقبل في نفسه كما لو قال أنت طالق طلقتين ونصفا وقع به ثلاث ولو قال أنت طالق ثلاثا إلا نصف طلقة وقع به ثلاث فكمل النصف في الإثبات ولم يكمل في النفي فصل ويصح الاستثناء من الاستثناء ولا يصح منه في الطلاق إلا مسألة واحدة على اختلاف فيها وهي قوله أنت طالق ثلاثا إلا اثنتين إلا واحدة فإنه يصح إذا أجزنا استثناء النصف فيقع به طلقتان فإن قيل فكيف أجزتم استثناء الاثنتين من الثلاث وهي أكثرها قلنا لأنه لم يسكت عليهما بل وصلهما بأن استثنى منها طلقة فصار عبارة عن واحدة وإن قال أنت طالق ثلاثا إلا اثنتين لم يصح لأن استثناء الاثنتين من الثلاث لا يصح لأنهما أكثرها واستثناء الثلاث من الثلاث لا يصح لأنها جميعها وإن قال ثلاثا إلا ثلاثا إلا ثلاثا إلا واحدة لم يصح ووقع ثلاث لأنه إذا استثنى واحدة من ثلاث بقي اثنتان لا يصح استثناؤهما من الثلاث الأولى فيقع الثلاث
وذكر أبو الخطاب فيها وجها آخر أنه يصح لأن الاستثناء الأول يلغو لكونه استثناء الجميع فيرجع قوله إلا واحدة إلى الثلاث المثبتة فيقع منها طلقتان والأول أولى لأن الاستثناء من الإثبات نفي ومن النفي إثبات فإذا استثنى من الثلاث المنفية طلقة كان مثبتا لها فلا يجوز جعلها من الثلاث المثبتة لأنه يكون إثباتا من إثبات ولا يصح الاستثناء في جميع ذلك إلا متصلا بالكلام وقد ذكر في الإقرار والله أعلم مسألة قال ( وإذا قال لها أنت طالق في شهر كذا لم تطلق حتى تغيب شمس اليوم الذي يلي الشهر المشترط ) وجملة ذلك أنه إذا قال أنت طالق في شهر عينه كشهر رمضان وقع الطلاق في أول جزء من الليلة الأولى منه وذلك حين تغرب الشمس من آخر يوم من الشهر الذي قبله وهو شهر شعبان وبهذا قال أبو حنيفة وقال أبو ثور يقع الطلاق في آخر رمضان لأن ذلك يحتمل وقوعه في أوله وآخره فلا يقع إلا بعد زوال الاحتمال ولنا إنه جعل الشهر ظرفا للطلاق فإذ وجد ما يكون طرفا له طلقت كما لو قال إذا دخلت الدار فأنت طالق فإذا دخلت أول جزء منها طلقت فأما إن قال إن لم أقضك حقك في شهر رمضان فامرأتي طالق لم تطلق حتى يخرج رمضان قبل قضائه لأنه إذا قضاه في آخره لم توجد الصفة وفي الموضعين لا يمنع من وطء زوجته قبل الحنث وقال مالك يمنع وكذلك كل يمين على فعل يفعله يمنع من الوطء قبل فعله لأن الظاهر أنه على حنث لأن الحنث بترك الفعل وليس بفاعله ولنا إن طلاقه لم يقع فلا يمنع من الوطء لأجل اليمين كما لو حلف لا فعلت كذا ولو صح ما ذكره لوجب إيقاع الطلاق فصل ومتى جعل زمنا ظرفا للطلاق وقع الطلاق في أول جزء منه مثل أن يقول أنت طالق اليوم أو غدا أو في سنة كذا أو شهر المحرم لما ذكرنا فإن قال في آخره أو أوسطه أو يوم كذا منه أو في النهار دون الليل قبل منه فيما بينه وبين الله تعالى وقل يقبل في الحكم يخرج على روايتين وإن قال أنت طالق في أول رمضان أو غرة رمضان أو في رأس شهر رمضان أو دخول شهر رمضان أو استقبال رمضان أو مجيء شهر رمضان طلقت بأول جزء منه ولم يقبل قوله أردت أوسطه أو آخره لا ظاهرا ولا باطنا لأنه لا يحتمله لفظه وإن قال بانقضاء رمضان أو انسلاخه أو نفاده أو مضيه طلقت في آخر جزء منه وإن قال أنت طالق في أول نهار شهر رمضان أو في أول يوم منه طلقت بطلوع الفجر أول يوم منه لأن ذلك أول النهار واليوم ولهذا لو نذر اعتكاف يوم أو صيام يوم لزمه من طلوع الفجر وإن قال أنت طالق إذا كان رمضان أو إلى رمضان أو إلى هلال رمضان أو في هلال رمضان طلقت ساعة يستهل إلا أن يكون نوى من الساعة إلى الهلال فتطلق في الحال وإن قال أنت طالق في مجيء ثلاثة أيام طلقت في أول اليوم الثالث فصل وإذا أوقع الطلاق في زمن أو علقه بصفة تعلق بها ولم يقع حتى تأتي الصفة والزمن وهذا قول ابن عباس وعطاء وجابر بن زيد والنخعي وأبي هاشم والثوري والشافعي وإسحاق وأبي عبيد وأصحاب الرأي وقال سعيد بن المسيب والحسن والزهري وقتادة ويحيى الأنصاري وربيعة ومالك إذا علق الطلاق بصفة تأتي لا محالة كقوله أنت طالق إذا طلعت الشمس أو دخل رمضان طلقت في الحال لأن النكاح لا يكون مؤقتا بزمان ولذلك لا يجوز أن يتزوجها شهرا
ولنا إن ابن عباس كان يقول في الرجل يقول لامرأته أنت طالق إلى رأس السنة قال يطأ فيما بينه وبين رأس السنة ولأنه إزالة ملك يصح تعليقه بالصفات فمتى علقه بصفة لم يقع قبلها كالعتق فإنهم سلموه وقد احتج أحمد بقول أبي ذر إن لي إبلا يرعاها عبد لي وهو عتيق إلى الحول ولأنه تعليق للطلاق بصفة لم توجد فلم يقع كما لو قال أنت طالق إذا قدم الحاج وليس هذا توقيتا للنكاح وإنما هو توقيت للطلاق وهذا لا يمنع كما أن النكاح لا يجوز أن يكون معلقا بشرط والطلاق يجوز فيه التعليق فصل ولو قال أنت طالق إلى شهر كذا أو سنة كذا فهو كما لو قال في شهر كذا أو سنة كذا ولا يقع الطلاق إلا في أول ذلك الوقت وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة يقع في الحال لأن قوله أنت طالق إيقاع في الحال وقوله إلى شهر كذا تأقيت له وغاية وهو لا يقبل التأقيت فبطل التأقيت ووقع الطلاق ولنا قول ابن عباس وقول أبي ذر ولأن هذا يحتمل أن يكون توقيتا لإيقاعه كقول الرجل أنا خارج إلى سنة أي بعد سنة وإذا احتمل الأمرين لم يقع الطلاق بالشك وقد ترجح ما ذكرناه من وجهين أحدهما أنه جعل للطلاق غاية ولا غاية لآخره وإنما الغاية لأوله والثاني أن ما ذكرناه عمل باليقين وما ذكروه أخذ بالشك فإن قال أردت أنها طالق في الحال إلى سنة كذا وقع في الحال لأنه يقر على نفسه بما هو أغلظ ولفظه يحتمله وإن قال أنت طالق من اليوم إلى سنة طلقت في الحال لأن من لابتداء الغاية فيقتضي أن طلاقها من اليوم فإن قال أردت أن عقد الصفة من اليوم ووقوعه بعد سنة لم يقع إلا بعدها وإن قال أردت تكرير وقوع طلاقها من حين لفظت به إلى سنة طلقت من ساعتها ثلاثا إذا كانت مدخولا بها قال أحمد إذا قال لها أنت طالق من اليوم إلى سنة يريد التوكيد وكثرة الطلاق فتلك طالق من ساعتها فصل إذا قال أنت طالق في آخر أول الشهر طلقت في آخر أول يوم منه لأنه أوله وإن قال في أول آخره طلقت في أول آخر يوم منه لأنه آخره وقال أبو بكر في الأولى تطلق بغروب الشمس من اليوم الخامس عشر منه وفي الثانية تطلق بدخول أول الليلة السادس عشر منه لأن الشهر نصفان أول وآخر فآخر أوله يلي أول آخره وهذا قول أبي العباس بن شريح وقال أكثرهم كقولنا وهو أصح فإن ما عدا اليوم الأول لا يسمى أول الشهر ويصح نفيه عنه وكذلك لا يسمى أوسط الشهر أخره ولا يفهم ذلك من إطلاق لفظه فوجب أن يصرف كلام الحالف إليه ولا يحمل كلامه عليه فصل وإذا قال إذا مضت سنة فأنت طالق أو أنت طالق إلى سنة فإن ابتداء السنة من حين حلف إلى تمام اثني عشر شهرا بالأهلة لقوله تعالى يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج البقرة 189 فإن حلف في أول الشهر فإذا مضى اثنا عشر شهرا وقع طلاقه وإن حلف في أثناء شهر عددت ما بقي منه ثم حسبت بعد بالأهلة فإذا مضت أحد عشر شهرا نظرت ما بقي من الشهر الأول فكلمته ثلاثين يوما لأن الشهر اسم لما بين هلالين
فإذا تفرق كان ثلاثين يوما وفيه وجه آخر أنه تعتبر الشهور كلها بالعدد نص عليه أحمد فيمن نذر صيام شهرين متتابعين فاعترض الأيام قال يصوم ستين يوما وإن ابتدأ من شهر فصام شهرين فكانا ثمانية وخمسين يوما أجزأه وذلك أنه لما صام نصف شهر وجب تكميله من الذي يليه فكان ابتداء الثاني من نصفه أيضا فوجب أن يكمله بالعدد وهذا المعنى موجود في السنة ووجه الأول أنه أمكن استيفاء أحد عشر بالأهلة فوجب الاعتبار بها كما لو كانت يمينه في أول شهر ولا يلزم أن يتم الأول من الثاني بل يتمه من آخر الشهور وإن قال أردت بقولي سنة إذا انسلخ ذو الحجة قبل لأنه يقر على نفسه بما هو أغلظ وإن قال إذا مضت السنة فأنت طالق طلقت بانسلاخ ذي الحجة لأنه لما عرفها بلام التعريف انصرفت إلى السنة المعروفة التي آخرها ذو الحجة فإن قال أردت بالسنة اثني عشر شهرا قبل لأن السنة اسم لها حقيقة فصل فإن قال أنت طالق في كل سنة فهذه صفة صحيحة لأنه يملك إيقاعه في كل سنة فإذا جعل ذلك صفة جاز ويكون ابتداء المدة عقيب يمينه لأن كل أجل ثبت بمطلق العقد ثبت عقيبه كقوله والله لا كلمتك سنة فيقع في الحال طلقة لأنه جعل السنة ظرفا للطلاق فتقع الأولى في أول جزء منها وتقع الثانية في أول الثانية والثالثة في أول الثالثة إن دخلتا عليها وهي في نكاحه لكونها لم تنقض عدتها أو ارتجعها في عدة الطلقة الأولى وعدة الثانية أو جدد نكاحها بعد أن بانت فإن انقضت عدتها فبانت منه ودخلت السنة الثانية وهي بائن لم تطلق لكونها غير زوجة فإن تزوجها في أثنائها اقتضى قول أكثر أصحابنا وقوع الطلاق عقيب تزويجه لها لأنه جزء من السنة الثانية التي جعلها ظرفا للطلاق ومحلا له وكان سبيله أن تقع في أولها فمنع منه كونها غير محل الطلاق لعدم نكاحه حينئذ فإذا عادت الزوجية وقع في أولها وقال القاضي تطلق بدخول السنة الثالثة وعلى قول التميمي ومن وافقه تنحل الصفة بوجودها في حال البينونة فلا تعود بحال وإن لم يتجوزها حتى دخلت السنة الثالثة ثم نكحها طلقت عقيب تزويجها ثم طلقت الثالثة بدخول السنة الرابعة وعلى قول القاضي لا تطلق إلا بدخول الرابعة ثم تطلق الثالثة بدخول الخامسة وعلى قول التميمي قد انحلت الصفة واختلف في مبدأ السنة الثانية فظاهر ما ذكره القاضي أن أولها بعد انقضاء اثني عشر شهرا من حين يمينه لأنه جعل ابتداء المدة حين يمينه وكذلك قال أصحاب الشافعي وقال أبو الخطاب ابتداء السنة الثانية أول المحرم لأنها السنة المعروفة فإذا علق ما يتكرر على تكرر السنين انصرف إلى السنين المعروفة كقول الله تعالى أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام التوبة 126 وإن قال أردت بالسنة اثني عشر شهرا قبل لأنها سنة حقيقة وإن قال نويت إن ابتداء السنين أول السنة الجديدة من المحرم دين قال القاضي ولا يقبل منه في الحكم لأنه خلاف الظاهر والأولى أن يخرج على روايتين لأنه محتمل مخالف للظاهر فصل إذا قال أنت طالق إذا رأيت هلال رمضان طلقت برؤية الناس له في أول الشهر وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا تطلق إلا أن يراه لأنه علق الطلاق برؤية نفسه فأشبه ما لو علقه على رؤية زيد ولنا إن الرؤية للهلال في عرف الشرع العلم به في أول الشهر بدليل قوله عليه السلام إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فافطروا والمراد به رؤية البعض وحصول العلم فانصرف لفظ الحالف إلى عرف الشرع كما لو قال إذا صليت فأنت طالق فإنه ينصرف إلى الصلاة الشرعية لا إلى الدعاء وفارق رؤية زيد فإنه لم يثبت له عرف شرعي يخالف الحقيقة وكذلك لو لم يره أحد لكن ثبت الشهر بتمام العدد طلقت لأنه قد علم طلوعه بتمام العدد وإن قال أردت إذا رأيته يعيني قبل لأنها رؤية حقيقية
وتتعلق الرؤية برؤية الهلال بعد الغروب فإن رأى قبل ذلك لم تطلق لأن هلال الشهر ما كان في أوله ولأننا جعلنا رؤية الهلال عبارة عن دخول أول الشهر ويحتمل أن تطلق برؤيته قبل الغروب لأنه يسمى رؤية والحكم متعلق به في الشرع فإن قال أردت إذا رأيته أنا بعيني فلم يره حتى أقمر لم تطلق لأنه ليس بهلال واختلف فيما يصير به قمرا فقيل بعد ثالثة وقيل إذا استدار وقيل إذا بهر ضوءه فصل قال أحمد إذا قال لها أنت طالق ليلة القدر يعتزلها إذا دخل العشر وقبل العشر أهل المدينة يرونها في السبع عشرة إلا أن المثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر إنما أمره باجتنابها في العشر لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالتماس ليلة القدر في العشر الأواخر فيحتمل أن تكون أول ليلة منه ويمكن أن هذا منه على سبيل الاحتياط ولا يتحقق حنثه إلى آخر ليلة من الشهر لاحتمال أن تكون هي تلك الليلة فصل وإذا علق طلاقها على شرط مستقبل ثم قال عجلت لك تلك الطلقة لم تتعجل لأنها معلقة بزمن مستقبل فلم يكن له إلى تغييرها سبيل وإن أراد تعجيل طلاق سوى تلك الطلقة وقعت بها طلقة فإذا جاء الزمن الذي علق الطلاق به وهي في حباله وقع بها الطلاق المعلق فصل إذا قال أنت طالق غدا إذا قدم زيد لم تطلق حتى يقدم لأن إذا اسم زمن مستقبل فمعناه أنت طالق غدا وقت قدوم زيد وإن لم يقدم زيد في غد لم تطلق وإن قدم بعده لأنه قيد طلاقها بقدوم مقيد بصفة فلا تطلق حتى توجد وإن ماتت غدوة وقدم زيد بعد موتها لم تطلق لأن الوقت الذي أوقع طلاقها فيه لم يأت وهي محل للطلاق فلم تطلق كما لو ماتت قبل دخول ذلك اليوم وإن قال أنت طالق يوم يقدم زيد فقدم ليلا لم تطلق لأنه لم يوجد الشرط إلا أن يريد باليوم الوقت فتطلق وقت قدومه لأن الوقت يسمى يوما قال الله تعالى ومن يولهم يومئذ دبره الأنفال 16 وإن ماتت المرأة غدوة وقدم زيد ظهرا ففيه وجهان أحدهما نتبين أن طلاقها وقع من أول اليوم لأنه لو قال أنت طالق يوم الجمعة طلقت من أوله فكذا إذا قال أنت طالق يوم يقدم زيد فينبغي أن تطلق بطلوع فجره والثاني لا يقع الطلاق لأن شرطه قدوم زيد ولم يوجد إلا بعد موت المرأة فلم يقع بخلاف يوم الجمعة فإن شرط الطلاق مجيء يوم الجمعة وقد وجد وهاهنا شرطان فلا يؤخذ بأحدهما والأول أولى وليس هذا شرطا إنما هو بيان للوقت الذي يقع فيه الطلاق معرفا بفعل يقع فيه فيقع في أوله كقوله أنت طالق اليوم الذي نصلي فيه الجمعة ولو قال أنت طالق في اليوم الذي يقدم فيه زيد فكذلك ولو مات الرجل غدوة ثم قدم زيد أو مات الزوجان قبل قدوم زيد كان الحكم كما لو ماتت المرأة ولو قال أنت طالق في شهر رمضان إن قدم زيد فقدم فيه خرج فيه وجهان أحدهما لا تطلق حتى يقدم زيد لأن قدومه شرط فلا يتقدمه المشروط بدليل ما لو قال أنت طالق إن قدم زيد فإنها لا تطلق قبل قدومه بالاتفاق وكما لو قال إذا قدم زيد والثاني أنه إن قدم زيد تبينا وقوع الطلاق من أول الشهر قياسا على المسألة التي قبل هذه فصل إذا قال أنت طالق اليوم وطالق غدا طلقت واحدة لأن من طلقت اليوم فهي طالق غدا وإن قال أردت أن تطلق اليوم وتطلق غدا طلقت طلقتين في اليومين وإن قال أردت أنها تطلق في أحد اليومين طلقت اليوم ولم تطلق غدا لأنه جعل الزمان كله ظرفا لوقوع الطلاق فوقع في أوله وإن قال أردت نصف طلقة اليوم ونصف طلقة غدا طلقت اليوم واحدة وأخرى غدا لأن النصف يكمل فيصير طلقة تامة وإن قال أردت نصف طلقة اليوم وباقيها غدا احتمل ذلك أيضا