İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
ولا يصح هذا لأن ما وجد من الرضعة في الحولين كاف في التحريم بدليل ما لو انفصل مما بعده فلا ينبغي أن يسقط حكم بإيصال ما لا أثر له به واشترط الخرقي في نشر الحرمة بين المرتضع وبين الرجل الذي ثاب اللبن بوطئه أن يكون لبن حمل ينتسب إلى الواطىء إما لكون الوطء في نكاح أو ملك يمين أو شبهة فأما لبن الزاني أو النافي للولد باللعان فلا ينشر الحرمة بينهما في مفهوم كلام الخرقي وهو قول أبي عبد الله بن حامد ومذهب الشافعي وقال أبو بكر عبد العزير تنتشر الحرمة بينهما لأنه معني بنشر الحرمة فاستوى في ذلك مباحة ومحظورة كالوطء يحققه أن الواطىء حصل منه لبن وولد ثم إن الولد ينشر الحرمة بينه وبين الواطىء كذلك اللبن ولأنه رضاع ينشر الحرمة إلى المرضعة فنشرها إلى الواطىء كصورة الإجماع ووجه القول الأول أن التحريم بينهما فرع لحرمة الأبوة فلما تثبت حرمة الأبوة لم يثبت ما هو فرع لها ويفارق تحريم ابنته من الزنا لأنها من نطفته حقيقة بخلاف مسألتنا ويفارق تحريم المصاهرة فإن التحريم ثم لا يقف على ثبوت النسب ولهذا تحرم أم زوجته وابنتها من غير نسب وتحريم الرضاع مبني على النسب ولهذا قال عليه السلام يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب فأما المرضعة فإن الطفل المرتضع محرم عليها ومنسوب إليها عند الجميع وكذلك يحرم جميع أولادها وأقاربها الذين يحرمون على أولادها على هذا المرتضع كما في الرضاع باللبن المباح وإن كان المرتضع جارية حرمت على الملاعن بغير خلاف أيضا لأنها ربيبته فإنها بنت امرأته من الرضاع وتحرم على الزاني عند من يرى تحريم المصاهرة وكذلك يحرم بناتها وبنات المرتضع من الغلمان لذلك فصل وإذا وطىء رجلان امرأة فأتت بولد فأرضعت بلبنه طفلا صار ابنا لمن ثبت نسب الولد منه سواء ثبت نسبه منه بالقافة أو بغيرها وإن ألحقته القافة بهما صار المرتضع ابنا لهما فالمرتضع في كل موضع تبع للمناسب فمتى لحق المناسب بشحص فالمرتضع مثله وإن انتفى المناسب عن أحدهما فالمرتضع مثله لأنه بلبنه ارتضع وحرمته فرع على حرمته وإن لم يثبت نسبه منهما لتعذر القافة أو لاشتباهه عليهم ونحو ذلك حرم عليهما تغليبا للحظر لأنه يحتمل أن يكون منهما ويحتمل أن يكون أحدهما فيحرم عليه أقاربه دون أقارب الآخر وقد اختلطت أخته بغيرها فحرم الجميع كما لو علم أخته بعينها ثم اختلفت بأجنبيات وإن انتفى عنهما جميعا بأن تأتي به لدون ستة أشهر من وطئهما أو لأكثر من أربع سنين أو لدون ستة أشهر من وطء أحدهما أو لأكثر من أربع سنين من وطء الآخر انتفى المرتضع عنهما أيضا فإن كان المرتضع جارية حرمت عليهما تحريم الصاهرة ويحرم أولادها عليهما أيضا لأنها ابنة موطوء بينها فهي ربيبة لهما فصل ولا تنتشر الحرمة بغير لبن الآدمية بحال فلو ارتضع اثنان من لبن بهيمة لم يصيرا أخوين في قول عامة أهل العلم منهم الشافعي وابن القاسم وأبو ثور وأصحاب الرأي ولو ارتضعا من رجل لم يصيرا أخوين ولم تنتشر الحرمة بينه وبينهما في قول عامتهم وقال الكرابيسي يتعلق به التحريم لأنه لبن آدمي أشبه لبن الآدمية وحكي عن بعض السلف أنهما إذا ارتضعا من لبن بهيمة صارا أخوين وليس بصحيح لأن هذا يتعلق به تحريم الأمومة فلا يثبت به تحريم الأخوة لأن الأخوة فرع على الأمومة وكذلك لا يتعلق به تحريم الأبوة لذلك ولأن هذا اللبن لم يخلق لغذاء المولود فلم يتعلق به التحريم كسائر الطعام فإن ثاب لخنثى مشكل لبن لم يثبت به التحريم لأنه لم يثبت كونه امرأة فلا يثبت التحريم مع الشك وقال ابن حامد يقف الأمر حتى ينكشف أمر الخنثى فعلى قوله يثبت التحريم إلا أن يتبين كونه رجلا لأنه لا يأمن كونه محرما
فصل وإن ثاب لامرأة لبن من غير وطء فأرضعت به طفلا نشر الحرمة في أظهر الروايتين وهو قول ابن حامد ومذهب مالك والثوري والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي وكل من يحفظ عنه ابن المنذر لقول الله تعالى وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم النساء 23 ولأنه لبن امرأة فتعلق به التحريم كما لو ثاب بوطء ولأن ألبان النساء خلقت لغذاء الأطفال فإن كان هذا نادرا فجنسه معتاد والرواية الثانية لا تنشر الحرمة لأنه نادر لم تجر العادة به لتغذية الأطفال فأشبه لبن الرجال والأول أصح فصل إذا كان لرجل خمس أمهات أولاد له منهن لبن فارتضع طفل من كل واحدة منهن رضعة لم يصرن أمهات له وصار المولى أبا له وهذا قول ابن حامد لأنه ارتضع من لبنه خمس رضعات وفيه وجه آخر لا تثبت الأبوة لأنه رضاع لم يثبت الأمومة فلم يثبت الأبوة كالارتضاع بلبن الرجل والأول أصح فإن الأبوة إنما تثبت لكونه رضع من لبنه لا لكون المرضعة أما له ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين وإذا قلنا بثبوت الأبوة حرمت عليه المرضعات لأنه ربيبهن وهن موطوءات أبيه وإن كان لرجل خمس بنات فأرضعن طفلا كل واحدة رضعة لم يصرن أمهات له وهل يصير الرجل جدا له وأولاده أخوالا له وخالات على وجهين أحدهما يصير جدا وأخوهن خالا لأنه كمل للمرتضع خمس رضعات من لبن بناته أو أخواته فأشبه ما لو كان من واحدة والآخر لا يثبت ذلك لأن كونه جدا فرع كون ابنته أما وكونه خالا فرع كون أخته أما ولم يثبت ذلك فلا يثبت الفرع وهذا الوجه يترجح في هذه المسألة لأن الفرعية متحققة بخلاف التي قبلها فإن قلنا يصير أخوهن خالا لم تثبت الخؤولة في حق واحدة منهن لأنه لم يرضع من لبن أخواتها خمس رضعات ولكن يحتمل التحريم لأنه قد اجتمع من اللبن المحرم خمس رضعات ولو كمل للطفل خمس رضعات من أمه وأخته وابنته وزوجته وزوجة أبيه من واحدة رضعة خرج على الوجهين فصل إذا كان لامرأة لبن من زوج فأرضعت طفلا ثلاث رضعات وانقطع لبنها فتزوجت آخر فصار لها منه لبن فأرضعت منه الصبي رضعتين صارت أما له بغير خلاف علمناه عند القائلين بأن الخمس محرمات ولم يصر ولد من الزوجين أبا لأنه لم يكمل عدد الرضاع من لبنه ويحرم على الرجلين لكونه ربيبها لا لكونه ولدهما مسألة قال ( ولو طلق زوجته ثلاثا وهي ترضع من لبن ولده فتزوجت بصبي مرضع فأرضعته فحرمت عليه ثم تزوجت بآخر ودخل بها ووطئها ثم طلقها أو مات عنها لم يجز أن يتزوجها الأول لأنها صارت من حلائل الأبناء لما أرضعت الصبي الذي تزوجت به ) هذه المسألة من فروع المسألة التي قبلها وهو أن المرتضع يصير ابنا للرجل الذي ثاب اللبن بوطئه فهذه المرأة لما تزوجت صبيا ثم أرضعته بلبن مطلقها صار ابنا لمطلقها فحرمت عليه لأنها أمه وبانت منه وكانت زوجة له فصارت زوجة لابن مطلقها فحرمت على الأول على التأبيد لكونها صارت من حلائل أبنائه ولو تزوجت امرأة صبيا فوجدت به عيبا ففسخت نكاحه ثم تزوجت كبيرا فصار لها منه لبن فأرضعت به الصبي خمس رضعات حرمت على زوجها لأنها صارت من حلائل أبنائه ولو زوج الرجل أم ولده أو أمته بصبي مملوك فأرضعته بلبن سيدها خمس رضعات انفسخ نكاحه وحرمت على سيدها على التأبيد لأنها صارت من حلائل أبنائه فإن كان الصبي حرا لم يتصور هذا الفرع لم يصح نكاحه لأن من شرط جواز نكاح الحر الأمة خوف العنت ولا يوجد ذلك في الطفل فإن تزوج بها كان النكاح فاسدا وإن أرضعته لم تحرم على سيدها لأنه ليس بزوج في الحقيقة فصل وإذا طلق الرجل زوجته ولها منه لبن فتزوجت آخر لم يخل من خمس أحوال أحدها أن يبقى لبن الأول بحاله لم يزد ولم ينقص ولم تلد من الثاني فهو للأول سواء حملت من الثاني أو لم تحمل لا نعلم فيه خلافا لأن اللبن كان للأول ولم يتجدد ما يجعله من الثاني فبقي للأول
الثاني أن لا تحمل من الثاني فهو للأول سواء زاد أو لم يزد أو انقطع ثم عاد أو لم ينقطع الثالث أن تلد من الثاني فاللبن له خاصة قال ابن المنذر أجمع على هذا كل من أحفظ عنه وهو قول أبي حنيفة والشافعي سواء زاد أو لم يزد انقطع أو اتصل لأن لبن الأول ينقطع بالولادة من الثاني فإن حاجة المولود إلى اللبن تمنع كونه لغيره الحال الرابع أن يكون لبن الأول باقيا وزاد بالحمل من الثاني فاللبن منهما جميعا في قول أصحابنا وقال أبو حنيفة هو للأول ما لم تلد من الثاني وقال الشافعي إن لم ينته الحمل إلى حال ينزل منه اللبن فهو للأول فإن بلغ إلى حال ينزل به اللبن فزاد به ففيه قولان أحدهما للأول والثاني هو لهما ولنا إن زيادته عند حدوث الحمل ظاهر في أنها منه وبقاء لبن الأول يقتضي كون أصله منه فيجب أن يضاف إليهما كما لو كان الولد منهما الحال الخامس انقطع من الأول ثم ثاب بالحمل من الثاني فقال أبو بكر هو منهما وهو أحد أقوال الشافعي إذا انتهى الحمل إلى حال ينزل به اللبن وذلك لأن اللبن كان للأول فلما عاد بحدوث الحمل فالظاهر أن لبن الأول ثاب بسبب الحمل الثاني فكان مضافا إليهما كما لو لم ينقطع واختار أبو الخطاب أنه من الثاني وهو القول الثاني للشافعي لأن لبن الأول انقطع فزال حكمه بانقطاعه وحدث بالحمل من الثاني فكان له كما لو لم يكن لها لبن من الأول وقال أبو حنيفة هو للأول ما لم تلد من الثاني وهو القول الثالث للشافعي لأن الحمل لا يقتضي اللبن وإنما يخلقه الله تعالى للولد عند وجوده لحاجته إليه والكلام عليه قد سبق مسألة قال ( ولو تزوج كبيرة وصغيرة ولم يدخل بالكبيرة حتى أرضعت الصغيرة في الحولين حرمت عليه الكبيرة وثبت نكاح الصغيرة وإن كان دخل بالكبيرة حرمتا عليه جميعا ويرجع بنصف مهر الصغيرة على الكبيرة ) نص أحمد على هذا كله في هذه المسألة فصول أربعة الأول أنه التي تزوج كبيرة وصغيرة فأرضعت الكبيرة الصغيرة قبل دخوله بها فسد نكاح الكبيرة في الحال وحرمت على التأبيد وبهذا قال الثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وقال الأوزاعي نكاح الكبيرة ثابت وتنزع منه الصغيرة وليس بصحيح فإن الكبيرة صارت من أمهات النساء فتحرم أبدا لقول الله سبحانه وأمهات نسائكم النساء 23 ولم يشترط دخوله بها فأما الصغيرة ففيها روايتان إحداهما نكاحها ثابت لأنها ربيبة ولم يدخل بأمها فلا تحرم لقول الله سبحانه فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم النساء 23 والرواية الثانية ينفسخ نكاحها وهو قول الشافعي وأبي حنيفة لأنهما صارتا أما وبنتا واجتمعتا في نكاحه والجمع بينهما محرم فانفسخ نكاحهما كما لو صارتا أختين وكما لو عقد عليهما بعد الرضاع عقدا واحدا ولنا إنه أمكن إزالة الجمع بانفساخ نكاح الكبيرة وهي أولى به لأن نكاحها محرم على التأبيد فلم يبطل نكاحهما به كما لو ابتدأ العقد على أخته وأجنبية ولأن الجمع طرأ على نكاح الأم والبنت فاختص الفسخ بنكاح الأم كما لو أسلم وتحته امرأة وبنتها وفارق الأختين لأنه ليست إحداهما أولى بالفسخ من الأخرى وفارق ما لو ابتدأ العقد عليهما لأن الدوام أقوى من الابتداء الفصل الثاني أنه إن كان دخل بالكبيرة حرمتا جميعا على الأبد وانفسخ نكاحهما لأن الكبيرة صارت من أمهات النساء والصغيرة ربيبة قد دخل بأمها فتحرم تحريما مؤبدا وإن كان الرضاع بلبنه صارت الصغيرة بنتا محرمة عليه لوجهين لكونها بنته وربيبته التي دخل بأمها الفصل الثالث أن عليه نصف مهر الصغيرة لأن نكاحها انفسخ قبل دخوله بها من غير جهتها والفسخ إذا جاء من أجنبي كان كطلاق الزوج في وجوب الصداق عليه ولا مهر للكبيرة إن لم يكن دخل بها لأن فسخ نكاحها بسبب من جهتها فسقط صداقها كما لو ارتدت
وبهذا قال مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه خلافا وإن كان دخل بالكبيرة لم يسقط مهرها لأنه استقر بدخوله بها استقرارا لا يسقطه شيء ولذلك لا يسقط بردتها ولا بغيرها الفصل الرابع أنه يرجع على الكبيرة بما لزمه من صداق الصغيرة وبهذا قال الشافعي وحكي عن بعض أصحابه أنه يرجع بجميع صداقها لأنها أتلفت البضع فوجب ضمانه وقال أصحاب الرأي إن كانت المرضعة أرادت الفساد رجع عليها نصف الصداق وإلا فلا يرجع بالنصف بشيء وقال مالك لا يرجع بشيء ولنا على أنه يرجع عليها أنها قررته عليه وألزمته إياه وأتلفت عليه ما في مقابلته فوجب عليه الضمان كما لو أتلفت عليه المبيع ولنا على أبي حنيفة أن ما ضمن في العمد ضمن في الخطأ كالمال ولأنها أفسدت نكاحه وقررت عليه نصف الصداق فلزمها ضمانه كما لو قصدت الإفساد ولنا على أن الزوج إنما يرجع بالنصف أن الزوج لم يغرم إلا بالنصف فلم يجب له أكثر مما غرم ولأنه بالفسخ يرجع إليه بدل النصف الآخر فلم يجب له بدل ما أخذ بدله مرة أخرى ولأن خروج البضع من ملك الزوج لا قيمة له وإنما ضمنت المرضعة هاهنا لما ألزمت الزوج ما كان معرضا للسقوط بسبب يوجد من الزوجة فلم يرجع هاهنا بأكثر مما ألزمته فصل والواجب نصف المسمى لا نصف مهر المثل لأنه إنما يرجع بما غرم والذي غرم نصف ما فرض لها فرجع به وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي يرجع بنصف مهر المثل لأنه ضمان متلف فكان الاعتبار بقيمته دون ما ملكه به كسائر الأعيان ولنا إن خروج البضع من ملك الزوج لا قيمة له بدليل ما لو قتلت نفسها أو ارتدت أو أرضعت من ينفسخ نكاحها بإرضاعه فإنها لا تغرم له شيئا وإنما الرجوع هاهنا بما غرم فلا يرجع بغيره ولأنه لو رجع بقيمة المتلف لرجع بمهر المثل كله ولم يختص بنصفه لأن التلف لم يختص بالنصف ولأن شهود الطلاق قبل الدخول إذا رجعوا لزمهم نصف المسمى كذا هاهنا فصل وكل امرأة تحرم ابنتها إذا أرضعت زوجته الصغيرة أفسدت نكاحه وحرمتها عليه ولزمها نصف الصداق فإن أرضعتها أمه صارت أخته وإن أرضعتها جدته صارت عمته أو خالته وإن أرضعتها أخته صارت بنت أخته وكل امرأة تحرم بنت زوجها إذا أرضعتها بلبن زوجها حرمتها عليه وعليها نصف مهرها كامرأة ابنه وامرأة أبيه وامرأة أخيه وامرأة جده لأنها إن أرضعتها امرأة أبيه بلبنه صارت أخته وإن أرضعتها امرأة ابنه صارت بنت ابنه وإن أرضعتها امرأة أخيه صارت بنت أخيه وإن أرضعتها امرأة جده بلبنه صارت عمته أو خالته وإن أرضعتها امرأة أحد هؤلاء بلبن غيره لم تحرم عليه لأنها صارت ربيبة زوجها وإن أرضعتها من لا تحرم بنتها كعمته وخالته لم تحرمها عليه ولو تزوج ابنة عمه فأرضعت جدتهما أحدهما صغيرا انفسخ النكاح لأنها إن أرضعت الزوج صار عم زوجته وإن أرضعت الزوجة صارت عمة وإن أرضعتهما جميعا صار كل واحد منهما عم الآخر وإن تزوج بنت عمته فأرضعت جدتهما أحدهما صغيرا انفسخ النكاح لأنها إن أرضعت الزوج صار خالا لها وإن أرضعت الزوجة صارت عمته وإن تزوج ابنة خاله فأرضعت جدتها الزوج صار عم زوجته وإن أرضعتها صارت خالته وإن تزوج ابنة خالته فأرضعت الزوج صار خال زوجته وإن أرضعتها صارت خالة زوجها
فصل وإن تزوج كبيرة ثم طلقها فأرضعت صغيرة بلبنه صارت بنتا له وإن أرضعتها بلبن غيره صارت ربيبة فإن كان قد دخل بالكبيرة حرمت الصغيرة على التأبيد وإن كان لم يدخل بها لم تحرم لأنها ربيبة لم يدخل بأمها وإن تزوج صغيرة فأرضعتها امرأة حرمت المرضعة على التأبيد لأنها من أمهات نسائه وإن تزوج كبيرة وصغيرة ثم طلق الصغيرة فأرضعتها الكبيرة حرمت الكبيرة وانفسخ نكاحها وإن كان لم يدخل بها فلا مهر لها وله نكاح الصغيرة وإن كان دخل بها فلها مهرها وتحرم هي والصغيرة على التأبيد وإن طلق الكبيرة وحدها قبل الرضاع فأرضعت الصغيرة ولم يكن دخل بالكبيرة ثبت نكاح الصغيرة وإن كان دخل بها حرمت الصغيرة وانفسخ نكاحها ويرجع على الكبيرة بنصف صداقها وإن طلقهما جميعا فالحكم في التحريم على ما مضى ولو تزوج رجل كبيرة وآخر صغيرة ثم طلقاهما ونكح كل واحد منهما زوجة الآخر ثم أرضعت الكبيرة الصغيرة حرمت عليهما الكبيرة وانفسخ نكاحها وإن كان زوج الصغيرة دخل بالكبيرة حرمت عليه وانفسخ نكاحها وإلا فلا فصل وإن أرضعت بنت الكبيرة الصغيرة فالحكم في التحريم والفسخ حكم ما لو أرضعتها الكبيرة لأنها صارت جدتها والرجوع بالصداق على المرضعة التي أفسدت النكاح وإن أرضعتها أم الكبيرة انفسخ نكاحهما معا لأنهما صارتا أختين فإن كان لم يدخل بالكبيرة فله أن ينكح من شاء منهما ويرجع على المرضعة بنصف صداقهما وإن كان قد دخل بالكبيرة فله نكاحها لأن الصغيرة لا عدة عليها وليس له نكاح الصغيرة حتى تنقضي عدة الكبيرة لأنها قد صارت أختها فلا ينكحها في عدتها وكذلك الحكم إن أرضعتها جدة الكبيرة لأنها تصير عمة الكبيرة أو خالتها والجمع بينهما محرم وكذلك الحكم إن أرضعتها أختها أو زوجة أخيها بلبنه لأنها صارت بنت أخت الكبيرة أو بنت أخيه وكذلك إن أرضعتها بنت أخيها أو بنت أختها ولا يحرم في شيء من هذا واحدة منهن على التأبيد لأنه تحريم جمع إلا إذا أرضعتها بنت الكبيرة وقد دخل بأمها فصل ومن أفسد نكاح امرأة بالرضاع قبل الدخول غرم نصف صداقها وإن كان بعد الدخول ينص أحمد عن أنه يرجع عليه بالمهر كله وهو مذهب الشافعي لأن المرأة تستحق المهر كله على زوجها فترجع بما لزمه كنصف المهر في الدخول بها والصحيح إن شاء الله تعالى أنه لا يرجع على المرضعة بعد الدخول بشيء لأنها لم تقرر على الزوج شيئا ولم تلزمه إياه فلم يرجع عليها بشيء كما لو أفسدت نكاح نفسها ولأنه لو ملك الرجوع بالصداق بعد الدخول لسقط إذا كانت المرأة هي المفسدة للنكاح كالنصف قبل الدخول ولأن خروج البضع من ملك الزوج غير متقوم على ما ذكرناه فيما مضى ولذلك لا يجب مهر المثل وإنما رجع الزوج بنصف المسمى قبل الدخول لأنها قررته عليه ولذلك يسقط إذا كانت هي المفسدة نكاحها ولم يوجد ذلك هاهنا وهذا قول بعض أصحاب الشافعي ولأنه لو رجع بالمهر بعد الدخول لم يخل إما أن يكون رجوعه ببدل البضع الذي فوتته أو بالمهر الذي أداه لا يجوز أن يكون ببدل البضع لأنه لو وجب بدله لوجب له على الزوجة إذا فات بفعلها أو بقتلها ولكان الواجب لها مهر مثلها ولا يجوز أن يجب له بدل ما أداه إليها لذلك ولأنها ما أوجبته ولا لها أثر في إيجابه ولا أدائه وتقريره ولا نعلم بينهم خلافا في أنها إذا أفسدت نكاح نفسها بعد الدخول أنه لا يسقط مهرها ولا يرجع عليها بشيء إن أداه إليها ولا في أنها إذا أفسدته قبل الدخول أنه يسقط صداقها وأنه يرجع عليها بما أعطاها فلو دبت صغيرة إلى كبيرة فارتضعت منها خمس رضعات وهي نائمة وهما زوجتا رجل انفسخ نكاح الكبيرة وحرمت على التأبيد فإن كان دخل بالكبيرة حرمت الصغيرة وانفسخ نكاحها
ولا مهر للصغيرة لأنها فسخت نكاح نفسها وعليه مهر الكبيرة يرجع به على الصغيرة عند أصحابنا ولا يرجع به على ما اخترناه وإن لم يكن دخل بالكبيرة فعليه نصف صداقها يرجع به على مال الصغيرة لأنها فسخت نكاحها وإن ارتضعت الصغيرة منها رضعتين وهي نائمة ثم انتبهت الكبيرة فأتمت لها ثلاث رضعات فقد حصل الفساد بفعلهما فيتقسط الواجب عليهما وعليه مهر الكبيرة وثلاثة أعشار مهر الصغيرة يرجع به على الكبيرة وإن لم يكن دخل بالكبيرة فعليه خمس مهرها يرجع به على الصغيرة وهل ينفسخ نكاح الصغيرة على روايتين فصل وإن أفسد النكاح جماعة تسقط المهر عليهم فلو جاء خمس فسقين زوجة صغيرة من لبن أم الزوج خمس مرات انفسخ نكاحها ولزمهن نصف مهرها بينهن فإن سقتها واحدة شربتين وأخرى ثلاثا فعلى الأولى الخمس وعلى الثانية خمس وعشر وإن سقتها واحدة شربتين وسقاها ثلاث ثلاث شربات فعلى الأولى الخمس وعلى كل واحدة من الثلاث عشر وإن كان له ثلاث نسوة كبار وواحدة صغيرة فأرضعت كل واحدة من الثلاث الصغيرة أربع رضعات ثم حلبن في إناء وسقينه الصغيرة حرم الكبار وانفسخ نكاحهن فإن لم يكن دخل بهن فنكاح الصغيرة ثابت على إحدى الروايتين وعليه لكل واحدة منهن ثلث صداقها ترجع به على ضرتيها لأن فساد نكاحها حصل بفعلها وفعلهما فسقط ما قابل فعلها وهو سدس الصداق وبقي عليه الثلث فرجع به على ضرتيها فإن كان صداقهن متساويا سقط ولم يجب شيء لأنه يتقاص مالها على الزوج بما يرجع به عليها إذ لا فائدة في أن يجب لها عليه ما يرجع به عليها وإن كان مختلفا وهو من جنس واحد تقاصا منه بقدر أقلهما ووجبت الفضلة به لصاحبها وإن كان من أجناس ثبت التراجع على ما ذكرنا وإن كان قد دخل بإحدى الكبار حرمت الصغيرة أيضا وانفسخ نكاحها ووجب لها نصف صداقها ترجع به عليهن أثلاثا للتي دخل بها المهر كاملا وفي الرجوع به ما أسلفناه من الخلاف وإن حلبن في إناء فسقته إحداهن الصغيرة خمس مرات كان صداق ضراتها يرجع به عليها إن كان قبل الدخول بهن لأنها أفسدت نكاحهن ويسقط مهرها إن لم يكن دخل بها وإن كان دخل بها فلها مهرها ولا ترجع به على أحد وإن كانت كل واحدة من الكبار أرضعت الصغيرة خمس رضعات حرم الثلاث فإن كان لم يدخل بهن فلا مهر لهن عليه وإن كان دخل بهن فعليه لكل واحدة مهرها لا يرجع به على أحد وتحرم الصغيرة ويرجع بما لزمه من صداقها على المرضعة الأولى لأنها التي حرمتها عليه وفسخت نكاحها ولو أرضع الثلاث الصغيرة بلبن الزوج فأرضعتها كل واحدة رضعتين صارت بنتا لزوجها في الصحيح وينفسخ نكاحها ويرجع بنصف صداقها عليهن على المرضعتين الأوليين منه أربعة أخماسه وعلى الثالثة خمسة لأن رضعتها الأولى حصل بها التحريم لكمال الخمس بها والثانية لا أثر لها في التحريم فلم يجب عليها بها شيء ولا ينفسخ نكاح الأكابر لأنهن لم يصرن أمهات لها ولو كان لامرأته الكبيرة خمس بنات لهن لبن فأرضعن امرأته الصغيرة رضاعا تصير به إحداهن أما لها لحرمت أمها وانفسخ نكاحها وهل ينفسخ نكاح الصغيرة على روايتين وإن أرضعت كل واحدة منهن الصغيرة رضعة فالصحيح أن الكبيرة لا تحرم بهذا لأن كونها جدة يبنى على كون ابنتها أما وما صارت واحدة من بناتها أما ويحتمل أن تحرم لأنه قد كمل لها من بناتها خمس رضعات وكذلك الحكم لو أرضعتها بنتها رضعة وبنت ابنها رضعة وبنات بناتها ثلاث رضعات ولو كمل لها من زوجته بلبنه ومن أمه وأخته وابنته وابنة ابنه خمس رضعات فعلى الوجهين أصحهما لا يثبت تحريمها وفي الآخر يثبت فعلى هذا الوجه ينفسخ نكاحها ويرجع عليهن بما غرم من صداقها على قدر رضاعهن فإن قيل فلم لا يرجع عليهن على عدد رؤوسهن لكون الرضاع مفسدا فيستوي قليله وكثيره كما لو طرح النجاسة جماعة في مائع في حالة واحدة قلنا لأن التحريم يتعلق بعدد الرضعات فكان الضمان متعلقا بالعدد بخلاف النجاسة فإن التنجيس لا يتعلق بقدر فيستوي قليله وكثيره ليكون القليل والكثير سواء في الإفساد فنظير ذلك أن يشرب في الرضعة من إحداهما أكثر مما يشرب من الأخرى
فصل إذا كانت له زوجة أمة فأرضعت امرأته الصغيرة فحرمتها عليه وفسخت نكاحها كان ما لزمه من صداق الصغيرة له في رقبة الأمة لأن ذلك من جنايتها وإن أرضعتها أم ولده أفسدت نكاحها وحرمتها عليه لأنها ربيبة دخل بأمها وتحرم أم الولد عليه أبدا لأنها من أمهات نسائه ولا غرامة عليها لأنه أفسدت على سيدها فإن كان قد كاتبها رجع عليها لأن المكاتبة يلزمها أرش جنايتها وإن أرضعت أم ولده امرأة ابنه بلبنه فسخت نكاحها وحرمتها عليه لأنها صارت أخته وإن أرضعت زوجة أبيه بلبنه حرمتها عليه لأنها صارت بنت ابنه ويرجع الأب على ابنه بأقل الأمرين مما غرمه لزوجته أو قيمتها لأن ذلك من جناية أم ولده وإن أرضعت واحدة منهما بغير لبن سيدها لم تحرمها لأن كل واحدة منهما صارت بنت أم ولده مسألة قال ( ولو تزوج بكبيرة وصغيرتين فأرضعت الكبيرة الصغيرتين حرمت عليه الكبيرة وانفسخ نكاح الصغيرتين ولا مهر عليه للكبيرة ويرجع عليها بنصف صداق الصغيرتين وله أن ينكح من شاء منهما ) أما تحريم الكبيرة فلأنها صارت من أمهات النساء وأما انفساخ نكاح الصغيرتين فلأنهما صارتا أختين واجتمعتا في الزوجية فينفسخ نكاحهما كما لو أرضعتا معا ولا مهر للكبيرة لأن الفساد جاء من قبلها ويرجع عليها بنصف صداق الصغيرتين لأنها أفسدت نكاحهما وله أن ينكح من شاء منهما لأن انفساخ نكاحهما للجمع ولا يوجب تحريما مؤبدا وهذا على الرواية التي قلنا إنها إذا أرضعت الصغيرة اختص الفسخ بالكبيرة فأما على الرواية التي تقول ينفسخ نكاحهما معا فإنه يثبت نكاح الأخيرة من الصغيرتين لأن الكبيرة لما أرضعت الأولى انفسخ نكاحهما ثم أرضعت الأخرى فلم تجتمع معهما في النكاح فلم ينفسخ نكاحها فأما إن كان دخل بالكبيرة حرمت وحرمت الصغيرتان على التأبيد لأنهما ربيبتان قد دخل بأمهما فصل فإن أرضعت الصغيرتين أجنبية انفسخ نكاحهما أيضا وهذا قول أبي حنيفة والمزني وأحد قولي الشافعي وقال في الآخر ينفسخ نكاح الآخرة وحدها لأن سبب البطلان حصل بها وهو الجمع فأشبه ما لو تزوج إحدى الأختين بعد الأخرى ولنا إنه جامع بين الأختين في النكاح فانفسخ نكاحهما كما لو أرضعتهما معا وفارق ما لو عقد على واحدة بعد الأخرى فإن عقد الثانية لم يصح فلم يصر به جامعا بينهما وهاهنا حصل الجمع برضاع الثانية ولا يمكن القول بأنه لم يصح فحصلتا معا في نكاحه وهما أختان لا محالة فصل وإن أرضعتهما بنت الكبيرة فالحكم في الفسخ كما لو أرضعته الكبيرة نفسها لأن الكبيرة تصير جدة لهما ولكن الرجوع يكون على المرضعة المفسدة لنكاحهن مسألة قال ( وإن كن الأصاغر ثلاثا فأرضعتهن منفردات حرمت الكبيرة وانفسخ نكاح المرضعتين أولا وثبت نكاح آخرهن رضاعا فإن أرضعت إحداهن منفردة واثنتين بعد ذلك معا حرمت الكبيرة وانفسخ نكاح الأصاغر وتزوج من شاء من الأصاغر وإن كان دخل بالكبيرة حرم الكل عليه على الأبد ) إنما حرمت الكبيرة لأنها صارت من أمهات النساء وانفسخ نكاح المرضعتين أولا لأنهما صارتا أختين في نكاحه وثبت نكاح الأخيرة لأن رضاعها بعد انفساخ نكاح الصغيرتين اللتين قبلها فلم يصادف إخوتها جميعا في النكاح وإن أرضعت إحداهن منفردة واثنتين بعد ذلك معا بأن تلقم كل واحدة منهما ثديا فيمتصان معا أو تحلب من لبنها في إناء فتسقيهما انفسخ نكاح الجميع لأنهن صرت أخوات في نكاحه وله أن يتزوج من شاء من الأصاغر لأن تحريمهن تحريم جمع لا تحريم تأبيد فإنهن ربائب لم يدخل بأمهن وإن دخل بالكبيرة حرم الكل على الأبد لأنهن ربائب مدخول بأمهن هذا على الرواية الأولى وعلى الأخرى لما أرضعت الأولى انفسخ نكاحها ونكاح الكبيرة لأنها صارت أمها واجتمعتا في نكاحه ثم ارتضعت الثانية فلم ينفسخ نكاحها لأنها منفردة بالرضاع في النكاح فلما أرضعت الثالثة صارتا أختين فانفسخ نكاحهما
فصل فإن أرضعتهن بنت الكبيرة فهو كما لو أرضعتهن أمها ولو كان لها ثلاث بنات فأرضعت كل واحدة منهن زوجة من الأصاغر حرمت الكبيرة بإرضاع أولاهن ويرجع على مرضعتها بما لزمه من مهرها لأنها أفسدت نكاحها ولا ينفسخ نكاح الأصاغر لأنهن لم يصرن أخوات وإنما هن بنات خالات وعلى الرواية الأخرى ينفسخ نكاح المرضعة الأولى لاجتماعها مع جدتها في النكاح ويثبت نكاح الأخيرتين ويرجع بما لزمه من مهر التي فسد نكاحها على التي أرضعتها وإن كان دخل بالكبيرة حرم الكل عليه على الأبد ورجع على كل واحدة بما لزمه من مهر التي أرضعتها وإن قلنا إنه يرجع بمهر الكبيرة رجع به على المرضعة الأولى لأنها التي أفسدت نكاحها مسألة قال ( وإن شهدت امرأة واحدة على الرضاع حرم النكاح إذا كانت مرضية وقد روي عن أبي عبد الله رحمه الله رواية أخرى إن كانت مرضية استحلفت فإن كانت كاذبة لم يحل الحول حتى تبيض ثدياها وذهب في ذلك إلى قول ابن عباس رضي الله عنهما ) وجملة ذلك أن شهادة المرأة الواحدة مقبولة في الرضاع إذا كانت مرضية وبهذا قال طاوس والزهري والأوزاعي وابن أبي ذئب وسعيد بن عبد العزيز وعن أحمد رواية أخرى لا يقبل إلا شهادة امرأتين وهو قول الحكم لأن الرجال أولى من النساء ولا يقبل إلا شهادة رجلين فالنساء أولى وعن أحمد رواية ثالثة أن شهادة المرأة الواحدة مقبولة وتستحلف مع شهادتها وهو قول ابن عباس وإسحاق لأن ابن عباس قال في امرأة زعمت أنها أرضعت رجلا وأهله فقال إن كانت مرضية استحلفت وفارق امرأته وقال إن كانت كاذبة لم يحل الحلو حتى تبيض ثدياها يعني يصيبها فيها برص عقوبة على كذبها وهذا لا يقتضيه قياس ولا يهتدي إليه رأي فالظاهر أنه لا يقوله إلا توقيفا وقال عطاء وقتادة والشافعي لا يقبل من النساء أقل من أربع لأن كل امرأتين كرجل وقال أصحاب الرأي لا يقبل فيه إلا رجلان أو رجل وامرأتان وروي ذلك عن عمر لقول الله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان البقرة 282 ولنا ما روى عقبة بن الحارث قال تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب فجاءت أمة سوداء فقالت قد أرضعتكما فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال وكيف وقد زعمت ذلك متفق عليه وفي لفظ رواه النسائي قال فأتيته من قبل وجهه فقلت إنها كاذبة قال كيف وقد زعمت أنها قد أرضعتكما خل سبيلها وهذا يدل على الاكتفاء بالمرأة الواحدة وقال الزهري فرق بين أهل أبيات في زمن عثمان رضي الله عنه بشهادة امرأة في الرضاع وقال الأوزاعي فرق عثمان بين أربعة وبين نسائهم بشهادة امرأة في الرضاع وقال الشعبي كانت القضاة تفرق بين الرجل والمرأة بشهادة امرأة واحدة في الرضاع ولأن هذا شهادة على عورة فقبل فيها شهادة النساء المنفردات كالولادة وعلى الشافعي بأنه معنى قبل فيه قول النساء المنفردات فقبل فيه شهادة المرأة المنفردة كالخبر فصل ويقبل فيه شهادة المرضعة على فعل نفسها لما ذكرنا من حديث عقبة من أن الأمة السوداء قالت قد أرضعتكما فقبل النبي صلى الله عليه وسلم شهادتها ولأنه فعل لا يحصل لها به نفع مقصود ولا تدفع عنها به ضررا فقبلت شهادتها به كفعل غيرها فإن قيل فإنها تستبيح الخلوة به والسفر معه وتصير محرما له قلنا ليس هذا من الأمور المقصودة التي ترد بها الشهادة ألا ترى أن رجلين لو شهدا أن فلانا طلق زوجته وأعتق أمته قبل شهادتهما وإن كان يحل لهما نكاحهما بذلك فصل ولا تقبل الشهادة على الرضاع إلا مفسرة فلو قالت أشهد أن هذا ابن هذه من الرضاع لا تقبل لأن الرضاع المحرم يختلف الناس فيه منهم من يحرم بالقليل ومنهم من يحرم بعد الحولين فلزم الشاهد تبيين كيفيته ليحكم الحاكم فيه باجتهاده فيحتاج الشاهد أن يشهد أن هذا ارتضع من ثدي هذه خمس رضعات متفرقات خلص اللبن فيهن إلى جوفه في الحولين
فإن قيل خلوص اللبن إلى جوفه لا طريق له إلى مشاهدته فكيف تجوز الشهادة قلنا إذا علم أن هذه المرأة ذات لبن ورأى الصبي قد التقم ثديها وحرك فمه في الامتصاص وحلقه في الاجتراع حصل ظن يقرب إلى اليقين أن اللبن قد وصل إلى جوفه وما يتعذر الوقوف عليه بالمشاهدة اكتفى فيه بالظاهرة كالشهادة بالملك وثبوت الدين في الذمة والشهادة على النسب بالاستفاضة ولو قال الشاهد ادخل رأسه تحت ثيابها والتقم ثديها لا يقبل لأنه قد يدخل رأسه ولا يأخذ الثدي وقد يأخذ الثدي ولا يمص فلا بد من ذكر ما يدل عليه وإن قال أشهد أن هذه أرضعت هذا فالظاهر أنه يكتفي في ثبوت أصل الرضاع لأن المرأة التي قالت قد أرضعتكما اكتفي بقولها مسألة قال ( وإذا تزوج امرأة ثم قال قبل الدخول هي أختي من الرضاعة انفسخ النكاح فإن صدقته المرأة فلا مهر لها وإن كذبته فلها نصف المهر ) وجملته أن الزوج إذا أقر أن زوجته من الرضاعة انفسخ نكاحه ويفرق بينهما وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة إذا قال وهمت أو أخطأت قبل قوله لأن قوله ذلك يتضمن أنه لم يكن بينهما نكاح ولو جحد النكاح ثم أقر به قبل كذلك هاهنا ولنا إنه أقر بما يتضمن تحريمها عليه فلم يقبل رجوعه عنه كما لو أقر بالطلاق ثم رجع أو أقر أن أمته أخته من النسب وما قاسوا عليه غير مسلم وهذا الكلام في الحكم فأما فيما بينه وبين ربه فينبني ذلك على علمه بصدقه فإن علم أن الآمر كما قال فهي محرمة عليه ولا نكاح بينهما وإن علم كذب نفسه فالنكاح باق بحاله وقوله كذب لا يحرمها عليه لأن المحرم حقيقة الرضاع لا القول وإن شك في ذلك لم تزل عن اليقين بالشك وقيل في حلها له إذا علم كذب نفسه روايتان والصحيح ما قلناه لأن قوله ذلك إذا كان كذبا لم يثبت التحريم كما لو قال لها وهي أكبر منه هي ابنتي من الرضاعة إذا ثبت هذا فإنه إن كان قبل الدخول وصدقته المرأة فلا شيء لها لأنهما اتفقا على نكاح فاسد من أصله لا يستحق فيه مهر فأشبه ما لو ثبت ذلك ببينة وإن أكذبته فالقول قولها لأن قوله غير مقبول عليها في إسقاط حقوقها فلزمه إقراره فيما هو حق له وهو تحريمها عليه وفسخ نكاحه ولم يقبل قوله فيما عليه من المهر فصل فإن قال هي عمتي أو خالتي أو ابنة أخي أو أختي أو أمي من الرضاع وأمكن صدقه فالحكم فيه كما لو قال هي أختي وإن لم يمكن صدقه مثل أن يقول لأصغر منه أو لمثله هي أمي أو لأكبر منه أو لمثله هذه ابنتي لم تحرم عليه وبهذا قال الشافعي وقال أبو يوسف ومحمد تحرم عليه لأنه إقرار بما يحرمها عليه فوجب أن يقبل كما لو أمكن ولنا إنه أقر بما تحقق كذبه فيه فأشبه ما لو قال أرضعتني وإياها حواء أو كما لو قال هذه حواء وما ذكروه منتقض بهذه الصور ويفارق ما إذا أمكن فإنه لا يتحقق كذبه والحكم في الإقرار بقرابة من النسب تحرمها عليه كالحكم في الإقرار بالرضاع لأنه في معناه فصل إذا ادعى أن زوجته أخته من الرضاع فأنكرته فشهدت بذلك أمه أو ابنته لم تقبل شهادتهما لأن شهادة الوالدة لولدها والوالد لولده غير مقبولة وإن شهدت بذلك أمها أو ابنتها قبلت وعنه لا يقبل بناء على شهادة الوالد على ولده والوالد على والده وفي ذلك روايتان وإن ادعت ذلك المرأة وأنكره الزوج فشهدت لها أمها أو ابنتها لم تقبل وإن شهدت لها أم الزوج أو ابنته فعلى روايتين مسألة قال ( وإن كانت المرأة هي التي قالت هو أخي من الرضاعة فأكذبها فلم تأت بالبينة على ما وصفت فهي زوجته في الحكم )
وجملته أن المرأة إذا أقرت أن زوجها أخوها من الرضاعة فأكذبها لم يقبل قولها في فسخ النكاح لأنه حق عليها فإن كان قبل الدخول فلا مهر لها لأنها تقر بأنها لا تستحقه فإن كانت قد قبضته لم يكن للزوج أخذه منها لأنه يقر بأنه حق لها وإن كان بعد الدخول فأقرت أنها كانت عالمة بأنها أخته وبتحريمها عليه ومطاوعة له في الوطء فلا مهر لها أيضا لإقرارها بأنها زانية مطاوعة وإن أنكرت شيئا من ذلك فلها المهر لأنه وطء بشبهة وهي زوجته في ظاهر الحكم لأن قولها عليها غير مقبول فأما فيما بينها وبين الله تعالى فإن علمت صحة ما أقرت به لم يحل لها مساكنته وتمكينه من وطئها وعليها أن تفر منه وتفتدي نفسها بما أمكنها لأن وطأه لها زنا فعليها التخلص منه مهما أمكنها كما قلنا في التي علمت أن زوجها طلقها ثلاثا وجحدها ذللك وينبغي أن يكون الواجب لها من المهر بعد الدخول أقل الأمرين من المسمى أو مهر المثل لأنه إن كان المسمى أقل فلا يقبل قولها في وجوب زائد عليه وإن كان الأقل مهر المثل لم تستحق أكثر منه لاعترافها بأن استحقاقها له بوطئها لا بالعقد فلا تستحق أكثر منه وإن كان إقرارها لم يصادف زوجية عليها يبطلها فقبل إقرارها على نفسها بتحريمه عليه وكذلك لو أقر الرجل أن هذه أخته من الرضاع أو محرمة عليه برضاع أو غيره وأمكن صدقه لم يحل له تزويجها فيما بعد ذلك في ظاهر الحكم وأما فيما بينه وبين الله تعالى فينبني على علمه بحقيقة الحال على ما ذكرناه فصل وإن ادعى أحد الزوجين على الآخر أنه أقر أخو صاحبه من الرضاع فأنكر لم يقبل في ذلك شهادة النساء المنفردات لأنها شهادة على الإقرار والإقرار مما يطلع عليه الرجال فلم يحتج فيه إلى شهادة النساء المنفردات فلم يقبل ذلك بخلاف الرضاع نفسه فصل كره أبو عبد الله الارتضاع بلبن الفجور والمشركات وقال عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما اللبن يشتبه فلا تستق من يهودية ولا نصرانية ولا زانية ولا يقبل أهل الذمة المسلمة ولا يرى شعورهن ولأن لبن الفاجرة ربما أفضى إلى شبه المرضعة في الفجور ويجعلها أما لولده فيتعير بها ويتضرر طبعا وتعيرا والارتضاع من المشركة يجعلها أما لها حرمة الأم مع شركها وربما مال إليها في محبة دينها ويكره الارتضاع بلبن الحمقاء كي لا يشبهها الولد في الحمق فإنه يقال إن الرضاع يغير الطباع والله تعالى أعلم كتاب النفقات نفقة الزوجة واجبة بالكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها الطلاق 7 ومعنى قدر عليه أي ضيق عليه ومنه قوله سبحانه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر الرعد 26 أي يوسع على من يشاء ويضيق على من يشاء وقال الله تعالى قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم الأحزاب 50 وأما السنة فما روى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة ولهن عليكن رزقهن وكسوتهن بالمعروف رواه مسلم وأبو داود ورواه الترمذي بإسناده عن عمرو بن الأحوص قال ألا إن لكم على نسائكم حقا ولنسائكم عليكم حقا فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن وقال هذا حديث حسن صحيح وجاءت هند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي فقال خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف متفق عليه وفيه دلالة على وجوب النفقة لها على زوجها وأن ذلك مقدر بكفايتها وأن نفقة ولده عليه دونها مقدر بكفايتهم وأن ذلك بالمعروف وأن لها أن تأخذ ذلك بنفسها من غير علمه إذا لم يعطها إياه
وأما الإجماع فاتفق أهل العلم على وجوب نفقات الزوجات على أزواجهن إذا كانوا بالغين إلا الناشز منهن ذكره ابن المنذر وغيره وفيه ضرب من العبرة وهو أن المرأة محبوسة على الزوج يمنعها من التصرف والاكتساب فلا بد من أن ينفق عليها كالعبد مع سيده مسألة قال أبو القاسم رحمه الله تعالى ( وعلى الزوج نفقة زوجته ما لا غناء بها عنه وكسوتها ) وجملة الأمر أن المرأة إذا اسلمت نفسها إلى الزوج على الوجه فلها عليه جميع حاجتها من مأكول ومشروب وملبوس ومسكن قال أصحابنا ونفقتها معتبرة بحال الزوجين جميعا فإن كانا موسرين فلها عليه نفقة الموسرين وإن كانا معسرين فعليه نفقة المعسرين وإن كانا متوسطين فلها عليه نفقة المتوسطين وإن كان أحدهما موسرا والآخر معسرا فعليه نفقة المتوسطين أيهما كان الموسر وقال أبو حنيفة ومالك يعتبر حال المرأة على قدر كفايتها لقول الله تعالى وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف البقرة 233 والمعروف الكفاية ولأنه سوى بين النفقة والكسوة والكسوة على قدر حالها فكذلك النفقة وقال النبي صلى الله عليه وسلم لهند خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف فاعتبر كفايتها دون حالل زوجها ولأن نفقتها واجبة لدفع حاجتها فكان الاعتبار بما تندفع به حاجتها دون حال من وجبت عليه كنفقة المماليك ولأنه واجب للمرأة على زوجها بحكم الزوجية لم يقدر فكان معتبرا بها كمهرها وكسوتها وقال الشافعي الاعتبار بحال الزوج وحده لقول الله تعالى لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها الطلاق 7 ولنا إن فيما ذكرناه جمعا بين الدليلين وعملا بكلا النصين ورعاية لكلا الجانبين فيكون أولى فصل والنفقة مقدرة بالكفاية وتختلف باختلاف من تجب له النفقة في مقدارها وبهذا قال أبو حنيفة ومالك وقال القاضي هي مقدرة بمقدار لا يختلف في القلة والكثرة والواجب رطلان من الخبز في كل يوم في حق الموسر والمعسر اعتبارا بالكفارات وإنما يختلفان في صفته وجودته لأن الموسر والمعسر سواء في قدر المأكول وفيم تقوم به البينة وإنما يختلفان في جودته فكذلك النفقة الواجبة وقال الشافعي نفقة المقتر مد بمد النبي صلى الله عليه وسلم لأن أقل ما يدفع في الكفارة إلى الواحد مد والله سبحانه اعتبر الكفارة بالنفقة على الأهل فقال سبحانه من أوسط ما تطعمون أهليكم المائدة 89 وعلى الموسر مدان لأن أكثر ما أوجب الله سبحانه للواحد مدين في كفارة الأذى وعلى المتوسط مد ونصف ونصف نفقة الموسر ونصف نفقة الفقير ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لهند خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف فأمرها بأخذ ما يكفيها من غير تقدير ورد الاجتهاد في ذلك إليها ومن المعلوم أن قدر كفايتها لا ينحصر في المدين بحيث لا يزيد عنهما ولا ينقص ولأن الله تعالى قال وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف البقرة 233 وقال النبي صلى الله عليه وسلم ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف وإيجاب أقل من الكفاية من الرزق ترك للمعروف وإيجاب قدر الكفاية وإن كان أقل من مد أو من رطلي خبز اتفاق بالمعروف فيكون ذلك هو الواجب بالكتاب والسنة واعتبار النفقة بالكفارة في القدر لا يصح لأن الكفارة لا تخلتف باليسار والإعسار ولا هي مقدرة بالكفارة وإنما اعتبرها الشرع بها في الجنس دون القدر ولهذا لا يجب فيها الأدم فصل ولا يجب فيها الحب وقال الشافعي الواجب فيها الحب اعتبارا بالإطعام في الكفارة حتى لو دفع إليها دقيقا أو سويقا أو خبزا لم يلزمها قبوله كما لا يلزم ذلك المسكين في الكفارة قال بعضهم يجيء على قول أصحابنا إنه لا يجوز وإن تراضيا لأنه بيع حنطة بجنسهم متفاضلا ولنا قول ابن عباس في قوله تعالى من أوسط ما تطعمون أهليكم المائدة 89 قال الخبز والزيت وعن ابن عمر الخبز والسمن والخبز والزيت والخبز والتمر ومن أفضل ما تطعمونهن الخبز واللحم
ففسر إطعام الأهل بالخبز مع غيره من الأدم ولأن الشرع ورد بالإنفاق مطلقا من غير تقييد ولا تقدير فوجب أن يرد إلى العرف كما في القبض والإحراز وأهل العرف إنما يتعارفون فيما بينهم في الإنفاق على أهليهم الخبز والأدم دون الحب والنبي صلى الله عليه وسلم وصحابته إنما كانوا ينفقون ذلك دون ما ذكروه فكان ذلك هو الواجب ولأنها نفقة قدرها الشرع بالكفاية فكان الواجب الخبز كنفقة العبد ولأن الحب تحتاج فيه إلى طحنه وخبزه فمتى احتاجت إلى تكلف ذلك من مالها لم تحصل الكفاية بنفقته وفارق الإطعام هم الكفارة لأنها لا تقدر بالكفاية ولا يجب فيها الأدم فعلى هذا لو طلبت مكان الخبز دراهم أو حبا أو دقيقا أو غير ذلك لم يلزمه بذله ولو عرض عليها بدل الواجب لها لم يلزمها قبوله لأنها معاوضة فلا يجبر واحد منهما على قبوله كالبيع وإن تراضيا على ذلك جاز لأنه طعام وجب في الذمة لآدمي معين فجازت المعاوضة عنه كالطعام في القرض ويفارق الطعام في الكفارة لأنه حق الله تعالى وليس هو لآدمي معين فيرضى بالعوض عنه وإن أعطاها مكان الخبز حبا أو دقيقا جاز إذا تراضيا عليه لأن هذا ليس بمعاوضة حقيقة فإن الشارع لم يعتبر الواجب بأكثر من الكفاية فبأي شيء حصلت الكفاية كان ذلك هو الواجب وإنما صرنا إلى إيجاب الخبز عند الاختلاف لترجحه بكونه القوت المعتاد فصل ويرجع في تقدير الواجب إلى اجتهاد الحاكم أو نائبه إن لم يتراضيا على شيء فيفرض للمرأة قدر كفايتها من الخبز والأدم فيفرض للموسرة تحت قدر حاجتها من أرفع خبز البلد الذي يأكله أمثالهما وللمعسرة تحت المعسر قدر كفايتها من أدنى خبز البلد وللمتوسطة تحت المتوسطة من أوسطه لكل أحد على حسب حاله على ما جرت به العادة في حق أمثاله وكذلك الأدم للموسرة تحت الموسر قدر حاجتها من أرفع الأدم من اللحم والأرز واللبن وما يطبح به اللحم والدهن على اختلاف أنواعه في بلدانه السمن في موضع والزيت في آخر والشيرج في آخر وللمعسرة تحت المعسر من الأدم أدونه كالباقلا والخل والبقل والكامخ وما جرت به عادة أمثالهم وما يحتاج إليه من الدهن وللمتوسطة تحت المتوسط أوسط ذلك من الخبز والأدم كل على حسب عادته وقال الشافعي الواجب من جنس قوت البلدة لا يختلف باليسار والإعسار سوى المقدار والأدم هو الدهن خاصة لأنه أصلح للأبدان وأجود في المؤنة لأنه لا يحتاج إلى طبخ وكلفة ويعتبر الأدم بغالب عادة أهل البلد كالزيت بالشام والشيرج بالعراق والسمن بخراسان ويعتبر قدر الأدم بالقوت فإذا قيل إن الرطل تكفيه الأوقية من الدهن فرض ذلك وفي كل يوم جمعة رطل لحم كان في موضع يرخص اللحم زادها على الرطل شيئا وذكر القاضي في الأدم مثل هذا وهذا مخالف لقول الله تعالى لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله الطلاق 7 ولقول النبي صلى الله عليه وسلم ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ومتى أنفق الموسر نفقة المعسر فما أنفق من سعته ولا رزقها بالمعروف وقد فرق الله عز وجل بين الموسر والمعسر في الإنفاق في هذا جمع بين ما فرق الله تعالى وتقدير الأدم بما ذكروه تحكم لا دليل عليه وخلاف العادة والعرف بين الناس في إنفاقهم فلا يعرج على مثل هذا وقد قال ابن عمر من أفضل ما تطعمون أهليكم الخبز واللحم والصحيح ما ذكرناه من رد النفقة المطلقة في الشرع إلى العرف فيما بين الناس في نفقاتهم في حق الموسر والمعسر والمتوسط كما رددناهم في الكسوة إلى ذلك ولأن النفقة من مؤنة المرأة على الزوج فاختلف جنسها بالإيثار والإعسار كالكسوة فصل وحكم المكاتب والعبد حكم المعسر لأنهما ليسا بأحسن حالا منه ومن نصفه حر إن كان موسرا فحكمه حكم المتوسط لأنه متوسط نصفه موسر ونصفه معسر
فصل ويجب للمرأة ما تحتاج إليه من المشط والدهن لرأسها والسدر أو نحوه مما تغسل به رأسها وما يعود بنظافتها لأن ذلك يراد للتنظيف فكان عليه كما أن على المستأجر كنس الدار وتنظيفها فأما الخضاب فإنه إن لم يطلبه الزوج منها لم يلزمه لأنه يراد للزينة وإن طلبه منها فهو عليه وأما الطيب فما يراد منه لقطع السهولة كدواء العرق لزمه لأنه يراد للتطيب وما يراد منه للتلذذ والاستمتاع لم يلزمه لأن الاستمتاع حق له فلا يجب عليه ما يدعوه إليه ولا يجب عليه شراء الأدوية ولا أجرة الطبيب لأنه يراد لإصلاح الجسم فلا يلزمه كما لا يلزم المستأجر بناء ما يقع من الدار وحفظ أصولها وكذلك أجرة الحجام والفاصد فصل وتجب عليه كسوتها بإجماع أهل العلم لما ذكرنا من النصوص ولأنها لا بد منها على الدوام فلزمته كالنفقة وهي معتبرة بكفايتها وليست مقدرة بالشرع كما قلنا في النفقة ويوافق أصحاب الشافعي على هذا ويرجع في ذلك إلى اجتهاد الحاكم فيفرض لها على قدر كفايتها على قدر يسرهما وعسرهما وما جرت عادة أمثالهما به من الكسوة فيجتهد الحاكم في ذلك عند نزول الأمر كنحو اجتهاده في المتعة للمطلقة وكما قلنا في النفقة فيفرض للموسرة تحت الموسر من أرفع ثياب البلد من الكتان والخبز والأبريسم وللمعسرة تحت المعسر غليظ القطن والكتان وللمتوسطة تحت المتوسط من ذلك فأقل ما يجب من ذلك قميص وسراويل ومقنعة ومداس وجبة للشتاء ويزيد من عدد الثياب ما جرت العادة بلبسه مما لا غنى عنه دون ما للتجمل والزينة والأصل في هذا قول الله عز وجل وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف البقرة 233 وقول النبي صلى الله عليه وسلم لهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف والكسوة بالمعروف هي الكسوة التي جرت عادة أمثالها بلبسه وقول النبي صلى الله عليه وسلم لهند خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف فصل وعليه لها ما تحتاج إليه للنوم من الفراش واللحاف والوسادة كل على حسب عادته فإن كانت ممن عادته النوم في الأكسية والبساط فعليه لها لنومها ما جرت عادتهم به ولجلوسها بالنهار البساط والزلى والحصير الرفيع أو الخشن والموسر على حسب إيساره والمعسر على قدر إعساره على حسب العوائد فصل ويجب لها مسكن بدليل قوله سبحانه وتعالى أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم الطلاق 6 فإذا وجبت السكنى للمطلقة فللتي في صلب النكاح أولى قال الله تعالى وعاشروهن بالمعروف النساء 19 ومن المعروف أن يسكنها في مسكن ولأنها لا تستغني عن المسكن للاستتار عن العيون وفي التصرف والاستمتاع وحفظ المتاع وبكون المسكن على قدر يسارهما وإعسارهما لقول الله تعالى من وجدكم ولأنه واجب لها لمصلحتها في الدوام فجرى مجرى النفقة والكسوة فصل فإن كانت المرأة ممن لا تخدم نفسها لكونها من ذوي الأقدار أو مريضة وجب لها خادم لقوله تعالى وعاشروهن بالمعروف النساء 19 ومن العشرة بالمعروف أن يقيم لها خادما ولأنه مما تحتاج إليه في الدوام فأشبه النفقة ولا يجب لها أكثر من خادم واحد لأن المستحق خدمتها في نفسها ويحصل ذلك بواحد وهذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي إلا أن مالكا قال إن كان لا يصلح للمرأة إلا أكثر من خادم فعليه أن ينفق على أكثر من واحد ونحوه قال أبو ثور إذا احتمل الزوج ذلك فرض لخادمين ولنا إن الخادم الواحد يكفيها لنفسها والزيادة تراد لحفظ ملكها أو للتجمل وليس عليه ذلك إذ ثبت هذا فلا يكون الخادم إلا ممن يحل له النظر إليها إما امرأة وإما ذو رحم محرم لأن الخادم يلزم المخدوم في غالب أحواله فلا يسلم من النظر وهل يجوز أن يكون من أهل الكتاب فيه وجهان الصحيح منهما جوازه لأن استخدامهم مباح وقد ذكرنا فيما مضى أن الصحيح إباحة النظر لهم
والثاني لا يجوز لأن في إباحة نظرهم اختلافا وتعافهم النفس ولا يتنظفون من النجاسة ولا يلزم الزوج أن يملكها خادما لأن المقصود الخدمة فإذا حصلت من غير تمليك جاز كما أنه إذا أسكنها دارا بأجرة جاز ولا يلزمه تمليكها مسكنا فإن ملكها الخادم فقد زاد خيرا وإن أخدمها من يلازم خدمتها من غير تمليك جاز سواء كان له أو استأجره حرا كان أو عبدا وإن كان الخادم لها فرضيت بخدمته لها ونفقته على الزوج جاز وإن طلبت منه أجرة خادمها فوافقها جاز وإن قال لا أعطيك أجر هذا ولكن أنا آتيك بخادم سواه فله ذلك إذا أتاها بمن يصلح وإن قالت أنا أخدم نفسي وآخذ الخادم لم يلزم الزوج قبول ذلك لأن الأجر عليه فتعيين الخادم إليه ولأن في إخدامها توفيرها على حقوقه وترفيهها ورفع قدرها وذلك يفوت بخدمتها لنفسها وإن قال الزوج أنا أخدمك بنفسي لم يلزمها لأنها تحتشمه وفيه غضاضة عليها لكون زوجها خادما وفيه وجه آخر أنه يلزمها الرضى به لأن الكفاية تحصل به فصل وعلى الزوج نفقة الخادم ومؤنته من الكسوة والنفقة مثل ما لامرأة المعسر إلا أنه لا يجب لها المشط والدهن لرأسها والسدر لأن ذلك يراد للزينة والتنظيف ولا يراد ذلك من الخادم لكن إن احتاجت إلى خف لتخرج إلى شراء الحوائج لزمه ذلك مسألة قال ( فإن منعها ما يجب لها أو بعضه وقدرت له على مال أخذت منه مقدار حاجتها بالمعروف كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لهند حين قالت إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي فقال خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ) وجملته أن الزوج إذا لم يدفع إلى امرأته ما يجب لها عليه من النفقة والكسوة أو دفع إليها أقل من كفايتها فلها أن تأخذ من ماله الواجب أو تمامه بإذنه وبغير إذنه بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم لهند خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف وهذا إذن لها في الأخذ من ماله بغير إذنه ورد لها إلى اجتهادها في قدر كفايتها وكفاية ولدها وهو متناول لأخذ تمام الكفاية فإن ظاهر الحديث دل على أنه قد كان يعطيها بعض الكفاية ولا يتممها لها فرخص النبي صلى الله عليه وسلم لها فيه أخذ تمام الكفاية بغير علمه لأنه موضع حاجة فإن النفقة لا غنى عنها ولا قوام إلا بها فإذا لم يدفعها الزوج ولم تأخذها أفضى إلى ضياعها وهلاكها فرخص لها في أخذ قدر نفقتها دفعا لحاجتها ولأن النفقة تتجدد بتجدد الزمان شيئا فشيئا فتشق المرافعة إلى الحاكم والمطالبة بها في كل الأوقات فلذلك رخص لها في أخذها بغير إذن من هي عليه وذكر القاضي بينها وبين الدين فرقا آخر وهو أن نفقة الزوجة تسقط بفوات وقتها عند بعض أهل العلم ما لم يكن فرضها لها فلو لم تأخذ حقها أفضى إلى سقوطها والإضرار بها بخلاف الدين فإنه لا يسقط عند أحد بترك المطالبة فلا يؤدي ترك الأخذ إلى الإسقاط فصل ويجب عليه دفع نفقتها إليها في صدر نهار كل يوم إذا طلعت الشمس لأنه أول وقت الحاجة فإن اتفقا على تأخيرها جاز لأن الحق لها فإذا رضيت بتأخيره جاز كالدين وإن اتفقا على تعجيل نفقة عام أو شهر أو أقل من ذلك أو أكثر أو تأخيره جاز لأن الحق لهما لا يخرج عنهما فجاز من تعجيله وتأخيره ما اتفقا عليه كالدين وليس بين أهل العلم في هذا خلاف علمناه
فإن سلم إليها نفقة يوم ثم ماتت فيه لم يرجع عليها بها لأنه دفع إليها ما وجب عليه دفعه إليها وإن أبانها بعد وجوب الدفع إليها لم تسقط نفقتها فيه ولها مطالبته بها لأنها قد وجبت فلم تسقط بالطلاق كالدين وإن عجل لها نفقة شهر أو عام ثم طلقها أو ماتت قبل انقضائه أو بانت بفسخ أو إسلام أحدهما أو ردته فله أن يسترجع نفقة سائر الشهور وبه قال الشافعي ومحمد بن الحسن وقال أبو حنيفة وأبو يوسف لا يسترجعها لأنها صلة فإذا قبضتها لم يكن له الرجوع فيها كصدقة التطوع ولنا إنه سلم إليها النفقة سلفا عما يجب في الثاني فإذا وجد ما يمنع الوجوب ثبت الرجوع كما لو أسلفها إياها فنشزت أو عجل الزكاة إلى الساعي فتلف ماله قبل الحول وقولهم إنها صلة قلنا بل هي عوض عن التمكين وقد فات التمكين وذكر القاضي أن زوج الوثنية والمجوسية إذا دفع إليها نفقة سنتين ثم بانت بإسلامه فإن لم يكن أعلمها أنها نفقة عجلها لها لم يرجع عليها لأن الظاهر أنه تطوع بها وإن أعلمها ذلك انبنى على معجل الزكاة إذا أعلم الفقير أنها زكاة معجلة ثم تلف المال وفي الرجوع بها وجهان كذلك هاهنا وكذلك ينبغي أن يكون في سائر الصور مثل هذا لأنه تبرع بدفع ما لا يلزمه غير إعلام الآخذ بتعجيله فلم يرجع به كمعجل الزكاة ولو سلم إليها نفقة اليوم فسرقت أو تلفت لم يلزمه عوضها لأنه برىء من الواجب بدفعه فأشبه ما لو تلفت الزكاة بعد قبض الساعي لها أو الدين بعد أخذ صاحبه له فصل وإذا دفع إليها نفقتها فلها أن تتصرف فيها بما أحبت من الصدقة والهبة والمعارضة ما لم يعد ذلك عليها بضرر في بدنها وضعف في جسمها لأنه حق لها فلها التصرف فيه بما شاءت كالمهر وليس لها التصرف فيها على وجه يضر بها لأن فيه تفويت حقه منها ونقصا في استمتاعه بها فصل وعليه دفع الكسوة إليها في كل عام مرة لأنها العادة ويكون الدفع إليها في أوله لأنه أول وقت الوجوب فإن بليت الكسوة في الوقت الذي يبلى فيه مثلها لزمه أن يدفع إليها كسوة أخرى لأن ذلك وقت الحاجة إليها وإن بليت قبل ذلك لكثرة دخولها وخروجها أو استعمالها لم يلزمه إبدالها لأن ليس بوقت الحاجة إلى الكسوة في العرف وإن مضى الزمان الذي تبلى في مثله بالاستعمال المعتاد ولم تبل فهل يلزمه بدلها فيه وجهان أحدهما لا يلزمه بدلها لأنها غير محتاجة إلى الكسوة والثاني يلزمه لأن الاعتبار بمضي الزمان دون حقيقة الحاجة بدليل أنها لو بليت قبل ذلك لم يلزمه بدلها ولو أهدى إليها كسوة لم تسقط كسوتها وإن أهدى إليها طعام فأكلته وبقي قوتها إلى الغد لم يسقط قوتها فيه وإن كساها ثم طلقها قبل أن تبلى فهل له أن يسترجعها فيه وجهان أحدهما له ذلك لأنه دفعها للزمان المستقبل فإذا طلقها قبل مضيه كان له استرجاعها كما لو دفع إليها نفقة مدة ثم طلقها قبل انقضائها والثاني ليس له الاسترجاع لأنه دفع إليها الكسوة بعد وجوبها عليه فلم يكن له الرجوع فيها كما لو دفع إليها النفقة بعد وجوبها ثم طلقها قبل أكلها بخلاف النفقة المستقبلة فصل وإذا دفع إليها كسوتها فأرادت بيعها أو التصدق بها وكان ذلك يضر بها أو يخل بتجملها بها أو بسترتها لم تملك ذلك كما لو أرادت الصدقة بقوتها على وجه يضر بها وإن لم يكن في ذلك ضرر احتمل الجواز لأنها تملكها فأشبهت النفقة واحتمل المنع لأن له استرجاعها لو طلقها في أحد الوجهين بخلاف النفقة فصل والذمية كالمسلمة في النفقة والمسكن والكسوة في قول عامة أهل العلم وبه يقول مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي لعموم النصوص والمعنى مسألة قال ( فإذا منعها ولم تجد ما تأخذه واختارت فراقه فرق الحاكم بينهما )
وجملته أن الرجل إذا منع امرأته النفقة لعسرته وعدم ما ينفقه فالمرأة مخيرة بين الصبر عليه وبين فراقه وروي نحو ذلك عن عمر وعلي وأبي هريرة وبه قال سعيد بن المسيب والحسن وعمر بن عبد العزيز وربيعة وحماد ومالك ويحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وذهب عطاء والزهري وابن شبرمة وأبو حنيفة وصاحباه إلى أنها لا تملك فراقه بذلك ولكن يرفع يده عنها لتكتسب لأنه حق لها عليه فلا يفسخ النكاح لعجزه عنه كالدين وقال العنبري يحبس إلى أن ينفق ولنا قول الله تعالى فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان البقرة 229 وليس الإمساك مع ترك الإنفاق إمساكا بمعروف فيتعين التسريح وروى سعيد عن سفيان عن ابن أبي الزناد قال سألت سعيد بن المسيب عن الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته أيفرق بينهما قال نعم قال سنة قال سنة وهذا ينصرف إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ابن المنذر ثبت أن عمر بن الخطاب كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم فأمرهم بأن ينفقوا أو يطلقوا فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما مضى ولأنه إذا ثبت الفسخ بالعجز عن الوطء والضرر فيه أقل لأنه إنما هو فقد لذة وشهوة يقوم البدن بدونه فلأن يثبت بالعجز عن النفقة التي لا يقوم البدن إلا بها أولى إذا ثبت هذا فإنه متى ثبت الإعسار بالنفقة على الإطلاق فللمرأة المطالبة بالفسخ من غير إنظار وهذا أحد قولي الشافعي وقال حماد بن أبي سليمان يؤجل سنة قياسا على العنين وقال عمر بن عبد العزيز اضربوا له شهرا أو شهرين وقال مالك الشهر ونحوه وقال الشافعي في القول الآخر يؤجل ثلاثا لأنه قريب ولنا ظاهر حديث عمر ولأنه معنى يثبت الفسخ ولم يرد الشرع بالإنظار فيه فوجب أن يثبت الفسخ في الحال كالعيب ولأن سبب الفسخ الإعسار وقد وجد فلا يلزم التأخير فصل وإن لم يجد النفقة إلا يوما بيوم فليس ذلك إعسارا يثبت به الفسخ لأن ذلك هو الواجب عليه وقد قدر عليه وإن وجد في أول النهار ما يغديها وفي آخره ما يعشيها لم يكن لها الفسخ لأنها تصل إلى كفايتها وما يقوم به بدنها وإن كان صانعا يعمل في الأسبوع بما يبيعه في يوم بقدر كفايتها في الأسبوع كله لم يثبت الفسخ لأن هذا يحصل الكفاية في جميع زمانه وإن تعذر عليه الكسب في بعض زمانه أو تعذر البيع لم يثبت الفسخ لأنه يمكن الاقتراض إلى زوال العارض وحصول الاكتساب وإن عجز عن الاقتراض أياما يسيرة لم يثبت الفسخ لأن ذلك يزول عن قريب ولا يكاد يسلم منه كثير من الناس وإن مرض مرضا يرجى زواله في أيام يسيرة لم يفسخ لما ذكرناه وإن كان ذلك يطول فلها الفسخ لأن الضرر الغالب يلحقها ولا يمكنها الصبر وكذلك إن كان لا يجد من النفقة إلا يوما دون يوم فلها الفسخ لأنها لا يمكنها الصبر على هذا ويكون بمثابة من لا يجد إلا بعض القوت وإن أعسر ببعض نفقة المعسر ثبت لها الخيار لأن البدن لا يقوم بما دونها وإن أعسر بما زاد على نفقة المعسر فلا خيار لها لأن تلك الزيادة تسقط بإعساره ويمكن الصبر عنها ويقوم البدن بما دونها وإن أعسر بنفقة الخادم لم يثبت لها خيار لما ذكرنا وكذلك إن أعسر بالأدم وإن أعسر بالكسوة فلها الفسخ لأن الكسوة لا بد منها ولا يمكن الصبر عنها ولا يقوم البدن بدونها وإن أعسر بأجرة مسكن ففيه وجهان أحدهما لها الخيار لأنه مما لا بد منه فهو كالنفقة والكسوة والثاني لا خيار لها لأن البنية تقوم بدونه وهذا الوجه هو الذي ذكره القاضي وإن أعسر بالنفقة الماضية لم يكن لها الفسخ لأنها دين يقوم البدن بدونها فأشبهت سائر الديون
الحال الثاني أن يمتنع من الإنفاق مع يساره فإن قدرت له على مال أخذت منه قدر حاجتها ولا خيار لها لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر هندا بالأخذ ولم يجعل لها الفسخ وإن لم تقدر رافعته إلى الحاكم فيأمره بالإنفاق ويجبره عليه قال أبي حبسه فإن صبر على الحبس أخذ الحاكم النفقة من ماله فإن لم يجد إلا عروضا أو عقارا باعها في ذلك وبهذا قال مالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور وقال أبو حنيفة النفقة في ماله من الدنانير والدراهم ولا يبيع عرضا إلا بتسليم لأن بيع مال الإنسان لا ينفذ إلا بإذنه أو إذن وليه ولا ولاية على الرشيد ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لهند خذي ما يكفيك ولم يفرق ولأن ذلك مال له فتؤخذ منه النفقة كالدراهم والدنانير وللحاكم ولاية عليه إذا امتنع بدليل ولايته على دراهمه ودنانيره وإن تعذرت النفقة في حال غيبته وله وكيل فحكم وكيله حكمه في المطالبة والأخذ من المال عند امتناعه وإن لم يكن له وكيل ولم تقدر المرأة على الأخذ أخذ لها الحاكم من ماله ويجوز بيع عقاره وعروضه في ذلك إذا لم تجد ما تنفق سواه وينفق على المرأة يوما بيوم وبهذا قال الشافعي ويحيى بن آدم وقال أصحاب الرأي يفرض لها في كل شهر ولنا إن هذا تعجيل للنفقة قبل وجوبها فلم يجز كما عجل لها نفقة زيادة عن شهر فصل وإن غيب ماله وصبر على الحبس ولم يقدر الحاكم له على مال يأخذه أو لم يقدر على أخذ النفقة من مال الغائب فلها الخيار في الفسخ في ظاهر قول الخرقي واختيار أبي الخطاب واختار القاضي أنها لا تملك الفسخ وهو ظاهر مذهب الشافعي لأن الفسخ في المعسر لعيب الإعسار ولم يوجد هاهنا ولأن الموسر في مظنة إمكان الأخذ من ماله وإذا امتنع في يوم فربما لا يمتنع من الغد بخلاف المعسر ولنا إن عمر رضي الله عنه كتب في رجال غابوا عن نسائهم فأمرهم أن ينفقوا أو يطلقوا وهذا إجبار على الطلاق عند الامتناع من الإنفاق ولأن الإنفاق عليها من ماله يتعذر فكان لها الخيار كحال الإعسار بل هذا أولى بالفسخ فإنه إذا جاز الفسخ على المعذور فعلى غيره أولى ولأن في الصبر ضررا أمكن إزالته بالفسخ فوجبت إزالته ولأنه نوع تعذر يجوز الفسخ فلم يفترق الحال بين الموسر والمعسر كما إذا أدى ثمن المبيع فإنه لا فرق في جواز الفسخ بين أن يكون المشتري معسرا وبين أن يهرب قبل أداء الثمن وعيب الإعسار إنما جوز الفسخ لتعذر الإنفاق بدليل أنه لو اقترض ما ينفق عليها أو تبرع له إنسان بدفع ما ينفقه لم تملك الفسخ وقولهم إنه يحتمل أن ينفق فيما بعد هذا قلنا وكذلك المعسر يحتمل أن يغنيه الله وأن يقترض أو يعطي ما ينفقه فاستويا فصل ومن وجبت عليه نفقة امرأته وكان له عليها دين فأراد أن يحتسب عليها بدينه مكان نفقتها فإن كانت موسرة فله ذلك لأن من عليه حق فله أن يقضيه من أي أمواله شاء وهذا من ماله وإن كانت معسرة لم يكن له ذلك لأن قضاء الدين إنما يجب في الفاضل من قوته وهذا لا يفضل عنها ولأن الله تعالى أمر بإنظار المعسر بقوله سبحانه وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة البقرة 280 فيجب إنظارها بما عليها فصل وكل موضع ثبت لها الفسخ لأجل النفقة لم يجز إلا بحكم الحاكم لأنه فسخ مختلف فيه افتقر إلى الحاكم كالفسخ بالعنة ولا يجوز له التفريق إلا أن تطلب المرأة ذلك لأنه لحقها فلم يجز من غير طلبها كالفسخ للعنة فإذا فرق الحاكم بينهما فهو فسخ لا رجعة له فيه وبهذا قال الشافعي وابن المنذر وقال مالك هو تطليقة وهو أحق بها إن أيسر في عدتها لأنه تفريق لامتناعه من الواجب عليه لها فأشبه تفريقه بين المولى وامرأته إذا امتنع من الفيئة والطلاق
ولنا إنها فرقة لعجزه عن الواجب لها عليه أشبهت فرقة العنة فأما إن أجبره الحاكم على الطلاق فطلق أقل من ثلاث فله الرجعة عليها ما دامت في العدة فإن راجعها وهو معسر أو امتنع من الإنفاق عليها ولم يمكن الأخذ من ماله فطلبت المرأة الفسخ فللحاكم الفسخ لأن المقتضي له باق أشبه ما قبل الطلاق فصل وإن رضيت بالمقام معه مع عسرته أو ترك إنفاقه ثم بدا لها الفسخ أو تزوجت معسرا عالمة بحاله راضية بعسرته وترك إنفاقه أو شرط عليها أن لا ينفق عليها ثم عن لها الفسخ فلها ذلك وبهذا قال الشافعي وقال القاضي ظاهر كلام أحمد ليس لها الفسخ ويبطل خيارها في الموضعين وهو قول مالك لأنها رضيت بعيبه ودخلت في العقد عالمة به فلم تملك الفسخ كما لو تزوجت عنينا عالمة بعنته أو قالت بعد العقد قد رضيت به عنينا ولنا إن وجوب النفقة يتجدد في كل يوم فيتجدد لها الفسخ ولا يصح إسقاط حقها فيما لم يجب لها كإسقاط شفعتها قبل البيع ولذلك لو أسقطت النفقة المستقبلة لم تسقط ولو أسقطتها أو أسقطت المهر قبل النكاح لم يسقط وإذا لم يسقط وجوبها لم يسقط الفسخ الثابت به وإن أعسر بالمهر وقلنا لها الفسخ لإعساره به فرضيت بالمقام لم يكن لها الفسخ لأن وجوبه لم يتجدد بخلاف النفقة ولو تزوجته عالمة بإعساره بالمهر راضية بذلك فينبغي أن لا تملك الفسخ بإعساره به لأنها رضيت بذلك في وقت لو أسقطته فيه سقط فصل إذا رضيت بالمقام مع ذلك لم يلزمها التمكين من الاستمتاع لأنه لم يسلم إليها عوضه فلم يلزمها تسليمه كما لو أعسر المشتري بثمن المبيع لم يجب تسليمه إليه وعليه تخلية سبيلها لتكتسب لها وتحصل ما تنفقه على نفسها لأن في حبسها بغير نفقة إضرارا بها ولو كانت موسرة لم يكن له حبسها لأنه إنما يملك حبسها إذا كفاها المؤونة وأغناها عما لا بد لها منه ولحاجته إلى الاستمتاع الواجب عليها فإذا انتفى الأمران لم يملك حبسها فصل ومن ترك الإنفاق الواجب لامرأته مدة لم يسقط بذلك وكان دينا في ذمته سواء تركه لعذر أو غير عذر في أظهر الروايتين وهذا قول الحسن ومالك والشافعي وإسحاق وابن المنذر والرواية الأخرى تسقط نفقتها ما لم يكن الحاكم قد فرضها لها وهذا مذهب أبي حنيفة لأنها نفقة تجب يوما فيوما فتسقط بتأخيرها إذا لم يفرضها الحاكم كنفقة الأقارب ولأن نفقة الماضي قد استغنى عنها بمضي وقتها فتسقط كنفقة الأقارب ولنا إن عمر رضي الله عنه كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم يأمرهم أن ينفقوا أو يطلقوا فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما مضى ولأنها حق يجب مع اليسار والإعسار فلم يسقط بمضي الزمان كأجرة العقار والديون قال ابن المنذر هذه نفقة وجبت بالكتاب والسنة والإجماع ولا يزول ما وجب بهذه الحجج إلا بمثلها ولأنها عوض واجب فأشبهت الأجرة وفارق نفقة الأقارب فإنها صلة يعتبر فيها اليسار من المنفق والإعسار ممن تجب له وجبت لتزجيه الحال فإذا مضى زمنها استغنى عنها فأشبه ما لو استغنى عنها بيساره وهذه بخلاف ذلك إذا ثبت هذا فإنه ترك الإنفاق عليها مع يساره فعليه النفقة بكمالها وإن تركها لإعساره لم يلزمه نفقة المعسر لأن الزائد سقط بإعساره فصل ويصح ضمان النفقة ما وجب منها وما يجب في المستقبل إذا قلنا إنها تثبت في الذمة وقال الشافعي يصح ضمان ما وجب وفي ضمان المستقبل وجهان بناء على أن النفقة هل تجب بالعقد أو بالتمكين ومبنى الخلاف على ضمان ما لم يجب إذا كان مآله إلى الوجوب فعندنا يصح وعندهم لا يصح وقد ذكرنا ذلك في باب الضمان فصل وإن أعسر بنفقة الخادم أو الأدم أو المسكن ثبت ذلك في ذمته وبهذا قال الشافعي وقال القاضي لا يثبت لأنه من الزوائد فلم يثبت في ذمته كالزائد عن الواجب عليه ولنا إنها نفقة تجب على سبيل العوض فتثبت في الذمة كالنفقة الواجبة للمرأة قوتا وفارق الزائد عن نفقة المعسر فإنه يسقط الإعسار
فصل وإذا أنفقت المرأة على نفسها من مال زوجها الغائب ثم بان أنه قد مات قبل إنفاقها حسب عليها ما أنفقته من ميراثها سواء أنفقته بنفسها أو بأمر الحاكم وبهذا قال أبو العالية ومحمد بن سيرين والشافعي وابن المنذر ولا أعلم عن غيرهم خلافهم أنها أنفقت ما لا تستحق وإن فضل لها شيء فهو لها وإن فضل عليها شيء وكان لها صداق أو دين على زوجها حسب منه وإن لم يكن لها شيء من ذلك كان الفضل دينا عليها والله أعلم فصل وإن أعسر الزوج بالصداق ففيه ثلاثة أوجه أصحها ليس لها الفسخ وهو اختيار ابن حامد والثاني لها الفسخ وهو اختيار أبي بكر لأنه أعسر بالعوض فكان لها الرجوع في المعوض كما لو أعسر بثمن مبيعها والثالث إن أعسر قبل الدخول فلها الفسخ كما لو أفلس المشتري والمبيع بحاله وإن كان بعد الدخول لم تملك الفسخ لأن المعقود عليه قد استوفي فأشبه ما لو أفلس المشتري بعد تلف المبيع أو بعضه ولنا إنه دين فلم يفسخ النكاح للإعسار به كالنفقة الماضية ولأن تأخيره ليس فيه ضرر مجحف فأشبه نفقة الخادم والنفقة الماضية ولأنه لا نص فيه ولا يصح قياسه على الثمن المبيع لأن الثمن كل مقصود البائع والعادة تعجيله والصداق فضلة ونحلة ليس هو المقصود في النكاح ولذلك لا يفسد النكاح بفساده ولا بترك ذكره والعادة تأخيره ولأن أكثر من يشتري بثمن حال يكون موسرا به وليس الأكثر أن من تزوج بمهر يكون موسرا به ولا يصح قياسه على النفقة لأن الضرورة لا تندفع إلا بها بخلاف الصداق فأشبه شيء به النفقة الماضية وللشافعي نحو هذه الوجوه إذا قلنا لها الفسخ للإعسار به فتزوجته عالمة بعسرته فلا خيار لها وجها واحدا لأنها رضيت به كذلك وكذلك إن علمت عسرته بعد العقد فرضيت بالمقام سقط حقها من الفسخ لأنها رضيت بإسقاط حقها بعد وجوبه فسقط كما لو رضيت بعينه فصل ونفقة الأمة المزوجة حق لها ولسيدها لأن كل واحد منهما ينتفع بها ولكل واحد منهما طلبها إن امتنع الزوج من أدائها ولا يملك واحد منهما إسقاطها لأن في سقوطها بإسقاط أحدهما ضررا بالآخر وإن أعسر الزوج بها فلها الفسخ لأنه عجز عن نفقتها فملكت الفسخ كالحرة وإن لم تفسخ فقال القاضي لسيدها الفسخ لأنه عليه ضررا في عدمها لما يتعلق بفواتها من فوات ملكه وتلفه فإن أنفق عليها سيدها محتسبا بالرجوع فله الرجوع بها على الزوج رضيت بذلك أو كرهت لأن الدين خالص حقه لا حق لها فيه وإنما تعلق حقها بالنفقة الحاضرة لوجوب صرفها إليها وقوام بدنها بها بخلاف الماضية وقال أبو الخطاب وأصحاب الشافعي ليس لسيدها الفسخ لعسرة زوجها بالنفقة لأنها حق لها فلم يملك سيدها الفسخ دونها كالفسخ للعيب فإن كانت معتوهة أنفق المولى وتكون النفقة دينا في ذمة الزوج وإن كانت عاقلة قال لها السيد إن أردت النفقة فافسخي النكاح وإلا فلا نفقة لك عندي فصل وإن اختلف الزوجان في الإنفاق عليها أو في تقبيضها نفقتها فالقول قول المرأة لأنها منكرة والأصل معها وإن اختلفا في التمكين الموجب للنفقة أو في وقته فقالت كان ذلك من شهر فقال بل من يوم فالقول قوله لأنه منكر والأصل معه وإن اختلفا في يساره فادعته المرأة أو الزوج ليفرض لها نفقة الموسرين أو قالت كنت موسرا وأنكر ذلك فإن عرف له مال فالقول قولها وإلا فالقول قوله وبهذا كله قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وإن اختلفا في فرض الحاكم للنفقة أو في وقتها فقال فرضها منذ شهر فقالت بل منذ عام فالقول قوله وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي قال مالك إن كان مقيما معها فالقول قوله وإن كان غائبا عنها فالقول قول المرأة من يوم رفعت أمرها إلى الحاكم
ولنا إن قوله يوافق الأصل فقدم كما لو كان مقيما معها وكل من قلنا القول قوله فلخصمه عليه اليمين لأنها دعاوى في المال فأشبهت دعوى الدين ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ولكن اليمين على المدعى عليه وإن دفع الزوج إلى امرأته نفقة وكسوة أو بعث به إليها فقالت إنما فعلت ذلك تبرعا وهبة وقال بل وفاء للواجب علي فالقول قوله لأنه أعلم بنيته أشبه ما لو قضى دينه واختلف هو وغريمه في نيته وإن طلق امرأته وكانت حاملا فوضعت فقال طلقتك حاملا فانقضت عدتك بوضع الحمل وانقضت نفقتك ورجعتك وقالت بل بعد الوضع فلي النفقة ولك الرجعة فالقول قولها لأن الأصل بقاء النفقة وعدم المسقط لها وعليها العدة ولا رجعة للزوج لإقراره بعدمها وإن راجع فصدقها فله الرجعة لأنها مقرة له بها وإن قال طلقتك بعد الوضع فلي الرجعة ولك النفقة وقالت بل وأنا حامل فالقول قوله لأن الأصل بقاء الرجعة ولا نفقة ولا عدة عليها لأنها حق الله تعالى فالقول قولها فيها وإن عاد فصدقها سقطت رجعته ووجب لها النفقة هذا في ظاهر الحكم فأما فيما بينه وبين الله تعالى فينبني على ما يعلمه من حقيقة الأمر دون ما قاله فصل وإن طلق الرجل امرأته فادعت أنها حامل لتكون لها النفقة أنفق عليها ثلاثة أشهر ثم ترى القوابل بعد ذلك لأن الحمل يبين بعد ثلاثة أشهر إلا أن تظهر براءتها من الحمل بالحيض أو بغيره تنقطع نفقتها كما تنقطع إذا قالت القوابل ليست حاملا ويرجع عليها بما أنفق لأنها أخذت منه ما لا تستحقه فرجع عليها كما لو ادعت عليه دينا وأخذته منه ثم تبين كذبها وعن أحمد رواية أخرى لا يرجع عليها لأنه أنفق عليها بحكم آثار النكاح فلم يرجع به كالنفقة في النكاح الفاسد إذا تبين فساده وإن علمت براءتها من الحمل بالحيض فكتمته فينبغي أن يرجع عليها قولا واحدا أخذت النفقة مع علمها ببراءتها كما لو أخذتها من ماله بغير علمه وإن ادعت الرجعية الحمل فأنفق عليها أكثر من مدة عدتها رجع عليها بالزيادة ويرجع في مدة العدة إليها لأنها أعلم بها فالقول قولها فيها مع يمينها فإن قالت قد ارتفع حيضي ولم أدر ما رفعه فعدتها سنة إن كانت حرة وإن قالت قد انقضت بثلاثة قروء وذكرت آخرها فلها النفقة إلى ذلك ويرجع عليها بالزائد وإن قالت لا أدري متى آخرها رجعنا إلى عادتها فحسبنا لها بها وإن قالت عادتي تختلف فتطور وتقصر انقضت العدة بالأقصر لأنه اليقين وإن قالت عادتي تختلف ولا أعلم رددناها إلى غالب عادات النساء في كل شهر قرء لأنا رددنا المتحيرة إلى ذلك في أحكامها فكذلك هذه وإن بان أنها حامل من غيره مثل أن تلده بعد أربع سنين فلا نفقة عليه لمدة حملها لأنه من غيره وإن كانت رجعية فلها النفقة في مدة عدتها فإن كانت انقضت قبل حملها فلها النفقة إلى انقضائها وإن حملت في أثناء عدتها فلها النفقة إلى الوطء الذي حملت ثم لا نفقة لها حتى تضع حملها ثم تكون لها النفقة في تمام عدتها وإن وطئها زوجها في العدة الرجعية حصلت الرجعة وإن قلنا لا تحصل فالنسب لا حق به وعليه النفقة لمدة حملها وإن وطئها بعد انقضاء عدتها أو وطىء البائن عالما بذلك وبتحريمه فهو زنا لا يلحقه نسب الولد ولا نفقة عليه من أجله وإن جهل بينونتها أو انقضاء عدة الرجعية أو تحريم ذلك وهو ممن يجهله لحقه نسبه وفي وجوب النفقة عليه روايتان مسألة قال ( ويجبر الرجل على نفقة والديه وولده الذكور والإناث إذا كانوا فقراء وكان له ما ينفق عليهم ) الأصل في وجوب نفقة الوالدين والمولودين الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن الطلاق 6 أوجب أجر رضاع الولد على أبيه وقال سبحانه وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف البقرة 233 وقال سبحانه وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا الإسراء 23 ومن الإحسان الإنفاق عليهما عند حاجتهما