Qur'an&Sunnah

İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)

Bagian V09/P257–V09/P259

ولنا إن هذا يفهم منه الشرط فيجب الوفاء به كما لو صرح به ولأن الكافر فهم منه ذلك وبنى عليه فأشبه ما لو فهم الأمان من الإشارة وقولهم إن الحر لا يكون ثمن مملوكة قلنا لكن يصح أن يفادى بها فقد فادى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأسيرة التي أخذها من سلمة بن الأكوع برجلين من المسلمين وفادى برجلين من المسلمين بأسير من الكفار ووفى لهم برد من جاءه مسلما وقال إنه لا يصلح في ديننا الغدر وإن كان رد مسلم إليهم ليس بحق لهم ولأنه التزم إطلاقها فلزمه لقوله عليه السلام المسلمون على شروطهم وقوله إنه لا يصلح في ديننا الغدر مسألة قال ( ومن سرق من الغنيمة ممن له فيها حق أو لولده أو لسيده لم يقطع ) يعني إذا كان السارق بعض الغانمين أو أباه أو سيده فلا قطع عليه لأن له شبهة وهو حقه المتعلق بها فيكون ذلك مانعا من قطعه لأن الحدود تدرأ بالشبهات فأشبه ما لو سرق من مال مشترك بينه وبين غيره وهكذا إن كان لابنه وإن علا وهو قول أبي حنيفة والشافعي وزاد أبو حبيفة إذا كان لذي رحم منه فيها حق لم يقطع مبني على أنه لا يقطع بسرقة مالهم وقد سبق الكلام في هذا ولو كان لأحد الزوجين فيها حق فسرق منها الآخر لم يقطع عند من لا يرى أن أحدهما يقطع بسرقة مال الآخر وقد سبق ذكر هذا فصل والسارق من الغنيمة غير الغال فلا يجري مجراه في إحراق رحله ولا يجري الغال مجرى السارق في قطع يده وذكر بعض أصحابنا أن السارق يحرق رحله لأنه في معنى الغال ولأنه لما درىء عنه الحد وجب أن يشرع في حقه عقوبة أخرى كسارق الثمر يغرم مثلي ما سرق ولنا إن هذا لا يقطع عليه اسم الغال حقيقة ولا هو في معناه لأن الغلول يكثر لكونه أخذ مال لا حافظ له ولا يطلع عليه غالبا فيحتاج إلى زاجر عنه وليس كذلك السرقة فإنها أخذ مال محفوظ فالحاجة إلى الزجر عنه أقل مسألة قال ( وإن طىء جارية قبل أن يقسم أدب ولم يبلغ به حد الزاني وأخذ منه مهر مثلها فطرح في المقسم إلا أن تلد منه فتكون عليه قيمتها ) يعني إذا كان الواطىء من الغانمين أو ممن لولده فيها حق فلا حد عليه لأن الملك يثبت للغانمين في الغنيمة فيكون للواطىء حق في هذه الجارية وإن كان قليلا فيدرأ عنه الحد للشبهة وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك وأبو ثور عليه الحد لقول الله تعالى الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة النور 2 وهو زان ولأنه وطىء في غير ملك عامدا عالما بالتحريم فلزمه الحد كما لو وطىء جارية غيره وقال الأوزاعي كل من سلف من علمائنا يقول عليه أدنى الحدين مائة جلدة ومنع بعض الفقهاء ثبوت الملك في الغنيمة وقال إنما يثبت بالأخبار بدليل أن أحدهم لو قال أسقطت حقي سقط ولو ثبت ملكه لم يزل بذلك كالوارث ولنا إن له فيها شبهة الملك فلم يجب عليه الحد كوطء الجارية المشتركة والآية مخصوصة بوطء الجارية المشتركة وجارية ابنه فنقيس عليه هذا ومنع الملك لا يصح لأن ملك الكفار قد زال ولا يزول إلا إلى مالك ولأنه تصح قسمته ويملك الغانمون طلب قسمتها فأشبهت مال الوارث إنما كثر الغانمون فقل نصيب الواطىء ولم يستقر في شيء بعينه وكان للإمام تعيين نصيب كل واحد بغير اختياره فلذلك جاز أن يسقط بالإسقاط بخلاف الميراث وضعف الملك لا يخرجه عن كونه شبهة في الحد الذي يدرأ بالشبهات ولهذا يسقط الحد بأدنى شيء وإن لم يكن حقيقة الملك فهو شبهة إذا ثبت هذا فإنه يعزر ولا يبلغ بالتعزير الحد على ما أسلفناه ويؤخذ منه مهر مثلها فيطرح في المقسم وبهذا قال الشافعي

Bagian V09/P259–V09/P260

وقال القاضي إنه يسقط عنه من المهر قدر حصته منها ويجب عليه بقيته كما لو وطىء جارية مشتركة بينه وبين غيره وليس بصحيح لأننا إذا أسقطنا عنه حصته وأخذنا الباقي فطرحناه في المغنم ثم قسمناه على الجميع وهو فيهم عاد إليه سهم من حصة غيره ولأن قدر حصته قد لا تمكن معرفته لقلة المهر وكثرة الغانمين ثم إذا أخذناه فإن قسمناه مفردا على من سواه لم يمكن وإن خلطناه ببقية الغنيمة ثم قسمناه على الجميع أخذ سهما مما ليس له فيه حق إذا ثبت هذا فإن ولدت منه فالولد حر يلحقه نسبه وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة هو رقيق لا يلحقه نسبه لأن الغانمين إنما يملكون بالقسمة وقد صادف وطؤه غير ملكه ولنا إنه وطء سقط فيه الحد بشبهة الملك فيلحق فيه النسب كوطء جارية ابنه وما ذكروه غير مسلم ثم يبطل بوطء جارية ابنه ويفارق الزنا فإنه يوجب الحد وإذا ثبت هذا فإن الأمة تصير أم ولد له في الحال وقال الشافعي لا تصير أم ولد في الحال لأنها ليست ملكا له فإذا ملكها بعد ذلك فهل تصير أم ولد فيها قولان ولنا إنه وطء يلحق به النسب لشبهة الملك فتصير به أم ولد كوطء جارية ابنه ويبطل ما ذكروه بجارية الابن ولا نسلم ما ذكروه فإنا قد بينا أن الملك يثبت في الغنيمة بمجرد الاغتنام وعليه قيمتها تطرح في المغنم لأنه فوتها عليهم وأخرجها من الغنيمة بفعله فلزمته قيمتها كما لو قتلها فإن كان معسرا كان في ذمته قيمتها وقال القاضي إذا كان معسرا حسب قدر حصته من الغنيمة فصارت أم ولد وباقيها رقيق للغانمين لأن كونها أم ولد إنما يثبت بالسراية في ملك غيره فلم يسر في حق المعسر كالإعتاق ولنا إنه استيلاد جعل بعضها أم ولد فيجعل جميعها أم ولد كاستيلاد جارية الابن وفارق العتق لأن الاستيلاد أقوى لكونه فعلا وينفذ من المجنون فأما قيمة الولد فقال أبو بكر فيها روايتان إحداهما تلزمه قيمته حين وضعه تطرح في المغنم لأنه فوت رقه فأشبه ولد المغرور والثانية لا تلزمه لأنه ملكها حين علقت ولم يثبت ملك الغانمين في الولد بحال فأشبه ولد الأب من جارية ابنه إذا وطئها ولأنه يعتق حين علوقه ولا قيمة له حينئذ وقال القاضي إذا صار نصفها أم ولد يكون الولد كله حرا وعليه قيمة نصفه فصل إذا كان في الغنيمة من يعتق على بعض الغانمين نظرت فإن كان رجلا لم يعتق لأن العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم وعم علي وعقيلا أخا علي كانا في أسرى بدر فلم يعتقا عليهما ولأن الرجل لا يصير رقيقا بنفس السبي وإن استرق أو كان الأسير امرأة أو صبيا عتق عليه قدر نصيبه وسرى إلى باقيه إن كان موسرا وإن كان معسرا لم يعتق عليه إلا ملكه منه وقالالشافعي لا يعتق منه شيء وهذا مقتضى قول أبي حنيفة لأنه لا يملك بمجرد الاغتنام ولو ملك لم يتعين ملكه فيه وإن قسمه وجعله في نصيبه واختار تملكه عتق عليه وإلا فلا وإن جعل له بعضه فاختار تملكه عتق عليه وقوم عليه الباقي ولنا ما بيناه من أن الملك يثبت للغانمين لكون الاستيلاء التام وجد منهم وهو سبب للملك ولأن ملك الكفار قد زال ولا يزول إلا إلى المسلمين

Bagian V09/P260–V09/P262

فصل وإن أعتق بعض الغانمين عبدا من الغنيمة قبل القسمة فإن كان ممن لم يثبت فيه الرق كالرجل قبل استرقاقه لم يعتق لما ذكرناه قبل وإن كان رقيقا كالمرأة والصبي عتق عليه قدر حصته وسرى إلى باقيه إن كان موسرا وعليه قيمة باقيه تطرح في المقسم وإن كان معسرا عتق عليه قدر ملكه من الغنيمة لأنه موسر بقدر حصته من الغنيمة فإن كان بقدر حقه من الغنيمة عتق ولم يأخذ شيئا وإن كان دون حقه أخذ باقي حقه وإن كان أكثر من حقه لم يعتق إلا قدر حقه فإن أعتق عبدا ثانيا وفضل من حقه عن الأول شيء عتق بقدره من الثاني وإن لم يفضل شيء لم يعتق من الثاني شيء فصل ويكره نقل رؤوس المشركين من بلد إلى بلد والمثلة بقتلاهم وتعذيبهم لما روى سمرة بن جندب قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يحثنا على الصدقة وينهانا عن المثلة وعن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أعف الناس قتلة أهل الإيمان رواهما أبو داود وعن شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح رواه النسائي وعن عبد الله بن عامر أنه قدم على أبي بكر الصديق برأس البطريق فأنكر ذلك فقال يا خليفة رسول الله فإنهم يفعلون ذلك بنا قال فاستنان بفارس والروم لا يحمل إلي رأس فإنما يكفي الكتاب والخبر وقال الزهري لم يحمل إلى النبي صلى الله عليه وسلم رأس قط وحمل إلى أبي بكر رأس فأنكره وأول من حملت إليه الرؤوس عبد الله بن الزبير ويكره رميها في المنجنيق نص عليه أحمد وإن فعلوا ذلك لمصلحة جاز لما روينا أن عمرو بن العاص حين حاصر الإسكندرية ظفر أهلها برجل من المسلمين فأخذوا رأسه فجاء قومه عمرا مغضبين فقال لهم عمرو خذوا رجلا منهم فاقطعوا رأسه فارموا به إليهم في المنجنيق ففعلوا ذلك فرمى أهل الإسكندرية رأس المسلم إلى قومه فصل يجوز قبول هدية الكفار من أهل الحرب لأن النبي صلى الله عليه وسلم قبل هدية المقوقس صاحب مصر فإن كان ذلك في حال الغزو فقال أبو الخطاب ما أهداه المشركون لأمير الجيش أو لبعض قواده فهو غنيمة لأنه لا يفعل ذلك إلا لخوفه من المسلمين فظاهر هذا أن ما أهدي لآحاد الرعية فهو له وقال القاضي هو غنيمة أيضا وإن كان من دار الحرب إلى دار الإسلام فهو لمن أهدى له سواء كان الإمام أو غيره لأن النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهدية فكانت له دون غيره وهذا قول الشافعي ومحمد وقال أبو حنيفة هو للمهدي له بكل حال لأنه خص بها أشبه إذا كان في دار الإسلام وحكي ذلك رواية عن أحمد ولنا إنه أخذ ذلك بظهر الجيش أشبه ما لو أخذه قهرا ولأنه إذا أهدي للإمام أو الأمير فالظاهر أنه يداري عن نفسه به فأشبه ما أخذ منه قهرا وأما إن أهدي لآحاد المسلمين فلم يقصد به ذلك في الظاهر لعدم الخوف منه فيكون له كما لو أهدي إليه في دار الإسلام ويحتمل أن ينظر فإن كان بينهما مهاداة قبل ذلك فله ما أهدي إليه وإن تجدد ذلك بالدخول إلى دارهم فهو للمسلمين كقولنا في الهدية إلى القاضي كتاب الجزية وهي الوظيفة المأخوذة من الكافر لإقامته بدار الإسلام في كل عام وهي فعلة من جزى يجزي إذا قضى قال الله تعالى واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا البقرة 48 تقول العرب جزيت ديني إذا قضيته والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون التوبة 29

Bagian V09/P262–V09/P263

وأما السنة فما روى المغيرة بن شعبة أنه قال لجند كسرى يوم نهاوند أمرنا نبينا رسول ربنا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية أخرجه البخاري وعن بريدة أنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرا على سرية أو جيش أوصاه بتقوى الله تعالى في خاصة نفسه وبمن معه من المسلمين خيرا وقال له إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى خصال ثلاث ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل وكف عنهم فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم في أخبار كثيرة وأجمع المسلمون على جواز أخذ الجزية في الجملة مسألة قال ( ولا تقبل الجزية إلا من يهودي أو نصراني أو مجوسي إذا كانوا مقيمين على ما عوهدوا عليه ) وجملته أن الذين تقبل منهم الجزية صنفان أهل كتاب ومن له شبهة كتاب فأهل الكتاب اليهود والنصارى ومن دان بدينهم كالسامرة يدينون بالتوراة ويعملون بشريعة موسى عليه السلام وإنما خالفوهم في فروع دينهم وفرق النصارى من اليعقوبية والنسطورية والملكية والفرنجة والروم والأرمن وغيرهم ممن دان بالإنجيل وانتسب إلى عيسى عليه السلام والعمل بشريعته فكلهم من أهل الإنجيل ومن عدا هؤلاء من الكفار فليس من أهل الكتاب بدليل قول الله تعالى أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا الأنعام 156 واختلف أهل العلم في الصابئين فروي عن أحمد أنهم جنس من النصارى وقال في موضع آخر بلغني أنهم يسبتون فهؤلاء إذا سبتوا فهم من اليهود وروي عن عمر أنه قال هم يسبتون وقال مجاهد هم بين اليهود والنصارى وقال السدي والربيع هم من أهل الكتاب وتوقف الشافعي في أمرهم والصحيح أنه ينظر فيهم فإن كانوا يوافقون أحد أهل الكتابين في نبيهم وكتابهم فهم منهم وإن خالفوهم في ذلك فليس هم من أهل الكتاب ويروى عنهم أنهم يقولون إن الفلك حي ناطق وإن الكواكب السبعة آلهة فإن كانوا كذلك فهم كعبدة الأوثان وأما أهل صحف إبراهيم وشيث وزبور وداود فلا تقبل منهم الجزية لأنهم من غير الطائفتين ولأن هذه الصحف لم تكن فيها شرائع إنما هي مواعظ وأمثال كذلك وصف النبي صلى الله عليه وسلم صحف إبراهيم وزبور داود في حديث أبي ذر وأما الذين لهم شبهة كتاب فهم المجوس فإنه يروى أنه كان لهم كتاب فرفع فصار لهم بذلك شبهة أوجبت حقن دمائهم وأخذ الجزية منهم ولم ينتهض في إباحة نكاح نسائهم ولا ذبائحهم دليل هذا قول أكثر أهل العلم ونقل عن أبي ثور أنهم من أهل الكتاب وتحل نساؤهم وذبائحهم لما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال أنا أعلم الناس بالمجوس كان لهم علم يعلمونه وكتاب يدرسونه وأن ملكهم سكر فوقع على بنته وأخته فاطلع عليه بعض أهل مملكته فلما صحا جاؤوا يقيمون عليه الحد فامتنع منهم ودعا أهل مملكته وقال أتعلمون دينا خيرا من دين آدم وقد أنكح بنيه بناته فأنا على دين آدم قال فتابعه قوم وقاتلوا الذين يخالفوهم فأصبحوا وقد أسري بكتابهم ورفع العلم الذي في صدورهم فهم أهل كتاب وقد أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وأراه قال عمر منهم الجزية رواه اشافعي وسعيد وغيرهما ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال سنوا بهم سنة أهل الكتاب ولنا قول الله تعالى أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا الأنعام 156 والمجوس من غير الطائفتين وقول النبي صلى الله عليه وسلم سنوا بهم سنة أهل الكتاب يدل على أنهم غيرهم وروى البخاري بإسناده عن بجالة أنه قال ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى يحدثه عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر ولو كانوا أهل كتاب لما وقف عمر في أخذ الجزية منهم مع أمر الله تعالى بأخذ الجزية من أهل الكتاب وما ذكروه هو الذي صار لهم به شبهة الكتاب

Bagian V09/P263–V09/P265

وقد قال أبو عبيد لا أحسب ما رووه عن علي في هذا محفوظا ولو كان له أصل لما حرم النبي صلى الله عليه وسلم نساءهم وهو كان أولى بعلم ذلك ويجوز أن يصح هذا تحريم نسائهم وذبائحهم لأن الكتاب المبيح لذلك هو الكتاب المنزل على إحدى الطائفتين وليس هؤلاء منهم ولأن كتابهم رفع فلم ينتهض للإباحة ويثبت به حقن دمائهم وأما قول أبي ثور في حل ذبائحهم ونسائهم فيخالف الإجماع فلا يلتفت إليه وقوله عليه السلام سنوا بهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم إذا ثبت هذا فإن أخذ الجزية من أهل الكتاب والمجوس ثابت بالإجماع لا نعلم في هذا خلافا فإن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على ذلك وعمل به الخلفاء الراشدون ومن بعدهم إلى زماننا هذا من غير نكير ولا مخالف وبه يقول أهل العلم من أهل الحجاز والعراق والشام ومصر وغيرهم مع دلالة الكتاب على أخذ الجزية من أهل الكتاب ودلالة السنة على أخذ الجزية من المجوس بما روينا من قول المغيرة لأهل فارس أمرنا نبينا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية وحديث بريدة وعبد الرحمن بن عوف وقول النبي صلى الله عليه وسلم سنوا بهم سنة أهل الكتاب ولا فرق بين كونهم عجما أو عربا وبهذا قال مالك والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وابن المنذر وقال أبو يوسف لا تؤخذ الجزية من العرب لأنهم شرفوا بكونهم من رهط النبي صلى الله عليه وسلم ولنا عموم الآية وأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد إلى دومة الجندل فأخذ أكيدر دومة فصالحه على الجزية وهو من العرب رواه أبو داود وأخذ الجزية من نصارى نجران وهم عرب وبعث معاذا إلى اليمن فقال إنك تأتي قوما أهل الكتاب متفق عليه وأمره أن يأخذ من كل حالم دينارا وكانوا عربا قال ابن المنذر ولم يبلغنا أن قوما من العجم كانوا سكانا باليمن حيث وجه معاذا ولو كان لكان في أمره أن يأخذ من جميعهم من كل حالم دينارا دليل على أن العرب تؤخذ منهم الجزية وحديث بريدة فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر من بعثه على سرية أن يدعو عدوه إلى أداء الجزية ولم يخص بها عجميا دون غيره وأكثر ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يغزو العرب ولأن ذلك إجماع فإن عمر رضي الله عنه أراد الجزية من نصارى بني تغلب فأبوا ذلك وسألوه أن يأخذ منهم مثلما يأخذ من المسلمين فأبى ذلك عليهم حتى لحقوا بالروم ثم صالحهم على ما يأخذه منهم عوضا عن الجزية فالمأخوذ منهم جزية غير أنه على غير صفة جزية غيرهم وما أنكر أخذ الجزية منهم أحد فكان ذلك إجماعا وقد ثبت بالقطع واليقين أن كثيرا من نصارى العرب ويهودهم كانوا في عصر الصحابة في بلاد الإسلام ولا يجوز إقرارهم فيها بغير جزية فثبت يقينا أنهم أخذوا الجزية منهم وظاهر كلام الخرقي أنه لا فرق بين من دخل في دينهم قبل تبديل كتابهم ولا بين أن يكون ابن كتابيين أو ابن وثنيين أو ابن كتابي ووثني وقال أبو الخطاب من دخل في دينهم بعد تبديل كتابهم لم تقبل منه الجزية ومن ولد بين أبوين أحدهما تقبل منه الجزية والآخر لا تقبل منه فهل تقبل منه على وجهين وهذا مذهب الشافعي ولنا عموم النص فيهم ولأنهم من أهل دين تقبل من أهله الجزية فيقرون بها كغيرهم وإنما تقبل منهم الجزية إذا كانوا مقيمين على ما عوهدوا عليه من بذل الجزية والتزام أحكام الملة لأن الله تعالى أمر بقتالهم حتى يعطوا الجزية أي يلتزموا أداءها فما لم يوجد ذلك يبقوا على إباحة دمائهم وأموالهم فصل ولا يجوز عقد الذمة المؤبدة إلا بشرطين أحدهما أن يلتزموا إعطاء الجزية في كل حول والثاني التزام أحكام الإسلام وهو قبول ما يحكم به عليهم من أداء حق أو ترك محرم لقول الله تعالى حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون التوبة 29

Bagian V09/P265–V09/P266

وقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث بريدة فادعهم إلى أداء الجزية فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ولا تعتبر حقيقة الإعطاء ولا جريان الأحكام لأن إعطاء الجزية إنما يكون في آخر الحول والكف عنهم في ابتدائه عند البذل والمراد بقوله حتى يعطوا أي يلتزموا الإعطاء ويجيبوا إلى بذله كقول الله تعالى فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم التوبة 5 والمراد به التزام ذلك دون حقيقته فإن الزكاة إنما يجب أداؤها عند الحول لقوله عليه السلام لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول مسألة قال ( ومن سواهم فالإسلام أو القتل ) يعني من سوى اليهود والنصارى والمجوس لا تقبل منهم الجزية ولا يقرون بها ولا يقبل منهم إلا الإسلام فإن لم يسلموا قتلوا هذا ظاهر مذهب أحمد وروى عنه الحسن بن ثواب أنها تقبل من جميع الكفار إلا عبدة الأوثان من العرب لأن حديث بريدة يدل بعمومه على قبول الجزية من كل كافر إلا أنه خرج منه عبدة الأوثان من العرب لتلغط كفرهم من وجهين أحدهما دينهم والثاني كونهم من رهط النبي صلى الله عليه وسلم وقال الشافعي لا تقبل إلا من أهل الكتاب والمجوس لكن في أهل الكتاب غير اليهود والنصارى مثل أهل صحف إبراهيم وشيث وزبور داود ومن تمسك بدين آدم وإدريس وجهان أحدهما يقرون بالجزية لأنهم من أهل الكتاب فأشبهوا اليهود والنصارى وقال أبو حنيفة تقبل من جميع الكفار إلا العرب لأنهم رهط النبي صلى الله عليه وسلم فلا يقرون على غير دينه وغيرهم يقر بالجزية لأنه يقر بالاسترقاق فأقروا بالجزية كالمجوس وعن مالك أنها تقبل من جميعهم إلا مشركي قريش لأنهم ارتدوا وعن الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز أنها تقبل من جميعهم وهو قول عبد الرحمن بن يزيد بن جابر لحديث بريدة ولأنه كافر فيقر بالجزية كأهل الكتاب ولنا قول الله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم التوبة 5 وقول النبي صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وهذا عام خص منه أهل الكتاب بالآية والمجوس بقول النبي صلى الله عليه وسلم سنوا بهم سنة أهل الكتاب فمن عداهم من الكفار يبقى على قضية العموم وقد بينا أن أهل من الصحف غير أهل الكتاب المراد بالآية فيما تقدم فصل وإذا عقد الذمة لكفار زعموا أنهم من أهل الكتاب ثم تبين أنهم عبدة الأوثان فالعقد باطل من أصله وإن شككنا فيهم لم ينتقض عهدهم بالشك لأن الأصل صحته فإن أقر بعضهم بذلك دون بعض قبل من المقر في نفسه فانتقض عهده في حق من لم يقر بحاله مسألة قال ( والمأخوذ منهم الجزية على ثلاث طبقات فيؤخذ من أدونهم اثنا عشر درهما ومن أوسطهم أربعة وعشرون درهما ومن أيسرهم ثمانية وأربعون درهما ) الكلام في هذه المسألة في فصلين أحدهما في تقدير الجزية والثاني في كمية مقدارها فأما الأول ففيه ثلاث روايات أحدها أنها مقدرة بمقدر لا يزاد عليه ولا ينقص منه وهذا قول أبي حنيفة والشافعي لأن النبي صلى الله عليه وسلم فرضها مقدرة بقوله لمعاذ خذ من كل حالم دينارا أو عدله مغافر وفرضها عمر مقدرة بمحضر من الصحابة فلم ينكر فكان إجماعا والثانية أنها غير مقدرة بل يرجع فيها إلى اجتهاد الإمام في الزيادة والنقصان قال الأثرم قيل لأبي عبد الله فيزاد اليوم فيه وينقص يعني الجزية قال نعم يزاد فيه وينقص على قدر طاقتهم على قدر ما يرى الإمام وذكر أنه زيد عليهم فيما مضى درهمان فجعله خمسين قال الخلال العمل في قول أبي عبد الله على ما رواه الجماعة بأنه لا بأس للإمام أن يزيد في ذلك وينقص على ما رواه عنه أصحابه في عشرة مواضع فاستقر قوله على ذلك

Bagian V09/P266–V09/P267

وهذا قول الثوري وأبي عبيد لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر معاذا أن يأخذ من كل حالم دينارا وصالح أهل نجران على ألفي حلة النصف في صفر والنصف في رجب رواهما أبو داود وعمر جعل الجزية على ثلاث طبقات على الغني ثمانية وأربعين درهما وعلى المتوسط أربعة وعشرين درهما وعلى الفقير اثني عشر درهما وصالح بني تغلب على مثل ما على المسلمين من الزكاة وهذا يدل على أنها إلى رأي الإمام لولا ذلك لكانت على قدر واحد في جميع هذه المواضع ولم يجز أن تختلف قال البخاري قال ابن عيينة عن أبي نجيح قلت لمجاهد ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير وأهل اليمن عليهم دينار قال جعل ذلك من أجل اليسار ولأنها عوض فلم تقدر كالأجرة والرواية الثالثة أن أقلها مقدر بدينار وأكثرها غير مقدر وهو اختيار أبي بكر فتجوز الزيادة ولا يجوز النقصان لأن عمر زاد على ما فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينقص منه وروي أنه زاد على ثمانية وأربعين فجعلها خمسين الفصل الثاني أننا إذا قلنا بالرواية الأولى وأنها مقدرة فقدرها في حق الموسر ثمانية وأربعون درهما وفي حق المتوسط أربعة وعشرون وفي حق الفقير اثنا عشر وهذا قول أبي حنيفة وقال مالك هي في حق الغني أربعون درهما أو أربعة دنانير وفي حق الفقير عشرة دراهم أو دينار وروي ذلك عن عمر وقال الشافعي الواجب دينار في حق كل واحد لحديث معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يأخذ من كل حالم دينارا رواه أبو داود وغيره إلا أن المستحب جعلها على ثلاث طبقات كما ذكرناه لنخرج من الخلاف قالوا وقضاء النبي صلى الله عليه وسلم أولى بالاتباع من غيره ولنا حديث عمر رضي الله عنه وهو حديث لا شك في صحته وشهرته بين الصحابة رضي الله عنهم وغيرهم ولم ينكره منكر ولا خلاف فيه وعمل به من بعده من الخلفاء رضي الله عنهم فصار إجماعا لا يجوز الخطأ عليه وقد وافق الشافعي على استحباب العمل به وأما حديث معاذ فلا يخلو من وجهين أحدهما أنه فعل ذلك لغلبة الفقر عليهم بدليل قول مجاهد لأن ذلك من أجل اليسار والوجه الثاني أن يكون التقدير غير واجب بل هو موكول إلى اجتهاد الإمام ولأن الجزية وجبت صغارا أو عقوبة فتختلف باختلاف أحوالهم كالعقوبة في البدن منهم من يقتل ومنهم من يسترق ولا يصح كونها عوضا عن سكنى الدار لأنها لو كانت كذلك لوجبت على النساء والصبيان والزمنى والمكافيف فصل وحد اليسار في حقهم ما عده الناس غنى في العادة وليس بمقدر لأن التقديرات بابها التوقيف ولا توقيف في هذا فيرجع فيه إلى العادة والعرف فصل إذا بذلوا الجزية لزم قبولها وحرم قتالهم لقول الله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله إلى قوله حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون التوبة 29 فجعل إعطاء الجزية غاية لقتالهم فمتى بذلوها لم يجز قتالهم وقول النبي صلى الله عليه وسلم فادعهم إلى أداء الجزية فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم وإن قلنا إن الجزية غير مقدرة الأكثر لم يحرم قتالهم حتى يجيبوا إلى بذل ما لا يجوز طلب أكثر منه مما يحتمله حالهم فصل وتجب الجزية في آخر كل حول وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة تجب بأوله ويطالب بها عقيب العقد وتجب الثانية في أول الحول الثاني لقول الله تعالى حتى يعطوا الجزية التوبة 29 ولنا إنه مال يتكرر بتكرر الحول أو يؤخذ في آخر كل حول فلم يجب بأوله كالزكاة والدية وأما الآية فالمراد بها التزام إعطائها دون نفس الإعطاء ولهذا يحرم قتالهم بمجرد بذلها قبل أخذها

Bagian V09/P267–V09/P269

فصل وتؤخذ الجزية مما يسر من أموالهم ولا يتعين أخذها من ذهب ولا فضة نص عليه أحمد وهو قول الشافعي وأبي عبيد وغيرهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم دينارا أو عدله معافر وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ من نصارى نجران ألفي حلة وكان عمر يؤتى بنعم كثيرة يأخذها من الجزية وروي عن علي رضي الله عنه أنه كان يأخذ الجزية من كل ذي صنعة من متاعه من صاحب الإبر إبرا ومن صاحب المسال مسالا ومن صاحب الحبال حبالا ثم يدعو الناس فيعطيهم الذهب والفضة فيقتسمونه ثم يقول خذوا فاقتسموا فيقولون لا حاجة لنا فيه فيقول أخذتم خياره وتركتم شراره لتحملنه وإذا ثبت هذا فإنه يؤخذ بالقيمة لقوله عليه السلام أو عدله مغافرا فصل ولا يصح عقد الذمة والهدنة إلا من الإمام أو نائبه وبهذا قال الشافعي ولا نعلم فيه خلافا لأن ذلك يتعلق بنظر الإمام وما يراه من المصلحة ولأن عقد الذمة عقد مؤبد فلم يجز أن يفتات به على الإمام فإن فعله غير الإمام أو نائبه لم يصح لكن إن عقده على ما لا يجوز أن يطلب منهم أكثر منه لزم الإمام إجابتهم إليه وعقدها عليه فصل ويجوز أن يشرط عليهم في عقد الذمة ضيافة من يمر بهم من المسلمين لما روى الإمام أحمد بإسناده عن الأحنف بن قيس أن عمر شرط عليهم ضيافة يوم وليلة وأن يصلحوا القناطر وإن قتل رجل من المسلمين بأرضهم فعليهم ديته قال ابن المنذر وروي عن عمر أنه قضى على أهل الذمة ضيافة من يمر بهم من المسلمين ثلاثة أيام وعلف دوابهم وما يصلحهم وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب على نصار ثلاثمائة دينار وكانوا ثلاثمائة نفس في كل سنة وأن يضيفوا من مر بهم من المسلمين ثلاثة أيام ولأن في هذا ضربا من المصلحة لأنهم ربما امتنعوا من مبايعة المسلمين إضرارا بهم فإذا شرطت عليهم الضيافة أمن ذلك وإن لم تشرط الضيافة عليهم لم تجب ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي ومن أصحابنا من تجب بغير شرط لوجوبها على المسلمين والأول أصح لأنه أداء مال فلم يجب بغير رضاهم كالجزية فإن شرطها عليهم فامتنعوا من قبولها لم تعقد لهم الذمة وقال الشافعي لا يجوز قتالهم عليها ولنا انه شرط سائغ امتنعوا من قبوله فقوتلوا عليه كالجزية فصل ذكر القاضي أنه إذا شرط الضيافة فإنه يبين أيام الضيافة وعدد من يضاف من الرجالة والفرسان فيقول تضيفون في كل سنة مائة يوم عشرة من المسلمين من خبز كذا وأدم كذا وللفرس من التبن كذا ومن الشعير كذا فإن شرط الضيافة مطلقا صح في الظاهر لأن عمر رضي الله عنه شرط عليهم ضيافة من يمر بهم من المسلمين من غير عدد ولا تقدير قال أبو بكر إذا أطلق مدة الضيافة فالواجب يوم وليلة لأن ذلك الواجب على المسلمين ولا يكلفون الذبيحة ولا ضيافتهم بأرفع من طعامهم لأنه يروى عن عمر أنه شكا إليه أهل الذمة أن المسلمين يكلفونهم الذبيحة فقال أطعموهم مما تأكلون وقال الأوزاعي ولا يكلفون الذبيحة ولا الشعير وقال القاضي إذا وقع الشرط مطلقا لم يلزمهم الشعير ويحتمل أن يلزمهم ذلك للخيل لأن العادة جارية فهو كالخبز للرجل وللمسلمين النزول في الكنائس والبيع فإن عمر رضي الله عنه صالح أهل الشام على أن يوسعوا أبواب بيعهم وكنائسهم لمن يجتاز بهم من المسلمين ليدخلوها ركبانا فإن لم يجدوا مكانا فلهم النزول في الأفنية وفضول المنازل وليس لهم تحويل صاحب المنزل منه والسابق إلى منزل أحق به ممن يأتي بعده فإن امتنع بعضهم من القيام بما شرط أجبر عليه فإن امتنع الجميع أجبروا فإن لم يمكن إلا بالمقاتلة قوتلوا فإن قاتلوا فقد نقضوا العهد

Bagian V09/P269–V09/P270

فصل وتقسم الضيافة بينهم على قدر جزيتهم فإن جعل الضيافة مكان الجزية جاز لما روي أن عمر رضي الله عنه كتب في الجاهلية لراهب من أهل الشام إنني إن وليت هذه الأرض أسقطت عنك خراجك فلما قدم الجابية وهو أمير المؤمنين جاءه بكتابه فعرفه وقال إنني جعلت لك ما ليس لي ولكن اختر إن شئت أداء الخراج وإن شئت أن تضيف المسلمين فاختار الضيافة ويشترط عليه ضيافة يبلغ قدرها أقل الجزية مقدرة الأقل لئلا ينقص خراجه عن أقل الجزية وذكر أن من الشروط الفاسدة اشتراط الاكتفاء بضيافتهم عن جزيتهم لأن الله تعالى أمر بقتالهم ممدودا إلى إعطاء الجزية فإن لم يعطها كان قتالهم مباحا ووجه الأول أن هذا اشتراط مال يبلغ قدر الجزية فجاز كما لو شرط عليهم الجزية مغافر فصل وإذا شرط في عقد الذمة شرطا فاسدا مثل أن يشترط أن لا جزية عليهم أو إظهار المنكر أو إسكانهم الحجاز أو إدخالهم الحرم ونحو هذا فقال القاضي يفسد العقد به لأنه شرط فعل محرم فأفسد العقد كما لو شرط قتال المسلمين ويحتمل أن يفسد الشرط وحده ويصح العقد بناء على الشروط الفاسدة في البيع والمضاربة مسألة قال ( ولا جزية على صبي ولا زائل العقل ولا امرأة ) لا نعلم بين أهل العلم خلافا في هذا وبه قال مالك وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأبو ثور وقال ابن المنذر ولا أعلم عن غيرهم خلافهم وقد دل على صحة هذا أن عمر رضي الله عنه كتب إلى أمراء الأجناد أن اضربوا الجزية ولا تضربوها على النساء والصبيان ولا تضربوها إلا على من جرت عليه المواسي رواه سعيد وأبو عبيد والأثرم وقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ خذ من كل حالم دينارا دليل على أنها لا تجب على غير بالغ ولأن الدية تؤخذ لحقن الدم وهؤلاء دماؤهم محقونة بدونها فصل وإن بذلت المرأة الجزية أخبرت أنها لا جزية عليها فإن قالت فأنا أتبرع بها أو أنا أؤديها قبلت منها ولم تكن جزية بل هبة تلزم بالقبض فإن شرطته على نفسها ثم رجعت كان لها ذلك وإن بذلت الجزية فتصير إلى دار الإسلام مكنت من ذلك بغير شيء ولكن يشترط عليها التزام أحكام الإسلام وتعقد لها الذمة ولا يؤخذ منها شيء إلا أن تتبرع به بعد معرفتها أنه لا شيء عليها وإن أخذ منها شيء على غير ذلك رد إليها لأنها بذلته معتقدة أنه عليها وأن دمها لا يحقن إلا به فأشبه من أدى مالا إلى من يعتقد أنه له فتبين أنه ليس له ولو حاصر المسلمون حصنا ليس فيه إلا نساء فبذلن الجزية لتعقد لهن الذمة عقدت لهن بغير شيء وحرم استرقاقهن كالتي قبلها سواء فإن كان في الحصن معهن رجال فسألوا الصلح لتكون الجزية على النساء والصبيان دون الرجال لم تصح لأنهم جعلوها على غير من هي عليه وبرؤوا من تجب عليه وإن بذلوا جزية عن الرجال ويؤدوا عن النساء والصبيان من أموالهم جاز وكان ذلك زيادة في جزيتهم وإن كان من أموال النساء والصبيان لم يجز لأنهم يجعلون الجزية على من لا تلزمه فإن كان القدر الذي بذلوه من أموالهم مما يجزىء في الجزية أخذ منهم وسقط الباقي فصل ومن بلغ من أولاد أهل الذمة أو أفاق من مجانينهم فهو من أهلها بالعقد الأول لا يحتاج إلى استئناف عقد له وقال القاضي في موضع هو مخير بين التزام العقد وبين أن يرد إلى مأمنه فإن اختار الذمة عقدت له وإلا ألحق بمأمنه وهو قول الشافعي ولنا إنه لم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من خلفائه تجديد العقد لهؤلاء ولأن العقد يكون مع سادتهم فيدخل فيه سائرهم ولأنه عقد عهد مع الكفار فلم يحتج إلى استئنافه لذلك كالهدنة ولأن الصغار والمجانين دخلوا في العقد فلم يحتج إلى تجديده لهم عند تغير أحوالهم كغيرهم ولأنه عقد دخلوا فيه فيلزمهم بعد البلوغ والإفاقة كالإسلام

Bagian V09/P270–V09/P272

إذا ثبت هذا فإن كان البلوغ والإفاقة في أول حول قومه أخذ منه في آخره معهم وإن كان في أثناء الحول أخذ منه عند تمام الحول بقسطه ولم يترك حتى يتم حوله لئلا يحتاج إلى إفراده بحول وضبط حول كل إنسان منهم وربما أفضى إلى أن يصير لكل واحد حول منفردا فصل ومن كان يجن ويفيق فله ثلاثة أحوال أحدها أن يكون جنونه غير مضبوط مثل من يفيق ساعة من يوم أو أيام أو يصرع ساعة من يوم أو أيام فهذا يعتبر حاله بالأغلب لأن مدة الإفاقة غير ممكن مراعاتها لتعذر ضبطها والثاني أن يكون مضبوطا مثل من يجن يوما ويفيق يومين أو أقل من ذلك أو أكثر إلا أنه مضبوط ففيه وجهان أحدهما يعتبر الأغلب من حاله وهذا مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه لأنه يجن ويفيق فيعتبر الأغلب من حاله كالأول والثاني تلفق أيام إفاقته لأنه لو كان مفيقا في الكل وجبت الجزية فإذا وجدت الإفاقة في بعض الحول وجب فيما يجب به لو انفرد فعلى هذا الوجه في أخذ الجزية وجهان أحدهما أن أيامه تلفق فإذا كملت حولا أخذت منه لأن أخذها قبل ذلك أخذ لجزيته قبل كمال الحول فلم يجز كالصحيح والثاني يؤخذ منه في آخر كل حول بقدر ما أفاق منه كما لو أفاق في بعض الحول إفاقة مستمرة وإن كان يجن ثلث الحول ويفيق ثلثيه أو بالعكس ففيه الوجهان كما ذكرنا فإن استوت إفاقته وجنونه مثل من يجن يوما ويفيق يوما أو يجن نصف الحول ويفيق نصفه عادة لفقت إفاقته لأنه تعذر اعتبار الأغلب لعدمه فتعين الاحتمال الآخر الحال الثالث أن يجن نصف حول ثم يفيق إفاقة مستمرة أو يفيق نصفه ثم يجن جنونا مستمرا فلا جزية عليه في الثاني وعليه في الأول من الجزية بقدر ما أفاق من الحول على ما تقدم شرحه والله أعلم مسألة قال ( ولا على فقير ) يعني الفقير العاجز عن أدائها وهذا أحد أقوال الشافعي وقال في الآخر يجب عليه لقوله عليه السلام خذ من كل حالم دينارا ولأن دمه غير محقون فلا تسقط عنه الجزية كالقادر عليه ولنا أن عمر رضي الله عنه جعل الجزية على ثلاث طبقات جعل أدناها على الفقير المعتمل فيدل على أن غير المعتمل لا شيء عليه ولأن الله تعالى قال لا يكلف الله نفسا إلا وسعها البقرة 286 ولأن هذا مال يجب بحلول الحول فلا يلزم الفقير العاجز كالزكاة والعقل ولأن الخراج ينقسم إلى خراج أرض وخراج رؤوس ثم ثبت أن خراج الأرض على قدر طاقتها وما لا طاقة له لا شيء عليه كذلك خراج الرؤوس وأما الحديث فيتناول الأخذ ممن يمكن الأخذ منه ومن لا يمكن الأخذ منه فالأخذ منه مستحيل فكيف يؤمر به مسألة قال ( ولا شيخ فان ولا زمن ولا أعمى ) هؤلاء الثلاثة ومن في معناهم ممن به داء لا يستطيع معه القتال ولا يرجى برؤه لا جزية عليهم وهو قول أصحاب الرأي وقالالشافعي في أحد قوليه عليهم الجزية بناء على قتلهم وقد سبق قولنا في أنهم لا يقتلون فلا تجب عليهم الجزية كالنساء والصبيان مسألة قال ( ولا على سيد عبد عن عبده إذا كان السيد مسلما ) لاخلاف في هذا نعلمه لأنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا جزية على العبد وعن ابن عمر مثله ولأن ما لزم العبد إنما يؤديه سيده فيؤدي إيجابه على عبد المسلم إلى إيجاب الجزية على مسلم فأما إن كان العبد لكافر فالمنصوص عن أحمد أنه لا جزية عليه أيضا وهو قول عامة أهل العلم

Bagian V09/P272–V09/P273

قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أنه لا جزية على العبد وذلك لما ذكر من الحديث ولأنه محقون الدم فأشبه النساء والصبيان أو لا مال له فأشبه الفقير العاجز ويحتمل كلام الخرقي إيجاب الجزية عليه يؤديها سيده وروي ذلك أيضا عن أحمد وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال لا تشتروا رقيق أهل الذمة ولا مما في أيديهم لأنهم أهل خراج يبيع بعضهم بعضا ولا يقرن أحدكم بالصغار بعد إذ أنفذه الله منه قال أحمد أراد أن يوفر الجزية لأن المسلم إذا اشتراه سقط عنه أداء ما يؤخذ منه والذمي يؤدي عنه وعن مملوكه خراج جماجمهم وروي عن علي مثل حديث عمر ولأنه ذكر مكلف قوي مكتسب فوجبت عليه الجزية كالحر والأول أولى فصل ومن بعضه حر فقياس المذهب أن عليه من الجزية بقدر ما فيه من الحرية لأنه حكم يتجزأ يختلف بالرق والحرية فيقسم على قدر ما فيه كالإرث فصل ولا جزية على أهل الصوامع من الرهبان ويحتمل وجوبها عليهم وهذا أحد قولي الشافعي وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه فرض على رهبان الديارات الجزية على كل راهب دينارين ووجه ذلك عموم النصوص ولأنه كافر صحيح قادر على أداء الجزية فأشبه الشماس ووجه الأول أنهم محقونون بدون الجزية فلم تجب عليهم كالنساء وقد ذكرنا أنه يحرم قتلهم والنصوص مخصوصة بالنساء وهؤلاء في معناهن ولأنه لا كسب له فأشبه الفقير غير المعتمل مسألة قال ( ومن وجبت عليه الجزية فأسلم قبل أن تؤخذ منه سقطت عنه الجزية ) وجملته أن الذمي إذا أسلم في أثناء الحول لم تجب عليه الجزية وإن أسلم بعد الحول سقطت عنه وهذا قول مالك والثوري وأبي عبيد وأصحاب الرأي وقال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر إن أسلم بعد الحول لم تسقط لأنها دين يستحقه صاحبه واستحق المطالبة به في حال الكفر فلم يسقط بالإسلام كالخراج وسائر الديون وللشافعي فيما إذا أسلم في أثناء الحول قولان أحدهما عليه من الجزية بالقسط كما لو أفاق بعد الحول ولنا قول الله تعالى قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف الأنفال 38 وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ليس على المسلم جزية رواه الخلال وذكر أن أحمد سئل عنه فقال ليس يرويه غير جرير قال أحمد وقد روى عن عمر أنه قال إن أخذها في كفه ثم أسلم ردها عليه وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا ينبغي للمسلم أن يؤدي الخراج يعني الجزية وروي أن ذميا أسلم فطولب بالجزية وقيل إنما أسلمت تعوذا قال إن في الإسلام معاذا فرفع إلى عمر فقال عمر إن في الإسلام معاذا وكتب ألا تؤخذ منه الجزية رواه أبو عبيد بنحو من هذا المعنى ولأن الجزية صغار فلا تؤخذ منه كما لو أسلم قبل الحول ولأن الجزية عقوبة تجب بسبب الكفر فيسقطها الإسلام كالقتل وبهذا فارق سائر الديون فصل وإن مات الذمي بعد الحول لم تسقط الجزية عنه في ظاهر كلام أحمد ذكره أحمد وهو مذهب الشافعي وحكى أبو الخطاب عن القاضي أنها تسقط بالموت وهو قول أبي حنيفة ورواه أبو عبيد عن عمر بن عبد العزيز لأنها عقوبة فتسقط بالموت كالحدود ولأنها تسقط بالإسلام فتسقط بالموت كما قبل الحول ولنا إنه دين وجب عليه في حياته فلم يسقط بموته كديون الآدميين والحد يسقط بفوات محله وتعذر استيفائه بخلاف الجزية وفارق الإسلام فإنه الأصل والجزية بدل عنه فإذا أتى بالأصل استغنى عن البدل كمن وجد الماء لا يحتاج معه إلى التيمم بخلاف الموت ولأن الإسلام قربة وطاعة يصلح أن يكون معاذا من الجزية كما ذكر عمر رضي الله عنه والموت بخلافه فصل ولا تتداخل الجزية بل إذا اجتمعت عليه جزية سنين استوفيت منه كلها وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة تتداخل لأنها عقوبة فتتداخل كالحدود ولنا إنها حق مال يجب في آخر كل حول فلم تتداخل كالدية

Bagian V09/P273–V09/P274

مسألة قال ( وإذا أعتق لزمته الجزية لما يستقبل سواء كان المعتق له مسلما أو كافرا ) هذا الصحيح عن أحمد رواه عنه جماعة وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز وبه قال سفيان والليث وابن لهيعة والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وعن أحمد يقر بغير جزية وروي نحو هذا عن الشعبي لأن الولاء شعبة من الرق وهو ثابت عليه ووهن الخلال هذه الرواية وقال هذا قول قديم رجع عنه أحمد والعمل على ما رواه الجماعة وعن مالك كقول الجماعة وعنه إن كان المعتق له مسلما فلا جزية عليه لأن عليه الولاء لمسلم فأشبه ما لو كان عليه الرق ولنا إنه حر مكلف موسر من أهل القتل فلم يقر في دارنا بغير جزية كالحر الأصلي فإذا ثبت هذا فإن حكمه فيما يستقبل من جزيته حكم من بلغ من صبيانهم أو أفاق من مجانينهم على ما مضى مسألة قال ( ولا تؤخذ الجزية من نصارى بني تغلب وتؤخذ الزكاة من أموالهم ومواشيهم وثمرهم مثلي ما يؤخذ من المسلمين ) بنو تغلب بن وائل من العرب من ربيعة بن نزار انتقلوا في الجاهلية إلى النصرانية فدعاهم عمر إلى بذل الجزية فأبوا وأنفوا وقالوا نحن عرب خذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض باسم الصدقة فقال عمر لا آخذ من مشرك صدقة فلحق بعضهم بالروم فقال النعمان بن زرعة يا أمير المؤمنين إن القوم لهم بأس وشدة وهم عرب يأنفون من الجزية فلا تعن عليك عدوك بهم وخذ منهم الجزية باسم الصدقة فبعث عمر في طلبهم فردهم وضعف عليهم من الإبل من كل خمس شاتين ومن كل ثلاثين بقرة تبيعين ومن كل عشرين دينارا دينارا ومن كل مائتي درهم عشرة دراهم وفيما سقت السماء الخمس وفيما سقى بنضح أو غرب أو دولاب العشر فاستقر ذلك من قول عمر ولم يخالفه أحد من الصحابة فصار إجماعا وقال به الفقهاء بعد الصحابة منهم ابن أبي ليلى والحسن بن صالح وأبو حنيفة وأبو يوسف والشافعي ويروى عن عمر بن عبد العزيز أنه أبى على نصارى بني تغلب إلا الجزية وقال لا والله إلا الجزية وإلا فقد آذنتكم بالحرب والحجة لهذا عموم الآية فيهم وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال لئن تفرغت لبني تغلب ليكونن لي فيهم رأي لأقتلن مقاتلتهم ولأسبين ذراريهم فقد نقضوا العهد وبرئت منهم الذمة حين نصروا أولادهم وذلك أن عمر رضي الله عنه صالحهم على أن لا ينصروا أولادهم والعمل على الأول لما ذكرنا من الإجماع وأما الآية فإن هذا المأخوذ منهم جزية باسم الصدقة فإن الجزية يجوز أخذها من العروض فصل قال أصحابنا تؤخذ الصدقة مضاعفة من مال من تؤخذ منه الزكاة لو كان مسلما وهذا قول أبي حنيفة وأبي عبيد وذكر قول أهل الحجاز فعلى هذا تؤخذ من مال نسائهم وصبيانهم ومجانينهم وزمناهم ومكافيفهم وشيوخهم إلا أن أبا حنيفة لا يوجب الزكاة في مال صبي ولا مجنون وكذا الواجب على بني تغلب لا يجب في مال صبي ولا مجنون إلا في الأرض خاصة وذهب الشافعي إلى أن هذا جزية تؤخذ باسم الصدقة فلا تؤخذ ممن لا جزية عليه كالنساء والصبيان والمجانين قال وقد روي عن عمر أنه قال هؤلاء حمقى رضوا بالمعنى وأبوا الاسم وقال النعمان بن زرعة خذ منهم الجزية باسم الصدقة ولأنهم أهل ذمة فكان الواجب عليهم جزية لا صدقة كغيرهم من أهل الذمة ولأنه مال يؤخذ من أهل الكتاب لحقن دمائهم ومساكنهم فكان جزية كما لو أخذ باسم الجزية يحققه أن الزكاة طهرة وهؤلاء لا طهرة لهم

Bagian V09/P274–V09/P276

فعلى هذا يكون مصرف المأخوذ منهم مصرف القيء لا مصرف الصدقات وهذا أقيس واحتج أصحابنا بأنهم سألوا عمر أن يأخذ منهم ما يأخذ بعضكم من بعض فأجابهم عمر إليه بعد الامتناع منه والذي يأخذه بعضنا من بعض هو الزكاة من كل مال زكوي لأي مسلم كان من صغير وكبير وصحيح ومريض كذلك المأخوذ من بني تغلب ولأن نساءهم وصبيانهم صينوا عن النبي بهذا الصلح ودخلوا في حكمه فجاز أن يدخلوا في الواجب به كالرجال العقلاء وعلى هذا من كان منهم فقيرا أو له مال غير زكوي كالدور وثياب البذلة وعبيد الخدمة لا شيء عليه كما لا يجب ذلك على أهل الزكاة من المسلمين ولا تؤخذ مما لم يبلغ نصابا فأما مصرف المأخوذ منهم فاختار القاضي أن مصرفه مصرف الفيء لأنه مأخوذ من مشرك ولأنه جزية مسماة بالصدقة وقال أبو الخطاب مصرفه إلى أهل الصدقات لأنه مسمى باسم الصدقة مسلوك به فيمن يؤخذ منه مسلك الصدقة فيكون مصرفه مصرفها والأول أقيس وأصح لأن معنى الشيء أخص به من اسمه ولهذا لو سمي رجل أسدا أو نمرا أو أسود أو الجر لم يصر له حكم المسمى بذلك ولأن هذا لو كان صدقة على الحقيقة لجاز دفعها إلى فقراء من أخذت منهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم فصل فإن بذل التغلبي أداء الجزية وتحط عند الصدقة لم يقبل منه لأن الصلح وقع على هذا فلا يغير ويحتمل أن يقبل منه لقول الله تعالى حتى يعطوا الجزية عن يد التوبة 29 وهذا قد أعطى الجزية وإن كان باذلو الجزية منهم حربيا قبلت منه للآية وخبر بريدة ادعهم إلى أداء الجزية فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ولأنه لم يدخل في صلح الأولين فلم يلزمه حكمه وهو كتابي باذل للجزية فيحقن بها دمه وإن أراد إمام نقض صلحهم وتجديد الجزية عليهم كفعل عمر بن عبد العزيز لم يكن له ذلك لأن عقد الذمة على التأبيد وقد عقده معهم عمر بن الخطاب فلم يكن لغيره نقضه ما داموا على العهد فصل فأما سائر أهل الكتاب من النصارى واليهود العرب وغيرهم فالجزية منهم مقبولة ولا يؤخذون بما يؤخذ به نصارى بني تغلب نص أحمد على هذا ورواه عن الزهري قال وتذهب إلى أن يأخذ من مواشي بني تغلب خاصة الصدقة ونضعف عليهم كما فعل عمر رضي الله عنه وذكر القاضي وأبو الخطاب أن حكم من تنصر من تنوخ وبهرا أو تهود من كنانة وحمير وتمجس من تميم حكم بني تغلب سواء وذكر ذلك عن الشافعي نص عليه في تنوخ وبهرا لأنهم من العرب فأشبهوا بني تغلب ولنا عموم قوله تعالى حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون التوبة 29 وأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن فقال خذ من كل حالم دينارا وهم عرب وقبل الجزية من أهل نجران وهم من بني الحارث بن كعب قال الزهري أول من أعطى الجزية أهل نجران وكانوا نصارى وأخذ الجزية من أكيدر دومة وهو عربي وحكم الجزية ثابت بالكتاب والسنة في كل كتابي عربيا كان أو غير عربي إلا ما خص به بنو تغلب لمصالحة عمر إياهم ففيما عداهم يبقى الحكم على عموم الكتاب وشواهد السنة ولم يكن بين غير بني تغلب وبين أحد من الأئمة صلح كصلح بني تغلب فيما بلغنا ولا يصح قياس غير بني تغلب عليهم لوجوه أحدها أن قياس سائر العرب عليهم يخالف النصوص التي ذكرناها ولا يصح قياس المنصوص عليه على ما تلزم منه مخالفة النص والثاني أن العلة في بني تغلب الصلح ولم يوجد الصلح مع غيرهم ولا يصح القياس مع تخلف العلة

Bagian V09/P276–V09/P277

الثالث أن بني تغلب كانوا ذوي قوة وشوكة لحقوا بالروم وخيف منهم الضرر إن لم يصالحوا ولم يوجد هذا في غيرهم فإن وجد هذا في غيرهم فامتنعوا من أداء الجزية وخيف الضرر بترك مصالحتهم فرأى الإمام مصالحتهم على أداء الجزية باسم الصدقة جاز ذلك إذا كان المأخوذ منهم بقدر ما يجب من الجزية أو زيادة قال علي بن سعيد سمعت أحمد يقول أهل الكتاب ليس عليهم في مواشيهم صدقة ولا في أموالهم إنما تؤخذ منهم الجزية إلا أن يكونوا صولحوا على أن تؤخذ منهم كما صنع عمر في نصارى بني تغلب حين أضعف عليهم الصدقة في صلحه إياهم وذكر هذا أبو إسحاق صاحب المهذب في كتابه والحجة في هذا قصة بني تغلب وقياسهم عليهم إذا كانوا في معناهم أما قياس من لم يصالح عليهم في جعل جزيتهم صدقة فلا يصح والله أعلم فصل وإذا اتجر نصراني تغلبي فمر بالعاشر فقال أحمد يؤخذ منه العشر ضعف ما يؤخذ من أهل الذمة وروي بإسناده عن زياد بن حدير أن عمر بعثه مصدقا أن يأخذ من نصارى بني تغلب العشر ومن نصارى أهل الكتاب نصف العشر ورواه أبو عبيد وقال حديث داود بن كردوس والنعمان بن زرعة هو الذي عليه العمل أن يكون عليهم الضعف مما على المسلمين ألا تسمعه يقول من كل عشرين درهما درهما وإنما يؤخذ من المسلمين إذا مروا بأموالهم ربع العشر من كل أربعين درهما درهم فذاك ضعف هذا وهذا ظاهر كلام الخرقي لقوله مثلا ما يؤخذ من المسلمين وهو أقيس فإن الواجب في سائر أموالهم ضعف ما على المسلمين لا ضعف ما على أهل الذمة مسألة قال ( ولا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم في إحدى الروايتين عن أبي عبد الله رحمه الله والرواية الأخرى تؤكل ذبائحهم وتنكح نساؤهم ) اختلفت الرواية عن أبي عبد الله في أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم فعنه لا يحل ذلك وهو قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومذهب الشافعي لم يبح الشافعي ذبائح العرب من أهل الكتاب كلهم وكره ذبائح بني تغلب عطاء وسعيد بن جبير ومحمد بن علي والنخعي وقال علي رضي الله عنه إنهم لم يتمسكوا من دينهم إلا بشرب الخمر ولأنه يحتمل أنهم دخلوا في دين الكفر بعد التبديل فلم يحل ذلك منهم والرواية الثانية تحل ذبائحهم ونساؤهم وهذا الصحيح عن أحمد رواه عنه الجماعة وكان آخر الروايتين عنه قال إبراهيم بن الحارث فكان آخر قوله على أنه لا يرى بذبائحهم بأسا وهذا قول ابن عباس وروي نحوه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبه قال الحسن والنخعي والشعبي والزهري وعطاء الخراساني والحكم وحماد وإسحاق وأصحاب الرأي قال الأثرم وما علمت أحدا كرهه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلا عليا وذلك لدخولهم في عموم قوله تعالى وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم المائدة 5 ولأنهم أهل كتاب يقرون على الذين دينهم ببذل المال فتحل ذبائحهم ونساؤهم كبني إسرائيل مسألة قال ( ومن يجز من أهل الذمة إلى غير بلده أخذ منه نصف العشر في السنة ) اشتهر هذا عن عمر رضي الله عنه وصحت الرواية عنه به وقال الشافعي ليس عليه إلا الجزية إلا أن يدخل أرض الحجاز فينظر في حاله فإن كان لرسالة أو نقل ميرة أذن له بغير شيء وإن كان لتجارة لا حاجة بأهل الحجاز إليها لم يأذن له إلا أن يشترط عليه عوضا بحسب ما يراه والأولى أن يشترط نصف العشر لأن عمر شرط نصف العشر على من دخل الحجاز من أهل الذمة

Bagian V09/P277–V09/P278

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم ليس على المسلمين عشور إنما العشور على اليهود والنصارى رواه أبو داود وروى الإمام أحمد عن سفيان عن هشام عن أنس بن سيرين قال بعثني أنس بن مالك إلى العشور فقلت تبعتني إلى العشور بين عمالك قال أما ترضى أن أجعلك على ما جعلني عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمرني أن آخذ من المسلمين ربع العشر ومن أهل الذمة نصف العشر وهذا كان بالعراق وروى أبو عبيد في كتاب الأموال بإسناده عن لاحق بن حميد أن عمر بعث عثمان بن حنيف إلى الكوفة فجعل على أهل الذمة في أموالهم التي يختلفون فيها في كل عشرين درهما درهما وقد ذكرنا حديث زياد بن حدير أن عمر أمره أن يأخذ من نصارى بني تغلب العشر ومن نصارى أهل الكتاب نصف العشر وهذا كان بالعراق واشتهرت هذه القصص ولم تنكر فكانت إجماعا وعمل به الخلفاء بعده ولم يأت تخصيص الحجاز بنصف العشر في شيء من الأحاديث علمناه لا عن عمر ولا عن غيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بل ظاهر أحاديثهم أن ذلك في غير الحجاز وما وجب من المال في الحجاز وجب في غيره كالديون والصدقات فصل ولا تؤخذ منهم في السنة إلا مرة نص عليه أحمد في رواية جماعة من أصحابه وقال كذا روي عن إبراهيم النخعي عن عمر حين كتب ألا يأخذ في السنة إلا مرة أن يأخذ من الذمي نصف العشر وهذا قول الشافعي في الداخلين أرض الحجاز وروى الإمام أحمد بإسناده قال جاء رجل نصراني إلى عمر فقال إن عاملك عشرني في السنة مرتين قال ومن أنت قال أنا الشيخ النصراني قالعمر وأنا الشيخ الحنيف ثم كتب إلى عامله أن لا تعشروا في السنة إلا مرة ولأن الجزية والزكاة إنما تؤخذ في السنة مرة واحدة فكذلك هذا إذا ثبت هذا فإنه متى أخذ منهم ذلك مرة كتب لهم حجة بأدائهم لتكون وثيقة لهم وحجة على من يمرون عليه فلا يعشرهم ثانية فإن مر ثانية بأكثر من المال الذي أخذ منه أخذ من الزيادة لأنها لم تعشر فصل ولا يؤخذ منهم من غير مال التجارة فلو مر بالعاشر منهم منتقل ومعه أمواله أو سائمة لم يؤخذ منه شيء نص عليه أحمد وإن كانت ماشيته للتجارة أخذ منه نصف عشرها واختلفت الرواية في القدر الذي يؤخذ منه نصف العشر فروى عنه صالح من كل عشرين دينارا دينارا يعني فإذا نقصت من العشرين فليس عليه شيء لأن ما دون النصاب لا تجب فيه زكاة على مسلم ولا على تغلبي فلا يجب فيه على ذمي شيء كالذي دون العشرة وروى صالح أيضا أنه قال إذا مروا بالعاشر فإن كانوا أهل الحرب أخذ منهم العشر من العشرة واحدا وإن كانوا من أهل الذمة أخذ منهم نصف العشر من كل عشرين دينارا دينارا فإذا نقصت فليس عليه شيء وإن نقص مال الحربي عن عشرة دنانير لم يؤخذ منه شيء ولا يؤخذ منهم إلا مرة واحدة المسلم والذمي في ذلك سواء وروي عن أحمد أن في العشرة نصف مثقال وليس فيما دون العشرة شيء نص على هذا في رواية أبي الحارث قال قلت إذا كان مع الذمي عشرة دنانير قال تأخذ منه نصف دينار قلت فإن كان معه أقل من عشرة دنانير قال إذا نقصت لم يؤخذ منه شيء وذلك لأن العشرة مال يبلغ واجبه نصف دينار فوجب فيه كالعشرين في حق المسلم أو نقول مال معشور فوجب في العشرة منه كمال الحربي وقال ابن حامد يؤخذ عشر الحربي ونصف عشر الذمي مما قل أو كثر لأن عمر قال خذ من كل عشرين درهما درهما ولأنه حق عليه فوجب في قليله وكثيره كنصيب المالك في أرضه التي عامله عليها

Bagian V09/P278–V09/P279

ولنا إنه عشر أو نصف عشر وجب بالشرع فاعتبر له نصاب كزكاة الزرع والثمر ولأنه حق يتقدر بالحول فاعتبر له النصاب كالزكاة وأما قول عمر فالمراد به والله أعلم بيان قدر المأخوذ وأنه نصف العشر ومعناه إذا كان معه عشرة دنانير فخذ من كل عشرين درهما درهما لأن في صدر الحديث أن عمر بعث مصدقا وأمره أن يأخذ من المسلمين من كل أربعين درهما درهما ومن أهل الذمة من كل عشرين درهما درهما ومن أهل الحرب من كل عشرة واحدا وإنما يؤخذ ذلك من المسلم إذا كان معه نصاب فكذلك من غيره فصل واختلفت الرواية عن أحمد في العاشر يمر عليه الذمي بخمر أو خنزير فقال في موضع قال عمر ولوهم بيعها لا يكون إلا على الآخذ منها وروي بإسناده عن سويد بن غفلة في قول عمر ولوهم بيع الخمر والخنزير بعشرها قال أحمد إسناد جيد وممن رأى ذلك مسروق والنخعي وأبو حنيفة ووافقهم محمد بن الحسن في الخمر خاصة وذكر القاضي أن أحمد نص على أنه لا يؤخذ منهم شيء وبه قال عمر بن عبد العزيز وأبو عبيد وأبو ثور قال عمر بن عبد العزيز الخمر لا يعشرها مسلم وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن عتبة بن فرقد بعث إليه بأربعين ألف درهم صدقة الخمر فكتب إليه عمر بعثت إلي بصدقة الخمر وأنت أحق بها من المهاجرين فأخبر بذلك الناس وقال والله لا استعملتكتك على شيءيءعدها قال ف فنزعه قال أبو عبيد ومعنى قولولمر رضيضي الله عنه ه ولوهم ب بيعها وخذواوا أنتم من الثمن إن الالمسلمين كانانوا يأخذوذوذوذون من أهل الذمة الخمر والخنازير من جزيتهم وخراج أرضهم بقيمتها ثم يتولى المسلمون بيعها فأنكره عمر ثم رخص لهم أن يأخذوا من أثمانها إذا كان أهل الذمة المتولين بيعها وروى بإسناده عن سويد بن غفلة أن بلالا قال لعمر إن عمالك يأخذون الخمر والخنازير في الخراج فقال لا تأخذوها منهم ولكن ولوهم بيعها وخذوا أنتم من الثمن فصل ويجوز أخذ ثمن الخمر والخنزير منهم على جزية رؤوسهم وخراج أرضهم احتجاجا بقول عمر هذا ولأنها من أموالهم التي نقرهم على اقتنائها والتصرف فيها فجاز أخذ أثمانها منهم كثيابهم فصل وإذا مر الذمي بالعاشر وعليه دين بقدر ما معه أو ينقص عن النصاب فظاهر كلام أحمد أن ذلك يمنع أخذ نصف العشر منه لأنه حق يعتبر له النصاب والحول فيمنعه الدين كالزكاة وإن ادعى أن عليه دينا لم يقبل ذلك إلا ببينة من المسلمين لأن الأصل براءة ذمته منه وإن مر بجارية فادعى أنها ابنته أو أخته ففيه روايتان إحداهما يقبل قوله قال الخلال وهو أشبه القولين لأن الأصل عدم ملكه فيها والثانية لا يقبل إلا ببينة لأنها في يده فأشبهت بهيمة مسألة قال ( وإذا دخل إلينا منهم تاجر حربي بأمان أخذ منه العشر ) وقال أبو حنيفة لا يؤخذ منه شيء إلا أن يكونوا يأخذون منا شيئا فنأخذ منهم مثله لما روي عن أبي مجلز لاحق بن حميد قال قالوا لعمر كيف نأخذ من أهل الحرب إذا قدموا علينا قال كيف يأخذون منكم إذا دخلتم إليهم قالوا قالوا العشر قال فكذلك خذوا منهم وعن زياد بنلما ولا معاهدا قال من كنتم تعشرون قال كفار أهل الحرب فنأخذ منهم كما يأخذون منا وقال الشافعي إن دخل إلينا بتجارة لا يحتاج إليها المسلمون لم يأذن له الإمام إلا بعوض بشرطه عليه ومهما شرط جاز ويستحب أن يشترط العشر ليوافق فعله فعل عمر رضي الله عنه وإن أذن مطلقا من غير شرط فالمذهب أنه لا يؤخذ منهم شيء لأنه أمان من غير شرط فلم يستحق به شيء كالهدنة ويحتمل أن يجب العشر لأن عمر أخذه

Bagian V09/P279–V09/P281

ولنا ما رويناه في المسألة التي قبلها وأن عمر أخذ منهم العشر واشتهر ذلك فيما بين الصحابة وعمل به الخلفاء الراشدون بعده والأئمة بعده في كل عصر من غير نكير فأي إجماع يكون أقوى من هذا ولم ينقل أنه شرط ذلك عليهم عند دخولهم ولا يثبت ذلك بالتخمين من غير نقل ولأن مطلق الأمر يحمل على المعهود في الشرع وقد استمر أخذ العشر منهم في زمن الخلفاء الراشدين فيجب أخذه فأما سؤال عمر عما يأخذون منا فإنما كان لأنهم سألوه عن كيفية الأخذ ومقداره ثم استمر الأخذ من غير سؤال ولو تقيد أخذنا منهم بأخذهم منا لوجب أن يسأل عنه في كل وقت فصل ويؤخذ منهم العشر من كل مال للتجارة في ظاهر كلام الخرقي وقال القاضي إذا دخلوا في نقل ميرة بالناس إليها حاجة أذن لهم في الدخول بغير عشر يؤخذ منهم وهذا قول الشافعي لأن دخولهم نفع للمسلمين ولنا عموم ما رويناه وروى صالح عن أبيه عن عبد الرحمن بن مهدي عن مالك عن الزهري عن سالم عن أبيه عن عمر أنه كان يأخذ من النبط من القطنية العشر ومن الحنطة والزبيب نصف العشر ليكثر الحمل إلى المدينة وهذا يدل على أنه يخفف عنهم إذا رأى المصلحة فيه وله الترك أيضا إذا رأى المصلحة فصل ويؤخذ العشر من كل حربي تاجر ونصف العشر من كل ذمي تاجر سواء كان ذكرا أو أنثى أو صغيرا أو كبيرا وقال القاضي ليس على المرأة عشر ولا نصف عشر سواء كانت حربية أو ذمية لكن إن دخلت الحجاز عشرت لأنها ممنوعة من الإقامة به ولا يعرف هذا التفصيل عن أحمد ولا يقتضيه مذهبه لأنه يوجب الصدقة في أموال النساء بني تغلب وصبيانهم وكذلك يوجب العشر أو نصفه في مال النساء وعموم الأحاديث المروية ليس فيها تخصيص للرجال دون النساء وليس هذا بجزية وإنما هو حق يختص بمال التجارة لتوسعه في دار الإسلام وانتفاعه بالتجارة فيها فيستوي فيه الرجل والمرأة كالزكاة في حق المسلمين فصل ولا يعشرون في السنة إلا مرة ولا يؤخذ من أقل من عشرة دنانير نص عليهما أحمد وحكي عن أبي عبد الله بن حامد أن الحربي يعشر كلما دخل إلينا وهو قول بعض أصحاب الشافعي لأننا لو أخذنا منه مرة واحدة لا نأمن أن يدخلوا فإذا جاء وقلت السنة الأخرى لم يدخلوا فتعذر الأخذ منهم ولنا إنه حق يؤخذ من التجارة فلا يؤخذ أكثر من مرة في السنة كالزكاة ونصف العشر من الذمي وقولهم يفوت غير صحيح فإنه يؤخذ منه أول ما يدخل مرة ويكتب الآخذ له بما أخذ منه فلا يؤخذ منه شيء حتى تمضي تلك السنة فإذا جاء في العام الثاني أخذ منه في أول ما يدخل وإن لم يدخل فما فات من حق السنة الأولى شيء فصل وليس لأهل الحرب دخول دار الإسلام بغير أمان لأنه لا يؤمن أن يدخل جاسوسا أو متلصصا فيضر بالمسلمين فإن دخل بغير أمان سئل فإن قال جئت رسولا فالقول قوله لأنه تتعذر إقامة البينة على ذلك ولم تزل الرسل تأتي من غير تقدم أمان وإن قال جئت تاجرا نظرنا فإن كان معه متاع يبيعه قبل قوله أيضا وحقن دمه لأن العادة جارية بدخول تجارهم إلينا وتجارنا إليهم وإن لم يكن معه ما يتجر به لم يقبل قوله لأن التجارة لا تحصل بغير مال وكذلك مدعي الرسالة إذا لم يكن معه رسالة يؤديها أو كان ممن لا يكون مثله رسول وإن قال أمنني مسلم فهل يقبل منه على وجهين أحدهما يقبل لحقن دمه كما يقبل من الرسول والتاجر والثاني لا يقبل لأن إقامة البينة عليه ممكنة فإن قال مسلم أنا أمنته قبل قوله لأنه يملك أن يؤمنه فقبل قوله فيه كالحاكم إذا قال حكمت لفلان على فلان بحق وإن كان جاسوسا خير الإمام فيه بين أربعة أشياء كالأسير وإن كان ممن ضل الطريق أو حملته الريح إلينا في مركب فقد ذكرنا حكمه

Bagian V09/P281

مسألة قال ( ومن نقض العهد بمخالفة شيء مما صولحوا عليه حل دمه وماله )

Bagian V09/P281–V09/P282

وجملة ذلك أنه ينبغي للإمام عند عقد الهدنة أن يشترط عليهم شروطا نحو ما شرطه عمر رضي الله عنه وقد رويت عن عمر رضي الله عنه في ذلك أخبار منها ما رواه الخلال بإسناده عن إسماعيل بن عياش قال حدثنا غير واحد من أهل العلم قالوا كتب أهل الجزيرة إلى عبد الرحمن بن غنم إنا حين قدمنا من بلادنا طلبنا إليك الأمان لأنفسنا وأهل ملتنا على أنا شرطنا لك على أنفسنا أن لا نحدث في مدينتنا كنيسة ولا فيما حولها ديرا ولا قلابة ولا صومعة راهب ولا نجدد ما خرب من كنائسنا ولا ما كان منها في خطط المسلمين ولا نمنع كنائسنا من المسلمين أن ينزلوها في الليل والنهار وأن نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل ولا نأوي فيها ولا في منازلنا جاسوسا وألا نكتم أمر من غش المسلمين وألا نضرب نواقيسنا إلا ضربا خفيا في جوف كنائسنا ولا نظهر عليها صليبا ولا نرفع أصواتنا في الصلاة ولا القراءة في كنائسنا فيما يحضره المسلمون ولا نخرج صليبنا ولا كتابنا في سوق المسلمين وألا نخرج باعوثا ولا شعانين ولا نرفع أصواتنا مع أمواتنا ولا نظهر النيران معهم في أسواق المسلمين وألا نجاورهم بالخنازير ولا نبيع الخمور ولا نظهر شركا ولا نرغب في ديننا ولا ندعو إليه إحدا ولا نتخذ شيئا من الرقيق الذين جرت عليهم سهام المسلمين وألا نمنع أحدا من أقربائنا إذا أراد الدخول في الإسلام وأن نلزم زينا حيثما كنا وأن لا نتشبه بالمسلمين في لبس قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر ولا في مواكبهم ولا نتكلم بكلامهم وأن لا نتكنى بكناهم وأن نجز مقادم رؤوسنا ولا نفرق نواصينا ونشد الزنانير على أوساطنا ولا ننقش خواتيمنا بالعربية ولا نركب السروج ولا نتخذ شيئا من السلاح ولا نحمله ولا نتقلد السيوف وأن نوقر المسلمين في مجالسهم ونرشد الطريق ونقوم لهم عن المجالس إذا أرادوا المجالس ولا نطلع عليهم في منازلهم ولا نعلم أولادنا القرآن ولا يشارك أحد منا مسلما في تجارة إلا أن يكون إلى المسلم أمر التجارة وأن نضيف كل مسلم عابر ثلاثة أيام ونطعمه من أوسط ما نجد ضمنا ذلك على أنفسنا وذرارينا وأزواجنا ومساكننا وإن نحن غيرنا أو خالفنا عما شرطنا على أنفسنا وقبلنا الأمان عليه فلا ذمة لنا وقد حل لك منا ما يحل لأهل المعاندة والشقاق فكتب بذلك عبد الرحمن بن غنم إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فكتب لهم عمر أن امض لهم ما سألوه وألحق فيه حرفين اشترط عليهم مع ما شرطوا على أنفسهم أن لا يشتروا من سبايانا شيئا ومن ضرب مسلما عمدا فقد خلع عهده فأنفذ عبد الرحمن بن غنم ذلك وأقر من أقام من الروم في مدائن الشام على هذا الشرط فهذه الشرط فهذه جملة شروط رضي الله عنه فإذا صولحوا عليها ثم نقض بعضهم شيئا منها فظاهر كلام الخرقي أن عهده ينتقض به وهو ظاهر ما رويناه لقولهم في الكتاب إن نحن خالفنا فقد حل لك منا ما يحل لك من أهل المعاندة والشقاق وقال عمر ومن ضرب مسلما عمدا فقد خلع عهده ولأنه عقد بشرط فمتى لم يوجد الشرط زال حكم العقد كما لو امتنع من التزام الأحكام وذكر القاضي والشريف أبو جعفر أن الشروط قسمان أحدهما ينتقض العهد بمخالفته وهو أحد عشر شيئا الامتناع عن بذل الجزية وجري أحكامنا عليهم إذا حكم بها حاكم والاجتماع على قتال المسلمين والزنا بمسلمة وإصابتها باسم نكاح وفتن مسلم عن دينه وقطع الطريق عليه وقتله وإيواء جاسوس المشركين والمعاونة على المسلمين بدلالة المشركين على عوراتهم أو مكاتبتهم وذكر الله تعالى أو كتابه أو دينه أو رسوله بسوء فالخصلتان الأوليان ينتقض العهد بهما بلا خلاف في المذهب وهو مذهب الشافعي وفي معناهما قتالهم للمسلمين منفردين أو مع أهل الحرب لأن إطلاق الأمان يقتضي ذلك فإذا فعلوه نقضوا الأمان لأنهم إذا قاتلونا لزمنا قتالهم وذلك ضد الأمان وسائر الخصال فيها روايتان أحدهما أن العهد ينتقض بها سواء شرط عليهم ذلك أو لم يشترطوا وظاهر مذهب الشافعي قريب من هذا إلا أن ما لم يشترط عليهم لا ينتقض العهد بتركه ما خلا الخصال الثلاث الأولى فإنه يتعين شرطها وينتقض العهد بتركها بكل حال وقال أبو حنيفة لا ينتقض العهد إلا بامتناع من الإمام على وجه لا يتعذر معه أخذ الجزية منهم

Bagian V09/P282–V09/P283

ولنا مع ما ذكرناه ما روي أن عمر رفع إليه رجل قد أراد استكراه امرأة مسلمة على الزنا فقال ما على هذا صالحناكم وأمر به فصلب في بيت المقدس ولأن فيه ضررا على المسلمين فأشبه الامتناع من بذل الجزية وكل موضع قلنا لا ينتقض عهده فإنه إن فعل ما فيه حد أقيم عليه حده أو قصاصه وإن لم يوجب حدا عزر ويفعل به ما ينكف به أمثاله عن فعله فإن أراد أحد منهم فعل ذلك كف عنه فإن مانع بالقتال نقض عهده ومن حكمنا بنقض عهده منهم خير الإمام فيه بين أربعة أشياء القتل والاسترقاق والفداء والمن كالأسير الحربي لأنه كافر قدرنا عليه في دارنا بغير عهد ولا عقد ولا شبهة ذلك فأشبه اللص الحربي ويختص ذلك به دون ذريته لأن النقض إنما وجد منه دونهم فاختص به كما لو أتى ما يوجب حدا أو تعزيزا فصل أمصار المسلمين على ثلاثة أقسام أحدها ما مصره المسلمون كالبصرة والكوفة وبغداد وواسط فلا يجوز فيه إحداث كنيسة ولا بيعة ولا مجتمع لصلاتهم ولا يجوز صلحهم على ذلك بدليل ما روي عن عكرمة قال قال ابن عباس أيما مصر مصرته العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه بيعة ولا يضربوا فيه ناقوسا ولا يشربوا فيه خمرا ولا يتخذون فيه خنزيرا رواه الإمام أحمد واحتج به ولأن هذا البلد ملك للمسلمين فلا يجوز أن يبنوا فيه مجامع للكفر وما وجد في هذه البلاد من البيع والكنائس مثل كنيسة الروم في بغداد فهذه كانت في قرى أهل الذمة فأقرت على ما كانت عليه القسم الثاني ما فتحه المسلمون عنوة فلا يجوز إحداث شيء من ذلك فيه لأنها صارت ملكا للمسلمين وما كان فيه من ذلك ففيه وجهان أحدهما يجب هدمه وتحرم تبقيته لأنها بلاد مملوكة للمسلمين فلم يجز أن تكون فيها بيعة كالبلاد التي اختطها المسلمون والثاني يجوز لأن في حديث ابن عباس أيما مصر مصرته العجم ففتحه الله على العرب فنزلوه فإن للعجم ما في عهدهم ولأن الصحابة رضي الله عنهم فتحوا كثيرا من البلاد عنوة فلم يهدموا شيئا من الكنائس ويشهد لصحة هذا وجود الكنائس والبيع في البلاد التي فتحت عنوة ومعلوم أنها ما أحدثت فيلزم أن تكون موجودة فأبقيت وقد كتب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إلى عماله أن لا يهدموا بيعة ولا كنيسة ولا بيت نار ولأن الإجماع قد حصل على ذلك فإنها موجودة في بلاد المسلمين من غير نكير القسم الثالث ما فتح صلحا وهو نوعان أحدهما أن يصالحهم على أن الأرض لهم ولنا الخراج عنها فلهم إحداث ما يحتاجون فيها لأن الدار لهم والثاني أن يصالحهم على أن الدار للمسلمين ويؤدون الجزية إلينا فالحكم في البيع والكنائس على ما يقع عليه الصلح معهم من إحداث ذلك وعمارته لأنه إذا جاز أن يقع الصلح معهم على أن الكل لهم جاز أن يصالحوا على أن يكون بعض البلد لهم ويكون معهم موضع الكنائس والبيع معنا والأولى أن يصالحهم على ما صالحهم عليه عمر رضي الله عنه

Pertanyaan