İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
فصل ويجوز أكل الأطعمة التي فيها الدود والسوس كالفواكه القثاء والخيار والبطيخ والحبوب والخل إذا لم تقذره نفسه وطابت به لأن التحرز من ذلك يشق ويجوز أكل العسل بقشه وفيه فراخ لذلك وإن نقاه فحسن فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتي بتمر عتيق فجعل يفتشه ويخرج السوس منه وينقيه وهذا أحسن مسألة قال ( ولا يؤكل الصيد إذا رمي بسهم مسموم إذا علم أن السم أعان على قتله ) إنما كان لذلك لأن ما قتله السم محرم وما قتله السهم وحده مباح فإذا مات بسبب مبيح ومحرم حرم كما لو مات برمية مسلم ومجوسي أو قتل الصيد كلب معلم وغيره أو وجد مع كلبه كلبا لا يعرف حاله أو رمى صيدا بسهم فوجده غريقا في الماء أو تردى من جبل أو وطىء عليه شيء فإن علم أن السم لم يعن على قتله لكون السهم أوحى منه فهو مباح لانتفاء المحرم مسألة قال ( وما كان مأواه البحر وهو يعيش في البر لم يؤكل إذا مات في بر أو بحر ) كل ما يعيش في البر من دواب البحر لا يحل بغير ذكاة كطير الماء والسلحفاة وكلب الماء إلا ما لا دم فيه كالسرطان فإنه يباح بغير ذكاة قال أحمد السرطان لا بأس به قيل له يذبح قال لا وذلك لأن مقصود الذبح إنما هو إخراج الدم منه وتطييب اللحم بإزالته عنه فما لا دم فيه لا حاجة إلى ذبحه وأما سائر ما ذكرنا فلا يحل ألا أن يذبح قال أحمد كلب الماء يذبحه ولا أرى بأسا بالسلحفاة إذا ذبح والرق يذبحه وقال قوم يحل من غير ذكاة لقول النبي صلى الله عليه وسلم في البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته ولأنه من حيوان البحر فأبيح بغير ذكاة كالسمك والسرطان وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه كل ما في البحر قد ذكاه الله تعالى لكم وروى الإمام أحمد بإسناده عن شريح رجل أدرك النبي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كل شيء في البحر مذبوحوروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله ذبح كل شيء في البحر لابن آدم ولنا إنه حيوان يعيش في البر له نفس سائلة فلم يبح بغير ذبح كالطير ولا خلاف في الطير فيما علمناه والأخبار محمولة على ما لا يعيش إلا في البحر كالسمك وشبهه لأنه لا يتمكن من تذكيته لأنه لا يذبح إلا بعد إخراجه من الماء وإذا خرج مات فصل فأما ما لا يعيش إلا في الماء كالسمك وشبهه فإنه يباح بغير ذكاة لا نعلم في هذا خلافا لما ذكرنا من الأخبار وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أحلت لنا ميتتان ودمان فأما الميتتان فالسمك والجراد وقد صح أن أبا عبيدة وأصحابه وجدوا على ساحل البحر دابة يقال لها العنبر ميتة فأكلوا منها شهرا حتى سمنوا وادهنوا فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه فقال هو رزق أخرجه الله لكم فهل معكم من لحمه شيء تطعمونا متفق عليه فصل وكل صيد البحر مباح إلا الضفدع وهذا قول الشافعي وقال الشعبي لو أكل أهلي الضفادع لأطعمتهم وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال في كل ما في البحر قد ذكاه الله لكم وعموم قول تعالى أحل لكم صيد البحر وطعامه المائدة 96
يدل على إباحة جميع صيده وروى عطاء وعمرو بن دينار أنهما بلغهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله ذبح كل شيء في البحر لابن آدم فأما الضفدع فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتله رواه النسائي فيدل ذلك على تحريمه فأما التمساح فقد نقل عنه ما يدل على أنه لا يؤكل وقال الأوزاعي لا بأس به لمن اشتهاه وقال ابن حامد لا يؤكل التمساح ولا الكوسج لأنهما يأكلان الناس وقد روي عن إبراهيم النخعي وغيره أنه قال كانوا يكرهون سباع البحر كما يكرهون سباع البر وذلك لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع وقال أبو علي النجاد ما حرم نظيره في البر فهو حرام في البحر ككلب الماء وخنزيره وإنسانه هو قول الليث في كلب الماء فإنه يرى إباحة كلب البر والبحر وقال أبو حنيفة لا يباح إلا السمك وقال مالك كل ما في البحر مباح لعموم قوله تعالى أحل لكم صيد البحر وطعامه المائدة 96 فصل وكلب الماء مباح وركب الحسن بن علي رضي الله عنه سرجا عليه جلد من جلود كلاب الماء وهذا قول مالك والشافعي والليث ويقتضيه قول الشعبي والأوزاعي ولا يباح عند أبي حنيفة وهو قول أبي علي النجاد وبعض أصحاب الشافعي ولنا عموم الآية والخبر قال عبدالله سألت أبي عن كلب الماء فقال حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج عن عمرو بن دينار وأبي الزبير سمعا شريحا رجل أدرك النبي صلى الله عليه وسلم يقول كل شيء في البحر فهو مذبوح قال فذكرت ذلك لعطاء فقال أما الطير فنذبحه وقال أبو عبدالله كلب الماء نذبحه فصل قيل لأبي عبدالله يكره الجري قال لا والله وكيف لنا بالجري ورخص فيه علي والحسن ومالك الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وسائر أهل العلم وقال ابن عباس الجري لا تأكله اليهود ووافقهم الرافضة ومخالفتهم صواب فصل وعن أحمد في السمكة توجد في بطن سمكة أخرى أو حوصلة طائر أو يوجد في حوصلته جراد فقال في موضع كل شيء أكل مرة لا يؤكل وقال في موضع الطافي أشد من هذا وقد رخص فيه أبو بكر رضي الله عنه وهذا هو الصحيح وهو مذهب الشافعي فيما في بطن السمكة دون ما في حوصلة الطائر لأنه كالرجيع ورجيع الطائر عنده نجس ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم أحلت لنا ميتتان ودمان ولأنه حيوان طاهر في محل طاهر لا تعتبر له ذكاة فأبيح كالطافي في السمك وهكذا يخرج في الشعير يوجد في بعر الجمل أو خثي الجواميس ونحوها مسألة قال ( وإذا وقعت النجاسة في مائع كالدهن وما أشبهه نجس واستصبح به وإن أحب ولم يحل أكله ولا ثمنه ) ظاهر هذا أن النجاسة إذا وقعت في مائع غير الماء نجسته وإن كثر وهذا ظاهر المذهب وعن أحمد رواية أخرى أنه لا ينجس إذا كثر قال حرب سألت أحمد عن كلب ولغ في سمن أو زيت قال إذا كان في آنية كبيرة مثل حب أو نحوه رجوت أن لا يكون به بأس يؤكل وإذا كان في آنية صغيرة فلا يعجبني أن يؤكل وسئل عن كلب وقع في خل أكثر من قلتين فخرج منه وهو حي فقال هذا أسهل من أنه لو مات وعنه رواية ثالثة ما أصله الماء كالخل التمري يدفع النجاسة عن نفسه إذا كثر وما ليس أصله الماء لا يدفع عن نفسه قال المروذي قلت لأبي عبدالله فإن وقعت النجاسة في خل أو دبس فقال أما الخل فأصله الماء يعود إلى أن يكون ماء إذا حمل عليه وقال ابن مسعود في فأرة وقعت في سمن إنما حرم من الميتة لحمها ودمها
ولنا ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أنه سئل عن فأرة وقعت في سمن قال إن كان جامدا فخذوها وما حولها فألقوه وإن كان مائعا فلا تقربوه ولأن غير الماء ليس بطهور فلا يدفع النجاسة عن نفسه وحكم الجامد قد ذكرناه فيما تقدم واختلفت الرواية في الاستصباح بالزيت النجس فأكثر الروايات إباحته لأن ابن عمر أن يستصبح به ويجوز أن تطلى به سفينة وهذا قول الشافعي وعن أحمد لا يجوز الاستصباح به وهو قول ابن المنذر لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن شحوم الميتة تطلى بها السفينة وتدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس فقال لا هو حرام وهذا معناه ولنا إنه زيت أمكن الانتفاع به من غير ضرر فجاز كالطاهر وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في العجين الذي عجن بماء من آبار ثمود أنه نهاهم عن أكله وأمرهم أن يعلفوه النواضح وهذا الزيت ليس بميتة ولا هو من شحومها فيتناوله الخبر إذا ثبت هذا فإنه يستصبح به على وجه لا يمسه ولا تتعدى نجاسته إليه إما أن يجعل الزيت في إبريق له بلبلة ويصب منه في المصباح ولا يمسه وإما أن يدع على رأس الجرة التي فيها الزيت سراجا مثقوبا أو قنديلا فيه ثقب ويطينه على رأس إناء الزيت أو يشمعه وكلما نقص زيت السراج صب فيه ماء بحيث يرتفع الزيت فيملأ السراج وما أشبه هذا ولم ير أبو عبدالله أن تدهن بها الجلود وقال يجعل منه الأسقية والقرب ونقل عن عمر أنه تدهن به الجلود وعجب أحمد من هذا وقال إن في هذا لعجبا شيء يطيب بشيء فيه ميتة فعلى قول أحمد كل انتفاع يفضي إلى تنجيس إنسان لا يجوز وإن لم يفض إلى ذلك جاز فأما أكله فلا إشكال في تحريمه فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تقربوه ولأن النجس خبيث وقد حرم الله الخبائث وأما بيعه فظاهر كلام أحمد رحمه الله تحريمه لقول النبي صلى الله عليه وسلم إذا حرم الله شيئا حرم ثمنه وقال أبو موسى لتوه بالسويق وبيعوه ولا تبيعوه من مسلم وبينوه وحكى أبو الخطاب عن أحمد رواية أنه يباع لكافر بشرط أن يعلم بنجاسته لأن الكفار يعتقدون حله ويستبيحون أكله ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه متفق عليه وكونهم يعتقدون حله لا يجوز لنا بيعه لهم كالخمر والخنزير فصل فأما شحوم الميتة وشحم الخنزير فلا يجوز الانتفاع به باستصباح ولا غيره ولا أن تطلى به السفن ولا الجلود لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله حرم الميتة والخنزير والأصنام قالوا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم شحوم المتية تطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح الناس قال لا هي حرام متفق عليه فصل إذا استصبح بالزيت النجس فدخانه نجس لأنه جزء يستحيل منه والاستحالة لا تطهر فإن علق بشيء وكان يسيرا عفي عنه لأنه لا يمكن التحرز منه فأشبه دم البراغيث وإن كان كثيرا لم يعف عنه فصل سئل أحمد عن خباز خبز خبزا فباع منه ثم نظر في الماء الذي عجن منه فإنه فيه فأرة فقال لا يبيع الخبز من أحد وإن باعه استرده فإن لم يعرف صاحبه تصدق بثمنه ويطعمه من الدواب ما لا يؤكل لحمه ولا يطعم لما يؤكل إلا أن يكون إذا أطعمه لم يذبح حتى يكون له ثلاثة أيام على معنى الجلالة قيل له أليس قبل النبي صلى الله عليه وسلم لا تنتفعوا من الميتة قال ليس هذا بمنزلة الميت إنما اشتبه عليه قيل له فهو بمنزلة كسب الحجام يطعم الناضح والرقيق قال هذا أشد عندي لا يطعم الرقيق لكن يعلفه البهائم قيل له أين الحجة قال حدثنا عبد الصمد عن صخر عن نافع عن ابن عمر أن قوما اختبزوا من آبار الذين مسخوا فقال النبي صلى الله عليه وسلم أطعموه النواضح
فصل قال أحمد لا أرى أن يطعم كلبه المعلم الميتة ولا الطير المعلم لأنه يضربه على الميتة فإن أكل الكلب فلا أرى صاحبه حرجا ولعل أحمد كره أن يكون الكلب المعلم إذا صاد وقتل أكل منه لتضريته بإطعامه الميتة ولم يكره مالك إطعام كلبه وطيره الميتة لأنه غير مأكول إذا كان لا يشرب في إنائه فصل قال أحمد أكره أكل الطين ولا يصح فيه حديث إلا إنه يضر بالبدن ويقال إنه رديء وتركه خير من أكله وإنما كرهه أحمد لأجل مضرته فإن كان منه ما يتداوى به كالطين الأرمني فلا يكره وإن كان مما لا مضرة فيه ولا نفع كالشيء اليسير جاز أكله لأن الأصل الإباحة والمعنى الذي لأجله كره ما يضر وهو منتف ها هنا فلم يكره فصل ويكره أكل البصل والثوم والكراث والفجل وكل ذي رائحة كريهة من أجل رائحته سواء أراد دخول المسجد أو لم يرد لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الناس رواه ابن ماجه وإن أكله لم يقرب من المسجد لقول النبي صلى الله عليه وسلم من أكل هاتين الشجرتين فلا يقربن مصلانا وفي رواية فلا يقربنا في مساجدنا رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وليس أكلها محرما لما روى أبو أيوب أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إليه بطعام لم يأكل منه النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال النبي صلى الله عليه وسلم فيه الثوم فقال يا رسول الله أحرام هو قال لا ولكنني أكرهه من أجل ريحه قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي كل الثوم فلولا أن الملك يأتيني لأكلته وإنما منع أكلها لئلا يؤذي الناس برائحته ولذلك نهى عن قربان المساجد فإن أتى المساجد كره له ذلك ولم يحرم عليه لما روى المغيرة بن شعبة قال أكلت ثوما وأتيت مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سبقت بركعة فلما دخلت المسجد وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ريح الثوم فلما قضى صلاته قال من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا حتى يذهب ريحها فجئت فقلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لتعطي يدك قال فأدخلت يده في كم قميصي إلى صدري فإذا أنا معصوب الصدر فقال إن لك عذرا رواه أبو داود وقد روي عن أحمد أنه يأثم لأن ظاهر النهي التحريم ولأن أذى المسلمين حرام وهذا فيه أذاهم فصل ويكره أكل الغدة وأذن القلب لما روي عن مجاهد قال كره رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشاة ستا وذكر هذين ولأن النفس تعافهما وتستخبثهما ولا أظن أحمد كرههما إلا لذلك لا للخبر لأنه قال فيه هذا حديث منكر ولأن في الخبر ذكر الطحال وقد قال أحمد لا بأس به ولا أكره منه شيئا فصل وقيل لأبي عبدالله الجبن قال يؤكل من كل وسئل عن الجبن الذي يصنعه المجوس فقال ما أدري إلا أن أصح حديث فيه حديث الأعمش عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل قال سئل عمر عن الجبن وقيل له يعمل فيه الأنفحة الميتة فقال سموا أنتم وكلوا رواه أبو معاوية عن الأعمش وقال أليس الجبن الذي تأكله عامته يصنعه المجوس فصل ولا يجوز أن يشترى الجوز الذي يتقامر به الصبيان ولا البيض الذي يتقامرون به يوم العيد لأنهم يأخذونه بغير حق فصل قال أحمد والضيافة على كل المسلمين كل من نزل عليه ضيف كان عليه أن يضيفه قيل إن ضاف الرجل ضيف كافر يضيفه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الضيف حق واجب على كل مسلم وهذا الحديث بين ولما أضاف المشرك دل على أن المسلم والمشرك يضاف وأنا أراه كذلك والضيافة معناها معنى صدقة التطوع على المسلم والكافر واليوم والليلة حق واجب وقال الشافعي ذلك مستحب وليس بواجب لأنه غير مضطر إلى طعامه فلم يجب عليه بذله كما لو لم يضفه
ولنا ما روى المقدام بن أبي كريمة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الضيف حق واجب فإن أصبح بفنائه فهو دين عليه إن شاء اقتضى وإن شاء ترك حديث صحيح وفي لفظ أيما رجل ضاف قوما فأصبح الضيف محروما فإن نصره على كل مسلم حق يأخذ بحقه من زرعه وماله رواه أبو داود والواجب يوم وليلة الكمال ثلاثة أيام لما روى أبو شريح الخزاعي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الضيافة ثلاثة أيام وجائزته يوم وليلة ولا يحل لمسلم أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه قالوا يا رسول الله كيف يؤثمه قال يقيم عنده وليس عنده ما يقربه متفق عليه قال أحمد جائزته يوم وليلة كأنه أوكد من سائر الثلاثة ولم يرد يوما وليلة سوى الثلاثة لأنه يصير أربعة أيام وقد قال وما زاد على الثلاثة فهو صدقة فإن امتنع من إضافته فللضيف بقدر ضيافته قال أحمد له أن يطالبهم بحقه الذي جعله له النبي صلى الله عليه وسلم ولا يأخذ شيئا إلا بعلم أهله وعنه رواية أخرى أن له يأخذ ما يكفيه بغير إذنهم لما روى عقبة بن عامر قال قلنا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنك تبعثنا فننزل بقوم لا يقروننا قال إذا نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم متفق عليه وقال أحمد في تفسير قول النبي صلى الله عليه وسلم فله أن يعقبهم بمثل قراه يعني أن يأخذ من أرضهم وزرعهم وضرعهم بقدر ما يكفيه بغير إذنهم وعن أحمد رواية أخرى أن الضيافة على أهل القرى دون أهل الأمصار قال الأثرم سمعت أبا عبدالله يسأل عن الضيافة أي شيء تذهب فيها قال هي مؤكدة وكأنها على أهل الطرق والقرى الذين يمر بهم الناس أوكد فأما مثلنا الآن فكأنه ليس مثل أولئك فصل قال المروذي سألت أبا عبدالله قلت تكره الخبز الكبار قال نعم أكرهه ليس فيه بركة إنما البركة في الصغار وقال مرهم أن لا يخبزوا كبارا قال رأيت أبا عبدالله يغسل يديه قبل الطعام وبعده وإن كان على وضوء وقال مهنا ذكرت ليحيى بن معين حديث قيس بن الربيع عن أبي هاشم عن زاذان عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال بركة الطعام الوضوء قبله وبعده فقال لي يحيى ما أحسن الوضوء قبله وبعده وذكرت الحديث لأحمد فقال ما حدث بهذا إلا قيس بن الربيع وهو منكر الحديث قلت بلغني عن يحيى بن سعيد قال كان سفيان يكره غسل اليد عند الطعام لم كره سفيان ذلك قال لأنه من زي العجم قلت بلغني عن يحيى بن سعيد قال كان سفيان يكره أن يكون تحت القصعة الرغيف لم كرهه سفيان قال كره أن يستعمل الطعام قلت تكرهه أنت قال نعم وروي عن عقيل قال حضرت مع ابن شهاب وليمة ففرشوا المائدة بالخبز فقال لا تتخذوا الخبز بساطا وقال المروذي قلت لأبي عبدالله إن أبا معمر قال إن أبا أسامة قدم إليهم خبزا فكسره قال هذا لئلا تعرفوا كم تأكلون وقيل لأبي عبدالله يكره الأكل متكئا قال أليس قال النبي صلى الله عليه وسلم لا آكل متكئا رواه أبو داود وعن شعيب بن عبدالله بن عمرو عن أبيه قال ما رئي رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل متكئا قط رواه أبو داود وعن ابن عمر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأكل الرجل وهو منبطح رواه أبو داود
فصل وتستحب التسمية عند الطعام وحمد لله عند آخره لما روى عمر بن أبي سلمة قال أكلت مع النبي صلى الله عليه وسلم فجالت يدي في القصعة فقال سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك قال فما زالت أكلتي بعد رواه ابن ماجه بمعناه وأبو داود وروى الأمام أحمد بإسناده عن أبي هريرة قال لا أعلمه إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للطاعم الشاكر مثل ما للصائم الصابر قال أحمد معناه إذا أكل وشرب يشكر الله ويحمده على ما رزقه وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله فإن نسي أن يذكر اسم الله في أوله فليقل باسم الله أوله وآخره رواه أبو داود وعن معاذ بن أنس عن رسول الله قال من أكل طعاما فقال الحمد لله الذي أطعمني هذا ورقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه وعن أبي سعيد قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أكل طعاما قال الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين وعن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع طعامه أو ما بين يديه قال الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه غير مكفي ولا مودع رواه ابن ماجه فصل ويأكل بيمينه ويشرب بها لما روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب فليشرب بيمينه فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه ويستحب الأكل بثلاث أصابع لما روى كعب بن مالك قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل بثلاث أصابع ولا يمسح يده حتى يلعقها رواه الإمام أحمد وذكر له حديث ترويه ابنة الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل بكفه كلها فلم يصححه ولم ير إلا ثلاث أصابع وروي عن أحمد أنه أكل خبيصا بكفه كلها وروي عن عبدالله بن بريدة أنه كان ينهى بناته أن يأكلن بثلاث أصابع وقال لا تشبهن بالرجال فصل قال مهنا سألت أحمد عن حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تقطعوا اللحم بالسكين فإن ذلك صنيع الأعاجم فقال ليس بصحيح لا نعرف هذا وقال حديث عمرو بن أمية الضمري خلاف هذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحتز من لحم الشاة فقام إلى الصلاة وطرح السكين وحديث مسعر عن جامع بن شداد عن المغيرة اليشكري عن المغيرة بن شعبة ضفت برسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فأمر بجنب فشوي ثم أخذ الشفرة فجعل يحز فجاء بلال يؤذنه بالصلاة فألقى الشفرة قال وسألت أحمد عن حديث أبي جحيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اكفف جشاءك يا أبا جحيفة فإن أكثركم شبعا اليوم جوعا يوم القيامة فقال هو ويحيى جمعا ليس بصحيح فصل وروي عن ابن عباس قال لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفخ في طعام ولا شراب ولا يتنفس في الإناء وعن أنس قال ما أكل النبي صلى الله عليه وسلم على خوان ولا في سكرجة وقال قتادة فعلام كانوا يأكلون قال على السفر وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يقام على الطعام حتى يرفع وعن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وضعت المائدة فلا يقم رجل حتى ترفع المائدة ولا يرفع يده وإن شبع حتى يفرغ القوم وليعذر فإن الرجل يخجل جليسه فيقبض يده وعلى أن يكون له في الطعام حاجة وعن نبيشة قال قال النبي صلى الله عليه وسلم من أكل في قصعة فلحسها استغفرت له القصعة وعن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمسح أحدكم يده حتى يلعقها فإنه لا يدري في أي طعامه البركة رواهن ابن ماجه
فصل وسئل أبو عبدالله عن غسل اليد بالنجاسة فقال لا بأس به نحن نفعله وسئل عن الرجل يأتي القوم وهم على طعام فجأة لم يدع إليه فلما دخل إليهم دعوه هل يأكل قال نعم وما بأس وسئل عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه ادخر لأهله قوت سنة هو صحيح قال نعم ولكنهم يختلفون في لفظه فصل عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى سعد بن عبادة فجاء بخبز وزيت فأكل ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة وعن جابر قال صنع أبو الهيثم بن التيهان للنبي صلى الله عليه وسلم طعاما فدعا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فلما فرغوا قال أثيبوا أخاكم قالوا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما إثابته قال إن الرجل إذا دخل بيته فأكل طعامه وشرب شرابه فدعوا له فذلك إثابته رواه أبو داود والله أعلم كتاب الأضاحي الأصل في مشروعية الأضحية الكتاب والسنة والإجماع وأما الكتاب فقول الله سبحانه فصل لربك وانحر الكوثر 2 قال بعض أهل التفسير المراد به الأصحية بعد صلاة العيد وأما السنة فما روى أنس قال ضحى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما متفق عليه والأملح الذي فيه بياض وسواد وبياضه أغل قال الكسائي وقال ابن الأعرابي وهو النقي البياض قال الشاعر حتى اكتسى الرأس قناعا أشيبا أملح لا لدا ولا محببا وأجمع المسلمون على مشروعية الأضحية مسألة قال ( والأضحية سنة لا يستحب تركها لمن يقدر عليها ) أكثر أهل العلم يرون الأضحية سنة مؤكدة غير واجبة روي ذلك عن أبي بكر وعمرو وبلال وأبي مسعود البدري رضي الله عنهم وبه قال سويد بن غفلة وسعيد بن المسيب وعلقمة والأسود وعطاء والشافعي وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر وقال ربيعة ومالك والثوري والأوزاعي والليث وأبو حنيفة هي واجبة لما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من كان له سعة ولم يضع فلا يقربن مصلانا وعن محنف بن سليم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يا أيها الناس إن على كل أهل بيت في كل عام أضحاة وعتيرة ولنا ما روى الدارقطني بأسناده عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاث كتبت علي وهن لكم تطوع وفي رواية الوتر والنحر وركعتا الفجرلإ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أراد أن يضحي فدخل العشر فلا يأخذ من شعره ولا بشرته شيئا رواه مسلم علقه على الإرادة والواجب لا يعلق على الإرادة ولأنها ذبيحة لم يجب تفريق لحمها فلم تكن واجبة كالعقيقة فأما حديثهم فقد ضعفه أصحاب الحديث ثم نحمله على تأكيد الاستحباب كما قال غسل الجمعة واجب على كل محتلم وقال من أكل من هاتين الشجرتين فلا يقربن مصلانا وقد روي عن أحمد في اليتيم يضحي عنه وليه إذا كان موسرا وهذا على سبيل التوسعة في يوم العيد لا على سبيل الإيجاب فصل والأضحية أفضل من الصدقة بقيمتها نص عليه أحمد وبهذا قال ربيعة وأبو الزناد وروي عن بلال أنه قال ما أبالي أن لا أضحي إلا بديك ولأن أضعه في يتيم قد ترب فوه فهو أحب إلي من أن أضحي وبهذا قال الشعبي وأبو ثور وقالت عائشة لأن أتصدق بخاتمي هذا أحب إلي من أن أهدي إلى البيت ألفا ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى والخلفاء بعده ولو علموا أن الصدقة أفضل لعدلوا إليها
وروت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما عمل ابن آدم يوم النحر عملا أحب إلى الله من إراقة دم وإنه ليؤتى يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض فطيبوا بها نفسا رواه ابن ماجه ولأن إيثار الصدقة على الأضحية يفضي إلى ترك سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأما قول عائشة فهو في الهدي دون الأضحية وليس الخلاف فيه مسألة قال ( ومن أراد أن يضحي فدخل العشر فلا يأخذ من شعره ولا بشرته شيئا ) ظاهر هذا تحريم قص الشعر وهو قول بعض أصحابنا وحكاه ابن المنذر عن أحمد وإسحاق وسعيد بن المسيب وقال القاضي وجماعة من أصحابنا هو مكروه غير محرم وبه قال مالك والشافعي لقول عائشة كنت أفتل قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يقلدها بيده ثم يبعث بها ولا يحرم عليه شيء أحله الله له حتى ينحر الهدي متفق عليه وقال أبو حنيفة لا يكره ذلك لأنه لا يحرم عليه الوطء واللباس فلا يكره له حلق الشعر وتقليم الأظافر كما لو لم يرد أن يضحي ولنا ما روت أم سلمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئا حتى يضحي رواه مسلم ومقتضى النهي التحريم وهذا يرد القياس ويبطلهم وحديثهم عام وهذا خاص يجب تقديمه بتنزيل العام على ما عداها تناوله الحديث الخاص ولأنه يجب حمل حديثهم على غير محل النزاع لوجوه منها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ليفعل ما نهى عنه وإن كان مكروها قال الله تعالى إخبارا عن شعيب وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه هود 88 ولأن أقل أحوال النهي أن يكون مكروها ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليفعله فيتعين حمل ما فعله في حديث عائشة على غيره ولأن عائشة تعلم ظاهرا ما يباشرها به من المباشرة أو ما يفعله دائما كاللباس والطيب فأما ما يفعله نادرا كقص الشعر وقلم الأظافر مما لا يفعله في الأيام إلا مرة فالظاهر أنها لم ترده بخبرها وإن احتمل إرادتها إياه فهو احتمال بعيد وما كان هكذا فاحتمال تخصيصه قريب فيكفي فيه أدنى دليل وخبرنا دليل فكان أولى بالتخصيص ولأن عائشة تخبر عن أم سلمة عن قوله والقول يقدم على فعل احتمال أن يكون فعله خاصا له إذا ثبت فإنه يترك قطع الشعر وتقليم الأظافر فإن فعل استغفر الله تعالى ولا فدية فيه إجماعا سواء فعله عمدا أو نسيانا مسألة قال ( وتجزىء البدنة عن سبعة وكذلك البقرة ) وهذا قول أكثر أهل العلم روي ذلك عن علي وابن عمر وابن مسعود وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم وبه قال عطاء وطاوس وسالم والحسن وعمرو بن دينار والثوري والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وعن عمر أنه قال لا تجزىء نفس واحدة عن سبعة ونحوه قول مالك قال أحمد ما علمت أحدا إلا يرخص في ذلك ألا ابن عمر وعن سعيد بن المسيب أن الجزور عن عشرة والبقرة عن سبعة وبه قال إسحاق لما روى رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم فعدل عشرة من الغنم ببعير متفق عليه وعن ابن عباس قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فحضر الأضحى فاشتركنا في الجزور عن عشرة والبقرة عن سبعة رواه ابن ماجة
ولنا ما روى جابر قال نحرنا بالحديبية مع النبي صلى الله عليه وسلم البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة وقال أيضا كنا نتمتع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنذبح البقرة عن سبعة نشترك فيها رواه مسلم وهذا إن صح من حديثهم وأما حديث رافع فهو في القسمة لا في الأضحية إذا ثبت هذا فسواء كان المشتركون من أهل بيت أو لم يكونوا مفترضين أو متطوعين أو كان بعضهم يريد القربة وبعضهم يريد اللحم لأن كل إنسان منهم أنما يجزىء عنه نصيبه فلا تضره نية غيره في عشرة فصل ولا بأس أن يذبح الرجل عن أهل بيته شاة واحدة أو بقرة أو بدنة نص عليه أحمد وبه قال مالك والليث والأوزاعي وإسحاق وروي ذلك عن ابن عمر وأبي هريرة قال صالح قلت لأبي يضحى بالشاة عن أهل البيت قال نعم لا بأس قد ذبح النبي صلى الله عليه وسلم كبشين فقرب أحدهما فقال بسم الله اللهم هذا عن محمد وأهل بيته وقر الآخر فقال بسم الله اللهم هذا منك ولك عمن وحدك من أمتي وحكي عن أبي هريرة أنه كان يضحي بالشاة فتجيء ابنته فتقول عني فيقول وعنك وكره ذلك الثوري وأبو حنيفة لأن الشاة لا تجزىء عن أكثر من واحد فإذا اشترك فيها اثنان لم تجز عنهما كالأجنبيين ولنا ما روى مسلم بإسناده عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بكبش ليضحي به فأضجعه ثم ذبحه ثم قال بسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد وعن جابر قال ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الذبح كبشين أملحين أقرنين فلما وجههما قال وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض على ملة إبراهيم حنيفا مسلما وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين اللهم منك ولك عن محمد وأمته بسم الله والله أكبر ثم ذبح رواه أبو داود وروى ابن ماجه عن أبي أيوب قال كان الرجل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون الناس حديث حسن صحيح فصل وأفضل الأضاحي البدنة ثم البقرة ثم الشاة ثم شرك في بقرة وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك الأفضل الجذع من الضأن ثم البقرة ثم البدنة لأن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين ولا يفعل إلا الأفضل ولو علم الله خيرا منه لفدى إسحاق به ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في الجمعة من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة ولأنه ذبح يتقرب به إلى الله تعالى فكانت البدنة منه أفضل كالهدي فإنه قد سلمه ولأنها أكثر ثمنا ولحما وأنفع فأما التضحية بالكبش فلأنه أفضل أجناس الغنم وكذلك حصول الفداء به أفضل والشاة أفضل من شرك في بدنة لأن إراقة الدم مقصودة في الأضحية والمنفرد يتقرب بءراقته كله والكبش أفضل الغنم لأنه أضحية النبي صلى الله عليه وسلم وهو أطيب لحما وذكر القاضي أن جذع الضأن أفضل من ثني المعز لذلك ولأنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال نعم الأضحية الجذع من الضأن وهو حديث غريب ويحتمل أن الثني أفضل لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا تذبحوا ألا مسنة فإن عسر عليكم فاذبحوا الجذع من الضأن رواه مسلم وأبو داود وهذا يدل على فضل الثني على الجذع لكونه جعل الثني أصلا والجذع بدلا لا ينتقل إليه إلا عند عدم الثني فصل ويسن استسمان الأضحية واستحسانها لقول الله تعالى ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب الحج 32
قال ابن عباس تعظيمها استسمانها واستعظامها واستحسانها ولأن ذلك أعظم لأجرها وأكثر لنفعها والأفضل في الأضحية من الغنم في لونها البيضا لما روي عن مولاة أبي ورقة بن سعيد قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم دم عفراء أزكى عندالله من دم سوداوين رواه أحمد بمعناه وقال أبو هريرة دم بيضاء أحب إلى الله من دم سوداوين ولأنه لون أضحية النبي صلى الله عليه وسلم ثم ما كان أحسن لونا فهو أفضل مسألة قال ( ولا يجزىء إلا الجذع من الضأن والثني من غيره ) وبهذا قال مالك والليث والشافعي وأبو عبيد وأبو ثور وأصحاب الرأي وقال ابن عمر والزهري لا يجزىء الجذع لأنه لا يجزىء من غير الضأن فلا يجزىء منه كالحمل وعن عطاء والأوزاعي فلا يجزىء الجذع من جميع الأجناس لما روى مجاشع بن سليم قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول إن الجذع يوفي مما يوفى منه الثني رواه داود والنسائي ولنا على أن الجذع من الضأن يجزىء حديث مجاشع وأبي هريرة وغيرهما وعلى أن الجذعة من غيرها لا تجزىء قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تذبحوا إلا مسنة فإن عسر عليكم فاذبحوا الجذع من الضأن وقال أبو بردة بن نيار عندي جذعة أحب إلي من شاتين فهل تجزىء عني قال نعم ولا تجزىء عن أحد بعدك متفق عليه وحديثهم محمول على الجذع من الضأن لما ذكرنا قال إبراهيم الحربي أنما يجزىء الجذع من الضأن لأنه ينزو فيلقح فإذا كان من المعز لم يلقح حتى يكون ثنيا فصل ولا يجزىء في الأضحية غير بهيمة الأنعام وإن كان أحد أبويه وحشيا لم يجزىء أيضا وحكي عن الحسن بن صالح أن بقرة الوحش تجزىء عن سبعة والظبي عن واحد وقال أصحاب الرأي ولد البقر الانسية يجزىء وإن كان أبوه وحشيا وقال أبو ثور ويجزىء إذا كان منسوبا إلى بهيمة الأنعام ولنا قول الله تعالى ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام الحج 34 وهي الإبل والبقر والغنم وعلى أصحاب الرأي أنه متولد من بين ما يجزىء وما لا يجزىء فلم يجزىء كما لو كانت الأم وحشية مسألة قال ( والجذع من الضأن ما له من ستة أشهر ودخل في السابع ) قال أبو القاسم وسمعت أبي يقول سألت بعض أهل البادية كيف تعرفون الضأن إذا أجذع قال لا تزال الصوفة قائمة على ظهره ما دام حملا فإذا نامت الصوفة على ظهره علم أنه قد أجذع وثني المعز إذا تمت له سنة ودخل في الثانية والبقرة إذا صار لها سنتان ودخلت في الثالثة والإبل إذا كمل لها خمس سنين ودخلت في السادسة قال الأصمعي وأبو زياد الكلابي وأبو زيد الأنصاري إذا مضت السنة الخامسة على البعير ودخل في السادسة وألقى ثنيته فهو حينئذ ثني ونرى إنما سمى ثنيا لأنه ألقى ثنيته وأما البقرة فهي التي لها سنتان لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تذبحوا إلا مسنة ومسنة البقر التي لها سنتان وقال وكيع الجذع من الضأن يكون ابن سبعة أو ستة أشهر مسألة قال ( ويجتنب في الضحايا العوراء البين عورها والعجفاء التي لا تنقي والعرجاء البين عرجها البين عرجها والمريض التي لا يرجى برؤها والعضباء والعضب ذهاب أكثر من نصف الأذن أو القرن )
أما العيوب الأربعة والأول فلا نعلم بين أهل العلم خلافا في أنها تمنع الاجزاء لما روى البراء قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أربع لا تجوز في الأضاحي العوراء البين عورها والمريضة البين مرضها والعرجاء التي ضلعها والعجفاء التي لا تنقي رواه أبو داود والنسائي ومعنى العوراء البين عورها التي قد انخسفت عينها وذهبت لأنها قد ذهبت عينها والعين عضو مستطاب فإن كان على عينها بياض ولم تذهب جازت التضحية بها لأن عورها ليس ببين ولا ينقص ذلك لحمها والعجفاء المهزولة التي لا تنقى هي التي لا مخ لها في عظامها لهزالها والنقي المخ قال الشاعر لا تشكين عملا ما أنقين ما دام مخ في سلامي أوعين فهذه لا تجزىء لأنها لا لحم فيها إنما هي عظام مجتمعة وأما العرجاء البين عرجها فهي التي بها عرج فاحش وذلك يمنعها من اللحاق بالغنم فتسبقها إلى الكلأ فيرعينه ولا تدركهن فينقص لحمها فإن كان عرحا يسيرا لا يفضي بها إلى ذلك أجأت وأما المريضة التي لا يرجى برؤها فهي التي بها مرض قد يئس من زواله لأن ذلك ينقص لحمها وقيمتها نقصا كبيرا والذي في الحديث المريضة البين مرضها وهي التي يبين أثره عليها لأن ذلك ينقص لحمها وقيمتها نقصا كبيرا والذي في الحديث المريضة البين مرضها وهي التي يبين أثره عليها لأن ذلك ينقص لحمها ويفسده وهو أصح وذكر القاضي أن المراد بالمريضة الجرباء لأن الجرب يفسد اللحم ويهزل إذا كثر وهذا قول أصحاب الشافعي وهذا تقييد للمطلق وتخصيص للعموم بلا دليل فالمعنى يقتضي العموم كما يقتضيه اللفظ فإن كان المرض يفسد اللحم وينقصه فلا معنى للتخصيص مع عموم اللفظ والمعنى وأما العضب فهو ذهاب أكثر من نصف الأذن أو القرن وذلك يمنع الاجزاء أيضا وبه قال النخعي وأبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة والشافعي تجزىء مكسورة القرن وروي نحو ذلك عن علي وعمار وابن المسيب والحسن وقال مالك إن كان قرنها يدمى لم يجز وإلا جاز وقال عطاء ومالك إذا ذهبت الأذن كلها لم يجز وإن ذهب يسير جاز واحتجوا بأن قول النبي صلى الله عليه وسلم أربع لا تجوز في الأضاحي يدل على أن غيره يجزىء ولأن في حديث البراء عن عبيد بن فيروز قال قلت للبراء فإني أكره النقص من القرن ومن الذنب فقال اكره لنفسك ما شئت وإياك أن تضيق على الناس ولأن المقصود اللحم ولأن المقصود اللحم ولا يؤثر ذهاب ذلك فيه ولنا ما روى علي رضي الله عنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضحى بأعضب القرن والأذن قال قتادة فسألت سعيد بن المسيب فقال نعم العضب النصف فأكثر من ذلك رواه الشافعي وابن ماجه وعن علي رضي الله عنه قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن رواه أبو داود والنسائي وهذا منطوق يقدم على المفهوم فصل ولا تجزىء العمياء لأن النهي عن العوراء تنبيه على العمياء وإن لم يكن عماها بينا لأن العمى يمنع مشيها مع الغنم ومشاركتها في العلف ولا تجزىء ما قطع منها عضو كالألية والأطباء لأن ابن عباس قال لا تجوز العجفاء ولا الجداء قال أحمد هي التي قد يبس ضرعها ولأن ذلك أبلغ في الإخلال بالمقصود من ذهاب شحمة العين فصل ويجزىء الخصي لأن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين موجوءين والوجأ رض الخصيتين وما قطعت خصيتاه أو شلتا فهو كالموجوء لأنه في معناه ولأن الخصال ذهاب عضو غير مستطاب يطيب اللحم بذهابه ويكثره ويسمن قال الشعبي ما زاد في لحمه وشحمه أكثر مما ذهاب منه وبهذا قال الحسن وعطاء والشعبي والنخعي ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه مخالفا
فصل وتجزىء الجماء وهي التي لم يخلق لها قرن والصمعاء وهي الصغيرة الأذن والبتراء وهي التي لا ذنب لها سواء كان خلقة أو مقطوعا وممن لم بأسا بالبتراء ابن عمر وسعيد بن المسيب والحسن وسعيد بن جبير والنخعي والحكم وكره الليث أن يضحى بالبتراء ما فوق القصبة وقال ابن حامد لا تجوز التضحية بالجماء لأن ذهاب أكثر من نصف القرن يمنع ذهاب جميعه أولى ولأن ما منع منه العور منع منه العمى وكذلك ما منع منه العضب يمنع منه كونه أجم أولى ولنا إن هذا نقص لا ينقص اللحم ولا يخل بالمقصود ولم يرد به نهي فوجب أن يجزىء وفارق العضب فإن النهي عنه وارد وهو عيب فإنه ربما أدمى وآلم الشاة فيكون كمرضها ويقبح منظرها بخلاف الأجم فإنه حسن في الخلقة ليس بمرض ولا عيب إلا أن الأفضل ما كان كامل الخلقة فإن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبش أقرن محيل وقال خير الأضحية الكبش الأقرن وأمر باستشراف العين والأذن فصل وتكره المشقوقة الأذن والمثقوبة وما قطع شيء منها لما روي عن علي رضي الله عنه قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن ولا نضحي بمقابلة ولا مدابرة ولا خرقاء ولا شرقاء قال زهير قلت لأبي إسحاق ما المقابلة قال تقطع طرف الأذن قلت فما المدابرة قال تقطع من مؤخر الأذن قلت فما الخرقاء قال تشق الأذن قلت فما الشرقاء قال تشق أذنها السمة رواه أبو داود والنسائي قال القاضي الخرقاء التي انبثقت أذنها وهذا نهي تنزيه ويحصل الإجزاء بها ولا نعلم فيه خلافا ولأن اشتراط السلامة من ذلك يشق إذ لا يكاد يوجد سالم من هذا كله مسألة قال ( ولو أوجبها سليمة فعابت عنده ذبحها وكانت أضحية ) وجملته أنه إذا أوجب أضحية صحيحة سليمة من العيوب ثم حدث بها عيب يمنع الأجزاء ذبحها وأجزأته روي هذا عن عطاء والحسن والنخعي والزهري والثوري ومالك والشافعي وإسحاق وقال أصحاب الرأي لا تجزئه لأن الأضحية عندهم واجبة فلا يبرأ منها إلا بإراقة دمها سليمة كما لو أوجبها في ذمته ثم عينها فعابت ولنا ما روى أبو سعيد قال ابتعنا كبشا نضحي به فأصاب الذئب من أليته فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم فأمرنا أن نضحي به رواه ابن ماجة ولأنه عيب حدث في الأضحية الواجبة قلما يمنع الاجزاء كما لو حدث بها عيب بمعالجة الذبح ولا نسلم أنها واجبة في الذمة وإنما تعلق الوجوب بعينها قلنا إذا تعيبت بفعله فعليه بدلها وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة أذا عالج ذبحها فقلعت السكين عينها أجزأت استحسانا ولنا إنه عيب أحدثه بها قبل ذبحها فلم تجزئه كما لو كان قبل معالجة الذبح فصل وإن نذر أضحية في ذمته ثم عينها فس شاة تعينت فإن عابت تلك الشاة قبل ذبحها لم تجزىء لأن ذمته لا تبرأ إلا بذبح شاة سليمة كما نذر عتق رقبة أو كان عليه عتق رقبة في كفارة فاشتراها ثم عابت عنده لم تجزئه وإن قال لله علي عتق هذا العبد فعاب أجزأ عنه
فصل وإذا أتلف الأضحية الواجبة فعليه قيمتها لأنها من المتقومات وتعتبر القيمة يوم أتلفها فإن غلت الغنم فصار مثلها خيرا من قيمتها فقال أبو الخطاب يلزمه مثلها لأنه أكثر الأمرين ولأنه تعلق بها حق الله تعالى في ذبحها فوجب عليه مثلها كما لو لم تتعيب بخلاف الآدمي وهذا مذهب الشافعي وظاهر قول القاضي أنه لا يلزمه ألا القيمة يوم إتلافها وهو قول أبي حنيفة لأنه إتلاف أوجب القيمة فلم يجب أكثر من القمية يوم الإتلاف كما لو أتلفها أجنبي وكسائر المضمونات فإن رخصت الغنم فزادت قيمتها على مثلها مثل أن كانت قيمتها عند إتلافها عشرة فصارت قيمة مثلها خمسة فعليه عشرة وجها واحدا فإن شاء اشترى بها أضحية واحدة تساوي عشرة وإن شاء اشترى اثنتين وإن شاء اشترى أضحية واحدة فإن فضل من العشرة ما لا يجيء به أضحية اشترى به شركا في بدنه فإن لم يتسع لذلك أو لم تمكنه المشاركة ففيه وجهان أحدهما يشتري لحما ويتصدق به لأن الذبح وتفرقة اللحم مقصودان فإذا تعذر أحدهما وجب الآخر والثاني يتصدق بالفضل لأنه إذا لم يحصل له التقرب بإراقة الدم كان اللحم وثمنه سواء فإن كان المتلف أجنبيا فعليه قيمتها يوم أتلفها وجها واحدا ويلزمه دفعها إلى صاحبها فإن زاد على ثمن مثلها فحكمه حكم ما لو أتلفها صاحبها وإن لم تبلغ القيمة ثمن أضحية فالحكم فيه على ما مضى فيما زاد على ثمن الأضحية في حق المضحي فإن تلفت الأضحية في يده بغير تفريط أو سرقت أو ضلت فلا شيء عليه لأنها أمانة في يده فلم يضمنها إذا لم يفرط كالوديعة فصل وإن اشترى أضحية فلم يوجبها حتى علم بها عيبا فله ردها إن شاء وإن شاء أخذ أرشها ثم إن عيبها يمنع اجزاءها لم يكن له التضحية بها وإلا فله أن يضحي بها والأآش له وإن أوجبها ثم علم أنها معيبة فذكر القاضي أنه مخير بين ردها وأخذ أرشها فإن أخذ أرشها فحكمه حكم الزائد عن قيمة الأضحية على ما ذكرناه ويحتمل أن يكون الأرش له لأن إيجابها إنما صادفها بدون هذا الذي أخذ أرشه فلم يتعلق الأيجاب بالأرش ولا بمبدله فأشبه ما لو تصدق بها ثم أخذ أرشها وعلى قول أبي الخطاب لا يملك ردها لأنه قد زال ملكه عنها بإيجابها فأشبه ما لو اشترى عبدا معيبا فأعتقه ثم علم عيبه وهذا مذهب الشافعي فعلى هذا يتعين أخذ الأرش وفي كون الأرش للمشتري ووجوبه في التضحية وجهان ثم ننظر فإن كان عيبها لا يمنع اجزاءها فقد صح إيجابها والتضحية بها وإن كان عيبها يمع اجزاءها فحكمه حكم ما لو أوجبها عالما بعيبها على ما سنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى مسألة قال ( وإن ولدت ذبح ولدها معها ) وجملته أنه إذا عين أضحية فولدت فولدها تابع لها حكمه حكمها سواء كان حملا حين التعيين أو حدث بعده وبهذا قال الشافعي وعن أبي حنيفة لا يذبحه ويدفعه إلى المساكين حيا وإن ذبحه دفعه إليهم مذبوحا وأرش ما نقصه الذبح لأنه من نمائها فلزمه دفعه إليهم على صفته كصوفها وشعرها ولنا إن استحقاق ولدها حكم يثبت للولد بطريق السراية من الأم فيثبت له ما يثبت لها كولد أو الولد والمدبرة إذا ثبت هذا فإنه يذبحه كما يذبحها لأنه صار أضحية على وجه التبع لأمه ولا يجوز ذبحه قبل يوم النحر ولا تأخيره عن أيامه كأمه وقد روي عن علي رضي الله عنه أن رجلا سأله فقال يا أمير المؤمنين إني اشتريت هذه البقرة لأضحي بها وإنها وضعت هذا العجل فقال علي لا تحلبها إلا فضلا عن تيسير ولدها فإذا كان يوم الأضحى فاذبحها وولدها عن سبعة رواه سعيد بن منصور عن أبي الأحوص عن زهير العبسي عن المغيرة بن حذف عن علي
فصل ولا يشرب من لبنها إلا الفاضل عن ولدها فإن لم يفضل عنه شيء أو كان الحلب يضر بها أو ينقص لحمها لم يكن له أخذه وإن لم يكن كذلك فله أخذه والانتفاع به وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يحلبها ويرش على الضرع الماء حتى ينقطع اللبن فإن احتلبها تصدق به لأن اللبن متولد من الأضحية الواجبة فلم يجز للمضحي الانتفاع به كالولد ولنا قول علي رضي الله عنه لا يحلبها إلا فضلا عن تيسير ولدها ولأنه انتفاع لا يضرها فأشبه الركوب ويفارق الولد فإنه يمكن إيصاله إلى محله أما اللبن فإن حلبه وتركه فسد وإن لم يحلبه تعقد الضرع وأضر بها فجوز له شربه وإن تصدق به كان أفضل وإن احتلب ما يضر بها أو بولدها لم يجز له وعليه أن يتصدق به فإن قيل فصوفها وشعرها ووبرها إذا جزه تصدق به ولم ينتفع به فلم أجزتم له الانتفاع باللبن قلنا الفرق بينهما من وجهين أحدهما أن لبنها يتولد من غذائها وعلفها وهو القائم به فجاز صرفه إليه كما أن المرتهن إذا علف الرهن له أن يحلب ويركب وليس له أن يأخذ الصوف ولا الشعر الثاني أن الصوف والشعر ينتفع به على الدوام فجرى مجرى جلدها واجزائها واللبن يشرب ويؤكل شيئا فشيئا فجرى مجرى منافعها وركوبها ولأن اللبن يتجدد كل يوم والصوف والشعر عين موجودة دائمة في جميع الحول فصل وأما صوفها فإن كان جزه أنفع لها مثل أن يكون في زمن الربيع تخف بجزه وتسمن جاز جزه ويتصدق به وإن كان لا يضر بها لقرب مدة الذبح أو كان بقاؤه أنفع لها لكونه يقيها الحر والبرد لم يجز له أخذه كما أنه ليس له أخذ بعض أجزائها مسألة قال ( وإيجابها أن يقول هي أضحية ) وجملة ذلك أن الذي تجب به الأضحية وتتعين به هو القول دون النية وهذا منصوص الشافعي وقال مالك وأبو حنيفة إذا اشترى شاة أو غيرها بنية الأضحية صارت أضحية لأنه مأمور بشراء أضحية فإذا اشتراها بالنية وقعت عنها كالوكيل ولنا إنه إزالة ملك على وجه القربة فلا تؤثر فيه النية المقارنة للشراء كالعتق والوقف ويفارق البيع فإنه لا يمكنه جعله لموكله بعد إيقاعه وها هنا بعد الشراء يمكنه جعلها أضحية فأما إذا قال هذه أضحية واجبة كما يعتق العبد بقول سيده هذا حر ولو أنه قلدها أو أشعرها ينوي به جعلها أضحية لم تصر أضحية حتى ينطق به لما ذكرنا مسألة قال ( ولو أوجبها ناقصة ذبحها ولم تجزئه ) يعني إذا كانت ناقصة ناقصا يمنع الإجزاء فأوجبها وجب عليه ذبحها لأن إيجابها كالنذر لذبحها فيلزمه الوفاء به ولأن إيجابها كنذر هدي من غير بهيمة الأنعام فإنه يلزمه الوفاء به ولا يجزئه عن الأضحية المشروعة ولا تكون أضحية لقول النبي صلى الله عليه وسلم أربع لا تجزىء في الأضاحي ولكنه يذبحها ويثاب على ما يتصدق به منها كما يثاب على الصدقة بما لا يصلح أن يكون هديا وكما لو أعتق عن كفارته عبدا لا يجزىء في الكفارة إلا أنه ها هنا لا يلزمه بدلها لأن الأضحية في الأصل غير واجبة ولم يوجد منه ما يوجبها وإن كانت الأضحية واجبة عليه مثل من نذر أضحية في ذمته أو أتلف أضحيته التي أوجبها لم تجزئه هذه عما في ذمته فإن زال عيبها كأن كانت عجفاء فزال عجفها أو مريضة فبرأت أو عرجاء فزال عرجها فقال القاضي قياس المذهب أنها تجزىء وقال أصحاب الشافعي لا تجزىء لأن الاعتبار بحال إيجابها ولأن الزيادة فيها كانت للمساكين كما أن نقصها بعد إيجابها عليهم لايمنع من كونها أضحية ولنا إن هذه أضحي يجزىء مثلها فيجزىء كما لو لم يوجبها إلا بعد زوال عينها مسألة قال ( ولا تباع أضحية الميت في دينه ويأكلها ورثته )
يعني إذا أوجب أضحية ثم مات لم يجز بيعها وإن كان على الميت دين لا وفاء له وبهذا قال أبو ثور ويشبه مذهب الشافعي وقال الأوزاعي إن ترك دينا لا وفاء له إلا منها بيعت فيه وقال مالك إن تشاجر الورثة فيها باعوها ولنا إنه تعين ذبحها فلم يصح بيعها في دينه كما لو كان حيا إذا ثبت هذا فإن ورثته يقومون مقامه في الأكل والصدقة والهدية لأنهم يقومون مقام موروثهم فيما له وعليه فصل واختلفت الرواية هل تجوز التضحية عن اليتيم من ماله فروي أنه ليس للولي ذلك لأنه إخراج شيء من ماله بغير عوض فلم يجز كالصدقة والهدية وهذا مذهب الشافعي وروي أن للولي أن يضحي عنه إذا كان موسرا وهذا قول أبي حنيفة ومالك قال مالك إذا كان له ثلاثون دينارا يضحي عنه بالشاة بنصف دينار لأنه إخراج مال يتعلق بيوم العيد فجاز إخراجه من مال اليتيم كصدقة الفطر فعلى هذا يكون إخراجها من ماله على سبيل التوسعة عليه والتطييب لقلبه وإشراكه لأمثاله في مثل هذا اليوم كما يشتري له الثياب الرفيعة للتجمل والطعام الطيب ويوسع عليه في النفقة وإن لم يجب ذلك ويحتمل أن يحمل كلام أحمد في الروايتين على حالين فالموضع الذي منع التضحية إذا كان اليتيم طفلا لا يعقل التضحية ولا يفرح بها ولا يكسر قلبه بتركها لعدم الفائدة فيها فيحصل إخراج ثمنها تضييع مال لا فائدة فيه والموضع الذي أجازها إذا كان اليتيم يعقلها وينجبر قلبه بها وينكسر بتركها لحصول الفائدة منها والضرر بتفويتها واستدل أبو الخطاب بقول أحمد يضحي عنه على وجوب الأضحية والصحيح إن شاء الله تعالى ما ذكرناه وعلى كل حال متى ضحى عن اليتيم لم يتصدق بشيء منها ويوفرها لنفسه لأنه لا يجوز الصدقة بشيء من مال اليتيم تطوعا مسألة قال ( والاستحباب أن يأكل ثلث أضحيته ويهدي ثلثها ويتصدق بثلثها ولو أكل أكثر جاز ) قال أحمد نحن نذهب إلى حديث عبدالله يأكل هو الثلث ويطعم من أراد الثلث ويتصدق على المساكين بالثلث قال علقمة بعث معي عبدالله بهدية فأمرني أن آكل ثلثا وأن أرسل إلى أهل أخيه عتبة بثلث وأن أتصدق بثلث وعن ابن عمر قال الضحايا والهدايا ثلث لك وثلث لأهلك وثلث للمساكين وهذا قول إسحاق وأحد قولى الشافعي وقال في الآخر يجعلها نصفين يأكل نصفا ويتصدق بنصف لقول الله تعالى فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير الحج 28 وقال أصحاب الرأي ما كثر من الصدقة فهو أفضل لأن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى مائة بدنة وأمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فأكل هو وعلي من لحمها وحسيا من مرقها ونحر بدنات أو ست بدنات وقال من شاء فليقطع ولم يأكل منهن شيئا ولنا ما روي عن ابن عباس في صفة أضحية النبي صلى الله عليه وسلم قال ويطعم أهل بيته الثلث ويطعم فقراء جيرانه الثلث ويتصدق على السؤال بالثلث رواه الحافط أبو موسى الأصفهاني في الوظائف وقال حديث حسن ولأنه قول ابن مسعود وابن عمر ولم نعرف لهما مخالفا في الصحابة فكان إجماعا ولأن الله تعالى قال فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر الحج 26 والقانع السائل يقال قنع قنوعا إذا سأل وقنع قناعة إذا رضي قال الشاعر لمال المرء يصلحه فيغني مفاقره أعف من القنوع والمعتر الذي يعتريك أي يتعرض لك لتطعمه فلا يسأل فذكر ثلاثة أصناف فينبغي أن يقسم بينهم أثلاثا وأما الآية التي احتج بها أصحاب الشافعي فإن الله تعالى لم يبين قدر المأكول منها والمتصدق به وقد نبه عليه في آيتنا وفسره النبي صلى الله عليه وسلم بفعله وابن عمر بقوله وابن مسعود بأمره وأما خبر أصحاب الرأي فهو في الهدي والهدي يكثر فلا يتمكن الإنسان من قسمه وأخذ ثلثه فتتعين الصدقة بها والأمر في هذا واسع فلو تصدق بها كلها أو بأكثرها جاز وإن أكلها كلها إلا أوقية تصدق بها جاز وقال أصحاب الشافعي يجوز أكلها كلها
ولنا إن الله تعالى قال فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر الحج 36 وقال وأطعموا البائس الفقير الحج والأمر يقتضي الوجوب وقال بعض أهل العلم يجب الأكل منها ولا تجوز الصدقة بجميعها للأكل منها ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر خمس بدنات ولم يأكل منهن شيئا وقال من شاء فليقتطع لأنها ذبيحة يتقرب إلى الله تعالى بها فلم يجب الأكل منها كالعقيقة والأمر للاستحباب أو للإباحة كالأمر بالأكل من الثمار والزرع والنظر إليها فصل ويجوز إدخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث في قول عامة أهل العلم ولم يجزه علي ولا ابن عمر رضي الله عنهما لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم قال كنت نهيتكم عن إدخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم رواه مسلم وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما نهيتكم للذاقة التي ذفت فكلوا وتزودوا وتصدقوا وادخروا وقال أحمد فيه أسانيد صحاح فأما علي وابن عمر فلم يبلغهما ترخيص رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كانوا سمعوا النهي فرووا على ما سمعوا فصل ويجوز أن يطعم منها كافرا وقال الحسن وأبو ثور وأصحاب الرأي وقال مالك غيرهم أحب إلينا وكره مالك والليث إعطاء النصراني جلد الأضحية ولنا إنه طعام له أكله فجاز إطعامه للذمي كسائر طعامه ولأنه صدقة تطوع فجاز إطعامها الذمي والأسير كسائر صدقة التطوع فأما الصدقة الواجبة منها فلا يجزىء دفعها إلى كافر لأنها صدقة واجبة فأشبهت الذكاة وكفارة اليمين مسألة قال ( ولا يعطى الجازر بأجرته شيئا منها ) وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي ورخص الحسن وعبدالله بن عبيد بن عمير في إعطائه الجلد ولنا ما روى علي رضي الله عنه قال أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنه وأن أقسم جلودها وجلالها وأن لا أعطي الجازر شيئا منها وقال نحن نعطيه من عندنا متفق عليه ولأن ما يدفعه إلى الجزار أجرة عوض عن عمله وجزارته ولا تجوز المعاوضة لشيء منها فأما إن دفع إليه لفقره أو على سبيل الهدية فلا بأس لأنه مستحق للأخذ فهو كغيره بل هو أولى لأنه باشرها وتاقت نفسه إليها مسألة قال ( وله أن ينتفع بجلدها ولا يجوز أن يبيعه ولا شيئا منها ) وجملة ذلك أنه لا يجوز بيع شيء من الأضحية لا لحمها ولا جلدها واجبة كانت أو تطوعا لأنها تعينت بالذبح قال أحمد لا يبيعها ولا يبيع شيئا منها وقال سبحان الله كيف يبيعها وقد جعلها لله تبارك وتعالى وقال الميموني قالوا لأبي عبدالله فجلد الأضحية يعطاه السلاخ قال وحكي قول النبي صلى الله عليه وسلم لا يعطى الجازر في جزارتها شيئا منها ثم قال إسناده جيد وبهذا قال أبو هريرة وهو مذهب الشافعي ورخص الحسن والنخعي في الجلد أن يبيعه ويشتري به الغربال والمنخل وآلة البيت وروي نحو هذا عن الأوزاعي لأنه ينتفع به هو وغيره فجرى مجرى تفريق اللحم وقال أبو حنيفة يبيع ما شاء منها ويتصدق بثمنه وروي عن ابن عمر أنه يبيع الجلد ويتصدق بثمنه وحكاه ابن المنذر عن أحمد وإسحاق ولنا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقسم جلودها وجلالها ونهيه فهو أن يعطى الجازر شيئا منها ولأنه جعله لله تعالى فلم يجز بيعه كالوقف وما ذكروه في شراء آلة البيت يبطل باللحم لا يجوز بيعه بآلة البيت وإن كان ينتفع به فأما جواز الانتفاع بجلودها وجلالها فلا خلاف فيه لأنه جزء منها فجاز للمضحي الانتفاع به كاللحم وكان علقمة ومسروق يدبغان جلد أضحيتهما يصليان عليه
وروت عائشة قالت قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كانوا ينتفعون من ضحاياهم يحملون منها الودك ويتخذون منها الأسقية قال وما ذاك قالت نهيت عن إمساك لحوم الأضاحي فوق ثلاث قال إنما نهيتكم للذاقة التي ذفت فكوا وتزودوا وتصدقوا حديث صحيح رواه مالك عن عبدالله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها ولأنه انتفاع به فجاز كلحمها مسألة قال ( ويجوز أن يبدل الأضحية إذا أوجبها بخير منها ) هذا المنصوص عن أحمد وبه قال عطاء ومجاهد وعكرمة ومالك وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن واختار أبو الخطاب أنه لا يجوز بيعها ولا إبدالها لأن أحمد نص في الهدي إذا عطب أنه يجزىء عنه وفي الأضحية أنه إذا هلكت أو ذبحها فسرقت لا بدل عليه ولو كان ملكه ما زال عنها لزمه بدلها في هذه المسائل وهذا مذهب أبي يوسف والشافعي وأبي ثور لأنه قد جعلها لله تعالى فلم يملك التصرف فيها بالبيع والابدال كالوقف ولنا ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ساق مائة بدنة في حجته وقدم علي من اليمن فأشركه فيها رواه مسلم وهذا نوع من الهبة أو بيع ولأنه عدل عن عين وجبت لحق الله تعالى إلى خير منها من جنسها فجاز كما لو وجبت عليه بنت لبون فأخرج حقه في الزكاة فأما بيعها فظاهر كلام الخرقي أنه لا يجوز وقال القاضي يجوز أن يبيعها ويشتري خيرا منها وهو قول عطاء ومجاهد وأبي حنيفة لما ذكرنا من حديث بدن النبي صلى الله عليه وسلم وإشراكه فيها ولأن ملكه لم يزل عنها بدليل جواز إبدالها ولأنها عين يجوز إبدالها فجاز بيعها كما قبل إيجابها ولنا أنه جعلها لله تعالى فلم يجز بيعها كالوقف وإنما جاز إبدالها بجنسها لأنه لم يزل الحق فيها عن جنسها وإنما انتقل إلى خير منها فكأنه في المعنى ضم زيادة إليها وقد جاز إبدال المصحف ولم يجز بيعه وأما حديث النبي صلى الله عليه وسلم فالظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبعها وإنما شرك عليا في ثوابها وأجرها ويحتمل أن ذلك كان قبل إيجابها وقول الخرقي بخير منها يدل على أنه لا يجوز بدونها ولا خلاف في هذا لأنه تفويت جزء منها فلم يجز كإتلافه وأنه لا يجوز بمثلها لعدم الفائدة في هدا وقال القاضي في إبدالها بمثلها احتمالان أحدهما جوازه لأنه لا ينقص مما وجب عليه شيء ولنا إنه يغير ما أوجبه لغير فائدة فلم يجز كإبداله بما دونها مسألة قال ( وإذا مضى نهار يوم الأضحى مقدار صلاة العيد وخطبته فقد حل الذبح إلى آخر يومين من أيام التشريق نهارا ولا يجوز ليلا ) الكلام في وقت الذبح في ثلاثة أشياء أوله وآخره وعموم وقته أو خصوصه أما أوله فظاهر كلام الخرقي أنه إذا مضى من نهار يوم العيد قدر تحل فيه الصلاة وقدر الصلاة والخطبتين تامتين في أخف ما يكون فقد حل وقت الذبح ولا يعتبر نفس الصلاة لا فرق في هذا بين أهل المصر وغيرهم وهذا مذهب الشافعي ابن المنذر وظاهر كلام أحمد أن من شرط جواز التضحية في حق أهل المصر صلاة الإمام وخطبته وروي نحو هذا عن الحسن والأوزاعي ومالك وأبي حنيفة وإسحاق لما روى جندب بن عبدالله البجلي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى وعن البراء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك ومن ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى متفق عليه وفي لفظ قال إن أول نسكنا في يومنا هذا الصلاة ثم الذبح فمن ذبح قبل الصلاة فتلك شاة لحم قدمها لأهله ليس من النسك في شيء وظاهر هذا اعتبار نفس الصلاة
وقال عطاء وقتها إذا طلعت الشمس لأنها عبادة يتعلق آخرها بالوقت فتلعق أولها بالوقت كالصيام وهذا وجه قول الخرقي ومن وافقه والصحيح إن شاء الله تعالى أن وقتها في الموضع الذي يصلي فيه بعد الصلاة لظاهر الخبر والعمل بظاهره أولى فأما غير أهل الأمصار والقرى فأول وقتها في حقهم قدر الصلاة والخطبة بعد الصلاة لأنه لا صلاة في حقهم تعتبر فوجب الاعتبار بقدرها وقال أبو حنيفة أول وقتها في حقهم إذا طلع الفجر الثاني لأنه من يوم النحر فكان وقتها منه كسائر اليوم ولنا إنها عبادة وقتها في حق أهل المصر بعد إشراق الشمس فلا تتقدم وقتها في حق غيرهم كصلاة العيد وما ذكروه يبطل بأهل الأمصار فإن لم يصل الإمام في المصر لم يجز الذبح حتى تزول الشمس لأنها حينئذ تسقط فكأنه قد صلى وسواء ترك الصلاة عمدا أو غير عمد لعذر أو غيره فأما الذبح في اليوم الثاني فهو في أول النهار لأن الصلاة فيه غير واجبة ولأن الوقت قد دخل في اليوم الأول وهذا من أثنائه فلا تعتبر فيه صلاة ولا غيرها وإن صلى الإمام في المصلى واستخلف من صلى في المسجد فمتى صلوا في أحد الموضعين جاز الذبح لوجود الصلاة التي يسقط بها الفرض عن سائر الناس فإن ذبح بعد الصلاة قبل الخطبة أجزأ في ظاهر كلام أحمد لأن النبي صلى الله عليه وسلم علق المنع على فعل الصلاة فلا يتعلق بغيره ولأن الخطبة غير واجبة وهذا قول الثوري الثاني آخر الوقت وآخره آخر اليوم الثاني من أيام التشريق فتكون أيام النحر ثلاثة يوم العيد ويومان بعده وهذا قول عمر وعلي وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأنس قال أحمد أيام النحر ثلاثة عن غير واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية قال خمسة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يذكر أنسا وهو قول مالك والثوري وأبي حنيفة وروي عن علي أخره آخر أيام التشريق وهو مذهب بالشافعي وقول عطاء والحسن لأنه روي عن جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أيام منى كلها منحر ولأنها أيام تكبير وإفطار فكانت محلا للنحر كالأولين وقال ابن سيرين لا تجوز إلا في يوم النحر خاصة لأنها وظيفة عيد فلا تجوز إلا في يوم واحد كأداء الفطرة يوم الفطر وقال سعيد بن جبير وجابر بن زيد كقول ابن سيرين في أهل الأمصار وقولنا في أهل منى وعن أبي سلمة بن عبدالرحمن وعطاء بن يسار تجوز التضحية إلى هلال محرم وقال أبو أمامة بن سهل بن حنيف كان الرجل من المسلمين يشتري أضحية فيسمنها حتى يكون آخر ذي الحجة فيضحي بها رواه الأمام أحمد بإسناده وقال هذا الحديث عجيب وقال أيام الأضحى التي أجمع عليها ثلاثة أيام ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ادخار الأضاحي فوق ثلاث ولا يجوز الذبح في وقت لا يجوز ادخار الأضحية إليه ولأن اليوم الرابع لا يجب الرمي فيه فلم تجز التضحية فيه كالذي بعده ولأنه قول من سمينا من الصحابة ولا مخالف لهم إلا رواية عن علي وقد روي عنه مثل مذهبنا وحديثهم إنما هو ومنى كلها منحر ليس فيه ذكر الأيام والتكبير أعم من الذبح وكذلك الإفطار بدليل أول يوم النحر ويوم عرفة يوم تكبير ولا يجوز الذبح فيه الثالث في زمن الذبح وهو النهار دون الليل نص عليه أحمد في رواية الأثرم وهو قول مالك وروي عن عطاء ما يدل عليه وحكي عن أحمد رواية أخرى أن الذبح يجوز ليلا وهو اختيار أصحابنا المتأخرين وقول الشافعي وإسحاق وأبي حنيفة وأصحابه لأن الليل زمن يصح فيه الرمي فأشبه النهار
ووجه قول الخرقي قول الله تعالى ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام الحج 28 وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الذبح بالليل ولأنه ليل يوم يجوز الذبح فيه فأشبه ليلة يوم النحر ولأن الليل تتعذر فيه تفرقة اللحم في الغالب فلا يفرق طريا فيفوت بعض المقصود ولهذا قالوا يكره الذبح فيه فعلى هذا إن ذبح ليلا لم يجزئه عن الواجب وإن كان تطوعا فذبحها كانت شاة لحم ولم تكن أضحية فإن فرقها حصلت القربة بتفريقها دون ذبحها فصل إذا فات وقت الذبح ذبح الواجب قضاء وصنع به ما يصنع بالمذبوح في وقته وهو مخير في التطوع فإن فرق لحمها كانت القربة بذلك دون الذبح لأنها شاة لحم وليست أضحية وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يسلمها إلى الفقراء ولا يذبحها فإن ذبحها فرق لحمها وعليه أرش ما نقصها الذبح لأن الذبح قد سقط بفوات وقته ولنا أن الذبح أحد مقصودي الأضحية فلا يسقط بفوات وقته كتفرقة اللحم وذلك أنه لو ذبحها في الأيام ثم خرجت قبل تفريقها فرقها بعد ذلك ويفارق الوقوف والرمي ولأن الأضحية لا تسقط بفواتها بخلاف ذلك فصل وإذا وجبت الأضحية بإيجابه لها فضلت أو سرقت بغير تفريط منه فلا ضمان عليه لأنها أمانة في يده فإن عادت إليه ذبحها سواء كان في زمن الذبح أو فيما بعده على ما ذكرناه مسألة قال ( وإن ذبح قبل ذلك لم يجزئه ولزمه البدل ) وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى ولأنها نسيكة واجبة ذبحها قبل وقتها فلزمه بدلها كالهدي إذا ذبحه قبل محله ويجب أن يكون بدلها مثلها أو خيرا منها لأن ذبحها قبل محلها إتلاف لها وكلام الخرقي ومن أطلق من أصحابنا محمول على الأضحية الواجبة بنذر أو تعيين فإن كانت غير واجبة بواحد من الأمرين فهي شاة لحم ولا بدل عليه إلا أن يشاء لأنه قصد التطوع فأفسده فلم يجب عليه بدله كما لو خرج بصدقة تطوع فدفعها إلى غير مستحقها والحديث يحمل على أحد أمرين أما الندب وأما على التخصيص بمن وجبت عليه بدليل ما ذكرنا فأما الشاة المذبوحة فهي شاة لحم كما وصفها النبي صلى الله عليه وسلم ومعناه يصنع بها ما شاء كشاة ذبحها للحمها لا لغير ذلك فإن هذه إن كانت واجبة فقد لزمه إبدالها وذبح ما يقوم مقامها فخرجت هذه عن كونها واجبة كالهدي الواجب إذا عطب دون محله وإن كان تطوعا فقد أخرجها بذبحه إياها قبل محلها عن القربة فبقيت مجرد شاة لحم ويحتمل أن يكون حكمها حكم الأضحية كالهدي إذا عطب لا يخرج عن حكم الهدي على رواية ويكون معنى قوله شاة لحم أي في فضلها وثوابها خاصة دون ما يصنع بها مسألة قال ( ولا يستحب أن يذبحها إلا مسلم وأن ذبحها بيده كان أفضل ) وجملته أنه يستحب أن لا يذبح الأضحية إلا مسلم لأنها قربة فلا يليها غير أهل القربة وأن استناب ذميا في ذبحها جاز مع الكراهة وهذا قول الشافعي وأبي ثور وابن المنذر وحكي عن أحمد لا يجوز أن يذبحها إلا مسلم وهذا قول مالك وممن كره ذلك علي وابن عباس وجابر رضي الله عنهم وبه قال الحسن وابن سيرين وقال جابر لا يذبح النسك إلا مسلم لما روى في حديث ابن عباس الطويل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يذبح ضحاياكم إلا طاهر ولأن الشحوم تحرم علينا مما يذبحونه على رواية فيكون ذلك بمنزلة إتلافه ولنا إن من جاز له ذبح غير الأضحية جاز له ذبح الأضحية كالمسلم ويجوز أن يتولى الكافر ما كان قربة للمسلم كبناء المساجد والقناطر ولا نسلم تحريم الشحوم علينا بذبحهم والحديث محمول على الاستحباب والمستحب أن يذبحها المسلم ليخرج من الخلاف
وإن ذبحها بيده كان أفضل لأن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أقرنين أملحين ذبحهما بيده وسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما ونحر البدنات الست بيده ونحر من البدن التي ساقها في حجته ثلاثا وستين بدنة بيده ولأن فعله قربة وفعل القربة أولى من استنابته فيها فإن استناب فيها جاز لأن النبي صلى الله عليه وسلم استناب من نحر باقي بدنه بعد ثلاث وستين وهذا لا شك فيه ويستحب أن يحضر ذبحها لأن في حديث ابن عباس الطويل ( واحضروها إذا ذبحتم فإنه يغفر لكم عند أول قطرة من دمها ) وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة احضري أضحيتك يغفر لك بأول قطرة من دمها مسألة قال ( ويقول عند الذبح بسم الله والله أكبر وإن نسي فلا يضره ) ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ذبح قال بسم الله والله وأكبر وفي حديث أنس وسمى وكبر وكذلك كان يقول ابن عمر وبه يقول أصحاب الرأي ولا نعلم في استحباب هذا خلافا ولا في أن التسمية مجزئة وإن نسى التسمية أجزأه ما ذكرنا في الذبائح وإن زاد فقال اللهم هذا منك ولك اللهم تقبل مني أو من فلان فحسن وبه قال أكثر أهل العلم وقال أبو حنيفة يكره أن يذكر اسم غير الله لقول الله تعالى وما أهل لغير الله به المائدة 3 ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بكبش له ليذبحه فأضجعه ثم قال اللهم تقبل من محمد وآل محمد وأمة محمد ثم ضحى رواه مسلم وفي حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال اللهم منك ولك عن محمد وأمته بسم الله والله أكبر ثم ذبح وهذا نص لا يعرج على خلافه مسألة قال ( وليس عليه أن يقول عند الذبح عمن لأن النية تجزىء ) لا أعلم خلافا في أن النية تجزىء وإن ذكر من يضحي عنه فحسن لما روينا من الحديث قال الحسن يقول بسم الله والله أكبر هذا منك ولك تقبل من فلان وكره أهل الرأي هذا وقد ذكرناه في التي قبلها فصل وان عين أضحية فذبحها غيره بغير إذنه أجزأت عن صاحبها ولا ضمان على ذابحها وبهذا قال أبو حنيفة وقال مالك هي شاة لحم لصاحبها أرشها وعليه بدلها لأن الذبح عبادة فإذا فعلها غير صاحبها عنه بغير إذنه لم تقع الموقع كالزكاة وقال الشافعي تجزىء عن صاحبها وله على ذابحها أرش ما بين قيمتها صحيحة ومذبوحة لأن الذبح أحد مقصودي الهدي فإذا فعله فاعل بغير إذن المضحي ضمنه كتفرقة اللحم ولنا على مالك أنه فعل لا يفتقر إلى النية فإذا فعله غير الصاحب أجزأ عنه كغسل ثوبه من النجاسة وعلى الشافعي أنها أضحية أجزأت عن صاحبها ووقعت موقعها فلم يضمن ذابحها كما لو كان بإذن ولأنه إراقة دم تعين إراقته لحق الله تعالى فلم يضمن مريقه كقاتل المرتد بغير إذن الإمام ولأن الأرش لو وجب فإنما يجب ما بين كونها مستحقة الذبح في هذه الأيام متعينة له وما بين كونها مذبوحة ولا قيمة لهذه الحياة ولا تفاوت بين القيمتين فتعذر وجود الأرش ووجوبه لأنه لو وجب الأرش لم يخل إما أن يجب للمضحي أو للفقراء لا جائز أن يجب للفقراء لأنهم إنما يستحقونها مذبوحة ولو دفعها إليهم في الحياة لم يجز ولا جائز أن يجب له لأنه لا يجوز أن يأخذ بدل شيء منها كعضو من أعضائها ولأنهم وافقونا في أن الأرش لا يدفع إليه فيتعذر إيجابه لعدم مستحقه فصل وإن نذر أضحية في ذمته ثم ذبحها فله أن يأكل منها وقال القاضي من أصحابنا من منع الأكل منها وهو ظاهر كلام أحمد وبناه على الهدي المنذور ولنا أن النذر محمول على المعهود والمعهود من الأضحية الشرعية ذبحها والأكل منها والنذر لا يغير من صفة المنذور إلا الإيجاب وفارق الهدي الواجب بأصل الشرع لا يجوز الأكل منه فالمنذور محمول عليه بخلاف الأضحية