İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
لقول جابر في صفة حج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر وفي حديث عائشة الذي ذكرت فيه حيض صفية قالت فأفضنا يوم النحر وقال ابن عمر أفاض النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر متفق عليهما فإن أخره إلى الليل فلا بأس فإن ابن عباس وعائشة رويا إن النبي صلى الله عليه وسلم أخر طواف الزيارة إلى الليل رواهما أبو داود والترمذي وقال في كل واحد منهما حديث حسن وأما وقت الجواز فأوله من نصف الليل من ليلة النحر وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة أوله طلوع الفجر من يوم النحر وآخره آخر أيام النحر وهذا مبني على أول وقت الرمي وقد مضى الكلام فيه وأما آخر وقته فاحتج بأنه نسك يفعل في الحج فكان آخره محدودا كالوقوف والرمي والصحيح أن آخر وقته غير محدود فإنه متى أتى به صح بغير خلاف وإنما الخلاف في وجوب الدم فيقول إنه طاف فيما بعد أيام النحر طوافا صحيحا فلم يلزمه دم كما لو طاف أيام النحر فأما الوقوف والرمي فإنهما لما كانا موقتين كان لهما وقت يفوتان بفواته وليس كذلك الطواف فإنه متى أتى به صح فصل وصفة هذا الطواف كصفة طواف القدوم سوى أنه ينوي به طواف الزيارة ويعينه بالنية ولا رمل فيه ولا اضطباع قال ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرمل في السبع الذي أفاض فيه والنية شرط في هذا الطواف وهذا قول إسحاق وابن القاسم صاحب مالك وابن المنذر وقال الثوري والشافعي وأصحاب الرأي يجزئه وإن لم ينو الفرض الذي عليه ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى ولأن النبي صلى الله عليه وسلم سماه صلاة والصلاة لا تصح إلا بالنيات اتفاقا مسألة قال ( ثم قد حل من كل شيء ) يعني إذا طاف للزيارة بعد الرمي والنحر والحلق حل له كل شيء حرمه الإحرام وقد ذكرنا أنه لم يكن بقي عليه من المحظورات سوى النساء فهذا الطواف حلل له النساء قال ابن عمر لم يحل النبي صلى الله عليه وسلم من شيء حرم منه حتى قضى حجه ونحر هديه يوم النحر فأفاض بالبيت ثم حل من كل شيء حرمه وعن عائشة مثله متفق عليهما ولا نعلم خلافا في حصول الحل بطواف الزيارة على الترتيب الذي ذكر الخرقي وأنه كان قد سعى مع طواف القدوم وإن لم يكن سعى لم يحل حتى يسعى إن قلنا إن السعي ركن وإن قلنا هو سنة فهل يحل قبله على وجهين أحدهما يحل لأنه لم يبق عليه شيء من واجباته والثاني لا يحل لأنه من أفعال الحج فيأتي به في إحرام الحج كالسعي في العمرة فإنما خص الخرقي المفرد والقارن بهذا لكونهما سعيا مع طواف القدوم والمتمتع لم يسع مسألة قال ( وإن كان متمتعا فيطوف بالبيت سبعا وبالصفا والمروة سبعا كما فعل بالعمرة ثم يعود فيطوف طوافا ينوي به الزيارة وهو قوله عز وجل وليطوفوا بالبيت العتيق ) فأما الطواف الأول الذي ذكره الخرقي ها هنا فهو الطواف القدوم لأن المتمتع لم يأت به قبل ذلك والطواف الذي طافه في العمرة كان طوافها ونص أحمد على أنه مسنون للمتمتع في رواية الأثرم قال قلت لأبي عبد الله رحمه الله فإذا رجع أعني المتمتع كم يطوف ويسعى قال يطوف ويسعى لحجه ويطوف طوافا آخر للزيارة عاودناه في هذا غير مرة فثبت عليه وكذلك الحكم في القارن والمفرد إذا لم يكونا أتيا مكة قبل يوم النحر ولا طافا للقدوم فإنهما يبدآن بطواف القدوم قبل طواف الزيارة
نص عليه أحمد أيضا واحتج بما روت عائشة قالت فطاف الذين أهلوا بالعمرة وبين الصفا والمروة ثم حلوا فطافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا واحدا فحمل أحمد قول عائشة على أن طوافهم لحجهم هو طواف القدوم ولأنه قد ثبت أن طواف القدوم مشروع فلم يكن تعين طواف الزيارة مسقطا له كتحية المسجد عند دخوله قبل التلبس بصلاة الفرض ولو أعلم أحدا وافق أبا عبد الله على هذا الطواف الذي ذكره الخرقي بل المشروع طواف واحد للزيارة كمن دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة فإنه يكتفي بها عن تحية المسجد ولأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة الذين تمتعوا معه في حجة الوداع ولا أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أحدا وحديث عائشة دليل على هذا فإنها قالت طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجتهم وهذا طواف الزيارة ولم تذكر طوافا آخر ولو كان هذا الذي ذكرته طواف القدوم لكانت قد أخلت بذكر طواف الزيارة الذي هو ركن الحج لا يتم الحج إلا به وذكرت ما يستغني عنه وعلى كل حال فما ذكرت إلا طوافا واحدا فمن أين يستدل به على طوافين وأيضا فإنها لما حاضت قرنت الحج إلى العمرة بأمر النبي صلى الله عليه وسلم ولم تكن طافت للقدوم ولا أمرها به النبي صلى الله عليه وسلم وقد ذكر الخرقي في موضع آخر في المرأة إذا حاضت فخشيت فوات الحج أهلت بالحج وكانت قارنة ولم يكن عليها قضاء طواف القدوم ولأن طواف القدوم لو يسقط بالطواف الواجب لشرع في حق المعتمر طواف للقدوم مع طواف العمرة لأنه أول قدومه إلى البيت فهو به أولى من المتمتع الذي يعود إلى البيت بعد رؤيته وطوافه به وفي الجملة إن هذا الطواف المختلف فيه ليس بواجب وإنما الواجب طواف واحد وهو طواف الزيارة وهو في حق المتمتع كهو في حق القارن والمفرد في أنه ركن الحج لا يتم إلا به ولا بد من تعيينه فلو نرى به طواف الوداع أو غيره لم يجزه فصل والأطوفة المشروعة في الحج ثلاثة طواف الزيارة وهو ركن الحج لا يتم إلا به بغير خلاف وطواف القدوم وهو سنة لا شيء على تاركه وطواف الوداع واجب ينوب عنه الدم إذا تركه وبهذا قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري وقال مالك على تارك طواف القدوم دم ولا شيء على تارك طواف الوداع وحكي عن الشافعي كقولنا في طواف الوداع وكقوله في طواف القدوم وما زاد على هذه الأطوفة فهو نفل ولا يشرع في حقه أكثر من سعي واحد بغير خلاف علمناه قال جابر لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوفا واحدا طوافه الأول رواه مسلم ولا يكون السعي إلا بعد طواف فإن سعى مع طواف القدوم لم يسع بعده وإن لم يسع معه سعى مع طواف الزيارة فصل ويستحب أن يدخل البيت فيكبر في نواحيه ويصلي ركعتين ويدعوا الله عز وجل قال ابن عمر دخل النبي صلى الله عليه وسلم وبلال وأسامة بن زيد فقلت لبلال هل صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم قلت أين هو قال بين العمودين تلقاء وجهه ونسيت أن أسأله كم صلى قال ابن عباس أخبرني أسامة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل فيه حتى خرج متفق عليهما فقدم أهل العلم رواية بلال على رواية أسامة لأنه مثبت وأسامة ناف لأن أسامة كان حديث السن فيجوز أن يكون اشتغل بالنظر إلى ما في الكعبة عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يدخل البيت فلا بأس فإن إسماعيل بن أبي خالد قال قلت لعبد الله بن أبي أوفى أدخل النبي صلى الله عليه وسلم في عمرته قال لا متفق عليه وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عندها وهو مسرور ثم رجع وهو كئيب
فقال إني دخلت الكعبة ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما دخلتها إني أخاف أن أكون قد شققت على أمتي رواه أبو داود فصل ويستحب أن يأتي زمزم فيشرب من مائة لما أحب ويتضلع منه قال جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم ثم أتى بني عبد المطلب وهم يسقون فنالوه دلوا فشرب منه وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ماء زمزم لما شرب وعن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر قال كنت عند ابن عباس جالسا فجاءه رجل فقال من أين جئت قال من زمزم قال فشربت منها كما ينبغي قال فكيف قال إذا شربت منها فاستقبل الكعبة واذكر اسم الله وتنفس ثلاثا من زمزم وتضلع مها فإذا فرغت فاحمد الله تعالى فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم رواهما ابن ماجة ويقول عند الشرب بسم الله اللهم اجعله لنا علما نافعا ورزقا واسعا وريا وشبعا وشفاء من كل داء واغسل به قلبي واملأه من حكمتك فصل ويسن أن يخطب الإمام بمنى يوم النحر خطبة يعلم الناس فيها مناسكهم من النحر والإفاضة والرمي نص عليه أحمد وهو مذهب الشافعي وابن المنذر وذكر بعض أصحابنا أنه لا يخطب يومئذ وهو مذهب مالك لأنها تسن في اليوم الذي قبله فلم تسن فيه ولنا ما روي ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم النحر يعني بمنى أخرجه البخاري وعن رافع بن عمرو المزني قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى على يغلة شهباء وعلى بعير عنه والناس بين قائم وقاعد وقال أبو أمامة سمعت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم بمنى يوم النحر وقال الهرماس بن زياد الباهلي رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب الناس على ناقته العضباء يوم الأضحى بمنى وقال عبد الرحمن بن معاذ خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بمنى ففتحت أسماعنا حتى كنا نسمع ونحن في منازلنا فطفق يعلمهم مناسكهم حتى بلغ الحمار وروى هذه الأحاديث كلها أبو داود إلا حديث ابن عباس ولأنه يوم تكثر فيه أفعال الحج ويحتاج إلى تعليم الناس أحكام ذلك فاحتيج إلى الخطبة من أجله كيوم عرفة فصل يوم الحج الأكبر يوم النحر فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يوم النحر هذا يوم الحج الأكبر رواه البخاري وسمي بذلك لكثرة أفعال الحج فيه من الوقوف بالمشعر والدفع منه إلى منى والرمي والنحر والحلق وطواف الإفاضة والرجوع إلى منى ليبيت بها وليس في غيره مثله وهو مع ذلك يوم عيد ويوم يحل فيه من إحرام الحج فصل وفي يوم النحر أربعة أشياء الرمى ثم النحر ثم الحلق ثم الطواف والسنة ترتيبها هكذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم رتبها كذلك وصفه جابر في حج النبي صلى الله عليه وسلم وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى ثم نحر حلق رواه أبو داود فإن أخل بترتيبها ناسيا أو جاهلا بالسنة فيها فلا شيء عليه في قول كثير من أهل العلم منهم الحسن وطاوس ومجاهد وسعيد بن جبير وعطاء والشافعي وإسحاق وأبو ثور وداود ومحمد بن جرير الطبري وقال أبو حنيفة إن قدم الحلق على الرمي أو على النحر فعليه دم فإن كان قارنا فعليه دمان وقال زفر عليه ثلاثة دماء لأنه لم يوجد التحلل الأول فلزمه الدم كما لو حلق قبل يوم النحر ولنا ما روى عن عبد الله بن عمر قال رجل يا رسول الله حلقت قبل أن أذبح قال اذبح ولا حرج فقال آخر ذبحت قبل أن أرمي قال ارم ولا حرج متفق عليه وفي لفظ قال فجاء رجل فقال يا رسول الله لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح وذكر الحديث قال فما سمعته يسأل يومئذ عن أمر مما ينسىء المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور على بعضها وأشباهها إلا قال افعلوا ولا حرج عليكم رواه مسلم
وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قيل له يوم النحر وهو بمنى في النحر والحلق والرمي والتقديم والتأخير فقال لا حرج متفق عليه ورواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عيسى بن طلحة عن عبد الله بن عمر وفيه فحلقت قبل أن أرمي وتابعه على ذلك محمد بن أبي حفصة عن الزهري عن عيسى عن عبد الله بن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه رجل فقال يا رسول الله إني حلقت قبل أن أرمي قال ارم ولا حرج قال وأتاه آخر فقال إني أفضت قبل أن أرمي قال ارم ولا حرج وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل يوم النحر عن رجل حلق قبل أن يرمي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا حرج لا حرج رواه الدارقطني كله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع على أنه لا يلزم من سقوط الدم بفقد الشيء في وقته سقوطه قبل وقته فإنه لو حلق في العمرة بعد السعي لا شيء عليه وإن كان الحل ما حصل قبله وكذلك في مسألتنا إذا قلنا إن الحل يحصل بالحلق فقد حلق قبل التحلل ولا دم عليه فأما إن فعله عمدا عالما بمخالفة السنة في ذلك ففيه روايتان إحداهما لا دم عليه وهو قول عطاء وإسحاق لإطلاق حديث ابن عباس وكذلك حديث عبد الله بن عمرو من رواية سفيان بن عيينة والثانية عليه دم روي نحو ذلك عن سعيد بن جبير وجابر بن زيد وقتادة والنخعي لأن الله تعالى قال ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله ولأن النبي صلى الله عليه وسلم رتب وقال خذوا عني مناسككم والحديث المطلق قد جاء مفيدا فيحمل المطلق على المقيد قال الأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل حلق قبل أن يذبح فقال إن كان جاهلا فليس عليه فأما التعمد فلا لأن النبي صلى الله عليه وسلم سأله رجل فقال لم أشعر قيل لأبي عبد الله سفيان بن عيينة لا يقول لم أشعر فقال نعم ولكن مالكا والناس عن الزهري لم أشعر قيل لأبي عبد الله وهو في الحديث وقال مالك إن قدم الحلق على الرمي فعليه دم وإن قدمه على النحر أو النحر على الرمي فلا شيء عليه لأنه بالإجماع ممنوع من حلق شعره قبل التحلل الأول ولا يحصل إلا برمي الجمرة فأما النحر قبل الرمي فجائز لأن الهدي قد بلغ محله ولنا الحديث فإنه لم يفرق بينهما فإن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له في الحلق والنحر والتقديم والتأخير فقال لا حرج ولا نعلم خلافا بينهم في أن مخالفة الترتيب لا تخرج عن هذه الأفعال عن الإجزاء ولا يمنع وقوعها موقعها وإنما اختلفوا في وجوب الدم على ما ذكرنا والله أعلم فصل فإن قدم الإفاضة على الرمي أجزأه طوافه وبهذا قال الشافعي وقال مالك لا تجزئه الإفاضة فليرم ثم لينحر ثم ليفض ولنا ما روى عطاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له رجل أفضت قبل أن أرمي قال ارم ولا حرج وعنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من قدم شيئا قبل شيء فلا حرج رواهما سعيد في سننه وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه آخر فقال إني أفضت إلى البيت قبل أن أرمي فقال ارم ولا حرج فما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء قدم أو أخر إلا قال افعل ولا حرج رواه أبو داود والنسائي والترمذي ولأنه أتى بالرمي في وقته فأجزأه كما لو رتب ومقتضى كلام أصحابنا أنه يحصل له بالإفاضة قبل الرمي التحلل الأول كما رمى ولم يفض فعلى هذا لو واقع أهله قبل الرمي فعليه دم ولم يفسد حجه وكذلك قال الأوزاعي فإن رجع إلى أهله ولم يرم فعليه دم لترك الرمي وحجه صحيح
قال ابن عباس من نسيء أو ترك شيئا من نسكه فليهرق لذلك دما وقال عطاء من نسي من النسك شيئا حتى رجع إلى أهله فليهرق لذلك دما مسألة قال ( ثم يرجع إلى منى ولا يبيت بمكة ليالي منى ) السنة لمن أفاض يوم النحر أن يرجع إلى منى لما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى متفق عليه وقالت عائشة رضي الله عنها أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق رواه أبو داود وظاهر كلام الخرقي أن المبيت بمنى ليالي منى واجب وهو إحدى الروايتين عن أحمد وقال ابن عباس لا يبيتن أحد من وراء العقبة من منى ليلا وهو عروة وإبراهيم ومجاهد وعطاء وروي ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو قول مالك والشافعي والثانية ليس بواجب روي ذلك عن الحسن وروي عن ابن عباس إذا رميت الجمرة فبت حيث شئت ولأنه قد حل من حجه فلم يجب عليه المبيت بموضع معين كليلة الحصبة والرواية الأولى أصح ولأن ابن عمر روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص للعباس بن عبد المطلب أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته متفق عليه وتخصيص العباس بالرخصة لعذره دليل على أنه لا رخصة لغيره وعن ابن عباس قال لم يرخص النبي صلى الله عليه وسلم لأحد يبيت بمكة إلا العباس من أجل سقايته رواه ابن ماجة وروى الأثرم عن ابن عمر قال لا يبيتن أحد من الحاج إلا بمنى وكان يبعث رجالا لا يدعون أحدا يبيت وراء العقبة ولأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله نسكا وقد قال خذوا عني مناسككم فصل فإن ترك المبيت بمنى فعن أحمد لا شيء عليه وقد أساء وهو قول أصحاب الرأي لأن الشرع لم يرد فيه بشيء وعنه يطعم شيئا وخففه ثم قال قد قال بعضهم ليس عليه وقال إبراهيم عليه دم وضحك ثم قال دم بمرة ثم شدد بمرة قلت ليس إلا أن يطعم شيئا قال نعم يطعم شيئا ثمرا أو نحوه فعلى هذا أي شيء تصدق به أجزأه ولا فرق بين ليلة وأكثر ولا تقدير فيه وعنه في الليالي الثلاث دم لقول ابن عباس من ترك من نسكه شيئا أو نسيه فليهرق دما وفيما دون الثلاث ثلاث روايات وهو الشافعي ( إحداهن في كل واحدة مد والثانية درهم والثالثة نصف درهم ) وهذا لا نظير له فإننا لا نعلم في ترك شيء من المناسك درهما ولا نصف درهم فإيجابه بغير نص تحكم لا وجه له والله أعلم مسألة قال ( فإذا كان من الغد وزالت الشمس رمى الجمرة الأولى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ويقف عندها ويرمي ويدعو ثم يرمي الوسطى بسبع حصيات ويكبر أيضا ويدعو ثم يرمي جمرة العقبة سبع حصيات ولا يقف عندها ) قد ذكرنا أن جملة ما يرمي به الحاج سبعون حصاة سبعة منها يرميها يوم النحر بعد طلوع الشمس وسائرها في أيام التشريق الثلاثة بعد زوال الشمس كل يوم إحدى وعشرين حصاة لثلاث جمرات يبتدىء بالجمرة الأولى وهي أبعد الجمرات من مكة وتلي مسجد الخيف فيجعلها عن يساره ويستقبل القبلة ويرميها بسبع حصيات رافعا يديه ثم يتقدم إلى الوسطى فيجعلها عن يمينه ويستقبل القبلة ويرميها بسبع حصيات ويفعل من الوقوف والدعاء كما فعل في الأولى ثم يرمي جمرة العقبة بسبع حصيات ويستبطن الوادي ويستقبل القبلة ولا يقف عندها وبهذا قال الشافعي ولا نعلم في جميع ما ذكرنا خلافا إلا أن مالكا قال ليس بموضع لرفع اليدين وقد ذكرنا الخلاف فيه عند رؤية البيت وقال الأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل أيقوم الرجل عند الجمرتين إذا رمى قال أي لعمري شديدا ويطيل القيام أيضا قيل فإلى أين يتوجه في قيامه قال إلى القبلة ويرميها في بطن الوادي
والأصل في هذا ما روت عائشة قالت أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ويقف عند الأولى والثانية فيطيل القيام ويتضرع ويرمي الثالثة ولا يقف عندها رواه أبو داود وعن ابن عمر أنه كان يرمي الجمر بسبع حصيات يكبر على إثر كل حصاة ثم يتقدم ويستهل ويقوم قياما طويلا ويرفع يديه ثم يرمي الوسطى ثم يأخذ بذات الشمال فيستهل ويقوم مستقبل القبلة قياما طويلا ثم ينصرف ويقول هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله رواه البخاري وروى أبو داود أن ابن عمر كان يدعو بدعائه الذي دعا به بعرفة ويزيد وأصلح وأتم لنا مناسكنا وقال ابن المنذر كان ابن عمر وابن مسعود يقولان عند الرمي اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورا كان ابن عمر وابن عباس يرفعان أيديهما إذا رميا الجمرة ويطيلان الوقوف وروي عن عبد الرحمن بن زيد قال أفضت مع عبد الله فرمى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة واستبطن الوادي حتى إذا فرغ قال اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورا ثم قال هكذا رأيت الذي أنزلت عليه سور البقرة صنع رواه الأثرم وعن عطاء قال كان ابن عمر يقوم عند الجمرتين مقدار ما يقرأ الرجل سورة البقرة رواه الأثرم فصل ولا يرمي في أيام التشريق إلا بعد الزوال فإن رمى قبل الزوال أعاد نص عليه وروي ذلك عن ابن عمر وبه قال مالك والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي وروي عن الحسن وعطاء إلا أن إسحاق وأصحاب الرأي رخصوا في الرمى يوم النفر قبل الزوال ولا ينفر إلا بعد الزوال وعن أحمد مثله ورخص عكرمة في ذلك أيضا وقال طاوس يرمي قبل زوال وينفر قبله ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما رمى بعد الزوال لقول عائشة يرمي الجمرة إذا زالت الشمس وقول جابر في صفة الحج النبي صلى الله عليه وسلم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة ضحى يوم النحر ورمى بعد ذلك بعد زوال الشمس وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم خذوا عني مناسككم وقال ابن عمر كنا نتحين إذ زالت الشمس رمينا وأي وقت رمى بعد الزوال أجزأه إلا أن المستحب المبادرة إليها حين الزوال كما قال ابن عمر وقال ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرمي الجمار إذا زالت الشمس قدر ما إذا فرغ من رميه صلى الظهر رواه ابن ماجة فصل والترتيب في هذه الجمرات واجب على ما ذكرنا فإن نكس فبدأ بجمرة العقبة ثم الثانية ثم الأولى أو بدأ بالوسطى ورمى بالثلاث لم يجزه إلا الأولى وأعاد الوسطى والقصوى نص عليه أحمد وإن رمى القصوى ثم الأولى ثم الوسطى أعاد القصوى وحدها وبهذا قال مالك والشافعي وقال الحسن وعطاء لا يجب الترتيب وهو قول أبي حنيفة فإنه قال إذا رمى منكسا يعيد فإن لم يفعله أجزأه واحتج بعضهم بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من قدم نسكا بين يدي نسك فلا حرج ولأنها مناسك متكررة في أمكنة متفرقة في وقت واحد ليس بعضها تابعا لبعض فلم يشترط الترتيب فيها كالرمي والذبح ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم رتبها في الرمي وقال خذوا عني مناسككم ولأنه نسك متكرر فاشترط الترتيب فيه كالسعي وحديثهم إنما جاء فيمن يقدم نسكا على نسك لا في تقديم بعض النسك على بعض وقياسهم يبطل الطواف والسعي فصل وإن ترك الوقوف عندها والدعاء ترك السنة ولا شيء عليه وبذلك قال الشافعي وأبو حنيفة وإسحاق وأبو ثور ولا نعلم فيه مخالفا إلا الثوري قال يطعم شيئا وإن أراق دما أحب إلي لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله فيكون نسكا ولنا إنه دعاء وقوف مشروع له فلم يجب بتركه شيء كحالة رؤية البيت وكسائر الأدعية ولأنها إحدى الجمرات فلم يجب الوقوف عندها والدعاء كالأولى
والنبي صلى الله عليه وسلم يفعل الواجبات والمندوبات وقد ذكر الدليل على أن هذا ندب فصل والأولى أن لا ينقص في الرمي عن سبع حصيات لأن النبي صلى الله عليه وسلم رمى بسبع حصيات فإن نقص حصاة أو حصاتين فلا بأس ولا ينقص أكثر من ذلك نص عليه وهو قول مجاهد وإسحاق وعنه إن رمى بست ناسيا فلا شيء عليه ولا ينبغي أن يتعمده فإن تعمد ذلك تصدق بشيء وكان ابن عمر يقول ما أبالي رميت بست أو سبع وقال ابن عباس ما أدري رماها النبي صلى الله عليه وسلم بست أو سبع وعن أحمد أن عدد السبع شرط ونسبه إلى مذهب الشافعي وأصحاب الرأي لأن النبي صلى الله عليه وسلم رمى بسبع وقال أبو حية لابأس بما رمى به الرجل من الحصى فقال عبدالله بن عمرو صدق أبو حية وكان أبو حية بدريا ووجه الرواية الأولى ما روى ابن أبي نجيح قال سئل طاوس عن رجل ترك حصاة قال يتصدق بتمرة أو لقمة فذكرت ذلك لمجاهد فقال إن أبا عبدالرحمن لم يسمع قول سعد قال سعد رجعنا من الحجة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضنا يقول رميت بست وبعضنا بقول بسبع فلم يعب ذلك بعضنا على بعض رواه الأثرم وغيره ومتى أخل بحصاة واجبة من الأولى لم يصح رمي الثانية حتى يكمل الأولى فإن لم يدر من أي الجمار تركها بنى على اليقين وإن أخل بحصاة غير واجبة لم يؤثر تركها مسألة قال ( ويفعل في اليوم الثاني كما يفعل بالأمس فإن أحب أن يتعجل في يومين خرج قبل غروب الشمس فإن غربت الشمس وهو بها لم يخرج حتى يرمي من غد بعد الزوال كما رمى بالأمس ) وجملته أن الرمي في اليوم الثاني كالرمي في اليوم الأول في وقته وصفته وهيئته ولا نعلم فيه خلافا فإن أحب التعجيل في يومين خرج قبل الغروب وأجمع أهل العلم على أن من أراد الخروج من منى شاخصا عن الحرم غير مقيم بمكة أن ينفر بعد الزوال في اليوم الثاني من أيام التشريق فإن أحب الإقامة بمكة فقال أحمد لا يعجبني لمن ينفر النفر الأول أن يقيم بمكة وكان مالك يقول في أهل مكة من كان له عذر فله أن يتعجل في يومين فإن أراد التخفيف عن نفسه من أمر الحج فلا ويحتج من ذهب إلى هذا بقول عمر رضي الله عنه من شاء من الناس كلهم أن ينفر في النفر الأول إلا آل خزيمة فلا ينفرون إلا في النفر الآخر جعل أحمد وإسحاق معنى قول عمر إلا آل خزيمة أي إنهم أهل حرم مكة والمذهب جواز النفير في النفر الأول لكل أحد وهو قول عامة لقول الله تعالى فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى البقرة 203 قال عطاء هي للناس عامة وروى أبو داود وابن ماجة عن عبد الرحمن بن يعمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه قال ابن عيينة هذا أجود حديث رواه سفيان وقال وكيع هذا الحديث أم المناسك وفيه زيادة أنا اختصرته ولأنه دفع من مكان فاستوى فليه أهل مكة وغيرهم كالدفع من عرفة ومن مزدلفة وكلام أحمد في هذا أراد به الاستحباب موافقة لقول عمر لا غير فمن أحب التعجيل في النفر الأول خرج قبل غروب الشمس فإن غربت قبل خروجه من منى لم ينفر سواء كان ارتحل أو كان مقيما في منزله لم يجز له الخروج هذا قول عمر وجابر بن زيد وعطاء وطاوس ومجاهد وأبان بن عثمان ومالك والثوري والشافعي وإسحاق وابن المنذر وقال أبو حنيفة له أن ينفر ما لم يطلع فجر اليوم الثالث لأنه لم يدخل اليوم الآخر فجاز له النفر كما قبل الغروب ولنا قوله تعالى فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه البقرة 203 واليوم اسم للنهار فمن أدركه الليل فما تعجل في يومين
قال ابن المنذر وثبت عن عمر أنه قال من أدركه المساء في اليوم الثاني فليقم إلى الغد حتى ينفر مع الناس وما قاسوا عليه لا يشبه ما نحن فيه فإنه تعجل في اليومين فصل إذا أخر رمي يوم إلى ما بعد أو أخر الرمي كله إلى آخر أيام التشريق ترك السنة ولا شيء عليه إلا أنه يقدم بالنية رمي اليوم الأول ثم الثاني ثم الثالث وبذلك قال الشافعي وأبو ثور وقال أبو حنيفة إن ترك حصاة أو حصاتين أو ثلاثا إلى الغد رماها وعليه كل حصاة نصف صاع وإن ترك أربعا رماها وعليه دم ولنا إن أيام التشريق وقت للرمي فإذا أخره من أول وقته إلى آخره لم يلزمه شيء كما لو أخر الوقوف بعرفة إلى وقته ولأنه وقت يجوز الرمي فيه فجاز لغيرهم كاليوم الأول قال القاضي ولا يكون رميه في اليوم الثاني قضاء لأنه وقت واحد وإن كان قضاء فالمراد به الفعل كقوله ليقضوا تفثهم الحج 29 وقولهم قضيت الدين والحكم في رمي جمرة العقبة إذا أخرها كالحكم في رمي أيام التشريق في أنها إذا لم ترم يوم النحر رميت من الغد وإنما قلنا يلزمه الترتيب بنية لأنها عبادات يجب الترتيب فيها مع فعلها في أيامها فوجب ترتيبها مجموعة كالصلاتين المجموعتين والفوائت مسألة قال ( ويستحب أن لا يدع الصلاة في مسجد منى مع الإمام ) يعني مسجد الخيف فإن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يصلون بمنى قال ابن مسعود صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين ومع أبي بكر وعمر وعثمان ركعتين صدرا من إمارته وهذا إذا كان الإمام مرضيا فإن لم يكن مرضيا صلى المرء برفقته في رحله فصل ويستحب أن يخطب الإمام في اليوم الثاني من أيام التشريق خطبة يعلم الناس فيها حكم التعجيل والتأخير وتوديعهم وبهذا قال الشافعي وابن المنذر وقال أبو حنيفة لا يستحب قياسا على اليومين الآخرين ولنا ما روي عن رجلين من بني بكر قالا رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بين أوساط أيام التشريق ونحن عند راحلته رواه أبو داود وعن سراء بنت نبهان قالت خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الرؤوس فقال أي يوم هذا قلت الله ورسوله أعلم قال أليس أوسط أيام التشريق روى الدارقطني بإسناده عن عبد العزيز بن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب أوسط أيام التشريق يعني يوم النفر الأول ولأن بالناس حاجة إلى أن يعلمهم كيف يتعجلون وكيق يودعون بخلاف اليوم الأول مسألة قال ( ويكبر في دبر كل صلاة من صلاة الظهر إلى يوم النحر إلى آخر أيام التشريق ) إنما خص المحرم بالتكبير من يوم النحر ظهرا لأنه قبل ذلك مشغول بالتلبية فلا يقطعها إلا عند رمي جمرة العقبة كما بيناه فيما قبل وليس بعدهما صلاة قبل الظهر فيكبر حينئذ بعدها كالمحل ويستوي هو والحلال في آخر مدة التكبير صفة التكبير ما ذكرناه في صلاة العيد وهو أن يقول الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد فصل قال بعض أصحابنا يستحب لمن نفر أن يأتي المحصب وهو الأبطح وحده ما بين الجبلين إلى المقبرة فيصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم يضطجع يسيرا ثم يدخل مكة وكان ابن عمر يرى التحصيب سنة قال ابن عمر يصلي بالمحصب الظهر والعصر والمغرب والعشاء وكان كثير الاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان طاوس يحصب في شعب الجور وكان سعيد بن جبير يفعله ثم تركه وكان ابن عباس وعائشة لا يريان ذلك سنة قال ابن عباس التحصيب ليس بشيء إنما هو منزل نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن عائشة أن نزول الأبطح ليس بسنة إنما نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكون أسمح لخروجه إذا خرج متفق عليهما ومن استحب ذلك فلإتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه كان ينزله
قال نافع كان ابن عمر يصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء ويهجع هجعة ويذكر ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم متفق عليه وقال ابن عمر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعثمان ينزلون الأبطح قال الترمذي هذا حديث حسن غريب ولا خلاف في أنه ليس بواجب ولا شيء على تاركه مسألة قال ( فإذا أتى مكة لم يخرج حتى يودع البيت يطوف به سبعا ويصلي ركعتين إذا فرغ من جميع أموره حتى يكون آخر عهده بالبيت ) وجملة ذلك أن من أتى مكة لا يخلو إما أن يريد الإقامة بها أو الخروج منها فإن أقام بها فلا وداع عليه لأن الوداع من المفارق لا من الملازم سواء نوى الإقامة قبل النفر أو بعده وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة إن نوى الإقامة بعد أن حل له النفر لم يسقط عنه الطواف ولا يصح لأنه غير مفارق فلا يلزمه وداع كمن نواها قبل حل النفر وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت وهذا ليس بنافر فأما الخارج من مكة فليس له أن يخرج حتى يودع البيت بطواف سبع وهو واجب من تركه لزمه دم وبذلك قال الحسن والحكم وحماد والثوري وإسحاق وأبو ثور وقال الشافعي في قول له لا يجب بتركه شيء لأنه يسقط عن الحائض فلم يكن واجبا كطواف القدوم ولأنه كتحية البيت أشبه طواف القدوم ولنا ما روى ابن عباس قال أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت ألا أنه خفف عن المرأة الحائض متفق عليه ولمسلم قال كان الناس ينصرفون كل وجه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت وليس في سقوطه عن المعذور ما يجوز سقوطه لغيره كالصلاة تسقط عن الحائض وتجب على غيرها بل تخصيص الحائض بإسقاطه عنها دليل على وجوبه على غيرها إذ لو كان ساقطا عن الكل لم يكن لتخصيصها بذلك معنى وإذا ثبت وجوبه فإنه ليس بركن بغير خلاف ولذلك سقط عن الحائض ولو يسقط طواف الزياة ويسمى طواف الوداع لأنه لتوديع البيت وطواف الصدر لأنه عند صدور الناس من مكة ووقته بعد فراغ المرء من جميع أموره ليكون آخر عهده بالبيت على ما جرت به العادة في توديع المسافر إخوانه وأهله ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم حتى يكون آخر عهده بالبيت فصل ومن كان منزله في الحرم فهو كالمكي لا وداع عليه ومن كان منزله خارج الحرم قريبا منه فظاهر كلام الخرقي أنه لا يخرج حتى يودع البيت وهذا قول أبي ثور وقياس قول مالك ذكره ابن القاسم وقال أصحاب الرأي في أهل بستان ابن عامر وأهل المواقيت إنهم بمنزلة أهل مكة في طواف الوداع لأنهم معدودون من حاضري المسجد الحرام بدليل سقوط دم المتعة عنهم ولنا عموم قوله صلى الله عليه وسلم لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت ولأنه خارج من مكة فلزمه التوديع كالبعيد فصل فإن أخر طواف الزيارة فطافه عند الخروج ففيه روايتان إحداهما يجزئه عن طواف الوداع لأنه أمر أن يكون آخر عهده بالبيت وقد فعل ولأن ما شرع لتحية المسجد أجزأ عنه الواجب من جنسه كتحية المسجد بركعتين تجزىء عنهما المكتوبة وعنه لا يجزئه عن طواف الوداع لأنهما عبادتان واجبتان فلم تجز إحداهما عن الأخرى كالصلاتين الواجبتين مسألة قال ( فإن ودع واشتغل في تجارة عاد فودع ) قد ذكرنا أن طواف الوداع إنما يكون عند خروجه ليكون آخر عهده بالبيت فإن طاف للوداع ثم اشتغل بتجارة أو إقامة فعليه إعادته وبهذا قال عطاء ومالك والثوري والشافعي وأبو ثور وقال أصحاب الرأي إذا طاف للوداع أو طاف تطوعا بعدما حل له النفر أجزأه عن طواف الوداع وإن قام شهرا أو أكثر لأنه طاف بعدما حل له النفر فلم يلزمه إعادته كما لو نفر عقيبه
ولنا قوله عليه السلام لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت ولأنه إذا قام بعده خرج عن أن يكون وداعا في العادة فلم يجزه كما لو طافه قبل حل النفر فأما إن قضى حاجة في طريقه أو اشترى زادا أو شيئا لنفسه في طريقه لم يعده لأن ذلك ليس بإقامة تخرج عن أن يكون آخر عهده بالبيت وبهذا قال مالك والشافعي ولا نعلم مخالفا لهما مسألة قال ( فإن خرج قبل الوداع رجع إن كان بالقرب وإن بعد بعث بدم ) هذا قول عطاء والثوري والشافعي وإسحاق وأبي ثور والقريب هو الذي بينه وبين مكة دون مسافة القصر والبعيد من بلغ مسافة القصر نص عليه أحمد وهو قول الشافعي وكان عطاء يرى الطائف قريبا وقال الثوري حد ذلك الحرم فمن كان في الحرم فهو قريب ومن خرج منه فهو بعيد ووجه القول الأول أن من دون مسافة القصر في حكم الحاضر في أنه لا يقصر ولا يفطر ولذلك عددناه من حاضري المسجد الحرام وقد روي أن عمر رد رجلا من مر إلى مكة ليكون آخر عهده بالبيت رواه سعيد وإن لم يمكنه الرجوع لعذر فهو كالبيعد ولو لم يرجع القريب الذي يمكنه الرجوع لم يكن عليه أكثر من دم ولا فرق بين تركه عمدا أو خطأ لعذر أو غيره لأنه من واجبات الحج فاستوى عمده وخطؤه والمعذور وغيره كسائر واجباته فإن رجع البعيد فطاف للوداع فقال القاضي لا يسقط عنه الدم لأنه قد استقر عليه الدم ببلوغه مسافة القصر فلم تسقط برجوعه كمن تجاوز الميقات غير محرم فأحرم دونه ثم رجع إليه وإن رجع القرب فطاف فلا دم عليه سواء كان ممن له عذر يسقط عنه الرجوع أو لا لأن الدم لم يستقر عليه لكونه في حكم الحاضر ويحتمل سقوط الدم عن البعيد برجوعه لأنه واجب أتى به فلم يجب عليه بدله كالقريب فصلإذا رجع البعيد فينبغي أن لا يجوز له تجاوز الميقات إن كان جاوزه إلا محرما لأنه ليس من أهل الأعذار فيلزمه طواف لإحرامه بالعمرة والسعي وطواف لوداعه وفي سقوط الدم عنه ما ذكرنا من الخلاف وإن كان دون الميقات أحرم من موضعه فأما إن رجع القريب فظاهر قول من ذكرنا قوله أنه لا يلزمه إحرام لأنه رجع لإتمام نسك مأمور به فأشبه من رجع لطواف الزيادة فإن ودع وخرج ثم دخل مكة لحاجة فقال أحمد أحب إلي ألا يدخل إلا محرما وأحب إلي إذا خرج أن يودع البيت بالطواف وهذا لأنه لم يدخل لإتمام النسك إنما دخل لحاجة غير متكررة فأشبه من يدخلها للإقامة بها مسألة قال ( والمرأة إذا حاضت قبل أن تودع خرجت ولا وداع عليها ولا فدية ) هذا قول عامة فقهاء الأمصار وقد روي عن عمر وابنه أنهما أمرا الحائض بالمقام لطواف الوداع وكان زيد بن ثابت يقول به ثم رجع عنه فروى مسلم أن زيد بن ثابت خالف ابن عباس في هذا قال طاوس كنت مع ابن عباس إذ قال زيد بن ثابت يفتي أن لا تصدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت فقال له ابن عباس أما لا تسأل فلانة الأنصارية هل أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال فرجع زيد إلى ابن عباس يضحك وهو يقول ما أراك إلا وقد صدقت وروي عن ابن عمر أنه رجع إلى قول الجماعة أيضا وقد ثبت التخفيف عن الحائض بحديث صفية حين قالوا يا رسول الله إنها حائض فقال أحابستنا هي قالوا يا رسول الله أنها قد أفاضت يوم النحر قال فلتنفر إذا ولا أمرها بفدية ولا غيرها وفي حديث ابن عباس ألا أنه خفف عن المرأة الحائض والحكم في النفساء كالحكم في الحائض لأن أحكام النفاس مثل أحكام الحيض فيما يوجب ويسقط فصل وإذا نفرت الحائض بغير وداع فطهرت قبل مفارقة البنيان رجعت فاغتسلت وودعت
لأنها في حكم الإقامة بدليل أنها لا تستبيح الرخص فإن لم يمكنها الإقامة فمضت أو مضت لغير عذر فعليها دم وإن فارقت البنيان لم يجب الرجوع إذا كانت قريبة كالخارج من غير عذر قلنا هناك ترك واجبا فلم يسقط بخروجه حتى يسير إلى مسافة القصر لأنه يكون إنشاء سفر طويل غير الأول وها هنا لم يكن واجبا ولا يثبت وجوبه ابتداء إلا في حق من كان مقيما فصل ويستحب أن يقف المودع في الملتزم وهو ما بين الركن والباب فيلتزمه يلصق به صدره ووجه ويدعو الله عز وجل لما روى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال طفت مع عبدالله فلما جاء دبر الكعبة قلت ألا تتعوذ قال نعوذ بالله من النار ثم مضى حتى استلم الحجر فقام بين الركن والباب فوضع صدره ووجه وذراعيه وكفيه هكذا وبسطها بسطا وقال هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله وعن عبدالرحن بن صفوان قال لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة انطلقت فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خرج من الكعبة هو وأصحابه قد استلموا الركن من الباب إلى الحطيم ووضعوا خدودهم على البيت ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسطهم رواه أبو داود وقال منصور سألت مجاهدا إذا أردت الوداع كيف أصنع قال تطوف بالبيت سبعا وتصلي ركعتين خلف المقام ثم تأتي زمزم فتشرب من مائها ثم تأتي الملتزم ما بين الحجر والباب فتستلمه ثم تدعو ثم تسأل حاجتك ثم تستلم الحجر وتنصرف قال بعض أصحابنا ويقول في دعائه اللهم هذا بيتك وأنا عبدك وابن عبدك حملتني على ما سخرت لي من خلقك وسيرتني في بلادك حتى بلغتني بنعمتك إلى بيتك وأعنتني على أداء نسكي فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضا وإلا فمن الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري فهذا أوان انصرافي أن أذنت لي غير مستبدل بك ولا ببيتك ولا راغب عنك ولا عن بيتك اللهم فاصحبني العافية في بدني والصحة في جسمي والعصمة في ديني وأحسن منقلبي وارزقني طاعتك أبدا ما أبقيتني واجمع لي بين خيري الدينا والآخرة إنك على كل شيء قدير وعن طاوس قال رأيت أعرابيا أتى الملتزم فتعلق بأستار الكعبة فقال بك أعوذ وبك ألوذ اللهم فاجعل لي في اللهف إلى جودك والرضا بضمانك مندوحا عن منع الباخلين وغنى عما في أيدي المستأثرين اللهم بفرجك القريب ومعروفك القديم وعادتك الحسنة ثم أضلني في الناس فلقيته بعرفات قائما وهو يقول اللهم إن كنت لم تقبل حجتي وتعبي ونصبي فلا تحرمني أجر المصاب على مصيبته فلا أعلم أعظم مصيبة ممن ورد حوضك وانصرفت محروما من وجه رغبتك وقال آخر يا خير موفود إليه قد ضعفت قوتي وذهبت منتي وأتيت إليك بذنوب لا تغسلها البحار أستجير برضاك من سخطك وبعفوك من عقوبتك رب ارحم من شملته الخطايا وغمرته الذنوب وظهرت منه العيوب إرحم أسير ضر وطريد فقر أسألك أن تهب لي عظيم جرمي يا مستزادا من نعمه ومستعاذا من نقمه ارحم صوت حزين دعاك بزفير وشهيق اللهم إن كنت بسطت إليك يدي داعيا فطالما كفيتني ساهيا فبنعمتك التي تظاهرت علي عند الغفلة لا أيأس منها عند التوبة فلا تقطع رجائي منك لما قدمت من اقتراف وهي لي الإصلاخ في الولد والأمن في البلد والعافية في الجسد إنك سميع مجيب اللهم إن لك علي حقوقا فتصدق بها علي وللناس قبلي تبعات فتحملها عني وقد أوجبت لكل ضيف قرى وأنا ضيفك الليلة فاجعل قراي الجنة اللهم إني سائلك عند بابك من ذهبت أيامه وبقيت آثامه وانقطعت شهوته وبقيت تبعته فارض عنه وإن لم ترض عنه فاعف عنه فقد يعفو السيد عن عبده وهو عنه غير راض ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم والمرأة إذا كانت حائضا لم تدخل المسجد ووقفت على بابه فدعت بذلك فصل قال أحمد إذا ودع البيت يقوم عند البيت إذا خرج ويدعو
فإذا ولى لا يقف ولا يلتفت وإن التفت رجع فودع وروى حنبل في مناسكه عن المهاجرة قال قلت لجابر بن عبدالله الرجل يطوف بالبيت ويصلي فإذا انصرف خرج ثم استقبل القبلة فقام فقال ما كنا أحسب يصنع هذا اليهود والنصارى قال أبو عبدالله أكره ذلك وقول أبي عبدالله إن التفت رجع فودع على سبيل الاستحباب إذ لا نعلم لإيجاب ذلك عليه دليلا وقد قال مجاهد إذا كدت تخرج من باب المسجد فالتفت ثم أنظر إلى الكعبة ثم قل اللهم لا تجعله آخر العهد مسألة قال ( ومن ترك طواف الزيارة رجع من بلده حراما حتى يطوف بالبيت ) وجملة ذلك أن طواف الزيارة ركن الحج لا يتم إلا به ولا يحل من إحرامه حتى يفعله فإن رجع إلى بلده قبله لم ينفك إحرامه ورجع متى أمكنه محرما لا يجزئه غير ذلك وبذلك قال عطاء والثوري ومالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وابن المنذر وقال الحسن يحج من العام المقبل وحكي نحو ذلك عن عطاء قولا ثانيا وقال يأتي عاما قابلا من حج أو عمرة ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر له أن صفية حاضت قال أحابستنا هي قيل إنها قد أفاضت يوم النحر قال فلتنفر إذا يدل على أن هذا الطواف لا بد منه وأنه حابس لمن لم يأت به فإن نوى التحلل ورفض إحرامه لم يحل بذلك لأن الإحرام لا يخرج منه بنية الخروج ومتى رجع إلى مكة فطاف بالبيت حل بطوافه لأن الطواف لا يفوت وقته على ما أسلفناه فصل فإن ترك بعض الطواف فهو كما لو ترك جميعه فيما ذكرنا سواء ترك شوطا أو أقل أو أكثر وهذا قول عطاء ومالك والشافعي وإسحاق وأبي ثور وقال أصحاب الرأي من طاف أربعة أشواط من طواف الزيارة أو طواف العمرة وسعى بين الصفا والمروة ثم رجع إلى الكوفة إن سعيه يجزئه وعليه دم لما ترك من الطواف بالبيت ولنا إن ما أتى به لا يجزئه إذا كان بمكة فلا يجزئه إذا خرج منها كما لو طاف دون الأربعة أشواط فصل وإذا ترك طواف الزيارة بعد رمي جمرة العقبة فلم يبق محرما إلا عن النساء خاصة لأنه قد حصل له التحلل الأول برمي جمرة العقبة فلم يبق محرما إلا عن النساء خاصة وإن وطىء لم يفسد حجه ولم تجب عليه بدنة لكن عليه دم ويجدد إحرامه ليطوف في إحرام صحيح قال أحمد من طاف للزيارة أو اخترق الحجر في طوافه ورجع إلى بغداد فإنه يرجع لأنه على بقية إحرامه فإن وطىء النساء أحرم من النعيم على حديث ابن عباس وعليه دم وهذا كما قلنا مسألة قال ( وإن كان طاف للوداع لم يجزئه لطواف الزيارة ) وإنما لم يجزه عن طواف الزياة لأن تعيين النية شرط فيه على ما ذكرنا فمن طاف للوداع فلم يعين النية له فكذلك لم يصح مسألة قال ( وليس في عمل القارن زيادة على عمل المفرد إلا أن عليه دما فإن لم يجد صام ثلاثة أيام آخرها يوم عرفة وسبعة إذا رجع ) المشهور عن أحمد أن القارن بين الحج والعمرة لا يلزمه من العمل ألا ما يلزم المفرد وأنه يجزئه طواف واحد وسعي واحد لحجه وعمرته نص عليه في رواية جماعة من أصحابه وهذا قول ابن عمر وجابر بن عبدالله وبه قال عطاء وطاوس ومجاهد ومالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر وعن أحمد رواية ثانية أن عليه طوافين وسعيين ويروى ذلك عن الشعبي وجابر بن زيد وعبد الرحمن بن الأسود وبه قال الثوري والحسن بن صالح وأصحاب الرأي وقد روي عن علي ولم يصح عنه واحتج بعض من اختار ذلك بقول الله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله البقرة 196 وتمامهما أن يأتي بأفعالهما على الكمال ولم يفرق بين القارن وغيره وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من جمع الحج والعمرة فعليه طوافان ولأنهما نسكان فكان لهما طوافان كما لو كانا منفردين
ولنا ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت وأما الذين كانوا جمعوا بين الحج والعمرة فإنهم طافوا لهما طوافا واحدا متفق عليه وفي مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة لما قرنت بين الحج والعمرة يسعك طوافك لحجك وعمرتك وعن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعي واحد عنهما جميعا وعن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قرن بين الحج والعمرة فطاف لهما طوافا واحدا رواهما الترمذي وقال في كل واحد منهما حديث حسن وروى ليث عن طاوس وعطاء ومجاهد عن جابر وابن عمر وابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يطف بالبيت هو وأصحابه لعمرتهم وحجهم إلا طوافا واحدا رواه الأثرم وابن ماجة وعن سلمة قال حلف طاوس ما طاف أحد من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم للحج والعمرة إلا طوافا واحدا ولأنه ناسك يكفيه حلق واحد ورمي واحد فكفاه طواف واحد وسعي واحد كالمفرد ولأنهما عبادتان من جنس واحد فإذا اجتمعتا دخلت أفعال الصغرى في الكبرى كالطهارتين وأما الآية فإن الأفعال إذا وقعت لهما فقد تما وأما الحديث الذي احتجوا به فلا نعلم صحته ورواه الدارقطني من طرق ضعيفة في بعضها الحسن بن عمارة وفي بعضها عمر بن يزيد وفي بعضها حفص بن أبي داود وكلهم ضعفاء وكفى به ضعفا معارضته لما روينا من الأحاديث الصحيحة وإن صح فيحتمل أنه أراد عليه طواف وسعي فسماهما طوافين فإن السعي يسمى طوافا قال الله تعالى فلا جناح عليه أن يطوف بهما البقرة 158 ويحتمل أنه أراد عليه طوافان طواف الزيارة وطواف الوداع فصل وإن قتل القارن صيدا فعليه جزاء واحد نص عليه أحمد فقال إذا قتل القارن صيدا فعليه جزاء واحد وهؤلاء يقولون في ذلك جزاءان فيلزمهم أن يقولوا في صيد الحرم ثلاثة لأنهم يقولون في الحل اثنان ففي الحرم ينبغي أن يكون ثلاثة وهذا قول مالك والشافعي وقال أصحاب الرأي عليه جزاءان قال القاضي وإذا قلنا عليه طوافان لزمه جزاءان ولنا قول الله تعالى ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم المائدة 95 ومن أوجب جزاءين فقد أوجب مثلين ولأنه صيد واحد فلم يجب فيه جزاءان كما لو قتل المحرم صيدا ولأنه لا يزيد على محرمين قتلا صيدا وليس عليهما إلا فداء واحد وكذلك محرم وحلال قتلا صيدا حرميا فصل وإن أفسد القارن نسكه بالوطء فعليه فداء واحد وبذلك قال عطاء وابن جريج ومالك الشافعي وإسحاق وأبو ثور ولا يسقط دم القران وقال الحكم عليه هديان ويتخرج لنا أن يلزمه بدنة وشاة إذا قلنا يلزمه طوافان وقال أصحاب الرأي إن وطىء قبل الوقوف فسد نسكه وعليه شاتان للحج والعمرة ويسقط عنه دم القرآن ولنا إن الصحابة رضي الله عنهم الذين سئلوا عمن أفسد نسكه لم يأمروه إلا بفداء واحد ولم يفرقوا ولأنه أحد الأنساك الثلاثة فلم يجب في إفساده أكثر من فدية واحدة كالآخرين وسائر محظورات الإحرام من اللبس والطيب وغيرهما لا يجب في كل واحد منها أكثر من فداء واحد كما لو كان مفردا والله أعلم مسألة قال ( إلا أن عليه دما فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع ) هذا استثناء منقطع معناه لكن عليه دم فإن وجوب الدم ليس من الأفعال المنفية بقوله وليس في عمل القارن زيادة على عمل المفرد ولا نعلم في وجوب الدم على القارن خلافا إلا ما حكي عن داود أنه لا دم عليه وروي ذلك عن طاوس وحكى ابن المنذر أن ابن داود لما دخل مكة سئل عن القارن هل يجب عليه دم فقال لا فجر برجله وهذا يدل على شهرة الأمر بينهم ولنا قول الله تعالى فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي البقرة 196 والقارن متمتع بالعمرة إلى الحج بدليل أن عليا رضي الله عنه لما سمع عثمان ينهى عن المتعة أهل بالحج والعمرة
ليعلم الناس أنه ليس بمنهي عنه وقال ابن عمر إنما القران لأهل الآفاق وتلا قوله تعالى ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام البقرة 196 وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من قرن بين حجه وعمرته فليهرق دما ولأنه ترفه بسقوطه أحد السفرين فلزمه دم كالتمتع وإذا عدم الدم فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع كالمتمتع سواء فصل ومن شرط وجوب بالدم عليه أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام في قول جمهور العلماء وقال ابن الماجشون عليه دم لأن الله تعالى إنما أسقط الدم وليس هذا متمتعا وليس هذا بصحيح فإننا قد ذكرنا أنه متمتع وإن لم يكن متمتعا فهو فرع عليه ووجوب الدم على القارن إنما كان بمعنى النص على المتمتع فلا يجوز أن يخالف الفرع أصله مسألة قال ( ومن اعتمر في أشهر الحج فطاف وسعى ثم أحرم بالحج من عامه ولم يكن خرج من مكة إلى ما نقصر فيه الصلاة فهو متمتع عليه دم ) الكلام في هذه المسألة في فصول أحدها وجوب الدم على المتمتع في الجملة وأجمع أهل العلم عليه قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن من أهل بعمرة في أشهر الحج من أهل الآفاق من الميقات وقدم مكة ففرغ منها وأقام بها وحج من عامه أنه متمتع وعليه الهدي إن وجد وإلا فالصيام وقد نص الله تعالى عليه بقوله تعالى فمن تمتع بالعمرة إلى الحج البقرة 196 الآية وقال ابن عمر تمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس من لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر ثم ليهل بالحج ويهدي فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله متفق عليه وقال جابر كنا نتمتع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج فذبح البقرة عن سبعة نشترك فيها رواه مسلم وعن أبي جمرة قال سألت ابن عباس عن المتعة فأمرني بها وسألته عن الهدي فقال فيها جزور أو بقرة أو شاة أو شرك من دم متفق عليه والدم الواجد شاة أو سبع بقرة أو سبع بدنة فإن نحر بدنة أو ذبح بقرة فقد زاد خيرا وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي وقال مالك لا يجزىء إلا بدنة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما تمتع ساق بدنة وهذا ترك لظاهر قوله تعالى فما استيسر من الهدي البقرة 196 وإطراح للآثار الثابتة وما احتجوا به بلا حجة فيه فإن إهداء النبي صلى الله عليه وسلم لا يمنع إجزاء ما دونها فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد ساق مائة بدنة ولا خلاف في أن ذلك ليس بواجب ولا يجب أن تكون البدنة التي يذبحها على صفة بدن النبي صلى الله عليه وسلم ثم إنهم يقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم كان مفردا في حجه ولذلك ذهبوا إلى تفضيل الإفراد فكيف يكون سوقه للبدن دليلا لهم في التمتع ولم يكن متمتعا الفصل الثاني في الشروط التي يجب الدم على من اجتمعت فيه وهي خمسة الأول أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج فإن أحرم بها في غير أشهره لم يكن متمتعا سواء وقعت أفعالها في أشهر الحج أو في غير أشهره نص عليه أحمد
قال الأثرم سمعت أبا عبدالله سئل عمن أهل بعمرة في غير أشهر الحج ثم قدم في شوال أيحل من عمرته في شوال أو يكون متمتعا فقال لا يكون متمتعا واحتج بحديث جابر وذكر إسناده عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبدالله يسأل عن امرأة تجعل على نفسها عمرة في شهر مسمى ثم تحل إلا ليلة واحدة ثم تحيض قال لتخرج ثم لتهل بعمرة ثم لتنتظر حتى تطهر ثم لتطف بالبيت قال أبو عبدالله فجعل عمرتها في الشهر الذي أهلت فيه لا في الشهر الذي حلت فيه ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في أن من اعتمر في غير أشهر الحج عمرة وحل منها قبل أشهر الحج أنه لا يكون متمتعا إلا قولين شاذين أحدهما عن طاوس أنه قال إذا اعتمرت في غير أشهر الحج ثم أقمت حتى الحج فأنت متمتع والثاني عن الحسن أنه قال من اعتمر بعد النحر فهي متعة قال ابن المنذر لا نعلم أحدا قال بواحد من هذين القولين فأما إن أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج ثم حل منها في أشهر الحج فمذهب أحمد أنه لا يكون متمتعا ونقل معنى ذلك عن جابر وأبي عياض وهو قول إسحاق وأحد قولي الشافعي وقال طاوس عمرته في الشهر الذي يدخل فيه الحرم وقال الحسن والحكم وابن شبرمة والثوري والشافعي في أحد قوليه عمرته في الشهر الذي يطوف فيه وقال عطاء عمرته في الشهر الذي يحل فيه وهو قول مالك وقال أبو حنيفة إن طاف للعمرة أربعة أشواط في غير أشهر الحج فليس بمتمتع وإن طاف الأربعة في أشهر الحج فهو متمتع لأن العمرة صحت في أشهر الحج بدليل أنه لو وطىء أفسدها أشبه إذا أحرم بها في أشهر الحج ولنا ما ذكرنا عن جابر ولأنه أتى بنسك لا تتم العمرة إلا به في غير أشهر الحج فلم يكن متمتعا كما لو طاف ويخرج عليه ما قاسوا عليه الثاني أن يحج من عامه فإن اعتمر في أشهر الحج ولم يحج ذلك العام بل حج من العام القابل فليس بمتمتع لا نعلم فيه خلافا إلا قولا شاذا عن الحسن فيمن اعتمر في أشهر الحج فهو متمتع حج أو لم يحج والجمهور على خلاف هذا لأن الله تعالى قال فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي البقرة 196 وهذا يقتضي الموالاة بينهما ولأنهم إذا أجمعوا على أن من اعتمر في غير أشهر الحج ثم حج من عامه ذلك فليس بمتمتع فهذا أولى من التباعد بينهما أكثر والثالث أن لا يسافر بين العمرة والحج سفرا بعيدا تقصر في مثله الصلاة نص عليه وروي ذلك عن عطاء والمغيرة والمديني وإسحاق وقال الشافعي إن رجع إلى الميقات فلا دم عليه وقال أصحاب الرأي إن رجع إلى مصره بطلت متعته وإلا فلا وقال مالك إن رجع إلى مصره أو إلى غيره أبعد من مصره بطلت متعته وإلا فلا وقال الحسن هو متمتع وإن رجع إلى بلده واختاره ابن المنذر لعموم قوله تعالى فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي البقرة 196 ولنا ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال إذا اعتمر في أشهر الحج ثم قام فهو متمتع فإن خرج ورجع فليس بمتمتع وعن ابن عمر نحو ذلك ولأنه إذا رجع إلى الميقات أو ما دونه لزمه الإحرام منه فإن كان بعيدا فقد أنشأ سفرا بعيدا فحجه فلم يترفه بأحد السفرين فلم يلزمه دم كموضع الوفاق والآية تناولت المتمتع وهذا ليس بمتمتع بدليل قول عمر الرابع أن يحل من إحرام العمرة قبل إحرامه بالحج فإن أدخل الحج على العمرة قبل حله منها كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم والذين كان معهم الهدي من أصحابه فهذا يصير قارنا ولا يلزمه دم المتعة
قالت عائشة خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة فقدمت مكة وأنا حائض لم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة قالت ففعلت فلما قضينا الحج أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبدالرحن بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت معه فقال هذه مكان عمرتك قال عروة فقضى الله حجها وعمرتها ولم يكن في شيء من ذلك هدي ولا صوم ولا صدقة متفق عليه ولكن عليه دم للقران لأنه صار قارنا وترفه بسقوطه أحد السفرين وقول عروة لم يكن في ذلك هدي يحتمل أنه أراد لم يكن فيه هدي للمتعة إذ قد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبح عن نسائه بقرة بينهن الخامس أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام ولا خلاف بين أهل العلم في أن دم المتعة لا يجب على حاضري المسجد الحرام إذ قد نص الله تعالى في كتابه بقوله تعالى ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام البقرة 196 ولأن حاضر المسجد الحرام ميقاته مكة فلم يحصل له الترفه بأحد السفرين ولأنه أحرم بالحج من ميقاته فأشبه المفرد فصل حاضري المسجد الحرام البقرة 196 أهل الحرم ومن بينه وبين مكة دون مسافة القصر نص عليه أحمد وروي ذلك عن عطاء وبه قال الشافعي وقال مالك أهل مكة وقال مجاهد أهل الحرم وروي ذلك عن طاوس وقال مكحول وأصحاب الرأي من دون الميقات لأنه موضع شرع فيه النسك فأشبه الحرم ولنا إن حاضر الشيء من دنا منه ومن دون مسافة القصر قريب في حكم الحاضر بدليل أنه إذا قصده لا يترخص رخص السفر فيكون من حاضريه وتحديده بالميقات لا يصح لأنه قد يكون بعيدا يثبت له حكم السفر البعيد إذا قصده ولأن ذلك يفضي إلى جعل البعيد من حاضريه والقريب من غير حاضريه في المواقيت قريبا وبعيدا واعتبارنا أولى لأن الشارع حد الحاضر بدون مسافة القصر بنفي أحكام المسافرين عنه فالاعتبار به أولى من الاعتبار بالنسك لوجود لفظ الحضور في الآية فصل إذا كان للمتمتع قريتان قريبة وبعيدة فهو من حاضري المسجد الحرام لأنه إذا كان بعض أهله قريبا فلم يوجد فيه الشرط وهو أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام ولأن له أن يحرم من القريبة فلم يكن بالمتمتع مترفها بترك أحد السفرين وقال القاضي له حكم القرية التي يقيم بها أكثر فإن استويا فمن التي ماله بها أكثر فإن استويا فمن التي ينوي الإقامة بها أكثر فإن استويا حكم للقرية التي أحرم منها وقد ذكرنا الدليل لما قلناه فصل فإذا دخل الآفاقي مكة متمتعا ناويا للإقامة بها بعد تمتعه فعليه دم المتعة قال ابن المنذر أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم ولو كان الرجل منشؤه ومولده بمكة فخرج عنها متنقلا مقيما بغيرها ثم عاد إليها متمتعا ناويا للإقامة بها أو غير ناو لذلك فعليه دم المتعة لأنه خرج بالانتقال عنها عن أن يكون من أهلها وبذلك قال مالك والشافعي وإسحاق وذلك لأن حضور المسجد الحرام إنما يحصل بنية الإقامة وفعلها وهذا إنما نوى الإقامة إذا فرغ من أفعال الحج لأنه إذا فرغ من عمرته فهو ناو للخروج إلى الحج فكأنه إنما نوى أن يقيم بعد أن يجب عليه الدم فأما إن خرج المكي مسافرا غير متنقل ثم عاد فاعتمر من الميقات أو قصر وحج من عامه فلا دم عليه لأنه لم يخرج بهذا السفر عن كون أهله من حاضري المسجد الحرام فصل وهذا الشرط لوجوب الدم عليه وليس بشرط لكونه متمتعا فإن متعة المكي صحيحة لأن التمتع أحد الأنساك الثلاثة فصح من المكي كالنسكين الآخرين ولأن حقيقة التمتع هو أن يعتمر في أشهر الحج ثم يحج من عامه وهذا موجود في المكي وقد نقل عن أحمد ليس على أهل مكة متعة ومعناه ليس عليهم دم المتعة
لأن المتعة له لا عليه فيتعين حمله على ما ذكرناه فصل إذا ترك الآفاقي الإحرام من الميقات أو أحرم من دونه بعمرة ثم حل منها وأحرم بالحج من مكة من عامه فهو متمتع عليه دمان دم المتعة ودم لإحرامه من دون ميقاته قال ابن المنذر وابن عبدالبر أجمع العلماء على أن من أحرم في أشهر الحج بعمرة وحل منها ولم يكن من حاضري المسجد الحرام ثم أقام بمكة حلالا ثم حج من عامه أنه متمتع عليه دم وقال القاضي إذا تجاوز الميقات حتى صار بينه وبين مكة أقل من مسافة القصر فأحرم منه فلا دم عليه للمتعة لأنه من حاضري المسجد الحرام وليس هذا بجيد فإن حضور المسجد الحرام إنما يحصل بالإقامة به وهذا لم يحصل منه الإقامة ولا نيتها ولأن الله تعالى قال ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام البقرة 196 وهذا يقتضي أن يكون المانع من الدم السكنى به وهذا ليس بساكن وإن أحرم الآفاقي بعمرة في غير أشهر الحج ثم أقام بمكة فاعتمر من التنعيم في أشهر الحج وحج من عامه فهو متمتع عليه دم نص عليه أحمد وفي تنصيصه على هذه الصورة تنبيه على إيجاب الدم في الصورة الأولى بطريقة الأولى وذكر القاضي أن من شرط وجوب الدم أن ينوي في ابتداء العمرة أو في أثنائها أنه متمتع وظاهر النص يدل على أن هذا غير مشترط فإنه لم يذكره وكذلك الإجماع الذي ذكرناه مخالف لهذا القول ولأنه قد حصل له الترفه بسقوط أحد السفرين فلزمه الدم كمن لم ينو الفصل الثالث في وقت وجوب الهدي ووقت ذبحه أما وقت وجوبه فعن أحمد أنه يجب إذا أحرم بالحج وهو قول أبي حنيفة والشافعي لأن الله تعالى قال فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي البقرة 196 وهذا قد فعل ذلك ولأن ما جعل غاية فوجود أوله كاف كقوله تعالى ثم أتموا الصيام إلى الليل البقرة 187 ولأنه متمتع أحرم بالحج من دون الميقات فلزمه الدم كما لو وقف أو تحلل وعنه أنه يجب إذا وقف بعرفة وهو قول مالك واختيار القاضي لأن التمتع بالعمرة في الحج إنما يحصل بعد وجود الحج منه ولا يحصل ذلك إلا بالوقوف فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال الحج عرفة ولأنه قبل ذلك بعرض الفوات فلا يحصل التمتع ولأنه لو أحرم بالحج ثم أحصر أو فاته الحج لم يلزمه دم المتعة ولا كان متمتعا ولو وجب الدم لما سقط وقال عطاء يجب إذا رمى الجمرة ونحوه قول أبي الخطاب قال يجب إذا طلع الفجر يوم النحر لأنه وقت ذبحه فكان وقت وجوبه فإما وقت إخراجه فيوم النحر وبه قال مالك وأبو حنيفة لأن ما قبل يوم النحر لا يجوز فيه ذبح الأضحية فلا يجوز فيه ذبح هدي المتمتع كمثل التحلل من العمرة وقال أبو طالب سمعت أحمد قال في الرجل يدخل مكة في شوال ومعه هدي قال ينحر بمكة وإن قدم قبل العشر نحره لا يضيع أو يموت أو يسرق وكذلك قال عطاء وإن قدم في العشر لم ينحره حتى ينحره بمنى لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قدموا في العشر فلم ينحروا حتى نحروا بمنى ومن جاء قبل ذلك نحره عن عمرته وأقام على إحرامه وكان قارنا وقال الشافعي يجوز نحره بعد الإحرام بالحج قولا واحدا وفيما قبل ذلك بعد حله من العمرة احتمالان ووجه جوازه أنه دم يتعلق بالإحرام وينوب عنه الصيام فجاز قبل يوم النحر كدم الطيب واللباس ولأنه يجوز إبداله قبل يوم النحر فجاز أداؤه قبله كسائر الفديات مسألة قال ( فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام يكون آخرها يوم عرفة وسبعة إذا رجع ) لا نعلم بين أهل العلم خلافا في أن المتمتع إذا لم يجد الهدي ينتقل إلى صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع تلك عشرة كاملة وتعتبر القدرة في موضعه فمتى عدمه في موضعه جاز له الانتقال إلى الصيام
وإن كان قادرا عليه في بلده لأن وجوبه موقت ومان وجوبه موقتا اعتبرت القدرة عليه في موضعه كالماء في الطهارة إذا عدمه في مكانه انتقل إلى التراب فصل ولكل واحد من صوم الثلاثة والسبعة وقتان وقت جواز ووقت استحباب فأما وقت الثلاثة فوقت الاختيار لها أن يصومها ما بين إحرامه بالحج ويوم عرفة ويكون آخر الثلاثة يوم عرفة قال طاوس يصوم ثلاثة أيام آخرها يوم عرفة وروي ذلك عن عطاء والشعبي ومجاهد والحسن والنخعي وسعيد بن جبير وعلقمة وعمرو بن دينار وأصحاب الرأي وروى ابن عمر وعائشة أنه يصومهن ما بين إهلاله بالحج ويوم عرفة وظاهر هذا أن يجعل آخرها يوم التروية وهو قول الشافعي لأن صوم يوم عرفة بعرفة غير مستحب وكذلك ذكر القاضي في المحرر والمنصوص عن أحمد الذي وقفنا عليه مثل قول الخرقي أنه يكون آخرها يوم عرفة وهو قول من سمينا من العلماء وإنما أحببنا له صوم يوم عرفة ها هنا لموضع الحاجة وهذا القول يستحب له تقديم الإحرام بالحج قبل التروية ليصومها في الحج وإن صام منها شيئا قبل إحرامه بالحج جاز نص عليه وأما وقت جواز صومها فإذا أحرم بالعمرة وهذا قول أبي حنيفة وعن أحمد أنه إذا حل من العمرة وقال مالك والشافعي لا يجوز إلا بعد إحرام الحج ويروى ذلك عن ابن عمر وهو قول إسحاق وابن المنذر لقول الله تعالى فصيام ثلاثة أيام في الحج البقرة 196 ولأنه صيام واجب فلم يجز تقديمه على وقت وجوبه كسائر الصيام الواجب ولأن ما قبله وقت لا يجوز فيه المبدل فلم يجز البدل كقبل الإحرام بالعمرة وقال الثوري والأوزاعي يصومهن من أول العشر إلى يوم عرفة ولنا إن إحرام العمرة أحد إحرامي التمتع فجاز الصوم بعده كإحرام الحج فأما قوله فصيام ثلاثة أيام في الحج البقرة 196 فقيل معناه في أشهر الحج فإنه لا بد من إضمار إذ كان الحج أفعالا لا يصام فيها إنما يصام في وقتها أو في أشهرها فهو في قوله تعالى الحج أشهر البقرة 197 وأما تقديمه على وقت الوجوب فيجوز إذا وجد السبب كتقديمه الكفارة على الحدث وزهوق النفس وأما كونه بدلا فلا يقدم على المبدل فقد ذكرنا رواية في جواز تقديم الهدي على إحرام الحج فذلك الصوم وأما تقديم الصوم على إحرام العمرة فغير جائز ولا نعلم قائلا بجوازه إلا رواية حكاها بعض أصحابنا عن أحمد وليس بشيء لأنه لا يقدم الصوم على سببه ووجوبه ويخالف قول أهل العلم وأحمد ينزه عن هذا وأما السبعة فلها أيضا وقتان وقت اختيار ووقت جواز فأما وقت الاختيار فإذا رجع إلى أهله لما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله متفق عليه وأما وقت الجواز فمنذ تمضي أيام التشريق قال الأثرم سئل أحمد هل يصوم في الطريق أو بمكة قال كيف شاء وبهذا قال أبو حنيفة ومالك وعن عطاء ومجاهد يصومها في الطريق وهو قول إسحاق وقال ابن المنذر يصومها إذا رجع إلى أهله للخبر ويروى ذلك عن ابن عمر وهو قول الشافعي وقيل عنه كقولنا وكقول إسحاق ولنا إن كل صوم لزمه وجاز في وطنه جاز قبل ذلك كسائر الفروض وأما الآية فإن الله تعالى جوز له تأخير الصيام الواجب فلا يمنع ذلك الإجزاء قبله كتأخير صوم رضمان في السفر والمرض بقوله سبحانه فعدة من أيام أخر البقرة 185 ولأن الصوم وجد من أهله بعد وجود سببه فأجزأه كصوم المسافر والمريض فصل ولا يجب التتابع وذلك لا يقتضي جمعا ولا تفريقا وهو قول الثوري وإسحاق وغيرهما ولا نعلم فيه مخالفا مسألة قال ( فإن لم يصم قبل يوم النحر صام أيام منى في إحدى الروايتين عن أبي عبدالله والرواية الأخرى لا يصوم أيام منى ويصوم بعد ذلك عشرة أيام وعليه دم )
وجملة ذلك أن المتمتع إذا لم يصم الثلاثة أيام في الحج فإنه يصومها بعد ذلك وبهذا قال علي وابن عمر وعائشة وعروة بن الزبير بن عمير والحسن وعطاء والزهري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي ويروى عن ابن عباس وسعيد بن جبير وطاوس ومجاهد إذا فإنه الصوم في العشر وبعده استقر الهدي في ذمته لأن الله تعالى قال فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم البقرة 196 ولأنه بدل موقت فيسقط بخروج وقته كالجمعة ولنا إنه صوم واجب فلا يسقط بخروج وقته كصوم رمضان والآية تدل على وجوبه لا على سقوطه والقياس منتقض بصوم الظهار إذا قدم المسيس عليه والجمعة ليست بدلا وإنما هي الأصل وإنما سقطت لأن الوقت جعل شرطا لها كالجماعة إذا ثبت هذا فإنه يصوم أيام منى وهذا قول ابن عمر وعائشة وعروة وعبيد بن عمير والزهري ومالك والأوزاعي وإسحاق والشافعي في القديم لما روى ابن عمر وعائشة قالا لم يرخص في أيام التشريق أن يضمن إلا لمن لم يجد الهدي رواه البخاري وهذا ينصرف إلى ترخيص النبي صلى الله عليه وسلم ولأن الله تعالى أمر بصيام الثلاثة في الحج ولم يبق من أيام الحج إلا هذه الأيام فيتعين الصوم فيها فإذا صام هذه الأيام فحكمه حكم من صام قبل يوم النحر وعن أحمد رواية أخرى لا يصوم أيام منى روي ذلك عن علي والحسن وعطاء وهو قول ابن المنذر لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم ستة أيام ذكر منها أيام التشريق وقال عليه السلام إنها أيام أكل وشرب ولأنها لا يجوز فيها صوم النفل فلا يصومها عن الهدي كيوم النحر فعلى هذه الرواية يصوم بعد ذلك عشرة أيام وكذلك الحكم إذا قلنا يصوم أيام منى فلم يصمها واختلفت الرواية عن أحمد في وجوب الدم عليه فعنه عليه دم لأنه أخر الواجب من مناسك الحج عن وقته فلزمه دم كرمي الجمار ولا فرق بين المؤخر لعذر أو لغيره لما ذكرنا وقال القاضي إن أخره لعذر ليس عليه ألا قضاؤه لأن الدم الذي هو المبدل لو أخره لعذر لا دم عليه لتأخيره فالبدل أولى وروي عن أحمد لا يلزمه مع الصوم دم بحال وهذا اختيار أبي الخطاب ومذهب الشافعي لأنه صوم واجب يحب القضاء بفواته كصوم رمضان فأما الهدي الواجب إذا أخره لعذر مثل أن ضاعت نفقته فليس عليه ألا قضاؤه وكسائر الهدايا الواجبة وإن أخره لغير عذر ففيه روايتان إحداهما ليس عليه إلا قضاؤه كسائر الهدايا والأخرى عليه هدي آخر لأنه نسك مؤقت فلزم الدم بتأخيره عن وقته كرمي الجنار قال أحمد من تمتع فلم يهد إلى قابل يهدي هديين كذا قال ابن عباس فصل وإذا صام عشرة أيام لم يلزمه التفريق بين الثلاثة والسبعة وقال أصحاب الشافعي عليه التفريق لأنه وجب من حيث الفعل وما وجب التفريق فيه من حيث الفعل لم يسقط بفوات وقته كأفعال الصلاة من الركوع والسجود ولنا إنه صوم واجب في زمن يصح الصوم فيه فلم يجب تفريقه كسائر الصوم ولا نسلم بوجوب التفريق في الآداء فإنه إذا صام أيام منى وأتبعها السبعة فما حصل التفريق وإن سلمنا وجوب التفريق في الأداء فإن كان من حيث الوقت فإذا فات الوقت سقط كالتفريق بين الصلاتين فصل ووقت وجوب الصوم وقت وجوب الهدي لأنه بدل فكان وقت وجوبه وقت وجوب المبدل كسائر الإبدال فإن قيل فكيف جوزتم الانتقال إلى الصوم قبل زمان وجوب المبدل ولم يتحقق العجز عن المبدل لأنه إنما يتحقق المجوز للانتقال إلى البدل زمن الوجوب وكيف جوزتم الصوم قبل وجوبه قلنا إنا جوزنا له الانتقال إلى البدل بناء على العجز الظاهر فإن الظاهر من المعسر استمرار إعساره وعجزه كما جوزنا التكفير بالمبدل قبل وجوب المبدل وأما تجويز الصوم قبل وجوبه فقد ذكرناه مسألة قال ( ومن دخل في الصيام ثم قدر على الهدي لم يكن عليه الخروج من الصوم إلى الهدي إلا أن يشاء )
وبهذا قال الحسن وقتادة ومالك والشافعي وقال ابن أبي نجيح وحماد والثوري إن أيسر قبل أن تكمل الثلاثة فعليه الهدي وإن أكمل الثلاثة صام السبعة وقيل متى قدر على الهدي قبل يوم النحر انتقل إليه صام أو لم يصم وإن وجده بعد أن مضت أيام النحر أجزأه الصيام قدر على الهدي أو لم يقدر لأنه قدر على المبدل في زمن وجوبه فلم يجزئه البدل كما لو لم يصم ولنا إنه صوم دخل فيه لعدم الهدي لم يلزمه الخروج إليه كصوم السبعة وعلى هذا يخرج الأصل الذي قاسوا عليه وأنه ما شرع في الصيام فصل وإن وجب عليه الصوم فلم يشرع حتى قدر على الهدي ففيه روايتان إحداهما لا يلزمه الانتقال إليه قال في رواية المروذي إذا لم يصم في الحج فليصم إذا رجع ولا يرجع إلى الدم وقد انتقل فرضه إلى الصيام وذلك لأن الصيام استقر في ذمته لوجوبه حال وجود السبب المتصل بشرطه وهو عدم الهدي والثانية يلزمه الانتقال إليه قال يعقوب سألت أحمد عن المتمتع إذا لم يصم قبل يوم النحر قال عليه هديان يبعث بهما إلى مكة أوجب عليه الهدي الأصلي وهديا لتأخيره الصوم عن وقته ولأنه قدر على البدل قبل شروعه في البدل فلزمه الانتقال إليه كالمتيمم إدا وجد الماء فصل ومن لزمه صوم المتعة فمات قبل أن يأتي به لعذر منعه عن الصوم فلا شيء عليه وإن كان لغير عذر أطعم عنه كما يطعم عن صوم أيام رمضان ولأنه صوم وجب بأصل الشرع أشبه صوم رمضان مسألة قال ( والمرأة إذا دخلت متمتعة فحاضت فخشيت فوات الحج أهلت بالحج وكانت قارنة ولم يكن عليها قضاء طواف القدوم ) وجملة ذلك أن المتمتعة إذا حاضت قبل الطواف للعمرة لم يكن لها أن تطوف بالبيت لأن الطواف بالبيت صلاة ولأنها ممنوعة من دخول المسجد ولا يمكنها أن تحل من عمرتها ما لم تطف بالبيت فإن خشيت فوات الحج أحرمت بالحج مع عمرتها وتصير قارنة وهذا قول مالك والأوزاعي والشافعي وكثير من أهل العلم وقال أبو حنيفة ترفض العمرة وتهل بالحج قال أحمد قال أبو حنيفة قد رفضت العمرة فصار حجا وما قال هذا أحد غير أبي حنيفة واحتج بما روى عروة عن عائشة قالت أهللنا بعمرة فقدمت مكة وأنا حائض لم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة قالت ففعلت فلما قضينا الحج أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت معه فقال هذه عمرة مكان عمرتك متفق عليه وهذا يدل على أنها رفضت عمرتها وأحرمت بحج من وجوه ثلاثة أحدها دعي عمرتك والثاني قوله وامتشطي والثالث قوله هذه عمرة مكان عمرتك ولنا ما روى جابر قال أقبلت عائشة بعمرة حتى إذا كانت بسرف عركت ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة فوجدها تبكي فقال ما شأنك قال شأني أني قد حضت وقد حل الناس ولم أحل ولم أطف بالبيت والناس يذهبون إلى الحج الآن فقال إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم فاغتسلي ثم أهلي بالحج ففعلت ووقفت المواقف حتى إذا طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة ثم قال قد حللت من حجك وعمرتك قالت يا رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطق بالبيت حتى حججت قال فاذهب بها يا عبدالرحمن فأعمرها من التنعيم وروى طاوس عن عائشة أنها قالت أهللت بعمرة فقدمت ولم أطف حتى حضت ونسكت المناسك كلها وقد أهللت بالحج فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم يوم النفر يسعك طوافك لحجك وعمرتك فأبت فبعث معها عبدالرحمن بن أبي بكر فأعمرها من التنعيم رواهما مسلم وهما يدلان على ما ذكرنا جميعه ولأن إدخال الحج على العمرة جائز بالإجماع من غير خشية الفوات