İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
لأنه يجب على الرقبة بدليل أنه يجب سواء أثمرت الشجرة أو لم تثمر ولأن الخراج يجب أجرة للأرض فكان على رب الأرض كما لو استأجر أرضا وزارع غيره فينا وبهذا قال الشافعي وقد نقل عن أحمد في الذي يتقبل الأرض البيضاء ليعمل عليها وهي من أرض السواد يتقبلها من السلطان فعلى من يقبلها أن يؤدي وظيفة عمر رضي الله عنه ويؤدي العشر بعد وظيفة عمر وهذا معناه والله أعلم إذا دفع السلطان أرض الخراج إلى رجل يعملها ويؤدي خراجها فإنه يبدأ فيؤدي خراجها ثم يزكي ما بقي كما ذكره الخرقي من باب الزكاة ولا تنافي بين ذلك وبين ما ذكرناه ها هنا إن شاء الله تعالى مسألة قال ( ولا يجوز أن يجعل له فضل دراهم ) يعني إذا شرط جزءا معلوما من الثمرة ودراهم معلومة كعشرة ونحوها لم يجز بغير خلاف لأنه ربما لم يحدث من النماء ما يساوي تلك الدارهم فيتضرر رب المال ولذلك منعنا من اشتراط أقفزة معلومة ولو شرط له دراهم منفردة عن الجزء لم يجز لذلك ولو جعل له ثمرة سنة غير السنة التي ساقاه فيها أو ثمر شجر غير الشجر الذي ساقاه عليه أو شرط عليه عملا في غير الشجر الذي ساقاه عليه أو عملا في غير السنة فسد العقد سواء جعل ذلك كل حقه أو بعضه أو جميع العمل أو بعضه لأنه يخالف موضوع المساقاة إذ موضوعها أن يعمل في شجر معين بجزء مشاع من ثمرته في ذلك الوقت الذي يستحق عليه فيه العمل فصل وإذا ساقى رجلا أو زاره فعامل العامل غيره على الأرض والشجر لم يجز ذلك وبهذا قال أبو يوسف وأبو ثور وأجازه مالك إذا جاء برجل أمين ولنا إنه عامل في المال بجزء من نمائه فلم يجز أن يعامل غيره فيه كالمضارب ولأنه إنما أذن له في العمل فيه فلم يجز أن يأذن لغيرع كالوكيل فأما إن استأجر أرضا فله أن يزارع عيره فيها لأنها صارت منافعها متسحقة فله فملك المزارعة فيها كالمالك والأجرة على المستأجر دون المزارع كما ذكرنا في الخراج وكذلك يجوز لمن في يده أرض خراجية أن يزارع فيها لأنه بمنزلة المستأجر لها وللموقوف عليه أن يزارع في الوقف ويساقي على شجرة لأنه إما مالك لرفبة ذلك أو بمنزلة المالك ولا نعلم في هذا خلافا عند من أجاز المساقاة والمزارعة والله أعلم فصل وإذا ساقاه على ودي النخل أو صغار الشجر إلى مدة يحمل فيها غالبا يكون له فيها جزء من الثمرة معلوم صح لأنه ليس فيه أكثر من أن عمل العامل يكثر ونصيبه يقل وهذا لا يمنع صحتها كما لو جعل له سهما من ألف سهم وفيه الأقسام التي ذكرنا في كبار النخل والشجر وهي أننا إن قلنا المساقاة عقد جائز لم نحتج إلى ذكر مدة وإن قلنا هو لازم ففيه ثلاثة أقسام أحدها أن يجعل المدة زمنا يحمل فيه غالبا فيصح فإن حمل فيها فله ما شرط له وإن لم يحمل فيها فلا شيء له والثاني أن يجعلها إلى زمن لا يحمل فيه غالبا فلا يصح وإن عمل فيها فهل يستحق الأجر على وجهين وإن حمل في المدة لم يستحق ما جعل له لأن العقد وقع فاسدا فلم يستحق ما شرط فيه والثالث أن يجعل المدة زمنا يحتمل أن يحمل فيها ويحتمل أن لا يحمل فهل يصح على وجهين فإن قلنا لا يصح استحق الأجر وإن قلنا يصح فحمل في المدة استحق ما شرط له وإن لم يحمل فيها لم يستحق شيئا وإن شرط نصف الثمرة ونصف الأصل لم يصح لأن موضوع المساقاة أن يشتركا في النماء والفائدة فإذا شرط اشتراكهما في الأصل لم يجز كما لو شرط في المضاربة اشتراكهما في رأس المال فعلى هذا يكون له أجر مثله وكذلك لو جعل له جزءا من ثمرتها مدة بقائها لم يجز وإن جعل له ثمرة عام بعد مدة المساقاة لم يجز لأنه يخالف موضوع المساقاة
فصل وإن ساقاه على شجر يغرسه ويعمل فيه حتى يحمل ويكون له جزء من الثمرة معلوم صح أيضا والحكم فيه كما لو ساقاه على صغار الشجر على ما بيناه وقد قال أحمد في رواية المروذي في رجل قال اغرس في أرضي هذه شجرا أو نخلا فما كان من غلة فلك بعمل كذا وكذا سهما من كذا وكذا فأجازه بحديث خيبر في الزرع والنخيل لكن بشرط أن يكون الغرس من رب الأرض كما يشترط في المزارعة كون البذر من رب الأرض فإن كان من العامل خرج على الروايتين فيما إذا اشترط البذر في المزارعة من العامل وقال القاضي المعاملة باطلة وصاحب الأرض بالخيار بين تكليفه قلعها ويضمن له أرش نقصها وبين إقرارها ويدفع إليه قيمتها كالمشتري إذا غرس في الأرض التي اشتراها ثم جاء الشفيع فأخذها وإن اختار العامل قلع شجره فله ذلك سواء بذل له القيمة أو لم يبذلها لأنه ملكه فلم يمنع تحويله وإن اتفقا على إبقاء الغراس ودفع أجر الأرض جاز ولو دفع أرضه إلى رجل يغرسها على أن الشجر بينهما لم يجز على ما سبق ويحتمل الجواز بناء على المزارعة فإن المزارع يبذر في الأرض فيكون بينه وبين صاحب الأرض وهذا نظيره وإن دفعها على أن الأرض والشجر بينهما فالمعاملة فاسدة وجها واحدا وبهذا قال مالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد ولا نعلم فيه مخالفا لأنه شرط اشتراكهما في الأصل ففسد كما لو دفع إليه الشجر والنخيل ليكون الأصل والثمرة بينهما أو شرط في المزارعة كون الأرض والزرع بينهما فصل وإن ساقاه على شجر فبان مستحقا بعد العمل أخذه ربه وثمرته لأنه عين ماله ولاحق للعامل في ثمرته لأنه عمل فيها بغير إذن مالكها ولا أجر له عليه لذلك وله أجر مثله على الغاصب لأنه غيره واستعمله فلزمه الأجر كما لو غصب نقرة فاستأجر من ضربها دراهم وإن شمس الثمرة فلم تنقص أخذها ربها وإن نقصت فلربها أرش نقصها ويرجع به على من شاء منهما ويستقر ذلك على الغاصب وإن استحقت بعد أن اقتسماها وأكلاها فلربها تضمين من شاء منهما فإن ضمن فله تضمينه الكل وله تضمينه قدر نصيبه ويضمن العامل قدر نصيبه لأن الغاصب سبب يد العامل فلزمه ضمان الجميع فإن ضمنه الكل رجع على العامل بقدر نصيبه لأن التلف وجد في يده فاستقر الضمان عليه ويرجع العامل على الغاصب بأجر مثله ويحتمل أن لا يرجع الغاصب على العامل بشيء لأنه غره فلم يرجع عليه كما لو أطعم إنسانا شيئا وقال له كله فإنه طعامي ثم تبين أنه مغصوب وإن ضمن العامل احتمل أنه لا يضمنه إلا نصيبه خاصة لأنه ما قبض الثمرة كلها وإنما كان مراعيا لها وحافظا فلا يلزمه ضمانها ما لم يقبضها ويحتمل أن يضمنه الكل لأن يده ثبتت على الكل مشاهدة بغير حق فإن ضمنه الكل رجع العامل على الغاصب ببدل نصيبه منها وأجر مثله وإن ضمن كل واحد منهما ما صار إليه رجع العامل على الغاصب بأجر مثله لا غير وإن تلفت الثمرة في شجرها أو بعد الجذاذ قبل القسمة فمن جعل العامل قابضا لها بثبوت يده على حائطها قال يلزمه ضمانها ومن جعله لا يكون قابضا إلا بأخذ نصيبه منها قال لا يلزمه الضمان ويكون على الغاصب باب المزارعة مسألة قال ( وتجوز المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض )
معنى المزارعة دفع الأرض إلى من يزرعها أو يعمل عليها والزرع بينهما وهي جائزة في قول كثير من أهل العلم وقال البخاري قال أبو جعفر ما بالمدينة أهل بيت إلا ويزرعون على الثلث والربع وزارع علي وسعد وابن مسعود وعمر بن عبد العزيز والقاسم وعروة وآل أبي بكر وآل علي وابن سيرين وممن رأى ذلك سعيد بن المسيب وطاوس وعبد الرحمن بن الأسود وموسى بن طلحة والزهري وعبد الرحمن بن أبي ليلى وابنه وأبو يوسف ومحمد وروي ذلك عن معاذ والحسن وعبدالرحمن بن زي يزيد قال البخاري وعامل عمر الناس على أنه إن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر وإن جاؤوا بالبذر فلهم كذا وكرهها عكرمة ومجاهد والنخعي وأبو حنيفة وروي عنابن عباس الأمران جميعا وأجازها الشافعي في الأرض بين النخيل إذا كان بياض الأرض أثل فإن كان أكثر فعلى وجهين ومنعها في الأرض البيضاء لما روى رافع بن خديج قال كنا نخابر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر أن بعض عمومته أتاه فقال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان لنا نافعا وطواعية رسول الله صلى الله عليه وسلم أنفع قال قلنا ما ذاك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كانت له أرضا فليزرعها ولا يكريها بثلث ولا بربع بطعام مسمى وعن ابن عمر قال ما كنا نرى بالمزارعة بأسا حتى سمعنا رافع بن خديج يقول نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها وقال جابر نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المخابرة وهذه كلها أحاديث صحاح متفق عليها والمخابرة المزارعة واشتقاقها من الخبار وهي الأرض اللينة والخبير الأكار وقيل المخابرة معاملة أهل خيبر وقد جاء حديث جابر مفسرا فروى البخاري عن جابر قال كانوا يزرعونها بالثلث والربع والنصف فقال النبي صلى الله عليه وسلم من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها فإن لم يفعل فليمسك أرضه وروي تفسيرها عن زيد بن ثابت فروى أبو داود بإسناده عن زيد قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المخابرة قلت وما المخابرة قال أن يأخذ الأرض بنصف أو ثلث أو ربع ولنا ما روى ابن عمر قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر متفق عليه وقد روى ذلك ابن عباس وجابر بن عبدالله وقالأبو جعفر عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بالشطر ثم أبو بكر ثم عمر وعثمان وعلي ثم أهلوهم إلى اليوم يعطون الثلث والربع وهذا أمر صحيح مشهور عمل به رسول لله صلى الله عليه وسلم حتى مات ثم خلفاؤه الراشدون حتى ماتوا ثم أهلوهم من بعدهم ولم يبق بالمدينة أهل بيت إلا عمل به وعمل به أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده فروى البخاري عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر فكان يعطي أزواجه مائة وسق وثمانون وسقا تمرا وعشرون وسقا شعيرا فقسم عمر خيبر فخير أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع لهن من الأرض والماء أو يمضي لهن الأسواق فمنهن من اختار الأرض ومنهن من اختار الأوسق فكانت عائشة اختارت الأرض
ومثل هذا لا يجوز أن ينسخ لأن النسخ إنما يكون في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأما شيء عمل به إلى أن مات ثم عمل به خلفاؤه بعده وأجمعت الصحابة رضوان الله عليهم عليه وعملوا به ولم يخالف فيه منهم فكيف يجوز نسخه ومتى كان نسخه فإن كان نسخ في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف عمل به بعد نسخه وكيف خفي نسخه فلم يبلغ خلفاءه مع اشتهار قصة خيبر وعملهم فيها فأين كان راوي النسخ حتى لم يذكره ولم يخبرهم به فأما ما احتجوا به فالجواب عن حديث رافع من أربعة أوجه أحدها أنه قد فسر المنهي عنه في حديثه بما لا يختلف في فساده فإنه قال كنا من أكثر الأنصار حقلا فكنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه فربما أخرجب هذه ولم تخرج هذه فنهانا عن ذلك فأما بالذهب والورق فلم ينهنا متفق عليه وفي لفظ فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس وهذا خارج عن محل الخلاف فلا دليل فيه عليه ولا تعارض بين الحديثين الثاني أن خبره ورد في الكراء بثلث أو ربع والنزاع في المزارعة ولم يدل حديثه عليها أصلا وحديثه الذي فيه المزارعة يحمل على الكراء أيضا لأن القصة واحدة رويت بألفاظ مختلفة فيجب تفسير أحد اللفظين بما يوافق الآخر الثالث أن أحاديث رافع مضطربة جدا مختلفة اختلافا كثيرا يوجب ترك العمل بها لو انفردت فكيف يقدم على مثل حديثنا قال الإمام أحمد حديث رافع ألوان وقال أيضا حديث رافع ضروب وقال ابن المنذر قد جاءت الأخبار عن رافع بعلل تدل على أن النهي كان لذلك ( منها ) الذي ذكرناه ومنها خمس أخرى وقد أنكره فقيهان من فقهاء الصحابة زيد بن ثابت وابن عباس قال زيد بن ثابت أنا أعلم بذلك منه وإنما سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلين قد اقتتلا فقال إن كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع رواه أبو داود والأثرم وروى البخاري عن عمرو بن دينار قال قلت لطاوس لو تركت المخابرة فإنهم يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنها قال إن أعلمهم يعني ابن عباس أخبرني أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عنه ولكن قال أن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ عليها خراجا معلوما ثم إن أحاديث رافع منها ما يخالف الإجماع وهو النهي عن كراء المزارع على الإطلاق ومنها ما لا يختلف في فساده كما قد بينا وتارة يحدث عن بعض عمومته وتارة عن سماعه وتارة عن ظهير بن رافع وإذا كانت أخبار رافع هكذا وجب إخراجها واستعمال الأخبار الواردة في شأن خيبر الجارية مجرى التواتر التي لا اختلاف فيها وبها عمل الخلفاء الراشدون وغيرهم فلا معنى لتركها بمثل هذه الأحاديث الواهية الجواب الرابع أنه لو قدر صحة خبر رافع وامتنع تأويله وتعذر الجمع لوجب حمله على أنه منسوخ لأنه لا بد من نسخ أحد الخبرين ويستحيل القول بنسخ حديث خيبر لكونه معمولا به من جهة النبي صلى الله عليه وسلم إلى حين موته ثم من بعده إلى عصر التابعين فمتى كان نسخه وأما حديث جابر في النهي عن المخابرة فيجب حمله على أحد الوجوه التي حمل عليها خبر رافع فإنه قد روى حديث خيبر أيضا فيجب الجمع بين حديثيه مهما أمكن ثم لو حمل على المزارعة لكان منسوخا بقصة خيبر لاستحالة نسخها كما ذكرنا وكذلك القول في حديث زيد بن ثابت فإن قال أصحاب الشافعي تحمل أحاديثكم على الأرض التي بين النخيل وأحاديث النهي عن الأرض البيضاء جمعا بينهما قلنا هذا بعيد لوجوه خمسة أحدها أنه يبعد أن تكون بلدة كبيرة يأتي منها أربعون ألف وسق ليس فيها أرض بيضاء ويبعد أن يكون قد عاملهم على بعض الأرض دون بعض فينقل الرواة كلهم القصة على العموم من غير تفصيل مع الحاجة إليه
الثاني أن ما يذكرونه من التأويل لا دليل عليه وما ذكرناه دل عليه بعض الرويات وفسره الراوي له بما ذكرناه وليس معهم سوى الجمع بين الأحاديث والجمع بينهما بحمل بعضها على ما فسره رواية به أولى من التحكم بما لا دليل عليه الثالث أن قولهم يفضي إلى تقييد كل واحد من الحديثين وما ذكرناه حمل لأحدهما وحده الرابع أن فيما ذكرناه موافقة عمل الخلفاء الراشدين وأهليهم وفقهاء الصحابة وهم أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته ومعانيها وهو أولى من قول من خالفهم الخامس أن ما ذهبنا إليه مجمع عليه فإن أبا جعفر روى عن كل أهل بيت بالمدينة وعن الخلفاء الأربعة وأهليهم وفقهاء الصحابة واستمرار ذلك وهذا مما لا يجوز خفاؤه ولم ينكره من الصحابة منكر فكان إجماعا وما روي في مخالفته فقد بينا فساده فيكون هذا إجماعا من الصحابة رضي الله عنهم لا يسوغ لإحد خلافه والقياس يقتضيه فإن الأرض عين تنمي بالعمل فيها فجازت المعاملة عليها ببعض نمائها كالأثمان في المضاربة والنخل في المساقاة أو نقول أرض فجازت المزارعة عليها كالأرض بين النخيل ولأن الحاجة داعية إلى المزارعة لأن أصحاب الأآض قد لا يقدرون على زرعها والعمل عليها والأكرة يحتاجون إلى الزرع ولا أرض لهم فاقتضت حكمة الشرع جواز المزارعة كما قلنا في المضاربة والمساقاة بل الحاجة ها هنا آكذ لأن الحاجة إلى الزرع آكد منها إلى غيره لكونه مقتاتا ولكون الأرض لا ينتفع بها إلا بالعمل عليها بخلاف المال ويدل على ذلك قول راوي حديثهم نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان لنا نافعا والشارع لا ينهى عن المنافع وإنما ينهى عن المضار والمفاسد فيدل ذلك على غلط الراوي في المنهي عنه وحصول المنفعة فيما ظنه منهيا عنه إذا ثبت هذا فإن حكم المزارعة حكم المساقاة في أنها إنما بجزء للعامل من الزرع وفي جوازها ولزومها وما يلزم العالم ورب الأرض وغير ذلك من أحكامها فصل وإذا كان في الأرض شجر وبينه بياض أرض فساقاه على الشجر وزارعه الأرض التي بين الشجر جاز سواء قل بياض الأرض أو كثر نص عليه أحمد وقال قد دفع النبي صلى الله عليه وسلم خيبر على هذا وبهذا قال كل من أجاز المزارعة في الأرض المفردة فإذا قال ساقيتك على الشجر وزارعتك على الأآض بالنصف جاز وإن قال عاملتك على الأآض والشجر على النصف جاز لأن المعاملة تشملهما وإن قال زارعتك على الأرض بالنصف وساقيتك على الشجر بالربع جاز كما يجوز أن يساقيه على أنواع من الشجر ويجعل له في كل نوع قدرا وإن قال ساقيتك على الأرض والشجر بالنصف جاز لأن المزارعة مساقاة من حيث إنها تحتاج إل السقي فيها لحاجة الشجر إليه وقال أصحاب الشافعي لا يصح لأن المساقاة لا تتناول الأرض وتصح في النخل وحده وقيل ينبني على تفريق الصفقة ولنا إنه عبر عن عقد بلفظ عقد يشاركه في المعنى المشهور به في الاشتقاق فصح كما لو عبر بلفظ البيع في المسلم ولأن المقصود المعنى وقد علم بقرائن أحواله وهكذا إن قال في الأرض البيضاء ساقيتك على هذه الأرض بنصف ما يزرع فيها فأما إن قال ساقيتك على الشجر بالنصف ولم يذكر الأرض لم تدخل في العقد وليس للعامل أن يزرع وبهذا قال الشافعي وقال مالك وأبو يوسف للداخل زرع البياض فإن تشارطا أن ذلك بينهما فهو جائز وإن اشترط صاحب الأرض أنه يزرع البياض لم يصح لأن الداخل يسقي لرب الأرض فتلك زيادة ازدادها عليه ولنا إن هذا لم يتناوله العقد فلم يدخل فيه كما لو كانت أرضا مفردة فصل وإن زارعه أرضا فيها شجرات يسيرة لم يجز أن يشترط العامل ثمرتها وبهذا قال الشافعي وابن المنذر وأجازه مالك إذا كان الشجر بقدر الثلث أو أقل لأنه يسير فيدخل تبعا ولنا إنه اشتراط الثمرة كلها يجز كما لو كان الشجر أكثر من الثلث
فصل وإن أجره بياض أرض وساقاه على الشجر الذي فيها جاز لأنهما عقدان يجوز إفراد كل واحد منهما فجاز الجمع بينهما كالبيع والإجارة ويحتمل أن لا يجوز بناء على الوجه الذي لا يجوز الجمع بينهما في الأصل والأول أولى إلى أن يفعلا ذلك حيلة على شراء الثمرة قبل وجودها أو قبل بدو صلاحها فلا يجوز سواء جمعا بين العقدين أو عقدا أحدهما بعد الآخر لما ذكرنا في إبطال الحيل مسألة قال ( إذا كان البذر من رب الأرض ) ظاهر المذهب أن المزارعة إنما تصح إذا كان البذر من رب الأرض والعمل من العامل نص عليه أحمد في رواية جماعة واختاره عامة الأصحاب وهو مذهب ابن سيرين والشافعي وإسحاق لأنه عقد يشترك العامل ورب المال في نمائه فوجب أن يكون رأس المال كله من عند أحدهما كالمساقاة والمضاربة وقد روي عن أحمد ما يدل على أن البذر يجوز أن يكون من العامل فإنه قال في رواية مهنا في الرجل يكون له الأرض فيها نخل وشجر يدفعها إلى قوم يزرعون الأرض ويقومون على الشجر على أن له النصف ولهم النصف فلا بأس بذلك وقد دفع النبي صلى الله عليه وسلم خيبر على هذا فأجاز دفع الأرض لزرعها من غير ذكر البذر فعلى هذا أيهما أخرج البذر جاز وروي نحو ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو قول أبي يوسف من أهل الحديث وهو الصحيح إن شاء الله تعالى وروي عن سعيد وابن مسعود وابن عمر أن البذر من العامل ولعلهم أرادوا أنه يجوز أن يكون من العامل فيكون كقول عمر ولا يكون قولا ثالثا والدليل على صحة ما ذكرنا قول ابن عمر دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعملوها من أموالهم ولرسول الله صلى الله عليه وسلم شطر ثمرتها وفي لفظ على أن يعملوها ويزرعوها ولهم شطر ما يخرج منها أخرجهما البخاري فجعل عملها من أموالهم وزرعها عليهم ولم يذكر شيئا آخر وظاهره أن البذر من أهل خيبر والأصل المعول عليه في المزارعة قصة خيبر ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن البذر على المسلمين ولو كان شرطا لما أخل بذكره ولو فعله النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لنقل ولم يجز الإخلال بنقله ولأن عمر رضي الله عنه فعل الأمرين جميعا فإن البخاري روى عنه أنه عامل الناس على أنه إن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر وإن جاؤوا بالبذر فلهم كذا فظاهر هذا أن ذلك اشتهر فلم ينكر فكان إجماعا فإن قيل هذا بمنزلة بيعتين في بيعة فكيف يفعله عمر رضي الله عنه قلنا يحتمل إنه قال ذلك ليخيرهم في أي العقدين شاؤوا فمن اختار عقدا عقده معه معينا كما لو قال في البيع إن شئت بعتكه بعشرة صحاح وإن شئت بأحد عشر مكسوة فاختار أحدهما فعقد البيع معه عليه معينا ويجوز إن يكون مجيئه بالبذر أو شروعه في العمل بغير بذر مع إقرار عمر له على ذلك وعلمه به جرى مجرى العقد ولهذا روي عن أحمد رحمه الله صحة الإجارة فيما إذا قال إن خطته روميا فلك درهم وإن خطته فارسيا فلك نصف درهم وما ذكره أصحابنا من القياس يخالف ظاهر النص والإجماع اللذين ذكرناهما فكيف يعمل به ثم هو منتقض بما إذا اشترك مالان وبدن صاحب أحدهما فصل فإن كان البذر منهما نصفين وشرطا أن الزرع بينهما نصفان فهو بينهما سواء قلنا بصحة المزارعة أو فسادها لأنها إن كانت صحيحة فالزرع بينهما على ما شرطاه وإن كانت فاسدة فلكل واحد منهما بقدر بذره لكن إن حكمنا بصحتها لم يرجع أحدهما على صاحبه بشيء وإن قلنا من شرط صحتها إخراج رب المال البذر فهي فاسدة فعلى العامل نصف أجر الأرض وله على رب الأرض نصف أجر عمله فيتقاصان بقدر الأقل منهما ويرجع أحدهما على صاحبه بالفضل وإن شرطا التفاضل في الزرع وقلنا بصحتها فالزرع بينهما على ما شرطاه ولا تراجع بينهما
وإن قلنا بفسادها فالزرع بينهما على قدر بذرهما ويتراجعان كما ذكرنا وكذلك إن تفاضلا في البذر وشرطا التساوي في الزرع أو شرطا لأحدهما أكثر من قدر بذره أو أقل فصل فإن قال صاحب الأرض أجرتك نصف أرضي هذه بنصف بذرك ونصف منفعتك منفعة بقرك وآلتك وأخرج المزارع البذر كله لم يصح لأن المنفعة غير معلومة وكذلك لو جعلها أجرة لأرض أخرى أو دار لم يجز ويكون الزرع كله للمزارع وعليه أجر مثل الأرض وإن أمكن علم المنفعة وضبطها بما لا تختلف معه ومعرفة البذر جاز وكان الزرع بينهما ويحتمل أن لا يصح لأن البذر عوض فيشترط قبضه كما لو كان مبيعا وما حصل فيه قبض وإن قال أجرتك نصف أرضي بنصف منفعتك ومنفعة بقرك وآلتك وأخرجا البذر فهي كالتي قبلها إلا أن الزرع يكون بينهما على كل حال مسألة قال ( فإن اتفقا على أن يأخذ رب الأرض مثل بذره ويقتسما ما بقي لم يجز ) وكانت للمزارع أجرة مثله وكذلك يبطل إن أخرج المزارع البذر ويصير الزرع للمزارع وعليه أجرة الأرض أما إذا اتفقا على أن يأخذ رب الأرض مثل بذره فلا يصح لأنه كأنه اشترط لنفسه قفزانا معلومة وذلك شرط فاسد تفسد به المزارعة لأن الأرض ربما لا يخرج منها إلا تلك القفزان فيختص رب المال بها وربما لا تخرجها الأرض وأما إذا أخرج المزارع البذر فهو مبني على الروايتين في صحة هذا الشرط وقد ذكر الخرقي أنه فاسد فإذا أخرج المزارع البذر فسدت كما لو أخرج العامل في المضاربة رأس المال من عنده ومتى فسدت المزارعة فالزرع لصاحب البذر لأنه عين ماله ينقلب من حال إلى حال وينمو فصار كصغار الشجر إذا غرس فطال والبيضة إذا حضنت فصارت فرخا والبذر ها هنا من المزارع فكان الزرع له وعليه أجر الأرض لأن ربها إنما بذلها له بعوض لم يلسم له فرجع إلى عوض منافعها الثابتة بزرعها على صاحب الزرع ولو فسدت والبذر من رب الأرض كان الزرع له وعليه أجر مثل العامل لذلك وإن كان البذر منهما فالزرع بينهما ويتراجعان بما يفضل لأحدهما على صاحبه من أجر مثل الأرض التي فيها نصيب العامل وأجر العامل بقدر عمله في نصيب صاحب الأرض فصل وإن زارعه على أن لرب الأرض زرعا بعينه وللعامل زرعا بعينه مثل أن يشترط لأحدهما زرع ناحية وللآخر أخرى أو يشترط أحدهما ما على السواقي والجداول إما منفردا أو مع نصيبه فهو فاسد بإجماع العلماء لأن الخبر صحيح في النهي عنه غير معارض ولا منسوخ ولأنه يؤدي إلى تلف ما عين لأحدهما دون الآخر فينفرد أحدهما بالغلة دون صاحبه فصل والشروط الفاسدة في المساقاة والمزارعة تنقسم قسمين أحدهما ما يعود بجهالة نصيب كل واحد منهما مثل ما ذكرنا ها هنا أو أن يشترط أحدهما نصيبا مجهولا أو دراهم معلومة أو أقفزة معينة أو أنه سقى سيحا فله كذا وإن سقى بكلفة فله كذا فهذا يفسدها لأنه يعود إلى جهالة المعقود عليه فأشبه البيع بثمن مجهول والمضاربة مع جهالة نصيب أحدهما وإن شرط البذر من العامل فالمنصوص عن أحمد فساد العقد لأن الشرط إذا فسد لزم كون الزرع لرب البذر لكونه نماء ماله فلا يحصل لرب الأرض شيء منه ويستحق الأجر وهذا معنى الفساد فأما إن شرط ما لا يفضي إلى جهالة الربح كعمل رب المال معه أو عمل العامل في شيء آخر فهل تفسد المساقاة والمزارعة ويخرج على روايتين بناء على الشرط الفاسد في البيع والمضاربة فصل وإن دفع رجل بذره إلى صاحب الأرض ليزرعه في أرضه ويكون ما يخرج بينهما فهو فاسد أيضا لأن البذر ليس من رب الأرض ولا من العامل ويكون الزرع لصاحب البذر وعليه أجر الأرض والعمل وإن قال صاحب الأرض لرجل أنا أزرع الأرض ببذري وعواملي ويكون سقيها من مائك والزرع بيننا ففيها روايتان أحداهما لا يصح اختارها القاضي لأن موضوع المزارعة على أن يكون أحدهما الأرض ومن الآخر العمل وليس من صاحب الماء أرض ولا عمل ولا بذر
لأن الماء لا يباع ولا يستأجر فكيف تصح المزارعة به والثانية يصح اختارها أبو بكر ونقلها عن أحمد يعقوب بن بختان وحرب لأن الماء أحد ما يحتاج إليه في الزرع فجاز أن يكون من أحدهما كالأرض والعمل والأول أصح لأن هذا ليس بمنصوص عليه ولا في معنى المنصوص لما ذكرناه فصل وإن اشترك ثلاثة من أحدهم الأرض ومن الآخر البذر ومن الآخر البقر والعمل على أن ما رزق الله بينهم فعملوا فهذا عقد فاسد نص عليه في رواية أبي داود ومهنا وأحمد بن القاسم وذكر حديث مجاهد أربعة اشتركوا في زرع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهم علي الفدان وقال الآخر قبلي الأرض وقال الآخر قبلي البذر وقال الآخر قبلي العمل فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الزرع لصاحب البذر وألغى صاحب الأرض وجعل لصاحب العمل كل يوم درهما ولصاحب الفدان شيئا معلوما فقال أحمد لا يصح والعمل على غيره وذكر هذا الحديث سعيد بن منصور عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي وعن واصل بن أبي جميل عن مجاهد وقال في آخره فحدثت به مكحولا فقال ما يسرني بهذا الحديث وصيفا وحكم هذه المسألة حكم المسألة التي ذكرناها في صدر الفصول وهما فاسدان لأن موضوع المزارعة على أن البذر من رب الأرض أو من العامل وليس هو ها هنا من واحد منهما وليست شركة لأن الشركة تكون بالأثمان وإن كانت بالعروض اعتبر كونها معلومة ولم يوجد شيء من ذلك ها هنا وليس إجارة لأن الإجارة تفتقر إلى مدة معلومة وعوض معلوم وبهذا قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي فعلى هذا يكون الزرع لصاحب البذر لأنه نماء ماله ولصاحبيه عليه أجر مثلهما لأنهما دخلا على أن يسلم لهما المسمى فإذا لم يسلم عاد إلى بلده وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وقال أصحاب الرأي يتصدق بالفضل والصحيح أن النماء لصاحب البذر ولا تلزمه الصدقة به كسائر ماله ولو كانت الأرض لثلاثة فاشتركوا على أن يزرعوها ببذرهم ودوابهم وأعوانهم على أن ما أخرج الله بينهم على قدر مالهم فهو جائز وبهذا قال مالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر ولا نعلم فيه خلافا لأن أحدهم لا يفضل صاحبيه بشيء فصل وإذا زارع رجلا وآجره أرضه فزرعها وسقط من الحب شيء فنبت في تلك الأرض عاما آخر فهو لصاحب الأرض نص عليه أحمد في رواية أبي داود ومحمد بن الحارث وقال الشافعي هو لصاحب الحب لأنه غين ماله فهو كما لو بذره قصدا ولنا أن صاحب الحب أسقط حقه منه بحكم العرف وزال ملكه عنه لأن العادة ترك ذلك لمن يأخده ولهذا أبيح التقاطه ورعيه ولا نعلم خلافا في إباحة التقاط ما خلفه الحصادون من سنبل وحب وغيرهما فجرى ذلك مجرى نبذه على سبيل الترك له وصار كالشيء التافه يسقط منه كالثمرة واللقمة ونحوهما والنوى لو التقطه إنسان فغرسه كان له دون من سقط منه كذا ها هنا فصل في إجارة الأرض تجوز إجارتها بالورق والذهب وسائر العروض سوى المطعوم في قول أكثر أهل العلم قال أحمد قلما اختلفوا في الذهب والورق وقال ابن المنذر أجمع عوام أهل العلم على أن اكتراء الأرض وقتا معلوما جائز بالذهب والفضة روينا هذا القول عن سعيد ورافع بن خديج وابن عمر وابن عباس وبه قال سعيد بن المسيب وعروة والقاسم وسالم وعبدالله بن الحارث ومالك والليث والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وروي عن طاوس والحسن كراهة ذلك لما روى رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كراى المزارع متفق عليه
ولنا إن رافعا قال أما بالذهب والورق فلم ينهنا يعني النبي صلى الله عليه وسلم متفق عليه ولمسلم أما بشيء معلوم مضمون فلا بأس وعن حنظلة بن قيس أنه سأل رافع بن خديج عن كراء الأرض فقال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كراء الأرض قال فقلت بالذهب والفضة قال إنما نهى عنها ببعض ما يخرج منها أما بالذهب والفضة فلا بأس متفق عليه وعن سعد قال كنا نكري الأرض بما على السواقي وما سعد بالماء منها فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وأمرنا أن نكريها بذهب أو فضة رواه أبو داود ولأنها عين يمكن استيفاء المنفعة المباحة منها مع بقائها فجازت إجارتها بالأثمان ونحوها كالدور والحكم في العروض كالحكم في الأثمان وأما حديثهم فقد فسره الراوي بما ذكرنا عنه فلا يجوز الاحتجاج به على غيره وحديثنا مفسر لحديثهم فإن راويهما واحد وقد رواه عاما وخاصا فيحمل العام على الخاص مع موافقة الخاص لسائر الأحاديث والقياس وقول أكثر أهل العلم فأما إجارتها بطعام فتنقسم ثلاثة أقسام أحدها أن يؤجرها بمطعوم غير الخارج منها معلوم فيجوز نص عليه أحمد في رواية الحسن بن ثواب وهو قول أكثر أهل العلم منهم سعيد بن جبير وعكرمة والنخعي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي ومنع منه مالك حتى منع إجارتها باللبن والعسل وقد روي عن أحمد أنه قال ربما تهيبته قال القاضي هذا من أحمد على سبيل الورع ومذهبه الجواز والحجة لمالك ما روي رافع بن خديج عن بعض عمومته قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كانت له أرض فلا يكريها بطعام مسمى رواه أبو داود وابن ماجة وروى ظهير بن رافع قال دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما تصنعون بمحاقلكم قلت نؤاجرها على الربع أو على الأوسق من التمر أو الشعير قال لا تفعلوا ازرعوها أو أمسكوها متفق عليه وروى أبو سعيد قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المحاقلة والمحاقلة استكراء الأرض بالحنطة ولنا قول رافع فأما بشيء معلوم مضمون فلا بأس به ولأنه عوض معلوم مضمون لا يتخذ وسيلة إلى الربا فجازت إجارتها به كالأثمان وحديث ظهير بن رافع قد سبق الكلام عليه في المزارعة على أنه يحتمل النهى عن إجارتها بذلك إذا كان خارجا ويحتمل النهي عنه إذا آجرها بالربع والأوسق وحديث أبي سعيد يحتمل المنع من كرائها بالحنطة إذا اكتراها لزرع الحنطة القسم الثاني إجارتها بطعام معلوم من جنس ما يزرع فيها كإجارتها بقفزان حنطة لزرعها فقال أبو الخطاب فيها روايتان إحداهما المنع وهي التي ذكرها القاضي مذهبا وهي قول مالك لما تقدم من الأحاديث ولأنها دريعة إلى المزارعة عليها بشيء معلوم من الخارج منها لأنه يجعل مكان قوله زارعتك آجرتك فتصير مزارعة بلفظ الإجارة والذرائع معتبرة والثانية جواز ذلك اختارها أبو الخطاب وهو قول أبي حنيفة والشافعي لما ذكرنا في القسم الأول ولأن ما جازت إجارته بغير المطعوم جازت به كالدور القسم الثالث إجارتها بجزء مشاع مما يخرج منها كنصف وثلث وربع فالمنصوص عن أحمد جوازه وهو قول أكثر الأصحاب واختار أبو الخطاب أنها لا تصح وهو قول أبي حنيفة والشافعي وهو الصحيح إن شاء الله لما تقدم من الأحاديث في النهي من غير معارض لها ولأنها إجارة بعوض مجهول فلم تصح كإجارتها بثلث ما يخرج من أرض أخرى ولأنها إجارة لعين ببعض نمائها فلم تجز كسائر الأعيان ولأنه لا نص في جوازها ولا يمكن قياسها على المنصوص فإن المنصوص إنما وردت بالنهي عن إجارتها بذلك ولا نعلم في تجويزها نصا والمنصوص على جوازه إجارتها بذهب أو فضة أو شيء مضمون معلوم وليست هذه كذلك فأما نص إحمد في الجواز فيتعين حمله على المزارعة بلفظ الإجارة فيكون حكمها حكم المزارعة في جوازها ولزومها وفيما يلزم العامل ورب الأرض وسائر أحكامها والله أعلم كتاب الاجارات
الأصل في جواز الإجارة الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن الطلاق 6 وقال تعالى قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك القصص 26 27 وروى ابن ماجة في سننه عن عتبة بن الندر قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ ( طس ) حتى إذا بلغ قصة موسى قال إن موسى عليه السلام آجر نفسه ثماني حجج أو عشرا على عفة فرجه وطعام بطنه قال الله تعالى فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا الكهف 77 وهذا يدل على جواز آخذ الأجر على إقامته وأما السنة فثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر استأجرا رجلا من بني الديل هاديا خريتا وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قال الله عز وجل ثلاثة أنه خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي ثم غدر ورجل باع حرا فأكل ثمنه ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يوفه أجره والأخبار في هذا كثيرة وأجمع أهل العلم في كل عصر وكل مصر على جواز الإجارة إلا ما يحكى عن عبد الرحمن بن الأصم أنه قال لا يجوز ذلك لأنه غرر يعني أنه يعقد على منافع لم تخلق وهذا غلط لا يمنع انعقاد الإجماع الذي سبق في الأعصار وسار في الأمصار والعبرة أيضا دالة عليها فإن الحاجة إلى المنافع كالحاجة إلى الأعيان فلما جاز العقد على الأعيان وجب أن تجوز الإجارة على المنافع ولا يخفى ما بالناس من الحاجة إلى ذلك فإنه ليس لكل أحد دار يملكها ولا يقدر كل مسافر على بعير أو دابة يملكها ولا يلزم أصحاب الأملاك إسكانها وحملهم تطوعا وكذلك أصحاب الصنائع يعملون بأجر ولا يمكن كل أحد عمل ذلك ولا يجد متطوعا به فلا بد من الإجارة لذلك بل ذلك مما جعله الله طريقا للرزق حتى أن أكثر المكاسب بالصنائع وما ذكره من الغرر لا يلتفت إليه مع ما ذكرنا من الحاجة فإن العقد على المنافع لا يمكن بعد وجودها لأنها تتلف بمضي الساعات فلا بد من العقد عليها قبل وجودها كالسلم في الأعيان فصل واشتقاق الإجارة من الأجر وهو العوض قال الله تعالى لو شئت لاتخذت عليه أجرا ومنه سمي الثواب أجرا لأن الله تعالى يعوض العبد به على طاعته أو صبره على مصيبته فصل وهي نوع من البيع لأنها تمليك من كل واحد منهما لصاحبه فهي بيع المنافع والمنافع بمنزلة الأعيان لأنه يصح تمليكها في حال الحياة وبعد الموت وتضمن باليد والإتلاف ويكون عوضها عينا ودينا وإنما اختصت باسم كما اختص بعض البيوع باسم كالصرف والسلم إذا ثبت هذا فإنها تنعقد بلفظ الإجارة والكراء لأنهما موضوعان لها وهل تنعقد بلفظ البيع فيه وجهان أحدهما تنعقد به لأنها بيع فانعقدت بلفظه كالصرف والثاني لا تنعقد به لأن فيها معنى خاصا فافتقرت إلى لفظ يدل على ذلك المعنى ولأن الإجارة تضاف إلى العين التي يضاف إليها البيع إضافة واحدة فاحتيج إلى لفظ يعرف ويفرق بينهما كالعقود المتباينة ولأنه عقد يخالف البيع في الحكم والاسم فأشبه النكاح فصل ولا تصح إلا من جائز التصرف لأنها عقد تمليك في الحياة فأشبه البيع مسألة قال ( وإذا وقعت الإجارة على مدة معلومة بأجرة معلومة فقد ملك المستأجر المنافع وملكت عليه الأجرة كاملة في وقت العقد إلا أن يشترطا أجلا ) هذه المسألة على أحكام ستة أحدها أن المعقود عليه المنافع وهذا قول أكثر أهل العلم منهم مالك وأبو حنيفة وأكثر أصحاب الشافعي وذكر بعضهم أن المعقود عليه العين لأنها الموجودة والعقد يضاف إليه فيقول أجرتك داري كما يقول بعتكها ولنا إن المعقود عليه هو المتسوفى بالعقد وذلك هو المنافع دون الأعيان ولأن الأجر في مقابلة المنفعة ولهذا تضمن دون العين
وما كان العوض في مقابلته فهو المعقود عليه وإنما أضيف العقد إلى العين لأنها محل المنفعة ومنشؤها كما يضاف عقد المساقاة إلى البستان والمعقود عليه الثمرة ولو قال أجرتك منفعة داري جاز الثاني أن الإجارة إذا وقعت على مدة يجب أن تكون معلومة كشهروسنة ولا خلاف في هذا نعلمه ولأن المدة هي الضابطة للمعقود عليه المعرفة له فوجب أن تكون معلومة كعدد المكيلات فيما بيع بالكيل فإن قدر المدة بسنة مطلقة حمل على سنة الأهلة لأنها المعهودة في الشرع قال الله تعالى يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج البقرة 189 فوجب أن يحمل العقد عليه فإن شرط هلالية كان تأكيدا وإن قال عددية أو سنة بالأيام كان له ثلاثمائة وستون يوما لأن الشهر العددي يكون ثلاثين يوما وإن استأجر سنة هلالية أو الهلال عد اثني عشر شهرا بالأهلة سواء كان الشهر تاما أو ناقصا لأن الشهر الهلالي ما بين الهلالين ينقص مرة ويزيد أخرى وإن كان العقد في أثناء شهر عد ما بقي من الشهر وعد بعده أحد عشر شهرا بالهلال ثم كمل الشهر الأول بالعدد ثلاثين يوما لأنه تعذر إتمامه بالهلال فتممناه بالعدد وأمكن استيفاء ما عداه بالهلال فوجب ذلك لأنه الأصل وحكي عن أحمد رجمه الله رواية أخرى أنه يستوفي الجميع بالعدد لأنها مدة يستوفى بعضها بالعدد فوجب استيفاء جميعها به كما لو كانت المدة شهرا واحدا ولأن الشهر الأول ينبغي أن يكمل من الشهر الذي يليه فيحصل ابتداء الشهر الثاني في أثنائه فكذلك كل شهر يأتي بعده ولأبي حنيفة والشافعي كالروايتين وهكذا إن كان العقد على أشهر دون السنة وإن جعلا المدة سنة رومية أو شمسية أو فارسية أو قبطية وكانا يعلمان ذلك جاز وكان له ثلاثمائة وخمسة وستون يوما فإن الشهور الرومية منها سبعة أحد وثلاثون يوما وأربعة وثلاثون يوما وشهر واحد ثمانية وعشرون يوما وشهور القبط كلها ثلاثون ثلاثون وزادوها خمسة أيام لتساوي سنتهم السنة الرومية وإن كان أحدهما يجهل ذلك لم يصح لأن المدة مجهولة في حقه وإن آجره إلى العيد انصرف إلى الذي يليه وتعلق بأول جزء منه لأنه جعله غاية فتنتهي مدة الإجارة بأوله وقال القاضي لا بد من تعيين العيد فطرا أو أضحى من هذه السنة أو سنة كذا وكذلك الحكم إن علقه بشهر يقع اسمه على شهرين كجمادى وربيع يجب على قوله أن يذكر الأول والثاني من سنة كذا وإن علقه بشهر مفرد كرجب وشعبان فلا بد أن يبينه من أي سنة وإن علقه بيوم فلا بد على قوله أن يبينه من أي أسبوع وإن علقه بعيد من أعياد الكفار صح إذا علماه وإلا لم يصح وقد مضى نحو هذا فصل ولا يشترط في مدة الإجارة أن تلي العقد بل لو أجره سنة خمس وهما في سنة ثلاث أو شهر رجب في المحرم صح وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي لا يصح إلا أن يستأجرها من هي في إجارته ففيه قولان لأنه عقد على ما لا يمكن تسليمه في الحال فأشبه إجارة العين المغصوبة قال ولا يجوز أن يكتري بعيرا بعينه إلا عند خروجه لذلك ولنا إن هذه مدة يجوز العقد عليها مع غيرها فجاز العقد عليها مفردة مع عموم الناس كالتي تلي العقد وإنما تشترط القدرة على التسليم عند وجوب التسليم كالمسلم فيه ولا يشترط وجوده ولا القدرة عليه حال العقد ولا فرق بين كونها مشغولة أو غير مشغولة لما ذكرناه وما ذكروه يبطل بما إذا أجرها من المكتري فإنه يصح مع ما ذكروه
إذا ثبت هذا فإن الإجارة إن كانت على مدة تلي العقد لم يحتج إلى ذكر ابتدائها من حين العقد وإن كانت لا تليه فلا بد من ذكر ابتدائها لأنه أحد طرفي العقد فاحتيج إلى معرفته كانتهاء وإن أطلق فقال أجرتك سنة أو شهرا صح وكان ابتداؤه من حين العقد وهذا قول مالك وأبي حنيفة وقال الشافعي وبعض أصحابنا لا يصح حتى يسمي الشهر ويذكر أي سنة هي فإن أحمد قال في رواية اسماعيل بن سعيد إذا استأجر أجيرا شهرا فلا يجوز حتى يسمي الشهر ولنا قول الله تعالى إخبارا عن شعيب عليه السلام على أن تأجرني ثماني حجج القصص 27 ولم يذكر ابتداءها ولأنه تقدير بمدة ليس فيها قربة فإذا أطلقها وجب أن تلي السبب الموجب كمدة السلم والإيلاء وتفارق النذر فإنه قربة فصل ولا تتقدر أكثر مدة الإجارة بل تجوز إجارة العين المدة التي تبقى فيها وإن كثرت وهذا قول كافة أهل العلم إلا أن أصحاب الشافعي اختلفوا في مذهبه فمنهم من قال له قولان أحدهما كقول سائر أهل العلم وهو الصحيح الثاني لا يجوز أكثر من سنة لأن الحاجة لا تدعو إلى أكثر منها ومنهم من قال له قول ثالث إنها لا تجوز أكثر من ثلاثين سنة لأن الغالب أن الأعيان لا تبقى أكثر منها وتتغير الأسعار والأجر ولنا قول الله تعالى إخبارا عن شعيب عليه السلام أنه قال على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك القصص 27 وشرع من قبلنا شرع لنا ما لمم يقم على نسخة دليل ولأن ما جاز العقد عليه سنة جاز أكثر منها كالبيع والنكاح والمساقاة والتقدير بسنة وثلاثين تحكم لا دليل عليه وليس ذلك أولى من التقدير بزيادة عليه أو نقصان منه وإذا استأجره سنين لم يحتج إلى تقسيط الأجر على كل سنة في ظاهر كلام أحمد لو استأجر سنة لم يفتقر إلى تقسيط أجر كل شهر بالاتفاق ولو استأجر شهرا لم يفتقر إلى تقسيط أجر كل يوم ولأن المنفعة كالأعيان في البيع ولو اشتملت المصفقة على أعيان لم يلزمه تقدير ثمن كل عين كذلك ها هنا وقال الشافعي في أحد قوليه كقولنا وفي الآخر يفتقر إلى تقسيط أجر سنة لأن المنافع تختلف فإنه لا يفتقر إلى تقسيط الأجر عليها مع الاحتمال الذي ذكروه فصل والإجارة على ضربين أحدهما أن يعقدها على مدة والثاني أن يعقدها على عمل معلوم كبناء حائط وخياطة قميص وحمل إلى موضع معين فإذا كان المستأجر مما له عمل كالحيوان جاز فيه الوجهان لأن له عملا تتقدر منافعه به وإن لم يكن له عمل كالدار والأرض لم يجز إلا على مدة ومتى تقدرت المدة لم يجز تقدير العمل وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي لأن الجمع بينهما يزيدها غررا لأنه قد يفرغ من العمل قبل انقضاء المدة فإن استعمل في بقية المدة فقد زاد على ما وقع عليه العقد وإن لم يعمل كان تاركا للعمل في بعض المدة وقد لا يفرغ من العمل في المدة فإن أتمه عمل في غير المدة وإن لم يعمله لم يأت بما وقع عليه العقد وهذا غرر أمكن التحرز عنه ولم يوجد مثله في محل الوفاق فلم يجز العقد معه وروي عن أحمد فيمن اكترى دابة إلى موضع على أن يدخله في ثلاث فدخله في ست فقال قد أضر به فقيل يرجع عليه بالقيمة قال لا يصالحه وهذا يدل على جواز تقديرهما جميعا وهو قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن لأن الإجارة معقودة على العمل والمدة مذكروة للتعجيل فلا يمتنع ذلك
فعلى هذا إذا فرغ العمل قبل انقضاء المدة لم يلزمه العمل في بقيتها لأنه وفي ما عليه قبل مدته فلم يلزمه شيء آخر كما لو قضى الدين قبل أجله وإن مضت المدة قبل العمل فللمستأجر فسخ الإجارة لأن الأجير لم يف له بشرطه وإن رضي بالبقاء عليه لم يملك الأجير الفسخ لأن الإخلال بالشرط منه فلا يكون ذلك وسيلة له إلى الفسخ كما لو تعذر أداء المسلم فيه في وقته لم يملك المسلم إليه الفسخ ويملكه المسلم فإن اختار إمضاء العقد طالبه بالعمل لا غير كالمسلم إذا صبر عند تعذر المسلم فيه إلى حين وجوده لم يكن له أكثر من المسلم فيه وإن فسخ العقد قبل عمل شيء من العمل سقط الأجر والعمل وإن كان بعد عمل شيء منه فله أجر مثله لأن العقد قد انفسخ فسقط المسمى ورجع إلى أجر المثل فصل ومن اكترى دابة إلى العشاء فأخر المدة إلى غروب الشمس وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة وأبو ثور آخرها زوال الشمس لأن العشاء آخر النهار وآخر النهار النصف الآخر من الزوال ولذلك جاء في حديث ذي اليدين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي يعني الظهر أو العصر هكذا تفسيره ولنا قول الله تعالى ومن بعد صلاة العشاء يعني العتمة وقال النبي صلى الله عليه وسلم لولا أن أشق على أمتي لأخرت العشاء إلى ثلث الليل وإنما علق الحكم بغروب الشمس لأن هذه الصلاة تسمى العشاء الآخرة فدل على أن الأولى المغرب وهو في العرف كذلك فوجب أن يتعلق الحكم به لأن المدة إذا جعلت إلى وقت تعلقت بأوله كما لو جعلها إلى الليل وما ذكروه لا يصح لأن لفظ العشي غير لفظ العشاء فلا يجوز الاحتجاج بأحدهما على الآخر حتى يقوم دليل على أن معنى اللفظين واحد ثم لو ثبت أن معناهما واحد غير أن أهل العرف لا يعرفونه فلا يتعلق به حكم وكذلك الحكم فيما إذا اكتراها إلى العشي لأن أهل العرف لا يعرفون غير ما ذكرناه وإن اكتراها إلى الليل فهو إلى أوله وكذلك إن اكتراها إلى النهار فهو إلى أوله ويتخرج أن يدخل الليل في المدة الأولى والنهار في الثانية لما ذكرناه في مدة الخيار والأول أصح وإن اكتراها نهارا فهو إلى غروب الشمس وإن اكتراها ليلة فهي إلى طلوع الفجر في قول الجميع لأن الله تعالى قال في ليلة القدر سلام هي حتى مطلع الفجر القدر 5 وقال تعالى أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ثم قال فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل البقرة 187 فصل وإن اكترى فسطاطا إلى مكة ولم يقل متى أخرج فالكراء فاسد وبه قال أبو ثور وهو قياس قول الشافعي وقال أصحاب الرأي يجوز استحسانا بخلاف القياس ولنا إنها مدة غير معلومة الابتداء فلم يجز كما قال أجرتك داري من حين يخرج الحاج إلى آخر السنة وقد اعترفوا بمخالفته للدليل وما ادعوه دليلا لا نسلم كونه دليلا فصل الحكم الثالث أنه يشترط في عوض الإجارة كونه معلوما لا نعلم في ذلك خلافا وذلك لأنه عوض في عقد معاوضة فوجب أن يكون معلوما كالثمن في البيع وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من استأجر أجيرا فليعلمه أجره ويعتبر العلم بالرؤية أو بالصفة كالبيع سواء فإن كان العوض معلوما بالمشاهدة دون القدر كالصبرة احتمل وجهين أشبههما الجواز لأنه عوض معلوم يجوز به البيع فجازت به الإجارة كما لو علم قدره
والثاني لا يجوز لأنه قد ينفسخ العقد بعد تلف الصبرة فلا يدري بكم يرجع فاشترط معرفة قدره كعوض المسلم فيه والأول أولى وظاهر كلام الخرقي أن العلم بالقدر في عوض السلم ليس بشرط ثم الفرق بينهما أن المنفعة ها هنا أجريت مجرى الأعيان لأنها متعلقة بعين حاضرة والمسلم يتعلق بمعدوم فافترقا وللشافعي نحو مما ذكرنا في هذا الفصل فصل وكل ما جاز ثمنا في البيع جاز عوضا في الإجارة لأنه عقد معاوضة أشبه البيع فعلى هذا يجوز أن يكون العوض عينا ومنفعة أخرى سواء كان الجنس واحدا كمنفعة دار بمنفعة أخرى أو مختلفا كمنفعة دار بمنفعة عبد قال أحمد لا بأس أن يكتري بطعام موصوف معلوم وبهذا كله قال الشافعي قال الله تعالى إخبارا عن شعيب أنه قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج القصص 27 فجعل النكاح عوض الإجارة وقال أبو حنيفة فيما حكي عنه لا تجوز إجارة دار بسكنى أخرى ولا يجوز أن يختلف جنس المنفعة كسكنى دار بمنفعة بهيمة لأن الجنس الواحد عنده يحرم النساء وكره الثوري الإجارة بطعام موصوف والصحيح جوازه وهو قول إسحاق وأصحاب الرأي وقياس قول الشافعي لأنه عوض يجوز في البيع فجاز في الإجارة كالذهب والفضة وما قاله أبو حنيفة لا يصح لأن المنافع في الإجارة ليست في تقدير النسيئة ولو كانت نسيئة ما جاز في جنسين لأنه يكون بيع دين بدين فصل ولو استأجر رجلا ليسلخ له بهيمة بجلدها لم يجز لأنه لا يعلم هل يخرج الجلد سليما أو لا وهل هو ثخين أو رقيق ولأنه لا يجوز أن يكون ثمنا في البيع فلا يجوز أن يكون عوضا في الإجارة كسائر المجهولات فإن سلخه بذلك فله أجر مثله وإن استأجره لطرح ميتة بجلدها فهو أبلغ في الفساد لأن جلد الميتة نجس لا يجوز بيعه وقد خرج بموته عن كونه ملكا وإن فعل فله أجر مثله أيضا فصل ولو استأجر راعيا لغنم بثلث درها ونسلها وصوفها وشعرها أو نصفه أو جميعه لم يجز نص عليه أحمد في رواية جعفر بن محمد النسائي لأن الأجر غير معلوم ولا يصلح عوضا في البيع وقال اسماعيل بن سعيد سألت أحمد عن الرجل يدفع البقرة إلى الرجل على أن يعلفها ويتحفظها وما ولدت من ولد بينهما فقال أكره ذلك وبه قال أبو أيوب وأبو خيثمة ولا أعلم فيه مخالفا وذلك لأن العوض مجهول معدوم ولا يدري أيوجد أم لا والأصل عدمه ولا يصلح أن يكون ثمنا فإن قيل فقد جوزتم دفع الدابة إلى من يعمل عليها بنصف ربحها قلنا إنما جاز ثم تشبيها بالمضاربة لأنها عين تنمى بالعمل فجاز اشتراط جزء من النماء والمساقاة كالمضاربة وفي مسألتنا لا يمكن ذلك لأن النماء الحاصل في الغنم لا يقف حصوله على عمله فيها فلم يمكن إلحاقه بذلك وإن استأجره على رعايتها مدة معلومة بنصفها أو جزء معلوم منها صح لأن العمل والأجر والمدة معلوم فصح كما جعل الأجر دراهم ويكون النماء الحاصل بينهما بحكم الملك لأنه ملك الجزء المجعول له منها في الحال فيكون له نماؤه كما لو اشتراه فصل الحكم الرابع أن الإجارة إذا تمت وكانت على مدة ملك المستأجر المنافع المعقود عليها إلى المدة ويكون حدوثها على ملكه وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة تحدث على ملك المؤجر ولا يملكها المستأجر بالعقد لأنها معدومة فلا تكون مملوكة كالثمرة والولد ولنا أن الملك عبارة عن حكم يحصل به تصرف مخصوص وقد ثبت أن هذه المنفعة المستقبلة كان مالك العين يتصرف فيها كتصرفه في العين فلما أجرها صار المستأجر مالكا للتصرف فيها كما كان يملكه المؤجر فثبت أنها كانت مملوكة لمالك العين ثم انتقلت إلى المستأجر بخلاف الولد والثمرة فإن المستأجر بخلاف الولد والثمرة فإن المستأجر لا يملك التصرف فيها وقولهم إن المنافع معدومة قلنا هي مقدرة الوجود لأنها جعلت موردا للعقد والعقد لا يرد إلا على موجود
فصل الحكم الخامس أن المؤجر يملك الأجرة بمجرد العقد إذا أطلق ولم يشترط المستأجر أجلا كما يملك البائع الثمن بالمبيع وبهذا قال الشافعي وقال مالك وأبو حنيفة لا يملكها بالعقد فلا يستحق المطالبة بها إلا يوما بيوم إلا أن يشترط تعجيلها قال أبو حنيفة إلا أن تكون معينة كالثوب والعبد والدار لأن الله تعالى قال فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن الطلاق 6 فأمر بإيتائهن بعد الارتضاع وقال النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يوفه أجره فتوعد على الامتناع من دفع الأجر بعد العمل فدل على أنها حالة الوجوب وروي عنه عليه السلام أنه قال أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه رواه ابن ماجة ولأنه عوض لم يملك معوضه فلم يجب تسليمه كالعوض في العقد الفاسد فإن المنافع معدومة لم تملك ولو ملكت فلم يتسلمها لأنه يتسلمها شيئا فشيئا فلا يجب عليه العوض مع تعذر التسليم في العقد ولنا أنه عوض أطلق ذكره في العقد معاوضة فيستحق بمطلق العقد كالثمن والصداق أو نقول عوض في عقد يتعجل بالشرط فوجب أن يتعجل بمطلق العقد كالذي ذكرنا فأما الآية فيحتمل أنه أراد الإيتاء عند الشروع في الرضاع أو تسليم نفسها كما قال تعالى فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم النحل 98 أي إذا أردت القراءة ولأن هذا تمسك بدليل الخطاب ولا يقولون به وكذلك الحديث يحققه أن الإمر بالإيتاء في وقت لا يمنع وجوبه قبله كقوله فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن النساء 24 والصداق يجب قبل الاستمتاع وهذا هو الجواب عن الحديث ويدل عليه أنه إنما توعد على ترك الإيفاء بعد الفراغ من العمل وقد قلتم يجب الأجر شيئا فشيئا ويحتمل أنه توعده على ترك الإيفاء في الوقت الذي تتوجه المطالبة فيه عادة جواب آخر أن الآية والأخبار إنما وردت فيمن استؤجر على عمل فأما ما وقعت الإجارة فيه على مدة فلا تعرض لها به وأما إذا كانت الإجارة على عمل فإن الأجر يملك بالعقد أيضا لكن لا يستحق تسليمه إلا عند تسليم العمل قال ابن أبي موسى من استؤجر لعمل معلوم استحق الأجر عند إيفاء العمل وإن استؤجر في كل يوم بأجر معلوم فله أجر كل يوم عند تمامه وقال أبو الخطاب الأجر يملك بالعقد ويستحق بالتسليم ويستقر بمضي المدة وإنما توقف استحقاق تسليمه على العمل لأنه عوض فلا يستحق تسليمه إلا مع تسليم المعوض كالصداق والثمن في المبيع وفارق الإجارة على الأعيان لأن تسليمها جرى مجرى تسليم نفعها ومتى كان على منفعة في الذمة لم يحصل تسليم المنفعة ولا ما يقوم مقامها فتوقف استحقاق تسليم الأجر على تسليم العمل وقولهم لم يملك المنافع قد سبق الجواب عنه فإن قيل فإن المؤجر أذا قبض الأجر انتفع به كله بخلاف المستأجر فإنه لا يحصل له استيفاء المنفعة كلها قلنا لا يمتنع هذا كما لو شرطا التعجيل أو كان الثمن عينا فصل الحكم السادس أنه إذا شرط تأجيل الأجر فهو إلى أجله وإن شرطه منجما يوما يوما أو شهرا شهرا أو أقل من ذلك أو أكثر فهو على ما اتفقا عليه لأن إجارة العين كبيعها وبيعها يصح بثمن حال أو مؤجل فكذلك إجارتها
فصل وإذا استوفى المستأجر المنافع استقر الأجر لأنه قبل المعقود عليه فاستقر عليه البدل كما لو قبض المبيع وإن سلمت إليه العين التي وقعت الإجارة عليها ومضت المدة ولا حاجز له عن الانتفاع استقر الأجر وإن لم ينتفع لأن المعقود عليه تلف تحت يده وهي حقه فاستقر عليه بدلها كثمن المبيع إذا تلف في يد المشتري وإن كانت الإجارة على عمل فتسلم المعقود عليه ومضت مدة يمكن استيفاء المنفعة فيها مثل أن يكتري دابة ليركبها إلى حمص فقبضها وضمت مدة يمكن ركوبها فيها فقال أصحابنا يستقر عليه الأجر وهو مذهب الشافعي لأن المنافع تلفت تحت يده باختياره فاستقر الضمان عليه كما لو تلفت العين في يد المشتري وكما لو كانت الإجارة على مدة فمضت وقال أبو حنيفة لا يستقر الأجر عليه حتى يستوفي المنفعة لأنه عقد على منفعة غير مؤقتة بزمن فلم يستقر بدلها قبل استيفائها كالأجر للأجير المشترك فإن بذل تسليم العين فلم يأخذها المستأجر حتى انقضت المدة استقر الأجر عليه لأن المنافع تلفت باختياره في مدة الإجارة فاستقر عليه الأجر كما لو كانت في يده وإن بذل تسليم العين وكانت الإجارة على عمل فقال أصحابنا إذا مضت مدة يمكن الاستيفاء فيها استقر عليه الأجر وبهذا قال الشافعي لأن المنافع تلفت باختياره وقال أبو حنيفة لا أجر عليه وهو أصح عندي لأنه عقد على ما في الذمة فلم يستقر ببذل التسليم كالمسلم فيه ولأنه عقد على منفعة غير مؤقتة بزمن فلم يستقر عوضها بالبذل كالصداق إذا بذلت تسليم نفسها وامتنع الزوج من أخذها وإن كان هذا في إجارة فاسدة ففيما إذا عرضها على المستأجر فلم يأخذها لا أجر عليه لأنها لم تتلف تحت يده ولا في ملكه وإن قبضها ومضت المدة أو مدة يمكن استيفاء المنفعة فيها أو لا يمكن فعن أحمد روايتان إحداهما عليه أجر المثل لمدة بقائها في يده وهو قول الشافعي لأن المنافع تلفت تحت يده بعوض لم يسلم له فرجع إلى قيمتها كما لو استوفاها والثانية لا شيء له وهو قول أبي حنيفة لأنه عقد فاسد على منافع لم يستوفها فلم يلزمه عوضها كالنكاح الفاسد وإن استوفى المنفعة في العقد الفاسد فعليه أجر المثل وبه قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة يجب أقل الأمرين من المسمى أو أجر المثل بناء منه على أن المنافع لا تضمن إلا بالعقد ولنا أن ما ضمن بالمسمى في العقد الصحيح وجب ضمانه بجميع القيمة في الفاسد كالأعيان وما ذكره لا نسلمه والله أعلم مسألة قال ( وإذا وقعت الإجارة على كل شهر بشيء معلوم لم يكن لواحد منهما الفسخ إلا عند تقضي كل شهر ) وجملة ذلك أنه إذا قال أجرتك هذا كل شهر بدرهم فاختلف أصحابنا فذهب القاضي إلى أن الإجارة صحيحة وهو المنصوص عن أحمد في رواية ابن منصور واختيار الخرقي إلا أن الشهر الأول تلزم الإجارة فيه بإطلاق العقد لأنه معلوم يلي العقد وله أجر معلوم وما بعده من الشهور يلزم العقد فيه بالتلبس به وهو السكنى في الدار إن كانت الإجارة على دار لأنه مجهول حال العقد فإذا تلبس به تعين بالدخول فيه فصح بالعقد الأول وإن لم يتلبس به أو فسخ العقد عند انقضاء الأول انفسخ وكذلك حكم كل شهر يأتي وهذا مذهب أبي ثور وأصحاب الرأي وحكي عن مالك نحو هذا إلا أن الإجارة لا تكون لازمة عنده لأن المنافع متقدرة بتقدير الأجر فلا يحتاج إلى ذكر المدة إلا في اللزوم واختار أبو بكر عبد العزيز بن جعفر وأبو عبدالله بن حامد أن العقد باطل وهو قول الثوري والصحيح من قولي الشافعي لأن كل اسم لعدد فإذا لم يقدره كان مبهما مجهولا فيكون فاسدا كما لو قال أجرتك مدة أو شهرا وحمل أبو بكر وابن حامد كلام أحمد في هذا على أن الإجارة وقعت على أشهر معينة
ووجه الأول أن عليا رضي الله عنه استقى لرجل من اليهود كل دلو بتمرة وجاء به إلى النبي لله يأكل منه قال علي كنت أدلو الدلو بتمرة وأشترطها جلدة وعن رجل من الأنصار أنه قال ليهودي أسقي نخلك قال نعم كل دلو بتمرة واشترط الأنصاري أن لا يأخذها خدرة ولا تارزة ولا حشفة ولا يأخذ إلا جلدة فاستقى بنحو من صاعين فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم رواهما ابن ماجة في سننه وهو نظير مسألتنا ولأن شروعه في كل شهر مع ما تقدم في العقد من الاتفاق على تقدير أجره والرضى ببذله به جرى مجرى ابتداء العقد عليه وصار كالبيع بالمعاطاة إذا جرى من المساومة وما دل على التراضي بها فعلى هذا متى ترك التلبس به في شهر لم تثبت الإجارة فيه لعدم العقد وإن فسخ فكذلك وليس بفسخ في الحقيقة لأن العقد في الشهر الثاني ما ثبت فأما أبو حنيفة فذهب إلى أنهما إذا تلبسا بالشهر الثاني فقد اتصل القبض بالعقد الفاسد وهو عذر غير صحيح لأن العقد الفاسد في الأعيان لا يلزم بالقبض ولا يضمن بالمسمى ثم لم يحصل القبض ها هنا إلا فيما استوفاه وقول مالك لا يصح لأن الإجارة من العقود اللازمة فلا يجوز أن تكون جائزة فصل إذا قال أجرتك داري عشرين شهرا كل شهر بدرهم جاز بغير خلاف نعلمه لأن المدة معلومة وأجرها معلوم وليس لواحد منهما فسخ بحال لأنها مدة واحدة فأشبه ما لو قال آجرتك عشرين شهرا بعشرين درهما وإن قال آجرتكها شهرا بدرهم وما زاد فبحساب ذلك صح في الشهر الأول لأنه أفرده بالعقد وبطل في الزائد لأنه مجهول ويحتمل أن يصح في كل شهر تلبس به كما لو قال آجرتكها كل شهر بدرهم لأن معناهما واحد ولو قال أجرتكها هذا الشهر بدرهم وكل شهر بعد ذلك بدرهم أو قال بدرهمين صح في الأول وفيما بعده وجهان فصل والإجارة عقد لازم من الطرفين ليس لواحد منهما فسخها وبهذا قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي وذلك لأنها عقد معاوضة فكان لازما كالبيع ولأنها نوع من البيع وإنما اختصت باسم كما اختص الصرف والسلم باسم وسواء كان له عذر أو لم يكن وبهذا قال مالك والشافعي وأبو ثور وقال أبو حنيفة وأصحابه يجوز للمكتري فسخها بعذر في نفسه مثل أن يكتري جملا ليحج عليه فيمرض فلا يتمكن من الخروج أو تضيع نفقته أو يكتري دكانا للبز فيحترق متاعه وما أشبه هذا لأن العذر يتعذر معه استيفاء المنفعة المعقود عليها فملك به الفسخ كما لو استأجر عبدا فأبق ولنا أنه عقد لا يجوز فسخه مع استيفاء المنفعة المعقود عليها لغير عذر فلم يجز لعذر في غير المعقود عليه كالبيع ولأنه لو جاز فسخه لعذر المكتري لجاز لعذر المكري تسوية بين المتعاقدين دفعا للضرر عن كل واحد من العاقدين ولم يجز ثم فلا يجوز ها هنا ويفارق الإباق فإنه عذر في المعقود عليه مسألة قال ( ومن استأجر عقارا مدة بعينها فبدا له قبل تقضيها فقد لزمته الأجرة كاملة ) وجملته أن الإجارة عقد لازم يقتضي تمليك المؤجر الأجر والمستأجر المنافع فإذا فسخ المستأجر الإجارة قبل انقضاء مدتها وترك الانتفاع اختيارا منه لم تنفسخ الإجارة والأجر لازم له ولم يزل ملكه عن المنافع كما لو اشترى شيئا وقبضه ثم تركه قال الأثرم لأبي عبدالله رجل اكترى بعيرا فلما قدم المدينة قال له فاسخني قال ليس ذلك له قد لزمه الكراء قلت فإن مرض المستكري بالمدينة فلم يجعل له فسخا وذلك لأنه عقد لازم بين الطرفين فلم يملك أحد المتعاقدين فسخه وإن فسخ لم يسقط العوض الواجب عليه كالبيع
فصل ولا خلاف بين أهل العلم في إباحة العقار قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن استئجار المنازل والدواب جائز ولا تجوز إجارتها إلا في مدة معينة معلومة ولابد من مشاهدته وتحديده فإنه لايصير معلوما إلا بذلك ولا يجوز إطلاقه ولا وصفه وبهذا قال الشافعي وقال أبو ثور إذا ضبط بالصفة أجزأ وقال أصحاب الرأي له خيار الرؤية كقولهم في البيع ويتخرج لنا مثل ذلك بناء على البيع والخلاف ها هنا مبني على الخلاف في البيع ولم يكتف بالصفة لأنه لا يصير معلوما بالرؤية كما يعلم في البيع إلا بذلك فإن كان دارا أو حماما احتاج إلى مشاهدة البيوت لأن الغرض بصغرها وكبرها ومرافقها ومشاهدة قدر الحمام ليعلم كبرها من صغرها ومعرفة ماء الحمام إما من قناة أو بئر فإن كان من بئر احتاج إلى مشاهدتها ليعلم عمقها ومؤنة استسقاء الماء منها ومشاهدة الأتون ومطرح الرماد وموضع الزبل ومصرف ماء الحمام فمتى أخل بهذا أو بعضه لم تصح للجهالة لما يختلف الغرض به فصل وكره أحمد كراء الحمام وسئل عن كرائه فقال أخشى فقيل له إذا شرط على المكتري أن لا يدخله أحد بغير إزار فقال ومن يضبط هذا وكأنه لم يعجبه قال ابن حامد هذا على طريق الكراهة تنزيها لا تحريما لأنه تبدو فيه عورات الناس فتحصل الإجارة على فعل محظور فكرهه لذلك فأما العقد فصحيح وهذا قول أكثر أهل العلم قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظه عنه من أهل العلم أن كراء الحمام جائز إذا حدده وذكر جميع آلته شهورا مسماة وهذا قول مالك والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي لأن المكتري إنما يأخذ الأجر عوضا عن دخول الحمام والاغتسال بمائه وأحوال المسلمين محمولة على السلامة وإن وقع من بعضهم فعل ما لا يجوز لم يحرم الأجر المأخوذ منه كما لو اكترى دارا ليسكنها فشرب فيها خمرا مسألة قال ( ولا يتصرف مالك العقار فيه إلا عند تقضي المدة ) وجملته أن المستأجر يملك المنافع بالعقد كما يملك المشتري المبيع ويزول ملك المؤجر عنها كما يزول ملك البائع عن المبيع فلا يجوز له التصرف فيها لأنها صارت مملوكة لغيره كما لا يملك البائع التصرف المبيع فإن تصرف فيها نظرنا فإن كان ذلك في حال بدا للمستأجر قبل تقضي المدة مثل أن يكتري دارا سنة فيسكنها شهرا ويتركها فيسكنها المالك بقية السنة أو يؤجرها لغيره احتمل أن ينفسخ العقد فيما استوفاه المالك لأنه يتصرف فيه قبل قبض المكتري له فأشبه ما لو تلف المكيل قبل تسليمه وسلم باقيه فعلى هذا إن تصرف المالك في بعض المدة دون بعض انفسخ العقد في قدر ما تصرف فيه دون ما لم يتصرف فيه ويكون على المتسأجر ما بقي فلو سكن المستأجر شهرا وتركها شهرا وسكن المالك عشرة أشهر لزم المستأجر أجر شهرين وإن سكنها شهرا وسكن المالك شهرين ثم تركها فعلى المتسأجر أجر عشرة أشهر ويحتمل أن يلزم المستأجر أجر جميع المدة وله على المالك أجر المثل لما سكن أو تصرف فيه بقسط ذلك مما على المستأجر من الأجر ويلزمه الباقي لأنه تصرف فيما ملكه المستأجر عليه بغير إذنه فأشبه ما لو تصرف في المبيع بعد قبض المشتري له وقبض الدار ها هنا قام مقام قبض المنافع بدليل أنه يملك التصرف في المنافع بالسكنى والإجارة وغيرها فعلى هذا لو كان أجر المثل الواجب على المالك بقدر المسمى في العقد لم يجب على المستأجر شيء وإن فضلت منه فضلة لزم المالك أداؤها إلى المستأجر والأول أولى وهو ظاهر مذهب بالشافعي وإن تصرف المالك قبل تسلم العين أو امتنع من تسليمها حتى انقضت مدة الإجارة انفسخت الإجارة وجها واحدا لأن العاقد قد أتلف المعقود عليه قبل تسليمه فانفسخ العقد كما لو باعه طعاما فأتلفه قبل تسليمه وإن سلمها إليه في أثناء المدة انفسخت فيما مضى ويجب أجر الباقي بالحصة كالمبيع إذا سلم بعضه وأتلف بعضا
مسألة قال ( فإن حوله المالك قبل تقضي المدة لم يكن له أجر لما سكن ) يعني إذا استأجر عقارا مدة فسكنه بعض المدة ثم أخرجه المالك ومنعه تمام السكنى فلا شيء له من الأجرة وقال أكثر الفقهاء له أجر ما سكن لأنه استوفى ملك غيره على سبيل المعاوضة فلزمه عوضه كالبيع إذا استوفى بعضه ومنعه المالك بقيته كما لو تعذر استيفاء الباقي لأمر غالب ولنا أنه لم يسلم إليه ما عقد الإجارة عليه فلم يستحق شيئا كما لو استأجره ليحمل كتابا فحمله بعض الطريق أو استأجره ليحفر له عشرين دراعا فحفر له عشرا وامتنع من حفر الباقي وقياس الإجارة على الإجارة أولى من قياسها على البيع ويفارق ما إذا امتنع الأمر غالب لأن له عذرا والحكم فيمن اكترى دابة فامتنع المكري من تسليمها في بعض المدة أو آجر نفسه أو عبده للخدمة مدة وامتنع من إتمامها أو أجر نفسه لبناء حائط أو خياطة أو حفر بئر أو حمل شيء إلى مكان وامتنع من إتمام العمل كالحكم في العقار يمتنع من تسليمه وأنه لا يستحق شيئا لما ذكرنا فصل إذا هرب الأجير أو شردت الدابة أو أخذ المؤجر العين وهرب بها أو منعه استيفاء المنفعة منها من غير هرب لم تنفسخ الإجارة لكن يثبت للمستأجر خيار الفسخ فإن فسخ فلا كلام وإن لم يفسخ انفسخت الإجارة بمضي المدة يوما فيوما فإن عادت العين في أثناء المدة استوفى ما بقي منها فإن انقضت المدة انفسخت الإجارة لفوات المعقود عليه وإن كانت الإجارة على موصوف في الذمة كخياطة ثوب أو بناء حائط أو حمل إلى موضع معين استؤجر من ماله من يعمله كما لو أسلم إليه في شيء فهرب ابتيع من ماله فإن لم يكن ثبت للمستأجر الفسخ فإن فسخ فلا كلام وإن لم يفسخ وصبر إلى أن يقدر عليه فله مطالبته بالعمل لأن ما في الذمة لا يفوت بهربه وكل موضع امتنع الأجير من العمل فيه أو منع المؤجر المستأجر من الانتفاع إذا كان بعد عمل البعض فلا أجر له فيه على ماسبق إلا أن يرد العين قبل انقضاء المدة أو يتم العمل إن لم يكن على مدة قبل فسخ المستأجر فيكون له أجر ما عمل فأما إن شردت الدابة أو تعذر استيفاء المنفعة بغير فعل المؤجر من الأجر بقدر ما استوفى بكل حال مسألة قال ( فإن جاء أمر غالب يحجز المستأجر عن منفعة ما وقع عليه العقد لزمه من الأجر بمقدار مدة انتفاعه ) وجملته أن من استأجر عينا مدة فحيل بينه وبين الانتفاع بها لم يخل من أقسام ثلاثة أحدها أن تتلف العين كدابة تنفق أو عبد يموت فذلك على ثلاثة أضرب أحدها أن تتلف قبل قبضها فإن الإجارة تنفسخ بغير خلاف نعلمه لأن المعقود عليه تلف قبل قبضه فأشبه ما لو تلف الطعام المبيع قبل قبضه الثاني أن تتلف عقيب قبضها فإن الإجارة تنفسخ أيضا ويسقط الأجر في قول عامة الفقهاء إلا أبا ثور حكي عنه أنه قال يستقر الأجر لأن المعقود عليه أتلف بعد قبضه أشبه المبيع وهذا غلط لأن المعقود عليه المنافع وقبضها باستيفائها أو التمكن من استيفائها ولم يحصل ذلك فأشبه تلفها قبل قبض العين الثالث أن تتلف بعد مضي شيء من المدة فإن الإجارة تنفسخ فيما بقي من المدة دون ما مضى ويكون للمؤجر من الأجر بقدر ما استوفى من المنفعة
قال أحمد في رواية إبراهيم بن الحارث إذا اكترى بعيرا بعينه فنفق البعير يعطيه بحساب ما ركب وذلك لما ذكرنا من أن المعقود عليه المنافع وقد تلف بعضها قبل قبضه فبطل العقد فيما تلف دون ما قبض كما لو اشترى صبرتين فقبض إحداهما وتلفت الأخرى قبل قبضها ثم ننظر فإن كان أجر المدة متساويا فعليه بقدر ما مضى إن كان قد مضى النصف فعليه نصف الأجر وإن كان قد مضى الثلث فعليه الثلث كما يقسم الثمن على المبيع المتساوي وإن كان مختلفا كدار أجرها في الشتاء أكثر من أجرها في الصيف وأرض أجرها في الصيف أكثر من الشتاء أو دار لها موسم كدور مكة رجع في تقويمه إلى أهل الخبرة ويسقط الأجر المسمى قيمة المنفعة كقسمة الثمن على الأعيان المختلفة في البيع وكذلك لو كان الأجر على قطع مسافة كبيعر استأجره على حمل شيء إلى مكان معين وكانت متساوية الأجزاء أو مختلفة وهذا ظاهر مذهب الشافعي فصل القسم الثاني أن يحدث على العين ما يمنع نفعها كدار انهدمت وأرض غرقت أو انقطع ماؤها فهذه ينظر فيها فإن لم يبق فيها نفع أصلا فهي كالتالفة سواء وإن بقي فيها نفع غير ما استأجرها له مثل أن يمكن الانتفاع بعرصة الدار والأرض لوضع حطب فيها أو نصب خيمة في الأرض التي استأجرها للزرع أو صيد السمك من الأرض التي غرقت انفسخت الإجارة أيضا لأن المنفعة التي وقع عليها العقد تلفت فانفسخت الإجارة كما لو استأجر دابة ليركبها فزمنت بحيث لا تصلح إلا لتدور في الرحى وقال القاضي في الأرض التي ينقطع مأؤها لا تنفسخ الإجارة فيها وهو منصوص الشافعي لأن المنفعة لم تبطل جملة لأنه يمكن الانتفاع بعرصة الأرض بنصب خيمة أو جمع حطب فيها فأشبه ما لو نقص نفعها مع بقائه فعلى هذا يخير المستأجر بين الفسخ والإمضاء فإن فسخ فحكمه حكم العبد إذا مات وإن اختار إمضاء العقد فعليه جميع الأجر لأن ذلك عيب فإذا رضي به سقط حكمه فإن لم يختر الفسخ ولا الإمضاء إما لجهله بأن له الفسخ أو لغير ذلك فله الفسخ بعد ذلك والأول أصح لأن بقاء غير المعقود عليه لا يمنع انفساخ العقد بتلف المعقود عليه كما في البيع ولو كان النفي الباقي في الأعيان مما لا يباح استيفاؤه بالعقد كدابة استأجرها للركوب فصارت لا تصلح إلا للحمل أو بالعكس انفسخ العقد وجها واحدا لأن المنفعة الباقية لا يملك استيفاءها مع سلامتها فلا يملكها مع تعيبها كبيعها وأما إن أمكن الانتفاع بالعين فيما اكتراها له على نعت من القصور مثل أن يمكنه زرع الأرض بغير ماء أو كان الماء ينحسر عن الأرض التي غرقت على وجه يمنع بعض الزراعة أو يسوء الزرع أو كان يمكنه سكنى ساحة الدار إما في خيمة أو غيرها لم تنفسخ الإجارة لأن المنفعة المعقود عليها لم تزل بالكلية فأشبه ما لو تعبت وللمتسأجر خيار الفسخ على ما ذكرنا إلا في الدار إذا انهدمت فإن فيها مجهين أحدهما لا تنفسخ الإجارة والثاني تنفسخ لأنه زال اسمها بهدمها وذهبت المنفعة التي تقصد منها ولذلك لا يستأجر أحد عرصة دار ليسكنها فأما إن كان الحادث في العين لا يضرها كغرق الأرض بماء ينحسر في قرب من الزمان لا يمنع الزرع ولا يضره وانقطاع الماء عنها إذا ساق المؤجر إليها ماء من مكان آخر أو كان انقطاعه في زمن لا يحتاج إليه فيه فليس للمستأجر الفسخ لأن هذا ليس بعيب وإن حدث الغرق المضر أو انقطاع الماء أو انهدم بعض المستأجرة فلفلك البعض ض حكم نفسه في الفسخ أوأو ثبوت الخيخيار وللمكمكتري الخيارار في تبقيقية العين لألأن الصفقة تبعضت عليليه فإن اختاتار الإمساساك أمسك بالالالالحصة من الأجر كما إذا تلف أحد القفيزين من الطعام في يد البائع فصل القسم الثالث ان تغصب العين المستأجرة فللمستأجر الفسخ لأن فيه تأخير حقه فإن فسخ فالحكم فيه كما لو انفسخ العقد بتلف العين سواء