İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
وجملة ذلك أن المرأة إذا ادعت عجز زوجها عن وطئها لعنة سئل عن ذلك فإن أنكر والمرأة عذراء فالقول قولها وإن كان ثيبا فالقول قوله مع يمينه في ظاهر المذهب لأن هذا أمر لا يعلم إلا من جهته والأصل السلامة وقال القاضي هل يستحلف أو لا على وجهين بناء على دعوى الطلاق فإن أقر بالعجز أو ثبت ببينة على إقراره به أو أنكر وطلبت يمينه فنكل ثبت عجزه ويؤجل سنة في قول عامة أهل العلم وعن الحارث بن ربيعة أنه أجل رجلا عشرة أشهر ولنا قول من سمينا من الصحابة ولأن هذا العجز قد كون لعنة وقد يكون لمرض فضربت له سنة لتمر به الفصول الأربعة فإن كان من يبس زال في فصل الرطوبة وإن كان من رطوبة زال في فصل الحرارة وإن كان من انحراف مزاج زال في فصل الاعتدال فإذا مضت الفصول الأربعة واختلفت عله الأهوية فلم تزل علم أنه خلقة وحكي عن أبي عبيد أنه قال أهل الطب يقولون الداء لا تستمر في البدن أكثر من سنة ثم يظهر وابتداء السنة منذ ترافعه قال ابن عبد البر على هذا جماعة القائلين بتأجيله قال معمر في حديث عمر يؤجل سنة من يوم مرافعته فإذا انقضت المدة فلم يطأ فلها الخيار فإن اختارت الفسخ لم يجز إلا بحكم الحاكم لأنه مختلف فيه فإما أن يفسخ وإما أن يرده إليها فتفسخ هي في قول عامة القائلين به ولا يفسخ حتى تختار الفسخ وتطلبه لأن لحقها فلا تجبر على استيفائه كالفسخ بالإعسار فإذا فسخ فهو فسخ وليس بطلاق وهذا قول الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك والثوري يفرق الحاكم بينهما وتكون تطليقة لأنه فرقة لعدم الوطء فكانت طلاقا كفرقة المولى ولنا إن هذا خيار ثبت لأجل العيب فكان فسخا كفسخ المشتري لأجل العيب فصل فإن اتفقا بعد الفرقة على الرجعية لم يجز إلا بنكاح جديد لأنها قد بانت عنه وانفسخ النكاح فإذا تزوجها كانت عنده على طلاق ثلاث نفس عليه أحمد وذكر أبو بكر فيها قولا ثانيا إنهما لا يجتمعان أبدا لأنها فرقة تتعلق بحكم الحاكم فحرمت للنكاح كفرقة اللعان والمذهب أنها تحل له لأنها فرقة لأجل العيب فلم تمنع النكاح كفرقة المعتقة والفرقة من سائر العيوب وأما فرقة اللعان فإنها حصلت بلعانها قبل تفريق الحاكم وها هنا بخلافه ولأن اللعان يحرم المقام على النكاح فمنع ابتداءه ويوجب الفرقة فمنع الاجتماع وها هنا بخلافه ولو رضيت المرأة بالمقام أو لم تطلب الفسخ لم يجز الفسخ فكيف يصح القياس مع هذه الفروق فصل ومن علم أن عجزه عن الوطء لعارض من صغر أو مرض مرجو الزوال لم تضرب له المدة لأن ذلك عارض يزول والعنة خلقة وجبلة لا تزول وإن كان لكبر أو مرض لا يرجى زواله ضربت له المدة لأنه في معنى من خلق كذلك وإن كان لجب أو شلل ثبت الخيار في الحال لأن الوطء ميئوس منه ولا معنى لانتظاره وإن كان قد بقي من الذكر ما يمكن الوطء به فالأولى ضرب المدة له لأنه في معنى العنين خلقة وإن اختلف في القدر الباقي هل يمكن الوطء بمثله أو لا رجع إلى أهل الخبرة في معرفة ذلك فصل فأما الخصي فإن الخرقي ذكره في ترجمة الباب ولم يفرده بحكم فظاهر كلامه أنه ألحقه بغيره في أنه متى لم يصل إليها أجل وإن وصل إليها فلا خيار لها لأن الوطء ممكن والاستمتاع حاصل بوطئه وقد قيل إن وطأه أكثر من وطء غيره لأنه لا ينزل فيفتر بالإنزال وقد ذكرنا اختلاف أصحابنا في ذلك فيما مضى ولا فرق بين من قطعت خصيتاه والموجور وهو الذي رضت خصيتاه والمسلول الذي سلت خصيتاه فإن الحكم في الجميع واحد فإنه لا ينزل ولا يولد له مسألة قال ( وإن قال قد علمت أني عنين قبل أن أنكحها فإن أقرت أو ثبت ببينة فلا يؤجل وهي امرأته )
وجملة ذلك أن المرأة إذا علمت عنه الرجل وقت العقد مثل أن يعلمها بعنته أو تضرب له المدة وهي امرأته فينفسخ النكاح ثم يتزوجها ونحو ذلك لم تضرب له المدة وهي امرأته في قول أكثر أهل العلم منهم عطاء والثوري وابن القاسم وأصحاب الرأي وهو قول الشافعي القديم وقال في الجديد يؤجل لأنه قد يكون عنينا في نكاح دون نكاح ولنا إنها رضيت بالعيب ودخلت في العقد عالمة به فلم يثبت لها خيار كما لو علمته مجبوبا ولأنها لو رضيت به بعد العقد أو بعد المدة لم يكن لها فسخ فكذلك إذا رضيت به في العقد كسائر العيوب ولو أنها رضيت بالمقام معه ثم طلقها ثم ارتجعها لم يثبت لها المطالبة كذا ها هنا وقولهم إنها تكون في نكاح دون نكاح احتمال بعيد فإن العنة جبلة وخلقة لا تتغير ظاهرا ولذلك ثبت لها الفسخ بعد المدة فإن ادعى عليها العلم بعنته فأنكرته فالقول قولها مع يمينها لأن الأصل عدم العلم وإن أقرت أو ثبتت ببينة ثبت نكاحها وبطل خيارها مسألة قال ( وإن علمت أنه عنين بعد الدخول فسكتت عن المطالبة ثم طالبت بعد فلها ذلك ويؤجل سنة من يوم ترافعه ) لا نعلم في هذا اختلافا وذلك لأن سكوتها بعد العقد ليس بدليل على الرضى لأنه زمن لا تملك فيه الفسخ ولا الامتناع من استمتاعه فلم يكن سكوتها مسقطا لحقها كسكوتها بعد ضرب المدة وقبل انقضائها ولو سكتت بعد المدة لم يبطل خيارها أيضا لأن الخيار لا يثبت إلا بعد رفعه إلى الحاكم وثبوت عجزه فلا يضر السكوت قبله مسألة قال ( وإن قالت في وقت من الأوقات قد رضيت به عنينا لم يكن لها المطالبة بعد ) وجملة الأمر أنها متى رضيت به عنينا بطل خيارها سواء قالت عقيب العقد أو بعد ضرب المدة أو بعد انقضائها ولا نعلم في بطلان خيارها بقولها ذلك بعد انقضاء المدة خلافا فأما قبلها فإن الشافعي قال في الجديد لا يبطل خيارها لأن حقها في الفسخ إنما يثبت بعد انقضاء المدة فلم يصح إسقاطه قبلها كالشفيع يسقط حقه قبل البيع ولنا إنها رضيت بالعيب بعد العقد فسقط خيارها كسائر العيوب كما بعد انقضاء المدة وما ذكروه غير صحيح فإن العنة التي هي سبب الفسخ موجودة وإنما المدة ليعلم وجودها ويتحقق علمها فهي كالبينة في سائر العيوب ويفارق الشفعة فإن سببها البيع ولم يوجد بعد فإن قيل فلو رضيت المرأة بالإعسار ثم اختارت الفسخ ملكته ولو آلى منها فرضيت بالمقام معه ثم طالبت بالعنة كانلها ذلك قلنا الفرق بينهما أن النفقة يتجدد وجوبها كل يوم فإذا رضيت بإسقاط ما يجب لها في المستقبل لم يسقط لأنها أسقطته قبل وجوبه فأشبه إسقاط الشفعة قبل البيع بخلاف العيب ولأن الإعسار يعقبه اليسار فترضى بالمقام رجاء ذلك وكذلك المولى يجوز أن يكفر عن يمينه ويطأ فإذا لم يوجد ذلك ثبت لها الخيار فأما العنين إذا رضيته فقد رضيت بالعجز عن طريق الخلقة وهو معنى لا يزول في العادة فافترقا مسألة قال ( وإن اعترفت أنه قد وصل إليها مرة بطل أن يكون عنينا ) كثر أهل العلم على هذا يقولون متى وطىء امرأته ثم ادعت عجزه لم تسمع دعواها ولم تضرب له مدة منهم عطاء وطاوس والحسن ويحيى الأنصاري والزهري وعمرو بن دينار وقتادة وابن هاشم ومالك والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأصحاب الرأي وقال أبو ثور إن عجز عن وطئها أجل لها لأنه عجز عن وطئها فيثبت حقها كما لو جب بعد الوطء ولنا إنه قد تحققت قدرته على الوطء في النكاح وزوال عنته فلم تضرب له مدة كما لو لم يعجز ولأن حقوق الزوجية من استقرار المهر والعدة يثبت بوطء واحد وقد وجد وأما الجب فإنه يتحقق به العجز فافترقا
فصل والوطء الذي يخرج به عن العنة هو تغييب الحشفة في الفرج لأن الأحكام المتعلقة بالوطء تتعلق بتغييب الحشفة فكان وطأ صحيحا فإن كان الذكر مقطوع الحشفة ففيه وجهان أحدهما لا يخرج عن العنة إلا بتغييب جميع الباقي لأنه لا حد ها هنا يمكن اعتباره فاعتبر تغيب جميعه ولأنه المعنى الذي يتحقق به حصول حكم الوطء والثانى يعتبر تغييب قدر الحشفة ليكون ما يجزىء من المقطوع مثل ما يجزىء من الصحيح وللشافعي قولان كهذين فصل ولا يخرج عن العنة بالوطء في الدبر لأنه ليس بمحل للوطء فأشبه الوطء فيما دون الفرج ولذلك لا يتعلق به الإحلال للزوج الأول ولا الإحصان وإن وطئها في القبل حائضا أو نفساء أو محرمة أو صائمة خرج عن العنة وذكر القاضي أن قياس المذهب أن لا تخرج من العنة لنص أحمد على أنه لا يحصل به الإحصان والإباحة للزوج الأول ولأنه وطء محرم أشبه الوطء في الدبر ولنا إنه وطء في محل الوطء فخرج به عن العنة كما لو وطئها وهي مريضة يضرها الوطء ولأن العنة العجز عن الوطء ولا يبقى مع وجود الوطء فإن العجز ضد القدرة فلا يبقى مع وجود ضده وما ذكروه غير صحيح لأن تلك أحكام يجوز أن تبقى مع وجود سببها لمانع أو لفوات شرط والعنة في نفسها أمر حقيقي لا يتصور بقاؤه مع انتفائه فأما الوطء في الدبر فليس بوطء في محلة بخلاف مسألتنا وقد اختار ابن عقيل أنه تنتفي به العنة لأنه أصعب فمن قدر عليه فهو على غيره أقدر فصل وإن وطىء امرأة لم يخرج به العنة في حق غيرها واختار ابن عقيل أنه يخرج عن العنة في حق جميع النساء ولا تسمع دعواها عليه ومنها ولا من غيرها وهذا مقتضى قول أبي بكر وقول كل من قال إنه يختبر بتزويج امرأة أخرى ويحكى ذلك عن سمرة وعن عمر بن عبد العزيز وذلك لأن العنة خلقة وجبلة بتغيير النساء فإذا انتفت في حق امرأة لم تبق في حق غيرها ولنا إن حكم كل امرأة معتبر بنفسها ولذلك لو ثبتت عنته في حقهن فرضي بعضهن سقط حقها وحدها دون الباقيات ولأن الفسخ لدفع الضرر الحاصل بالعجز عن وطئها وهو ثابت في حقها لا يزول بوطء عيرها وقوله كيف يصح عجزه عن واحدة دون أخرى قلنا قد تنهض شهوته في حق إحداهما لفرط حبه إياه وميله إليها واختصاصها بجمال وجهها دون الأخرى فعلى هذا لو تزوج امرأة فأصابها ثم أبانها ثم تزوجها فعن عنها فلها المطالبة لأنه إذا جاز أن يعن عن امرأة دون أخرى ففي نكاح دون نكاح أولى وعلى قول أبي بكر ومن وافقه لا يصح هذا بل متى وطىء مرة لم تثبت عنته أبدا مسألة قال ( وإن جب قبل الحول فلها الخيار في وقتها ) كأن الخرقي أراد إذا ضربت له المدة فلم يصبها حتى جب ثبت لها الخيار في الحال لأننا ننتظر الحول لنعلم عجزه وقد علمناه ها هنا يقينا فلا حاجة إلى الانتظار قال القاضي ويلزم على هذا أن سائر العيوب الحادثة بعد العقد يثبت بها الخيار فإن الخيار ها هنا إنما يثبت بالجب الحادث ولولاه لم يثبت الفسخ لأننا لم نتيقن عنته والجب حادث فلما ثبت الفسخ به علم أنه إنما استحق بالعيب الحادث وفي بعض الفسخ قبل الدخول ومعناهما واحد ويحتمل أنه إنما استحق الفسه ها هنا بالجب الحادث لأنه متضمن مقصود العنة في العجوز عن الوطء ومحقق للمعنى الذي ادعته المرأة بخلاف غيره من العيوب والله أعلم مسألة قال ( وإن زعم أنه قد وصل إليها وادعت أنها عذراء أريت النساء الثقات فإن شهدن بما قالت أجل سنة )
وجملته أن المرأة إذا ادعت عنة زوجها فزعم أنه وطئها وقالت إنها عذراء أريت النساء فإن شهدن بعذرتها فالقول قولها ويؤجل وبهذا قال الثوري والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي وإنما كانت كذلك لأن الوطء يزيل عذرتها فوجودها يدل على عدم الوطء فإن ادعى أن عذرتها عادت بعد الوطء فالقول قولها لأن هذا بعيد جدا وإن كان متصورا وهل تستحلف المرأة يحتمل وجهين أحدهما تستحلف لإزالة هذا الاحتمال كما يستحلف سائر من قلنا القول قوله والآخر لا تستحلف لأن ما يبعد جدا لا التفات إليه لاحتمال كذب البينة العادلة وكذب المقر في إقراره وهل يقبل قول امرأة واحدة عل روايتين وهذا الذي ذكره الخرقي فيما إذا اختلفا في ابتداء الأمر قبل ضرب الأجل فإن اختلفا في ذلك بعد ضرب المدة وشهد النساء بعذرتها لم تنقطع المدة وإن كان بعد انقضاء المدة فحكمه كحكم من اعترف أنه لم يطأها وفي كل موضع شهد النساء بزوال عذرتها فالقول قوله فيسقط حكم قولها لأنه تبين كذبها وإن ادعت أن عذرتها زالت بسبب آخر فالقول قوله لأن الأصل عدم الأسباب مسألة قال ( وإن كانت ثيبا وادعى أنه يصل إليها أخلي معها في بيت وقيل له أخرج ماءك على شيء فإن ادعت أنه ليس بمني جعل على النار فإذا ذات فهو مني وبطل قولها وقد روي عن أبي عبدالله رحمه الله رواية أخرى أن القول قوله مع يمينه ) اختلفت الرواية عن أبي عبدالله رحمه الله في هذه المسألة فحكى الخرقي فيها روايتين إحداهما أنه يخلى معها ويقال أخرج ماءك على شيء فإن أخرجه فالقول قوله لأن العنين يضعف على الإنزال فإذا أنزل تبينا صدقه فنحكم به وهذا مذهب عطاء فإن ادعت أنه ليس بمني جعل على النار فإن ذاب فهو مني لأنه شبيه ببياض البيض وذاك إذا وضع على النار تجمع ويبس وهذا يذوب فيتميز بذلك أحدهما من الآخر فيختبر به وعلى هذا متى عجز عن إخراج مائه فالقول قول المرأة لأن الظاهر معها والرواية الثانية القول قول الرجل مع يمينه وبهذا قال الثوري والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي وابن المنذر لأن هذا مما يتعذر إقامة البينة عليه وجنبته أقوى فإن دعواه سلامة العقد وسلامة نفسه من العيوب والأصل السلامة فكان القول قوله كالمنكر في سائر الدعاوى وعليه اليمين على صحة ما قال وهذا قول من سمينا ها هنا لأن قوله محتمل للكذب فقوينا قوله بيمينه كما في سائر الدعاوى التي يستحلف فيها فإن نكل قضي عليه بنكوله ويدل على وجوب اليمين عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم ولكن اليمين على المدعى عليه قال القاضي ويتخرج أن لا يستحلف بناء على إنكاره دعوى الطلاق فإن فيها روايتين كذا ها هنا والصحيح ما قال الخرقي لدلالة الخبر والمعنى عليه وروي عن أحمد رواية ثالثة أن القول قول المرأة مع يمينها حكاها القاضي في المجرد لأن الأصل عدم الإصابة فكان القول قولها لأن قولها موافق للأصل واليقين معها وفي كل موضع حكمنا بوطئه بطل حكم عنته فإن كان في ابتداء الأمر لم تضرب له مدة وإن كان بعد ضرب المدة انقطعت وإن كان بعد انقضائها لم يثبت لها خيار وكل موضع حكمنا بعدم الوطء منه ثبت حكم عنته كما لو أقر بها واختار أبو بكر أنه يزوج امرأة لها حظ من الجمال وتعطى صداقها من بيت المال ويخلى معها وتسأل عنه ويؤخذ بما تقول فإن أخبرت أنه يطأ كذبت الأولى والثانية بالخيار بين الإقامة والفسخ وصداقها من بيت المال وإن كذبته فرق بينه وبينهما وصداق الثانية من ماله ها هنا لما روي أن امرأة جاءت إلى سمرة فشكت إليه أنه لا يصل إليها زوجها فكتب إلى معاوية فكتب إليه أن زوجه بامرأة ذات جمال يذكر عنها الصلاح وسق إليها المهر من بيت المال عنه فإن أصابها فقد كذبت وإن لم يصبها فقد صدقت ففعل ذلك سمرة فجاءت المرأة فقالت ليس عنده شيء ففرق بينهما
وقال الأوزاعي يشهده امرأتان ويترك بينهما ثوب ويجامع امرأته فإذا قام عنها نظرتا إلى فرجها فإن كان فيه رطوبة الماء فقد صدق وإلا فلا وحكي عن مالك مثل ذلك إلا أنه اكتفى بواحدة والصحيح أن القول قوله كما لو ادعى الوطء في الإيلاء ولما قدمنا واعتبار خروج الماء ضعيف لأنه قد يطأ ولا ينزل وقد ينزل من غير وطء فإن ضعف الذكر لا يمنع سلامة الظهر ونزول الماء وقد يعجز السليم القادر عن الوطء في بعض الأحوال وليس كل من عجز عن الوطء في حال من الأحوال أو وقت من الأوقات يكون عنينا ولذلك جعلنا مدته سنة وتزوجه بامرأة ثانية لا يصح لذلك أيضا ولأنه قد يعن عن امرأة دون أخرى ولأن نكاح الثانية إن كان مؤقتا أو غير لازم فهو نكاح باطل والوطء فيه حرام وإن كان صحيحا لازمه ففيه إضرار بالثانية ولا ينبغي أن يقبل قولها لأنها تزيد بذلك تخليص نفسها فهي متهمة فيه وليست بأحق أن يقبل قولها من الأولى ولأن الرجل لو أقرب بالعجز عن الوطء في يوم أو شهر لم تثبت عنته بذلك وأكثر ما في الذي ذكروه أن يثبت عجزه عن الوطء في اليوم الذي اختبروه فيه فإذا لم يثبت عنته بإقراره بعجزة فلأن لا تثبت بدعوى غير ذلك عليه أولى مسألة قال ( وإذا قال الخنثى المشكل أنا رجل لم يمنع من نكاح النساء ولم يكن له أن ينكح بغير ذلك بعد وكذلك لو سبق فقال أنا امرأة لم ينكح إلا رجلا ) والخنثى هو الذي في قبله فرجان ذكر رجل وفرج امرأة لا يخلو من أن يكون ذكرا أو أنثى قال الله تعالى وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى النجم 45 وقال تعالى وبث منهما رجالا كثيرا ونساء النساء 1 فليس ثم خلق ثالث ولا يخلو الخنثى من أن يكون مشكلا أو غير مشكل فإن لم يكن مشكلا بأن تظهر فيه علامات الرجال فهو رجل له أحكام الرجال أو تظهر فيه علامات النساء فهو امرأة له أحكامهن وإن كان مشكلا فلم تظهر فيه علامات الرجال ولا النساء فاختلف أصحابنا في نكاحه فذكر الخرقي أنه يرجع إلى قوله فإن ذكر أنه رجل وأنه يميل طبعه إلى نكاح النساء فله نكاحهن وإن ذكر أنه امرأة يميل طبعه إلى الرجال زوج رجلا لأنه معنى لا يتوصل إليه إلا من جهته وليس فيه إيجاب حق على غيره فقبل قوله ليه كما يقبل قول المرأة في حيضتها وعدتها وقد يعرف نفسه بميل طبعه إلى أحد الصنفين وشهوته له فإن الله تعالى أجرى العادة في الحيوانات بميل الذكر إلى الأنثى وميلها إليه وهذا الميل أمر في النفس والشهوة لا يطلع عليه غيره وقد تعذرت علينا معرفة علاماته الظاهرة فرجع فيه إلى الأمور الباطنة فيما يختص هو بحكمه وأما الميراث والدية فإن أقر على نفسه بما يقلل ميراثه أو ديته قبل منه وإن ادعى ما يزيد ذلك لم يقبل لأنه متهم فيه فلا يقبل قوله على غيره وما كان من عباداته وسترته وغير ذلك فينبغي أن يقبل قوله فيه لأنه حكم بينه وبين الله تعالى قال القاضي ويقبل وقله في الإمامة وولاية النكاح وما لا يثبت حقا على غيره وإذا زوج امرأة أو رجلا ثم عاد فقال خلاف قوله الأول لم يقبل في التزويج بغير الجنس الذي زوجه أولا لأنه مكذب لنفسه ومدع ما يوجب الجمع بين تزويج الرجال والنساء لكن إن تزوج امرأة ثم قال أنا امرأة انفسخ نكاحه لإقراره ببطلانه ولا يقبل قوله في سقوط المهر عنه وإن تزوج رجلا وقال أنا رجل لم يقبل في فسخ نكاحه لأن الحق عليه وهذا قول الشافعي وقال أبو بكر لا يجوز أن يتزوج حتى يبين أمره
وذكره نصا عن أحمد في رواية الميموني وهذا الذي ذكره أبو إسحاق مذهبا للشافعي وذلك لأنه لم يتحقق وجود ما يبيح له النكاح فلم يبح له كما لو اشتبهت عليه أخته بنسوة وكما لو لم يقل إني رجلا ولا امرأة ولأن قوله لا يرجع إليه في شيء من أحكامه من الميراث والدية وغيرهما في نكاحه ولأنه لا يعرف نفسه كما لا يعرفه غيره ولأنه قد اشتبه المباح بالمحظور في حقه فحرم كما ذكرناه مسألة قال ( وإذا أصاب الرجل أو أصيبت المرأة بعد الحرية والبلوغ بنكاح صحيح وليس واحد منهما بزائل العقل رجما إذا زنيا والمسلم والكافر الحران فيما وصفت سواء ) ذكر الخرقي رحمه الله في هذا الباب شرائط الإحصان ونحن نؤخره إلى الحدود فإنه أخص به والله أعلم كتاب الصداق الأصل في مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقوله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين النساء 24 وقال تعالى وآتوا النساء صدقاتهن نحلة النساء 4 قال أبو عبيد يعني عن طيب نفس بالفريضة التي فرض الله تعالى وقيل النحلة الهبة والصداق في معناها لأن كل واحد من الزوجين يستمتع بصاحبه وجعل الصداق للمرأة فكأنه عطية بغير عوض وقيل نحلة من الله تعالى للنساء وقال تعالى فآتوهن أجورهن فريضة النساء 24 وأما السنة فروى أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى على عبد الرحمن بن عوف ردع زعفران فقال النبي صلى الله عليه وسلم مهيم فقال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجت امرأة فقال ما أصدقتها قال وزن نواة من ذهب فقال بارك الله لك أولم ولو بشاة وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتق صفية وجعل عتقها صداقها متفق عليهما وأجمع المسلمون على مشروعية الصداق في النكاح فصل وللصداق تسعة أسماء الصداق والصدقة والمهر والنحلة والفريضة والأجر والعلائق والعقر والحباء روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أدوا العلائق قيل يا رسول الله وما العلائق قال ما يتراضى به الأهلون وقال عمر لها عقر نسائها وقال مهلهل أنكحها فقدها الأراقم في جنب وكان الحباء من أدم لو بأبانين جاء يخطبها خضب ماء وجه خاطب بدم ويقال أصدقت المرأة ومهرتها ولا يقال أمهرتها فصل ويستحب أن لا يعرى النكاح عن تسمية الصداق لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزوج بناته وغيرهن ويتزوج فلم يكن يخلي ذلك من صداق وقال للذي زوجه الموهوبة هل من شيء تصدقها فالتمس ولم يجد قال التمس ولو خاتما من حديد فلم يجد شيئا فزوجه إياها بما معه من القرآن ولأنه أقطع للنزاع وللخلاف فيه وليس ذكره شرطا بدليل قوله تعالى لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة البقرة 236 وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوج رجل امرأة ولم يسم لها مهرا مسألة قال ( وإذا كانت المرأة بالغة رشيدة أو صغيرة عقد عليها أبوها فأي صداق اتفقوا عليه فهو جائز إذا كان شيئا له نصف يحصل ) في هذه المسألة ثلاثة فصول أحدها أن الصداق غير مقدر لا أقله ولا أكثر بل كل ما كان مالا جاز أن يكون صداقا وبهذا قال الحسن وعطاء وعمرو بن دينار وابن أبي ليلى والثوري والأوزاعي والليث والشافعي وإسحاق وأبو ثور وداود وزوج سعيد بن المسيب ابنته بدرهمين وقال لو أصدقها سوطا لحلت وعن سعيد بن جبير والنخعي وابن شبرمة ومالك وأبي حنيفة هو مقدر الأقل ثم اختلفوا فقال مالك وأبو حنيفة أقله ما يقطع به السارق وقال ابن شبرمة خمسة دراهم وعن النخعي أربعون درهما وعنه عشرون وعنه رطل من الذهب وعن سعيد بن جبير خمسون درهما واحتج أبو حنيفة بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا مهر أقل من عشرة دراهم ولأنه يستباح به عضو فكان مقدرا كالذي يقطع به السارق ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم للذي زوجه هل عندك من شيء تصدقها قال لا أجد
قال التمس ولو خاتما من جديد متفق عليه وعن عامر بن ربيعة أن امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضيت من نفسك ومالك بنعلين قالت نعم فأجازه أخرجه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح وعن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لو أن رجلا أعطى امرأة صداقا ملء يده طعاما كانت له حلالا رواه الإمام أحمد في المسند وفي لفظ عن جابر قال كنا ننكح على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على القبضة من الطعام رواه الأثرم ولأن قول الله عز وجل وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم النساء 24 يدخل فيه القليل والكثير ولأنه يدل منفعتها فجاز ما تراضيا عليه من المال كالعشرة وكالأجرة وحديثهم غير صحيح رواه ميسرة بن عبيد وهو ضعيف عن الحجاج بن أرطأة وهو مدلس ورووه عن جابر وقد روينا عنه خلافه أو نحمله على مهر امرأة بعينها أو على الاستحباب وقياسهم لا يصح فإن النكاح استباحة الانتفاع بالجملة والقطع إتلاف عضو دون استباحته وهو عقوبة وحد وهذا عوض فقياس على الأعواض أولى وما أكثر الصداق فلا توقيت فيه بإجماع أهل العلم قاله ابن عبد البر وقد قال الله عز وجل وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا النساء 20 وروى أبو حفص بإسناده أن عمر أصدق أم كلثوم ابنة علي أربعين ألفا وعن عمر رضي الله عنه أنه قال خرجت وأنا أريد أن أنهى عن كثرة الصداق فذكرت هذه الآية وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا النساء 20 وقال أبو صالح القنطار مائة رطل وقال أبو سعيد الخدري ملء مسك ثور ذهبا وعن مجاهد سبعون ألف مثقال فصل ويستحب أن لا يغلى الصداق لما روي عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أعظم النساء بركة أيسرهن مؤنة رواه أبو حفص بإسناده وعن أبي العجفاء قال قال عمر رضي الله عنه ألا لا تغلوا صداق النساء فإنه لو كان مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية وإن الرجل ليغلي بصدقة امرأته حتى يكون لها عداوة في قلبه وحتى يقول كلفت لكم علق القربة أخرجه النسائي وأبو داود مختصرا وعن أبي سلمة قال سألت عائشة عن صداق النبي صلى الله عليه وسلم فقالت اثنتا عشرة أوقية ونش فقلت وما نش قالت نصف أوقية أخرجاه أيضا والأوقية أربعون درهما فلا تستحب الزيادة على هذا لأنه إذا ذكر ربما تعذر عليه فيتعرض للضر في الدنيا والآخرة فصل وكل ما جاز ثمنا في البيع أو أجرة في الإجارة من العين والدين والحال والمؤجل والقليل والكثير ومنافع الحر والعبد وغيرهما جاز أن يكون صداقا وقد روى الدارقطني بإسناده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنكحوا الأيامي وأدوا العلائق قيل ما العلائق يا رسول الله قال ما تراضى عليه الأهلون ولو قضيبا من أراك ورواه الجوزجاني وبهذا قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة منافع الحر لا تكون صداقا لأنها ليست مالا وإنما قال الله تعالى أن تبتغوا بأموالكم النساء 24 ولنا قول الله تعالى إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج القصص 27 والحديث الذي ذكرناه ولأنها منفعة يجوز العوض عنها في الإجارة فجازت صداقا كمنفعة العبد وقولهم ليست مالا ممنوع فإنها تجوز المعاوضة عنها وبها ثم إن لم تكن مالا فقد أجريت مجرى المال في هذا فكذلك في النكاح وقد نقل مهنا عن أحمد إذا تزوجها على أن يخدمها سنة أو أكثر كيف يكون هذا قيل له فامرأة لها ضياع وأرضون لا تقدر على أن تعمرها قال لا يصلح هذا قال أبو بكر إن كانت الخدمة معلومة جاز وإن كانت مجهولة لا تضبط فلها صداق مثلها
كأنه تأول مسألة مهنا على أن الخدمة مجهولة فلذلك لم يصح ونقل أبو طالب عن أحمد التزويج على بناء الدار وخياطة الثوب وعمل شيء جائز لأنه معلوم يجوز أخذ العوض عنه فجاز أن يكون صداقا كالأعيان ولو تزوجها على أن يأتيها بعبدها الآبق من مكان معين صح لأنه عمل معلوم يجوز أخذ الأجرة عنه وإن أصدقها الإتيان به أين كان لم يصح لأنه مجهول فصل ولو نكحها على أن يحج بها لم تصح التسمية وبهذا قال الشافعي وقال النخعي ومالك والثوري والأوزاعي وأصحاب الرأي وأبو عبيد يصح ولنا إن الحملان مجهول لا يوقف له على حد فلم يصح كما لو أصدقها شيئا فعلى هذا لها مهر المثل وكذلك كل موضع قلنا لا تصح التسمية فصل وإن أصدقها خياطة ثوب بعينه فهلك الثوب لم تفسد التسمية ولم يجب مهر المثل لأن تعذر تسليم ما أصدقها بعينه لا يوجب مهر المثل كما لو أصدقها قفيز حنطة فهلك قبل تسليمه ويجب عليه أجر مثل خياطته لأن المعقود على العمل فيه تلف فوجب الرجوع إلى عوض العمل كما لو أصدقها تعليم عبدها صناعة فمات قبل التعليم وإن عجز عن خياطته مع بقاء الثوب لمرض أو نحوه فعليه أن يقيم مقامه من يخيطه وإن طلقها قبل خياطته قبل الدخول فعليه خياطة نصفه وإن أمكن معرفة نصفه وإن لم يمكن فعليه نصف أجر خياطته إلا أن يبذل خياطة أكثر من نصفه بحيث يعلم أنه قد خاط النصف يقينا وإن كان الطلاق بعد خياطته رجع عليها بنصف أجره فصل وإن أصدقها تعليم صناعة أو تعليم عبدها صناعة صح لأنه منفعة معلومات يجوز بذل العوض عنها فجاز جعلها صداقا كخياطة ثوبها وإن أصدقها تعليمه أو تعليمها شعرا مباحا معينا أو فقها أو لغة أو نحوا أو غير ذلك من العلوم الشرعية التي يجوز أخذ الأجرة على تعليمها جاز وصحت التسمية لأنه يجوز أخذ الأجرة عليه فجاز صداقا كمنافع الدار فصل فأما تعليم القرآن فاختلفت الرواية عن أحمد في جعله صداقا فقال في موضع أكرهه وقال في موضع لا بأس أن يتزوج المرأة على أن يعلمها سورة من القرآن أو على نعلين وهذا مذهب الشافعي قال أبو بكر في المسألة قولان يعني روايتين قال واختياري أنه لا يجوز وهو مذهب مالك والليث وأبي حنيفة ومكحول وإسحاق واحتج من أجازه بما روى سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءته امرأة فقالت إني وهبت نفسي لك فقامت طويلا فقال رجل يا رسول الله زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة فقال هل عندك من شيء تصدقها فقال ما عندي إة إزاري فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إزارك إن أعطيتها جلست ولا إزار لك فالتمس شيئا قال لا أجد قال التمس ولو خاتما من حديد فالتمس فلم يجد شيئا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجتكها بما معك من القرآن متفق عليه ولأنها منفعة معينة مباحة فجاز جعلها صداقا كتعليم قصيدة من الشعر المباح ووجه الرواية الأخرى أن الفروج لا تستباح إلا بالأموال لقوله تعالى أن تبتغوا بأموالكم النساء 24 وقوله تعالى ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات النساء 25 والطول المال وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوج رجلا على سورة من القرآن ثم قال لا تكون لأحد بعدك مهرا رواه النجاد بإسناده ولأن تعليم القرآن لا يجوز أن يقع إلا قربة لفاعله فلم يصح أن يكون صداقا كالصوم والصلاة وتعليم الإيمان ولأن التعليم من المعلم والمتعلم مختلف ولا يكاد ينضبط فأشبه الشيء المجهول فأما حديث الموهوبة فقد قيل معناه أنكحها بما معك من القرآن أي زوجتكها لأنك من أهل القرآن كما زوج أبا طلحة على إسلامه
روى ابن عبد البر بإسناده عن أنس أن أبا طلحة أتى أم سليم يخطبها قبل أن يسلم فقالت أتزوج بك وأنت تعبد خشبة نحتها عبد بني فلان إن أسلمت تزوجت بك قال فأسلم أبو طلحة فتزوجها على إسلامه وليس في الحديث الصحيح ذكر التعليم ويحتمل أن يكون خاصا لذلك الرجل بدليل ما رواه النجاد ولا تفريع على هذه الرواية فأما على الأخرى فلا بد من تعيين ما يعلمها إياه إما سورة معينة أو سورا أو آيات بعينها لأن السور تختلف وكذلك الآيات وهل تحتاج إلى تعيين قراءة مرتبة فيه وجهان أحدهما يحتاج إلى ذلك لأن الأغراض تختلف والقراءات تختلف فمنها صعب كقراءة حمزة وسهل فأشبه تعيين الآيات والثاني لا يفتقر إلى التعيين لأن هذا اختلاف يسير وكل حرف ينوب مناب صاحبه ويقوم مقامه ولذلك لم يعين النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة قراءة وقد كانوا يختلفون في القراءة أشد من اختلاف القراء اليوم فأشبه ما لو أصدقها قفيزا من صبرة وللشافعي في هذا وجهان كهذين فصل فإن أصدقها تعليم سورة لا يحسنها نظرت فإن قال أحصل لك تعليم هذه السورة صح لأن هذه منفعة في ذمته لا تختص به فجاز أن يستأجر عليها من لا يحسنها كالخياطة إذا استأجر من يحصلها له وإن قال على أن أعلمك فذكر القاضي في الجامع أنه لا يصح لأنه تعين بفعله وهو لا يقدر عليه فأشبه ما لو استأجر من لا يحسن الخياطة ليخيط له وذكر في المجرد أنه يحتمل الصحة لأن هذه تكون في ذمته فأشبه ما لو أصدقها مالا في ذمته لا يقدر عليه في الحال فصل فإن جاءته بغيرها فقالت علمه السورة التي تريد تعليمي إياها لم يلزمه لأن المستحق عليه العمل في عين فلم يلزمه إيقاعه في غيره كما لو استأجرته لخياطة ثوبها فأتته بغيره فقالت خط هذا ولأن المتعلمين يختلفون في التعليم اختلافا كثيرا ولأن له عرضا في تعليمها فلا يجبر على تعليم غيرها وإن أتاها بغيره يعلمها لم يلزمها قبول ذلك لأن المعلمين يختلفون في التعليم ولأن لها غرضا في التعليم منه لكونه زوجها تحل له ويحل لها ولأنه لما يلزمه تعليم غيرها لم يلزمها التعليم من غيره قياسا لأحدهما على الآخر فصل فإن تعلمتها من غيره أو تعذر عليه تعليمها فعليه أجر تعليمها فإن اختلفا فقال علمتكيها فأنكرت فالقول قولها لأن الأصل عدم تعليمها وفيه وجه آخر إنهما إن اختلفا بعد أن تعلمتها فالقول قوله لأن الظاهر معه وإن علمها السورة ثم أنسيتها فلا شيء عليه لأنه قد وفى لها بما شرط وإنما تلف الصداق بعد القبض وإن لقنها الجميع وكلما لقنها آية أنسيتها لم يعتد بذلك تعليما لأن ذلك لا يعد تعليما ولو جاز ذلك لأفضى إلى أنه متى قرأها فقرأتها بلسانها من غير حفظ كان تلقينا ويحتمل أن يكون ذلك تلقينا لأنه قد لقنها الآية وحفظتها فأما ما دون الآية فليس بتلقين وجها واحدا فصل فإن طلقها قبل الدخول بعد تعليمها السورة رجع عليها بنصف أجر تعليمها لأن الطلاق قبل الدخول يوجب الرجوع بنصف الصداق وإن لم يكن علمها ففيه وجهان أحدهما عليه نصف أجر تعليمها لأنها قد صارت أجنبية فلا يؤمن في تعليمها الفتنة والثاني يباح له تعليمها من وراء حجاب من غير خلوة بها كما يجوز له سماع كلامها في المعاملات وإن كان الطلاق بعد الدخول ففي تعليمها السورة الوجهات وإن أصدقها رد عبدها من مكان معين فطلقها قبل الدخول وقبل الرد فعليه نصف أجر الرد لأنه لا يمكنه نصف الرد وإن طلقها بعد الرد رجع عليها بنصف أجره فصل ولو أصدق الكتابية تعليم سورة من القرآن لم يجز ولها مهر المثل وقال الشافعي يصح لقول الله تعالى حتى يسمع كلام الله التوبة 6
ولنا إن الجنب يمنع قراءة القرآن مع إيمانه واعتقاده أنه حق فالكافر أولى وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله أيديهم فالتحفيظ أولى أن يمنع منه فأما الآية التي احتجوا بها فلا حجة لهم فيها فإن السماع غير الحفظ وإن أصدقها أو أصدق المسلمة تعليم شيء من التوراة والإنجيل لم يصح في المذهبين لأنه مبدل مغير ولو أصدق الكتابي الكتابية شيئا من ذلك كان كما لو أصدقها محرما الفصل الثاني أن الصداق ما اتفقوا عليه ورضوا به لقول الله تعالى ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة النساء 24 وقال النبي صلى الله عليه وسلم العلائق ما تراضى عليه الأهلون ولأنه عقد معاوضة فيعتبر رضا المتعاقدين كسائر عقود المعاوضات فإن كان الولي الأب فمهما اتفق هو الزوج عليه جاز أن يكون صداقا قليلا كان أو كثيرا بكرا كانت أو ثيبا صغيرة كانت أو كبيرة على ما أسلفنا فيما مضى ولذلك زوج شعيب عليه السلام موسى عليه السلام ابنته وجعلا الصداق إجارة ثماني حجج من غير مراجعة الزوجة وإن كان الولي غير الأب اعتبر رضا المرأة والزوج لأن الصداق لها وهو عوض منفعتها فأشبه أجر دارها وصداق أمتها فإن لم يستأذنها الولي في الصداق فحكمه حكم الوكيل المطلق في البيع إن جعل الصداق مهر المثل فما زاد صح ولزم وإن نقص عنه فلها مهر المثل الفصل الثالث أن الصداق لا يكون إلا مالا لقول الله تعالى أن تبتغوا بأموالكم النساء 24 ويشترط أن يكون له نصف يتمول عادة بحيث إذا طلقها قبل الدخول بقي لها من النصف مال حلال وهذا معنى قول الخرقي له نصف يحصل وما لا يجوز أن يكون ثمنا في البيع كالمحرم والمعدوم والمجهول وما لا منفعة فيه وما لا يتم ملكه عليه كالمبيع من المكيل والموزون قبل قبضه وما لا يقدر على تسليمه كالطير في الهواء والسمك في الماء وما لا يتعول عادة كحبة حنطة وقشرة جوزة لا يجوز أن يكون صداقا لأنه نقل للملك فيه بعوض فلم يجز فيه ما ذكرناه كالمبيع ويعتبر أن يكون نصفه مما يتمول عادة ويبذل العوض في مثله عرفا لأن الطلاق يعرض فيه قبل الدخول فلا يبقى للمرأة إلا نصفه فيجب أن يكون لها مال تنتفع به ويعتبر نصف القيمة لا نصف عين الصداق فإنه لو أصدقها عبدا جاز وإن لم تمكن قسمته مسألة قال ( وإذا أصدقها عبدا بعينه فوجدت به عيبا فردته فلها عليه قيمته ) وجملة ذلك أن الصداق إذا كان معينا فوجدت به عيبا فلها رده كالمبيع المعيب ولا نعلم في هذا خلافا إذا كان العيب كثيرا فإن كان يسيرا فحكي عن أبي حنيفة أنه لا يرد به ولنا إنه عيب يرد به المبيع فرد به الصداق كالكثير وإذا رد به فلها قيمته لأن العقد لا ينفسخ برده فيبقى سبب استحقاقه فيجب عليه قيمته كما لو غصبها إياه فأتلفه وإن كان الصداق مثليا كالمكيل والموزون فردته فلها عليه مثله لأنه أقرب إليه وإن اختارت إمساك المعيب وأخذ أرشه فلها ذلك في قياس المذهب وإن حدث به عيب عندها ثم وجدت به عيبا فخيرت بين أخذ أرشه وبين رده ورد أرش عيبه لأنه عوض في عقد معاوضة فيثبت فيه ذلك كالمبيع وسائر فروع الرد بالعيب فيثبت فيها ها هنا مثل ما يثبت في البيع لما ذكرنا
فصل وإن شرطت في الصداق صفة مقصودة كالكتابة والصناعة فبان بخلافها فلها الرد كما ترد به في البيع وهكذا إن دلسه تدليسا يرد به المبيع مثل تحمير وجه الجارية وتسويد شعرها وتجعيده وتضمير الماء على الحجر وأشباه ذلك فلها الرد به وإن وجدت الشاة مصراة فلها ردها ورد صاع من تمر قياسا على البيع وقد نقل مهنا عن أحمد فيمن تزوج امرأة على ألف ذراع فإذا هي تسعمائة هي بالخيار إن شاءت أخذت الدار وإن شاءت أخذت قيمة ألف ذراع والنكاح جائز وهذا فيما إذا أصدقها دارا بعينها على أنها ألف ذراع فخرجت تسعمائة فهذا كالعيب في ثبوت الرد لأنه شرط شرطا مقصودا فبان بخلافه فأشبه ما لو شرط العبد كاتبا فبان بخلافه وجوز أحمد الإمساك لأن المرأة رضيت بها ناقصة ولم يجعل لها مع الإمساك أرشا لأن ذلك ليس بعيب ويحتمل أن لها الرجوع بقيمة نقصها أو ردها وأخذ قيمتها مسألة قال ( وكذلك إذا تزوجها على عبد فخرج حرا أو استحق سواء سلمه إليها أو لم يسلمه ) وجملة ذلك أنه إذا تزوجها على عبد بعينه تظنه عبدا مملوكا فخرج حرا أو مغصوبا فلها قيمته وبهذا قال أبو يوسف والشافعي في قديم قوليه وقال في الجديد لها مهر المثل وقال أبو حنيفة ومحمد في المغصوب كقولنا وفي الحر كقوله لأن العقد تعلق بعين الحر بإشارته إليه فأشبه ما لو علماه حرا ولنا إن العقد وقع على التسمية فكانت لها قيمته كالمغصوب ولأنها رضيت بقيمته إذ ظنته مملوكا فكان لها قيمته كما لو وجدته معيبا فردته بخلاف ما إذا قال أصدقتك هذا الحر أو هذا المغصوب فإنها رضيت بلا شيء لرضاها بما تعلم أنه ليس بمال أو بما لا يقدر على تمليكه إياها فكان وجود التسمية كعدمها فكان لها مهر المثل وقول الخرقي سواء سلمه إليها أو لم يسلمه يعني أن تسليمه لا يفيد شيئا لأنه سلم ما لا يجوز تسليمه ولا تثبت اليد عليه فكان وجوده كعدمه فصل فإن أصدقها مثليا فبان مغصوبا فلها مثله لأن المثل أقرب إليه ولهذا يضمن به في الإتلاف وإن أصدقها جرة خل فخرجت خمرا أو مغصوبة فلها مثل ذلك خلا لأن الخل من ذوات الأمثال وهذا مذهب أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي وقال القاضي لها قيمته لأن الخمر ليس بمال ولا من ذوات الأمثال والصحيح ما قلناه لأنه سماه خلا فرضيت به على ذلك فكان لها بدل المسمى كالحر وما ذكره يبطل بما إذا أصدقها عبدا فبان حرا ولأنه إن أوجب قيمة الخمر فالخمر لا قيمة له وإن أوجب قيمة الخل فقد اعتبر التسمية في إيجاب قيمته ففيه إيجاب مثله أولى فصل فإن قال أصدقتك هذا الخمر وأشار إلى الخل أو عبد فلان هذا وأشار إلى عبده صحت التسمية ولها المشار إليه لأن المعقود عليه يصح العقد عليه فلا يختلف حكمه باختلاف صفته كما لو قال بعتك هذا الأسود وأشار إلى أبيض أو هذا الطويل وأشار إلى قصير فصل وإن تزوجها على عبدين فخرج أحدهما حرا أو مغصوبا صح الصداق في تملكه ولها قيمة الآخر نص عليه أحمد وإن كان عبدا واحدا فخرج نصفه حرا أو مغصوبا فلها الخيار بين رده وأخذ قيمته وبين إمساك نصفه وأخذ قيمة باقيه نص عليه أحمد لأن الشركة عيب فكان لها الفسخ كما لو وجدته معيبا فإن قيل فلم لا تقولون ببطلان التسمية في الجميع وترجع بالقيمة كلها في المسألتين كما في تفريق الصفقة قلنا إن القيمة بدل إنما يصار إليها عند العجز عن الأصل وها هنا العبد المملوك مقدور عليه ولا عيب فيه وهو مسمى في العقد فلا يجوز الرجوع إلى بدله أما تفريق الصفقة فإنه إذا بطل العقد في الجميع صرنا إلى الثمن وليس هو بدلا عن المبيع وإنما انفسخ العقد فرجع في رأس ماله وها هنا لا ينفسخ العقد وإنما رجع إلى قيمة الحر منهما لتعذر تسليمه فلا وجه لإيجاب قيمته وأما إذا كان نصفه حرا ففيه عيب فجاز رده يعيبه
وقال أبو حنيفة إذا أصدقها عبدين فإذا أحدهما حر فلها العبد وحده صداقا ولا شيء لها سواء ولنا إنه أصدقها حرا فلم تسقط تسميته إلى غير شيء كما لو كان منفردا ( آخر الجزء الرابع من ربع النكاح من أجزاء الشيخ رحمه الله ) مسألة قال ( وإذا تزوجها على أن يشتري لها عبدا بعينه فلم يبع أو طلب فيه أكثر من قيمته أو لم يقدر عليه فلها قيمته ) نص أحمد على هذا في رواية الأثرم وقال الشافعي لا تصح التسمية ولها مهر المثل لأنه جعل ملك غيره عوضا فلم يصح كالبيع ولنا إنه أصدقها تحصيل عبد معين فصح كما لو تزوجها على رد عبدها الآبق من مكان معلوم ولا نسلم أنه جعل ملك غيره عوضا وإنما العوض تحصيله وتمليكها إياه إذا ثبت هذا فإنه إذا قدر عليه بثمن مثله لزمه تحصيله ودفعه إليها وإن جاءها بقيمته لم يلزمها قبوله لأنه قدر على دفع صداقها إليها فلزمه كما لو أصدقها عبدا يملكه وإن لم يبعه سيده أو تعذر عليه الوصول إليه لتلفه أو غير ذلك أو طلب فيه أكثر من قيمته فلها قيمته لأنه تعذر الوصول إلى قبض المسمى المتقوم فوجبت قيمته كما لو تلف وإن كان الذي جعل لها مثليا فتعذر شراؤه وجب لها مثله لأن المثل أقرب إليه فصل وإن تزوجها على عبد موصوف في الذمة صح لأنه يصح أن يكون عوضا في البيع فإن جاءها بقيمته لم يلزمها قبولها وبهذا قال الشافعي واختاره أبو الخطاب وقال القاضي يلزمها قبولها قياسا على الإبل في الدية ولنا إنها استحقت عليه عبدا بعقد معاوضة فلم يلزمها أخذ قيمته كالمسلم فيه ولأنه عبد وجب صداقا فأشبه ما لو كان معيبا وأما الدية فلا يلزم أخذ قيمة الإبل وإنما الأثمان أصل في الدية كما أن الإبل أصل فيتخير بين دفع أي الأصول شاء فيلزم الولي قبوله لا على طريق القيمة بخلاف مسألتنا ولأن الدية خارجة عن القياس فلا يناقض بها ولا يقاس عليها ثم قياس العوض على سائر الأعواض أولى من قياسه على غير عقود المعاوضات ثم ينتقض بالعبد المعين فصل وإن تزوجها على أن يعتق أباها صح نص عليه أحمد فإن طلب به أكثر من قيمته أو لم يقدر عليه فلها قيمته وهذا قول الشعبي ووجهه ما تقدم فإن جاءها بقيمته مع إمكان شرائه لم يلزمها قبولها لما ذكرنا ولأنه يفوت عليها العوض في عتق أبيها فصل ولا يصح الصداق إلا معلوما يصح بمثله البيع وهذا اختيار أبي بكر ومذهب الشافعي وقال القاضي يصح مجهولا ما لم تزد جهالته على مهر المثل لأن جعفر بن محمد نقل عن أحمد في رجل تزوج امرأة على ألف درهم وخادم فطلقها قبل أن يدخل بها يقوم الخادم وسطا على قدر ما يخدم مثلها ونحو هذا قول أبي حنيفة فعلى هذا إذا تزوجها على عبد أو أمة أو فرس أو بعل أو حيوان من جنس معلوم أو ثوب هروي أو مروي وما أشبهه مما يذكر جنسه فإنه يصح ولها الوسط وكذلك قفيز حنطة وعشرة أرطال زيت وإن كانت الجهالة تزيد على جهالة المهر كثوب أو دابة أو حيوان أو على حكمها أو حكمه أو حكم أجنبي أو على حنطة أو شعير أو زيت أو على ما اكتسبه في العام لم يصح لأنه لا سبيل إلى معرفة الوسط فيتعذر تسليمه وفي الأول يصح لقول النبي صلى الله عليه وسلم العلائق ما تراضى عليه الأهلون وهذا قد تراضوا عليه ولأنه موضع يثبت فيه الحيوان في الذمة بدلا عما ليس المقصود فيه المال فثبت مطلقا كالدية ولأن جهالة التسمية ها هنا أقل من جهالة مهر المثل لأنه يعتبر بنسائها ممن يساويها في صفاتها وبلدها وزمانها ونسبها ثم لو تزوجها على مهر مثلها صح فها هنا مع قلة الجهل فيه أولى ويفارق البيع فإنه لا تحتمل فيه الجهالة بحال
وقال مالك يصح مجهولا لأن ذلك ليس بأكثر من ترك ذكره وقال أبو الخطاب إن تزوجها على عبد من عبيده أو قميض من قمصانه أو عمامة من عمائه ونحو ذلك صح لأن أحمد قال في رواية مهنا فيمن تزوج على عبد من عبيده جائز فإن كانوا عشرة عبيد تعطى من أوسطهم فإن تشاحا أقرغ بينهم قلت وتستقيم القرعة في هذا قال نعم ووجهه أن الجهالة ها هنا يسيرة ويمكن التعيين بالقرعة بخلاف ما إذا أصدقها عبدا مطلقا فإن الجهالة تكثر فلا يصح ولنا إن الصداق عوض في عقد معاوضه فلم يصح مجهولا كعوض البيع والإجارة ولأن المجهول لا يصلح عوضا في البيع فلم تصح تسميته كالمحرم وكذا لو زادت جهالته على مهر المثل وأما الخبر فالمراد به ما تراضوا عليه مما يصلح عوضا بدليل سائر ما لا يصلح وأما الدية فإنها تثبت بالشرع لا بالعقد وهي خارجة عن القياس في تقديرها ومن وجبت عليه فلا ينبغي أن تجعل أصلا ثم إن الحيوان الثابت فيها موصوف بسنه مقدر بقيمته فكيف يقاس عليه العبد المطلق في الأمرين ثم ليست عقدا وإنما الواجب بدل متلف لا يعتبر فيه التراضي فهو كقيم المتلفات فكيف يقاس عليها عوض في عقد يعتبر تراضيهما به ثم إن قياس العوض في عقد معاوضة على عوض في معاوضة أخرى أصح وأولى من قياسه على بدل متلف وأما مهر المثل فإنما يجب عند عدم التسمية الصحيحة كما تجب قيم المتلفات وإن كانت تحتاج إلى نظر ألا ترى أنا نصير إلى مهر المثل عند التسمية ولا نصير إلى عبد مطلق ولو باع ثوبا بعبد مطلق فأتلفه المشتري فإنا نصير إلى تقويمه ولا توجب العبد المطلق ثم لا نسلم أن جهالة المطلق من الجنس الواحد دون جهالة مهر المثل فإن العادة في القبائل والقرى أن يكون لنسائهم مهر لا يكاد يختلف إلا بالبكارة والثيوبة فحسب فيكون إذا معلوما والوسط من الجنس يبعد الوقوف عليه لكثرة أنواع الجنس واختلافها واختلاف الأعيان في النوع الواحد وأما تخصيص التصحيح بعبد من عبيده فلا نظير له يقاس عليه ولا نعلم فيه نصا يصار إليه فكيف يثبت الحكم فيه بالتحكم وأما نصوص أحمد على الصحة فتأولها أبو بكر على أنه تزوجها على عبد معين ثم أشكل عليه إذا ثبت هذا فإن لها مهر المثل في كل موضع حكمنا بفساد التسمية ومن قال بصحتها أوجب الوسط من المسمى والوسط من العبيد السندي لأن الأعلى التركي والرومي والأسفل الزنجي والوسط السندي والمنصوري قال القاضي وإن أعطاها قيمة العبد لزمها قبولها إلحاقا بالإبل في الدية فصل ويجوز أن يكون الصداق معجلا ومؤجلا وبعضه معجلا وبعضه مؤجلا لأنه عوض في معاوضة فجاز ذلك فيه كالثمن ثم إن أطلق ذكره اقتضى الحلول كما لو أطلق ذكر الثمن وإن شرطه مؤجلا إلى وقت فهو إلى أجله وإن أجله ولم يذكر أجله فقال القاضي المهر صحيح ومحله الفرقة فإن أحمد قال إذا تزوج على العاجل والآجل لا يحل الآجل إلا بموت أو فرقة وهذا قول النخعي والشعبي وقال الحسن وحماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة والثوري وأبو عبيد يبطل الأجل ويكون حالا وقال إياس بن معاوية وقتادة لا يحل حتى يطلق أو يخرج من مصرها أو يتزوج عليها وعن مكحول والأوزاعي والعنبري يحل إلى سنة بعد دخوله بها واختار أبو الخطاب أن المهر فاسد ولها مهر المثل وهو قول الشافعي لأنه عوض مجهول المحل ففسد كالثمن في البيع ووجه القول الأول أن المطلق يحمل على العرف والعادة في الصداق الآجل ترك المطالبة به إلى حين الفرقة فحمل عليه فيصير حينئذ معلوما بذلك فأما إن جعل الآجل مدة مجهولة كقدوم زيد ومجيء المطر ونحوه لم يصح لأنه مجهول وإنما صح المطلق لأن أجله الفرقة بحكم العادة ها هنا صرفه عن العادة بذكر الأجل ولم يبينه فبقي مجهولا فيحتمل أن تبطل التسمية ويحتمل أن يبطل التأجيل ويحل
مسألة قال ( وإذا تزوجها على محرم وهما مسلمان ثبت النكاح وكان لها مهر المثل أو نصفه إن كان طلقها قبل الدخول ) في هذه المسألة ثلاث مسائل المسألة الأولى أنه إذا سمى في النكاح صداقا محرما كالخمر والخنزير فالتسمية فاسدة والنكاح صحيح نص عليه أحمد وبه قال عامة الفقهاء منهم الثوري والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وحكي عن أبي عبيد أن النكاح فاسد واختاره أبو بكر عبد العزيز قال لأن أحمد قال في رواية المروذي إذا تزوج على مال غير طيب فكرهه فقلت ترى استقبال النكاح فأعجبه وحكي عن مالك أنه إن كان بعد الدخول ثبت النكاح وإن كان قبله فسخ واحتج من أفسده بأنه نكاح جعل الصداق فيه محرما فأشبه نكاح الشغار ولنا إنه نكاح لو كان عوضه صحيحا كان صحيحا فوجب أن يكون صحيحا وإن كان عوضه فاسدا كما لو كان مغصوبا أو مجهولا ولأنه عقد لا يفسد بجهالة العوض فلا يفسد بتحريمه كالخلع ولأن فساد العوض لا يزيد على عدمه ولو عدم كان العقد صحيحا فكذلك إذا فسد وكلام أحمد في رواية المروذي محمول على الاستحباب فإن مسألة المروذي في المال الذي ليس بطيب وذلك لا يفسد العقد بتسميته فيه اتفاقا وما حكي عن مالك لا يصح فإن ما كان فاسدا قبل الدخول فهو بعده فاسد كنكاح ذوات المحارم فأما إذا فسد الصداق لجهالته أو عدمه أو العجز عن تسليمه فإن النكاح ثابت لا نعلم فيه خلافا وقول الخرقي وهما مسلمان احتراز من الكافرين إذا عقد النكاح بمحرم فإن هذه قد مر تفصيلها المسألة الثانية أنه يجب مهر المثل وهذا قول أكثر أهل العلم منهم مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وذلك لأن فساد العوض يقتضي رد المعوض وقد تعذر رده لصحة النكاح فيجب رد قيمته وهو مهل المثل كمن اشترى شيئا بثمن فاسد فقبض المبيع وتلف في يده فإنه يجب عليه رد قيمته فإن دخل بها استقر مهر المثل في قولهم جميعا وإن مات أحدهما فكذلك لأن الموت يقوم مقام الدخول في تكميل الصداق وتقريره وقال أبو الخطاب فيه رواية أخرى لا يستقر بالموت إلا أن يكون قد فرضه لها وإن طلق قبل الدخول فلها نصف المهر المثل وبهذا قال الشافعي وقال أصحاب الرأي لها المتعة لأنه لو لم يسم لها صداقا كان لها المتعة فكذلك إذا سمى لها تسمية فاسدة لأن هذه التسمية كعدمها وذكر القاضي في الجامع أنه لا فرق بين من لم يسم لها صداقا وبين من سمى لها محرما كالخمر أو مجهولا كالثوب وفي الجميع روايتان إحداهما لها المتعة إذا طلقها قبل الدخول لأن ارتفاع العقد يوجب رفع ما أوجبه من العوض كالبيع لكن تركناه في نصف المسمى لتراضيهما عليه فكان ما تراضيا عليه أولى ففي مهر المثل يبقى على الأصل في أنه يرتفع وتجب المتعة والثانية أن لها نصف مهر المثل لأن ما أوجبه عقد النكاح يتنصف بالطلاق قبل الدخول ومهر المثل قد أوجبه العقد فيتنصف به كالمسمى والخرقي فرق بينهما فأوجب في التسمية الفاسدة نصف مهر المثل وفي المفوضة المتعة وهو مذهب الشافعي لأن المفوضة رضيت بلا عوض وعاد إليها بضعها سليما وإيجاب نصف المهر لها لا وجه له لأن الله تعالى أوجب لها المتعة ففي إيجاب نصف المهر جمع بينهما أو إسقاط للمتعة المنصوص عليها وكلاهما فاسد وأما التي اشترطت لنفسها مهرا فلم ترض إلا بعوض ولم يحصل لها العوض الذي اشترته فوجب لها بدل ما فات عليها من العوض وهو مهر المثل أو نصفه إن كان قبل الدخول ولأن الأصل وجوب مهر المثل لأنه وجب بالعقد بدليل أنه يستقر بالدخول والموت وإنما خولف هذا في المفوضة بالنص الوارد فيها ففيما عداها يبقى على الأصل المسألة الثالثة أنه إذا سمى لها تسمية فاسدة وجب مهر المثل بالغا ما بلغ
وبه قال الشافعي وزفر وقال أبو جنيفة وصاحباه يجب الأقل من المسمى أو مهر المثل لأن البضع لا يقوم إلا بالعقد فإذا رضيت بأقل من مهر مثلها لم يقوم بأكثر مما رضيت به لأنها رضيت بإسقاط الزيادة ولنا إن ما يضمن بالعقد الفاسد اعتبرت قيمته بالغا ما بلغ كالمبيع وما ذكروه فغير مسلم ثم لا يصح عندهم فإنه لو وطئها وجب مهر المثل ولو لم يكن له قيمة لم يجب فإن قيل إنما وجب لحق الله تعالى قيل لو كان كذلك لوجب أقل المهر ولم يجب مهر المثل مسألة قال ( وإذا تزوجها على ألف لها وألف لأبيها كان ذلك جائزا فإن طلقها قبل الدخول رجع عليها بنصف الألفين ولم يكن على الأب شيء مما أخذه ) وجملة الأمر أنه يجوز لأبي المرأة أن يشترط شيئا من صداق ابنته لنفسه وبهذا قال إسحاق وقد روي عن مسروق أنه لما زوج ابنته اشترط لنفسه عشرة آلاف فجعلها في الحج والمساكين ثم قال للزوج جهز امرأتك وروي نحو ذلك عن علي بن الحسين وقال عطاء وطاوس وعكرمة وعمر بن عبد العزيز والثوري وأبو عبيد يكون كل ذلك للمرأة وقال الشافعي إذا فعل ذلك فلها مهر المثل وتفسد التسيمة لأنه نقص من صداقها لأجل هذا الشرط الفاسد لأن المهر لا يجب إلا للزوجة لأنه عوض بضعها فيبقى مجبولا لأننا نحتاج أن نضم إلى المهر ما نقص منه لأجل هذا الشرط وذلك مجهول فيفسد ولنا قول الله تعالى في قصة شعيب عليه السلام إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج القصص 27 فجعل الصداق الإجارة على رعاية غنمه وهو شرط لنفسه ولأن للوالد الأخذ من مال ولده بدليل قوله عليه السلام أنت ومالك لأبيك وقوله إن أولادكم من أطيب كسبكم فكلوا من أموالهم أخرجه أبو داود ونحوه الترمذي وقال حديث حسن فإذا شرط لنفسه شيئا من الصداق يكون ذكر أخذا من مال ابنته وله ذلك قولهم إنه شرط فاسد ممنوع قال القاضي ولو شرط جميع الصداق لنفسه صح بدليل قصة شعيب فإنه شرط الجميع لنفسه وإذا تزوجها على ألف لها وألف لأبيها فطلقت قبل الدخول رجع الزوج في الألف الذي قبضته ولم يكن على الأب شيء مما أخذ لأن الطلاق قبل الدخول يوجب نصف الصداق والألفان جميع صداقها فرجع عليها بنصفيهما وهو ألف ولم يكن على الأب شيء لأنه أخذ من مال ابنته ألفا فلا يجوز الرجوع عليه به وهذا فيما إذا كان قد أقبضها الألفين ولو طلقها قبل قبضهما سقط عن الزوج ألف وبقي عليه ألف للزوجة يأخذ الأب منها ما شاء وقال القاضي يكون بينهما نصفين وقال نقله مهنا عن أحمد لأنه شرط لنفسه النصف ولم يحل من الصداق إلا النصف وليس هذا القول على سبيل الإيجاب فإن للأب أن يأخذ ما شاء ويترك ما شاء وإذا ملك أن يأخذ من غير شرط فكذلك إذا شرط فصل فإن شرط ذلك غير الأب من الأولياء كالجد والأخ والعم فالشرط باطل نص عليه أحمد وجميع المسمى لها ذكره أبو حفص وهو قول من سمينا في أول المسألة وقال الشافعي يجب مهر المثل وهكذا ذكر القاضي في المجرد لأن الشرط إذا بطل احتجنا أن نرد إلى الصداق ما نقصت الزوجة لأجله ولا يعرف قدره فيصير الكل مجهولا فيفسد وإن أصدقها ألفين على أن تعطي أخاها ألفا فالصداق صحيح لأنه شرط لا يزاد في المهر من أجله ولا ينقص منه فلا يؤثر في المهر بخلاف التي قبلها ولنا إن جميع ما اشترطه عوض في تزويجها فيكون صداقا لها كما لو جعله لها وإذا كان صداقا انتفت الجهالة وهكذا لو كان الأب هو المشترط لكان الجميع صداقا وإنما هو أخذ من مال ابنته لأن له ذلك ويشترط أن لا يكون ذلك مجحفا بمال ابنته فإن كان مجحفا بمالها لم يصح الشرط وكان الجميع لها كما لو اشترطه سائر أوليائها ذكره القاضي في المجرد
فصل فإن شرط لنفسه جميع الصداق ثم طلق قبل الدخول بعد تسليم الصداق إليه رجع في نصف ما أعطى الأب لأنه الذي فرضه لها فترجع في نصفه لقوله تعالى فنصف ما فرضتم البقرة 237 ويحتمل أن يرجع عليها بقدر نصفه ويكون ما أخذه الأب له لأننا قدرنا أن الجميع صار لها ثم أخذه الأب منها فتصير كأنها قبضته ثم أخذه منها وهكذا لو أصدقها ألفا لها وألفا لأبيها ثم ارتدت قبل الدخول فهل يرجع في الألف الذي قبضه الأب أو عليها على وجهين مسألة قال ( وإذا أصدقها عبدا صغيرا فكبر ثم طلقها قبل الدخول فإن شاءت دفعت إليه نصف قيمته يوم وقع عليه العقد أو تدفع إليه نصفه زائدا إلا أن يكون يكون يصلح صغيرا لما لا يصلح له كبيرا فيكون له عليها نصف قيمته يوم وقع عليه العقد إلا أن يشاء أخذ ما بذلته من نصفه ) في هذه المسألة أحكام منها أن المرأة تملك الصداق بالعقد وهذا قول عامة أهل العلم إلا أنه حكي عن مالك أنها لا تملك إلا نصفه وروي عن أحمد ما يدل على ذلك وقال ابن عبد البر هذا موضع اختلف فيه السلف والآثار وأما الفقهاء اليوم فعلى أنها تملكه وقول النبي صلى الله عليه وسلم إن أعطيتها إزارك جلست ولا إزار لك دليل على أن الصداق كله للمرأة لا يبقى للرجل منه شيء ولأنه عقد تملك به العوض بالعقد فملك فيه العوض كاملا كالبيع وسقوط نصفه بالطلاق لا يمنع وجوب جميعه بالعقد ألا ترى أنها لو ارتدت سقط جميعه وإن كانت قد ملكت نصفه إذا ثبت هذا فإن نماءه وزيادته لها سواء قبضته أو لم تقبضه متصلا كان أو منفصلا وإن كان مالا زكائيا حال عليه الحول فزكاته عليها نص عليه أحمد وإن نقص بعد قبضها له أو تلف فهو من ضمانها ولو زكته ثم طلقت قبل الدخول كان ضمان الزكاة كلها عليها وأما قبل القبض فهو من ضمان الزوج إن كان مكيلا أو موزونا وأما غيرهما فإن منعها منه ولم يمكنها من قبضه فهو من ضمانه لأنه بمنزلة الغاصب وإن لم يحل بينه وبينها فهل يكون من ضمانها أو من ضمانه على وجهين بناء على المبيع وقد ذكرنا حكمه في بابه الحكم الثاني أن الصداق يتنصف بالطلاق قبل الدخول لقوله تعالى وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم البقرة 237 وليس في هذا اختلاف بحمد الله وقياس المذهب أن نصف الصداق يدخل في ملك الزوج حكما كالميراث لا يفتقر إلى اختياره وإرادته فما يحدث من النماء يكون بينهما وهو قول زفر وذكر القاضي احتمالا آخر أنه لا يدخل في ملكه حتى يختار كالشفيع وهو قول أبي حنيفة وللشافعي قولان كالوجهين ولنا قوله تعالى فنصف ما فرضتم البقرة 237 أي لكن أو لهن فاقتضى حتى ذلك أن النصف لها والنصف له بمجرد الطلاق ولأن الطلاق سبب يملك به بغير عوض فلم يقف الملك على إرادته واختياره كالإرث ولأنه سبب لنقل الملك فنقل الملك بمجرده كالبيع وسائر الأسباب ولا تلزم الشفعة فإن سبب الملك فيها الأخذ بها ومتى أخذ بها ثبت الملك من غير إرادته واختياره وقبل الأخذ ما وجد السبب وإنما استحق بمباشرة سبب الملك ومباشرة الأسباب موقوفة على اختياره كما أن الطلاق مفوض إلى اختياره فالأخذ بالشفعة نظير الطلاق وثبوت الملك للآخذ بالشفعة نظير ثبوت الملك للمطلق فإن ثبوت الملك حكم لهما وثبوت أحكام الأسباب بعد مباشرتها لا يقف على اختيار أحد
ولا إرادته فإن نقص الصداق في يد المرأة بعد الطلاق فإن كان قد طالبها به فمنعته فعليها الضمان لأنها غاضبة وإن تلف قبل مطالبته فقياس المذهب أنه لا ضمان عليها لأنه حصل في يدها بغير فعلها ولا عدوان من جهتها فلم تضمنه كالوديعة وإن اختلفا في مطالبته لها فالقول قولها لأنها منكرة وإن ادعى أن التلف أو النقص كان قبل الطلاق وقالت بعده فالقول أيضا قولها لأنه يدعي ما يوجب الضمان عليها وهي تنكره والقول قول المنكر وظاهر قول أصحاب الشافعي أن على المرأة الضمان لما تلف أن نقص في يدها بعد الطلاق لأنه حصل في يدها بحكم قطع العقد فأشبه المبيع إذا ارتفع العقد بالفسخ ولنا ما ذكرناه وأما المبيع فيحتمل أن يمنع وإن سلمنا فإن النسخ إن كان منهما أو من المشتري فقد حصل منه التسبب إلى جعل ملك غيره في يده وفي مسألتنا ليس من المرأة فعل وإنما حصل ذلك بفعل الزوج وحده فأشبه ما لو ألقى ثوبه في دارها بغير أمرها فصل ولو خالع امرأته بعد الدخول ثم تزوجها في عدتها وطلقها قبل دخوله بها فلها في النكاح الثاني نصف الصداق أو المسمى فيه وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لها جميعه لأن حكم الوطء موجود فيه بدليل أنها لو أتت بولد لزمه ولنا قول الله سبحانه وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم البقرة 237 ولأنه طلاق من نكاح لم يمسها فيه فوجب أن يتنصف به المهر كما لو تزوجها بعد العدة وما ذكره غير صحيح فإن لحوق النسب لا يقف على الوطء عنده ولا يقوم مقامه فأما أن كان لم يدخل بها في النكاح الأول أيضا فعليه نصف الصداق الأول ونصف الصداق الثاني بغير خلاف الحكم الثالث أن الصداق إذا زاد بعد العقد لم يخل من أن تكون الزيادة غير متميزة كعبد يكبر أو يتعلم صناعة أو يسمن أو متميزة كالولد والكسب والثمرة فإن كانت متميزة أخذت الزيادة ورجع نصف الأصل وإن كانت غير متميزة فالخيرة إليها إن شاءت دفعت إليه نصف قيمته يوم العقد لأن الزيادة لها لا يلزمها بدلها ولا يمكنها دفع الأصل بدونها فصرنا إلى نصف القيمة وإن شاءت دفعت إليه نصفا زائدا فيلزمه قبوله لأنها دفعت إليه حقه وزيادة لا تضر ولا تتميز فإن كان محجورا عليها لم يكن لها الرجوع إلا في نصف القيمة لأن الزيادة لها ولا يجوز لها ولا لوليها التبرع بشيء لا يجب عليها وإن نقص الصداق بعد العقد فهو من ضمانها ولا يخلو أيضا من أن يكون النقص متميزا أو غير متميز فإن كان متميزا كعبدين تلف أحدهما فإنه يرجع بنصف الباقي ونصف قيمة التالف أو مثل نصف التالف إن كان من ذوات الأمثال وإن لم يكن متميزا كعبد كان شابا فصار شيخا فنقصت قيمته أو نسي ما كان يحسن من صناعة أو كتابة أو هزل فالخيار إلى الزوج إن شاء رجع بنصف قيمته وقت ما أصدقها لأن ضمان النقص عليها فلا يلزمه أخذ نصفه لأنه دون حقه وإن شاء رجع بنصفه ناقصا فتجبر المرأة على ذلك لأنه رضي أن يأخذ حقه ناقصا وإن اختار أن يأخذ أرش النقص مع هذا لم يكن له هذا في ظاهر كلام الخرقي وقول أكثر الفقهاء وقال القاضي القياس أن له ذلك كالمبيع يمسكه ويطالب بالأرش وبما ذكرناه كله قال أبو حنيفة والشافعي وقال محمد بن الحسن الزيادة غير المتميزة تابعة للعين فله الرجوع فيها لأنها تتبع في الفسوخ فأشبهت زيادة السوق
ولنا إنها زيادة حدثت في ملكها فلم تنصف بالطلاق كالمتميزة وأما زيادة السوق فليست ملكه وفارق نماء المبيع لأن سبب الفسخ العيب وهو سابق على الزيادة وسبب تنصيف المهر الطلاق وهو حادث بعدها ولأن الزوج يثبت حقه في نصف المفروض دون العين ولهذا لو وجدها ناقصة كان له الرجوع إل نصف مثلها أو قيمتها بخلاف المبيع المعيب والمغروض لم يكن سمينا فلم يكن له أخذه والمبيع تعلق حقه بعينه فتبعه ثمنه فأما إن نقص الصداق من وجه وزاد من وجه مثل أن يتعلم صنعة وينسى أخرى أو هزل وتعلم ثبت الخيار لكل واحد منهما وكان له الامتناع من العين والرجوع إلى القيمة فإن اتفقا على نصف العين جاز وإن امتنعت المرأة من بذل نصفها فلها ذلك لأجل الزيادة وإن امتنع هو من الرجوع في نصفها فله ذلك لأجل النقص وإذا امتنع أحدهما رجع في نصف قيمتها فصل فإن كانت العين تالفة وهي من ذوات الأمثال رجع في نصف مثلها إلا رجع في نصف قيمتها أقل ما كانت من حين العقد إلى حين القبض أو إلى حين التمكين منه على ما ذكرنا من الاختلاف لأن العين إن زادت فالزيادة لها تختص بها وإن نقصت قبل ذلك فالنقص من ضمانه وإن طلقها قبل قبض الصداق وقبل الدخول وقد زادت زيادة منفصلة فهي لها تنفرد بها وتأخذ نصف الأصل وإن كانت الزيادة متصلة فلها الخيار بين أن تأخذ النصف ويبقى له النصف وبين أن تأخذ الكل وتدفع إليه قيمة النصف غير زائد وإن كان ناقصا فلها الخيار بين أخذه ناقصا وبين مطالبته بنصف قيمته غير ناقص فصل إذا أصدقها نخلا حائلا فأطلعت ثم طلقها قبل الدخول فله نصف قيمتها وقت ما أصدقها وليس له الرجوع في نصفها لأنها زائدة زيادة متصلة فأشبهت الجارية إذا سمنت وسواء كان الطلع مؤبرا أو غير مؤبر لأنه متصل بالأصل ولا يجب فصله عنه في هذه الحال فأشبه السمن وتعلم الصناعة فإن بذلت له المرأة الرجوع فيها مع مطلعها أجبر على ذلك لأنها زيادة متصلة ولا يجب فصلها وإن قال اقطعي ثمرتك حتى أرجع في نصف الأصل لم يلزمها لأن عرف هذه الثمرة أنها لا تؤخذ إلا بالجذاذ بدليل البيع ولأن حق الزوج انتقل إلى القيمة فلم يعد إلى العين إلا برضاها فإن قالت المرأة أترك الرجوع حتى أجذ ثمرتي وترجع في نصف الأصل أو أرجع في الأصل وأمهلني حتى أقطع الثمرة أو قال الزوج أنا أصبر حتى إذا جذذت ثمرتك رجعت في الأصل أو قال أنا أرجع في الأصل وأصبر حتى تجذي ثمرتك لم يلزم واحدا منهما قبول قول الآخر لأن الحق انتقل إلى القيمة فلم يعد إلى العين إلا برضاهما ويحتمل أن يلزمها قبول ما عرض عليها لأن الضرر عليه فأشبه ما لو بذلت له نصفها مع طلعها وكما لو وجد العين ناقصة فرضي بها وإن تراضيا على شيء من ذلك جاز والحكم في سائر الشجر كالحكم في النخل وإخراج النور في الشجر بمنزلة الطلع الذي لم يؤبر وإن كانت أرضا فحرثها فتلك زيادة محضة إن بذلتها له بزيادتها لزمه قبولها كالزيادات المتصلة كلها وإن لم تبذلها دفعت نصف قيمتها وإن زرعتها فحكمها حكم النخل إذا أطلع إلا في موضع واحد وهو أنها إذا بذلت نصف الأرض مع نصف الزرع لم يلزمه قبوله بخلاف الطلع مع النخل والفرق بينهما من وجهين أحدهما أن الثمرة لا ينقص بها الشجر والأرض تنقص بالزرع وتضعف والثاني أن الثمرة متولدة من النخل فهي تابعة له والزرع ملكها أودعته في الأرض فلا يجبر على قبوله وقال القاضي يجبر على قبوله كالطلع سواء وقد ذكرنا ما يقتضي الفرق ومسائل الغراس كمسائل الزرع فإن طلقها بعد الحصاد ولم تكن الأرض زادت ولا نقصت رجع في نصفها وإن نقصت بالزرع أو زادت به رجع في نصف قيمتها إلا أن يرضى بأخذها ناقصة أو ترضى هي ببذلها زائدة
فصل وإذا أصدقها خشبا فشقته أبوابا فزادت قيمته لم يكن له الرجوع في نصفه لزيادته ولا يلزمه قبول نصف لأنه نقص من وجه فإنه لم يبق مستعدا لما كان يصلح له من التسقيف وغيره وإن أصدقها ذهبا أو فضة فصاغته حليا فزادت قيمته فلها منعه من نصفه وإن بذلت له النصف لزمه القبول لأن الذهب لا ينقص بالصياغة ولا يخرج عن كونه مستعدا لما كان يصلح له قبل صياغته وإن أصدقها دناناير أو دراهم أو حليا فكسرته ثم صاغته على غير ما كان عليه لم يلزمه قبول نصفه لأن نقص في يدها ولا يلزمها بذل نصفه لزيادة الصناعة التي أحدثتها فيه وإن عادت الدنانير والدراهم إلى ما كانت عليه فله الرجوع في نصفها وليس له طلب قيمتها لأنها عادت إلى ما كانت عليه من غير نقص ولا زيادة فأشبه ما لو أصدقها عبدا فمرض ثم برىء وإن صاغت الحلي على ما كان عليه ففيه وجهان أحدهما له الرجوع كالدراهم إذا أعيدت والثاني ليس له الرجوع في نصفه لأنها جددت فيه صناعة فأشبه ما لو صاغته على صفة أخرى ولو أصدقها جارية فهزلت ثم سمنت فعادت إلى حالتها الأولى فهل يرجع في نصفها على وجهين فصل وحكم الصداق حكم البيع في أن ما كان مكيلا أو موزونا لا يجوز لها التصرف فيه قبل قبضه وما عداه لا يحتاج إلى قبض ولها التصرف فيه قبل قبضه وقال القاضي وأصحابه ما كان متعينا فلها التصرف فيه وما لم يكن متعينا كالقفيز من صبرة والرطل من زيت من دن لا تملك التصرف فيه حتى تقبضه كالمبيع وقد ذكرنا في المبيع رواية أخرى أنها لا تملك التصرف في شيء منه قبل قبضه وهذا مذهب الشافعي وهذا أصل ذكر في البيع وذكر القاضي في موضع آخر أن ما لم ينتقض العقد بهلاكه كالمهر وعوض الخلع يجوز التصرف فيه قبل قبضه لأنه بذل لا ينفسخ السبب الذي ملك بهلاكه فجاز التصرف فيه قبل قبضه كالوصية والميراث وقد نص أحمد على هبة المرأة زوجها صداقها قبل قبضها وهو نوع تصرف فيه وقياس المذهب أن ما جاز لها التصرف فيه فهو من ضمانها إن تلف أو نقص وما لا تصرف لها فيه فهو من ضمان الزوج وإن منعها الزوج قبضه أو لم يمكنها منه فهو من ضمانه على كل حال لأن يده عادية فضمنه كالغاصب وقد نقل مهنا عن أحمد في رجل تزوج امرأة على هذا الغلام ففقئت عينه فقال إن كانت قبضته فهو لها وإن لم تكن قبضته فهو على الزوج فظاهر هذا أنه جعله قبل قبضه من ضمان الزوج بكل حال وهو مذهب الشافعي وكل موضع قلنا هو من ضمان الزوج قبل القبض إذا تلف قبل قبضه لم يبطل الصداق بتلفه ويضمنه بمثله إن كان مثليا وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي في القديم وقال في الجديد يرجع إلى مهر المثل لأن تلف العوض يوجب الرجوع في المعوض فإذا تعذر رده رجع إلى قيمته كالمبيع ومهر المثل هو القيمة فوجب الرجوع إليه ولنا إن كل عين يجب تسليمها مع وجودها إذا تلفت مع بقاء سبب استحقاقها فالواجب بدلها كالمغصوب والقرض والعارية وفارق المبيع إذا تلف فإن البيع انفسخ وزال سبب الاستحقاق إذا ثبت هذا فإن التالف في يد الزوج لا يخلو من أربعة أحوال أحدها أن يتلف بفعلها فيكون ذلك قبضا منها ويسقط عن الزوج ضمانه والثاني تلف بفعل الزوج فهو من ضمانه على كل حال ويضمنه لها بما ذكرناه والثالث أتلفه أجنبي فلها الخيار بين الرجوع على الأجنبي بضمانه وبين الرجوع على الزوج ويرجع الزوج على المتلف والرابع تلف بفعل الله تعالى فهو على ما ذكرناه من التفصيل في صدر المسألة فصل إذا طلق المرأة قبل الدخول وقد تصرفت في الصداق بعقد من العقود لم يخل من ثلاثة أقسام
أحدها ما يزيل الملك عن الرقبة كالبيع والهبة والعتق فهذا يمنع الرجوع نصفة القيمة لزوال ملكها وانقطاع تصرفها فإن عادت العين إليها قبل طلاقها ثم طلقها وهي في يدها بحالها فله الرجوع في نصفها لأنه وجدها بعينها فأشبه ما لو تخرجها ولا يلزم الوالد إذا وهب لولده شيئا فخرج عن ملكه ثم عاد إليه حيث لا يملك الرجوع فيه لأننا نمنع ذلك وإن سلمناه فإن حق الولد سقط بخروجه عن يد لاولد بكل حال بدليل أنه لا يطالب ببذله والزوج لم يسقط حقه بالكلية بل يرجع بنصف قيمته عند عدمه فإذا وجد كان الرجوع في عينه أولى وفي معنى هذه التصرفات الرهن فإنه وإن لم يزل الملك عن الرقبة لكنه يراد للبيع المزيل للملك ولذلك لا يجوز رهن ما لا يجوز بيعه ففي الرجوع في العين إبطال الحق المرتهن من الوثيقة فلم يجز وكذلك الكناية فإنها تراد للعتق المزيل للملك وهي عقد لازم فجرت مجرى الرهن فإن طلق الزوج قبل إقباض الهبة أو الرهن أو في مدة الخيار في البيع ففيه وجهان أحدهما لا تجبر على رد نصفه إليه لأنه عقد عقدته في ملكها فلم تملك إبطاله كاللازم ولأن ملكها قد زال فلم تملك الرجوع في ما ليس بمملوك لها والثاني تجبر على تسليم نصفه لأنها قادرة على ذلك ولا زيادة فيها وللشافعي قولان كهذين الوجهين أما إن طلقها بعد تقبيض الهبة والرهن ولزوم البيع فلم يأخذ قيمة النصف حتى فسخ البيع والرهن الهبة لم يكن له الرجوع في نصفها لأن حقه يثبت في القيمة والثاني تصرف غير لازم لا ينقل الملك كالوصية والشركة والمضاربة فهذا لا يبطل حق الرجوع في نصفه ويكون وجود هذا التصرف كعدمه لأنه تصرف لم ينقل الملك ولم يمنع المالك من التصرف فلا يمنع من له الرجوع على المالك من الرجوع كالإيداع والعارية فأما إن دبرته فظاهر المذهب أنه لا يمنع الرجوع لأنه وصيه أو تعليق نصفه وكلاهما لا يمنع الرجوع ولأنه لا يمنع البيع فلم يمنع الرجوع كالوصية ولا يجبر الزوج على الرجوع في نصفه بل يخير بين ذلك وبين أخذ نصف قيمته لأن شركة من نصفه مدبر نقص ولا يؤمن أن يرفع إلى حاكم حنفي فيحكم بعتقه وإن كانت أمة فدبرتها خرج على الروايتين إن قلنا تباع في الدين كالعبد وإن قلنا لا تباع لم يجبر الزوج على الرجوع في نصفها وإن كاتبت الأمة أو العبد لم يجبر الزوج على الرجوع في العبد لأنه نقص وإن اختار الرجوع وقلنا الكتابة تمنع البيع منعت الرجوع وإن قلنا لا تمنع البيع احتمل أن لا تمنع الرجوع كالتدبير واحتمل أن تمنعه لأن الكتابة عقد لازم يراد لإزالة الملك فمنعت الرجوع كالرهن الثالث تصرف لازم لا يراد لإزالة الملك كالإجارة والتزويج فهذا نقص فيتخير بين أن يرجع في نصفه ناقصا لأنه رضي بحقه ناقصا وبين الرجوع في نصف قيمته فإن رجع في نصف المستأجر صبر حتى تنفسخ الإجارة فإن قيل فقد قتلم في الطلع الحادث في النخل إذا قال أنا أصبر حتى تنتهي الثمرة لم يكن له ذلك قلنا الفرق بينهما أن في تلك المسألة أن تكون المنة له فلا يلزمها قبول منته بخلاف مسألتنا ولأن ذلك يؤدي إلى التنازع في سقي الثمرة ووقت جذاذها وقطعها لخوف العطش أو غيره بخلاف مسألتنا فصل فإن أصدقها شقصا فهل للشفيع أخذه على وجهين فإن قلنا له أخذ فأخذه ثم طلق الزوج رجع في نصف قيمته لأنه قد زال ملكها عنه وإن طلقها قبل أخذه بالشفعة وطالب الشفيع ففيه وجهان أحدهما يقدم الشفيع لأنه حقه أسبق فإنه ثبت بالنكاح وحق الزوج ثبت الطلاق ولأن الزوج يرجع إلى بدله وهو نصف القيمة وحق الشفيع إذا بطل بطل بغير بدل والثاني يقدم الزوج لأن حقه آكد فإنه ثبت بنص القرآن والإجماع وحق الشفعة مجتهد فيه غير مجمع عليه فعلى هذا يكون للشفيع أخذ النصف الباقي بنصف ما كان يأخذ به الجميع