Nevevî — el-Minhâc (Müslim şerhi)
1 ( باب النهي عن نشد الضالة في المسجد وما يقوله من سمع الناشد ) 568 قوله صلى الله عليه وسلم من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل لا ردها الله عليك فان المساجد لم تبن لهذا قال أهل اللغة يقال نشدت الدابة اذا طلبتها وأنشدتها اذا عرفتها ورواية هذا الحديث ينشد ضالة بفتح الياء وضم الشين من نشدت إذا طلبت ومثله قوله 569 في الرواية الأخرى ان رجلا نشد في المسجد فقال من دعا إلى الجمل الأحمر فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا وجدت إنما بنيت المساجد لما بنيت له قوله إلى الجمل الأحمر في هذين الحديثين فوائد منها النهي عن نشد الضالة في المسجد ويلحق به ما في معناه من البيع والشراء والاجارة ونحوها من العقود وكراهة رفع الصوت في المسجد قال القاضي قال مالك وجماعة من العلماء يكره رفع الصوت في المسجد بالعلم وغيره وأجاز أبو حنيفة رحمه الله تعالى ومحمد بن مسلمة من أصحاب مالك رحمه الله تعالى رفع الصوت فيه بالعلم والخصومة وغير ذلك مما يحتاج إليه الناس لأنه مجمعهم ولا بد لهم منه وقوله صلى الله عليه وسلم إنما بنيت المساجد لما بنيت له معناه لذكر الله تعالى والصلاة والعلم والمذاكرة في الخير ونحوها قال القاضي فيه دليل على منع عمل الصانع في المسجد كالخياطة وشبهها قال وقد منع بعض العلماء من تعليم الصبيان في المسجد قال قال بعض شيوخنا انما يمنع في المسجد من عمل الصنائع التي يختص بنفعها آحاد الناس ويكتسب به فلا يتخذ المسجد متجرا فأما الصنائع التي يشمل نفعها المسلمين في دينهم كالمثاقفة واصلاح آلات الجهاد مما لا امتهان للمسجد في عمله فلا بأس به قال وحكى بعضهم خلافا في تعليم الصبيان فيها وقوله صلى الله عليه وسلم لا وجدت وأمر أن يقال مثل هذا فهو عقوبة له على مخالفته وعصيانه وينبغي لسامعه أن يقول لا وجدت فان المساجد لم تبن لهذا أو يقول لا وجدت إنما بنيت المساجد لما بنيت له كما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم 1 ( باب السهو في الصلاة والسجود له )
389 قال الإمام أبو عبد الله المازري في أحاديث الباب خمسة حديث أبي هريرة رضي الله عنه فيمن شك فلم يدر كم صلى وفيه أنه يسجد سجدتين ولم يذكر موضعهما وحديث أبي سعيد رضي الله عنه فيمن شك فيه أن يسجد سجدتين قبل أن يسلم وحديث بن مسعود رضي الله عنه وفيه القيام إلى خامسة وأنه سجد بعد السلام وحديث ذي اليدين وفيه السلام من اثنتين والمشي والكلام وأنه سجد بعد السلام وحديث بن بحينة وفيه القيام من اثنتين والسجود قبل السلام واختلف العلماء في كيفية الأخذ بهذه الأحاديث فقال داود لا يقاس عليها بل تستعمل في مواضعها على ما جاءت قال أحمد رحمه الله تعالى بقول داود في هذه الصلوات خاصة وخالفه في غيرها وقال يسجد فيما سواها قبل السلام لكل سهو وأما الذين قالوا بالقياس فاختلفوا فقال بعضهم هو مخير في كل سهو ان شاء سجد بعد السلام وان شاء قبله في الزيادة والنقص وقال أبو حنيفة رضي الله عنه الأصل هو السجود بعد السلام وتأول بعض الأحاديث عليه وقال الشافعي رحمه الله تعالى الأصل هو السجود قبل السلام ورد بقية الأحاديث إليه وقال مالك رحمه الله تعالى ان كان السهو زيادة سجد بعد السلام وان كان نقصا فقبله فأما الشافعي رحمه الله تعالى فيقول قال في حديث أبي سعيد فان كانت خامسة شفعها ونص على السجود قبل السلام مع تجويز الزيادة والمجوز كالموجود ويتأول حديث بن مسعود رضي الله عنه في القيام إلى خامسة والسجود بعد السلام على أنه صلى الله عليه وسلم قبله ما علم السهو الا بعد السلام ولو علمه قبله لسجد قبله ويتأول حديث ذي اليدين على أنها صلاة جرى فيها سهو فسها عن السجود وقبل السلام فتداركه بعده هذا كلام المازري وهو كلام حسن نفيس وأقوى المذاهب هنا مذهب مالك رحمه الله تعالى ثم مذهب الشافعي وللشافعي رحمه الله تعالى قول كمذهب مالك رحمه الله تعالى يفعل بالتخيير وعلى القول بمذهب مالك رحمه الله تعالى لو اجتمع في صلاة سهوان سهو بزيادة وسهو بنقص سجد قبل السلام قال القاضي عياض رحمه الله تعالى وجماعة من أصحابنا ولا خلاف بين هؤلاء المختلفين وغيرهم من العلماء أنه لو سجد قبل السلام أو بعده للزيادة أو النقص أنه يجزئه ولا تفسد صلاته وإنما اختلافهم في الأفضل والله أعلم قال الجمهور لو سها سهوين فأكثر كفاه سجدتان للجميع وبهذا قال الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأحمد رضوان الله عليهم وجمهور التابعين وعن بن أبي ليلى رحمه الله تعالى لكل سهو سجدتان وفيه حديث ضعيف قوله جاءه الشيطان فلبس هو بتخفيف الباء أي خلط عليه صلاته وهوشها عليه وشككه فيها قوله صلى الله عليه وسلم اذا نودي بالأذان أدبر الشيطان إلى آخره هذا الحديث تقدم شرحه في باب الأذان قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة فإذا لم يدر أحدكم كم صلى فليسجد سجدتين وهو جالس اختلف العلماء في المراد به فقال الحسن البصري وطائفة من السلف بظاهر الحديث وقالوا اذا شك المصلى فلم يدر زاد أو نقص فليس عليه الا سجدتان وهو جالس عملا بظاهر هذا الحديث وقال الشعبي والاوزاعي وجماعة كثيرة من السلف اذا لم يدر كم صلى لزمه أن يعيد الصلاة مرة بعد أخرى أبدا حتى يستيقن وقال بعضهم يعيد ثلاث مرات فاذا شك في الرابعة فلا اعادة عليه وقال مالك والشافعي وأحمد رضي الله عنهم والجمهور متى شك في صلاته هل صلى ثلاثا أم أربعا مثلا لزمه البناء على اليقين فيجب أن يأتي برابعة ويسجد للسهو عملا بحديث أبي سعيد وهو قوله صلى الله عليه وسلم اذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثا أم أربعا فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم فان كان صلى خمسا شفعن له صلاته وان كان صلى اتماما لأربع كانتا ترغيما للشيطان قالوا فهذا الحديث صريح في وجوب البناء على اليقين وهو مفسر لحديث أبي هريرة رضي الله عنه فيحمل حديث أبي هريرة عليه وهذا متعين فوجب المصير إليه مع ما في حديث أبي سعيد من الموافقة لقواعد الشرع في الشك في الاحداث والميراث من المفقود وغير ذلك والله أعلم قوله نظرنا تسليمه أي انتظرناه 570 قوله في حديث بن بحينة صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قوله فسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم ثم سلم فيه حجة للشافعي رحمه الله تعالى ومالك والجمهور على أبي حنيفة رضي الله عنه فان عنده السجود للنقص والزيادة بعد السلام قوله عن عبد الله بن بحينة الاسدي حليف بني عبد المطلب أما الاسدي فباسكان السين ويقال فيه الازدي كما ذكره في الرواية الأخرى والازد والاسد باسكان السين قبيلة واحدة وهما اسمان مترادفان لها وهم أزد شنوءة وأما قوله حليف بني عبد المطلب فكذا هو في نسخ صحيح البخاري ومسلم والذي ذكره بن سعد وغيره من أهل السير والتواريخ أنه حليف بني المطلب وكان جده حالف المطلب بن عبد مناف قوله عن عبد الله بن مالك بن بحينة والصواب في هذا أن ينون مالك ويكتب بن بحينة بالالف لأن عبد الله هو بن مالك وبن بحينة فمالك أبوه وبحينة أمه وهي زوجة مالك فمالك أبو عبد الله وبحينة أم عبد الله فإذا قرئ كما ذكرناه انتظم على الصواب ولو قرئ باضافة مالك إلى بن فسد المعنى واقتضى أن يكون مالك ابنا لبحينة وهذا غلط وانما هو زوجها وفي الحديث دليل لمسائل كثيرة احداها أن سجود السهو قبل السلام اما مطلقا كما يقوله الشافعي واما في النقص كما يقوله مالك الثانية أن التشهد الأول والجلوس له ليسا بركنين في الصلاة ولا واجبين اذ لو كانا واجبين لما جبرهما السجود كالركوع والسجود وغيرهما وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والشافعي رحمهم الله تعالى وقال أحمد في طائفة قليلة هما واجبان وإذا سها جبرهما السجود على مقتضى الحديث الثالثة فيه أنه يشرع التكبير لسجود السهو وهذا مجمع عليه واختلفوا فيما اذا فعلهما بعد السلام هل يتحرم ويتشهد ويسلم أم لا والصحيح في مذهبنا أنه يسلم ولا يتشهد وهكذا الصحيح عندنا في سجود التلاوة أنه يسلم ولا يتشهد كصلاة الجنازة وقال مالك يتشهد ويسلم في سجود السهو بعد السلام واختلف قوله هل يجهر بسلامهما كسائر الصلوات أم لا وهل يحرم لهما أم لا وقد ثبت السلام لهما إذا فعلتا بعد السلام في حديث بن مسعود وحديث ذي اليدين ولم يثبت في التشهد حديث واعلم أن جمهور العلماء على أنه يسجد للسهو في صلاة التطوع كالفرض وقال بن سيرين وقتادة لا سجود للتطوع وهو قول ضعيف غريب عن الشافعي رحمه الله تعالى 571 قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم ظاهر الدلالة لمذهب الشافعي رحمه الله تعالى كما سبق في أنه يسجد للزيادة والنقص قبل السلام وسبق تقريره في كلام المازري واعترض عليه بعض أصحاب مالك بأن مالكا رحمه الله تعالى رواه مرسلا وهذا اعتراض باطل لوجهين أحدهما أن الثقات الحفاظ الاكثرين رووه متصلا فلا يضر مخالفة واحد لهم في ارساله لأنهم حفظوا ما لم يحفظه وهم ثقات ضابطون حفاظ متقنون الثاني أن المرسل عند مالك رحمه الله تعالى حجة فهو وارد عليهم على كل تقدير قوله صلى الله عليه وسلم كانتا ترغيما للشيطان أي اغاظة له واذلالا مأخوذ من الرغام وهو التراب ومنه أرغم الله أنفه والمعنى أن الشيطان لبس عليه صلاته وتعرض لافسادها ونقصها فجعل الله تعالى للمصلى طريقا إلى جبر صلاته وتدارك ما لبسه عليه وارغام الشيطان ورده خاسئا مبعدا عن مراده وكملت صلاة بن آدم وامتثل أمر الله تعالى الذي عصى به ابليس من امتناعه من السجود والله أعلم قوله في اسناد 572 حديث بن مسعود حدثنا أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة إلى آخره هذا الاسناد كله كوفيون الا إسحاق بن راهويه رفيق ابني أبي شيبة قوله فسجد سجدتين ثم سلم دليل لمن قال يسلم إذا سجد للسهو بعد السلام وقد سبق بيان الخلاف فيه قوله صلى الله عليه وسلم لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به فيه أنه لا يؤخر البيان وقت الحاجة قوله صلى الله عليه وسلم ولكن إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني فيه دليل على جواز النسيان عليه صلى الله عليه وسلم في أحكام الشرع وهو مذهب جمهور العلماء وهو ظاهر القرآن والحديث اتفقوا على أنه صلى الله عليه وسلم لا يقر عليه بل يعلمه الله تعالى به ثم قال الاكثرون شرطه تنبهه صلى الله عليه وسلم على الفور متصلا بالحادثة ولا يقع فيه تأخير وجوزت طائفة تأخيره مدة حياته صلى الله عليه وسلم واختاره امام الحرمين ومنعت طائفة من العلماء السهو عليه صلى الله عليه وسلم في الأفعال البلاغية والعبادات كما أجمعوا على منعه واستحالته عليه صلى الله عليه وسلم في الأقوال البلاغية وأجابوا عن الظواهر الواردة في ذلك وإليه مال الاستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني والصحيح الأول فان السهو لا يناقض النبوة وإذا لم يقر عليه لم يحصل منه مفسدة بل تحصل فيه فائدة وهو بيان أحكام الناسي وتقرير الأحكام قال القاضي واختلفوا في جواز السهو عليه صلى الله عليه وسلم في الأمور التي لا تتعلق بالبلاغ وبيان أحكام الشرع من أفعاله وعاداته وأذكار قلبه فجوزه الجمهور وأما السهو في الأقوال البلاغية فأجمعوا على منعه كما اجمعوا على امتناع تعمده وأما السهو في الأقوال الدنيوية وفيما ليس سبيله البلاغ من الكلام الذي لا يتعلق بالأحكام ولا أخبار القيامة وما يتعلق بها ولا يضاف إلى وحي فجوزه قوم اذ لا مفسدة فيه قال القاضي رحمه الله تعالى والحق الذي لا شك فيه ترجيح قول من منع ذلك على الأنبياء في كل خبر من الأخبار كما لا يجوز عليهم خلف في خبر لا عمدا ولا سهوا لا في صحة ولا في مرض ولارضاء ولا غضب وحسبك في ذلك أن سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم وكلامه وأفعاله مجموعة معتنى بها على مر الزمان يتداولها الموافق والمخالف والمؤمن والمرتاب فلم يأت في شيء منها استدراك غلط في قول ولا اعتراف بوهم في كلمة ولو كان لنقل كما نقل سهوه في الصلاة ونومه عنها واستدراكه رأيه في تلقيح النخل وفي نزوله بأدنى مياه بدر وقوله صلى الله عليه وسلم والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها الا فعلت الذي هو خير وكفرت عن يميني وغير ذلك وأما جواز السهو في الاعتقادات في أمور الدنيا فغير ممتنع والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم فإذا نسيت فذكروني فيه أمر التابع بتذكير المتبوع بما ينساه قوله صلى الله عليه وسلم وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ثم ليسجد سجدتين وفي رواية فلينظر أحرى ذلك للصواب وفي رواية فليتحر أقرب ذلك إلى الصواب وفي رواية فليتحر الذي يرى أنه الصواب فيه دليل لابي حنيفة رحمه الله تعالى وموافقيه من أهل الكوفة وغيرهم من أهل الرأي على أن من شك في صلاته في عدد ركعات تحرى وبني على غالب ظنه ولا يلزمه الاقتصار على الاقل والاتيان بالزيادة وظاهر هذا الحديث حجة لهم ثم اختلف هؤلاء فقال أبو حنيفة ومالك رحمهما الله تعالى في طائفة هذا لمن اعتراه الشك مرة بعد أخرى وأما غيره فيبني على اليقين وقال آخرون هو على عمومه وذهب الشافعي والجمهور إلى أنه اذا شك هل صلى ثلاثا أم أربعا مثلا لزمه البناء على اليقين وهو الاقل فيأتي بما بقى ويسجد للسهو واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد رضي الله عنه فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم فان كان صلى خمسا شفعن له صلاته وان كان صلى اتماما لاربع كانتا ترغيما للشيطان وهذا صريح في وجوب البناء على اليقين وحملوا التحري في حديث بن مسعود رضي الله عنه على الاخذ باليقين قالوا والتحري هو القصد ومنه قول الله تعالى تحروا رشدا فمعنى الحديث فليقصد الصواب فليعمل به وقصد الصواب هو ما بينه في حديث أبي سعيد وغيره فان قالت الحنفية حديث أبي سعيد لا يخالف ما قلناه لانه ورد في الشك وهو ما استوى طرفاه ومن شك ولم يترجح له أحد الطرفين بنى على الاقل بالاجماع بخلاف من غلب على ظنه أنه صلى أربعا مثلا فالجواب أن تفسير الشك بمستوى الطرفين إنما هو اصطلاح طارئ للأصوليين وأما في اللغة فالتردد بين وجود الشيء وعدمه كله يسمى شكا سواء المستوى والراجح والمرجوح والحديث يحمل على اللغة ما لم يكن هناك حقيقة شرعية أو عرفية ولا يجوز حمله على ما يطرأ للمتأخرين من الاصطلاح والله أعلم قوله عن عبد الله رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر خمسا فلما سلم قيل له أزيد في الصلاة قال وما ذاك قالوا صليت خمسا فسجد سجدتين هذا فيه دليل لمذهب مالك والشافعي وأحمد والجمهور من السلف والخلف أن من زاد في صلاته ركعة ناسيا لم تبطل صلاته بل أن علم بعد السلام فقد مضت صلاته صحيحة ويسجد للسهو أن ذكر بعد السلام بقريب وان طال فالاصح عندنا أنه لا يسجد وان ذكر قبل السلام عاد إلى القوم سواء كان في قيام أو ركوع أو سجود أو غيرها ويتشهد ويسجد للسهو ويسلم وهل يسجد للسهو قبل السلام أم بعده فيه خلاف العلماء السابق هذا مذهب الجمهور وقال أبو حنيفة وأهل الكوفة رضي الله عنهم اذا زاد ركعة ساهيا بطلت صلاته ولزمه اعادتها وقال أبو حنيفة رضي الله عنه ان كان تشهد في الرابعة ثم زاد خامسة أضاف اليها سادسة تشفعها وكانت نفلا بناء على أصله في أن السلام ليس بواجب ويخرج من الصلاة بكل ما ينافيها وأن الركعة الفردة لا تكون صلاة قال وان لم يكن تشهد بطلت صلاته لان الجلوس بقدر التشهد واجب ولم يأت به حتى أتى بالخامسة وهذا الحديث يرد كل ما قالوه لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يرجع من الخامسة ولم يشفعها وإنما تذكر بعد السلام ففيه رد عليهم وحجة الجمهور ثم مذهب الشافعي ومن وافقه أن الزيادة على وجه السهو لا تبطل الصلاة سواء قلت أو كثرت اذا كانت من جنس الصلاة فسواء زاد ركوعا أو سجودا أو ركعة أو ركعات كثيرة ساهيا فصلاته صحيحة في كل ذلك ويسجد للسهو استحبابا لا ايجابا وأما مالك فقال القاضي عياض مذهبه أنه ان زاد دون نصف الصلاة لم تبطل صلاته بل هي صحيحة ويسجد للسهو وان زاد النصف فأكثر فمن أصحابه من أبطلها وهو قول مطرف وبن القاسم ومنهم من قال ان زاد ركعتين بطلت وان زاد ركعة فلا وهو قول عبد الملك وغيره ومنهم من قال لا تبطل مطلقا وهو مروي عن مالك رحمه الله تعالى والله أعلم قوله حدثنا بن نمير قال حدثنا بن ادريس إلى آخره وقال في الاسناد الآخر حدثنا عثمان بن أبي شيبة إلى آخره هذان الاسنادان كلهم كوفيون قوله وأنت يا أعور فيه دليل على جواز قول مثل هذا الكلام لقرابته وتلميذه وتابعه إذا لم يتأذ به قال القاضي إبراهيم بن يزيد النخعي الكوفي وابراهيم بن سويد النخعي الاعور آخر وزعم الداودي أنه إبراهيم بن يزيد التيمي وهو وهم فانه ليس بأعور وثلاثتهم كوفيون فضلاء قال البخاري بن يزيد النخعي الاعور الكوفي سمع علقمة وذكر الباجي إبراهيم بن يزيد النخعي الكوفي الفقيه وقال فيه الاعور ولم يصفه البخاري بالاعور ولا رأيت من وصفه به وذكر بن قتيبة في العور إبراهيم النخعي فيحتمل أنه بن سويد كما قال البخاري ويحتمل أنه إبراهيم بن يزيد هذا آخر كلام القاضي والصواب أن المراد بابراهيم هنا إبراهيم بن سويد الاعور النخعي وليس بابراهيم بن يزيد النخعي الفقيه المشهور قوله توشوش القوم ضبطناه بالشين المعجمة وقال القاضي روى بالمعجمة وبالمهملة وكلاهما صحيح ومعناه تحركوا ومنه وسواس الحلي بالمهملة وهو تحركه ووسوسة الشيطان قال أهل اللغة الوشوشة بالمعجمة صوت في اختلاط قال الاصمعي ويقال رجل وشواش أي خفيف قوله حدثنا منجاب بن الحارث إلى آخره هذا الاسناد كله كوفيون قوله صلى الله عليه وسلم فزاد أو نقص فقيل يا رسول الله أزيد في الصلاة شيء فقال إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسى أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس ثم تحول رسول الله صلى الله عليه وسلم فسجد سجدتين هذا الحديث مما يستشكل ظاهره لأن ظاهره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم هذا الكلام بعد أن ذكر أنه زاد أو نقص قبل أن يسجد للسهو ثم بعد أن قاله سجد للسهو ومتى ذكر ذلك فالحكم أنه يسجد ولا يتكلم ولا يأتي بمناف للصلاة ويجاب عن هذا الاشكال بثلاثة أجوبة أحدها أن ثم هنا ليست لحقيقة الترتيب وإنما هي لعطف جملة على جملة وليس معناه أن التحول والسجود كانا بعد الكلام بل إنما كانا قبله ومما يؤيد هذا التأويل أنه قد سبق في هذا الباب في أول طرق حديث بن مسعود رضي الله عنه هذا بهذا الاسناد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فزاد أو نقص فلما سلم قيل له يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء قال وما ذاك قالوا صليت كذا وكذا فثنى رجليه واستقبل القبلة فسجد سجدتين ثم سلم ثم أقبل علينا بوجهه فقال انه لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به ولكن إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ثم ليسجد سجدتين فهذه الرواية صريحة في أن التحول والسجود قبل الكلام فتحمل الثانية عليها جمعا بين الروايتين وحمل الثانية على الأولى أولى من عكسه لان الأولى على وفق القواعد الجواب الثاني أن يكون هذا قبل تحريم الكلام في الصلاة الثالث أنه وان تكلم عامدا بعد السلام لا يضره ذلك ويسجد بعده للسهو وهذا على أحد الوجهين لاصحابنا أنه إذا سجد لا يكون بالسجود عائدا إلى الصلاة حتى لو أحدث فيه لا تبطل صلاته بل قد مضت على الصحة والوجه الثاني وهو الاصح عند أصحابنا أنه يكون عائدا وتبطل صلاته بالحدث والكلام وسائر المنافيات للصلاة والله أعلم 573 قوله في حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين احدى صلاتي العشى اما الظهر واما العصر هو بفتح العين وكسر الشين وتشديد الياء قال الازهري العشى عند العرب ما بين زوال الشمس وغروبها قوله ثم أتى جذعا في قبلة المسجد فاستند إليها هكذا هو في كل الأصول فاستند اليها والجذع مذكر ولكن أنثه على ارادة الخشبة وكذا جاء في رواية البخاري وغيره خشبة قوله فاستند اليها مغضبا هو بفتح الضاد قوله وخرج سرعان الناس قصرت الصلاة يعني يقولون قصرت الصلاة والسرعان بفتح السين والراء هذا هو الصواب الذي قاله الجمهور من أهل الحديث واللغة وهكذا ضبطه المتقنون والسرعان المسرعون إلى الخروج ونقل القاضي عياض عن بعضهم اسكان الراء قال وضبطه الاصيلي في البخاري بضم السين واسكان الراء ويكون جمع سريع كقفيز وقفزان وكثيب وكثبان وقوله قصرت الصلاة بضم القاف وكسر الصاد وروى بفتح القاف وضم الصاد وكلاهما صحيح ولكن الاول أشهر وأصح قوله فقام ذو اليدين وفي رواية رجل من بني سليم وفي رواية رجل يقال له الخرباق وكان في يده طول وفي رواية رجل بسيط اليدين هذا كله رجل واحد اسمه الخرباق بن عمرو بكسر الخاء المعجمة والباء الموحدة وآخره قاف ولقبه ذو اليدين لطول كان في يديه وهو معنى قوله بسيط اليدين قوله صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر فسلم في ركعتين فقام ذو اليدين وفي رواية صلاة الظهر قال المحققون هما قضيتان وفي حديث عمران بن الحصين سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاث ركعات من العصر ثم دخل منزله فقام إليه رجل يقال له الخرباق فقال يا رسول الله فذكر له صنيعه وخرج غضبان يجر رداءه وفي رواية له سلم في ثلاث ركعات من العصر ثم قام فدخل الحجرة فقام رجل بسيط اليدين فقال أقصرت الصلاة وحديث عمران هذا قضية ثالثة في يوم آخر والله أعلم قوله وأخبرت عن عمران بن حصين أنه قال وسلم القائل وأخبرت هو محمد بن سيرين قوله أقصرت الصلاة أم نسيت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ذلك لم يكن فيه تأويلان أحدهما قاله جماعة من أصحابنا في كتب المذهب أن معناه لم يكن المجموع فلا ينفي وجود أحدهما والثاني وهو الصواب معناه لم يكن لا ذاك ولا ذا في ظني بل ظني أني أكملت الصلاة أربعا ويدل على صحة هذا التأويل وأنه لا يجوز غيره أنه جاء في روايات البخاري في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لم تقصر ولم أنس فنفى الامرين قوله حدثنا هارون بن إسماعيل الخزاز هو بخاء معجمة وزاي مكررة 574 قوله عن أبي المهلب اسمه عبد الرحمن بن عمر وقيل معاوية بن عمر وقيل عمرو بن معاوية ذكر هذه الأقوال الثلاثة في اسمه البخاري في تاريخه وآخرون وقيل اسمه النضر بن عمر الجرمي الأزدي البصري التابعي الكبير روى عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وأبي بن كعب وعمران بن حصين رضي الله عنهم أجمعين وهو عم أبي قلابة الراوي عنه هنا قوله وخرج غضبان يجر رداءه يعني لكثرة اشتغاله بشأن الصلاة خرج يجر رداءه ولم يتمهل ليلبسه قوله في آخر الباب في حديث إسحاق بن منصور سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الركعتين فقال رجل من بني سليم واقتص الحديث هكذا هو في بعض الاصول المعتمدة من الركعتين وهو الظاهر الموافق لباقي الروايات وفي بعضها بين الركعتين وهو صحيح أيضا ويكون المراد بين الركعتين الثانية والثالثة واعلم أن حديث ذي اليدين هذا فيه فوائد كثيرة وقواعد مهمة منها جواز النسيان في الافعال والعبادات على الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وأنهم لا يقرون عليه وقد تقدمت هذه القاعدة في هذا الباب ومنها أن الواحد اذا ادعى شيئا جرى بحضرة جمع كثير لا يخفى عليهم سئلوا عنه ولا يعمل بقوله من غير سؤال ومنها اثبات سجود السهو وانه سجدتان وأنه يكبر لكل واحدة منهما وأنهما على هيئة سجود الصلاة لانه أطلق السجود فلو خالف المعتاد لبينه وأنه يسلم من سجود السهو وأنه لا تشهد له وأن سجود السهو في الزيادة يكون بعد السلام وقد سبق أن الشافعي رحمه الله تعالى يحمله على أن تأخير سجود السهو كان نسيانا لا عمدا ومنها أن كلام الناسي للصلاة والذي يظن أنه ليس فيها لا يبطلها وبهذا قال جمهور العلماء من السلف والخلف وهو قول بن عباس وعبد الله بن الزبير وأخيه عروة وعطاء والحسن والشعبي وقتادة والاوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وجميع المحدثين رضي الله عنهم وقال أبو حنيفة رضي الله عنه وأصحابه والثوري في أصح الروايتين تبطل صلاته بالكلام ناسيا أو جاهلا لحديث بن مسعود وزيد بن أرقم رضي الله عنهما وزعموا أن حديث قصة ذي اليدين منسوخ بحديث بن مسعود وزيد بن أرقم قالوا لان ذا اليدين قتل يوم بدر ونقلوا عن الزهري أن ذا اليدين قتل يوم بدر وأن قضيته في الصلاة كانت قبل بدر قالوا ولا يمنع من هذا كون أبي هريرة رواه وهو متأخر الاسلام عن بدر لان الصحابي قد يروي ما لا يحضره بأن يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم أو صحابي آخر وأجاب أصحابنا وغيرهم من العلماء عن هذا بأجوبة صحيحة حسنة مشهورة أحسنها وأتقنها ما ذكره أبو عمر بن عبدالبر في التمهيد قال أما ادعاؤهم أن حديث أبي هريرة منسوخ بحديث بن مسعود رضي الله عنه فغير صحيح لانه لا خلاف بين أهل الحديث والسير أن حديث بن مسعود كان بمكة حين رجع من أرض الحبشة قبل الهجرة وأن حديث أبى هريرة في قصة ذي اليدين كان بالمدينة وانما أسلم أبو هريرة عام خيبر سنة سبع من الهجرة بلا خلاف وأما حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه فليس فيه بيان أنه قبل حديث أبي هريرة أو بعده والنظر يشهد أنه قبل حديث أبي هريرة وأما قولهم أن أبا هريرة رضي الله عنه لم يشهد ذلك فليس بصحيح بل شهوده لها محفوظ من روايات الثقات الحفاظ ثم ذكر باسناده الرواية الثانية في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما أن أبا هريرة قال صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم احدى صلاتي العشي فسلم من اثنتين وذكر الحديث وقصة ذي اليدين وفي روايات صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية في مسلم وغيره بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الحديث وفي رواية في غير مسلم بينا نحن نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وقد روى قصة ذي اليدين عبد الله بن عمر ومعاوية بن حديج بضم الحاء المهملة وعمران بن حصين وبن مسعدة رجل من الصحابة رضي الله عنهم وكلهم لم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا صحبه الا بالمدينة متأخرا ثم ذكر أحاديثهم بطرقها قال وبن مسعدة هذا رجل من الصحابة يقال له صاحب الجيوش اسمه عبد الله معروف في الصحابة له رواية قال وأما قولهم ان ذا اليدين قتل يوم بدر فغلط وإنما المقتول يوم بدر ذو الشمالين ولسنا ندافعهم أن ذا الشمالين قتل يوم بدر لان بن إسحاق وغيره من أهل السير ذكره فيمن قتل يوم بدر قال بن إسحاق ذو الشمالين هو عمير بن عمرو بن عيشان من خزاعة حليف لبني زهرة قال أبو عمر فذو اليدين غير ذي الشمالين المقتول ببدر بدليل حضور أبي هريرة ومن ذكرنا قصة ذي اليدين وأن المتكلم رجل من بني سليم كما ذكره مسلم في صحيحه وفي رواية عمران بن الحصين رضي الله عنه اسمه الخرباق ذكره مسلم فذو اليدين الذي شهد السهو في الصلاة سلمى وذو الشمالين المقتول ببدر خزاعي يخالفه في الاسم والنسب وقد يمكن أن يكون رجلان وثلاثة يقال لكل واحد منهم ذو اليدين وذو الشمالين لكن المقتول ببدر غير المذكور في حديث السهو هذا قول أهل الحذق والفهم من أهل الحديث والفقه ثم روى هذا باسناده عن مسدد وأما قول الزهري في حديث السهوان المتكلم ذو الشمالين فلم يتابع عليه وقد اضطرب الزهري في حديث ذي اليدين اضطرابا أوجب عند أهل العلم بالنقل تركه من روايته خاصة ثم ذكر طرقه وبين اضطرابها في المتن والاسناد وذكر أن مسلم بن الحجاج غلط الزهري في حديثه قال أبو عمر رحمه الله تعالى لا أعلم أحدا من أهل العلم بالحديث المصنفين فيه عول على حديث الزهري في قصة ذي اليدين وكلهم تركوه لاضطرابه وأنه لم يتم له اسنادا ولا متنا وان كان اماما عظيما في هذا الشأن فالغلط لا يسلم منه بشر والكمال لله تعالى وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك الا النبي صلى الله عليه وسلم فقول الزهري أنه قتل يوم بدر متروك لتحقق غلطه فيه هذا كلام أبي عمر بن عبدالبر مختصرا وقد بسط رحمه الله تعالى شرح هذا الحديث بسطا لم يبسطه غيره مشتملا على التحقيق والاتقان والفوائد الجمة رضي الله عنه فان قيل كيف تكلم ذو اليدين والقوم وهم بعد في الصلاة فجوابه من وجهين أحدهما أنهم لم يكونوا على يقين من البقاء في الصلاة لانهم كانوا مجوزين نسخ الصلاة من أربع إلى ركعتين ولهذا قال أقصرت الصلاة أم نسيت والثاني أن هذا كان خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم وجوابا وذلك لا يبطل عندنا وعند غيرنا والمسئلة مشهورة بذلك وفي رواية لابي داود باسناد صحيح أن الجماعة أومأوا أي نعم فعلى هذه الرواية لم يتكلموا فان قيل كيف رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى قول الجماعة وعندكم لا يجوز للمصلى الرجوع في قدر صلاته إلى قول غيره اماما كان أو مأموما ولا يعمل الا على يقين نفسه فجوابه أن النبي صلى الله عليه وسلم سألهم ليتذكر فلما ذكروه تذكر فعلم السهو فبنى عليه لا أنه رجع إلى مجرد قولهم ولو جاز ترك يقين نفسه والرجوع إلى قول غيره لرجع ذو اليدين حين قال النبي صلى الله عليه وسلم لم تقصر ولم أنس وفي هذا الحديث دليل على أن العمل الكثير والخطوات اذا كانت في الصلاة سهوا لا تبطلها كما لا يبطلها الكلام سهوا وفي هذه المسألة وجهان لاصحابنا أصحهما عند المتولي لا يبطلها لهذا الحديث فانه ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم مشى إلى الجذع وخرج السرعان وفي رواية دخل الحجرة ثم خرج ورجع الناس وبنى على صلاته والوجه الثاني وهو المشهور في المذهب أن الصلاة تبطل بذلك وهذا مشكل وتأويل الحديث صعب على من أبطلها والله أعلم
1 ( باب سجود التلاوة )
575 قوله ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ القرآن فيقرأ سورة فيها سجدة فيسجد ونسجد معه حتى ما يجد بعضنا موضعا لمكان جبهته وفي رواية فيمر بالسجدة فيسجد بنا في غير صلاة فيه اثبات سجود التلاوة وقد أجمع العلماء عليه وهو عندنا وعند الجمهور سنة ليس بواجب وعند أبي حنيفة رضي الله عنه واجب ليس بفرض على اصطلاحه في الفرق بين الواجب والفرض وهو سنة للقارئ والمستمع له ويستحب أيضا للسامع الذي لا يسمع لكن لا يتأكد في حقه تأكده في حق المستمع المصغي وقوله فيسجد بنا معناه يسجد ونسجد معه كما في الرواية الأولى قال العلماء اذا سجد المستمع لقراءة غيره وهما في غير صلاة لم ترتبط به بل له أن يرفع قبله وله أن يطول السجود بعده وله أن يسجد ان لم يسجد القارئ سواء كان القارئ متطهرا أو محدثا أو امرأة أو صبيا أو غيرهم ولأصحابنا وجه ضعيف أنه لا يسجد لقراءة الصبي والمحدث والكافر والصحيح الأول 576 قوله عن عبد الله يعني بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ والنجم فسجد فيها وسجد من كان معه غير أن شيخا أخذ كفا من حصى أو تراب فرفعه إلى جبهته وقال يكفيني هذا قال عبد الله لقد رأيته بعد قتل كافرا هذا الشيخ هو أمية بن خلف وقد قتل يوم بدر كافرا ولم يكن أسلم قط وأما قوله وسجد من كان معه فمعناه من كان حاضرا قراءته من المسلمين والمشركين والجن والانس قاله بن عباس رضي الله عنهما وغيره حتى شاع أن أهل مكة أسلموا قال القاضي عياض رحمه الله تعالى وكان سبب سجودهم فيما قال بن مسعود رضي الله عنه أنها أول سجدة نزلت قال القاضي رضي الله عنه وأما ما يرويه الأخباريون والمفسرون أن سبب ذلك ما جرى على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الثناء على آلهة المشركين في سورة النجم فباطل لا يصح فيه شيء لا من جهة النقل ولا من جهة العقل لأن مدح اله غير الله تعالى كفر ولا يصح نسبة ذلك إلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أن يقوله الشيطان على لسانه ولا يصح تسليط الشيطان على ذلك والله أعلم 577 قوله عن بن قسيط هو يزيد بن عبد الله بن قسيط بضم القاف وفتح السين المهملة قوله سأل زيد بن ثابت رضي الله عنه عن القراءة مع الامام فقال لا قراءة مع الامام في شيء وزعم أنه قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم والنجم اذا هوى فلم يسجد أما قوله لا قراءة مع الامام في شيء فيستدل به أبو حنيفة رضي الله عنه وغيره ممن يقول لا قراءة على المأموم في الصلاة سواء كانت سرية أو جهرية ومذهبنا أن قراءة الفاتحة واجبة على المأموم في الصلاة السرية وكذا في الجهرية على أصح القولين والجواب عن قول زيد هذا من وجهين أحدهما أنه قد ثبت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن وقوله صلى الله عليه وسلم إذا كنتم خلفي فلا تقرءوا الا بأم القرآن وغير ذلك من الأحاديث وهي مقدمة على قول زيد وغيره والثاني ان قول زيد محمول على قراءة السورة التي بعد الفاتحة في الصلاة الجهرية فان المأموم لا يشرع له قراءتها وهذا التأويل متعين ليحمل قوله على موافقة الأحاديث الصحيحة ويؤيد هذا أنه يستحب عندنا وعند جماعة للامام أن يسكت في الجهرية بعد الفاتحة قدر ما يقرأ المأموم الفاتحة وجاء فيه حديث حسن في سنن أبي داود وغيره في تلك السكتة يقرأ المأموم الفاتحة فلا يحصل قراءته مع قراءة الإمام بل في سكتته وأما قوله وزعم أنه قرأ فالمراد بالزعم هنا القول المحقق وقد قدمنا بيان هذه المسألة في أوائل هذا الشرح وأن الزعم يطلق على القول المحقق والكذب وعلى المشكوك فيه وينزل في كل موضع على ما يليق به وذكرنا هناك دلائله وأما قوله وزعم أنه قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم والنجم فلم يسجد فاحتج به مالك رحمه الله تعالى ومن وافقه في أنه لا سجود في المفصل وأن سجدة النجم إذا السماء انشقت اقرأ باسم ربك منسوخات بهذا الحديث أو بحديث بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة وهذا مذهب ضعيف فقد ثبت حديث أبي هريرة رضي الله عنه المذكور بعده في مسلم قال سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في إذا السماء انشقت اقرأ باسم ربك وقد أجمع العلماء على أن اسلام أبي هريرة رضي الله عنه كان سنة سبع من الهجرة فدل على السجود في المفصل بعد الهجرة وأما حديث بن عباس رضي الله عنه فضعيف الاسناد لا يصح الاحتجاج به وأما حديث أبي زيد فمحمول على بيان جواز ترك السجود وأنه سنة ليس بواجب ويحتاج إلى هذا التأويل للجمع بينه وبين حديث أبي هريرة والله أعلم وقد اختلف العلماء في عدد سجدات التلاوة فمذهب الشافعي رضي الله عنه وطائفة أنهن أربع عشرة سجدة منها سجدتان في الحج وثلاث في المفصل وليست سجدة صاد منهن وإنما هي سجدة شكر وقال مالك رحمه الله تعالى وطائفة هي احدى عشرة أسقط سجدات المفصل وقال أبو حنيفة رضي الله عنه هن أربع عشرة أثبت سجدات المفصل وسجدة صاد وأسقط السجدة الثانية من الحج وقال أحمد وبن سريج من أصحابنا وطائفة هن خمسة عشرة أثبتوا الجميع ومواضع السجدات معروفة واختلفوا في سجدة حم فقال مالك وطائفة من السلف وبعض أصحابنا هي عقب قوله تعالى إن كنتم إياه تعبدون وقال أبو حنيفة والشافعي رحمهما الله تعالى والجمهور عقب وهم لا يسأمون والله أعلم قوله عن عطاء بن ميناء هو بكسر الميم ويمد ويقصر وقد سبق بيانه قوله عن صفوان بن سليم عن عبد الرحمن الأعرج مولى بني مخزوم عن أبي هريرة رضي الله عنه وفي الرواية الثانية عن عبد الله بن أبي جعفر عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه مثله قال الحميدي في الجمع بين الصحيحين في آخر ترجمة أبي هريرة الأعرج الأول مولى بني مخزوم اسمه عبد الرحمن بن سعد المقعد كنيته أبو أحمد وهو قليل الحديث وأما عبد الرحمن الأعرج الآخر فهو بن هرمز كنيته أبو داود مولى ربيعة بن الحارث وهو كثير الحديث وروي عنه جماعات من الأئمة قال وقد أخرج مسلم عنهما جميعا في سجود القرآن قال فربما أشكل ذلك قال فمولى بني مخزوم يروي ذلك عنه صفوان بن سليم وأما بن هرمز فيروي ذلك عنه عبيد الله بن أبي جعفر هذا كلام الحميدي وهو مليح نفيس وكذا قال الدارقطني ان الأعرج اثنان يرويان عن أبي هريرة أحدهما وهو المشهور عبد الرحمن بن هرمز والثاني عبد الرحمن بن سعد مولى بني مخزوم وهذا هو الصواب وقال أبو مسعود الدمشقي هما واحد قال أبو علي الغساني الجياني الصواب قول الدارقطني والله أعلم واعلم أنه يشترط لجواز سجود التلاوة وصحته شروط صلاة النفل من الطهارة عن الحدث والنجس وستر العورة واستقبال القبلة ولا يجوز السجود حتى يتم قراءة السجدة ويجوز عندنا سجود التلاوة في الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها لأنها ذات سبب ولا يكره عندنا ذوات الأسباب وفي المسألة خلاف مشهور بين العلماء وفي سجود التلاوة مسائل وتفريعات مشهورة في كتب الفقه وبالله التوفيق
1 ( باب صفة الجلوس في الصلاة وكيفية وضع اليدين على الفخذين ) 579 قوله عن بن الزبير رضي الله عنهما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه وفرش قدمه اليمنى ووضع يده اليسرى على ركبته اليسرى ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى وأشار باصبعه وفي رواية أشار بأصبعه السبابة ووضع ابهامه على اصبعه الوسطى ويلقم كفه اليسرى ركبته 580 وفي رواية بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان اذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه ووضع إصبعه اليمنى التي تلى الابهام فدعا بها ويده اليسرى على ركبته باسطها عليها وفي رواية عنه ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى وعقد ثلاثا وخمسين وأشار بالسبابة هذا الذي ذكره من صفة القعود هو التورك لكن قوله وفرش قدمه اليمنى مشكل لأن السنة في القدم اليمنى أن تكون منصوبة باتفاق العلماء وقد تظاهرت الاحاديث الصحيحة على ذلك في صحيح البخاري وغيره قال القاضي عياض رضي الله عنه قال الفقيه أبو محمد الخشني صوابه وفرش قدمه اليسرى ثم أنكر القاضي قوله لانه قد ذكر في هذه الرواية ما يفعل باليسرى وأنه جعلها بين فخذه وساقه قال ولعل صوابه ونصب قدمه اليمنى قال وقد تكون الرواية صحيحة في اليمنى ويكون معنى فرشها أنه لم ينصبها على أطراف أصابعه في هذه المرة ولا فتح أصابعها كما كان يفعل في غالب الاحوال هذا كلام القاضي وهذا التأويل الأخير الذي ذكره هو المختار ويكون فعل هذا لبيان الجواز وأن وضع أطراف الاصابع على الأرض وان كان مستحبا يجوز تركه وهذا التأويل له نظائر كثيرة لا سيما في باب الصلاة وهو أولى من تغليط رواية ثابتة في الصحيح واتفق عليها جميع نسخ مسلم وقد سبق اختلاف العلماء في أن الافضل في الجلوس في التشهدين التورك أم الافتراش فمذهب مالك وطائفة تفضيل التورك فيهما لهذا الحديث ومذهب أبي حنيفة وطائفة تفضيل الافتراش ومذهب الشافعي رضي الله عنه وطائفة يفترش في الأول ويتورك في الاخير لحديث أبي حميد الساعدي ورفقته في صحيح البخاري وهو صريح في الفرق بين التشهدين قال الشافعي رحمه الله تعالى والاحاديث الواردة بتورك أو افتراش مطلقة لم يبين فيها أنه في التشهدين أو أحدهما وقد بينه أبو حميد ورفقته ووصفوا الافتراش في الأول والتورك في الاخير وهذا مبين فوجب حمل ذلك المجمل عليه والله أعلم وأما قوله ووضع يده اليسرى على ركبته وفي رواية ويلقم كفه اليسرى ركبته فهو دليل على استحباب ذلك وقد أجمع العلماء على استحباب وضعها عند الركبة أو على الركبة وبعضهم يقول بعطف أصابعها على الركبة وهو معنى قوله ويلقم كفه اليسرى ركبته والحكمة في وضعها عند الركبة منعها من العبث وأما قوله ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى فمجمع على استحبابه وقوله أشار بأصبعه السبابة ووضع ابهامه على اصبعه الوسطى وفي الرواية الاخرى وعقد ثلاثا وخمسين هاتان الروايتان محمولتان على حالين ففعل في وقت هذا وفي وقت هذا وقد رام بعضهم الجمع بينهما بأن يكون المراد بقوله على اصبعه الوسطى أي وضعها قريبا من أسفل الوسطى وحينئذ يكون بمعنى العقد ثلاثا وخمسين وأما الاشارة بالمسبحة فمستحبة عندنا للاحاديث الصحيحة قال أصحابنا يشير عند قوله الا الله من الشهادة ويشير بمسبحة اليمنى لا غير فلو كانت مقطوعة أو عليلة لم يشر بغيرها لا من الاصل باليمنى ولا اليسرى والسنة أن لا يجاوز بصره اشارته وفيه حديث صحيح في سنن أبي داود ويشير بها موجهة إلى القبلة وينوي بالاشارة التوحيد والاخلاص والله أعلم واعلم أن قوله عقد ثلاثا وخمسين شرطه عند أهل الحساب أن يضع طرف الخنصر على البنصر وليس ذلك مرادا ها هنا بل المراد أن يضع الخنصر على الراحة ويكون على الصورة التي يسميها أهل الحساب تسعة وخمسين والله أعلم 1 ( باب السلام للتحليل من الصلاة عند فراغها وكيفيته )
581 قوله ان أميرا كان بمكة يسلم تسليمتين فقال عبد الله أني علقها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله 582 وعن سعد رضي الله عنه قال كنت أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم عن يمينه وعن يساره حتى أرى بياض خده فقوله أني علقها هو بفتح العين وكسر اللام أي من أين حصل هذه السنة وظفر بها فيه دلالة لمذهب الشافعي والجمهور من السلف والخلف أنه يسن تسليمتان وقال مالك وطائفة انما يسن تسليمه واحدة وتعلقوا بأحاديث ضعيفة لا تقاوم هذه الاحاديث الصحيحة ولو ثبت شيء منها حمل على أنه فعل ذلك لبيان جواز الاقتصار على تسليمة واحدة وأجمع العلماء الذين يعتد بهم على أنه لا يجب الا تسليمه واحدة فان سلم واحدة استحب له أن يسلمها تلقاء وجهه وان سلم تسليمتين جعل الاولى عن يمينه والثانية عن يساره ويلتفت في كل تسليمة حتى يرى من عن جانبه خده هذا هو الصحيح وقال بعض أصحابنا حتى يرى خديه من عن جانبه ولو سلم التسليمتين عن يمينه أو عن يساره أو تلقاء وجهه أو الأولى عن يساره والثانية عن يمينه صحت صلاته وحصلت تسليمتان ولكن فاتته الفضيلة في كيفيتهما واعلم أن السلام ركن من أركان الصلاة وفرض من فروضها لا تصح الا به هذا مذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم وقال أبو حنيفة رضي الله عنه هو سنة ويحصل التحلل من الصلاة بكل شيء ينافيها من سلام أو كلام أو حدث أو قيام أو غير ذلك واحتج الجمهور بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم وثبت في البخاري أنه صلى الله عليه وسلم قال صلوا كما رأيتموني أصلي وبالحديث الآخر تحريمها التكبير وتحليلها التسليم 1 ( باب الذكر بعد الصلاة ) 583 فيه حديث بن عباس رضي الله عنهما قال كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتكبير وفي رواية ان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأنه قال بن عباس رضي الله عنهما كنت أعلم اذا انصرفوا بذلك اذا سمعته هذا دليل لما قاله بعض السلف أنه يستحب رفع الصوت بالتكبير والذكر عقب المكتوبة وممن استحبه من المتأخرين بن حزم الظاهري ونقل بن بطال وآخرون أن أصحاب المذاهب المتبوعة وغيرهم متفقون على عدم استحباب رفع الصوت بالذكر والتكبير وحمل الشافعي رحمه الله تعالى هذا الحديث على أنه جهر وقتا يسيرا حتى يعلمهم صفة الذكر لا أنهم جهروا دائما قال فاختار للإمام والمأموم أن يذكر الله تعالى بعد الفراغ من الصلاة ويخفيان ذلك الا أن يكون اماما يريد أن يتعلم منه فيجهر حتى يعلم أنه قد تعلم منه ثم يسر وحمل الحديث على هذا وقوله كنت أعلم اذا انصرفوا ظاهره أنه لم يكن يحضر الصلاة في الجماعة في بعض الاوقات لصغره قوله أخبرني هذا أبو معبد ثم أنكره في احتجاج مسلم بهذا الحديث دليل على ذهابه إلى صحة الحديث الذي يروي على هذا الوجه مع انكار المحدث له اذا حدث به عنه ثقة وهذا مذهب جمهور العلماء من المحدثين والفقهاء والأصوليين قالوا يحتج به اذا كان انكار الشيخ له لتشكيكه فيه أو لنسيانه أو قال لا أحفظه أو لا أذكر أني حدثتك به ونحو ذلك وخالفهم الكرخي من أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنهما فقال لا يحتج به فأما اذا أنكره انكارا جازما قاطعا بتكذيب الراوي عنه وأنه لم يحدثه به قط فلا يجوز الاحتجاج به عند جميعهم لان حزم كل واحد يعارض جزم الآخر والشيخ هو الاصل فوجب اسقاط هذا الحديث ولا يقدح ذلك في باقي أحاديث الراوي لأنا لم نتحقق كذبه 1 ( باب استحباب التعوذ من عذاب القبر وعذاب جهنم وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال ومن المأثم والمغرم بين التشهد والتسليم )
حاصل أحاديث الباب استحباب التعوذ بين التشهد والتسليم من هذه الأمور وفيه اثبات عذاب القبر وفتنته وهو مذهب أهل الحق خلافا للمعتزلة ومعنى فتنة المحيا والممات الحياة والموت واختلفوا في المراد بفتنة الموت فقيل فتنة القبر وقيل يحتمل أن يراد بها الفتنة عند الاحتضار وأما الجمع بين فتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال وعذاب القبر فهو من باب ذكر الخاص بعد العام ونظائره كثيرة 584 قوله عن عائشة رضي الله عنها أن يهودية قالت هل شعرت أنكم تفتنون في القبور فارتاع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال انما تفتن يهود فلبثنا ليالي ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم هل شعرت أنه أوحى إلى أنكم تفتنون في القبور وفي الرواية الاخرى دخلت عجوزان من عجز يهود المدينة وذكرت أن النبي صلى الله عليه وسلم صدقهما هذا محمول على أنهما قضيتان فجرت القضية الأولى ثم أعلم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ثم جاءت العجوزان بعد ليال فكذبتهما عائشة رضي الله عنها ولم تكن علمت نزول الوحي باثبات عذاب القبر فدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بقول العجوزين فقال صدقتا وأعلم عائشة رضي الله عنها بأنه كان قد نزل الوحي باثباته وقولها لم أنعم أن أصدقهما أي لم تطب نفسي أن أصدقهما ومنه قولهم في التصديق نعم وهو بضم الهمزة واسكان النون وكسر العين 589 قوله صلى الله عليه وسلم اللهم اني أعوذ بك من المأثم والمغرم ومعناه من الاثم والغرم وهو الدين 588 قوله صلى الله عليه وسلم إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر فليتعوذ بالله من أربع فيه التصريح باستحبابه في التشهد الاخير والاشارة إلى أنه لا يستحب في الأول وهكذا الحكم لان الأول مبنى على التخفيف 590 قوله ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن وان طاوسا رحمه الله تعالى أمر ابنه حين لم يدع بهذا الدعاء فيها باعادة الصلاة هذا كله يدل على تأكيد هذا الدعاء والتعوذ والحث الشديد عليه وظاهر كلام طاوس رحمه الله تعالى أنه حمل الامر به على الوجوب فأوجب اعادة الصلاة لفواته وجمهور العلماء على أنه مستحب ليس بواجب ولعل طاوسا أراد تأديب ابنه وتأكيد هذا الدعاء عنده لا أنه يعتقد وجوبه والله أعلم قال القاضي عياض رحمه الله تعالى ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم واستعاذته من هذه الأمور التي قد عوفي منها وعصم انما فعله ليلتزم خوف الله تعالى واعظامه والافتقار إليه ولتقتدي به أمته وليبين لهم صفة الدعاء والمهم منه والله أعلم 1 ( باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته )
591 قوله اذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثا المراد بالانصراف السلام قوله صلى الله عليه وسلم 593 ولا ينفع ذا الجد منك الجد المشهور الذي عليه الجمهور أنه بفتح الجيم ومعناه لا ينفع ذا الغنى والحظ منك غناه وضبطه جماعة بكسر الجيم وقد سبق بيانه مبسوطا في باب ما يقول ) إذا رفع رأسه من الركوع قوله عن بن عون عن أبي سعيد عن وراد اختلفوا في أبي سعيد هذا فالصواب الذي قاله البخاري في تاريخه وغيره من الأئمة أنه عبد ربه بن سعيد وقال بن السكن هو بن أخي عائشة رضي الله عنهما من الرضاعة وغلطوه في ذلك وقال بن عبدالبر هو الحسن البصري رضي الله عنه وغلطوه أيضا 595 قوله ذهب أهل الدثور هو بالثاء المثلثة واحدها دثر وهو المال الكثير وفي هذا الحديث دليل لمن فضل الغنى الشاكر على الفقير الصابر وفي المسألة خلاف مشهور بين السلف والخلف من الطوائف والله أعلم قوله في كيفية عدد التسبيحات والتحميدات والتكبيرات أن أبا صالح رحمه الله تعالى قال يقول الله أكبر وسبحان الله والحمد لله ثلاثا وثلاثين مرة وذكر بعد هذه الاحاديث من طرق غير طريق أبي صالح وظاهرها أنه يسبح ثلاثا وثلاثين مستقلة ويكبر ثلاثا وثلاثين مستقلة ويحمد كذلك وهذا ظاهر الاحاديث قال القاضي عياض وهو أولى من تأويل أبي صالح وأما قول سهيل احدى عشرة احدى عشرة فلا ينافي رواية الأكثرين ثلاثا وثلاثين بل معهم زيادة يجب قبولها وفي رواية تمام المائة لا اله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وفي رواية أن التكبيرات أربع وثلاثون وكلها زيادات من الثقات يجب قبولها فينبغي أن يحتاط الانسان فيأتي بثلاث وثلاثين تسبيحة ومثلها تحميدات وأربع وثلاثين تكبيرة ويقول معها لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلى آخرها ليجمع بين الروايات 596 قوله صلى الله عليه وسلم معقبات لا يخيب قائلهن أو فاعلهن قال الهروي قال سمرة معناه تسبيحات تفعل أعقاب الصلاة وقال أبو الهشيم سميت معقبات لانها تفعل مرة بعد أخرى وقوله تعالى له معقبات أي ملائكة يعقب بعضهم بعضا واعلم أن حديث كعب بن عجرة هذا ذكره الدار قطني في استدراكاته على مسلم وقال الصواب أنه موقوف على كعب لان من رفعه لا يقاومون من وقفه في الحفظ وهذا الذي قاله الدارقطني مردود لان مسلما رواه من طرق كلها مرفوعة وذكره الدارقطني أيضا من طرق أخرى مرفوعة وانما روى موقوفا من جهة منصور وشعبة وقد اختلفوا عليهما أيضا في رفعه ووقفه وبين الدارقطني ذلك وقد قدمنا في الفصول السابقة في أول هذا الشرح أن الحديث الذي روى موقوفا ومرفوعا يحكم بأنه مرفوع على المذهب الصحيح الذي عليه الاصوليون والفقهاء والمحققون من المحدثين منهم البخاري وآخرون حتى لو كان الواقفون أكثر من الرافعين حكم بالرفع كيف والامر هنا بالعكس ودليله ما سبق أن هذه زيادة ثقة فوجب قبولها ولا ترد لنسيان أو تقصير حصل بمن وقفه والله أعلم 597 قوله عن أبي عبيد المذحجي هو بفتح الميم واسكان الذال المعجمة ثم حاء مهملة مكسورة ثم جيم منسوب إلى مذحج قبيلة معروفة قوله صلى الله عليه وسلم دبر كل صلاة هو بضم الدال هذا هو المشهور في اللغة والمعروف في الروايات وقال أبو عمر المطرزي في كتابه اليواقيت دبر كل شيء بفتح الدال آخر أوقاته من الصلاة وغيرها وقال هذا هو المعروف في اللغة وأما الخارجة فبالضم وقال الداودي عن بن الاعرابي دبر الشيء ودبره بالضم والفتح آخر أوقاته والصحيح الضم ولم يذكر الجوهري وآخرون غيره 1 ( باب ما يقال بين تكبيرة الاحرام والقراءة )
598 قوله سكت هنية هي بضم الهاء وفتح النون وتشديد الياء بغير همزة وهي تصغير هنة أصلها هنوة فلما صغرت صارت هنيوة فاجتمعت واو وياء وسبقت احداهما بالسكون فوجب قلب الواو ياء فاجتمعت ياءان فادغمت احداهما في الأخرى فصارت هنية ومن همزها فقد أخطأ ورواه بعضهم هنيهة وهو صحيح أيضا وفي هذا الحديث ألفاظ تقدم شرحها في باب ما يقول اذا رفع رأسه من الركوع وفيه دليل للشافعي وأبي حنيفة وأحمد والجمهور رحمهم الله تعالى أنه يستحب دعاء الافتتاح وجاءت فيه أحاديث كثيرة في الصحيح منها هذا الحديث وحديث علي رضي الله عنه في وجهت وجهي إلى آخره ذكره مسلم بعد هذا في أبواب صلاة الليل وغير ذلك من الأحاديث وقد جمعتها موضحة في شرح المهذب وقال مالك رضي الله عنه لا يستحب دعاء الافتتاح بعد تكبيرة الاحرام ودليل الجمهور هذه الاحاديث الصحيحة 599 قوله وحدثت عن يحيى بن حسان إلى آخره هذا من الاحاديث المعلقة التي سقط أول اسنادها في صحيح مسلم وقد سبق بيانها في مقدمة هذا الشرح 600 قوله وقد حفزه النفس هو بفتح حروفه وتخفيفها أي ضغطه لسرعته قوله فأرم القوم هو بفتح الراء وتشديد الميم أي سكتوا قال القاضي عياض ورواه بعضهم في غير صحيح مسلم فأزم بالزاي المفتوحة وتخفيف الميم من الازم وهو الامساك وهو صحيح المعنى 601 قوله الله أكبر كبيرا أي كبرت كبيرا وفي الرواية الأولى دليل على أن بعض الطاعات قد يكتبها غير الحفظة أيضا 1 ( باب استحباب اتيان الصلاة بوقار وسكينة والنهي عن اتيانها سعيا ) 602 قوله صلى الله عليه وسلم اذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وأتوها تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا فان أحدكم اذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة فيه الندب الاكيد إلى إتيان الصلاة بسكينة ووقار والنهي عن إتيانها سعيا سواء فيه صلاة الجمعة وغيرها سواء خاف فوت تكبيرة الاحرام أم لا والمراد بقول الله تعالى فاسعوا إلى ذكر الله الذهاب يقال سعيت في كذا أو إلى كذا إذا ذهبت إليه وعملت فيه ومنه قوله تعالى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى قال العلماء والحكمة في اتيانها بسكينة والنهي عن السعي أن الذاهب إلى صلاة عامد في تحصيلها ومتوصل إليها فينبغي أن يكون متأدبا بآدابها وعلى أكمل الاحوال وهذا معنى الرواية الثانية فان أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة وقوله صلى الله عليه وسلم إذا أقيمت الصلاة إنما ذكر الاقامة للتنبيه بها على ما سواها لانه اذا نهى عن اتيانها سعيا في حال الاقامة مع خوفه فوت بعضها فقيل الاقامة أولى وأكد ذلك ببيان العلة فقال صلى الله عليه وسلم فان أحدكم اذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة وهذا يتناول جميع أوقات الأتيان إلى الصلاة وأكد ذلك تأكيدا آخر قال فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا فحصل فيه تنبيه وتأكيد لئلا يتوهم متوهم أن النهي إنما هو لمن لم يخف فوت بعض الصلاة فصرح بالنهي وان فات من الصلاة ما فات وبين ما يفعل فيما فات وقوله صلى الله عليه وسلم وما فاتكم دليل على جواز قول فاتتنا الصلاة وأنه لا كراهة فيه وبهذا قال جمهور العلماء وكرهه بن سيرين وقال إنما يقال لم ندركها وقوله صلى الله عليه وسلم وما فاتكم فأتموا هكذا ذكره مسلم في أكثر رواياته وفي رواية واقض ما سبقك واختلف العلماء في المسألة فقال الشافعي وجمهور العلماء من السلف والخلف ما أدركه المسبوق مع الامام أول صلاته وما يأتي به بعد سلامه آخرها وعكسه أبو حنيفة رضي الله عنه وطائفة وعن مالك وأصحابه روايتان كالمذهبين وحجة هؤلاء واقض ما سبقك وحجة الجمهور أن أكثر الروايات وما فاتكم فأتموا وأجابوا عن رواية واقض ما سبقك أن المراد بالقضاء الفعل لا القضاء المصطلح عليه عند الفقهاء وقد كثر استعمال القضاء بمعنى الفعل فمنه قوله تعالى فقضاهن سبع سماوات وقوله تعالى فإذا قضيتم مناسككم وقوله تعالى فإذا قضيت الصلاة ويقال قضيت حق فلان ومعنى الجميع الفعل قوله صلى الله عليه وسلم إذا ثوب بالصلاة معناه إذا أقيمت سميت الإقامة تثويبا لأنها دعاء إلى الصلاة بعد الدعاء بالأذان من قولهم ثاب إذا رجع قوله صلى الله عليه وسلم وعليه السكينة والوقار قيل هما بمعنى وجمع بينهما تأكيدا والظاهر أن بينهما فرقا وأن السكينة التأني في الحركات واجتناب العبث ونحو ذلك والوقار في الهيئة وغض البصر وخفض الصوت والاقبال على طريقه بغير التفات ونحو ذلك والله أعلم 603 قوله فسمع جلبة أي أصواتا لحركتهم وكلامهم واستعجالهم قوله حدثنا شيبان بهذا الاسناد يعني حدثنا شيبان عن يحيى بن أبي كثير باسناده المتقدم وكان ينبغي لمسلم أن يقول عن يحيى لأن شيبان لم يتقدم له ذكر وعادة مسلم وغيره في مثل هذا أن يذكروا في الطريق الثاني رجلا ممن سبق في الطريق الاول ويقولوا بهذا الاسناد حتى يعرف وكأن مسلما رحمه الله تعالى اقتصر على شيبان للعلم بأنه في درجة معاوية بن سلام السابق وأنه يروي عن يحيى بن أبي كثير والله أعلم
1 ( باب متى يقوم الناس للصلاة ) 604 فيه قوله صلى الله عليه وسلم إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني وفي رواية أبي هريرة رضي الله عنه أقيمت الصلاة فقمنا فعدلنا الصفوف قبل أن يخرج الينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية أن الصلاة كانت تقام لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيأخذ الناس مصافهم قبل أن يقوم النبي صلى الله عليه وسلم مقامه وفي رواية جابر بن سمرة رضي الله عنه كان بلال رضي الله عنه يؤذن اذا دحضت ولا يقيم حتى يخرج النبي صلى الله عليه وسلم فإذا خرج أقام الصلاة حين يراه قال القاضي عياض رحمه الله تعالى يجمع بين مختلف هذه الاحاديث بأن بلالا رضي الله عنه كان يراقب خروج النبي صلى الله عليه وسلم من حيث لا يراه غيره أو الا القليل فعند أول خروجه يقيم ولا يقوم الناس حتى يروه ثم لا يقوم مقامه حتى يعدلوا الصفوف وقوله في رواية أبي هريرة رضي الله عنه فيأخذ الناس مصافهم قبل خروجه لعله كان مرة أو مرتين ونحوهما لبيان الجواز أو لعذر ولعل قوله صلى الله عليه وسلم فلا تقوموا حتى تروني كان بعد ذلك قال العلماء والنهي عن القيام قبل أن يروه لئلا يطول عليهم القيام ولانه قد يعرض له عارض فيتأخر بسببه واختلف العلماء من السلف فمن بعدهم متى يقوم الناس للصلاة ومتى يكبر الامام فمذهب الشافعي رحمه الله تعالى وطائفة أنه يستحب أن لا يقوم أحد حتى يفرغ المؤذن من الاقامة ونقل القاضي عياض عن مالك رحمه الله تعالى وعامة العلماء أنه يستحب أن يقوموا إذا أخذ المؤذن في الاقامة وكان أنس رحمه الله تعالى يقوم اذا قال المؤذن قد قامت الصلاة وبه قال أحمد رحمه الله تعالى وقال أبو حنيفة رضي الله عنه والكوفيون يقومون في الصف اذا قال حي على الصلاة فاذا قال قد قامت الصلاة كبر الامام وقال جمهور العلماء من السلف والخلف لا يكبر الامام حتى يفرغ المؤذن من الاقامة قوله قمنا فعدلنا الصفوف اشارة إلى أن هذه سنة معهودة عندهم وقد أجمع العلماء على استحباب تعديل الصفوف والتراص فيها وقد سبق بيانه في بابه قوله فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا قام في مصلاه قبل أن يكبر ذكر فانصرف وقال لنا مكانكم فلم نزل قياما ننتظره حتى خرج الينا وقد اغتسل فقوله قبل أن يكبر صريح في أنه لم يكن كبر ودخل في الصلاة ومثله قوله في رواية البخاري وانتظرنا تكبيره وفي رواية أبي داود أنه كان دخل في الصلاة فتحمل هذه الرواية على أن المراد بقوله دخل في الصلاة أنه قام في مقامه للصلاة وتهيأ للاحرام بها ويحتمل أنهما قضيتان وهو الأظهر وظاهر هذه الأحاديث أنه لما اغتسل وخرج لم يجددوا اقامة الصلاة وهذا محمول على قرب الزمان فان طال فلابد من اعادة الاقامة ويدل على قرب الزمان في هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم مكانكم وقوله خرج إلينا ورأسه ينطف وفيه جواز النسيان في العبادات على الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وقد سبق بيان هذه المسألة قريبا قوله ينطف بكسر الطاء وضمها لغتان مشهورتان أي يقطر وفيه دليل على طهارة الماء المستعمل قوله فأومأ اليهم هو مهموز 606 قوله كان بلال يؤذن اذا دحضت هو بفتح الدال والحاء والضاد المعجمة أي زالت الشمس 1 ( باب من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك تلك الصلاة )
607 قوله ص من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة 608 وفي رواية من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر أجمع المسلمون على أن هذا ليس على ظاهره وأنه لا يكون بالركعة مدركا لكل الصلاة وتكفيه وتحصل براءته من الصلاة بهذه الركعة بل هو متأول وفيه اضمار تقديره فقد أدرك حكم الصلاة أو وجوبها أو فضلها قال أصحابنا يدخل فيه ثلاث مسائل احداها اذا أدرك من لا يجب عليه الصلاة ركعة من وقتها لزمته تلك الصلاة وذلك في الصبي يبلغ والمجنون والمغمي عليه يفيقان والحائض والنفساء تطهران والكافر يسلم فمن أدرك من هؤلاء ركعة قبل خروج وقت الصلاة لزمته تلك الصلاة وان أدرك دون ركعة كتكبيرة ففيه قولان للشافعي رحمه الله تعالى أحدهما لا تلزمه لمفهوم هذا الحديث وأصحهما عند أصحابنا تلزمه لأنه أدرك جزءا منه فاستوى قليله وكثيره ولأنه يشترط قدر الصلاة بكمالها بالاتفاق فينبغي أن لا يفرق بين تكبيرة وركعة وأجابوا عن الحديث بأن التقييد بركعة خرج على الغالب فان غالب ما يمكن معرفة ادراكه ركعة ونحوها وأما التكبيرة فلا يكاد يحس بها وهل يشترط مع التكبيرة أو الركعة امكان الطهارة فيه وجهان لأصحابنا أصحهما أنه لا يشترط المسألة الثانية إذا دخل في الصلاة في آخر وقتها فصلى ركعة ثم خرج الوقت كان مدركا لأدائها ويكون كلها أداء وهذا هو الصحيح عند أصحابنا وقال بعض أصحابنا يكون كلها قضاء وقال بعضهم ما وقع في الوقت أداء وما بعده قضاء وتظهر فائدة الخلاف في مسافر نوى القصر وصلى ركعة في الوقت وباقيها بعده فان قلنا الجميع أداء فله قصرها وان قلنا كلها قضاء أو بعضها وجب اتمامها أربعا إن قلنا أن فائتة السفر اذا قضاها في السفر يجب اتمامها هذا كله اذا أدرك ركعة في الوقت فان كان دون ركعة فقال بعض أصحابنا هو كالركعة وقال الجمهور يكون كلها قضاء واتفقوا على أنه لا يجوز تعمد التأخير إلى هذا الوقت وان قلنا انها أداء وفيه احتمال لأبي محمد الجويني على قولنا أداء وليس بشيء المسألة الثالثة اذا أدرك المسبوق مع الامام ركعة كان مدركا لفضيلة الجماعة بلا خلاف وان لم يدرك ركعة بل أدركه قبل السلام بحيث لا يحسب له ركعة ففيه وجهان لاصحابنا أحدهما لا يكون مدركا للجماعة لمفهوم قوله صلى الله عليه وسلم من أدرك ركعة من الصلاة مع الامام فقد أدرك الصلاة والثاني وهو الصحيح وبه قال جمهور أصحابنا يكون مدركا لفضيلة الجماعة لانه أدرك جزءا منه ويجاب عن مفهوم الحديث بما سبق قوله صلى الله عليه وسلم من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر هذا دليل صريح في أن من صلى ركعة من الصبح أو العصر ثم خرج الوقت قبل سلامه لا تبطل صلاته بل يتمها وهي صحيحة وهذا مجمع عليه في العصر وأما في الصبح فقال به مالك والشافعي وأحمد والعلماء كافة الا أبا حنيفة رضي الله عنه فانه قال تبطل صلاة الصبح بطلوع الشمس فيها لانه دخل وقت النهي عن الصلاة بخلاف غروب الشمس والحديث حجة عليه 1 ( باب أوقات الصلوات الخمس )
610 قوله ان جبريل نزل فصلى امام رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله امام بكسر الهمزة ويوضحه قوله في الحديث نزل جبريل فامني فصليت معه ثم صليت معه ثم انه قد يقال ليس في هذا الحديث بيان أوقات الصلوات ويجاب عنه بأنه كان معلوما عند المخاطب فأبهمه في هذه الرواية وبينه في رواية جابر وبن عباس رضي الله عنهم وقد ذكره أبو داود والترمذي وغيرهما من أصحاب السنن قوله ان جبريل نزل فصلى فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكرره هكذا خمس مرات معناه أنه كلما فعل جزأ من أجزاء الصلاة فعله النبي صلى الله عليه وسلم بعده حتى تكاملت صلاته قوله بهذا أمرت روى بضم التاء وفتحها وهما ظاهران قوله أو إن جبريل هو بفتح الواو وكسر الهمزة قوله أخر عمر بن عبد العزيز العصر فأنكر عليه عروة وأخرها المغيرة فأنكر عليه أبو مسعود الانصاري واحتجابا بامامة جبريل عليه السلام أما تأخيرهما فلكونهما لم يبلغهما الحديث أو أنهما كانا يريان جواز التأخير ما لم يخرج الوقت كما هو مذهبنا ومذهب الجمهور وأما احتجاج أبي مسعود وعروة بالحديث فقد يقال قد ثبت في الحديث في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما من رواية بن عباس وغيره في امامة جبريل صلى الله عليه وسلم أنه صلى الصلوات الخمس مرتين في يومين فصلى الخمس في اليوم الأول في أول الوقت وفي اليوم الثاني في آخر وقت الاختيار واذا كان كذلك فكيف يتوجه الاستدلال بالحديث وجوابه أنه يحتمل أنهما أخرا العصر عن الوقت الثاني وهو مصير ظل كل شيء مثليه والله أعلم 611 قوله كان يصلي العصر والشمس في حجرتها قبل أن تظهر وفي رواية يصلي العصر والشمس طالعة في حجرتي لم يفيء الفيء بعد وفي رواية والشمس واقعة في حجرتي معناه كله التكبير بالعصر في أول وقتها وهو حين يصير ظل كل شيء مثله وكانت الحجرة ضيقة العرصة قصيرة الجدار بحيث يكون طول جدارها أقل من مساحة العرصة بشيء يسير فاذا صار ظل الجدار مثله دخل وقت العصر وتكون الشمس بعد في أواخر العرصة لم يقع الفيء في الجدار الشرقي وكل الروايات محمولة على ما ذكرناه وبالله التوفيق 612 قوله ص اذا صليتم الصبح فانه وقت إلى أن يطلع قرن الشمس الأول معناه وقت لأداء الصبح فإذا طلعت الشمس قال خرج وقت الاداء وصارت قضاء ويجوز قضاؤها في كل وقت وفي هذا الحديث دليل للجمهور أن وقت الاداء يمتد إلى طلوع الشمس قال أبو سعيد الاصطخري من أصحابنا اذا أسفر الفجر صارت قضاء بعده لان جبريل عليه السلام صلى في اليوم الثاني حين أسفر وقال الوقت ما بين هذين ودليل الجمهور هذا الحديث قالوا وحديث جبريل عليه السلام لبيان وقت الاختيار لا لاستيعاب وقت الجواز للجمع بينه وبين الاحاديث الصحيحة في امتداد الوقت إلى أن يدخل وقت الصلاة الاخرى الا الصبح وهذا التأويل أولى من قول من يقول ان هذه الاحاديث ناسخة لحديث جبريل عليه السلام لان النسخ لا يصار إليه الا إذا عجزنا عن التأويل ولم نعجز في هذه المسألة والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم اذا صليتم الظهر فانه وقت إلى أن يحضر العصر معناه وقت لأداء الظهر وفيه دليل للشافعي رحمه الله تعالى وللأكثرين أنه لا اشتراك بين وقت الظهر ووقت العصر بل متى خرج وقت الظهر بمصير ظل الشي مثله غير الظل الذي يكون عند الزوال دخل وقت العصر واذا دخل وقت العصر لم يبق شيء من وقت الظهر وقال مالك رضي الله عنه وطائفة من العلماء اذا صار ظل كل شيء مثله دخل وقت العصر ولم يخرج وقت الظهر بل يبقى بعد ذلك قدر أربع ركعات صالح للظهر والعصر أداء واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل عليه السلام صلى بي الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله وصلى بي العصر في اليوم الأول حين صار ظل كل شيء مثله فظاهره اشتراكهما في قدر أربع ركعات واحتج الشافعي والاكثرون بظاهر الحديث الذي نحن فيه وأجابوا عن حديث جبريل عليه السلام بأن معناه فرغ من الظهر حين صار ظل كل شيء مثله وشرع في العصر في اليوم الأول حين صار ظل كل شيء مثله فلا اشتراك بينهما فهذا التأويل متعين للجمع بين الأحاديث وأنه اذا حمل على الاشتراك يكون آخر وقت الظهر مجهولا لأنه اذا ابتدأ بها حين صار ظل كل شيء مثله لم يعلم متى فرغ منها وحينئذ يكون آخر وقت الظهر مجهولا ولا يحصل بيان حدود الأوقات واذا حمل على ما تأولناه حصل معرفة آخر الوقت وانتظمت الأحاديث على اتفاق وبالله التوفيق قوله صلى الله عليه وسلم فاذا صليتم العصر فانه وقت إلى أن تصفر الشمس معناه فانه وقت لأدائها بلا كراهة فاذا اصفرت صار وقت كراهة وتكون أيضا أداء حتى تغرب الشمس للحديث السابق ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر وفي هذا الحديث رد على أبي سعيد الاصطخري رحمه الله تعالى في قوله إذا صار ظل الشيء مثليه صارت العصر قضاء وقد تقدم قريبا الاستدلال عليه قال أصحابنا رحمهم الله تعالى للعصر خمسة أوقات وقت فضيلة واختيار وجواز بلا كراهة وجواز مع كراهة ووقت عذر فاما وقت الفضيلة فأول وقتها ووقت الاختيار يمتد إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه ووقت الجواز إلى الاصفرار ووقت الجواز مع الكراهة حالة الاصفرار إلى الغروب ووقت العذر وهو وقت الظهر في حق من يجمع بين الظهر والعصر لسفر أو مطر ويكون العصر في هذه الأوقات الخمسة أداء فاذا فاتت كلها بغروب الشمس صارت قضاء والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم فاذا صليتم المغرب فانه وقت إلى أن يسقط الشفق وفي رواية وقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق وفي رواية ما لم يغب الشفق وفي رواية ما لم يسقط الشفق هذا الحديث وما بعده من الأحاديث صرائح في أن وقت المغرب يمتد إلى غروب الشفق وهذا أحد القولين في مذهبنا وهو ضعيف عند جمهور نقلة مذهبنا وقالوا الصحيح أنه ليس لها الا وقت واحد وهو عقب غروب الشمس بقدر ما يتطهر ويستر عورته ويؤذن ويقيم فإن أخر الدخول في الصلاة عن هذا الوقت أثم وصارت قضاء وذهب المحققون من أصحابنا إلى ترجيح القول بجواز تأخيرها ما لم يغب الشفق وأنه يجوز ابتداؤها في كل وقت من ذلك ولا يأثم بتأخيرها عن أول الوقت وهذا هو الصحيح أو الصواب الذي لا يجوز غيره والجواب عن حديث جبريل عليه السلام حين صلى المغرب في اليومين في وقت واحد حين غربت الشمس من ثلاثة أوجه أحدها أنه اقتصر على بيان وقت الاختيار ولم يستوعب وقت الجواز وهذا جار في كل الصلوات سوى الظهر والثاني أنه متقدم في أول الأمر بمكة وهذه الأحاديث بامتداد وقت المغرب إلى غروب الشفق متأخرة في أواخر الأمر بالمدينة فوجب اعتمادها والثالث أن هذه الأحاديث أصح اسنادا من حديث بيان جبريل عليه السلام فوجب تقديمها فهذا مختصر ما يتعلق بوقت المغرب وقد بسطت في شرح المهذب دلائله والجواب عن ما يوهم خلاف الصحيح والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم فإذا صليتم العشاء فانه وقت إلى نصف الليل معناه وقت لأدائها اختيارا أما وقت الجواز فيمتد إلى طلوع الفجر الثاني لحديث أبي قتادة الذي ذكره مسلم بعد هذا في باب من نسي صلاة أو نام عنها أنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى وسنوضح شرحه في موضعه ان شاء الله تعالى وقال الاصطخري إذا ذهب نصف الليل صارت قضاء ودليل الجمهور حديث أبي قتادة والله أعلم قوله المراغ حي من الأزد هو بفتح الميم وبالغين المعجمة قوله ص ما لم يسقط ثور الشفق هو بالثاء المثلثة أي ثورانه وانتشاره وفي رواية أبي داود فور الشفق بالفاء وهو بمعناه والمراد بالشفق الأحمر هذا مذهب الشافعي رحمه الله تعالى وجمهور الفقهاء وأهل اللغة وقال أبو حنيفة والمزني رضي الله عنهما وطائفة من الفقهاء وأهل اللغة المراد الأبيض والأول هو الراجح المختار وقد بسطت دلائله في تهذيب اللغات وفي شرح المهذب قوله صلى الله عليه وسلم فانها تطلع بين قرني الشيطان قيل المراد بقرنه أمته وشيعته وقيل قرنه جانب رأسه وهذا ظاهر الحديث فهو أولى ومعناه أنه يدني رأسه إلى الشمس في هذا الوقت ليكون الساجدون للشمس من الكفار في هذا الوقت كالساجدين له وحينئذ يكون له ولشيعته تسلط وتمكن من أن يلبسوا على المصلى صلاته فكرهت الصلاة في هذا الوقت لهذا المعنى كما كرهت في مأوى الشيطان قوله صلى الله عليه وسلم ووقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس ويسقط قرنها الأول فيه دليل لمذهب الجمهور ان وقت العصر يمتد إلى غروب الشمس والمراد بقرنها جانبها فيه أن العصر يكون أداء ما لم تغب الشمس وقد سبق قريبا هذا كله قوله عن يحيى بن أبي كثير قال لا يستطاع العلم براحة الجسم جرت عادة الفضلاء بالسؤال عن ادخال مسلم هذه الحكاية عن يحيى مع أنه لا يذكر في كتابه الا أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم محضة مع أن هذه الحكاية لا تتعلق باحاديث مواقيت الصلاة فكيف أدخلها بينها وحكى القاضي عياض رحمه الله تعالى عن بعض الأئمة أنه قال سببه أن مسلما رحمه الله تعالى أعجبه حسن سياق هذه الطرق التي ذكرها لحديث عبد الله بن عمر وكثرة فوائدها وتلخيص مقاصدها وما اشتملت عليه من الفوائد في الأحكام وغيرها ولا نعلم أحدا شاركه فيها فلما رأى ذلك أراد أن ينبه من رغب في تحصيل الرتبة التي ينال بها معرفة مثل هذا فقال طريقه أن يكثر اشتغاله واتعابه جسمه في الاعتناء بتحصيل العلم هذا شرح ما حكاه القاضي 613 قوله في حديث بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا سأله عن وقت الصلاة فقال له صل معنا هذين يعني اليومين وذكر الصلوات في اليومين في الوقتين فيه بيان أن للصلاة وقت فضيلة ووقت اختيار وفيه أن وقت المغرب ممتد وفيه البيان بالفعل فانه أبلغ في الايضاح والفعل تعم فائدته السائل وغيره وفيه تأخير البيان إلى وقت الحاجة وهو مذهب جمهور الأصوليين وفيه احتمال تأخير الصلاة عن أول وقتها وترك فضيلة أول الوقت لمصلحة راجحة قول صلى الله عليه وسلم وقت صلاتكم بين ما رأيتم هذا خطاب للسائل وغيره وتقديره وقت صلاتكم في الطرفين اللذين صليت فيهما وفيما بينهما وترك ذكر الطرفين بحصول علمهما بالفعل أو يكون المراد ما بين الاحرام بالأولى والسلام من الثانية قوله وحدثني إبراهيم بن محمد بن عرعرة السامي عرعرة بفتح العينين المهملتين واسكان الراء بينهما والسامي بالسين المهملة منسوب إلى سامة بن لؤي بن غالب وهو من نسله قرشي سامي قوله حين وجبت الشمس أي غابت وقوله وقع الشفق أي غاب قوله فنور بالصبح أي أسفر من النور وهو الاضاءة 614 قوله في حديث أبي موسى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أتاه سائل يسأله عن مواقيت الصلاة فلم يرد عليه شيئا فأقام الفجر حين انشق الفجر معنى قوله لم يرد عليه شيئا أي لم يرد جوابا ببيان الأوقات باللفظ بل قال له صل معنا لتعرف ذلك ويحصل لك البيان بالفعل وإنما تأولناه لنجمع بينه وبين حديث بريدة ولأن المعلوم من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يجيب اذا سئل عما يحتاج إليه والله أعلم قوله في حديث بريدة وحديث أبي موسى أنه صلى العشاء بعد ثلث الليل وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ووقت العشاء إلى نصف الليل هذه الأحاديث لبيان آخر وقت الاختيار واختلف العلماء في الراجح منهما وللشافعي رحمه الله تعالى قولان أحدهما أن وقت الاختيار يمتد إلى ثلث الليل والثاني إلى نصفه وهو الأصح وقال أبو العباس بن شريح لا اختلاف بين الروايات ولا عن الشافعي رحمه الله تعالى بل المراد بثلث الليل أنه أول ابتدائها وبنصفه آخر انتهائها ويجمع بين الاحاديث بهذا وهذا الذي قاله يوافق ظاهر ألفاظ هذه الاحاديث لأن قوله صلى الله عليه وسلم وقت العشاء إلى نصف الليل ظاهره أنه آخر وقتها المختار وأما حديث بريدة وأبي موسى ففيهما أنه شرع بعد ثلث الليل وحينئذ يمتد إلى قريب من النصف فتتفق الاحاديث الواردة في ذلك قولا وفعلا والله أعلم
1 ( باب استحباب الابراد بالظهر في شدة الحر لمن يمضي إلى جماعة ويناله الحر في طريقه) 615 قوله صلى الله عليه وسلم إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة وذكر مسلم رحمه الله تعالى بعد هذا حديث خباب شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء فلم يشكنا قال زهير قلت لأبي إسحاق أفي الظهر قال نعم قلت أفي تعجيلها قال نعم اختلف العلماء في الجمع بين هذين الحديثين فقال بعضهم الابراد رخصة والتقديم أفضل واعتمدوا حديث خباب وحملوا حديث الابراد على الترخيص والتخفيف في التأخير وبهذا قال بعض أصحابنا وغيرهم وقال جماعة حديث خباب منسوخ باحاديث الابراد وقال آخرون المختار استحباب الابراد لاحاديثه وأما حديث خباب فمحمول على أنهم طلبوا تأخيرا زائدا على قدر الابراد لأن الابراد يؤخر بحيث يحصل للحيطان فيء يمشون فيه ويتناقص الحر والصحيح استحباب الابراد وبه قال جمهور العلماء وهو المنصوص للشافعي رحمه الله تعالى وبه قال جمهور الصحابة لكثرة الاحاديث الصحيحة فيه المشتملة على فعله والامر به في مواطن كثيرة ومن جهة جماعة من الصحابة رضي الله عنهم قوله ص فان شدة الحر من فيح جهنم هو بفاء مفتوحة ثم مثناة من تحت ساكنة ثم حاء مهملة أي سطوع حرها وانتشاره وغليانها قوله صلى الله عليه وسلم فأبردوا بالصلاة وفي الرواية الاخرى فأبردوا عن الصلاة هما بمعنى وعن تطلق بمعنى الباء كما يقال رميت عن القوس أي بها قوله عن بسر بن سعيد هو بضم الموحدة وبالسين المهملة وقد سبق بيانه مرات 616 قوله حتى رأينا فيء التلول هي جمع تل وهو معروف والفيء لا يكون إلا بعد الزوال وأما الظل فيطلق على ما قبل الزوال وبعده هذا قول أهل اللغة ومعنى قوله رأينا فيء التلول أنه أخر تأخيرا كثيرا حتى صار للتلول فيء والتلول منبطحة غير منتصبة ولا يصير لها فيء في العادة الا بعد زوال الشمس بكثير قوله ص أبردوا عن الحر في الصلاة أي أخروها إلى البرد واطلبوا البرد لها قوله صلى الله عليه وسلم فما وجدتم من برد أو زمهرير فمن نفس جهنم وما وجدتم من حر أو حرور فمن نفس جهنم قال العلماء الزمهرير شدة البرد والحرور شدة الحر قالوا وقوله أو يحتمل أن يكون شكا من الراوي ويحتمل أن يكون للتقسيم 617 قوله ص اشتكت النار إلى ربها فقالت يا رب أكل بعضي بعضا فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف قال القاضي اختلف العلماء في معناه فقال بعضهم هو على ظاهره واشتكت حقيقة وشدة الحر من وهجها وفيحها وجعل الله تعالى فيها ادراكا وتمييزا بحيث تكلمت بهذا ومذهب أهل السنة أن النار مخلوقة قال وقيل ليس هو على ظاهره بل هو على وجه التشبيه والاستعارة والتقريب وتقديره أن شدة الحر يشبه نار جهنم فاحذروه واجتنبوا حروره قال والأول أظهر قلت والصواب الأول لأنه ظاهر الحديث ولا مانع من حمله على حقيقته فوجب الحكم بأنه على ظاهره والله أعلم واعلم أن الأبراد إنما يشرع في الظهر ولا يشرع في العصر عند أحد من العلماء إلا أشهب المالكي ولا يشرع في صلاة الجمعة عند الجمهور وقال بعض أصحابنا يشرع فيها والله أعلم 1 ( باب استحباب تقديم الظهر في أول الوقت في غير شدة الحر ) 618 قوله كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر اذا دحضت الشمس هو بفتح الدال والحاء أي إذا زالت وفيه دليل على استحباب تقديمها وبه قال الشافعي والجمهور قوله حر الرمضاء أي الرمل الذي اشتدت حرارته قوله فلم يشكنا أي لم يزل شكوانا وتقدم الكلام في حديث خباب في الباب السابق 620 قوله فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه فيه دليل لمن أجاز السجود على طرف ثوبه المتصل به وبه قال أبو حنيفة والجمهور ولم يجوزه الشافعي وتأول هذا الحديث وشبهه على السجود على ثوب منفصل 1 ( باب استحباب التبكير بالعصر )
621 قوله كان يصلي العصر والشمس مرتفعة حية فيذهب الذاهب إلى العوالي فيأتي العوالي والشمس مرتفعة وفي رواية ثم يذهب الذاهب إلى قباء فيأتيهم والشمس مرتفعة وفي رواية ثم يخرج إلى بني عمرو بن عوف فيجدهم يصلون العصر أما العوالي فهي القرى التي حول المدينة أبعدها على ثمانية أميال من المدينة وأقربها ميلان وبعضها ثلاثة أميال وبه فسرها مالك وأما قباء فتمد وتقصر وتصرف ولا تصرف وتذكر وتؤنث والأفصح فيه الصرف والتذكير والمد وهو على نحو ثلاثة أميال من المدينة قوله والشمس مرتفعة حية قال الخطابي حياتها صفاء لونها قبل أن تصفر أو تتغير وهو مثل قوله بيضاء نقية وقال هو أيضا وغيره حياتها وجود حرها والمراد بهذه الأحاديث وما بعدها المبادرة لصلاة العصر أول وقتها لانه لا يمكن أن يذهب بعد صلاة العصر ميلين وثلاثة والشمس بعد لم تتغير بصفرة ونحوها إلا إذا صلى العصر حين صار ظل الشيء مثله ولا يكاد يحصل هذا الا في الأيام الطويلة وقوله كنا نصلي العصر ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن عوف فيجدهم يصلون العصر قال العلماء منازل بني عمرو بن عوف على ميلين من المدينة وهذا يدل على المبالغة في تعجيل صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت صلاة بني عمرو في وسط الوقت ولولا هذا لم يكن فيه حجة ولعل تأخير بني عمرو لكونهم كانوا أهل أعمال في حروثهم وزروعهم وحوايطهم فإذا فرغوا من أعمالهم تأهبوا للصلاة بالطهارة وغيرها ثم اجتمعوا لها فتتأخر صلاتهم إلى وسط الوقت لهذا المعنى وفي هذه الاحاديث وما بعدها دليل لمذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء أن وقت العصر يدخل إذا صار ظل كل شيء مثله وقال أبو حنيفة لا يدخل حتى يصير ظل الشيء مثليه وهذه الاحاديث حجة للجماعة عليه مع حديث بن عباس رضي الله عنه في بيان المواقيت وحديث جابر وغير ذلك 622 قوله عن العلاء أنه دخل على أنس بن مالك رضي الله عنه في داره حين انصرف من الظهر وداره بجنب المسجد فلما دخلنا عليه قال أصليتم العصر فقلنا له انما انصرفنا الساعة من الظهر قال فصلوا العصر فقمنا فصلينا العصر فلما انصرفنا قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا 623 وفي رواية عن أبي أمامة رضي الله عنه قال صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر ثم دخلنا على أنس فوجدناه يصلي العصر فقلت يا عم ما هذه الصلاة التي صليت قال العصر وهذه صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كنا نصلي معه هذان الحديثان صريحان في التبكير بصلاة العصر في أول وقتها وأن وقتها يدخل بمصير ظل الشيء مثله ولهذا كان الآخرون يؤخرون الظهر إلى ذلك الوقت وإنما أخرها عمر بن عبد العزيز على عادة الأمراء قبله قبل أن تبلغه السنة في تقديمها فلما بلغته صار إلى التقديم ويحتمل أنه آخرها لشغل وعذر عرض له وظاهر الحديث يقتضي التأويل الأول وهذا كان حين ولى عمر بن عبد العزيز المدينة نيابة لا في خلافته لأن أنسا رضي الله عنه توفي قبل خلافة عمر بن عبد العزيز بنحو تسع سنين 622 قوله صلى الله عليه وسلم تلك صلاة المنافق فيه تصريح بذم تأخير صلاة العصر بلا عذر لقوله صلى الله عليه وسلم يجلس يرقب الشمس قوله صلى الله عليه وسلم بين قرني الشيطان اختلفوا فيه فقيل هو على حقيقته وظاهر لفظه والمراد أنه يحاذيها بقرنيه عند غروبها وكذا عند طلوعها لأن الكفار يسجدون لها حينئذ فيقارنها ليكون الساجدون لها في صورة الساجدين له ويخيل لنفسه ولأعوانه أنهم إنما يسجدون له وقيل هو على المجاز والمراد بقرنه وقرنيه علوه وارتفاعه وسلطانه وتسلطه وغلبته وأعوانه قال الخطابي هو تمثيل ومعناه أن تأخيرها بتزيين الشيطان ومدافعته لهم عن تعجيلها كمدافعة ذوات القرون لما تدفعه والصحيح الأول قوله صلى الله عليه وسلم فنقرها أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا تصريح بذم من صلى مسرعا بحيث لا يكمل الخشوع والطمأنينة والأذكار والمراد بالنقر سرعة الحركات كنقر الطائر 624 قوله صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر فلما انصرفنا أتاه رجل من بني سلمة فقال يا رسول الله أنا نريد أن ننحر جزورا لنا ونحن نحب أن تحضرها قال نعم فانطلق وانطلقنا معه فوجدنا الجزور لم تنحر فنحرت ثم قطعت ثم طبخ منها ثم أكلنا منها قبل أن تغيب الشمس هذا تصريح بالمبالغة في التبكير بالعصر وفيه اجابة الدعوة وأن الدعوة للطعام مستحبة في كل وقت سواء أول النهار وآخره والجزور بفتح الجيم لا يكون الا من الابل وبنو سلمة بكسر اللام قوله عن أبي النجاشي هو بفتح النون واسمه عطاء بن صهيب مولى رافع بن خديج رضي الله عنه
1 ( باب التغليظ في تفويت صلاة العصر ) 626 قوله صلى الله عليه وسلم الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله روى بنصب اللامين ورفعهما والنصب هو الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور على أنه مفعول ثان ومن رفع فعلى ما لم يسم فاعله ومعناه انتزع منه أهله وماله وهذا تفسير مالك بن أنس وأما على رواية النصب فقال الخطابي وغيره معناه نقص هو أهله وماله وسلبه فبقى بلا أهل ولا مال فليحذر من تفويتها كحذره من ذهاب أهله وماله وقال أبو عمر بن عبدالبر معناه عند أهل اللغة والفقه أنه كالذي يصاب بأهله وماله اصابة يطلب بها وترا والوتر الجناية التي يطلب ثأرها فيجتمع عليه غمان غم المصيبة وغم مقاساة طلب الثأر وقال الداودي من المالكية معناه يتوجه عليه من الاسترجاع ما يتوجه على من فقد أهله وماله فيتوجه عليه الندم والأسف لتفويته الصلاة وقيل معناه فاته من الثواب ما يلحقه من الاسف عليه كما يلحق من ذهب أهله وماله قال القاضي عياض رحمه الله تعالى واختلفوا في المراد بفوات العصر في هذا الحديث فقال بن وهب وغيره هو فيمن لم يصلها في وقتها المختار وقال سحنون والاصيلي هو أن تفوته بغروب الشمس وقيل هو تفويتها إلى أن تصفر الشمس وقد ورد مفسرا من رواية الأوزاعي في هذا الحديث قال فيه وفواتها أن يدخل الشمس صفرة وروى عن سالم أنه قال هذا فيمن فاتته ناسيا وعلى قول الداودي هو في العامد وهذا هو الأظهر ويؤيده حديث البخاري في صحيحه من ترك صلاة العصر حبط عمله وهذا إنما يكون في العامد قال بن عبدالبر ويحتمل أن يلحق بالعصر باقي الصلوات ويكون نبه بالعصر على غيرها وإنما خصها بالذكر لأنها تأتي وقت تعب الناس من مقاساة أعمالهم وحرصهم على قضاء أشغالهم وتسويفهم بها إلى انقضاء وظائفهم وفيما قاله نظر لأن الشرع ورد في العصر ولم تتحقق العلة في هذا الحكم فلا يلحق بها غيرها بالشك والتوهم وإنما يلحق غير المنصوص بالمنصوص إذا عرفنا العلة واشتركا فيها والله أعلم قوله قال عمرو يبلغ به وقال أبو بكر رفعه هما بمعنى لكن عادة مسلم رحمة الله المحافظة على اللفظ وان اتفق معناه وهي عادة جميلة والله أعلم 1 ( باب الدليل لمن قال الصلاة الوسطى هي صلاة العصر )
قوله صلى الله عليه وسلم شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس 628 وفي رواية شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر وفي رواية بن مسعود رضي الله عنه شغلونا عن صلاة الوسطى صلاة العصر اختلف العلماء من الصحابة رضي الله عنهم فمن بعدهم في الصلاة الوسطى المذكورة في القرآن فقال جماعة هي العصر ممن نقل هذا عنه على بن أبي طالب وبن مسعود وأبو أيوب وبن عمر وبن عباس وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة وعبيدة السلماني والحسن البصري وابراهيم النخعي وقتادة والضحاك والكلبي ومقاتل وأبو حنيفة وأحمد وداود وبن المنذر وغيرهم رضي الله عنهم قال الترمذي هو قول أكثر العلماء من الصحابة فمن بعدهم رضي الله عنهم وقال الماوردي من أصحابنا هذا مذهب الشافعي رحمه الله لصحة الاحاديث فيه قال وانما نص على أنها الصبح لانه لم يبلغه الاحاديث الصحيحة في العصر ومذهبه اتباع الحديث وقالت طائفة هي الصبح ممن نقل هذا عنه عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وبن عباس وبن عمر وجابر وعطاء وعكرمة ومجاهد والربيع بن أنس ومالك بن أنس والشافعي وجمهور أصحابه وغيرهم رضي الله عنهم وقال طائفة هي الظهر نقلوه عن زيد بن ثابت وأسامة بن زيد وأبي سعيد الخدري وعائشة وعبد الله بن شداد ورواية عن أبي حنيفة رضي الله عنه وقال قبيصة بن ذؤيب هي المغرب وقال غيره هي العشاء وقيل احدى الخمس مبهمة وقيل الوسطى جميع الخمس حكاه القاضي عياض وقيل هي الجمعة والصحيح من هذه الأقوال قولان العصر والصبح وأصحهما العصر للاحاديث الصحيحة ومن قال هي الصبح يتأول الاحاديث على أن العصر تسمى وسطا ويقول انها غير الوسطى المذكورة في القرآن وهذا تأويل ضعيف ومن قال انها الصبح يحتج بأنها تأتي في وقت مشقة بسبب برد الشتاء وطيب النوم في الصيف والنعاس وفتور الأعضاء وغفلة الناس فخصت بالمحافظة لكونها معرضة للضياع بخلاف غيرها ومن قال هي العصر يقول انها تأتي في وقت اشتغال الناس بمعايشهم وأعمالهم وأما من قال هي الجمعة فمذهب ضعيف جدا لان المفهوم من الايصاء بالمحافظة عليها إنما كان لأنها معرضة للضياع وهذا لا يليق بالجمعة فان الناس يحافظون عليها في العادة أكثر من غيرها لأنها تأتي في الأسبوع مرة بخلاف غيرها ومن قال هي جميع الخمس فضعيف أو غلط لأن العرب لا تذكر الشيء مفصلا ثم تجمله وإنما تذكره مجملا ثم تفصله أو تفصل بعضه تنبيها على فضيلته والله أعلم قوله عن عبيدة عن علي هو بفتح العين وكسر الباء وهو عبيدة السلماني والله أعلم قوله يوم الاحزاب هي الغزوة المشهورة يقال لها الاحزاب والخندق وكانت سنة أربع من الهجرة وقيل سنة خمس قوله صلى الله عليه وسلم شغلونا عن صلاة الوسطى حتى آبت الشمس هكذا هو في النسخ وأصول السماع صلاة الوسطى وهو من باب قول الله تعالى وما كنت بجانب الغربي وفيه المذهبان المعروفان مذهب الكوفيين جواز اضافة الموصوف إلى صفته ومذهب البصريين منعه ويقدرون فيه محذوفا وتقديره هنا عن صلاة الصلاة الوسطى أي عن فعل الصلاة الوسطى وقوله صلى الله عليه وسلم حتى آبت الشمس قال الحربي معناه رجعت إلى مكانها بالليل أي غربت من قولهم آب إذا رجع وقال غيره معناه سارت للغروب والتأويب سير النهار قوله يحيى بن الجزار هو بالجيم والزاي وآخره راء وفي الطريق الأول يحيى بن الجزار عن علي وفي الثاني عن يحيى سمع عليا أعاده مسلم للاختلاف في عن وسمع قوله فرضة من فرض الخندق الفرضة بضم الفاء واسكان الراء وبالضاد المعجمة وهي المدخل من مداخله والمنفذ إليه قوله عن مسلم بن صبيح بضم الصاد وهو أبو الضحى قوله عن شتير بن شكل شتير بضم الشين وشكل بفتح الشين والكاف ويقال باسكان الكاف أيضا قوله ثم صلاها بين العشاءين بين المغرب والعشاء فيه بيان صحة اطلاق لفظ العشاءين على المغرب والعشاء وقد أنكره بعضهم لأن المغرب لا يسمى عشاء وهذا غلط لان التثنية هنا للتغليب كالأبوين والقمرين والعمرين ونظائرها وأما تأخير النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العصر حتى غربت الشمس فكان قبل نزول صلاة الخوف قال العلماء يحتمل أنه أخرها نسيانا لا عمدا وكان السبب في النسيان الاشتغال بأمر العدو ويحتمل أنه أخرها عمدا للاشتغال بالعدو وكان هذا عذرا في تأخير الصلاة قبل نزول صلاة الخوف وأما اليوم فلا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها بسبب العدو والقتال بل يصلي صلاة الخوف على حسب الحال ولها أنواع معروفة في كتب الفقه وسنشير إلى مقاصدها في بابها من هذا الشرح ان شاء الله تعالى واعلم أنه وقع في هذا الحديث هنا وفي البخاري أن الصلاة الفائتة كانت صلاة العصر وظاهره أنه لم يفت غيرها وفي الموطأ أنها الظهر والعصر وفي غيره أنه أخر أربع صلوات الظهر والعصر والمغرب والعشاء حتى ذهب هوى من الليل وطريق الجمع بين هذه الروايات أن وقعة الخندق بقيت أياما فكان هذا في بعض الأيام وهذا في بعضها 629 قوله في حديث عائشة فأملت على حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر هكذا هو في الروايات وصلاة العصر بالواو واستدل به بعض أصحابنا على أن الوسطى ليست العصر لأن العطف يقتضي المغايرة لكن مذهبنا أن القراءة الشاذة لا يحتج بها ولا يكون لها حكم الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لان ناقلها لم ينقلها الا على أنها قرآن والقرآن لا يثبت الا بالتواتر بالاجماع واذا لم يثبت قرآنا لا يثبت خبرا والمسئلة مقررة في أصول الفقه وفيها خلاف بيننا وبين أبي حنيفة رحمه الله تعالى 631 قوله أن عمر رضي الله عنه قال يا رسول الله ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت أن تغرب الشمس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فوالله ان صليتها معناه ما صليتها وإنما حلف النبي صلى الله عليه وسلم تطييبا لقلب عمر رضي الله عنه فانه شق عليه تأخير العصر إلى قريب من المغرب فاخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يصلها بعد ليكون لعمر به أسوة ولا يشق عليه ما جرى وتطيب نفسه وأكد ذلك الخبر باليمين وفيه دليل على جواز اليمين من غير استحلاف وهي مستحبة إذا كان فيه مصلحة من توكيد الامر أو زيادة طمأنينة أو نفى توهم نسيان أو غير ذلك من المقاصد السائغة وقد كثرت في الأحاديث وهكذا القسم من الله تعالى كقوله تعالى والذاريات والطور والمرسلات والسماء والطارق والشمس وضحاها والليل إذا يغشى والضحى والتين والعاديات والعصر ونظائرها كل ذلك لتفخيم المقسم عليه وتوكيده والله أعلم قوله فنزلنا إلى بطحان هو بضم الباء الموحدة واسكان الطاء وبالحاء المهملتين هكذا هو عند جميع المحدثين في رواياتهم وفي ضبطهم وتقييدهم وقال أهل اللغة هو بفتح الباء وكسر الطاء ولم يجيزوا غير هذا وكذا نقله صاحب البارع وأبو عبيد البكري وهو واد بالمدينة قوله فنزلنا إلى بطحان فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوضأنا فصلي رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر بعد ما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب هذا ظاهره أنه صلاهما في جماعة فيكون فيه دليل لجواز صلاة الفريضة الفائتة جماعة وبه قال العلماء كافة الا ما حكاه القاضي عياض عن الليث بن سعد أنه منع ذلك وهذا ان صح عن الليث مردود بهذا الحديث والاحاديث الصحيحة الصريحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الصبح بأصحابه جماعة حين ناموا عنها كما ذكره مسلم بعد هذا بقليل وفي هذا الحديث دليل على أن من فاتته صلاة وذكرها في وقت أخرى ينبغي له أن يبدأ بقضاء الفائتة ثم يصلى الحاضرة وهذا مجمع عليه لكنه عند الشافعي وطائفة على الاستحباب فلو صلى الحاضرة ثم الفائتة جاز وعند مالك وأبى حنيفة وآخرين على الايجاب فلو قدم الحاضرة لم يصح وقد يحتج به من يقول أن وقت المغرب متسع إلى غروب الشفق لأنه قدم العصر عليها ولو كان ضيقا لبدأ بالمغرب لئلا يفوت وقتها أيضا ولكن لا دلالة فيه لهذا القائل لأن هذا كان بعد غروب الشمس بزمن بحيث خرج وقت المغرب عند من يقول أنه ضيق فلا يكون في هذا الحديث دلالة لهذا وان كان المختار أن وقت المغرب يمتد إلى غروب الشفق كما سبق ايضاحه بدلائله والجواب عن معارضها
1 ( باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما ) 632 قوله صلى الله عليه وسلم يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر فيه دليل لمن قال من النحويين يجوز اظهار ضمير الجمع والتثنية في الفعل إذا تقدم وهو لغة بني الحارث وحكوا فيه قولهم أكلوني البراغيث وعليه حمل الاخفش ومن وافقه قول الله تعالى وأسروا النجوى الذين ظلموا وقال سيبويه وأكثر النحويين لا يجوز اظهار الضمير مع تقدم الفعل ويتأولون كل هذا ويجعلون الاسم بعده بدلا من الضمير ولا يرفعونه بالفعل كأنه لما قيل وأسروا النجوى قيل من هم قيل الذين ظلموا وكذا يتعاقبون ونظائره ومعنى يتعاقبون تأتي طائفة بعد طائفة ومنه تعقب الجيوش وهو أن يذهب إلى ثغر قوم ويجيء آخرون وأما اجتماعهم في الفجر والعصر فهو من لطف الله تعالى بعباده المؤمنين وتكرمة لهم أن جعل اجتماع الملائكة عندهم ومفارقتهم لهم في أوقات عباداتهم واجتماعهم على طاعة ربهم فيكون شهادتهم لهم بما شاهدوه من الخير وأما قوله صلى الله عليه وسلم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي فهذا السؤال على ظاهره وهو تعبد منه لملائكته كما أمرهم بكتب الاعمال وهو أعلم بالجميع قال القاضي عياض رحمه الله الاظهر وقول الأكثرين أن هؤلاء الملائكة هم الحفظة الكتاب قال وقيل يحتمل أن يكونوا من جملة الملائكة بجملة الناس غير الحفظة قوله صلى الله عليه وسلم لا تضامون في رؤيته تقدم شرحه وضبطه في كتاب الايمان ومعناه لا يلحقكم ضيم في الرؤية 633 وقوله صلى الله عليه وسلم أما انكم ستعرضون على ربكم فترونه كما ترون هذا القمر أي ترونه رؤية محققة لا شك فيها ولا مشقة كما ترون هذا القمر رؤية محققة بلا مشقة فهو تشبيه للرؤية بالرؤية لا المرئى بالمرئي والرؤية مختصة بالمؤمنين وأما الكفار فلا يرونه سبحانه وتعالى وقيل يراه منافقوا هذه الأمة وهذا ضعيف والصحيح الذي عليه جمهور أهل السنة أن المنافقين لا يرونه كما لا يراه باقي الكفار باتفاق العلماء وقد سبق بيان هذه المسألة في كتاب الايمان قوله 635 حدثني أبو جمرة هو بالجيم 1 ( باب بيان أن أول وقت المغرب عند غروب الشمس ) 636 قوله كان نصلي المغرب اذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب اللفظان بمعنى وأحدهما تفسير للآخر 637 قوله كنا نصلي المغرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فينصرف أحدنا وانه ليبصر مواقع نبله معناه أنه يبكر بها في أول وقتها بمجرد غروب الشمس حتى ننصرف ويرمى أحدنا النبل عن قوسه ويبصر موقعه لبقاء الضوء وفي هذين الحديثين أن المغرب تعجل عقب غروب الشمس وهذا مجمع عليه وقد حكى عن الشيعة فيه شيء لا التفات إليه ولا أصل له وأما الأحاديث السابقة في تأخير المغرب إلى قريب سقوط الشفق فكانت لبيان جواز التأخير كما سبق ايضاحه فانها كانت جواب سائل عن الوقت وهذان الحديثان اخبار عن عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم المتكررة التي واظب عليها الا لعذر فالاعتماد عليها والله أعلم 1 ( باب وقت العشاء وتأخيرها )
ذكر في الباب تأخير صلاة العشاء واختلف العلماء هل الأفضل تقديمها أم تأخيرها وهما مذهبان مشهوران للسلف وقولان لمالك والشافعي فمن فضل التأخير احتج بهذه الأحاديث ومن فضل التقديم احتج بأن العادة الغالبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم تقديمها وانما أخرها في أوقات يسيرة لبيان الجواز أو لشغل أو لعذر وفي بعض هذه الاحاديث الاشارة إلى هذا والله أعلم 638 قوله حدثنا عمرو بن سواد هو بتشديد الواو وقوله اعتم بالصلاة أي أخرها حتى اشتدت عتمة الليل وهي ظلمته قوله نام النساء والصبيان أي من ينتظر الصلاة منهم في المسجد وإنما قال عمر رضي الله عنه نام النساء والصبيان لانه ظن أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما تأخر عن الصلاة ناسيا لها أو لوقتها قوله وما كان لكم أن تنزروا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصلاة هو بتاء مثناة من فوق مفتوحة ثم نون ساكنة ثم زاء مضمومة ثم راء أي تلحوا عليه ونقل القاضي عن بعض الرواة أنه ضبطه تبرزوا بضم التاء وبعدها باء موحدة ثم راء مكسورة ثم زاي من الابراز وهو الاخراج والرواية الأولى هي الصحيحة المشهورة التي عليها الجمهور واعلم أن التأخير المذكور في هذا الحديث وما بعده كله تأخير لم يخرج به عن وقت الاختيار وهو نصف الليل أو ثلث الليل على الخلاف المشهور الذي قدمنا بيانه في أول المواقيت وقوله في رواية عائشة ذهب عامة الليل أي كثير منه وليس المراد أكثره ولا بد من هذا التأويل لقوله صلى الله عليه وسلم انه لوقتها ولا يجوز أن يكون المراد بهذا القول ما بعد نصف الليل لأنه لم يقل أحد من العلماء أن تأخيرها إلى ما بعد نصف الليل أفضل قوله صلى الله عليه وسلم انه لوقتها لولا أن أشق على أمتي معناه انه لوقتها المختار أو الافضل ففيه تفضيل تأخيرها وأن الغالب كان تقديمها وإنما قدمها للمشقة في تأخيرها ومن قال بتفضيل التقديم قال لو كان التأخير أفضل لواظب عليه ولو كان فيه مشقة ومن قال بالتأخير قال قد نبه على تفضيل التأخير بهذا اللفظ وصرح بأن ترك التأخير إنما هو للمشقة ومعناه والله أعلم أنه خشي أن يواظبوا عليه فيفرض عليهم ويتوهموا ايجابه فلهذا تركه كما ترك صلاة التراويح وعلل تركها بخشية افتراضها والعجز عنها وأجمع العلماء على استحبابها لزوال العلة التي خيف منها وهذا المعنى موجود في العشاء قال الخطابي وغيره إنما يستحب تأخيرها لتطول مدة انتظار الصلاة ومنتظر الصلاة في صلاة 639 قوله العشاء الآخرة دليل على جواز وصفها بالآخرة وأنه لا كراهة فيه خلافا لما حكى عن الأصمعي من كراهة هذا وقد سبق بيان المسألة قوله فقال حين خرج انكم لتنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم فيه أنه يستحب للامام والعالم إذا تأخر عن أصحابه أو جرى منه ما يظن أنه يشق عليهم أن يعتذر اليهم ويقول لكم في هذا مصلحة من جهة كذا أو كان لي عذر أو نحو هذا قوله رقدنا في المسجد ثم استيقظنا ثم رقدنا ثم استيقظنا وفي رواية عائشة نام أهل المسجد محل هذا محمول على نوم لا ينقض الوضوء وهو نوم الجالس ممكنا مقعده وفيه دليل على أن نوم مثل هذا لا ينقض وبه قال الأكثرون وهو الصحيح في مذهبنا وقد سبق ايضاح هذه المسألة في آخر كتاب الطهارة 640 قوله وبيص خاتمه أي بريقه ولمعانه والخاتم بكسر التاء وفتحها ويقال خاتام وخيتام أربع لغات وفيه جواز لبس خاتم الفضة وهو إجماع المسلمين قوله قال أنس كأني أنظر إلى وبيص خاتمه من فضة ورفع اصبعه اليسرى بالخنصر هكذا هو في الأصول بالخنصر وفيه محذوف تقديره مشيرا بالخنصر أي أن الخاتم كان في خنصر اليد اليسرى وهذا الذي رفع اصبعه هو أنس رضي الله عنه وفي الاصبع عشر لغات كسر الهمزة وفتحها وضمها مع كسر الباء وفتحها وضمها والعاشرة أصبوع وأفصحهن كسر الهمزة مع فتح الباء قوله نظرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة حتى كان قريب من نصف الليل هكذا هو في بعض الاصول قريب وفي بعضها قريبا وكلاهما صحيح وتقدير المنصوب حتى كان الزمان قريبا وقوله نظرنا أي انتظرنا يقال نظرته وانتظرته بمعنى 641 قوله بقيع بطحان تقدم الاختلاف في ضبط بطحان في باب صلاة الوسطى وبقيع بالباء قوله ابهار الليل هو باسكان الباء الموحدة وتشديد الراء أي انتصف قوله فلما قضى صلاته قال لمن حضره على رسلكم أعلمكم وأبشروا أن من نعمة الله عليكم أنه ليس إلى آخره فقوله رسلكم بكسر الراء وفتحها لغتان الكسر أفصح وأشهر أي تأنوا وقوله أن من نعمة الله هو بفتح الهمزة معمول لقوله أعلمكم وقوله أنه ليس بفتحها أيضا وفيه جواز الحديث بعد صلاة العشاء إذا كان في خير وإنما نهى عن الكلام في غير الخير 642 قوله اماما وخلوا بكسر الخاء أي منفردا قوله يقطر رأسه ماء معناه انه اغتسل حينئذ قوله ثم وضع أطراف أصابعه على قرن الرأس ثم صبها هكذا هو في أصول رواياتنا قال القاضي وضبطه بعضهم قلبها وفي البخاري ضمها والأول هو الصواب وقوله ولا يقصر ولا يبطش هكذا هو في صحيح مسلم وفي بعض نسخ البخاري وفي بعضها ولا يعصر العين وكله صحيح قوله صلى الله عليه وسلم لا تغلبنكم الاعراب على اسم صلاتكم العشاء إنها في كتاب الله العشاء وانها تعتم بحلاب الابل معناه أن الاعراب يسمونها العتمة لكونهم يعتمون بحلاب الابل أي يؤخرونه إلى شدة الظلام وإنما اسمها في كتاب الله العشاء في قول الله تعالى ومن بعد صلاة العشاء فينبغي لكم أن تسموها العشاء وقد جاء في الأحاديث الصحيحة تسميتها بالعتمة كحديث لو يعلمون ما في الصبح والعتمة لأتوهما ولو حبوا وغير ذلك والجواب عنه من وجهين أحدهما أنه استعمل لبيان الجواز وأن النهي عن العتمة للتنزيه لا للتحريم والثاني يحتمل أنه خوطب بالعتمة من لا يعرف العشاء فخوطب بما يعرفه واستعمل لفظ العتمة لانه أشهر عند العرب وإنما كانوا يطلقون العشاء على المغرب ففي صحيح البخاري لا يغلبنكم الاعراب على اسم صلاتكم المغرب قال وتقول الأعراب العشاء فلو قال لو يعلمون ما في الصبح والعشاء لتوهموا أن المراد المغرب والله أعلم
1 ( باب استحباب التبكير بالصبح في أول وقتها وهو التغليس وبيان قدر القراءة فيها) 645 قوله ان نساء المؤمنات صورته صورة اضافة الشيء إلى نفسه واختلف في تأويله وتقديره فقيل تقديره نساء الأنفس المؤمنات وقيل نساء الجماعات المؤمنات وقيل ان نساء هنا بمعنى الفاضلات أي فاضلات المؤمنات كما يقال رجال القوم أي فضلاؤهم ومقدموهم قوله قوله متلفعات هو بالعين المهملة بعد الفاء أي متجللات ومتلففات قوله بمروطهن أي بأكسيتهن واحدها مرط بكسر الميم وفي هذه الاحاديث استحباب التبكير بالصبح وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد والجمهور وقال أبو حنيفة الاسفار أفضل وفيها جواز حضور النساء الجماعة في المسجد وهو إذا لم يخش فتنة عليهن أو بهن قوله ما يعرفن من الغلس هو بقايا ظلام الليل قال الداودي معناه ما يعرفن أنساءهن أم رجال وقيل ما يعرف أعيانهن وهذا ضعيف لان المتلفعة في النهار أيضا لا يعرف عينها فلا يبقى في الكلام فائدة قوله وكان يصلي الصبح فينصرف الرجل فينظر إلى وجه جليسه الذي يعرفه فيعرفه وفي الرواية الأخرى وكان ينصرف حين يعرف بعضنا وجه بعض معناهما واحد وهو أنه ينصرف أي يسلم في أول ما يمكن أن يعرف بعضنا وجه من يعرفه مع أنه يقرأ بالستين إلى المائة قراءة مرتلة وهذا ظاهر في شدة التبكير وليس في هذا مخالفة لقوله في النساء ما يعرفن من الغلس لان هذا اخبار عن رؤية جليسه وذاك اخبار عن رؤية النساء من بعد 646 قوله كان يصلي الظهر بالهاجرة هي شدة الحر نصف النهار عقب الزوال قيل سميت هاجرة من الهجر وهو الترك لان الناس يتركون التصرف حينئذ بشدة الحر ويقيلون وفيه استحباب المبادرة بالصلاة في أول الوقت قوله والشمس نقية أي صافية خالصة لم يدخلها بعد صفرة قوله والمغرب اذا وجبت أي غابت الشمس والوجوب السقوط كما سبق وحذف ذكر الشمس للعلم بها كقوله تعالى حتى توارت بالحجاب قوله حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا شعبة عن سيار بن سلامة قال سمعت أبا برزة هذا الاسناد كله بصريون قوله كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤخر العشاء إلى ثلث الليل ويكره النوم قبلها والحديث بعدها قال العلماء وسبب كراهة النوم قبلها أنه يعرضها لفوات وقتها باستغراق النوم أو لفوات وقتها المختار والأفضل ولئلا يتساهل الناس في ذلك فيناموا عن صلاتها جماعة وسبب كراهة الحديث بعدها أنه يؤدي إلى السهر ويخاف منه غلبة النوم عن قيام الليل أو الذكر فيه أو عن صلاة الصبح في وقتها الجائز أو في وقتها المختار أو الأفضل ولأن السهر في الليل سبب للكسل في النهار عما يتوجه من حقوق الدين والطاعات ومصالح الدنيا قال العلماء والمكروه من الحديث بعد العشاء هو ما كان في الأمور التي لا مصلحة فيها أما ما فيه مصلحة وخير فلا كراهة فيه وذلك كمدارسة العلم وحكايات الصالحين ومحادثة الضيف والعروس للتأنيس ومحادثة الرجل أهله وأولاده للملاطفة والحاجة ومحادثة المسافرين بحفظ متاعهم أو أنفسهم والحديث في الاصلاح بين الناس والشفاعة اليهم في خير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والارشاد إلى مصلحة ونحو ذلك فكل هذا لا كراهة فيه وقد جاءت أحاديث صحيحة ببعضه والباقي في معناه وقد تقدم كثير منها في هذه الأبواب والباقي مشهور ثم كراهة الحديث بعد العشاء المراد بها بعد صلاة العشاء لا بعد دخول وقتها واتفق العلماء على كراهة الحديث بعدها الا ما كان في خير كما ذكرناه وأما النوم قبلها فكرهه عمر وابنه وبن عباس وغيرهم من السلف ومالك وأصحابنا رضي الله عنهم أجمعين ورخص فيه علي وبن مسعود والكوفيون رضي الله عنهم أجمعين وقال الطحاوي يرخص فيه بشرط أن يكون معه من يوقظه وروى عن بن عمر مثله والله أعلم 1 ( باب كراهة تأخير الصلاة عن وقتها المختار وما يفعله المأموم اذا أخرها الامام)
648 قوله صلى الله عليه وسلم كيف أنت إذا كانت عليك امراء يؤخرون الصلاة عن وقتها أو يميتون الصلاة عن وقتها قال قلت فما تأمرني قال صل الصلاة لوقتها فان أدركتها معهم فصل فانها لك نافلة وفي رواية صلوا الصلاة لوقتها واجعلوا صلاتكم معه نافلة معنى يميتون الصلاة يؤخرونها فيجعلونها كالميت الذي خرجت روحه والمراد بتأخيرها عن وقتها أي عن وقتها المختار لا عن جميع وقتها فان المنقول عن الأمراء المتقدمين والمتأخرين إنما هو تأخيرها عن وقتها المختار ولم يؤخرها أحد منهم عن جميع وقتها فوجب حمل هذه الأخبار على ما هو الواقع وفي هذا الحديث الحث على الصلاة أول الوقت وفيه أن الإمام إذا أخرها عن أول وقتها يستحب للمأموم أن يصليها في أول الوقت منفردا ثم يصليها مع الامام فيجمع فضيلتي أول الوقت والجماعة فلو أراد الاقتصار على احداهما فهل الافضل الاقتصار على فعلها منفردا في أول الوقت أم الاقتصار على فعلها جماعة في آخر الوقت فيه خلاف مشهور لأصحابنا واختلفوا في الراجح وقد أوضحته في باب التيمم من شرح المهذب والمختار استحباب الانتظار ان لم يفحش التأخير وفيه الحث على موافقة الامراء في غير معصية لئلا تتفرق الكلمة وتقع الفتنة ولهذا قال في الرواية الأخرى ان خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وان كان عبدا مجدع الاطراف وفيه أن الصلاة التي يصليها مرتين تكون الاولى فريضة والثانية نفلا وهذا الحديث صريح في ذلك وقد جاء التصريح به في غير هذا الحديث أيضا واختلف العلماء في هذه المسألة وفي مذهبنا فيها أربعة أقوال الصحيح أن الفرض هي الأولى للحديث ولأن الخطاب سقط بها والثاني أن الفرض أكملهما والثالث كلاهما فرض والرابع الفرض احداهما على الابهام يحتسب الله تعالى بأيتهما شاء وفي هذا الحديث أنه لا بأس باعادة الصبح والعصر والمغرب كباقي الصلوات لأن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق الأمر باعادة الصلاة ولم يفرق بين صلاة وصلاة وهذا هو الصحيح في مذهبنا ولنا وجه أنه لا يعيد الصبح والعصر لأن الثانية نفل ولا تنفل بعدهما ووجه أنه لا يعيد المغرب لئلا تصير شفعا وهو ضعيف قوله صلى الله عليه وسلم انه سيكون بعدي أمراء يميتون الصلاة فيه دليل من دلائل النبوة وقد وقع هذا في زمن بني أمية قوله صلى الله عليه وسلم فصل الصلاة لوقتها فان صليت لوقتها كانت لك نافلة والا كنت قد أحرزت صلاتك معناه اذا علمت من حالهم تأخيرها عن وقتها المختار فصلها لأول وقتها ثم ان صلوها لوقتها المختار فصلها أيضا معهم وتكون صلاتك معهم نافلة وإلا كنت قد أحرزت صلاتك بفعلك في أول الوقت أي حصلتها وصنتها واحتطت لها قوله أوصاني خليلي أن أسمع وأطيع وان كان عبدا مجدع الاطراف أي مقطع الاطراف والجدع بالدال المهملة القطع والمجدع أردأ العبيد لخسته وقلة قيمته ومنفعته ونفرة الناس منه وفي هذا الحث على طاعة ولاة الأمور ما لم تكن معصية فان قيل كيف يكون العبد اماما وشرط الامام أن يكون حرا قرشيا سليم الاطراف فالجواب من وجهين أحدهما أن هذه الشروط وغيرها إنما تشترط فيمن تعقد له الإمامة باختيار أهل الحل والعقد وأما من قهر الناس لشوكته وقوة بأسه وأعوانه واستولى عليهم وانتصب اماما فان أحكامه تنفذ وتجب طاعته وتحرم مخالفته في غير معصية عبدا كان أو حرا أو فاسقا بشرط أن يكون مسلما الجواب الثاني أنه ليس في الحديث أنه يكون إماما بل هو محمول على من يفوض إليه الإمام أمرا من الأمور أو استيفاء حق أو نحو ذلك قوله صلى الله عليه وسلم وان أدركت القوم وقد صلوا كنت قد أحرزت صلاتك والا كانت لك نافلة وفي الرواية الأخرى صل الصلاة لوقتها ثم اذهب لحاجتك فان أقيمت الصلاة وأنت في المسجد فصل معناه صل في أول الوقت وتصرف في شغلك فان صادفتهم بعد ذلك وقد صلوا أجزأتك صلاتك وان أدركت الصلاة معهم فصل معهم وتكون هذه الثانية لك نافلة قوله وضرب فخذي أي للتنبيه وجمع الذهن على ما يقوله له قوله عن أبي العالية البراء هو بتشديد الراء وبالمد كان يبرى النبل واسمه زياد بن فيروز البصري وقيل اسمه كلثوم توفي يوم الاثنين في شوال سنة تسعين