Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Minhâc (Müslim şerhi)

Bagian V06/P096–V06/P097

815 قوله صلى الله عليه وسلم لا حسد إلا في اثنتين قال العلماء الحسد قسمان حقيقي ومجازي فالحقيقي تمنى زوال النعمة عن صاحبها وهذا حرام بإجماع الأمة مع النصوص الصحيحة وأما المجازي فهو الغبطة وهو أن يتمنى مثل النعمة التي على غيره من غير زوالها عن صاحبها فإن كانت من أمور الدنيا كانت مباحة وان كانت طاعة فهي مستحبة والمراد بالحديث لا غبطة محبوبة إلا في هاتين الخصلتين وما في معناهما قوله صلى الله عليه وسلم آناء الليل والنهار أي ساعاته وواحده الآن وأنا واني وأنو أربع لغات 816 قوله صلى الله عليه وسلم فسلطه على هلكته في الحق أي انفاقه في الطاعات قوله صلى الله عليه وسلم ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها يعلمها معناه يعمل بها ويعلمها احتسابا والحكمة كل ما منع من الجهل وزجر عن القبيح 1 ( باب بيان أن القرآن على سبعة أحرف وبيان معناه )

Bagian V06/P097–V06/P103

قوله ثم لببته بردائه هو بتشديد الباء الأولى معناه 818 أخذت بمجامع ردائه في عنقه وجررته به مأخوذ من اللبة بفتح اللام لأنه يقبض عليها وفي هذا بيان ما كانوا عليه من الاعتناء بالقرآن والذب عنه والمحافظة على لفظه كما سمعوه من غير عدول إلى ما يجوزه العربية وأما أمر النبي صلى الله عليه وسلم عمر بارساله فلانه لم يثبت عنده ما يقتضي تعزيره ولأن عمر إنما نسبه إلى مخالفته في القراءة والنبي صلى الله عليه وسلم يعلم من جواز القراءة ووجوهها ما لا يعلمه عمر ولأنه إذا قرأ وهو يلبث لم يتمكن من حضور البال وتحقيق القراءة تمكن المطلق قوله صلى الله عليه وسلم ان هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه قال العلماء سبب انزاله على سبعة التخفيف والتسهيل ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم هون على أمتي كما صرح به في الرواية الأخرى واختلف العلماء في المراد بسبعة أحرف قال القاضي عياض قيل هو توسعة وتسهيل لم يقصد به الحصر قال وقال الأكثرون هو حصر للعدد في سبعة ثم قيل هي سبعة في المعاني كالوعد والوعيد والمحكم والمتشابه والحلال والحرام والقصص والأمثال والأمر والنهي ثم اختلف هؤلاء في تعيين السبعة وقال آخرون هي في أداء التلاوة وكيفية النطق بكلماتها من ادغام واظهار وتفخيم وترقيق وإمالة ومد لان العرب كانت مختلفة اللغات في هذه الوجوه فيسر الله تعالى عليهم ليقرأ كل إنسان بما يوافق لغته ويسهل على لسانه وقال آخرون هي الألفاظ والحروف وإليه أشار بن شهاب بما رواه مسلم عنه في الكتاب ثم اختلف هؤلاء فقيل سبع قراءات وأوجه وقال أبو عبيد سبع لغات العرب يمنها ومعدها وهي أفصح اللغات وأعلاها وقيل بل السبعة كلها لمضر وحدها وهي متفرقة في القرآن غير مجتمعة في كلمة واحدة وقيل بل هي مجتمعة في بعض الكلمات كقوله تعالى وعبد الطاغوت نخوض ونلعب باعد بين أسفارنا وبعذاب بئيس وغير ذلك وقال القاضي أبو بكر بن الباقلاني الصحيح أن هذه الأحرف السبعة ظهرت واستفاضت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبطها عنه الأمة وأثبتها عثمان والجماعة في المصحف وأخبروا بصحتها وإنما حذفوا منها ما لم يثبت متواترا وأن هذه الأحرف تختلف معانيها تارة وألفاظها أخرى وليست متضاربة ولا متنافية وذكر الطحاوي أن القراءة بالأحرف السبعة كانت في أول الأمر خاصة للضرورة لاختلاف لغة العرب ومشقة أخذ جميع الطوائف بلغة فلما كثر الناس والكتاب وارتفعت الضرورة كانت قراءة واحدة قال الداودي وهذه القراءات السبع التي يقرأ الناس اليوم بها ليس كل حرف منها هو أحد تلك السبعة بل تكون مفرقة فيها وقال أبو عبيد الله بن أبي صفرة هذه القراءات السبع إنما شرعت من حرف واحد من السبعة المذكورة في الحديث وهو الذي جمع عثمان عليه المصحف وهذا ذكره النحاس وغيره قال غيره ولا تكن القراءة بالسبع المذكورة في الحديث في ختمة واحدة ولايدري أي هذه القراءات كان آخر العرض على النبي صلى الله عليه وسلم وكلها مستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم ضبطها عنه الأمة وأضافت كل حرف منها إلى من أضيف إليه من الصحابة أى إنه كان أكثر قراءة به كما أضيف كل قراءة منها إلى من اختار القراءة بها من القراء السبعة وغيرهم قال المازري وأما قول من قال المراد سبعة معان مختلفة كالأحكام والأمثال والقصص فخطأ لأنه صلى الله عليه وسلم أشار إلى جواز القراءة بكل واحد من الحروف وابدال حرف بحرف وقد تقرر اجماع المسلمين أنه يحرم ابدال آية أمثال بآية أحكام قال وقول من قال المراد خواتيم الآي فيجعل مكان غفور رحيم سميع بصير فاسد أيضا للإجماع على منع تغيير القرآن للناس هذا مختصرها نقله القاضي عياض في المسألة والله أعلم قوله فكدت أساوره بالسين المهملة أي أعاجله وأواثبه 819 قوله صلى الله عليه وسلم أقرأني جبريل على حرف فراجعته فلم أزل أستزيده فيزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف معناه لم أزل أطلب منه أن يطلب من الله الزيادة في الحرف للتوسعة والتخفيف ويسأل جبريل ربه سبحانه وتعالى فيزيده حتى انتهى إلى السبعة 820 قوله عن أبي بن كعب فحسن النبي صلى الله عليه وسلم شأن المختلفين في القراءة قال فسقط في نفسي من التكذيب ولا اذ كنت في الجاهلية معناه وسوس لي الشيطان تكذيبا للنبوة أشد مما كنت عليه في الجاهلية لأنه في الجاهلية كان غافلا أو متشككا فوسوس له الشيطان الجزم بالتكذيب قال القاضي عياض معنى قوله سقط في نفسي أنه اعترته حيرة ودهشة قال وقوله ولا اذ كنت في الجاهلية معناه أن الشيطان نزغ في نفسه تكذيبا لم يعتقده قال وهذه الخواطر إذا لم يستمر عليها لا يؤاخذ بها قال القاضي قال المازري معنى هذا أنه وقع في نفس أبي بن كعب نزعة من الشيطان غير مستقرة ثم زالت في الحال حين ضرب النبي صلى الله عليه وسلم بيده في صدره ففاض عرقا قوله فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قد غشيني ضرب في صدري ففضت عرقا وكأنما انظر إلى الله عز وجل فرقا قال القاضي ضربه صلى الله عليه وسلم في صدره تثبتا له حين رآه قد غشيه ذلك الخاطر المذموم قال ويقال فضت عرقا وفصت بالضاد المعجمة والصاد المهملة قال وروايتنا هنا بالمعجمة قلت وكذا هو في معظم أصول بلادنا وفي بعضها بالمهملة قوله صلى الله عليه وسلم أرسل إلى أن اقرأ على حرف فرددت إليه أن هون على أمتي فرد إلى الثانية أن اقرأ على حرف فرددت إليه أن هون على أمتي فرد إلى الثالثة اقرأه على سبعة أحرف هكذا وقعت هذه الرواية الأولى في معظم الأصول ووقع في بعضها زيادة قال أرسل إلى أن اقرأالقرآن على حرف فرددت إليه ان هون على أمتي فرد إلي الثانية اقرأه على حرف فرددت إليه أن هون على أمتي فرد إلى الثالثة اقرأه على سبعة أحرف ووقع في الطريق الذي بعد هذا من رواية بن أبي شيبة أن قال اقرأه على حرف وفي المرة الثانية على حرفين وفي الثالثة على ثلاثة وفي الرابعة على سبعة هذا مما يشكل معناه والجمع بين الروايتين وأقرب ما يقال فيه أن قوله في الرواية الأولى فرد إلى الثالثة المراد بالثالثة الأخيرة وهي الرابعة فسماها ثالثة مجازا وحملنا على هذا التأويل تصريحه في الرواية الثانية أن الأحرف السبعة إنما كانت في المرة الرابعة وهي الأخيرة ويكون قد حذف في الرواية الأولى أيضا بعض المرات قوله تعالى ولك بكل ردة رددتها وفي بعض النسخ رددتكها هذا يدل على أنه سقط في الرواية الأولى ذكر بعض الردات الثلاث وقد جاءت مبينة في الرواية الثانية قوله سبحانه وتعالى ولك بكل ردة رددتكها مسألة تسألنيها معناه مسألة مجابة قطعا وأما باقي الدعوات فمرجوة ليست قطعية الإجابة وقد سبق بيان هذا الشرح في كتاب الإيمان 821 قوله عند أضاة بني غفار هي بفتح الهمزة وبضاد معجمة مقصورة وهي الماء المستنقع كالغدير وجمعها اضا كحصاة وحصا واضاء بكسر الهمزة والمدكأكمة واكام قوله ان الله يأمرك أن تقرأ أمتك على سبعة أحرف فأيما حرف قرؤا عليه فقد أصابوا معناه لا يتجاوز أمتك سبعة أحرف ولهم الخيار في السبعة ويجب عليهم نقل السبعة إلى من بعدهم بالتخير فيها وانها لا تتجاوز والله أعلم

Bagian V06/P103

1 ( باب ترتيل القراءة واجتناب الهذ وهو الافراط في السرعة واباحة سورتين فأكثر في ركعة)

Bagian V06/P103–V06/P107

822 ذكر في الاسناد الأول بن أبي شيبة وبن نمير عن وكيع عن الأعمش عن أبي وائل عن بن مسعود وفي الثاني أبا كريب عن أبي معاوية عن الأعمش هذان الاسنادان كوفيون قوله للذي سأل بن مسعود عن آسن كل القرآن قد أحصيت غير هذا الحرف هذا محمول على أنه فهم منه أنه غير مسترشد في سؤاله اذ لو كان مسترشدا لوجب جوابه وهذا ليس بجواب قوله اني لأقرأ المفصل في ركعة فقال بن مسعود هذا كهذا الشعر معناه ان الرجل أخبر بكثرة حفظه واتقانه فقال بن مسعود تهذه هذا وهو بتشديد الذال وهو شدة الاسراع والافراط في العجلة ففيه النهي عن الهذ والحث على الترتيل والتدبر وبه قال جمهور العلماء قال القاضي وأباحت طائفة قليلة الهذ قوله كهذ الشعر معناه في تحفظه وروايته لا في اسناده وترنمه لأنه يرتل في الانشاد والترنم في العادة قوله ان أقواما يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم ولكن اذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع معناه أن قوما ليس حظهم من القرآن الا مروره على اللسان فلا يجاوز تراقيهم ليصل قلوبهم وليس ذلك هو المطلوب بل المطلوب تعقله وتدبره بوقوعه في القلب قوله ان أفضل الصلاة الركوع والسجود هذا مذهب بن مسعود رضي الله عنه وقد سبق في قول النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الصلاة طول القنوت وفي قوله صلى الله عليه وسلم أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد بيان مذاهب العلماء في هذه المسألة قوله لأعلم النظائر التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن بينهن سورتين في ركعة وفسرها فقال عشرون سورة في عشر ركعات من المفصل في تأليف عبد الله قال القاضي هذا صحيح موافق لرواية عائشة وبن عباس أن قيام النبي صلى الله عليه وسلم كان احدى عشرة ركعة بالوتر وأن هذا كان قدر قراءته غالبا وأن تطويله الوارد إنما كان في التدبر والترتيل وما ورد من غير ذلك في قراءته البقرة والنساء وآل عمران كان في نادر من الأوقات وقد جاء بيان هذه السور العشرين في رواية في سنن أبي داود الرحمن والنجم في ركعة واقتربت والحاقة في ركعة والطور والذاريات في ركعة والواقعة ونون في ركعة وسأل سائل والنازعات في ركعة وويل للمطففين وعبس في ركعة والمدثر والمزمل في ركعة وهل أتى ولا أقسم في ركعة وعم والمرسلات في ركعة والدخان وإذا الشمس كورت في ركعة وسمى مفصلا لقصر سوره وقرب انفصال بعضهن من بعض قوله في الرواية الأخرى ثمانية عشر من المفصل وسورتين من آل حم دليل على أن المفصل ما بعد آل حم وقوله في الرواية الأولى عشرون من المفصل وقوله هنا ثمانية عشر من المفصل وسورتين من آل حم لا تعارض فيه لأن مراده في الأولى معظم العشرين من المفصل قال العلماء أول القرآن السبع الطوال ثم ذوات المئين وهو ما كان في السورة منها مائة آية ونحوها ثم المثاني ثم المفصل وقد سبق بيان الخلاف في أول المفصل فقيل من القتال وقيل من الحجرات وقيل من ق قوله كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن بينهن هو بضم الراء وفيه جواز سورتين في ركعة قوله فمكثنا بالباب هنية هو بتشديد الياء غير مهموز وقد سبق بيانه واضحا في باب ما يقال في افتتاح الصلاة قوله ما منعكم أن تدخلوا وقد أذن لكم فقلنا لا إلا أنا ظننا أن بعض أهل البيت نائم فقال ظننتم بآل بن أم عبد غفلة معناه لا مانع لنا إلا أن توهمنا أن بعض أهل البيت نائم فنزعجه ومعنى قولهم ظننا توهمنا وجوزنا لا أنهم أرادوا الظن المعروف للأصوليين وهو رجحان الإعتقاد وفي هذا الحديث مراعاة الرجل لأهل بيته ورعيته في أمور دينهم قوله انظري هل طلعت الشمس فيه قبول خبر الواحد وخبر المرأة والعمل بالظن مع إمكان اليقين لأنه عمل بقولها وهو مفيد للظن مع قدرته على رؤية الشمس قوله ثمانية عشر من المفصل هكذا هو في الأصول المشهورة ثمانية عشر وفي نادر منها ثمان عشرة والأول صحيح أيضا على تقدير ثمانية عشر نظيرا قوله وسورتين من آل حم يعني من السور التي أولها حم كقولك فلان من آل فلان قال القاضي ويجوز أن يكون المراد حم نفسها كما قال في الحديث من مزامير آل داود أي داود نفسه

Bagian V06/P107–V06/P109

1 ( باب ما يتعلق بالقراءات ) 823 قوله يقول مدكر أدالا يعني بالمهملة وأصله مذتكر فأبدلت التاء دالا مهملة ثم أدغمت المعجمة في المهملة فصار النطق بدال مهملة 824 قوله حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب واللفظ لأبي بكر قالا حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة هذا اسناد كوفي كله وفيه ثلاثة تابعيون الأعمش وابراهيم وعلقمة قوله عن عبد الله بن مسعود وأبي الدرداء أنهما قرآ / < والذكر والأنثى > / قال القاضي قال المازري يجب أن يعتقد في هذا الخبر وما في معناه أن ذلك كان قرآنا ثم نسخ ولم يعلم من خالف النسخ فبقي على النسخ قال ولعل هذا وقع من بعضهم قبل أن يبلغهم مصحف عثمان المجمع عليه المحذوف منه كل منسوخ وأما بعد ظهور مصحف عثمان فلا يظن بأحد منهم أنه خالف فيه وأما بن مسعود فرويت عنه روايات كثيرة منها ما ليس بثابت عند أهل النقل وما ثبت منها مخالفا لما قلناه فهو محمول على أنه كان يكتب في مصحفه بعض الأحكام والتفاسير مما يعتقد أنه ليس بقرآن وكان لا يعتقد تحريم ذلك وكان يراه كصحيفة يثبت فيها ما يشاء وكان رأى عثمان والجماعة منع ذلك لئلا يتطاول الزمان ويظن ذلك قرآنا قال المازري فعاد الخلاف إلى مسألة فقهية وهي أنه هل يجوز الحاق بعض التفاسير في أثناء المصحف قال ويحتمل ما روى من اسقاط المعوذتين من مصحف بن مسعود أنه اعتقد أنه لا يلزمه كتب كل القرآن وكتب ما سواهما وتركهما لشهرتهما عنده وعند الناس والله أعلم قوله فقام إلى حلقة هي باسكان اللام في اللغة المشهورة قال الجوهري وغيره ويقال في لغة رديئة بفتحها وله فعرفت فيه تحوش القوم هو بمثناة في أوله مفتوحة وحاء مهملة وواو مشددة وشين معجمة أي انقباضهم قال القاضي ويحتمل أن يريد الفطنة والذكاء يقال رجل حوشى الفؤاد أي حديده 1 ( باب الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها )

Bagian V06/P109–V06/P122

في أحاديث الباب نهيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس وبعد الصبح حتى تطلع الشمس وبعد طلوعها حتى ترتفع وعند استوائها حتى تزول وعند اصفرارها حتى تغرب وأجمعت الأمة على كراهة صلاة لا سبب لها في هذه الأوقات واتفقوا على جواز الفرائض المؤداة فيها واختلفوا في النوافل التي لها سبب كصلاة تحية المسجد وسجود التلاوة والشكر وصلاة العيد والكسوف وفي صلاة الجنازة وقضاء الفوائت ومذهب الشافعي وطائفة جواز ذلك كله بلا كراهة ومذهب أبي حنيفة وآخرين أنه داخل في النهى لعموم الأحاديث واحتج الشافعي وموافقوه بأنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى سنة الظهر بعد العصر وهذا صريح في قضاء السنة الفائتة فالحاضرة أولى والفريضة المقضية أولى وكذا الجنازة هذا مختصر ما يتعلق بجملة أحكام الباب وفيه فروع ودقائق سننبه على بعضها في مواضعها من أحاديث الباب ان شاء الله تعالى 825 قوله حتى تشرق الشمس ضبطناه بضم التاء وكسر الراء وهكذا أشار إليه القاضي عياض في شرح مسلم وضبطناه أيضا بفتح التاء وضم الراء وهو الذي ضبطه أكثر رواة بلادنا وهو الذي ذكره القاضي عياض في المشارق قال أهل اللغة يقال شرقت الشمس تشرق أي طلعت على وزن طلعت تطلع وغربت تغرب ويقال شرقت تشرق أي ارتفعت وأضاءت ومنه قوله تعالى وأشرقت الأرض بنور ربها أي أضاءت فمن فتح التاء هنا احتج بان باقي الروايات قبل هذه الرواية وبعدها حتى تطلع الشمس فوجب حمل هذه على موافقتها ومن قال بضم التاء احتج له القاضي بالأحاديث الأخر في النهى عن الصلاة عند طلوع الشمس والنهي عن الصلاة إذا بدا حاجب الشمس حتى تبرز وحديث ثلاث ساعات حتى تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع قال وهذا كله يبين أن المراد بالطلوع في الروايات الأخر ارتفاعها واشراقها واضاءتها لا مجرد ظهور قرصها وهذا الذي قاله القاضي صحيح متعين لا عدول عنده للجمع بين الروايات قوله صلى الله عليه وسلم لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها فإنها تطلع بقرني شيطان هكذا هو في الأصول بقرني شيطان في حديث بن عمر وفي حديث عمرو بن عبسة بين قرني شيطان قيل المراد بقرني الشيطان حزبه وأتباعه وقيل قوته وغلبته وانتشار فساده وقيل القرنان ناحيتا الرأس وأنه على ظاهره وهذا هو الأقوى قالوا ومعناه أنه يدنى رأسه إلى الشمس في هذه الأوقات ليكون الساجدون لها من الكفار كالساجدين له في الصورة وحينئذ يكون له ولبنيه تسلط ظاهر وتمكن من أن يلبسوا على المصلين صلاتهم فكرهت الصلاة حينئذ صيانة لها كما كرهت في الأماكن التي هي مأوى الشيطان وفي رواية لأبي داود والنسائي في حديث عمرو بن عبسة فإنها تطلع بين قرني شيطان فيصلي لها الكفار وفي بعض أصول مسلم في حديث بن عمر هنا بقرني الشيطان بالألف واللام وسمى شيطانا لتمرده وعتوه وكل مارد عات شيطان والأظهر أنه مشتق من شطن إذا بعد لبعده من الخير والرحمة وقيل مشتق من شاط إذا هلك واحترق 829 قوله صلى الله عليه وسلم إذا بدا حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تبرز لفظة بدا هنا غير مهموزة معناه ظهر وحاجبها طرفها وتبرز بالتاء المثناة فوق أي حتى تصير الشمس بارزة ظاهرة والمراد ترتفع كما سبق تقريره 830 قوله عن خير بن نعيم هو بالخاء المعجمة قوله عن بن هبيرة هو عبد الله بن هبيرة الحضرمي المصري وقد سماه في الرواية الثانية قوله عن أبي تميم الجيشاني عن أبي بصرة أما بصرة فبالموحدة والصاد المهملة والجيشاني بفتح الجيم واسكان الياء وبالشين المعجمة منسوب إلى جيشان قبيلة معروفة من اليمن واسم أبي تميم عبد الله بن مالك قوله صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر بالمخمص هو بميم مضمومة وخاء معجمة ثم بميم مفتوحة وهو موضع معروف قوله صلى الله عليه وسلم ان هذه الصلاة عرضت على من قبلكم فضيعوها فمن حافظ عليها كان له أجره مرتين فيه فضيلة العصر وشدة الحث عليها 831 قوله عن موسى بن علي هو بضم العين على المشهور ويقال بفتحها وهو موسى بن علي بن رباح اللخمي قوله أو نقبر فيهن موتانا هو بضم الموحدة وكسرها لغتان قوله تضيف للغروب هو بفتح التاء والضاد المعجمة وتشديد الياء أى تميل قوله حين يقوم قائم الظهيرة الظهيرة حال استواء الشمس ومعناه حين لا يبقى للقائم في الظهيرة ظل في المشرق ولا في المغرب قوله كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا قال بعضهم أن المراد بالقبر صلاة الجنازة وهذا ضعيف لأن صلاة الجنازة لا تكره في هذا الوقت بالاجماع فلا يجوز تفسير الحديث بما يخالف الاجماع بل الصواب أن معناه تعمد تأخير الدفن إلى هذه الأوقات كما يكره تعمد تأخير العصر إلى اصفرار الشمس بلا عذر وهي صلاة المنافقين كما سبق في الحديث الصحيح قام فنقرها أربعا فأما إذا وقع الدفن في هذه الأوقات بلا تعمد فلا يكره 832 قوله وحدثنا أحمد بن جعفر المعقري هو بفتح الميم واسكان العين المهملة وكسر القاف منسوب إلى معقر وهي ناحية باليمن قوله جراء عليه قومه هكذا هو في جميع الأصول جراء بالجيم المضمومة جمع جريء بالهمز من الجرأة وهي الاقدام والتسلط وذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين حراء بالحاء المهملة المكسورة ومعناه غضاب ذو وغم قد عيل صبرهم به حتى أثر في أجسامهم من قولهم حري جسمه يحرى كضرب يضرب إذا نقص من ألم وغيره والصحيح أنه بالجيم قوله فقلت له ما أنت هكذا هو في الأصول ما أنت وإنما قال ما أنت ولم يقل من أنت لأنه سأله عن صفته لا عن ذاته والصفات مما لا يعقل قوله صلى الله عليه وسلم أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان وأن يوحد الله لا يشرك به شيء هذا فيه دلالة ظاهرة على الحث على صلة الأرحام لأن النبي صلى الله عليه وسلم قرنها بالتوحيد ولم يذكر له حزبات الأمور وإنما ذكر مهمها وبدأ بالصلة وقوله ومعه يومئذ أبو بكر وبلال دليل على فضلهما وقد يحتج به من قال أنهما أول من أسلم قوله فقلت اني متبعك قال انك لا تستطيع ذلك يومك هذا ألا ترى حالي وحال الناس ولكن ارجع إلى أهلك فإذا سمعت بي قد ظهرت فائتني معناه قلت له إني متبعك على اظهار الاسلام هنا واقامتي معك فقال لا تستطيع ذلك لضعف شوكة المسلمين ونخاف عليك من أذى كفار قريش ولكن قد حصل أجرك فابق على اسلامك وارجع إلى قومك واستمر على الاسلام في موضعك حتى تعلمني ظهرت فأتني وفيه معجزة للنبوة وهي اعلامه بأنه سيظهر قوله فقلت يا رسول الله أتعرفني قال نعم أنت الذي لقيتني بمكة فقلت بلى فيه صحة الجواب ببلي وان لم يكن قبلها نفي وصحة الاقرار بها وهو الصحيح في مذهبنا وشرط بعض أصحابنا أن يتقدمها نفي قوله فقلت يا رسول الله أخبرني عما علمك الله هكذا هو عما علمك وهو صحيح ومعناه اخبرني عن حكمة وصفته وبينه لي قوله صلى الله عليه وسلم صل صلاة الصبح ثم اقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع فيه أن النهى عن الصلاة بعد الصبح لا يزول بنفس الطلوع بل لا بد من الارتفاع وقد سبق بيانه قوله صلى الله عليه وسلم فإن الصلاة مشهودة محضورة أى تحضرها الملائكة فهي أقرب إلى القبول وحصول الرحمة قوله صلى الله عليه وسلم حتى يستقل الظل بالرمح ثم اقصر عن الصلاة فإن حينئذ تسجر جهنم فإذا أقبل الفيء فصل فإن الصلاة مشهودة محضورة معنى يستقل الظل بالرمح أي يقوم مقابله في جهة الشمال ليس مائلا إلى المغرب ولا إلى المشرق وهذه حالة الاستواء وفي الحديث التصريح بالنهي عن الصلاة حينئذ حتى تزول الشمس وهو مذهب الشافعي وجماهير العلماء واستثنى الشافعي حالة الاستواء يوم الجمعة وللقاضي عياض رحمه الله في هذا الموضع كلام عجيب في تفسير الحديث ومذاهب العلماء نبهت عليه لئلا يغتر به ومعنى تسجر جهنم توقد عليها ايقادا بليغا واختلف أهل العربية هل جهنم اسم عربي أم عجمي فقيل عربي مشتق من الجهومة وهي كراهة المنظر وقيل من قولهم بئر جهام أي عميقة فعلى هذا لم تصرف للعلمية والتأنيث وقال الأكثرون هي عجمية معربة وامتنع صرفها للعلمية والعجمة قوله صلى الله عليه وسلم فإذا أقبل الفيء فصل فان الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر ثم اقصر عن الصلاة معنى أقبل الفيء ظهر إلى جهة المشرق والفيء مختص بما بعد الزوال وأما الظل فيقع على ما قبل الزوال وبعده وفيه كلام نفيس بسطته في تهذيب الأسماء قوله صلى الله عليه وسلم حتى تصلي العصر فيه دليل على أن النهي لا يدخل بدخول وقت العصر ولا بصلاة غير الانسان وإنما يكره لكل انسان بعد صلاة العصر حتى لو أخر عن أول الوقت لم يكره التنفل قبلها قوله صلى الله عليه وسلم يقرب وضوءه هو بضم الياء وفتح القاف وكسر الراء المشددة أي يدنيه والوضوء هنا بفتح الواو وهو الماء الذي يتوضأ به قوله صلى الله عليه وسلم ويستنشق فينتثر أي يخرج الذي في أنفه يقال نثر وانتثر واستنثر مشتق من النثرة وهي الأنف وقيل طرفه وقد سبق بيانه في الطهارة قوله صلى الله عليه وسلم إلا خرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه هكذا ضبطناه خرت بالخاء المعجمة وكذا نقله القاضي عن جميع الرواة إلا بن أبي جعفر فرواه جرت بالجيم ومعنى خرت بالخاء أي سقطت ومعنى جرت ظاهر والمراد بالخطايا الصغائر كما سبق في كتاب الطهارة ما اجتنبت الكبائر والخياشيم جمع خيشوم وهو أقصى الانف وقيل الخياشيم عظام رقاق في أصل الأنف بينه وبين الدماغ وقيل غير ذلك قوله صلى الله عليه وسلم ثم يغسل قدميه فيه دليل لمذهب العلماء كافة أن الواجب غسل الرجلين وقال الشيعة الواجب مسحهما وقال بن جرير هو مخير وقال بعض الظاهرية يجب الغسل والمسح قوله لو لم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا حتى عد سبع مرات ما حدثت به أبدا ولكني سمعته أكثر من ذلك هذا الكلام قد يستشكل من حيث أن ظاهره أنه لا يرى التحديث إلا بما سمعه أكثر من سبع مرات ومعلوم أن من سمع مرة واحدة جاز له الرواية بل تجب عليه إذا تعين لها وجوابه أن معناه لو لم أتحققه وأجزم به لما حدثت به وذكر المرات بيانا لصورة حاله ولم يرد أن ذلك شرط والله أعلم 833 قولها وهم عمر تعني عمر بن الخطاب رضي الله عنه في روايته النهي عن الصلاة بعد العصر مطلقا وإنما نهى عن التحري قال القاضي إنما قالت عائشة هذا لما روته من صلاة النبي صلى الله عليه وسلم الركعتين بعد العصر قال وما رواه عمر قد رواه أبو سعيد وأبو هريرة وقد قال بن عباس في مسلم أنه أخبره به غير واحد قلت ويجمع بين الروايتين فرواية التحري محمولة على تأخير الفريضة إلى هذا الوقت ورواية النهي مطلقا محمولة على غير ذوات الأسباب 834 قوله قال بن عباس وكنت أضرب مع عمر بن الخطاب الناس عليها هكذا وقع في بعض الأصول أضرب الناس عليها وفي بعض أصرف الناس عنها وكلاهما صحيح ولا منافاة بينهما وكان يضربهم عليها في وقت ويصرفهم عنها في وقت من غير ضرب أو يصرفهم مع الضرب ولعله كان يضرب من بلغه النهى ويصرف من لم يبلغه من غير ضرب وقد جاء في غير مسلم أنه كان يضرب عليها بالدرة وفيه احتياط الإمام لرعيته ومنعهم من البدع والمنهيات الشرعية وتعزيرهم عليها قوله قال كريب فدخلت عليها وبلغتها ما أرسلوني به فقالت سل أم سلمة فخرجت إليهم فأخبرتهم بقولها فردوني إلى أم سلمة هذا فيه أنه يستحب للعالم إذا طلب منه تحقيق أمر مهم ويعلم أن غيره أعلم به أو أعرف بأصله أن يرشد إليه إذا أمكنه وفيه الإعتراف لأهل الفضل بمزيتهم وفيه إشارة إلى أدب الرسول في حاجته وأنه لا يستقل فيها بتصرف لم يؤذن له فيه ولهذا لم يستقل كريب بالذهاب إلى أم سلمة لأنهم إنما أرسلوه إلى عائشة فلما أرشدته عائشة إلى أم سلمة وكان رسولا للجماعة لم يستقل بالذهاب حتى رجع إليهم فأخبرهم فأرسلوه إليها قولها وعندي نسوة من بني حرام من الأنصار قد سبق مرات أن بنى حرام بالراء وأن حراما في الأنصار وحزاما بالزاي في قريش قولها فأرسلت إليه الجارية فيه قبول خبر الواحد والمرأة مع القدرة على اليقين بالسماع من لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم قولها فقولي له تقول أم سلمة إنما قالت عن نفسها تقول أم سلمة فكنت نفسها ولم تقل هند باسمها لأنها معروفة بكنيتها ولا بأس بذكر الإنسان نفسه بالكنية إذا لم يعرف إلا بها أو اشتهر بها بحيث لا يعرف غالبا إلا بها وكنيت بأبيها سلمة بن أبي سلمة وكان صحابيا وقد ذكرت أحواله في ترجمتها من تهذيب الأسماء قولها إني أسمعك تنهي عن هاتين الركعتين وأراك تصليهما معنى أسمعك سمعتك في الماضي وهو من اطلاق لفظ المضارع لإرادة الماضي كقوله تعالى قد نرى تقلب وجهك وفي هذا الكلام أنه ينبغي للتابع إذا رأى من المتبوع شيئا يخالف المعروف من طريقته والمعتاد من حاله أن يسأله بلطف عنه فإن كان ناسيا رجع عنه وان كان عامدا وله معنى مخصص عرفه التابع واستفاده وان كان مخصوصا بحال يعلمها ولم يتجاوزها وفيه مع هذه الفوائد فائدة أخرى وهي أنه بالسؤال يسلم من إرسال الظن السيئ بتعارض الأفعال أو الأقوال وعدم الارتباط بطريق واحد قولها فأشار بيده فيه أن إشارة المصلى بيده ونحوها من الأفعال الخفيفة لا تبطل الصلاة قوله صلى الله عليه وسلم انه أتاني ناس من عبد القيس بالإسلام من قومهم فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان فيه فوائد منها اثبات سنة الظهر بعدها ومنها أن السنن الراتبة إذا فاتت يستحب قضاؤها وهو الصحيح عندنا ومنها أن الصلاة التي لها سبب لا تكره في وقت النهى وإنما يكره ما لا سبب لها وهذا الحديث هو عمدة أصحابنا في المسألة وليس لنا أصح دلالة منه ودلالته ظاهرة فإن قيل فقد داوم النبي صلى الله عليه وسلم عليها ولا يقولون بهذا قلنا لأصحابنا في هذا وجهان حكاهما المتولي وغيره أحدهما القول به فمن دأبه سنة راتبة فقضاها في وقت النهى كان له أن يداوم على صلاة مثلها في ذلك الوقت والثاني وهو الأصح الأشهر ليس له ذلك وهذا من خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحصل الدلالة بفعله صلى الله عليه وسلم في اليوم الأول فإن قيل هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم قلنا الأصل الإقتداء به صلى الله عليه وسلم وعدم التخصيص حتى يقوم دليل به بل هنا دلالة ظاهرة على عدم التخصيص وهي أنه صلى الله عليه وسلم بين أنها سنة الظهر ولم يقل هذا الفعل مختص بي وسكوته ظاهر في جواز الاقتداء ومن فوائده أن صلاة النهار مثنى مثنى كصلاة الليل وهو مذهبنا ومذهب الجمهور وقد سبقت المسألة ومنها أنه إذا تعارضت المصالح والمهمات بدئ بأهمها ولهذا بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بحديث القوم في الإسلام وترك سنة الظهر حتى فات وقتها لأن الاشتغال بارشادهم وهدايتهم وقومهم إلى الإسلام أهم قولها ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الركعتين بعد العصر عندي قط يعني بعد يوم وفد عبد القيس 835 قوله سألت عائشة عن السجدتين اللتين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليهما بعد العصر فقالت كان يصليهما قبل العصر ثم أنه شغل عنهما أو نسيهما فصلاهما بعد العصر هذا الحديث ظاهر في أن المراد بالسجدتين ركعتان هما سنة العصر قبلها وقال القاضي ينبغي أن تحمل على سنة الظهر كما في حديث أم سلمة ليتفق الحديثان وسنة الظهر تصح تسميتها أنها قبل العصر

Bagian V06/P122–V06/P123

1 ( باب استحباب ركعتين قبل صلاة المغرب ) 836 فيه حديث صلاتهم ركعتين بعد الغروب وقبل صلاة المغرب وفي رواية أنهم كانوا يصلونها بعد الأذان وفي الحديث الآخر بين كل أذانين صلاة المراد بالأذانين الأذان والإقامة وفي هذه الروايات استحباب ركعتين بين المغرب وصلاة المغرب وفي المسألة وجهان لأصحابنا أشهرهما لا يستحب وأصحهما عند المحققين يستحب لهذه الأحاديث وفي المسألة مذهبان للسلف واستحبهما جماعة من الصحابة والتابعين من المتأخرين أحمد واسحق ولم يستحبهما أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وآخرون من الصحابة ومالك وأكثر الفقهاء وقال النخعي هي بدعة وحجة هؤلاء أن استحبابهما يؤدي إلى تأخير المغرب عن أول وقتها قليلا وزعم بعضهم في جواب هذه الأحاديث أنها منسوخة والمختار استحبابها لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة وفي صحيح البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلوا قبل المغرب صلوا قبل المغرب صلوا قبل المغرب قال في الثالثة لمن شاء وأما قولهم يؤدي إلى تأخير المغرب فهذا خيال منابذ للسنة فلا يلتفت إليه ومع هذا فهو زمن يسير لا تتأخر به الصلاة عن أول وقتها وأما من زعم النسخ فهو مجازف لأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا عجزنا عن التأويل والجمع بين الأحاديث وعلمنا التاريخ وليس هنا شيء من ذلك والله أعلم 1 ( باب صلاة الخوف )

Bagian V06/P123–V06/P129

839 ذكر مسلم رحمه الله في الباب أربعة أحاديث أحدها حديث بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى باحدى الطائفتين ركعة والأخرى مواجهة للعدو ثم انصرفوا فقاموا مقام أصحابهم وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ثم سلم فقضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة وبهذا الحديث أخذ الأوزاعي وأشهب مالكي وهو جائز عند الشافعي ثم قيل ان الطائفتين قضوا ركعتهم الباقية معا وقيل متفرقين وهو الصحيح الثاني حديث بن أبي حثمة بنحوه إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالطائفة الأولى ركعة وثبت قائما فأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو وجاء الآخرون فصلى بهم ركعة ثم ثبت جالسا حتى أتموا ركعتهم ثم سلم بهم وبهذا أخذ مالك والشافعي وأبو ثور وغيرهم وذكر عنه أبو داود في سننه صفة أخرى أنه صفهم صفين فصلى بمن يليه ركعة ثم ثبت قائما حتى صلى الذين خلفه ركعة ثم تقدموا وتأخر الذين كانوا قدامهم فصلى بهم ركعة ثم قعد حتى صلى الذين تخلفوا ركعة ثم سلم وفي رواية سلم بهم جميعا الحديث الثالث حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم صفهم صفين خلفه والعدو بينهم وبين القبلة وركع بالجميع وسجد معه الصف المؤخر وقاموا ثم تقدموا وتأخر الذي يليه وقام المؤخر في نحر العدو فلما قضى السجود سجد الصف المقدم وذكر في الركعة الثانية نحوه وحديث بن عباس نحو حديث جابر لكن ليس فيه تقدم الصف وتأخر الآخر وبهذا الحديث قال الشافعي وبن أبي ليلى وأبو يوسف إذا كان العدو في جهة القبلة ويجوز عند الشافعي تقدم الصف الثاني وتأخر الأول كما في رواية جابر ويجوز بقاؤهما على حالهما كما هو ظاهر حديث بن عباس 840 الحديث الرابع حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بكل طائفة ركعتين وفي سنن أبي داود وغيره من رواية أبي بكرة أنه صلى بكل طائفة ركعتين وسلم فكانت الطائفة الثانية مفترضين خلف متنفل وبهذا قال الشافعي وحكوه عن الحسن البصري وادعى الطحاوي أنه منسوخ ولا تقبل دعواه اذ لا دليل لنسخه فهذه ستة أوجه في صلاة الخوف وروى بن مسعود وأبو هريرة وجها سابعا أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بطائفة ركعة وانصرفوا ولم يسلموا ووقفوا بإزاء العدو وجاء الآخرون فصلى بهم ركعة ثم سلم فقضى هؤلاء ركعتهم ثم سلموا وذهبوا فقاموا مقام أولئك ورجع أولئك فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلم وبهذا أخذ أبو حنيفة وقد روى أبو داود وغيره وجوها أخر في صلاة الخوف بحيث يبلغ مجموعها ستة عشر وجها وذكر بن القصار المالكي أن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها في عشرة مواطن والمختار أن هذه الأوجه كلها جائزة بحسب مواطنها وفيها تفصيل وتفريع مشهور في كتب الفقه قال الخطابي صلاة الخوف أنواع صلاها النبي صلى الله عليه وسلم في أيام مختلفة وأشكال متباينة يتحرى في كلها ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة فهي على اختلاف صورها متفقة المعنى ثم مذهب العلماء كافة أن صلاة الخوف مشروعة اليوم كما كانت إلا أبا يوسف والمزني فقالا لا تشرع بعد النبي صلى الله عليه وسلم لقول الله تعالى وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة واحتج الجمهور بأن الصحابة لم يزالوا على فعلها بعد النبي صلى الله عليه وسلم وليس المراد بالآية تخصيصه صلى الله عليه وسلم وقد ثبت قوله صلى الله عليه وسلم صلوا كما رأيتموني أصلي قوله وقام الصف المؤخر في نحر العدو أي في مقابلته ونحر كل شي أوله قوله في رواية أبي الزبير عن جابر ثم سجد وسجد معه الصف الأول هكذا وقع في بعض النسخ الصف الأول ولم يقع في أكثرها ذكر الأول والمراد الصف المقدم الآن 841 قوله صالح بن خوات هو بفتح الخاء المعجمة وتشديد الواو قوله ذات الرقاع هي غزوة معروفة كانت سنة خمس من الهجرة بأرض غطفان من نجد سميت ذات الرقاع لأن أقدام المسلمين نقبت من الحفاء فلفوا عليها الخرق هذا هو الصحيح في سبب تسميتها وقد ثبت هذا في الصحيح عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وقيل سميت لجبل هناك يقال له الرقاع لأن فيه بياضا وحمرة وسوادا وقيل سميت بشجرة هناك يقال لها ذات الرقاع وقيل لأن المسلمين رقعوا راياتهم ويحتمل أن هذه الأمور كلها وجدت فيها وشرعت صلاة الخوف في غزوة خلاف الرقاع وقيل في غزوة بني النضر 842 قوله في حديث يحيى بن يحيى أن طائفة صفت معه هكذا هو في أكثر النسخ وفي بعضها صلت معه وهما صحيحان قوله وطائفة وجاه العدو هو بكسر الواو وضمها يقال وجاهه وتجاهه أي قبالته والطائفة الفرقة والقطعة من الشيء تقع على القليل والكثير لكن قال الشافعي أكره أن تكون الطائفة في صلاة الخوف أقل من ثلاثة فينبغي أن تكون الطائفة التي مع الإمام ثلاثة فأكثر والذين في وجه العدو كذلك واستدل بقول الله تعالى وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا إلى آخر الآية فأعاد على كل طائفة ضمير الجمع وأقل الجمع ثلاثة على المشهور 843 قوله شجرة ظليلة أي ذات ظل قوله فأخذ السيف فاخترطه أي سله قوله فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات وللقوم ركعتين معناه صلى بالطائفة الأولى ركعتين وسلم وسلموا وبالثانية كذلك وكان النبي صلى الله عليه وسلم متنفلا في الثانية وهم متفرضون واستدل به الشافعي وأصحابه على جواز صلاة المفترض خلف المتنفل والله أعلم

Bagian V06/P129

1 ( كتاب الجمعة)

Bagian V06/P129–V06/P170

يقال بضم الميم واسكانها وفتحها حكاهن الفراء والواحدي وغيرهما ووجهوا الفتح بأنها تجمع الناس ويكثرون فيها كما يقال همزة ولمزة لكثرة الهمز واللمز ونحو ذلك سميت جمعة لاجتماع الناس فيها وكان يوم الجمعة في الجاهلية يسمى العروبة 844 قوله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل وفي رواية من جاء منكم الجمعة فليغتسل وهذه الثانية محمولة على الأول معناها من أراد المجيء فليغتسل وفي الحديث الآخر بعده غسل الجمعة واجب على كل محتلم والمراد بالمحتلم البالغ وفي الحديث الآخر حق لله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يغسل رأسه وجسده وفي الحديث الآخر لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا وفي رواية لو اغتسلتم يوم الجمعة واختلف العلماء في غسل الجمعة فحكى وجوبه عن طائفة من السلف حكوه عن بعض الصحابة وبه قال أهل الظاهر وحكاه بن المنذر عن مالك وحكاه الخطابي عن الحسن البصري ومالك وذهب جمهور العلماء من السلف والخلف وفقهاء الأمصار إلى أنه سنة مستحبة ليس بواجب قال القاضي وهو المعروف من مذهب مالك وأصحابه واحتج من أوجبه بظواهر هذه الأحاديث واحتج الجمهور بأحاديث صحيحة منها حديث الرجل الذي دخل وعمر يخطب وقد ترك الغسل وقد ذكره مسلم وهذا الرجل هو عثمان بن عفان جاء مبينا في الرواية الأخرى ووجه الدلالة أن عثمان فعله وأقره عمر وحاضروا الجمعة وهم أهل الحل والعقد ولو كان واجبا لما تركه ولألزموه ومنها قوله صلى الله عليه وسلم من توضأ فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل حديث حسن في السنن مشهور وفيه دليل على أنه ليس بواجب ومنها قوله صلى الله عليه وسلم لو اغتسلتم يوم الجمعة وهذا اللفظ يقتضي أنه ليس بواجب لأن تقديره لكان أفضل وأكمل ونحو هذا من العبادات وأجابوا عن الأحاديث الواردة في الأمر به أنها محمولة على الندب جمعا بين الأحاديث 846 وقوله صلى الله عليه وسلم واجب على كل محتلم أي متأكد في حقه كما يقول الرجل لصاحبه حقك واجب على أي متأكد لا أن المراد الواجب المحتم المعاقب عليه قوله وهو قائم على المنبر فيه استحباب المنبر للخطبة فإن تعذر فليكن على موضع عال ليبلغ صوته جميعهم ولينفرد فيكون أوقع في النفوس وفيه أن الخطيب يكون قائما وسمى منبرا لارتفاعه من النبر وهو الارتفاع 845 قوله أية ساعة هذه قاله توبيخا له وانكارا لتأخره إلى هذا الوقت فيه تفقد الامام رعيته وأمرهم بمصالح دينهم والانكار على مخالف السنة وان كان كبير القدر وفيه جواز الانكار على الكبار في مجمع من الناس وفيه جواز الكلام في الخطبة قوله شغلت اليوم فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت النداء فلم أزد على أن توضأت فيه الاعتذار إلى ولاة الأمور وغيرهم وفيه اباحة الشغل والتصرف يوم الجمعة قبل النداء وفيه إشارة إلى أنه إنما ترك الغسل لأنه يستحب فرأى اشتغاله بقصد الجمعة أولى من أن يجلس للغسل بعد النداء ولهذا لم يأمره عمر بالرجوع للغسل قوله سمعت النداء هو بكسر النون وضمها والكسر أشهر قوله والوضوء أيضا هو منصوب أي وتوضأت الوضوء فقط قاله الأزهري وغيره 847 قوله ينتابون الجمعة أي يأتونها قوله من العوالي هي القرى التي حول المدينة قوله فيأتون في العباء هو بالمد جمع عباءة بالمد وعباية بزيادة ياء لغتان مشهورتان قوله ولم يكن لهم كفاة هو بضم الكاف جمع كاف كقاض وقضاة وهم الخدم الذين يكفونهم العمل قوله لهم تفل هو بتاء مثناة فوق ثم فاء مفتوحتين أي رائحة كريهة قوله صلى الله عليه وسلم للذين جاؤا ولهم الريح الكريهة لو اغتسلتم فيه أنه يندب لمن أراد المسجد أو مجالسة الناس أن يجتنب الريح الكريهة في بدنه وثوبه 844 846 قوله ص إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل وغسل الجمعة واجب على كل محتلم فالحديث الأول ظاهر في أن الغسل مشروع لكل من أراد الجمعة من الرجال سواء البالغ والصبي المميز والثاني صريح في البالغ وفي أحاديث أخر ألفاظ تقتضي دخول النساء كحديث ومن اغتسل فالغسل أفضل فيقال في الجمع بين الأحاديث أن الغسل يستحب لكل مريد الجمعة ومتأكد في حق الذكور أكثر من النساء لأنه في حقهن قريب من الطيب ومتأكد في حق البالغين أكثر من الصبيان ومذهبنا المشهور أنه يستحب لكل مريد لها وفي وجه لأصحابنا يستحب للذكور خاصة وفي وجه يستحب لمن يلزمه الجمعة دون النساء والصبيان والعبيد والمسافرين ووجه يستحب لكل أحد يوم الجمعة سواء أراد حضور الجمعة أم لا كغسل يوم العيد يستحب لكل أحد والصحيح الأول والله أعلم قوله ص 846 في حديث عمرو بن سواد غسل يوم الجمعة على كل محتلم وسواك ويمس من الطيب ما قدر عليه هكذا وقع في جميع الأصول غسل يوم الجمعة على كل محتلم وليس فيه ذكر واجب وقوله صلى الله عليه وسلم وسواك ويمس من الطيب معناه ويسن السواك ومس الطيب ويجوز يمس بفتح الميم وضمها وقوله صلى الله عليه وسلم ما قدر عليه قال القاضي محتمل لتكثيره ومحتمل لتأكيده حتى يفعله بما أمكنه ويؤيده قوله ولو من طيب المرأة وهو المكروه للرجال وهو ما ظهر لونه وخفي ريحه فأباحه للرجل هنا للضرورة لعدم غيره وهذا يدل على تأكيده والله أعلم 850 قوله صلى الله عليه وسلم من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة معناه غسلا كغسل الجنابة في الصفات هذا هو المشهور في تفسيره وقال بعض أصحابنا في كتب الفقه المراد غسل الجنابة حقيقة قالوا ويستحب له مواقعة زوجته ليكون أغض للبصر وأسكن لنفسه وهذا ضعيف أو باطل والصواب ما قدمناه قوله صلى الله عليه وسلم ثم راح فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة المراد بالرواح الذهاب أول النهار وفي المسألة خلاف مشهور مذهب مالك وكثير من أصحابه والقاضي حسين وأمام الحرمين من أصحابنا أن المراد بالساعات هنا لحظات لطيفة بعد زوال الشمس والرواح عندهم بعد الزوال وادعوا أن هذا معناه في اللغة ومذهب الشافعي وجماهير أصحابه وبن حبيب المالكي وجماهير العلماء استحباب التبكير إليها أول النهار والساعات عندهم من أول النهار والرواح يكون أول النهار وآخره قال الأزهري لغة العرب الرواح الذهاب سواء كان أول النهار أو آخره أو في الليل وهذا هو الصواب الذي يقتضيه الحديث والمعنى لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الملائكة تكتب من جاء في الساعة الأولى وهو كالمهدي بدنة ومن جاء في الساعة الثانية ثم الثالثة ثم الرابعة ثم الخامسة وفي رواية النسائي السادسة فإذا خرج الإمام طووا الصحف ولم يكتبوا بعد ذلك أحدا ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى الجمعة متصلا بالزوال وهو بعد انفصال السادسة فدل على أنه لا شيء من الهدى والفضيلة لمن جاء بعد الزوال ولأن ذكر الساعات إنما كان للحث في التبكير إليها والترغيب في فضيلة السبق وتحصيل الصف الأول وانتظارها والاشتغال بالتنفل والذكر ونحوه وهذا كله لا يحصل بالذهاب بعد الزوال ولا فضيلة لمن أتى بعد الزوال لان النداء يكون حينئذ ويحرم التخلف بعد النداء والله أعلم واختلف أصحابنا هل تعيين الساعات من طلوع الفجر أم من طلوع الشمس والأصح عندهم من طلوع الفجر ثم ان من جاء في أول ساعة من هذه الساعات ومن جاء في آخرها مشتركان في تحصيل أصل البدنة والبقرة والكبش ولكن بدنة الأول أكمل من بدنة من جاء في آخر الساعة وبدنة المتوسط متوسطة وهذا كما ان صلاة الجماعة تزيد على صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجة ومعلوم أن الجماعة تطلق على اثنين وعلى ألوف فمن صلى في جماعة هم عشرة آلاف له سبع وعشرون درجة ومن صلى مع اثنين له سبع وعشرون لكن درجات الأول أكمل وأشباه هذا كثيرة معروفة وفيما ذكرته جواب عن اعتراض ذكره القاضي عياض رحمه الله قوله صلى الله عليه وسلم من اغتسل يوم الجمعة ثم راح فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكانما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر أما لغات هذا الفصل فمعنى قرب تصدق وأما البدنة فقال جمهور أهل اللغة وجماعة من الفقهاء يقع على الواحدة من الابل والبقر والغنم سميت بذلك لعظم بدنها وخصها جماعة بالابل والمراد هنا الابل بالاتفاق لتصريح الاحاديث بذلك والبدنة والبقرة يقعان على الذكر والأنثى باتفاقهم والهاء فيها للواحدة كقمحة وشعيرة ونحوهما من أفراد الجنس وسميت بقرة لأنها تبقر الأرض أي تشقها بالحراثة والبقر الشق ومنه قولهم بقر بطنه ومنه سمى محمد الباقر رضي الله عنه لأنه بقر العلم ودخل فيه مدخلا بليغا ووصل منه غاية مرضية وقوله صلى الله عليه وسلم كبشا أقرن وصفه بالاقرن لأنه أكمل وأحسن صورة ولان قرنه ينتفع به والدجاجة بكسر الدال وفتحها لغتان مشهورتان ويقع على الذكر والأنثى ويقال حضرت الملائكة وغيرهم بفتح الضاد وكسرها لغتان مشهورتان الفتح أفصح وأشهر وبه جاء القرآن قال الله تعالى وإذا حضر القسمة وأما فقه الفصل ففيه الحث على التبكير إلى الجمعة وأن مراتب الناس في الفضيلة فيها وفي غيرها بحسب أعمالهم وهو من باب قول الله تعالى ان أكرمكم عند الله أتقاكم وفيه أن القربان والصدقة يقع على القليل والكثير وقد جاء في رواية النسائي بعد الكبش بطة ثم دجاجة ثم بيضة وفي رواية بعد الكبش دجاجة ثم عصفور ثم بيضة واسنادا الروايتين صحيحان وفيه أن التضحية بالابل أفضل من البقرة لان النبي صلى الله عليه وسلم قدم الابل وجعل البقرة في الدرجة الثانية وقد أجمع العلماء على أن الابل أفضل من البقر في الهدايا واختلفوا في الأضحية فمذهب الشافعي وأبي حنيفة والجمهور أن الابل أفضل ثم البقر ثم الغنم كما في الهدايا ومذهب مالك أن أفضل الأضحية الغنم ثم البقر ثم الابل قالوا لأن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين وحجة الجمهور ظاهر هذا الحديث والقياس على الهدايا وأما تضحيته صلى الله عليه وسلم فلا يلزم منها ترجيح الغنم لأنه محمول على أنه صلى الله عليه وسلم لم يتمكن ذلك الوقت إلا من الغنم أو فعله لبيان الجواز وقد ثبت في الصحيح إنه صلى الله عليه وسلم ضحى عن نسائه بالبقر قوله صلى الله عليه وسلم حضرت الملائكة يستمعون قالوا هولاء الملائكة غير الحفظة وظيفتهم كتابة حاضري الجمعة 851 قوله صلى الله عليه وسلم إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت وفي الرواية الأخرى فقد لغيت قال أبو الزناد هي لغة أبي هريرة وإنما هو فقد لغوت قال أهل اللغة يقال لغا يلغو كغزا يغزو ويقال لغى يلغى كعمى يعمي لغتان الأولى أفصح وظاهر القرآن يقتضي هذه الثانية التي هي لغة أبي هريرة قال الله تعالى وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه وهذا من لغى يلغي ولو كان من الأول لقال والغوا بضم الغين قال بن السكيت وغيره مصدر الأول اللغو ومصدر الثاني اللغى ومعنى فقد لغوت أي قلت اللغو وهو الكلام الملغي الساقط الباطل المردود وقيل معناه قلت غير الصواب وقيل تكلمت بما لا ينبغي ففي الحديث النهي عن جميع أنواع الكلام حال الخطبة ونبه بهذا على ما سواه لأنه إذا قال أنصت وهو في الأصل أمر بمعروف وسماه لغوا فيسيره من الكلام أولى وإنما طريقه إذا أراد نهى غيره عن الكلام أن يشير إليه بالسكوت ان فهمه فإن تعذر فهمه فلينهه بكلام مختصر ولا يزيد على أقل ممكن واختلف العلماء في الكلام هل هو حرام أو مكروه كراهة تنزيه وهما قولان للشافعي قال القاضي قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وعامة العلماء يجب الانصات للخطبة وحكى عن النخعي والشعبي وبعض السلف أنه لا يجب إلا إذا تلى فيها القرآن قال واختلفوا إذا لم يسمع الإمام هل يلزمه الانصات كما لو سمعه فقال الجمهور يلزمه وقال النخعي وأحمد وأحد قولي الشافعي لا يلزمه قوله صلى الله عليه وسلم والإمام يخطب دليل على أن وجوب الانصات والنهى عن الكلام إنما هو في حال لخطبة وهذا مذهبنا ومذهب مالك والجمهور وقال أبو حنيفة يجب الانصات بخروج الإمام 852 قوله ص في يوم الجمعة فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه وفي رواية قائم يصلي وفي رواية وهي ساعة خفيفة وفي رواية وأشار بيده يقللها وفي رواية أبي موسى الأشعري أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضي الصلاة قوله إلى أن تقضي الصلاة هو بالتاء المثناة فوق المضمومة قال القاضي اختلف السلف في وقت هذه الساعة وفي معنى قائم يصلي فقال بعضهم هي من بعد العصر إلى الغروب قالوا ومعنى يصلي يدعو ومعنى قائم ملازم ومواظب كقوله تعالى ما دمت عليه قائما وقال آخرون هي من حين خروج الإمام إلى فراغ الصلاة وقال آخرون من حين تقام الصلاة حتى يفرغ والصلاة عندهم على ظاهرها وقيل من حين يجلس الإمام على المنبر حتى يفرغ من الصلاة وقيل آخر ساعة من يوم الجمعة قال القاضي وقد رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم في كل هذا آثار مفسرة لهذه الأقوال قال وقيل عند الزوال وقيل من الزوال إلى أن يصير الظل نحو ذراع وقيل هي مخفية في اليوم كله كليلة القدر وقيل من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس قال القاضي وليس معنى هذه الأقوال أن هذا كله وقت لها بل معناه أنها تكون في أثناء ذلك الوقت لقوله وأشار بيده يقللها هذا كلام القاضي والصحيح بل الصواب ما رواه مسلم من حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضي الصلاة 853 قوله عن مخرمة بن بكير عن أبيه عن أبي بردة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث مما استدركه الدارقطني على مسلم وقال لم يسنده غير مخرمة عن أبيه عن أبي بردة ورواه جماعة عن أبي بردة من قوله ومنهم من بلغ به أبا موسى ولم يرفعه قال والصواب أنه من قول أبي بردة كذلك رواه يحيى القطان عن الثوري عن أبي إسحاق عن أبي بردة وتابعه واصل الا حدب ومخالد روياه عن أبي بردة من قوله وقال النعمان بن عبدالسلام عن الثوري عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبيه موقوف ولا يثبت قوله عن أبيه وقال أحمد بن حنبل عن حماد بن خالد قلت لمخرمة سمعت من أبيك شيئا قال لا هذا كلام الدارقطني وهذا الذي استدركه بناه على القاعدة المعروفة له ولأكثر المحدثين أنه إذا تعارض في رواية الحديث وقف ورفع أو ارسال واتصال حكموا بالوقف والارسال وهي قاعدة ضعيفة ممنوعة والصحيح طريقة الأصوليين والفقهاء والبخاري ومسلم ومحققي المحدثين أنه يحكم بالرفع والاتصال لأنها زيادة ثقة وقد سبق بيان هذه المسألة واضحا في الفصول السابقة في مقدمة الكتاب وسبق التنبية على مثل هذا في مواضع أخر بعدها وقد روينا في سنن البيهقي عن أحمد بن سلمة قال ذاكرت مسلم بن الحجاج حديث مخرمة هذا فقال مسلم هو أجود حديث وأصحه في بيان ساعة الجمعة 854 قوله صلى الله عليه وسلم خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة قال القاضي عياض الظاهر أن هذه الفضائل المعدودة ليست لذكر فضيلته لأن إخراج آدم وقيام الساعة لا يعد فضيلة وإنما هو بيان لما وقع فيه من الأمور العظام وما سيقع ليتأهب العبد فيه بالأعمال الصالحة لنيل رحمة الله ودفع نقمته هذا كلام القاضي وقال أبو بكر بن العزى في كتابه الأحوذي في شرح الترمذي الجميع من الفضائل وخروج آدم من الجنة هو سبب وجود الذرية وهذا النسل العظيم ووجود الرسل والأنبياء والصالحين والأولياء ولم يخرج منها طردا بل لقضاء أوطار ثم يعود إليها وأما قيام الساعة فسبب لتعجيل جزاء الأنبياء والصديقين والأولياء وغيرهم وإظهار كرامتهم وشرفهم وفي هذا الحديث فضيلة يوم الجمعة ومزيته على سائر الأيام وفيه دليل لمسئلة غريبة حسنة وهي لو قال لزوجته أنت طالق في أفضل الأيام وفيها وجهان لأصحابنا أصحهما تطلق يوم عرفة والثاني يوم الجمعة لهذا الحديث وهذا إذا لم يكن له نية فأما ان أراد أفضل أيام السنة فيتعين يوم عرفة وان أراد أفضل أيام الأسبوع فيتعين الجمعة ولو قال أفضل ليلة تعينت ليلة القدر وهي عند أصحابنا والجمهور منحصرة في العشر الأواخر من شهر رمضان فإن كان هذا القول قبل مضي أول ليلة من العشر طلقت في أول جزء من الليلة الأخيرة من الشهر وان كان بعد مضى ليلة من العشر أو أكثر لم تطلق إلا في أول جزء من مثل تلك الليلة في السنة الثانية وعلى قول من يقول هي منتقلة لا تطلق إلا في أول جزء من الليلة الأخيرة من الشهر والله أعلم 855 قوله صلى الله عليه وسلم نحن الآخرون ونحن السابقون يوم القيامة قال العلماء معناه الآخرون في الزمان والوجود السابقون بالفضل ودخول الجنة فتدخل هذه الأمة الجنة قبل سائر الأمم قوله صلى الله عليه وسلم بيد أن كل أمة أوتيت الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم هو بفتح الباء الموحدة واسكان المثناة تحت قال أبو عبيد لفظة بيد تكون بمعنى غير وبمعنى على وبمعنى من أجل وكله صحيح هنا قال أهل اللغة ويقال ميد بمعنى بيد قوله صلى الله عليه وسلم هذا اليوم الذي كتبه الله علينا هدانا الله له فيه دليل لوجوب الجمعة وفيه فضيلة هذه الأمة قوله صلى الله عليه وسلم اليهود غدا أي عيد اليهود غدا لأن ظروف الزمان لا تكون اخبارا عن الجثث فيقدر فيه معنى يمكن تقديره خبرا قوله صلى الله عليه وسلم فهذا يومهم أي الذي اختلفوا فيه هدانا الله له قال القاضي الظاهر أنه فرض عليهم تعظيم يوم الجمعة بغير تعيين ووكل إلى اجتهادهم لإقامة شرائعهم فيه فاختلف اجتهادهم في تعيينه ولم يهدهم الله له وفرضه على هذه الأمة مبينا ولم يكله إلى اجتهادهم ففازوا بتفضيله قال وقد جاء أن موسى عليه السلام أمرهم بالجمعة وأعلمهم بفضلها فناظروه أن السبت أفضل فقيل له دعهم قال القاضي ولو كان منصوصا لم يصح اختلافهم فيه بل كان يقول خالفوا فيه قلت ويمكن أن يكون أمروا به صريحا ونص على عينه فاختلفوا فيه هل يلزم تعيينه أم لهم ابداله وأبدلوه وغلطوا في ابداله 856 قوله صلى الله عليه وسلم أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا فيه دلالة لمذهب أهل السنة أن الهدى والاضلال والخير والشر كله بارادة الله تعالى وهو فعله خلافا للمعتزلة 850 قوله صلى الله عليه وسلم ومثل المهجر كمثل الذي يهدي بدنة قال الخليل بن أحمد وغيره من أهل اللغة وغيرهم التهجير التبكير ومنه الحديث لو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه أى التبكير إلى كل صلاة هكذا فسروه قال القاضي وقال الحربي عن أبي زيد عن الفراء وغيره التهجير السير في الهاجرة والصحيح هنا أن التهجير التبكير وسبق شرح تمام الحديث قريبا قوله مثل الجزور ثم نزلهم حتى صغر إلى مثل البيضة هكذا ضبطناه الأول مثل بتشديد الثاء وفتح الميم ونزلهم أي ذكر منازلهم في السبق والفضيلة وقوله صغر بتشديد الغين وقوله مثل البيضة هو بفتح الميم والثاء المخففة 850 قوله ص فإذا جلس الإمام طووا الصحف وسبق في الحديث الآخر من اغتسل يوم الجمعة ثم راح فكأنما قرب بدنة فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر ولا تعارض بينهما بل ظاهر الحديثين أن بخروج الإمام يحضرون ولا يطوون الصحف فإذا جلس على المنبر طووها وفيه استحباب الجلوس للخطبة أول صعوده حتى يؤذن المؤذن وهو مستحب عند الشافعي ومالك والجمهور وقال أبو حنيفة ومالك في رواية عنه لا يستحب ودليل الجمهور هذا الحديث مع أحاديث كثيرة في الصحيح والدليل على أنه ليس بواجب أنه ليس من الخطبة 857 قوله ص من اغتسل ثم أتى الجمعة فصلى ما قدر له ثم أنصت حتى يفرغ من خطبته ثم يصلي معه غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام وفي الرواية الأخرى من توضأ فاحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام فيه فضيلة الغسل وأنه ليس بواجب للرواية الثانية وفيه استحباب وتحسين الوضوء ومعنى احسانه الاتيان به ثلاثا ثلاثا ودلك الاعضاء واطالة الغرة والتحجيل وتقديم الميامن والاتيان بسننه المشهورة وفيه أن التنفل قبل خروج الإمام يوم الجمعة مستحب وهو مذهبنا ومذهب الجمهور وفيه أن النوافل المطلقة لا حد لها لقوله صلى الله عليه وسلم فصلى ما قدر له وفيه الانصات للخطبة وفيه أن الكلام بعد الخطبة قبل الاحرام بالصلاة لا بأس به قوله صلى الله عليه وسلم في الرواية الأولى ثم أنصت هكذا هو في أكثر النسخ المحققة المعتمدة ببلادنا وكذا نقله القاضي عياض عن الجمهور ووقع في بعض الأصول المعتمدة ببلادنا انتصت وكذا نقله القاضي عن الباجي وآخرون انتصت بزيادة تاء مثناة فوق قال وهو وهم قلت ليس هو وهما بل هي لغة صحيحة قال الأزهري في شرح ألفاظ المختصر يقال أنصت ونصت وانتصت ثلاث لغات وقوله ص فاستمع وأنصت هما شيئان متمايزان وقد يجتمعان فالاستماع الاصغاء والانصات السكوت ولهذا قال الله تعالى وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا وقوله حتى يفرغ من خطبته هكذا هو في الأصول من غير ذكر الإمام وعاد الضمير إليه للعلم به وان لم يكن مذكورا وقوله صلى الله عليه وسلم وفضل ثلاثة أيام وزيادة ثلاثة أيام هو بنصب فضل وزيادة على الظرف قال العلماء معنى المغفرة له ما بين الجمعتين وثلاثة أيام أن الحسنة بعشر أمثالها وصار يوم الجمعة الذي فعل فيه هذه الأفعال الجميلة في معنى الحسنة التي تجعل بعشر أمثالها قال بعض أصحابنا والمراد بما بين الجمعتين من صلاة الجمعة وخطبتها إلى مثل الوقت من الجمعة الثانية حتى تكون سبعة أيام بلا زيادة ولا نقصان ويضم إليها ثلاثة فتصير عشرة قوله صلى الله عليه وسلم ومن مس الحصا لغا فيه النهى عن مس الحصا وغيره من أنواع العبث في حالة الخطبة وفيه اشارة إلى اقبال القلب والجوارح على الخطبة والمراد باللغو هنا الباطل المذموم المردود وقد سبق بيانه قريبا 858 قوله في حديث جابر كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نرجع فنريح نواضحنا وفسر الوقت بزوال الشمس وفي الرواية الأخرى حين تزول الشمس وفي حديث سهل 859 ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة 860 وفي حديث سلمة كنا نجمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيء وفي رواية ما نجد للحيطان فيئا نستظل به هذه الأحاديث ظاهرة في تعجيل الجمعة وقد قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم لا تجوز الجمعة إلا بعد زوال الشمس ولم يخالف في هذا إلا أحمد بن حنبل واسحاق فجوازها قبل الزوال قال القاضي وروى في هذا أشياء عن الصحابة لا يصح منها شيء إلا ما عليه الجمهور وحمل الجمهور هذه الأحاديث على المبالغة في تعجيلها وأنهم كانوا يؤخرون الغداء والقيلولة في هذا اليوم إلى ما بعد صلاة الجمعة لأنهم ندبوا إلى التبكير إليها فلو اشتغلوا بشيء من ذلك قبلها خافوا فوتها أو فوت التبكير إليها وقوله نتتبع الفيء إنما كان ذلك لشدة التبكير وقصر حيطانه وفيه تصريح بأنه كان قد صار فيء يسير وقوله وما نجد فيئا نستظل به موافق لهذا فإنه لم ينف الفيء من أصله وإنما نفى ما يستظل به وهذا مع قصر الحيطان ظاهر في أن الصلاة كانت بعد الزوال متصلة به قوله نريح نواضحنا هو جمع ناضح وهو البعير الذي يستقي به سمى بذلك لأنه ينضح الماء أي يصبه ومعنى نريح أي نريحها من العمل وتعب السقي فنخليها منه وأشار القاضي إلى أنه يجوز أن يكون أراد الرواح للرعي قوله كنا نجمع هو بتشديد الميم المكسورة أي نصلي الجمعة 861 قوله كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة قائما ثم يجلس ثم يقوم وفي حديث جابر بن سمرة كان للنبي صلى الله عليه وسلم خطبتان يجلس بينهما يقرأ القرآن ويذكر الناس وفي رواية كان يخطب قائما ثم يجلس ثم يقوم فيخطب قائما فمن نبأك أنه كان يخطب جالسا فقد كذب وفي هذه الرواية دليل لمذهب الشافعي والأكثرين أن خطبة الجمعة لا تصح من القادر على القيام الا قائما في الخطبتين ولا يصح حتى يجلس بينهما وأن الجمعة لا تصح إلا بخطبتين قال القاضي ذهب عامة العلماء إلى اشتراط الخطبتين لصحة الجمعة وعن الحسن البصري وأهل الظاهر ورواية بن الماجشون عن مالك أنها تصح بلا خطبة وحكى بن عبدالبر اجماع العلماء على أن الخطبة لا تكون الا قائما لمن أطاقه وقال أبو حنيفة يصح قاعدا وليس القيام بواجب وقال مالك هو واجب لو تركه أساء وصحت الجمعة وقال أبو حنيفة ومالك والجمهور الجلوس بين الخطبتين سنة ليس بواجب ولا شرط ومذهب الشافعي أنه فرض وشرط لصحة الخطبة قال الطحاوي لم يقل هذا غير الشافعي ودليل الشافعي أنه ثبت هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قوله ص صلوا كما رأيتموني أصلي 862 وقوله يقرأ القرآن ويذكر الناس فيه دليل للشافعي في أنه يشترط في الخطبة الوعظ والقرآن قال الشافعي لا يصح الخطبتان الا بحمد الله تعالى والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهما والوعظ وهذه الثلاثة واجبات في الخطبتين وتجب قراءة آية من القرآن في احداهما على الأصح ويجب الدعاء للمؤمنين في الثانية على الأصح وقال مالك وأبو حنيفة والجمهور يكفي من الخطبة ما يقع عليه الاسم وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومالك في رواية عنه يكفي تحميده أو تسبيحه أو تهليلة وهذا ضعيف لأنه لا يسمى خطبة ولا يحصل به مقصودها مع مخالفته ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة المراد الصلوات الخمس لا الجمعة 863 قوله ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما يوم الجمعة فجاءت عير من الشام فانفتل الناس إليها حتى لم يبق الا اثنا عشر رجلا فانزلت هذه الآية التي في الجمعة وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما وفي الرواية الأخرى اثنا عشر رجلا فيهم أبو بكر وعمر وفي الأخرى أنا فيهم فيه منقبة لأبي بكر وعمر وجابر وفيه أن الخطبة تكون من قيام وفيه دليل لمالك وغيره ممن قال تنعقد الجمعة باثنى عشر رجلا وأجاب أصحاب الشافعي وغيرهم ممن يشترط أربعين بأنه محمول على أنهم رجعوا أو رجع منهم تمام أربعين فأتم بهم الجمعة ووقع في صحيح البخاري بينما نحن نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ أقبلت عير الحديث والمراد بالصلاة انتظارها في حال الخطبة كما وقع في روايات مسلم هذه قوله اذ أقبلت سويقة هو تصغير سوق والمراد العير المذكورة في الرواية الأولى وهي الابل التي تحمل الطعام أو التجارة لا تسمى عيرا إلا هكذا وسميت سوقا لأن البضائع تساق إليها وقيل لقيام الناس فيها على سوقهم قال القاضي وذكر أبو داود في مراسيله أن خطبة النبي صلى الله عليه وسلم هذه التي انفضوا عنها إنما كانت بعد صلاة الجمعة وظنوا أنه لا شيء عليهم في الانفضاض عن الخطبة وأنه قبل هذه القضية إنما كان يصلي قبل الخطبة قال القاضي هذا أشبه بحال الصحابة والمظنون بهم أنهم ما كانوا يدعون الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم ولكنهم ظنوا جواز الانصراف بعد انقضاء الصلاة قال وقد أنكر بعض العلماء كون النبي صلى الله عليه وسلم ما خطب قط بعد صلاة الجمعة لها 864 قوله انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعدا وقال الله تعالى وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما هذا الكلام يتضمن انكار المنكر والانكار على ولاة الأمور إذا خالفوا السنة ووجه استدلاله بالآية أن الله تعالى أخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما وقد قال تعالى لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة مع قوله تعالى فاتبعوه وقوله تعالى وما آتاكم الرسول فخذوه مع قوله صلى الله عليه وسلم صلوا كما رأيتموني أصلي 865 قوله سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على أعواد منبره لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم فيه استحباب اتخاذ المنبر وهو سنة مجمع عليها وقوله ودعهم أي تركهم وفيه أن الجمعة فرض عين ومعنى الختم الطبع والتغطية قالوا في قول الله تعالى ختم الله على قلوبهم أي طبع ومثله الرين فقيل الرين اليسير من الطبع والطبع اليسير من الإقفال والإقفال أشدها قال القاضي اختلف المتكلمون في هذا اختلافا كثيرا فقيل هو اعدام اللطف وأسباب الخير وقيل هو خلق الكفر في صدورهم وهو قول أكثر متكلمي أهل السنة قال غيرهم هو الشهادة عليهم وقيل هو علامة جعلها الله تعالى في قلوبهم لتعرف بها الملائكة من يمدح ومن يذم 866 قوله فكانت صلاته قصدا وخطبته قصدا أي بين الطول الظاهر والتخفيف الماحق 867 قوله كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم مساكم ويقول بعثت أنا والساعة كهاتين ويقرن بين اصبعيه السبابة والوسطى ويقول أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ثم يقول أنا أولى بكل مؤمن من نفسه من ترك مالا فلأهله ومن ترك دينا أو ضياعا فإلى وعلى في هذا الحديث جمل من الفوائد ومهمات من القواعد فالضمير في قوله يقول صبحكم مساكم عائد على منذر جيش قوله صلى الله عليه وسلم بعثت أنا والساعة روى بنصبها ورفعها والمشهور نصبها على المفعول معه وقوله يقرن هو بضم الراء على المشهور الفصيح وحكى كسرها وقوله السبابة سميت بذلك لأنهم كانوا يشيرون بها عند السب وقوله خير الهدى هدى محمد هو بضم الهاء وفتح الدال فيهما وبفتح الهاء وإسكان الدال أيضا ضبطناه بالوجهين وكذا ذكره جماعة بالوجهين وقال القاضي عياض رويناه في مسلم بالضم وفي غيره بالفتح وبالفتح ذكره الهروي وفسره الهروي على رواية الفتح بالطريق أي أحسن الطرق طريق محمد يقال فلان حسن الهدى أي الطريقة والمذهب اهتدوا بهدي عمار وأما على رواية الضم فمعناه الدلالة والارشاد قال العلماء لفظ الهدى له معنيان أحدهما بمعنى الدلالة والارشاد وهو الذي يضاف إلى الرسل والقرآن والعباد وقال الله تعالى وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين ومنه قوله تعالى وأما ثمود فهديناهم أي بينا لهم الطريق ومنه قوله تعالى إنا هديناه السبيل وهديناه النجدين والثاني بمعنى اللطف والتوفيق والعصمة والتأييد وهو الذي تفرد الله به ومنه قوله تعالى إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وقالت القدرية حيث جاء الهدى فهو للبيان بناء على أصلهم الفاسد في انكار القدر ورد عليهم أصحابنا وغيرهم من أهل الحق مثبتي القدر لله تعالى بقوله تعالى والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ففرق بين الدعاء والهداية قوله صلى الله عليه وسلم وكل بدعة ضلالة هذا عام مخصوص والمراد غالب البدع قال أهل اللغة هي كل شيء عمل على غير مثال سابق قال العلماء البدعة خمسة أقسام واجبة ومندوبة ومحرمة ومكروهة ومباحة فمن الواجبة نظم أدلة المتكلمين للرد على الملاحدة والمبتدعين وشبه ذلك ومن المندوبة تصنيف كتب العلم وبناء المدارس والربط وغير ذلك ومن المباح التبسط في ألوان الأطعمة وغير ذلك والحرام والمكروه ظاهران وقد أوضحت المسألة بأدلتها المبسوطة في تهذيب الأسماء واللغات فإذا عرف ما ذكرته علم أن الحديث من العام المخصوص وكذا ما أشبهه من الأحاديث الواردة ويؤيد ما قلناه قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في التراويح نعمت البدعة ولا يمنع من كون الحديث عاما مخصوصا قوله كل بدعة مؤكدا بكل بل يدخله التخصيص مع ذلك كقوله تعالى تدمر كل شيء قوله صلى الله عليه وسلم أنا أولى بكل مؤمن من نفسه هو موافق لقول الله تعالى النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم أي أحق قال أصحابنا فكأن النبي صلى الله عليه وسلم إذا اضطر إلى طعام غيره وهو مضطر إليه لنفسه كان للنبي صلى الله عليه وسلم أخذه من مالكه المضطر ووجب على مالكه بذله له صلى الله عليه وسلم قالوا ولكن هذا وان كان جائزا فما وقع قوله صلى الله عليه وسلم ومن ترك دينا أو ضياعا فإلى وعلى هذا تفسير لقوله صلى الله عليه وسلم أنا أولى بكل مؤمن من نفسه قال أهل اللغة الضياع بفتح الضاد العيال قال بن قتيبة أصله مصدر ضاع يضيع ضياعا المراد من ترك أطفالا وعيالا ذوي ضياع فأوقع المصدر موضع الاسم قال أصحابنا وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلي على من مات وعليه دين لم يخلف به وفاء لئلا يتساهل الناس في الاستدانة ويهملوا الوفاء فزجرهم عن ذلك بترك الصلاة عليهم فلما فتح الله على المسلمين مبادى الفتوح قال صلى الله عليه وسلم من ترك دينا فعلى أي قضاؤه فكان يقضيه واختلف أصحابنا هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يجب عليه قضاء ذلك الدين أم كان يقضيه تكرما والأصح عندهم أنه كان واجبا عليه صلى الله عليه وسلم واختلف أصحابنا هل هذه من الخصائص أم لا فقال بعضهم هو من خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يلزم الإمام أن يقضي من بيت المال دين من مات وعليه دين إذا لم يخلف وفاء وكان في بيت المال سعة ولم يكن هناك أهم منه قوله صلى الله عليه وسلم بعثت أنا والساعة كهاتين قال القاضي يحتمل أنه تمثيل لمقاربتها وأنه ليس بينهما اصبع أخرى كما أنه لا نبي بينه وبين الساعة ويحتمل أنه لتقريب ما بينهما من المدة وأن التفاوت بينهما كنسبة التفاوت بين الاصبعين تقريبا لا تحديدا قوله إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه كأنه منذر جيش يستدل به على أنه يستحب للخطيب أن يفخم أمر الخطبة ويرفع صوته ويجزل كلامه ويكون مطابقا للفصل الذي يتكلم فيه من ترغيب أو ترهيب ولعل اشتداد غضبه كان عند انذاره أمرا عظيما وتحديده خطبا جسيما قوله ويقول أما بعد فيه استحباب قول أما بعد في خطب الوعظ والجمعة والعيد وغيرها وكذا في خطب الكتب المصنفة وقد عقد البخاري بابا في استحبابه وذكر فيه جملة من الأحاديث واختلف العلماء في أول من تكلم به فقيل داود عليه السلام وقيل يعرب بن قحطان وقيل قس بن ساعدة وقال بعض المفسرين أو كثير منهم أنه فصل الخطاب الذي أوتيه داود وقال المحققون فصل الخطاب الفصل بين الحق والباطل قوله كانت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة يحمد الله ويثنى عليه ثم يقول إلى آخره فيه دليل للشافعي رضي الله عنه أنه يجب حمد الله تعالى في الخطبة ويتعين لفظه ولا يقوم غيره مقامه 868 قوله ان ضمادا قدم مكة وكان من أزد شنوءة وكان يرقى من هذه الريح أما ضمادا فبكسر الضاد المعجمة وشنوءة بفتح الشين وضم النون وبعدها مدة ويرقى بكسر القاف والمراد بالريح هنا الجنون ومس الجن في غير رواية مسلم يرقى من الأرواح أي الجن سموا بذلك لأنهم لا يبصرهم الناس فهم كالروح والريح قوله فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء ولقد بلغن ناعوس البحر ضبطناه بوجهين أشهرهما ناعوس بالنون والعين هذا هو الموجود في أكثر نسخ بلادنا والثاني قاموس بالقاف والميم وهذا الثاني هو المشهور في روايات الحديث في غير صحيح مسلم وقال القاضي عياض أكثر نسخ صحيح مسلم وقع فيها قاعوس بالقاف والعين قال ووقع عند أبي محمد بن سعيد تاعوس بالتاء المثناة فوق قال ورواه بعضهم ناعوس بالنون والعين قال وذكره أبو مسعود الدمشقي في أطراف الصحيحين والحميدي في الجمع بين الصحيحين قاموس بالقاف والميم قال بعضهم هو الصواب قال أبو عبيد قاموس البحر وسطه وقال بن دريد لجته وقال صاحب كتاب العين قعره الأقصى وقال الحربي قاموس البحر قعره وقال أبو مروان بن سراج قاموس فاعول من قمسته اذا غمسته فقاموس البحر لجته التي تضطرب أمواجها ولا تستقر مياهها وهي لفظة عربية صحيحة وقال أبو علي الجياني لم أجد في هذه اللفظة ثلجا وقال شيخنا أبو الحسين قاعوس البحر بالقاف والعين صحيح بمعنى قاموس كانه من القعس وهو تطامن الظهر وتعمقه فيرجع إلى عمق البحر ولجته هذا آخر كلام القاضي رضي الله عنه وقال أبو موسى الاصفهاني وقع في صحيح مسلم ناعوس البحر بالنون والعين قال وفي سائر الروايات قاموس وهو وسطه ولجته قال وليست هذه اللفظة موجودة في مسند إسحاق بن راهويه الذي روى مسلم هذا الحديث عنه لكنه قرنه بأبي موسى فلعله في رواية أبي موسى قال وإنما أورد مثل هذه الألفاظ لأن الإنسان قد يطلبها فلا يجدها في شيء من الكتب فيتحير فإذا نظر في كتابي عرف أصلها ومعناها قوله هات هو بكسر التاء قوله أصبت مطهرة هي بكسر الميم وفتحها حكاها بن السكيت وغيره الكسر أشهر 869 قوله عبد الملك بن أبجر بالجيم قوله واصل بن حيان بالمثناة قوله لو كنت تنفست أي أطلت قليلا قوله صلى الله عليه وسلم مئنة من فقهه بفتح الميم ثم همزة مكسورة ثم نون مشددة أي علامة قال الأزهري والأكثرون الميم فيها زائدة وهي مفعلة قال الهروي قال الأزهري غلط أبو عبيد في جعله الميم أصلية قال القاضي عياض قال شيخنا بن سراج هي أصلية قوله صلى الله عليه وسلم واقصروا الخطبة الهمزة في واقصروا همزة وصل وليس هذا الحديث مخالفا للأحاديث المشهورة في الأمر بتخفيف الصلاة لقوله في الرواية الأخرى وكانت صلاته قصدا وخطبته قصدا لأن المراد بالحديث الذي نحن فيه أن الصلاة تكون طويلة بالنسبة إلى الخطبة لا تطويلا يشق على المأمومين وهي حينئذ قصد أي معتدلة والخطبة قصد بالنسبة إلى وضعها قوله صلى الله عليه وسلم وان من البيان سحرا قال أبو عبيد هو من الفهم وذكاء القلب قال القاضي فيه تأويلان أحدهما أنه ذم لأنه امالة القلوب وصرفها بمقاطع الكلام إليه حتى يكسب من الاثم به كما يكسب بالسحر وأدخله مالك في الموطأ في باب ما يكره من الكلام وهو مذهبه في تأويل الحديث والثاني أنه مدح لأن الله تعالى امتن على عباده بتعليمهم البيان وشبهه بالسحر لميل القلوب إليه وأصل السحر الصرف فالبيان يصرف القلوب ويميلها إلى ما تدعو إليه هذا كلام القاضي وهذا التأويل الثاني هو الصحيح المختار قوله عن بن أبجر عن واصل عن أبي وائل قال خطبنا عمار هذا الاسناد مما استدركه الدارقطني وقال تفرد به بن أبجر عن واصل عن أبي وائل وخالفه الأعمش وهو أحفظ بحديث أبي وائل فحدث به عن أبي وائل عن بن مسعود هذا كلام الدارقطني وقد قدمنا أن مثل هذا الاستدراك مردود لأن بن أبجر ثقة يوجب قبول روايته 870 قوله فقد رشد بكسر الشين وفتحها قوله ان رجلا خطب عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بئس الخطيب أنت قل ومن يعص الله ورسوله فقد غوى قال القاضي وجماعة من العلماء إنما أنكر عليه لتشريكه في الضمير المقتضى للتسوية وأمره بالعطف تعظيما لله تعالى بتقديم اسمه كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر لا يقل أحدكم ما شاء الله وشاء فلان ولكن ليقل ما شاء الله ثم شاء فلان والصواب أن سبب النهي أن الخطب شأنها البسط والايضاح واجتناب الاشارات والرموز ولهذا ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا ليفهم وأما قول الأوليين فيضعف بأشياء منها أن مثل هذا الضمير قد تكرر في الأحاديث الصحيحة من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كقوله صلى الله عليه وسلم أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وغيره من الأحاديث وإنما ثنى الضمير ها هنا لأنه ليس خطبة وعظ وإنما هو تعليم حكم فكلما قل لفظه كان أقرب إلى حفظه بخلاف خطبة الوعظ فإنه ليس المراد حفظه وإنما يراد الاتعاظ بها ومما يؤيد هذا ما ثبت في سنن أبي داود باسناد صحيح عن بن مسعود رضي الله عنه قال علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة الحاجة الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فانه لا يضر الا نفسه ولا يضر الله شيئا والله أعلم قوله قال بن نمير فقد غوى هكذا وقع في النسخ غوى بكسر الواو قال القاضي وقع في روايتي مسلم بفتح الواو وكسرها والصواب الفتح وهو من الغي وهو الانهماك في الشر 871 قوله سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على المنبر ونادوا يا مالك فيه القراءة في الخطبة وهي مشروعة بلا خلاف واختلفوا في وجوبها والصحيح عندنا وجوبها وأقلها آية 873 قوله ما حفظت ق إلا من في رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بها كل جمعة قال العلماء سبب اختيار ق أنها مشتملة على البعث والموت والمواعظ الشديدة والزواجر الأكيدة وفيه دليل للقراءة في الخطبة كما سبق وفيه استحباب قراءة ق أو بعضها في كل خطبة قوله عن أخت لعمرة هذا صحيح يحتج به ولا يضر عدم تسميتها لأنها صحابية والصحابة كلهم عدول قوله حارثة بن النعمان هو بالحاء المهملة قوله سعيد عن خبيب هو بضم الخاء المعجمة وهو خبيب بن عبد الرحمن بن خبيب يساف الأنصاري سبق بيانه مرات قولها وكان تنورنا وتنور رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا اشارة إلى حفظها ومعرفتها بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم وقربها من منزله قوله عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة هكذا هو في جميع النسخ سعد بن زرارة وهو الصواب وكذا نقله القاضي عن جميع النسخ وروايات جميع شيوخهم قال وهو الصواب قال وزعم بعضهم أن صوابه أسعد وغلط في زعمه وإنما أوقعه في الغلط اغتراره بما في كتاب الحاكم أبي عبد الله بن البيع فإنه قال صوابه أسعد ومنهم من قال سعد وحكى ما ذكره عن البخاري والذي في تاريخ البخاري ضد ما قال فانه قال في تاريخه سعد وقيل أسعد وهو وهم فانقلب الكلام على الحكم وأسعد بن زرارة سيد الخزرج وأخوه هذا سعد بن زرارة جد يحيى وعمرة أدرك الاسلام ولم يذكره كثيرون في الصحابة لأنه ذكر في المنافقين قوله 874 عن عمارة بن رؤيبة رضي الله عنه حين رفع بشر بن مروان يديه في الخطبة قبح الله هاتين اليدين لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يزيد على أن يقول بيده هكذا وأشار بأصبعه المسبحة هذا فيه أن السنة أن لا يرفع اليد في الخطبة وهو قول مالك وأصحابنا وغيرهم وحكى القاضي عن بعض السلف وبعض المالكية اباحته لأن النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه في خطبة الجمعة حين استسقى وأجاب الأولون بأن هذا الرفع كان لعارض 875 قوله بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إذ جاء رجل فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أصليت يا فلان قال لا قال قم فاركع وفي رواية قم فصل الركعتين وفي رواية صل ركعتين وفي رواية أركعت ركعتين قال لا قال اركع وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب فقال إذا جاء أحدكم يوم الجمعة وقد خرج الإمام ليصل ركعتين وفي رواية قال جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فجلس فقال يا سليك قم واركع ركعتين وتجوز فيهما ثم قال إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما هذه الأحاديث كلها صريحة في الدلالة لمذهب الشافعي وأحمد واسحاق وفقهاء المحدثين أنه إذا دخل الجامع يوم الجمعة والإمام يخطب استحب له أن يصلي ركعتين تحية المسجد ويكره الجلوس قبل أن يصليهما وأنه يستحب أن يتجوز فيهما ليسمع بعدهما الخطبة وحكى هذا المذهب أيضا عن الحسن البصري وغيره من المتقدمين قال القاضي وقال مالك والليث وأبو حنيفة والثوري وجمهور السلف من الصحابة والتابعين لا يصليهما وهو مروي عن عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم وحجتهم الأمر بالانصات للإمام وتأولوا هذه الأحاديث أنه كان عريانا فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالقيام ليراه الناس ويتصدقوا عليه وهذا تأويل باطل يرده صريح قوله صلى الله عليه وسلم إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما وهذا نص لا يتطرق إليه تأويل ولا أظن عالما يبلغه هذا اللفظ صحيحا فيخالفه وفي هذه الأحاديث أيضا جواز الكلام في الخطبة لحاجة وفيها جوازه للخطيب وغيره وفيها الأمر بالمعروف والارشاد إلى المصالح في كل حال وموطن وفيها أن تحية المسجد ركعتان وأن نوافل النهار ركعتان وأن تحية المسجد لا تفوت بالجلوس في حق جاهل حكمها وقد أطلق أصحابنا فواتها بالجلوس وهو محمول على العالم بأنها سنة أما الجاهل فيتداركها على قرب لهذا الحديث والمستنبط من هذه الأحاديث أن تحية المسجد لا تترك في أوقات النهي عن الصلاة وأنها ذات سبب تباح في كل وقت ويلحق بها كل ذوات الأسباب كقضاء الفائتة ونحوها لأنها لو سقطت في حال لكان هذا الحال أولى بها فإنه مأمور باستماع الخطبة فلما ترك لها استماع الخطبة وقطع النبي صلى الله عليه وسلم لها الخطبة وأمره بها بعد أن قعد وكان هذا الجالس جاهلا حكمها دل على تأكدها وأنها لا تترك بحال ولا في وقت من الأوقات والله أعلم 876 قوله انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب فقلت يا رسول الله رجل غريب جاء يسأل عن دينه لا يدري ما دينه قال فأقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك خطبته حتى انتهى إلى فأتى بكرسي حسبت قوائمه حديدا قال فقعد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يعلمني مما علمه الله ثم أتى خطبته فأتم آخرها هكذا هو في جميع النسخ حسبت ورواه بن أبي خيثمة في غير صحيح مسلم خلت بكسر الخاء وسكون اللام وهو بمعنى حسبت قال القاضي ووقع في نسخة بن الحذاء خشب بالخاء والشين المعجمتين وفي كتاب بن قتيبة خلب بضم لخاء وآخره باء موحدة وفسره بالليف وكلاهما تصحيف والصواب حسبت بمعنى ظننت كما هو في نسخ مسلم وغيره من الكتب المعتمدة وقوله رجل غريب يسأل عن دينه لا يدري ما دينه فيه استحباب تلطف السائل في عبارته وسؤاله العالم وفيه تواضع النبي صلى الله عليه وسلم ورفقه بالمسلمين وشفقته عليهم وخفض جناحه لهم وفيه المبادرة إلى جواب المستفتي وتقديم أهم الأمور فأهمها ولعله كان سأل عن الإيمان وقواعده المهمة وقد اتفق العلماء على أن من جاء يسأل عن الإيمان وكيفية الدخول في الاسلام وجب اجابته وتعليمه على الفور وقعوده صلى الله عليه وسلم على الكرسي ليسمع الباقون كلامه ويروا شخصه الكريم ويقال كرسي بضم الكاف وكسرها والضم أشهر ويحتمل أن هذه الخطبة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم فيها خطبة أمر غير الجمعة ولهذا قطعها بهذا الفصل الطويل ويحتمل أنها كانت الجمعة واستأنفها ويحتمل أنه لم يحصل فصل طويل ويحتمل أن كلامه لهذا الغريب كان متعلقا بالخطبة فيكون منها ولا يضر المشي في أثنائها قوله في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الركعة الأولى من صلاة الجمعة سورة الجمعة وفي الثانية المنافقين فيه استحباب قراءتهما بكمالهما فيهما وهو مذهبنا ومذهب آخرين قال العلماء والحكمة في قراءة الجمعة اشتمالها على وجوب الجمعة وغير ذلك من أحكامها وغير ذلك مما فيها من القواعد والحث على التوكل والذكر وغير ذلك وقراءة سورة المنافقين لتوبيخ حاضريها منهم وتنبيههم على التوبة وغير ذلك مما فيها من القواعد لأنهم ما كانوا يجتمعون في مجلس أكثر من اجتماعهم فيها 877 قوله كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة ب سبح اسم ربك الأعلى و هل أتاك حديث الغاشية فيه استحباب القراءة فيهما بهما وفي الحديث الأخر القراءة في العيد بقاف واقتربت وكلاهما صحيح فكان النبي صلى الله عليه وسلم في وقت يقرأ في الجمعة الجمعة والمنافقين وفي وقت سبح وهل أتاك وفي وقت يقرأ في العيد قاف واقتربت وفي وقت سبح وهل أتاك 879 قوله عن مخول عن مسلم البطين أما مخول فبضم الميم وفتح الخاء المعجمة والواو المشددة هذا هو المشهور الأصوب وحكى صاحب المطالع هذا عن الجمهور قال وضبطه بعضهم بكسر الميم واسكان الخاء وأما البطين فبفتح الباء وكسر الطاء قوله ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الصبح يوم الجمعة في الأولى الم تنزيل السجدة وفي الثانية هل أتى على الإنسان حين من الدهر فيه دليل لمذهبنا ومذهب موافقينا في استحبابهما في صبح الجمعة وأنه لا تكره قراءة آية السجدة في الصلاة ولا السجود ذكر مالك وآخرون ذلك وهم محجوجون بهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة المروية من طرق عن أبي هريرة وبن عباس رضي الله عنهم 881 قوله صلى الله عليه وسلم إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعا وفي رواية إذا صليتم بعد الجمعة فصلوا أربعا وفي رواية من كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصل أربعا وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعدها ركعتين في هذه الأحاديث استحباب سنة الجمعة بعدها والحث عليها وأن أقلها ركعتان وأكملها أربع فنبه صلى الله عليه وسلم بقوله إذا صلى أحدكم بعد الجمعة فليصل بعدها أربعا على الحث عليها فأتى بصيغة الأمر ونبه بقوله صلى الله عليه وسلم من كان منكم مصليا على أنها سنة ليست واجبة وذكر الأربع لفضيلتها وفعل الركعتين في أوقات بيانا لأن أقلها ركعتان ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي في أكثر الأوقات أربعا لأنه أمرنا بهن وحثنا عليهن وهو أرغب في الخير وأحرص عليه وأولى به قوله قال يحيى أظنني قرأت فيصلي أو ألبتة معناه أظن أني قرأت على مالك في روايتي عنه فيصلي أو أجزم بذلك فحاصله أنه قال أظن هذه اللفظة أو أجزم بها 883 قوله بن أبي الخوار هو بضم الخاء المعجمة قوله صليت معه الجمعة في المقصورة فيه دليل على جواز اتخاذها في المسجد اذا رآها ولي الأمر مصلحة قالوا وأول من عملها معاوية بن أبي سفيان حين ضربه الخارجي قال القاضي واختلفوا في المقصورة فأجازها كثيرون من السلف وصلوا فيها منهم الحسن والقاسم بن محمد وسالم وغيرهم وكرهها بن عمر والشعبي وأحمد واسحاق وكان بن عمر إذا حضرت الصلاة وهو في المقصورة خرج منها إلى المسجد قال القاضي وقيل إنما يصح فيها الجمعة إذا كانت مباحة لكل أحد فإن كانت مخصوصة ببعض الناس ممنوعة من غيرهم لم تصح فيها الجمعة لخروجها عن حكم الجامع قوله فان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بذلك أن لا نوصل صلاة حتى نتكلم أو نخرج فيه دليل لما قاله أصحابنا أن النافلة الراتبة وغيرها يستحب أن يتحول لها عن موضع الفريضة إلى موضع آخر وأفضله التحول إلى بيته والا فموضع آخر من المسجد أو غيره ليكثر مواضع سجوده ولتنفصل صورة النافلة عن صورة الفريضة وقوله حتى نتكلم دليل على أن الفصل بينهما يحصل بالكلام أيضا ولكن بالانتقال أفضل لما ذكرناه والله أعلم

Bagian V06/P170

1 ( كتاب صلاة العيدين)

Bagian V06/P170–V06/P186

هي عند الشافعي وجمهور أصحابه وجماهير العلماء سنة مؤكدة وقال أبو سعيد الاصطخري من الشافعية هي فرض كفاية وقال أبو حنيفة هي واجبة فإذا قلنا فرض كفاية فامتنع أهل موضع من اقامتها قوتلوا عليها كسائر فروض الكفاية وإذا قلنا إنها سنة لم يقاتلوا بتركها كسنة الظهر وغيرها وقيل يقاتلون لأنها شعار ظاهر قالوا وسمى عيدا لعوده وتكرره وقيل لعود السرور فيه وقيل تفاؤلا بعوده على من أدركه كما سميت القافلة حين خروجها تفاؤلا لقفولها سالمة وهو رجوعها وحقيقتها الراجعة 884 قوله شهدت صلاة الفطر مع نبي الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم فكلهم يصليها قبل الخطبة ثم يخطب فيه دليل لمذهب العلماء كافة أن خطبة العيد بعد الصلاة قال القاضي هذا هو المتفق عليه من مذاهب علماء الأمصار وأئمة الفتوى ولا خلاف بين أئمتهم فيه وهو فعل النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين بعده إلا ما روى أن عثمان في شطر خلافته الأخير قدم الخطبة لأنه رأى من الناس من تفوته الصلاة وروى مثله عن عمر وليس بصحيح وقيل ان أول من قدمها معاوية وقيل مروان بالمدينة في خلافة معاوية وقيل زياد بالبصرة في خلافة معاوية وقيل فعله بن الزهري في آخر أيامه قوله يجلس الرجال بيده هو بكسر اللام المشددة أي يامرهم بالجلوس قوله فقالت امرأة واحدة لم يجبه غيرها منهن يا نبي الله لا يدري حينئذ من هي هكذا وقع في جميع نسخ مسلم حينئذ وكذا نقله القاضي عن جميع النسخ قال هو وغيره وهو تصحيف وصوابه لا يدري حسن من هي وهو حسن بن مسلم رواية عن طاوس عن بن عباس ووقع في البخاري على الصواب من رواية إسحاق نصر عن عبد الرزاق لا يدري حسن قلت ويحتمل تصحيح حينئذ ويكون معناه لكثرة النساء واشتمالهن ثيابهن لا يدري من هي قوله فنزل النبي صلى الله عليه وسلم حتى جاء النساء ومعه بلال قال القاضي هذا النزول كان في أثناء الخطبة وليس كما قال إنما نزل إليهن بعد فراغ خطبة العيد وبعد انقضاء وعظ الرجال وقد ذكره مسلم صريحا في حديث جابر قال فصلى ثم خطب الناس فلما فرغ نزل فأتى النساء فذكرهن فهذا صريح في أنه أتاهن بعد فراغ خطبة الرجال وفي هذه الأحاديث استحباب وعظ النساء وتذكيرهن الآخرة وأحكام الاسلام وحثهن على الصدقة وهذا إذا لم يترتب على ذلك مفسدة وخوف على الواعظ أو الموعوظ أو غيرهما وفيه أن النساء إذا حضرن صلاة الرجال ومجامعهم يكن بمعزل عنهم خوفا من فتنة أو نظرة أو فكر ونحوه وفيه أن صدقة التطوع لا تفتقر إلى إيجاب وقبول بل تكفي فيها المعاطاة لأنهن ألقين الصدقة في ثوب بلال من غير كلام منهن ولا من بلال ولا من غيره وهذا هو الصحيح في مذهبنا وقال أكثر أصحابنا العراقيين تفتقر إلى إيجاب وقبول باللفظ كالهبة والصحيح الأول وبه جزم المحققون قوله فدى لكن أبي وأمي هو مقصور بكسر الفاء وفتحها والظاهر أنه من كلام بلال قوله فجعلن يلقين الفتخ والخواتيم في ثوب بلال هو بفتح الفاء والتاء المثناة فوق وبالخاء المعجمة واحدها فتخة كقصبة وقصب واختلف في تفسيرها ففي صحيح البخاري عن عبد الرزاق قال هي الخواتيم العظام وقال الاصمعي هي خواتيم لا فصوص لها وقال بن السكيت خواتيم تلبس في أصابع اليد وقال ثعلب وقد يكون في أصابع الواحد من الرجال وقال بن دريد وقد يكون لها فصوص وتجمع أيضا فتخات وأفتاخ والخواتيم جمع خاتم وفيه أربع لغات فتح التاء وكسرها وخانام وخيتام وفي هذا الحديث جواز صدقة المرأة من مالها بغير اذن زوجها ولا يتوقف ذلك على ثلث مالها هذا مذهبنا ومذهب الجمهور وقال مالك لا يجوز الزيادة على ثلث مالها الا برضاء زوجها ودليلنا من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسألهن استأذن أزواجهن في ذلك أم لا وهل هو خارج من الثلث أم لا ولو اختلف الحكم بذلك لسأل وأشار القاضي إلى الجواب عن مذهبهم بأن الغالب حضور أزواجهن فتركهم الانكار يكون رضاء بفعلهن وهذا الجواب ضعيف أو باطل لانهن كن معتزلات لا يعلم الرجال من المتصدقة منهن من غيرها ولا قدر ما يتصدق به ولو علموا فسكوتهم ليس اذنا قوله وبلال قائل بثوبه هو بهمزة قبل اللام يكتب بالياء أي فاتحا ثوبه للأخذ فيه وفي الرواية الأخرى وبلال باسط ثوبه معناه أنه بسطه ليجمع الصدقة فيه ثم يفرقها النبي صلى الله عليه وسلم على المحتاجين كما كانت عادته صلى الله عليه وسلم في الصدقات المتطوع بها والزكوات وفيه دليل على أن الصدقات العامة أنما يصرفها في مصارفها الإمام 885 قوله يلقين النساء صدقة هكذا هو في النسخ يلقين وهو جائز على تلك اللغة القليلة الاستعمال منها يتعاقبون فيكم ملائكة وقوله أكلوني البراغيث قوله تلقى المرأة فتخها ويلقين ويلقين هكذا هو في النسخ مكرر وهو صحيح ومعناه ويلقين كذا ويلقين كذا كما ذكره في باقي الروايات قوله لعطاء أحقا على الإمام الآن أن يأتي النساء حين يفرغ فيذكرهن قال أي لعمري ان ذلك لحق وما لهم لا يفعلون ذلك قال القاضي هذا الذي قاله عطاء غير موافق عليه وليس كما قال القاضي بل يستحب إذا لم يسمعهن أن يأتيهن بعد فراغه ويعظهن ويذكرهن إذا لم يترتب الآن وفي كل الأزمان بالشروط المذكورة وأي دافع يدفعنا عن هذه السنة الصحيحة والله أعلم قوله فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة هذا دليل على أنه لا أذان ولا إقامة للعيد وهو إجماع العلماء اليوم وهو المعروف من فعل النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين ونقل عن بعض السلف فيه شيء خلاف اجماع من قبله وبعده ويستحب أن يقال فيها الصلاة جامعة بنصبها الأول على الاغراء والثاني على الحال قوله فقالت امرأة من سطة النساء هكذا هو في النسخ سطة بكسر السين وفتح الطاء المخففة وفي بعض النسخ واسطة النساء قال القاضي معناه من خيارهن والوسط العدل والخيار قال وزعم حذاق شيوخنا ان هذا الحرف مغير في كتاب مسلم وأن صوابه من سفلة النساء وكذا رواه بن أبي شيبة في مسنده والنسائي في سننه وفي رواية لابن أبي شيبة امرأة ليست من علية النساء وهذا ضد التفسير الأول ويعضده قوله بعده سفعاء الخدين هذا كلام القاضي وهذا الذي ادعوه من تغيير الكلمة غير مقبول بل هي صحيحة وليس المراد بها من خيار النساء كما فسره هو بل المراد امرأة من وسط النساء جالسة في وسطهن قال الجوهري وغيره من أهل اللغة يقال وسطت القوم اسطهم وسطا وسطة أي توسطتهم قوله سفعاء الخدين بفتح السين المهملة أي فيها تغير وسواد قوله صلى الله عليه وسلم تكثرن الشكاء هو بفتح الشين أي الشكوى قوله صلى الله عليه وسلم وتكفرن العشير قال أهل اللغة يقال هو العشير المعاشر والمخالط وحمله الأكثرون هنا على الزوج وقال آخرون هو كل مخالط قال الخليل يقال هو العشير والشعير على القلب ومعنى الحديث أنهن يجحدن الاحسان لضعف عقلهن وقلة معرفتهن فيستدل به على ذم من يجحد احسان ذي احسان قوله من اقرطتهن هو جمع قرط قال بن دريد كل ما علق من شحمة الأذن فهو قرط سواء كان من ذهب أو خرز وأما الخرص فهو الحلقة الصغيرة من الحلي قال القاضي قيل الصواب قرطتهن بحذف الألف وهو المعروف في جمع قرط كخرج وخرجة ويقال في جمعه قراط كرمح ورماح قال القاضي لا يبعد صحة اقرطة ويكون جمع جمع أي جمع قراط لا سيما وقد صح في الحديث 886 قوله عن جابر رضي الله عنه لا أذان يوم الفطر ولا إقامة ولا نداء أو لا شيء هذا ظاهره مخالف لما يقوله أصحابنا وغيرهم أنه يستحب أن يقال الصلاة جامعة كما قدمنا فيتأول على أن المراد لا أذان ولا إقامة ولا نداء في معناهما ولا شيء من ذلك 889 قوله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج يوم الأضحى ويوم الفطر فيبدأ بالصلاة هذا دليل لمن قال باستحباب الخروج لصلاة العيد إلى المصلى وأنه أفضل من فعلها في المسجد وعلى هذا عمل الناس في معظم الأمصار وأما أهل مكة فلا يصلونها الا في المسجد من الزمن الأول ولأصحابنا وجهان أحدهما الصحراء أفضل لهذا الحديث والثاني وهو الأصح عند أكثرهم المسجد أفضل إلا أن يضيق قالوا وإنما صلى أهل مكة في المسجد لسعته وإنما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المصلى لضيق المسجد فدل على أن المسجد أفضل إذا اتسع قوله فخرجت مخاصرا مروان أي مماشيا له يده في يدي هكذا فسروه قوله فإذا مروان ينازعني يده كأنه يجرني نحو المنبر وأنا أجره نحو الصلاة فيه أن الخطبة للعيد بعد الصلاة وفيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وان كان المنكر عليه واليا وفيه أن الانكار عليه يكون باليد لمن أمكنه ولا يجزئ عن اليد اللسان مع امكان اليد قوله أين الابتداء بالصلاة هكذا ضبطناه على الأكثر وفي بعض الأصول ألا ابتداء بالا التي هي للاستفتاح وبعدها نون ثم باء موحدة وكلاهما صحيح والأول أجود في هذا الموطن لأنه ساقه للإنكار عليه قوله لا تأتون بخير مما أعلم هو كما قال لأن الذي يعلم هو طريق النبي صلى الله عليه وسلم وكيف يكون غيره خيرا منه قوله ثم انصرف قال القاضي عن جهة المنبر إلى جهة الصلاة وليس معناه أنه انصرف من المصلى وترك الصلاة معه بل في رواية البخاري أنه صلى معه وكلمه في ذلك بعد الصلاة وهذا يدل على صحة الصلاة بعد الخطبة ولولا صحتها كذلك لما صلاها معه واتفق أصحابنا على أنه لو قدمها على الصلاة صحت ولكنه يكون تاركا للسنة مفوتا للفضيلة بخلاف خطبة الجمعة فإنه يشترط لصحة صلاة الجمعة تقدم خطبتها عليها لأن خطبة الجمعة واجبة وخطبة العيد مندوبة 890 قولها أمرنا أن نخرج في العيدين العواتق وذوات الخدور قال أهل اللغة العواتق جمع عاتق وهي الجارية البالغة وقال بن دريد هي التي قاربت البلوغ قال بن السكيت هي ما بين أن تبلغ إلى أن تعنس ما لم تتزوج والتعنيس طول المقام في بيت أبيها بلا زوج حتى تطعن في السن قالوا سميت عاتقا لأنها عتقت من امتهانها في الخدمة والخروج في الحوائج وقيل قاربت أن تتزوج فتعتق من قهر أبويها وأهلها وتستقل في بيت زوجها والخدور البيوت وقيل الخدر ستر يكون في ناحية البيت وقولها في الرواية الأخرى والمخبأة هي بمعنى ذات الخدر قال أصحابنا يستحب اخراج النساء غير ذوات الهيئات والمستحسنات في العيدين دون غيرهن وأجابوا عن اخراج ذوات الخدور والمخبأة بأن المفسدة في ذلك الزمن كانت مأمونة بخلاف اليوم ولهذا صح عن عائشة رضي الله عنها لو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن المساجد كما منعت نساء بني اسرائيل قال القاضي عياض واختلف السلف في خروجهن للعيدين فرأى جماعة ذلك حقا عليهن منهم أبو بكر وعلي وبن عمر وغيرهم رضي الله عنهم ومنهم من منعهن ذلك منهم عروة والقاسم ويحيى الأنصاري ومالك وأبو يوسف وأجازه أبو حنيفة مرة ومنعه مرة قولها وأمر الحيض أن يعتزلن مصلى المسلمين هو بفتح الهمزة والميم في أمر فيه منع الحيض من المصلى واختلف أصحابنا في هذا المنع فقال الجمهور هو منع تنزيه لا تحريم وسببه الصيانة والاحتراز من مقارنة النساء للرجال من غير حاجة ولا صلاة وإنما لم يحرم لأنه ليس مسجدا وحكى أبو الفرج الدارمي من أصحابنا عن بعض أصحابنا أنه قال يحرم المكث في المصلى على الحائض كما يحرم مكثها في المسجد لأنه موضع للصلاة فأشبه المسجد والصواب الأول قولها في الحيض يكبرن مع النساء فيه جواز ذكر الله تعالى للحائض والجنب وإنما يحرم عليها القرآن وقولها يكبرن مع الناس دليل على استحباب التكبير لكل أحد في العيدين وهو مجمع عليه قال أصحابنا يستحب التكبير ليلتي العيدين وحال الخروج إلى الصلاة قال القاضي التكبير في العيدين أربعة مواطن في السعي إلى الصلاة إلى حين يخرج الإمام والتكبير في الصلاة وفي الخطبة وبعد الصلاة أما الأول فاختلفوا فيه فاستحبه جماعة من الصحابة والسلف فكانوا يكبرون اذا خرجوا حتى يبلغوا المصلى يرفعون أصواتهم وقال الأوزاعي ومالك والشافعي وزاد استحبابه ليلة العيدين وقال أبو حنيفة يكبر في الخروج للأضحى دون الفطر وخالفه أصحابه فقالوا بقول الجمهور وأما التكبير بتكبير الإمام في الخطبة فمالك يراه وغيره يأباه وأما التكبير المشروع في أول صلاة العيد فقال الشافعي هو سبع في الأولى غير تكبيرة الإحرام وخمس في الثانية غير تكبيرة القيام وقال مالك وأحمد وأبو ثور كذلك لكن سبع في الأولى احداهن تكبيرة الاحرام وقال الثوري وأبو حنيفة خمس في الأولى وأربع في الثانية بتكبيرة الاحرام والقيام وجمهور العلماء يرى هذه التكبيرات متوالية متصلة وقال عطاء والشافعي وأحمد يستحب بين كل تكبيرتين ذكر الله تعالى وروي هذا أيضا عن بن مسعود رضي الله عنه وأما التكبير بعد الصلاة في عيد الأضحى فاختلف علماء السلف ومن بعدهم فيه على نحو عشرة مذاهب هل ابتداؤه من صبح يوم عرفة أو ظهره أو صبح يوم النحر أو ظهره وهل انتهاؤه في ظهر يوم النحر أو ظهر أول أيام النفر أو في صبح أيام التشريق أو ظهره أو عصره واختار مالك والشافعي وجماعة ابتداءه من ظهر يوم النحر وانتهاءه صبح آخر أيام التشريق وللشافعي قوله إلى العصر من آخر أيام التشريق وقول أنه من صبح يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق وهو الراجح عند جماعة من أصحابنا وعليه العمل في الأمصار قولها ويشهدن الخير ودعوة المسلمين فيه استحباب حضور مجامع الخير ودعاء المسلمين وحلق الذكر والعلم ونحو ذلك قوله لا يكون لها جلباب قال النضر بن شميل هو ثوب أقصر وأعرض من الخمار وهي المقنعة تغطي به المرأة رأسها وقيل هو ثوب واسع دون الرداء تغطى به صدرها وظهرها وقيل هو كالملاءة والملحفة وقيل هو الازار وقيل الخمار قوله صلى الله عليه وسلم لتلبسها أختها من جلبابها الصحيح أن معناه لتلبسها جلبابا لا يحتاج إلى عارية وفيه الحث على حضور العيد لكل أحد وعلى المواساة والتعاون على البر والتقوى 884 قوله فصلى ركعتين لم يصل قبلها ولا بعدها فيه أنه لا سنة لصلاة العيد قبلها ولا بعدها واستدل به مالك في أنه يكره الصلاة قبل صلاة العيد وبعدها وبه قال جماعة من الصحابة والتابعين قال الشافعي وجماعة من السلف لا كراهة في الصلاة قبلها ولا بعدها وقال الأوزاعي وأبو حنيفة والكوفيون لا يكره بعدها وتكره قبلها ولا حجة في الحديث لمن كرهها لأنه لا يلزم من ترك الصلاة كراهتها والأصل أن لا منع حتى يثبت قوله وتلقى سخابها هو بكسر السين وبالخاء المعجمة وهو قلادة من طيب معجون على هيئة الخرز يكون من مسك أو قرنفل أو غيرهما من الطيب ليس فيه شيء من الجوهر وجمعه سخب ككتاب وكتب 891 قوله عن عبيد الله أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد رضي الله عنه وفي الرواية الأخرى عن عبيد الله عن أبي واقد قال سألني عمر بن الخطاب هكذا هو في جميع النسخ فالرواية الأولى لأم سلمة لأن عبيد الله لم يدرك عمر ولكن الحديث صحيح بلا شك متصل من الرواية الثانية فإنه أدرك أبا واقد بلا شك وسمعه بلا خلاف فلا عتب على مسلم حينئذ في روايته فإنه صحيح متصل والله أعلم قوله عن أبي واقد سألني عمر قالوا يحتمل أن عمر رضي الله عنه شك في ذلك فاستثبته أو أراد اعلام الناس بذلك أو نحو هذا من المقاصد قالوا ويبعد أن عمر لم يكن يعلم ذلك مع شهوده صلاة العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مرات وقربه منه ففيه دليل للشافعي وموافقيه أنه تسن القراءة بهما في العيدين قال العلماء والحكمة في قراءتهما لما اشتملتا عليه من الأخبار بالبعث والاخبار عن القرون الماضية واهلاك المكذبين وتشبيه بروز الناس للعيد ببروزهم للبعث وخروجهم من الأجداث كأنهم جراد منتشر والله أعلم 892 قولها وعندي جاريتان تغنيان بما تقاولت به الانصار يوم بعاث قالت وليستا بمغنيتين أما بعاث فبضم الباء الموحدة وبالعين المهملة ويجوز صرفه وترك صرفه وهو الأشهر وهو يوم جرت فيه بين قبيلتي الانصار الأوس والخزرج في الجاهلية حرب وكان الظهور فيه للأوس قال القاضي قال الأكثرون من أهل اللغة وغيرهم هو بالعين المهملة وقال أبو عبيدة بالغين المعجمة والمشهور المهملة كما قدمناه وقولها وليستا بمغنيتين معناه ليس الغناء عادة لهما ولا هما معروفتان به واختلف العلماء في الغناء فأباحه جماعة من أهل الحجاز وهي رواية عن مالك وحرمه أبو حنيفة وأهل العراق ومذهب الشافعي كراهته وهو المشهور من مذهب مالك واحتج المجوزون بهذا الحديث وأجاب الآخرون بأن هذا الغناء إنما كان في الشجاعة والقتل والحذق في القتال ونحو ذلك مما لا مفسدة فيه بخلاف الغناء المشتمل على ما يهيج النفوس على الشر ويحملها على البطالة والقبيح قال القاضي إنما كان غناؤهما بما هو من أشعار الحرب والمفاخرة بالشجاعة والظهور والغلبة وهذا لا يهيج الجواري على شر ولا انشادهما لذلك من الغناء المختلف فيه وإنما هو رفع الصوت بالانشاد ولهذا قالت وليستا بمغنيتين أي ليستا ممن يتغنى بعادة المغنيات من التشويق والهوى والتعريض بالفواحش والتشبيب بأهل الجمال وما يحرك النفوس ويبعث الهوى والغزل كما قيل الغنا فيه الزنى وليستا أيضا ممن اشتهر وعرف باحسان الغناء الذي فيه تمطيط وتكسير وعمل يحرك الساكن ويبعث الكامن ولا ممن اتخذ ذلك صنعة وكسبا والعرب تسمى الانشاد غناء وليس هو من الغناء المختلف فيه بل هو مباح وقد استجازت الصحابة غناء العرب الذي هو مجرد الانشاد والترنم وأجازوا الحداء وفعلوه بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم وفي هذا كله اباحة مثل هذا وما في معناه وهذا ومثله ليس بحرام ولا يخرج الشاهد قوله أبمزمور الشيطان هو بضم الميم الأولى وفتحها والضم أشهر ولم يذكر القاضي غيره ويقال أيضا مزمار بكسر الميم وأصله صوت بصفير والزمير الصوت الحسن ويطلق على الغناء أيضا قوله أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه أن مواضع الصالحين وأهل الفضل تنزه عن الهوى واللغو ونحوه وان لم يكن فيه اثم وفيه أن التابع للكبير إذا رأى بحضرته ما يستنكر أو لا يليق بمجلس الكبير ينكره ولا يكون بهذا افتياتا على الكبير بل هو أدب ورعاية حرمة واجلال للكبير من أن يتولى ذلك بنفسه وصيانة لمجلسه وإنما سكت النبي صلى الله عليه وسلم عنهن لأنه مباح لهن وتسجى بثوبه وحول وجهه اعراضا عن اللهو ولئلا يستحيين فيقطعن ما هو مباح لهن وكان هذا من رأفته صلى الله عليه وسلم وحلمه وحسن خلقه قوله جاريتان تلعبان بدف هو بضم الدال وفتحها والضم أفصح وأشهر ففيه مع قوله صلى الله عليه وسلم هذا عيدنا أن ضرب دف العرب مباح في يوم السرور الظاهر وهو العيد والعرس والختان قوله في أيام منى يعني الثلاثة بعد يوم النحر وهي أيام التشريق ففيه أن هذه الأيام داخلة في أيام العيد وحكمه جار عليه في كثير من الأحكام لجواز التضحية وتحريم الصوم واستحباب التكبير وغير ذلك قولها رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون وأنا جارية وفي الرواية الأخرى يلعبون بحرابهم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه جواز اللعب بالسلاح ونحوه من آلات الحرب في المسجد ويلتحق به ما في معناه من الأسباب المعينة على الجهاد وأنواع البر وفيه جواز نظر النساء إلى لعب الرجال من غير نظر إلى نفس البدن وأما نظر المرأة إلى وجه الرجل الأجنبي فإن كان بشهوة فحرام بالاتفاق وان كان بغير شهوة ولا مخافة فتنة ففي جوازه وجهان لأصحابنا أصحهما تحريمه لقوله تعالى وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ولقوله صلى الله عليه وسلم لأم سلمة وأم حبيبة احتجبا عنه أي عن بن أم مكتوم فقالتا أنه أعمى لا يبصرنا فقال صلى الله عليه وسلم العمياوان أنتما أليس تبصرانه وهو حديث حسن رواه الترمذي وغيره وقال هو حديث حسن وعلى هذا أجابوا عن حديث عائشة بجوابين وأقواهما أنه ليس فيه أنها نظرت إلى وجوههم وأبدانهم وإنما نظرت لعبهم وحرابهم ولا يلزم من ذلك تعمد النظر إلى البدن وان وقع النظر بلا قصد صرفته في الحال والثاني لعل هذا كان قبل نزول الآية في تحريم النظر وأنها كانت صغيرة قبل بلوغها فلم تكن مكلفة على قول من يقول ان للصغير المراهق النظر والله أعلم وفي هذا الحديث بيان ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرأفة والرحمة وحسن الخلق والمعاشرة بالمعروف مع الأهل والأزواج وغيرهم قولها وأنا جارية فاقدروا قدر الجارية العربة حديثة السن معناه أنها تحب اللهو والتفرج والنظر إلى اللعب حبا بليغا وتحرص على ادامته ما أمكنها ولا تمل ذلك إلا بعذر من تطويل وقولها فاقدروا هوا بضم الدال وكسرها لغتان حكاهما الجوهري وغيره وهو من التقدير أي قدروا رغبتنا في ذلك إلى أن تنتهي وقولها العربة هو بفتح العين وكسر الراء والباء الموحدة ومعناها المشتهية للعب المحبة له قوله صلى الله عليه وسلم دونكم يا بني أرفدة هو بفتح الهمزة واسكان الراء ويقال بفتح الفاء وكسرها وجهان حكاهما القاضي عياض وغيره والكسر أشهر وهو لقب للحبشة ولفظه دونكم من ألفاظ الاغراء وحذف المغري به تقديره عليكم بهذا اللعب الذي أنتم فيه قال الخطابي وغيره وشأنها أن يتقدم الاسم كما في هذا الحديث وقد جاء تأخيرها شاذا كقوله يا أيها المائح دلوى دونكا قوله صلى الله عليه وسلم حسبك هو استفهام بدليل قولها قلت نعم تقديره حسبك أي هل يكفيك هذا القدر قولها جاء حبش يزفنون في يوم عيد في المسجد هو بفتح الياء واسكان الزاي وكسر الفاء ومعناه يرقصون وحمله العلماء على التوثب بسلاحهم ولعبهم بحرابهم على قريب من هيئة الراقص لأن معظم الروايات إنما فيها لعبهم بحرابهم فيتأول هذه اللفظة على موافقة سائر الروايات قوله عقبة بن مكرم بفتح الراء قوله قال عطاء فرس أو حبش قال وقال بن عتيق بل حبش هكذا هو في كل النسخ ومعناه أن عطاء شك هل قال هم فرس أو حبش بمعنى هل هم من الفرس أو من الحبشة وأما بن عتيق فجزم بأنهم حبش وهو الصواب قال القاضي عياض وقوله قال بن عتيق هكذا هو عند شيوخنا وعند الباجي وقال لي بن عمير قال وفي نسخة أخرى قال لي بن أبي عتيق 893 قال صاحب المشارق والمطالع الصحيح بن عمير وهو عبيد بن عمير المذكور في السند والصواب قوله دخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأهوى بيده إلى الحصباء يحصبهم الحصباء ممدود هي الحصى الصغار ويحصبهم بكسر الصاد أي يرميهم بها وهو محمول على أن هذا لا يليق بالمسجد وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم به والله أعلم

Bagian V06/P186

1 ( كتاب صلاة الاستسقاء)

Bagian V06/P186–V06/P197

أجمع العلماء على أن الاستسقاء سنة واختلفوا هل تسن له صلاة أم لا فقال أبو حنيفة لا تسن له صلاة بل يستسقي بالدعاء بلا صلاة وقال سائر العلماء من السلف والخلف الصحابة والتابعون فمن بعدهم تسن الصلاة ولم يخالف فيه إلا أبو حنيفة وتعلق بأحاديث الاستسقاء التي ليس فيها صلاة واحتج الجمهور بالأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى للاستسقاء ركعتين وأما الأحاديث التي ليس فيها ذكر الصلاة فبعضها محمول على نسيان الراوي وبعضها كان في الخطبة للجمعة ويتعقبه الصلاة للجمعة فاكتفى بها ولو لم يصل أصلا كان بيانا لجواز الاستسقاء بالدعاء بلا صلاة ولا خلاف في جوازه وتكون الأحاديث المثبتة للصلاة مقدمة لأنها زيادة علم ولا معارضة بينهما قال أصحابنا الاستسقاء ثلاثة أنواع أحدها الاستسقاء بالدعاء من غير صلاة الثاني الاستسقاء في خطبة الجمعة أو في أثر صلاة مفروضة وهو أفضل من النوع الذي قبله والثالث وهو أكملها أن يكون بصلاة ركعتين وخطبتين ويتأهب قبله بصدقة وصيام وتوبة واقبال على الخير ومجانبة الشر ونحو ذلك من طاعة الله تعالى 894 قوله خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المصلى فاستسقى وحول رداءه حين استقبل القبلة وفي الرواية الأخرى وصلى ركعتين فيه استحباب الخروج للاستسقاء إلى الصحراء لأنه أبلغ في الافتقار والتواضع ولأنها أوسع للناس لأنه يحضر الناس كلهم فلا يسعهم الجامع وفيه استحباب تحويل الرداء في أثنائها للاستسقاء قال أصحابنا يحوله في نحو ثلث الخطبة الثانية وذلك حين يستقبل القبلة قالوا والتحويل شرع تفاؤلا بتغير الحال من القحط إلى نزول الغيث والخصب ومن ضيق الحال إلى سعته وفيه دليل للشافعي ومالك وأحمد وجماهير العلماء في استحباب تحويل الرداء ولم يستحبه أبو حنيفة ويستحب عندنا أيضا للمأمومين كما يستحب للإمام وبه قال مالك وغيره وخالف فيه جماعة من العلماء وفيه اثبات صلاة الاستسقاء ورد على من أنكرها وقوله استسقى أي طلب السقي وفيه أن صلاة الاستسقاء ركعتان وهو كذلك باجماع المثبتين لها واختلفوا هل هي قبل الخطبة أو بعدها فذهب الشافعي والجماهير إلى أنها قبل الخطبة وقال الليث بعد الخطبة وكان مالك يقول به ثم رجع إلى قول الجماهير قال أصحابنا ولو قدم الخطبة على الصلاة صحتا ولكن الأفضل تقديم الصلاة كصلاة العيد وخطبتها وجاء في الأحاديث ما يقتضي جواز العيد والتأخير واختلفت الرواية في ذلك عن الصحابة رضي الله عنهم واختلف العلماء هل يكبر تكبيرات زائدة في أول صلاة الاستسقاء كما يكبر في صلاة العيد فقال به الشافعي وبن جرير وروي عن بن المسيب وعمر بن عبد العزيز ومكحول وقال الجمهور لا يكبر واحتجوا للشافعي بأنه جاء في بعض الأحاديث صلى ركعتين كما يصلي في العيد وتأوله الجمهور على أن المراد كصلاة العيد في العدد والجهر والقراءة وفي كونها قبل الخطبة واختلفت الرواية عن أحمد في ذلك وخيره داود بين التكبير وتركه ولم يذكر في رواية مسلم الجهر بالقراءة وذكره البخاري وأجمعوا على استحبابه وأجمعوا أنه لا يؤذن لها ولا يقام لكن يستحب أن يقال الصلاة جامعة قوله أخبرني عباد بن تميم المازني أنه سمع عمه المراد بعمه عبد الله بن زيد بن عاصم المتكرر في الروايات السابقة قوله وأنه لما أراد أن يدعو استقبل القبلة فيه استحباب استقبالها للدعاء ويلحق به الوضوء والغسل والتيمم والقراءة والاذكار والأذان وسائر الطاعات الا ما خرج بدليل كالخطبة ونحوها قوله فجعل إلى الناس ظهره يدعو الله واستقبل القبلة وحول رداءه ثم صلى ركعتين فيه دليل لمن يقول بتقديم الخطبة على صلاة الاستسقاء وأصحابنا يحملونه على الجواز كما سبق بيانه 896 قوله ان النبي صلى الله عليه وسلم استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء قال جماعة من أصحابنا وغيرهم السنة في كل دعاء لرفع بلاء كالقحط ونحوه أن يرفع يديه ويجعل ظهر كفيه إلى السماء وإذا دعا لسؤال شيء وتحصيله جعل بطن كفيه إلى السماء احتجوا بهذا الحديث قوله عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء حتى يرى بياض ابطيه هذا الحديث يوهم ظاهره أنه لم يرفع ص إلا في الاستسقاء وليس الأمر كذلك بل قد ثبت رفع يديه ص في الدعاء في مواطن غير الاستسقاء وهي أكثر من أن تحصر وقد جمعت منها نحوا من ثلاثين حديثا من الصحيحين أو أحدهما وذكرتها في أواخر باب صفة الصلاة من شرح المهذب ويتأول هذا الحديث على أنه لم يرفع الرفع البليغ بحيث يرى بياض ابطيه الا في الاستسقاء أو أن المراد لم أره رفع وقد رآه غيره رفع فيقدم المثبتون في مواضع كثيرة وهم جماعات على واحد لم يحضر ذلك ولا بد من تأويله لما ذكرناه والله أعلم قوله عن قتادة عن أنس وفي الطريق الثاني عن قتادة أن أنس بن مالك حدثهم فيه بيان أن قتادة قد سمعه من أنس وقد تقدم أن قتادة مدلس وأن المدلس لا يحتج بعنعنته حتى يثبت سماعه ذلك الحديث فبين مسلم ثبوته بالطريق الثاني 897 قوله دار القضاء قال القاضي عياض سميت دار القضاء لأنها بيعت في قضاء دين عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي كتبه على نفسه وأوصى ابنه عبد الله أن يباع فيه ما له فان عجز ما له استعان ببني عدي ثم بقريش فباع ابنه داره هذه لمعاوية وماله بالغابة قضى دينه وكان ثمانية وعشرين ألفا وكان يقال لها دار قضاء دين عمر ثم اقتصروا فقالوا دار القضاء وهي دار مروان وقال بعضهم هي دار الامارة وغلط لأنه بلغه أنها دار مروان فظن أن المراد بالقضاء الامارة والصواب ما قدمناه هذا آخر كلام القاضي قوله ان دينه كان ثمانية وعشرين ألفا غريب بل غلط والصحيح المشهور أنه كان ستة وثمانين ألفا أو نحوه هكذا رواه البخاري في صحيحه وكذا رواه غيره من أهل الحديث والسير والتواريخ وغيرهم قوله ادع الله يغثنا وقوله صلى الله عليه وسلم اللهم أغثنا هكذا هو في جميع النسخ أغثنا بالالف ويغثنا بضم الياء من أغاث يغيث رباعي والمشهور في كتب اللغة أنه إنما يقال في المطر غاث الله الناس والأرض يغيثهم بفتح الياء أي أنزل المطر قال القاضي عياض قال بعضهم هذا المذكور في الحديث من الاغاثة بمعنى المعونة وليس من طلب الغيث إنما يقال في طلب الغيث اللهم غثنا قال القاضي ويحتمل أن يكون من طلب الغيث أي هب لنا غيثا أو ارزقنا غيثا كما يقال سقاه الله وأسقاه أي جعل له سقيا على لغة من فرق بينهما قوله فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال اللهم أغثنا فيه استحباب الاستسقاء في خطبة الجمعة وقد قدمنا بيانه في أول الباب وفيه جواز الاستسقاء منفردا عن تلك الصلاة المخصوصة واغترت به الحنفية وقالوا هذا هو الاستسقاء المشروع لا غير وجعلوا الاستسقاء بالبروز إلى الصحراء والصلاة بدعة وليس كما قالوا بل هو سنة للأحاديث الصحيحة السابقة وقد قدمنا في أول الباب أن الاستسقاء أنواع فلا يلزم من ذكر نوع ابطال نوع ثابت والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا هكذا هو مكرر ثلاثا ففيه استحباب تكرر الدعاء ثلاثا قوله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة هي بفتح القاف والزاي وهي القطعة من السحاب وجماعتها قزع كقصبة وقصب قال أبو عبيد وأكثر ما يكون ذلك في الخريف قوله وما بيننا وبين سلع من دار هو بفتح السين المهملة وسكون اللام وهو جبل بقرب المدينة ومراده بهذا الاخبار عن معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعظيم كرامته على ربه سبحانه وتعالى بانزال المطر سبعة أيام متوالية متصلا بسؤاله من غير تقديم سحاب ولا قزع ولا سبب آخر لا ظاهر ولا باطن وهذا معنى قوله وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار أي نحن مشاهدون له وللسماء وليس هناك سبب للمطر أصلا قوله ثم أمطرت هكذا هو في النسخ وكذا جاء في البخاري أمطرت بالألف وهو صحيح وهو دليل للمذهب المختار الذي عليه الاكثرون والمحققون من أهل اللغة أنه يقال مطرت وأمطرت لغتان في المطر وقال بعض أهل اللغة لا يقال أمطرت بالألف الا في العذاب كقوله تعالى وأمطرنا عليهم حجارة والمشهور الأول ولفظة أمطرت تطلق في الخير والشر وتعرف بالقرينة قال الله تعالى قالوا هذا عارض ممطرنا وهذا من أمطر والمراد به المطر في الخير لأنهم ظنوه خيرا فقال الله تعالى بل هو ما استعجلتم به قوله ما رأينا الشمس سبتا هو بسين مهملة ثم باء موحدة ثم مثناه فوق أى قطعة من الزمان وأصل السبت القطع قوله صلى الله عليه وسلم حين شكى إليه كثرة المطر وانقطاع السبل وهلاك الأموال من كثرة الأمطار اللهم حولنا وفي بعض النسخ حوالينا وهما صحيحان ولا علينا اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر قال فانقطعت وخرجنا نمشي في هذا الفصل فوائد منها المعجزة الظاهرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في اجابة دعائه متصلا به حتى خرجوا في الشمس وفيه أدبه صلى الله عليه وسلم في الدعاء فإنه لم يسأل رفع المطر من أصله بل سأل رفع ضرره وكشفه عن البيوت والمرافق والطرق بحيث لا يتضرر به ساكن ولا بن سبيل وسأل بقاءه في مواضع الحاجة بحيث يبقى نفعه وخصبه وهي بطون الأودية وغيرها من المذكور قال أهل اللغة الاكام بكسر الهمزة جمع أكمة ويقال في جمعها آكام بالفتح والمد ويقال أكم بفتح الهمزة والكاف وأكم بضمهما وهي دون الجبل وأعلى من الرابية وقيل دون الرابية وأما الظراب فبكسر الظاء المعجمة واحدها ظرب بفتح الظاء وكسر الراء وهي الروابي الصغار وفي هذا الحديث استحباب طلب انقطاع المطر على المنازل والمرافق إذا كثر وتضرروا به ولكن لا تشرع له صلاة ولا اجتماع في الصحراء قوله فانقطعت وخرجنا نمشي هكذا هو في بعض النسخ المعتمدة وفي أكثرها فانقلعت وهما بمعنى قوله فسألت أنس بن مالك أهو الرجل الأول قال لا أدري قد جاء في رواية للبخاري وغيره أنه الأول قوله أصابت الناس سنة أي قحط قوله فما يشير بيده إلى ناحية الا تفجرت أى تقطع السحاب وزال عنها قوله حتى رأيت المدينة في مثل الجوبة هي بفتح الجيم واسكان الواو وبالباء الموحدة وهي الفجوة ومعناه تقطع السحاب عن المدينة وصار مستديرا حولها وهي خالية منه قوله وسال وادي قناة شهرا قناة بفتح القاف اسم لواد من أودية المدينة وعليه زروع لهم فأضافه هنا إلى نفسه وفي رواية للبخاري وسال الوادي قناة وهذا صحيح على البدل والأول صحيح وهو عند الكوفيين على ظاهره وعند البصريين يقدر فيه محذوف وفي رواية للبخاري وسال الوادي وادي قناة قوله أخبر بجود هو بفتح الجيم واسكان الواو وهو المطر الكثير قوله قحط المطر هو بفتح القاف وفتح الحاء وكسرها أي أمسك قوله واحمر الشجر كناية عن يبس ورقها وظهور عودها قوله فتقشعت أي زالت قوله وما تمطر بالمدينة قطره هو بضم التاء من تمطر وبنصب قطرة قوله مثل الاكليل هو بكسر الهمزة قال أهل اللغة هي العصابة وتطلق على كل محيط بالشيء قوله فألف الله بين السحاب ومكثنا حتى رأيت الرجل الشديد تهمه نفسه أن يأتي أهله هكذا ضبطناه ومكثنا وكذا هو في نسخ بلادنا ومعناه ظاهر وذكر القاضي فيه أنه روي في نسخ بلادهم على ثلاثة أوجه ليس منها هذا ففي رواية لهم وبلتنا ومعناه أمطرتنا قال الأزهري يقال بل السحاب بالمطر بلا والبلل المطر ويقال انهلت أيضا وفي رواية لهم وملتنا بالميم مخففة اللام قال القاضي ولعل معناه أوسعتنا مطرا وفي رواية ملأتنا بالهمز وقوله تهمه نفسه ضبطناه بوجهين فتح التاء مع ضم الهاء وضم التاء مع كسر الهاء يقال همه الشيء وأهمه أي اهتم له ومنهم من يقول همه أذابه وأهمه غمه قوله فرأيت السحاب يتمزق كأنه الملاء حين تطوى هو بضم الميم وبالمد والواحدة ملاءة بالضم والمد وهي الريطة كالملحفة ولا خلاف أنه ممدود في الجمع والمفرد ورأيت في كتاب القاضي قال هو مقصور وهو غلط من الناسخ فان كان من الأصل كذلك فهو خطأ بلا شك ومعناه تشبيه انقطاع السحاب وتجليله بالملاءة المنشورة إذا طويت 898 قوله حسر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبه حتى أصابه المطر فقلنا يا رسول الله لم صنعت هذا قال لأنه حديث عهد بربه معنى حسر كشف أي كشف بعض بدنه ومعنى حديث عهد بربه أي بتكوين ربه اياه ومعناه أن المطر رحمة وهي قريبة العهد بخلق الله تعالى لها فيتبرك بها وفي هذا الحديث دليل لقول أصحابنا أنه يستحب عند أول المطر أن يكشف غير عورته ليناله المطر واستدلوا بهذا وفيه أن المفضول إذا رأى من الفاضل شيئا لا يعرفه أن يسأله عنه ليعلمه فيعمل به ويعلمه غيره 899 قوله إذا كان يوم الريح والغيم عرف ذلك في وجهه وأقبل وأدبر فإذا مطرت سر به وذهب عنه ذلك قالت عائشة فسألته فقال اني خشيت أن يكون عذابا سلط على أمتي فيه الاستعداد بالمراقبة لله والالتجاء إليه عند اختلاف الأحوال وحدوث ما يخاف بسببه وكان خوفه صلى الله عليه وسلم أن يعاقبوا بعصيان العصاة وسروره لزوال سبب الخوف قوله ويقول إذا رأى المطر رحمة أي هذا رحمة قوله واذا تخيلت السماء تغير لونه قال أبو عبيد وغيره تخيلت من المخيلة بفتح الميم وهي سحابة فيها رعد وبرق يخيل إليه أنها ماطرة ويقال أخالت إذا تغيمت قولها ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعا ضاحكا حتى أرى منه لهواته إنما كان يتبسم والمستجمع المجد في الشيء القاصد له واللهوات جمع لهاة وهي اللحمة الحمراء المعلقة على الحنك قاله الأصمعي 900 قوله صلى الله عليه وسلم نصرت بالصبا هي بفتح الصاد ومقصورة وهي الريح الشرقية وأهلكت عاد بالدبور وهي بفتح الدال وهي الريح الغربية

Bagian V06/P197

1 ( كتاب الكسوف)

Bagian V06/P197–V06/P218

يقال كسفت الشمس والقمر بفتح الكاف وكسفا بضمها وانكسفا وخسفا وخسفا وانخسفا بمعنى وقيل كسف الشمس بالكاف وخسف القمر بالخاء وحكى القاضي عياض عكسه عن بعض أهل اللغة والمتقدمين وهو باطل مردود بقول الله تعالى وخسف القمر ثم جمهور أهل العلم وغيرهم على أن الخسوف والكسوف يكون لذهاب ضوئهما كله ويكون لذهاب بعضه وقال جماعة منهم الإمام الليث بن سعد الخسوف في الجميع والكسوف في بعض وقيل الخسوف ذهاب لونهما والكسوف تغيره واعلم أن صلاة الكسوف رويت على أوجه كثيرة ذكر مسلم منها جملة وأبو داود أخرى وغيرهما أخرى وأجمع العلماء على أنها سنة ومذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء أنه يسن فعلها جماعة وقال العراقيون فرادى وحجة الجمهور الأحاديث الصحيحة في مسلم وغيره واختلفوا في صفتها فالمشهور في مذهب الشافعي أنها ركعتان في كل ركعة قيامان وقراءتان وركوعان وأما السجود فسجدتان كغيرهما وسواء تمادى الكسوف أم لا وبهذا قال مالك والليث وأحمد وأبو ثور وجمهور علماء الحجاز وغيرهم وقال الكوفيون هما ركعتان كسائر النوافل عملا بظاهر حديث جابر بن سمرة وأبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين وحجة الجمهور حديث عائشة من رواية عروة وعمرة وحديث جابر وبن عباس وبن عمرو بن العاص أنها ركعتان في كل ركعة ركوعان وسجدتان قال بن عبدالبر وهذا أصح ما في هذا الباب قال وباقي الروايات المخالفة معللة ضعيفة وحملوا حديث بن سمرة بأنه مطلق وهذه الأحاديث تبين المراد به وذكر مسلم في رواية عن عائشة وعن بن عباس وعن جابر ركعتين في كل ركعة ثلاث ركعات ومن رواية بن عباس وعلى ركعتين في كل ركعة أربع ركعات قال الحفاظ الروايات الأول أصح ورواتها أحفظ وأضبط وفي رواية لأبي داود من رواية أبي بن كعب ركعتين في كل ركعة خمس ركعات وقد قال بكل نوع بعض الصحابة وقال جماعة من أصحابنا الفقهاء المحدثين وجماعة من غيرهم هذا الاختلاف في الروايات بحسب اختلاف حال الكسوف ففي بعض الأوقات تأخر انجلاء الكسوف فزاد عدد الركوع وفي بعضها أسرع الانجلاء فاقتصر وفي بعضها توسط بين الاسراع والتأخر فتوسط في عدده واعترض الأولون على هذا بأن تأخر الانجلاء لا يعلم في أول الحال ولا في الركعة الأولى وقد اتفقت الروايات على أن عدد الركوع في الركعتين سواء وهذا يدل على أنه مقصود في نفسه منوي من أول الحال وقال جماعة من العلماء منهم إسحاق بن راهويه وبن جرير وبن المنذر جرت صلاة الكسوف في أوقات واختلاف صفاتها محمول على بيان جواز جميع ذلك فتجوز صلاتها على كل واحد من الأنواع الثابتة وهذا قوى والله أعلم واتفق العلماء على أنه يقرأ الفاتحة في القيام الأول من كل ركعة واختلفوا في القيام الثاني فمذهبنا ومذهب مالك وجمهور أصحابه أنه لا تصح الصلاة إلا بقراءتها فيه وقال محمد بن مسلمة من المالكية لا يقرأ الفاتحة في القيام الثاني واتفقوا على أن القيام الثاني والركوع الثاني من الركعة الأولى أقصر من القيام الأول والركوع وكذا القيام الثاني والركوع الثاني من الركعة الثانية أقصر من الأول منهما من الثانية واختلفوا في القيام الأول والركوع الأول من الثانية هل هما أقصر من القيام الثاني والركوع الثاني من الركعة الأولى ويكون هذا معنى قوله في الحديث وهو دون القيام الأول ودون الركوع الأول أم يكونان سواء ويكون قوله دون القيام والركوع الأول أي أول قيام وأول ركوع واتفقوا على استحباب اطالة القراءة والركوع فيهما كما جاءت الأحاديث ولو اقتصر على الفاتحة في كل قيام وأدى طمأنينته في كل ركوع صحت صلاته وفاته الفضيلة واختلفوا في استحباب اطالة السجود فقال جمهور أصحابنا لا يطوله بل يقتصر على قدره في سائر الصلوات وقال المحققون منهم يستحب اطالته نحو الركوع الذي قبله وهذا هو المنصوص للشافعي في البويطي وهو الصحيح للأحاديث الصحيحة الصريحة في ذلك ويقول في كل رفع من ركوع سمع الله لمن حمده ثم يقول عقبه ربنا لك الحمد إلى آخره والأصح استحباب التعوذ في ابتداء الفاتحة في كل قيام وقيل يقتصر عليه في القيام الأول واختلف العلماء في الخطبة لصلاة الكسوف فقال الشافعي واسحاق وبن جرير وفقهاء أصحاب الحديث يستحب بعدها خطبتان وقال مالك وأبو حنيفة لا يستحب ذلك ودليل الشافعي الأحاديث الصحيحة في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب بعد صلاة الكسوف 901 قوله فأطال القيام جدا وأطال الركوع جدا ثم سجد ثم قام فأطال القيام هذا مما يحتج به من يقول لا يطول السجود وحجة الآخرين الأحاديث المصرحة بتطويله ويحمل هذا المطلق عليها وقوله جدا بكسر الجيم وهو منصوب على المصدر أي جد جدا قوله بعد أن وصف الصلاة ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تجلت الشمس فخطب الناس فيه دليل للشافعي وموافقيه في استحباب الخطبة بعد صلاة الكسوف كما سبق بيانه وفيه أن الخطبة لا تفوت بالانجلاء بخلاف الصلاة قوله فحمد الله وأثنى عليه دليل على أن الخطبة يكون أولها الحمد لله والثناء عليه ومذهب الشافعي أن لفظه الحمد لله متعينة فلو قال معناها لم تصح خطبته قوله صلى الله عليه وسلم في أحاديث الباب ان الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته وفي رواية أنهم قالوا كسفت لموت إبراهيم فقال النبي صلى الله عليه وسلم هذا الكلام ردا عليهم قال العلماء والحكمة في هذا الكلام أن بعض الجاهلية الضلال كانوا يعظمون الشمس والقمر فبين أنهما آيتان مخلوقتان لله تعالى لا صنع لهما بل هما كسائر المخلوقات يطرأ عليهما النقص والتغير كغيرهما وكان بعض الضلال من المنجمين وغيرهم يقول لا ينكسفان الا لموت عظيم أو نحو ذلك فبين أن هذا باطل لا يغتر بأقوالهم لا سيما وقد صادف موت إبراهيم رضي الله عنه قوله صلى الله عليه وسلم فإذا رأيتموها فكبروا وادعوا الله وصلوا وتصدقوا فيه الحث على هذه الطاعات وهو أمر استحباب قوله صلى الله عليه وسلم يا أمة محمد ان من أحد أغير من الله تعالى هو بكسر همزة أن واسكان النون أي ما من أحد أغير من الله قالوا معناه ليس أحدا منع من المعاصي من الله تعالى ولا أشد كراهة لها منه سبحانه قوله صلى الله عليه وسلم يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا معناه لو تعلمون من عظم انتقام الله تعالى من أهل الجرائم وشدة عقابه وأهوال القيامة وما بعدها كما علمت وترون النار كما رأيت في مقامي هذا وفي غيره لبكيتم كثيرا ولقل ضحككم لفكركم فيما علمتموه قوله صلى الله عليه وسلم ألا هل بلغت معناه ما أمرت به من التحذير والانذار وغير ذلك مما أرسل به والمراد تحريضهم على تحفظه واعتنائهم به لأنه مأمور بانذارهم قوله فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد فقام فكبر وصف الناس وراءه فيه اثبات صلاة الكسوف وفيه استحباب فعلها في المسجد الذي تصلى فيه الجمعة قال أصحابنا وإنما لم يخرج إلى المصلى لخوف فواتها بالانجلاء فالسنة المبادرة بها وفيه استحبابها جماعة وتجوز فرادى وتشرع للمرأة والعبد والمسافر وسائر من تصح صلاته قولها ثم رفع رأسه فقال سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد وقال في الرفع من الركوع الثاني مثله فيه دليل على استحباب الجمع بين هذين اللفظين وهو مذهب الشافعي ومن وافقه وسبقت المسألة في صفة سائر الصلاة وهو مستحب عندنا للإمام والمأموم والمنفرد يستحب لكل أحد الجمع بينهما وفي هذا الحديث دليل على استحباب الجمع بينهما في كل رفع من الركوع في الكسوف سواء الركوع الأول والثاني قوله صلى الله عليه وسلم فإذا رأيتموها فافزعوا للصلاة وفي رواية فصلوا حتى يفرج الله عنكم معناه بادروا بالصلاة وأسرعوا إليها حتى يزول عنكم هذا العارض الذي يخاف كونه مقدمة عذاب قوله صلى الله عليه وسلم حين رأيتموني جعلت أقدم ضبطناه بضم الهمزة وفتح القاف وكسر الدال المشددة ومعناه أقدم نفسي أو رجلي وكذا صرح القاضي عياض بضبطه وضبطه جماعة أقدم بفتح الهمزة واسكان القاف وضم الدال وهو من الاقدام وكلاهما صحيح قوله صلى الله عليه وسلم ولقد رأيت جهنم فيه أنها مخلوقة موجودة وهو مذهب أهل السنة ومعنى يحطم بعضها بعضا لشدة تلهيبها واضطرابها كأمواج البحر التي يحطم بعضها بعضا قوله صلى الله عليه وسلم ورأيت فيها عمرو بن لحى هو بضم اللام وفتح الحاء وتشديد الياء وفيه دليل على أن بعض الناس معذب في نفس جهنم اليوم عافانا الله وسائر المسلمين قوله صلى الله عليه وسلم حين رأيتموني تأخرت فيه التأخر عن مواضع العذاب والهلاك قوله فبعث مناديا بالصلاة جامعة لفظة جامعة منصوبة على الحال وفيه دليل للشافعي ومن وافقه أنه يستحب أن ينادي لصلاة الكسوف الصلاة جامعة واجمعوا أنه لا يؤذن لها ولا يقام قوله جهر في صلاة الخسوف هذا عند أصحابنا والجمهور محمول على كسوف القمر لأن مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة والليث بن سعد وجمهور الفقهاء أنه يسر في كسوف الشمس ويجهر في خسوف القمر وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن وأحمد واسحق وغيرهم يجهر فيهما وتمسكوا بهذا الحديث واحتج الآخرون بأن الصحابة حزروا القراءة بقدر البقرة وغيرها ولو كان جهرا لعلم قدرها بلا حزر وقال بن جرير الطبري الجهر والاسرار سواء قوله حدثني من أصدق حسبته يريد عائشة هكذا هو في نسخ بلادنا وكذا نقله القاضي عن الجمهور وعن بعض رواتهم من أصدق حديثه يريد عائشة ومعنى اللفظين متغاير فعلى رواية الجمهور له حكم المرسل إن قلنا بمذهب الجمهور ان قوله أخبرني الثقة ليس بحجة قوله ركعتين في ثلاث ركعات أي في كل ركعة يركع ثلاث مرات قوله ست ركعات وأربع سجدات أي صلى ركعتين في كل ركعتين ركوع ثلاث مرات وسجدتان 903 قوله بين ظهري الحجر أي بينها قولها حتى انتهى إلى مصلاه تعني موقفه في المسجد فيه أن السنة في صلاة الكسوف أن تكون في الجامع وفي جماعة قوله صلى الله عليه وسلم رأيتكم تفتنون في القبور وفي آخره يتعوذ من عذاب القبر فيه اثبات عذاب القبر وفتنته وهو مذهب أهل الحق ومعنى تفتنون تمتحنون فيقال ما علمك بهذا الرجل فيقول المؤمن هو رسول الله ويقول المنافق سمعت الناس يقولون شيئا فقلته هكذا جاء مفسرا في الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم كفتنة الدجال أي فتنة شديدة جدا وامتحانا هائلا ولكن يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت 904 قوله في رواية أبي الزبير عن جابر ثم ركع فأطال ثم رفع فأطال ثم سجد سجدتين هذا ظاهره أنه طول الاعتدال الذي يلي السجود ولا ذكر له في باقي الروايات ولا في رواية جابر من جهة غير أبي الزبير وقد نقل القاضي اجماع العلماء أنه لا يطول الاعتدال الذي يلي السجود وحينئذ يجاب عن هذه الرواية بجوابين أحدهما أنها شاذة مخالفة لرواية الأكثرين فلا يعمل بها والثاني أن المراد بالاطالة تنفيس الإعتدال ومده قليلا وليس المراد اطالته نحو الركوع قوله صلى الله عليه وسلم عرض على كل شيء تولجونه أي تدخلونه من جنة ونار وقبر ومحشر وغيرها قوله صلى الله عليه وسلم فعرضت على الجنة وعرضت على النار قال القاضي عياض قال العلماء تحتمل أنه رآهما رؤية عين كشف الله تعالى عنهما وأزال الحجب بينه وبينهما كما فرج له عن المسجد الأقصى حين وصفه ويكون قوله صلى الله عليه وسلم في عرض هذا الحائط أي في جهته وناحيته أو في التمثيل لقرب المشاهدة قالوا ويحتمل أن يكون رؤية علم وعرض وحي باطلاعه وتعريفه من أمورها تفصيلا ما لم يعرفه قبل ذلك ومن عظيم شأنهما ما زاده علما بأمرهما وخشية وتحذيرا ودوام ذكر ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا قال القاضي والتأويل الأول أولى وأشبه بألفاظ الحديث لما فيه من الأمور الدالة على رؤية العين كتناوله صلى الله عليه وسلم العنقود وتأخره مخافة أن يصيبه لفح النار قوله صلى الله عليه وسلم فعرضت على الجنة حتى لو تناولت منها قطفا أخذته معنى تناولت مددت يدي لأخذه والقطف بكسر القاف العنقود وهو فعل بمعنى مفعول كالذبح بمعنى المذبوح وفيه أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان اليوم وأن في الجنة ثمارا وهذا كله مذهب أصحابنا وسائر أهل السنة خلافا للمعتزلة قوله صلى الله عليه وسلم فرأيت فيها امرأة تعذب في هرة لها ربطتها أى بسبب هرة قوله صلى الله عليه وسلم تأكل من خشاش الأرض بفتح الخاء المعجمة وهي هوامها وحشراتها وقيل صغار الطير وحكى القاضي فتح الخاء وكسرها وضمها والفتح هو المشهور قال القاضي في هذا الحديث المؤاخذة بالصغائر قال وليس فيه أنها عذبت عليها بالنار قال ويحتمل أنها كانت كافرة فزيد في عذابها بذلك هذا كلامه وليس بصواب بل الصواب المصرح به في الحديث أنها عذبت بسبب الهرة وهو كبيرة لأنها ربطتها وأصرت على ذلك حتى ماتت والاصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة كما هو مقرر في كتب الفقه وغيرها وليس في الحديث ما يقتضي كفر هذه المرأة قوله صلى الله عليه وسلم يجر قصبه في النار هو بضم القاف واسكان الصاد وهي الامعاء قوله ثم تأخر وتأخرت الصفوف خلفه حتى انتهينا إلى النساء ثم تقدم وتقدم الناس معه حتى قام في مقامه فيه أن العمل القليل لا يبطل الصلاة وضبط أصحابنا القليل بما دون ثلاث خطوات متتابعات وقالوا الثلاث متتابعات تبطلها ويتأولون هذا الحديث على أن الخطوات كانت متفرقة لا متوالية ولا يصح تأويله على أنه كان خطوتين لأن قوله انتهينا إلى النساء يخالفه وفيه استحباب صلاة الكسوف للنساء وفيه حضورهن وراء الرجال قوله آضت الشمس هو بهمزة ممدودة هكذا ضبطه جميع الرواة ببلادنا وكذا أشار إليه القاضي قالوا ومعناه رجعت إلى حالها الأول قبل الكسوف وهو من آض يئيض إذا رجع ومنه قولهم أيضا وهو مصدر منه قوله صلى الله عليه وسلم مخافة أن يصيبني من لفحها أي من ضرب لهبها ومنه قوله تعالى تلفح وجوههم النار أي يضربها لهبها قالوا والنفح دون اللفح قال الله ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك أى أدنى شيء منه قاله الهروي وغيره قوله صلى الله عليه وسلم ورأيت فيها صاحب المحجن هو بكسر الميم وهو عصا مغففة الطرف 905 قولها فأشارت برأسها إلى السماء فيه امتناع الكلام بالصلاة وجواز الاشارة ولا كراهة فيها إذا كانت لحاجة قولها تجلاني الغشى هو بفتح الغين واسكان الشين وروى أيضا بكسر الشين وتشديد الياء وهما بمعنى الغشاوة وهو معروف يحصل بطول القيام في الحر وفي غير ذلك من الأحوال ولهذا جعلت تصب عليها الماء وفيه أن الغشي لا ينقض الوضوء ما دام العقل ثابتا قولها فأخذت قربة من ماء إلى جنبي فجعلت أصب على رأسي أو على وجهي من الماء هذا محمول على أنه لم تكثر أفعالها متوالية لأن الأفعال إذا كثرت متوالية أبطلت الصلاة قوله ما علمك بهذا الرجل إنما يقول له الملكان السائلان ما علمك بهذا الرجل ولا يقول رسول الله امتحانا له واغرابا عليه لئلا يتلقن منهما اكرام النبي صلى الله عليه وسلم ورفع مرتبته فيعظمه هو تقليدا لهما لا اعتقادا ولهذا يقول المؤمن هو رسول الله ويقول المنافق لا أدري فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة قوله عن عروة قال لا تقل كسفت الشمس ولكن قل خسفت الشمس هذا قول له انفرد به والمشهور ما قدمناه في أول الباب قوله ففزع قال القاضي يحتمل أن يكون معناه الفزع الذي هو الخوف كما في الرواية الأخرى يخشى أن تكون الساعة ويحتمل أن يكون معناه الفزع الذي هو المبادرة إلى الشيء فأخطأ بدرع حتى أدرك بردائه معناه أنه لشدة سرعته واهتمامه بذلك أراد أن يأخذ رداءه فأخذ درع بعض أهل البيت سهوا ولم يعلم ذلك لاشتغال قلبه بأمر الكسوف فلما علم أهل البيت أنه ترك رداءه لحقه به إنسان 907 قوله في الرواية الأولى من حديث بن عباس فقام قياما طويلا قدر نحو سورة البقرة هكذا هو في النسخ قدر نحو وهو صحيح ولو اقتصر على أحد اللفظين لكان صحيحا قوله صلى الله عليه وسلم بكفرهن قيل أيكفرن بالله قال بكفر العشير وبكفر الاحسان هكذا ضبطناه بكفر بالباء الموحدة الجارة وضم الكاف واسكان الفاء وفيه جواز اطلاق الكفر على كفران الحقوق وان لم يكن ذلك الشخص كافرا بالله تعالى وقد سبق شرح هذا اللفظ مرات والعشير المعاشر كالزوج وغيره فيه ذم كفران الحقوق لأصحابها قوله تكعكعت أي توقفت وأحجمت قال الهروي وغيره يقال تكعكع الرجل وتكاعى وكع وكوعا إذا أحجم وجبن 908 قوله ثمان ركعات في أربع سجدات أي ركع ثمان مرات كل أربع في ركعة وسجد سجدتين في كل ركعة وقد صرح بهذا في الكتاب في الرواية الثانية 910 قوله في حديث بن عمرو فركع ركعتين في سجدة أي ركوعين في ركعة والمراد بالسجدة ركعة وقد سبق أحاديث كثيرة باطلاق السجدة على ركعة قولها ما ركعت ركوعا قط ولا سجدت سجودا قط كان أطول منه وفي رواية أبي موسى الأشعري فقام يصلي بأطول قيام وركوع وسجود وما رأيته يفعله في صلاة قط فيهما دليل للمختار وهو استحباب تطويل السجود في صلاة الكسوف ولا يضر كون أكثر الروايات ليس فيهما تطويل السجود لان الزيادة من الثقة مقبولة مع أن تطويل السجود ثابت من رواية جماعة كثيرة من الصحابة وذكره مسلم من روايتي عائشة وأبي موسى ورواه البخاري من رواية جماعة آخرين وأبو داود من طريق غيرهم فتكاثرت طرقه وتعاضدت فتعين العمل به 912 قوله فقام فزعا يخشى أن تكون الساعة هذا قد يستشكل من حيث أن الساعة لها مقدمات كثيرة لا بد من وقوعها ولم تكن وقعت كطلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة والنار والدجال وقتال الترك وأشياء أخر لا بد من وقوعها قبل الساعة كفتوح الشام والعراق ومصر وغيرهما وانفاق كنوز كسرى في سبيل الله تعالى وقتال الخوارج وغير ذلك من الأمور المشهورة في الأحاديث الصحيحة ويجاب عنه بأجوبة أحدها لعل هذا الكسوف قبل اعلام النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الأمور الثاني لعله خشي أن تكون بعض مقدماتها الثالث أن الراوي ظن أن النبي صلى الله عليه وسلم يخشى أن تكون الساعة وليس يلزم من ظنه أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم خشي ذلك حقيقة بل خرج النبي صلى الله عليه وسلم مستعجلا مهتما بالصلاة وغيرها من أمر الكسوف مبادرا إلى ذلك وربما خاف أن يكون نوع عقوبة كما كان صلى الله عليه وسلم عند هبوب الريح تعرف الكراهة في وجهه ويخاف أن يكون عذابا كما سبق في آخر كتاب الاستسقاء فظن الراوي خلاف ذلك ولا اعتبار بظنه 913 قوله فانتهيت إليه وهو رافع يديه يدعو ويكبر ويحمد ويهلل حتى جلى عن الشمس فقرأ سورتين وركع ركعتين وفي الرواية الأخرى فأتيته وهو قائم في الصلاة رافع يديه فجعل يسبح ويهلل ويكبر ويحمد ويدعو حتى حسر قال فلما حسر عنها قرأ سورتين فصلى ركعتين هذا مما يستشكل ويظن أن ظاهره أنه ابتدأ صلاة الكسوف بعد انجلاء الشمس وليس كذلك فإنه لا يجوز ابتداء صلاتها بعد الانجلاء وهذا الحديث محمول على أنه وجده في الصلاة كما صرح به في الرواية الثانية ثم جمع الراوي جميع ما جرى في الصلاة من دعاء وتكبير وتهليل وتسبيح وتحميد وقراءة سورتين في القيامين الآخرين للركعة الثانية وكانت السورتان بعد الانجلاء تتميما للصلاة فتمت جملة الصلاة ركعتين أولها في حال الكسوف وآخرها بعد الانجلاء وهذا الذي ذكرته من تقديره لابد منه لأنه مطابق للرواية الثانية ولقواعد الفقه ولروايات باقي الصحابة والرواية الأولى محمولة عليه أيضا ليتفق الروايتان ونقل القاضي عن المازري أنه تأوله على صلاة ركعتين تطوعا مستقلا بعد انجلاء الكسوف لأنها صلاة كسوف وهذا ضعيف مخالف لظاهر الرواية الثانية والله أعلم قوله وهو قائم في الصلاة رافع يديه فجعل يسبح إلى قوله ويدعو فيه دليل لأصحابنا في رفع اليدين في القنوت ورد على من يقول لا ترفع الأيدي في دعوات الصلاة قوله حسر عنها أي كشف وهو بمعنى قوله في الرواية الأولى جلى عنها قوله كنت أرتمي بأسهم أى أرمي كما قاله في الرواية الأولى يقال أرمي وارتمى وترامى وترمي كما قاله في الرواية الأخيرة قوله 915 زياد بن علاقة بكسر العين قوله صلى الله عليه وسلم في أحاديث الباب ان الشمس والقمر آيتان لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموها فصلوا فيه دليل للشافعي وجميع فقهاء أصحاب الحديث في استحباب الصلاة لكسوف القمر على هيئة صلاة كسوف الشمس وروى عن جماعة من الصحابة وغيرهم وقال مالك وأبو حنيفة لا تسن لكسوف القمر هكذا وإنما تسن ركعتان كسائر الصلوات فرادى والله أعلم

Bagian V06/P218

1 ( كتاب الجنائز)

Bagian V06/P218–V07/P047

916 الجنازة مشتقة من جنز إذا ستر ذكره بن فارس وغيره والمضارع يجنز بكسر النون والجنازة بكسر الجيم وفتحها والكسر أفصح ويقال بالفتح للميت وبالكسر للنعش عليه ميت ويقال عكسه حكاه صاحب المطالع والجمع جنائز بالفتح لا غير قوله صلى الله عليه وسلم لقنوا موتاكم لا إله إلا الله معناه من حضره الموت والمراد ذكروه لا إله إلا الله لتكون آخر كلامه كما في الحديث من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة والأمر بهذا التلقين أمر ندب وأجمع العلماء على هذا التلقين وكرهوا الاكثار عليه والموالاة لئلا يضجر بضيق حاله وشدة كربه فيكره ذلك بقلبه ويتكلم بما لا يليق قالوا وإذا قاله مرة لا يكرر عليه إلا أن يتكلم بعده بكلام آخر فيعاد التعريض به ليكون آخر كلامه ويتضمن الحديث الحضور عند المحتضر لتذكيره وتأنيسه واغماض عينيه والقيام بحقوقه وهذا مجمع عليه قوله وحدثنا قتيبة حدثنا عبد العزيز الدراوردي وروح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة أخبرنا خالد بن مخلد أخبرنا سليمان بن بلال جميعا بهذا الاسناد هكذا هو في جميع النسخ وهو صحيح قال أبو علي الغساني وغيره معناه عن عمارة بن غزية الذي سبق فيه الاسناد الأول ومعناه روى عنه الدراوردي وسليمان بن بلال وهو كما قاله أبو علي ولو قال مسلم جميعا عن عمارة بن غزية بهذا الاسناد لكان أحسن وأوضح وهو المعروف من عادته في الكتاب لكنه حذفه هنا لوضوحه عند أهل هذه الصنعة 918 قوله صلى الله عليه وسلم ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله عز وجل انا لله وانا إليه راجعون فيه فضيلة هذا القول وفيه دليل للمذهب المختار في الأصول أن المندوب مأمور به لأنه صلى الله عليه وسلم مأمور به مع أن الآية الكريمة تقتضي ندبه واجماع المسلمين منعقد عليه قوله صلى الله عليه وسلم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها قال القاضي أجرني بالقصر والمد حكاهما صاحب الأفعال وقال الأصمعي وأكثر أهل اللغة هو مقصور لا يمد ومعنى أجره الله أعطاه أجره وجزاء صبره وهمه في مصيبته وقوله صلى الله عليه وسلم وأخلف لي هو بقطع الهمزة وكسر اللام قال أهل اللغة يقال لمن ذهب له مال أو ولد أو قريب أو شيء يتوقع حصول مثله أخلف الله عليك أي رد عليك مثله فإن ذهب ما لا يتوقع مثله بأن ذهب والد أو عم أو أخ لمن لا جد له ولا والد له قيل خلف الله عليك بغير ألف أي كان الله خليفة منه عليك وقولها وأنا غيور يقال امرأة غيري وغيور ورجل غيور وغيران قد جاء فعول في صفات المؤنث كثيرا كقولهم امرأة عروس وعروب وضحوك لكثيرة الضحك وعقبة كؤد وأرض صعود وهبوط وحدود وأشباهها قوله صلى الله عليه وسلم وادعو الله أن يذهب بالغيرة هي بفتح الغين ويقال أذهب الله الشيء وذهب به كقوله تعالى ذهب الله بنورهم قوله صلى الله عليه وسلم إلا أجره الله هو بقصر الهمزة ومدها والقصر أفصح وأشهر كما سبق قولها ثم عزم الله لي فقلتها أي خلق في عزما وقد سبق في شرح أول خطبة مسلم أن فعل الله تعالى لا يسمى عزما من حيث أن حقيقة العزم حدوث رأى لم يكن والله منزه عن هذا فتأولوا قول أم سلمة على أن معناه خلق لي أو في عزما 919 قوله صلى الله عليه وسلم إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيرا فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون فيه الندب إلى قول الخير حينئذ من الدعاء والاستغفار له وطلب اللطف به والتخفيف عنه ونحوه وفيه حضور الملائكة حينئذ وتأمينهم 920 قوله صلى الله عليه وسلم وقد شق بصره هو بفتح الشين ورفع بصره وهو فاعل شق هكذا ضبطناه وهو المشهور وضبطه بعضهم بصره بالنصب وهو صحيح أيضا والشين مفتوحة بلا خلاف قال القاضي قال صاحب الأفعال يقال شق بصر الميت بصره ومعناه شخص كما في الرواية الأخرى وقال بن السكيت في الاصلاح والجوهري حكاية عن بن السكيت يقال شق بصر الميت ولا تقل شق الميت بصره وهو الذي حضره الموت وصار ينظر إلى الشيء لا يرتد إليه طرفه قولها فأغمضه دليل على استحباب اغماض الميت وأجمع المسلمون على ذلك قالوا والحكمة فيه أن لا يقبح بمنظره لو ترك اغماضه قوله صلى الله عليه وسلم ان الروح إذا قبض تبعه البصر معناه إذا خرج الروح من الجسد يتبعه البصر ناظرا أين يذهب وفي الروح لغتان التذكير والتأنيث وهذا الحديث دليل للتذكير وفيه دليل لمذهب أصحابنا المتكلمين ومن وافقهم أن الروح أجسام لطيفة متخللة في البدن وتذهب الحياة من الجسد بذهابها وليس عرضا كما قاله آخرون ولا دما كما قاله آخرون وفيها كلام متشعب للمتكلمين قولها ثم قال اللهم اغفر لأبي سلمة إلى آخره فيه استحباب الدعاء للميت عند موته ولأهله وذريته بأمور الآخرة والدنيا قوله صلى الله عليه وسلم واخلفه في عقبه في الغابرين أي الباقين كقوله تعالى إلا امرأته كانت من الغابرين 921 قوله صلى الله عليه وسلم شخص بصره بفتح الخاء أى ارتفع ولم يرتد قوله صلى الله عليه وسلم يتبع بصره نفسه المراد بالنفس هنا الروح قال القاضي وفيه أن الموت ليس بافناء وإعدام وإنما هو انتقال وتغير حال واعدام الجسد دون الروح الا ما استثنى من عجب الذنب قال وفيه حجة لمن يقول الروح والنفس بمعنى 922 قولها غريب وفي أرض غربة معناه أنه من أهل مكة ومات بالمدينة قولها أقبلت امرأة من الصعيد المراد بالصعيد هنا عوالي المدينة وأصل الصعيد ما كان على وجه الأرض قولها تسعدني أي تساعدني في البكاء والنوح 923 قوله صلى الله عليه وسلم ان لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى معناه الحث على الصبر والتسليم لقضاء الله تعالى وتقديره ان هذا الذي أخذ منكم كان له لا لكم فلم يأخذ إلا ما هو له فينبغي أن لا تجزعوا كما لا يجزع من استردت منه وديعة أو عارية وقوله صلى الله عليه وسلم وله ما أعطى معناه أن ما وهبه لكم ليس خارجا عن ملكه بل هو سبحانه وتعالى يفعل فيه ما يشاء وقوله صلى الله عليه وسلم وكل شيء عنده بأجل مسمى معناه اصبروا ولا تجزعوا فإن كل من يأت قد انقضى أجله المسمى فمحال تقدمه أو تأخره عنه فإذا علمتم هذا كله فاصبروا واحتسبوا ما نزل بكم والله أعلم وهذا الحديث من قواعد الاسلام المشتملة على جمل من أصول الدين وفروعه والآداب قوله ونفسه تقعقع كأنها في شنة هو بفتح التاء والقافين والشنة القربة البالية ومعناه لها صوت وحشرجة كصوت الماء إذا ألقى في القربة البالية قوله ففاضت عيناه فقال له سعد ما هذا يا رسول الله قال هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء معناه أن سعدا ظن أن جميع أنواع البكاء حرام وأن دمع العين حرام وظن أن النبي صلى الله عليه وسلم نسي فذكره فأعلمه النبي صلى الله عليه وسلم أن مجرد البكاء ودمع بعين ليس بحرام ولا مكروه بل هو رحمة وفضيلة وإنما المحرم النوح والندب والبكاء المقرون بهما أو بأحدهما كما سيأتي 924 في الأحاديث ان الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا أو يرحم وأشار إلى لسانه وفي الحديث الآخر العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول ما يسخط الله وفي الحديث الآخر ما لم يكن لقع أو لقلقة 924 قوله وجده في غشية هو بفتح الغين وكسر الشين وتشديد الياء قال القاضي هكذا رواية الأكثرين قال وضبطه بعضهم باسكان الشين وتخفيف الياء وفي رواية البخاري في غاشية وكله صحيح وفيه قولان أحدهما من يغشاه من أهله والثاني ما يغشاه من كرب الموت 924 قوله فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود فيه استحباب عيادة المريض وعيادة الفاضل المفضول وعيادة الإمام والقاضي والعالم أتباعه 925 قوله ما علينا نعال ولا خفاف ولا قلانس ولا قمص فيه ما كانت الصحابة رضي الله عنهم من الزهد في الدنيا والتقلل منها واطراح فضولها وعدم الاهتمام بفاخر اللباس ونحوه وفيه جواز المشي حافيا وعيادة الإمام والعالم المريض مع أصحابه 926 قوله صلى الله عليه وسلم الصبر عند الصدمة الأولى وفي الرواية الأخرى إنما الصبر معناه الصبر الكامل الذي يترتب عليه الأجر الجزيل لكثرة المشقة فيه وأصل الصدم الضرب في شيء صلب ثم استعمل مجازا في كل مكروه حصل بغتة قوله أتى على امرأة تبكي على صبي لها فقال لها اتقي الله واصبري فيه الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر مع كل أحد قولها وما تبالي بمصيبتي ثم قالت في آخره لم أعرفك فيه الاعتذار إلى أهل الفضل إذا أساء الإنسان أدبه معهم وفيه صحة قول الإنسان ما أبالي بكذا والرد على من زعم أنه لا يجوز اثبات الباء إنما يقال ما باليت كذا وهذا غلط بل الصواب جواز اثبات الباء وحذفها وقد كثر ذلك في الأحاديث قوله فلم نجد على بابه بوابين فيه ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من التواضع وأنه ينبغي للإمام والقاضي إذا لم يحتج إلى بواب أن لا يتخذه وهكذا قال أصحابنا 927 قوله صلى الله عليه وسلم ان الميت ليعذب ببكاء أهله عليه وفي رواية ببعض بكاء أهله عليه وفي رواية ببكاء الحي وفي رواية يعذب في قبره بما نيح عليه وفي رواية من يبك عليه يعذب وهذه الروايات من رواية عمر بن الخطاب وابنه عبد الله رضي الله عنهما وأنكرت عائشة ونسبتها إلى النسيان والاشتباه عليهما وأنكرت أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك واحتجت بقوله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى قالت وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم في يهودية أنها تعذب وهم يبكون عليها يعني تعذب بكفرها في حال بكاء أهلها لا بسبب البكاء واختلف العلماء في هذه الأحاديث فتأولها الجمهور على من وصى بأن يبكي عليه ويناح بعد موته فنفذت وصيته فهذا يعذب ببكاء أهله عليه ونوحهم لأنه بسببه ومنسوب إليه قالوا فأما من بكى عليه أهله وناحوا من غير وصية منه فلا يعذب لقول الله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى قالوا وكان من عادة العرب الوصية بذلك ومنه قول طرفة بن العبد إذا مت فانعيني بما أنا أهله وشقي على الجيب يا ابنة معبد ( قالوا فخرج الحديث مطلقا حملا على ما كان معتادا لهم وقالت طائفة هو محمول على من أوصى بالبكاء والنوح أو لم يوص بتركهما فمن أوصى بهما أو أهمل الوصية بتركهما يعذب بهما لتفريطه بإهمال الوصية بتركهما فأما من وصى بتركهما فلا يعذب بهما إذ لا صنع له فيهما ولا تفريط منه وحاصل هذا القول إيجاب الوصية بتركهما ومن أهملهما عذب بهما وقالت طائفة معنى الأحاديث أنهم كانوا ينوحون على الميت ويندبونه بتعديد شمائله ومحاسنه في زعمهم وتلك الشمائل قبائح في الشرع يعذب بها كما كانوا يقولون يا مؤيد النسوان ومؤتم الولدان ومخرب العمران ومفرق الأخدان ونحو ذلك مما يرونه شجاعة وفخرا وهو حرام شرعا وقالت طائفة معناه أنه يعذب بسماعه بكاء أهله ويرق لهم وإلى هذا ذهب محمد بن جرير الطبري وغيره وقال القاضي عياض وهو أولى الأقوال واحتجوا بحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم زجر امرأة عن البكاء على أبيها وقال ان أحدكم إذا بكى استعبر له صويحبه فيا عباد الله لا تعذبوا اخوانكم وقالت عائشة رضي الله عنها معنى الحديث أن الكافر أو غيره من أصحاب الذنوب يعذب في حال بكاء أهله عليه بذنبه لا ببكائهم والصحيح من هذه الأقوال ما قدمناه عن الجمهور وأجمعوا كلهم على اختلاف مذاهبهم على أن المراد بالبكاء هنا البكاء بصوت ونياحة لا مجرد دمع العين قوله ص في حديث محمد بن بشار يعذب في قبره بما نيح عليه وما نيح عليه ) باثبات الباء وحذفها وهما صحيحان وفي رواية باثبات في قبره وفي رواية بحذفه قوله فقام بحياله يبكي أي حذاءه وعنده قوله صلى الله عليه وسلم من يبكي عليه يعذب هكذا هو في الأصول يبكي بالياء وهو صحيح ويكون من بمعنى الذي ويجوز على لغة أن تكون شرطية وتثبيت الياء ومنه قول الشاعر ألم يأتيك والأنباء تنمى ( قوله فذكرت ذلك لموسى بن طلحة القائل فذكرت ذلك هو عبد الملك بن عمير قوله عولت عليه حفصة فقال يا حفصة أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول المعول عليه يعذب قال محققو أهل اللغة ) يقال عول عليه وأعول لغتان وهو البكاء بصوت وقال بعضهم لا يقال الا أعول وهذا الحديث يرد عليه 928 قوله عن بن أبي مليكة كنت جالسا إلى جنب بن عمر ونحن ننتظر جنازة أم أبان ابنة عثمان وعنده عمرو بن عثمان فجاء بن عباس يقوده قائد فأراه أخبره بمكان بن عمر فجاء حتى جلس إلى جنبي فكنت بينهما فيه دليل لجواز الجلوس والاجتماع لانتظار الجنازة واستحبابه وأما جلوسه بين بن عمر وبن عباس وهما أفضل بالصحبة والعلم والفضل والصلاح والنسب والسن وغير ذلك مع أن الأدب أن المفضول لا يجلس بين الفاضلين الا لعذر فمحمول على عذر إما لأن ذلك الموضع أرفق بابن عباس واما لغير ذلك قوله عن بن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ان الميت ليعذب ببكاء أهله فأرسلها عبد الله مرسلة معناه أن بن عمر أطلق في روايته تعذيب الميت ببكاء الحي ولم يقيده بيهودي كما قيدته عائشة ولا بوصية كما قيده آخرون ولا قال ببعض بكاء أهله كما رواه أبوه عمر 929 قوله عن عائشة فقالت لا والله ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم قط ان الميت يعذب ببكاء أحد في هذه جواز الحلف بغلبة الظن بقرائن وان لم يقطع الإنسان وهذا مذهبنا ومن هذا قالوا له الحلف بدين رآه بخط أبيه الميت على فلان إذا ظنه فإن قيل فلعل عائشة لم تحلف على ظن بل على علم وتكون سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم في آخر أجزاء حياته قلنا هذا بعيد من وجهين أحدهما أن عمر وبن عمر سمعاه صلى الله عليه وسلم يقول فيعذب ببكاء أهله والثاني لو كان كذلك لاحتجت به عائشة وقالت سمعته في آخر حياته صلى الله عليه وسلم ولم تحتج به إنما احتجت بالآية والله أعلم 932 قولها وهل هو بفتح الواو وكسر الهاء وفتحها أي غلط ونسي وأما قولها في انكارها سماع الموتى فسيأتي بسط الكلام فيه في آخر الكتاب حيث ذكر مسلم أحاديثه 934 قوله صلى الله عليه وسلم والاستسقاء بالنجوم قد سبق بيانه في كتاب الإيمان في حديث مطرنا بنوء كذا قوله صلى الله عليه وسلم النائحة إذا لم تتب قبل موتها إلى آخره فيه دليل على تحريم النياحة وهو مجمع عليه وفيه صحة التوبة ما لم يمت المكلف ولم يصل إلى الغرغرة 935 قولها أنظر من صائر الباب شق الباب هكذا هو في روايات البخاري ومسلم صائر الباب شق الباب وشق الباب تفسير للصائر وهو بفتح الشين وقال بعضهم لا يقال صائر وإنما يقال صير بكسر الصاد واسكان الياء قوله صلى الله عليه وسلم اذهب فاحث في أفواههن من التراب هو بضم الثاء وكسرها يقال حثا يحثو وحثى يحثى لغتان وأمره صلى الله عليه وسلم بذلك مبالغة في انكار البكاء عليهم ومنعهن منه ثم تأوله بعضهم على أنه كان بكاء بنوح وصياح ولهذا تأكد النهى ولو كان مجرد دمع العين لم ينه عنه لأنه صلى الله عليه وسلم فعله وأخبر أنه ليس بحرام وأنه رحمة وتأوله بعضهم على أنه كان بكاء من غير نياحة ولا صوت قال ويبعد أن الصحابيات يتمادين بعد تكرار نهيهن على محرم وإنما كان بكاء مجردا والنهي عنه تنزيه وأدب لا للتحريم فلهذا أصررن عليه متأولات قوله أرغم الله أنفك والله ما تفعل ما أمرك رسول الله صلى الله عليه وسلم وما تركت رسول الله صلى الله عليه وسلم من العناء معناه أنك قاصر لا تقوم بما أمرت به من الإنكار لنقصك وتقصيرك ولا تخبر النبي صلى الله عليه وسلم بقصورك عن ذلك حتى يرسل غيرك ويستريح من العناء والعناء بالمد المشقة والتعب وقولهم أرغم الله أنفه أي ألصقه بالرغام وهو التراب وهو اشارة إلى اذلاله واهانته قوله وفي حديث عبد العزيز وما تركت رسول الله صلى الله عليه وسلم من العي هكذا هو معظم نسخ بلادنا هنا العي بكسر العين المهملة أي التعب وهو بمعنى العناء السابق في الرواية الأولى قال القاضي ووقع عند بعضهم الغي بالمعجمة وهو تصحيف قال ووقع عند أكثرهم العناء بالمد وهو الذي نسبه إلى الأكثرين خلاف سياق مسلم لأن مسلما روى الأول العناء ثم روى الرواية الثانية وقال إنها بنحو الأولى إلا في هذا اللفظ فيتعين أن يكون خلافه 936 قولها أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع البيعة أن لا ننوح وفي الرواية الأخرى في البيعة فيه تحريم النوح وعظيم قبحه والاهتمام بانكاره والزجر عنه لأنه مهيج للحزن ورافع للصبر وفيه مخالفة التسليم للقضاء والاذعان لأمر الله تعالى قولها فما وفت منا امرأة الا خمس قال القاضي معناه لم يف ممن بايع مع أم عطية في الوقت الذي بايعت فيه من النسوة الا خمس لا أنه لم يترك النياحة من المسلمات غير خمس قوله عن أم عطية حين نهين عن النياحة فقلت يا رسول الله إلا آل فلان هذا محمول على الترخيص لأم عطية في آل فلان خاصة كما هو ظاهر ولا تحل النياحة لغيرها ولا لها في غير آل فلان كما هو صريح في الحديث وللشارع أن يخص من العموم ما شاء فهذا صواب الحكم في هذا الحديث واستشكل القاضي عياض وغيره هذا الحديث وقالوا فيه أقوالا عجيبة ومقصودي التحذير من الاغترار بها حتى ان بعض المالكية قال النياحة ليست بحرام بهذا الحديث وقصة نساء جعفر قال وإنما المحرم ما كان معه شيء من أفعال الجاهلية كشق الجيوب وخمش الخدود ودعوى الجاهلية والصواب ما ذكرناه أولا وأن النياحة حرام مطلقا وهو مذهب العلماء كافة وليس فيما قاله هذا القائل دليل صحيح لما ذكره والله أعلم 938 قوله ( عن أم عطية نهينا عن اتباع الجنائز ولا يعزم علينا ) معناه نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك نهى كراهة تنزيه لا نهى عزيمة تحريم ومذهب أصحابنا أنه مكروه ليس بحرام لهذا الحديث قال القاضي قال جمهور العلماء بمنعهن من اتباعها وأجازه علماء المدينة وأجازه مالك وكرهه للشابة قوله صلى الله عليه وسلم 939 ( اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك ) وفي رواية ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو اكثر من ذلك ان رأيتن ذلك وفي رواية اغسلنها وترا ثلاثا أو خمسا وفي رواية اغسلنها وترا خمسا أو أكثر هذه الروايات متفقة في المعنى وان اختلفت ألفاظها والمراد اغسلنها وترا وليكن ثلاثا فان احتجتن إلى زيادة عليها للانقاء فليكن خمسا فان احتجتن إلى زيادة الانقاء فليكن سبعا وهكذا أبدا وحاصله أن الايتار مأمور به والثلاث مأمور بها ندبا فان حصل الانقاء بثلاث لم تشرع الرابعة والا زيد حتى يحصل الانقاء ويندب كونها وترا وأصل غسل الميت فرض كفاية وكذلك حمله وكفنه والصلاة عليه ودفنه كلها فروض كفاية والواجب في الغسل مرة واحدة عامة للبدن هذا مختصر الكلام فيه وقوله صلى الله عليه وسلم ( ان رأيتن ذلك ) بكسر الكاف خطاب لأم عطية ومعناه ان احتجتن وليس معناه التخيير وتفويض ذلك إلى شهوتهن وكانت أم عطية غاسلة للميتات وكانت من فاضلات الصحابيات الضارية واسمها نسيبة بضم النون وقيل بفتحها وأما بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه التي غسلتها فهي زينب رضي الله عنها هكذا قاله الجمهور قال القاضي عياض وقال بعض أهل السير انها أم كلثوم والصواب زينب كما صرح به مسلم في روايته التي بعد هذه قوله صلى الله عليه وسلم ( بماء وسدر ) فيه دليل على استحباب السدر في غسل الميت وهو متفق على استحبابه ويكون في المرة الواجبة وقيل يجوز فيهما قوله صلى الله عليه وسلم ( واجعلن في الآخرة كافورا أو شيئا من كافور ) فيه استحباب شيء من الكافور في الأخيرة وهو متفق عليه عندنا وبه قال مالك وأحمد وجمهور العلماء وقال أبو حنيفة لا يستحب وحجة الجمهور هذا الحديث ولأنه يطيب الميت ويصلب بدنه ويبرده ويمنع اسراع فساده أو يتضمن اكرامه قولها ( فألقى الينا حقوه فقال أشعرنها اياه ) هو بكسر الحاء وفتحها لغتان يعنى ازاره وأصل الحقو معقد الازار وجمعه أحق وحقى وسمى به الازار مجازا لأنه يشد فيه ومعنى أشعرنها اياه اجعلنه شعارا لها وهو الثوب الذي يلي الجسد سمى شعارا لانه يلي شعر الجسد والحكمة في اشعارها به تبريكها به ففيه التبرك بآثار الصالحين ولباسهم وفيه جواز تكفين المرأة في ثوب الرجل قولها ( فمشطناها ثلاثة قرون ) أي ثلاث ضفائر جعلنا قرنيها ضفيرتين وناصيتها ضفيرة كما جاء مبينا في غير هذه الرواية ومشطناها بتخفيف الشين فيه استحباب مشط رأس الميت وضفره وبه قال الشافعي وأحمد واسحاق وقال الأوزاعي والكوفيون لا يستحب المشط ولا الضفر بل يرسل الشعر على جانبيها مفرقا ودليلنا عليه الحديث والظاهر اطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك واستئذانه فيه كما في باقي صفة غلسها قوله صلى الله عليه وسلم اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك وفي رواية ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك وفي رواية اغسلنها وترا ثلاثا أو خمسا وفي رواية اغسلنها وترا خمسا أو أكثر هذه الروايات متفقة في المعنى وإن اختلفت ألفاظها والمراد اغسلنها وترا وليكن ثلاثا فإن احتجتن إلى زيادة عليها للإنقاء فليكن خمسا فإن احتجتن إلى زيادة الإنقاء فليكن سبعا وهكذا أبدا وحاصله أن الإيتار مأمور به والثلاث مأمور بها ندبا فإن حصل الإنقاء بثلاث لم تشرع الرابعة وإلا زيد حتى يحصل الإنقاء ويندب كونها وترا وأصل غسل الميت فرض كفاية وكذا حمله وكفنه والصلاة عليه ودفنه كلها فروض كفاية والواجب في الغسل مرة واحدة عامة للبدن هذا مختصر الكلام فيه قوله صلى الله عليه وسلم ( ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها ) فيه استحباب تقديم الميامن في غسل الميت وسائر الطهارات ويلحق بها أنواع الفضائل والاحاديث في هذا المعنى كثيرة في الصحيح مشهورة وفيه استحباب وضوء الميت وهو مذهبنا ومذهب مالك والجمهور وقال أبو حنيفة لا يستحب ويكون الوضوء عندنا في أول الغسل كما في وضوء الجنب وفي حديث أم عطية هذا دليل لأصح الوجهين عندنا أن النساء أحق بغسل الميتة من زوجها وقد تمنع دلالته حتى يتحقق أن زوج زينب كان حاضرا في وقت وفاتها لا مانع له من غسلها وأنه لم يفوض الأمر إلى النسوة ومذهبنا ومذهب الجمهور أن له غسل زوجته وقال الشعبي والثوري وأبو حنيفة لا يجوز له غسلها وأجمعوا أن لها غسل زوجها واستدل بعضهم بهذا الحديث على أنه لا يجب الغسل على من غسل ميتا ووجه الدلالة أنه موضع تعليم فلو وجب لعلمه ومذهبنا ومذهب الجمهور أنه لا يجب الغسل من غسل الميت لكن يستحب قال الخطابي لا أعلم أحدا قال بوجوبه وأوجب أحمد وإسحاق الوضوء منه والجمهور على استحبابه ولنا وجه شاذ أنه واجب وليس بشيء والحديث المروى فيه من رواية أبي هريرة من غسل ميتا فليغتسل ومن مسه فليتوضأ ضعيف بالاتفاق قوله 940 ( فوجب أجرنا على الله ) معناه وجوب انجاز وعد بالشرع لا وجوب بالعقل كما تزعمه المعتزله وهو نحو ما في الحديث حق العباد على الله وقد سبق شرحه في كتاب الايمان قوله فمنا من مضى لم يأكل من أجره شيئا معناه لم يوسع عليه في الدنيا ولم يعجل له شيء من جزاء عمله قوله ( فلم يوجد له شيء يكفن فيه الا نمرة ) هي كساء وفيه دليل على أن الكفن من رأس المال وأنه مقدم على الديون لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتكفينه في نمرته ولم يسأل هل عليه دين مستغرق أم لا ولا يبعد من حال من لا يكون عنده الا نمرة أن يكون عليه دين واستثنى أصحابنا من الديون الدين المتعلق بعين المال فيقدم على الكفن وذلك كالعبد الجاني والمرهون والمال الذي تعلقت به زكاة أو حق بائعه بالرجوع بافلاس ونحو ذلك قوله صلى الله عليه وسلم ( ضعوها مما يلي رأسه واجعلوا على رجليه من الاذخر ) هو بكسر الهمزة والخاء وهو حشيش معروف طيب الرائحة وفيه دليل على أنه اذا ضاق الكفن عن ستر جميع البدن ولم يوجد غيره جعل مما يلي الرأس وجعل النقص مما يلي الرجلين ويستر الرأس فان ضاق عن ذلك سترت العورة فان فضل شيء جعل فوقها فان ضاق عن العورة سترت السوأتان لأنهما أهم وهما الأصل في العورة وقد يستدل بهذا الحديث على أن الواجب في الكفن ستر العورة فقط ولا يجب استيعاب البدن عند التمكن فإن قيل لم يكونوا متمكنين من جميع البدن لقوله لم يوجد له غيرها فجوابه أن معناه لم يوجد مما يملك الميت الا نمرة ولو كان ستر جميع البدن واجبا لوجب على المسلمين الحاضرين تتميمه ان لم يكن له قريب تلزمه نفقته فان كان وجب عليه فان قيل كانوا عاجزين عن ذلك لأن القضية جرت يوم أحد وقد كثرت القتلى من المسلمين واشتغلوا بهم وبالخوف من العدو وغير ذلك فجوابه أنه يبعد من حال الحاضرين المتولين دفنه أن لا يكون مع واحد منهم قطعة من ثوب ونحوها والله أعلم قوله ( منا من أينعت له ثمرته ) أي أدركت ونضجت قوله ( فهو يهدبها ) هو بفتح أوله وبضم الدال وكسرها أي يجتنيها يقال ينع الثمر وأينع ينعا وينوعا فهو يانع وهدبها يهدبها اذا جناها وهذا استعارة لما فتح عليهم من الدنيا 941 قولها ( كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاث أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة ) السحولية بفتح السين وضمها والفتح أشهر وهو رواية الأكثرين قال بن الأعرابي وغيره هي ثياب بيض نقية لا تكون الا من القطن وقال بن قتيبه ثياب بيض ولم يخصها بالقطن وقال آخرون هي منسوبة إلى سحول قرية باليمن تعمل فيها وقال الأزهري السحولية بالفتح منسوبة إلى سحول مدينة باليمن يحمل منها هذه الثياب وبالضم ثياب بيض وقيل ان القرية ايضا بالضم حكاه بن الأثير في النهاية في هذا الحديث وحديث مصعب بن عمير السابق وغيرهما وجوب تكفين الميت وهو اجماع المسلمين ويجب في ماله فان لم يكن له مال فعلى من عليه نفقته فان لم يكن ففي بيت المال فان لم يكن وجب على المسلمين يوزعه الامام على أهل اليسار وعلى ما يراه وفيه أن السنة في الكفن ثلاثة أثواب للرجل وهو مذهبنا ومذهب الجماهير والواجب ثوب واحد كما سبق والمستحب في المرأة خمسة أثواب ويجوز أن يكفن الرجل في خمسة لكن المستحب أن لا يتجاوز الثلاثة وأما الزيادة على خمسة فاسراف في حق الرجل والمرأة قولها ( بيض ) دليل لاستحباب التكفين في الأبيض وهو مجمع عليه وفي الحديث الصحيح في الثياب البيض وكفنوا فيها موتاكم ويكره المصبغات ونحوها من ثياب الزينة وأما الحرير فقال أصحابنا يحرم تكفين الرجل فيه ويجوز تكفين المرأة فيه مع الكراهة وكره مالك وعامة العلماء التكفين في الحرير مطلقا قال بن المنذر ولا أحفظ خلافه وقولها ليس فيها قميص ولا عمامة معناه لم يكفن في قميص ولاعمامة وانما كفن في ثلاثة أثواب غيرهما ولم يكن مع الثلاثة شيء آخر هكذا فسره الشافعي وجمهور العلماء وهو الصواب الذي يقتضيه ظاهر الحديث قالوا ويستحب أن لا يكون في الكفن قميص ولا عمامة وقال مالك وأبو حنيفة يستحب قميص وعمامة وتأولوا الحديث على أن معناه ليس القميص والعمامة من جملة الثلاثة وانما هما زائدان عليهما وهذا ضعيف فلم يثبت أنه صلى الله عليه وسلم كفن في قميص وعمامة وهذا الحديث يتضمن أن القميص الذي غسل فيه النبي صلى الله عليه وسلم نزع عنه عند تكفينه وهذا هو الصواب الذي لا يتجه غيره لأنه لو بقى مع رطوبته لأفسد الأكفان وأما الحديث الذي في سنن أبي داود عن بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب الحلة ثوبان وقميصه الذي توفى فيه فحديث ضعيف لا يصح الاحتجاج به لأن يزيد بن أبي زياد أحد رواته مجمع على ضعفه لا سيما وقد خالف بروايته الثقاة قوله ( من كرسف ) هو القطن وفيه دليل على استحباب كفن القطن قولها ( اما الحلة فانما شبة على الناس فيها ) هو بضم الشين وكسر الباء المشددة ومعناه اشتبه عليهم قال اهل اللغة ولا تكون الحلة الا ثوبين ازارا ورداء قولها ( حلة يمنية كانت لعبد الله بن ابى بكر ) ضبطت هذه اللفظة فى مسلم على ثلاثة اوجه حكاها القاضي وهى موجودة فى النسخ احدها يمنية بفتح اوله منسوبة إلى اليمن والثانى يمانية منسوبة إلى اليمن ايضا والثالث يمنة بضم الياء واسكان الميم وهو اشهر قال القاضي وغيره وهى على هذا مضافة حلة يمنة قال الخليل هي ضرب من برود اليمن قولها ( وكفن فى ثلاثة اثواب سحول يمانية ) هكذا هو في جميع الاصول سحول اما يمانية فبتخفيف الياء على اللغة الفصيحة المشهورة وحكى سيبويه والجوهرى وغيرهما لغة فى تشديدها ووجه الاول ان الالف بدل ياء النسب فلا يجتمعان بل يقال يمنية أو يمانية بالتخفيف وأما قوله سحول فبضم السين وفتحها والضم أشهر والسحول بضم السين جمع سحل وهو ثوب القطن 942 قولها ( سجى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مات بثوب حبرة ) معناه غطى جميع بدنه والحبرة بكسر الحاء وفتح الباء الموحدة وهي ضرب من برود اليمن وفيه استحباب تسجية الميت وهو مجمع عليه وحكمته صيانته من الانكشاف وستر عورته المتغيرة عن الأعين قال أصحابنا ويلف طرف الثوب المسجى به تحت رأسه وطرفه الآخر تحت رجليه لئلا ينكشف عنه قالوا تكون التسجية بعد نزع ثيابه التي توفى فيها لئلا يتغير بدنه بسببها 943 قوله ( أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يوما فذكر رجلا من أصحابه قبض فكفن في كفن غير طائل وقبر ليلا فزجر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه الا أن يضطر انسان إلى ذلك وقال النبي صلى الله عليه وسلم اذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه ) قوله غير طائل أي حقير غير كامل الستر وقوله صلى الله عليه وسلم حتى يصلى عليه هو بفتح اللام وأما النهى عن القبر ليلا حتى يصلى عليه فقيل سببه أن الدفن نهارا يحضره كثيرون من الناس ويصلون عليه ولا يحضره في الليل الا أفراد وقيل لأنهم كانوا يفعلون ذلك بالليل لرداءه الكفن فلا يبين في الليل ويؤيده أول الحديث وآخره قال القاضي العلتان صحيحتان قال والظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم قصدهما معا قال وقد قيل هذا قوله صلى الله عليه وسلم ( الا أن يضطر انسان إلى ذلك ) دليل أنه لا بأس به في وقت الضرورة وقد اختلف العلماء في الدفن في الليل فكرهه الحسن البصري الا لضرورة وهذا الحديث مما يستدل له به وقال جماهير العلماء من السلف والخلف لا يكره واستدلوا بأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه وجماعة من السلف دفنوا ليلا من غير انكار وبحديث المرأة السوداء والرجل الذي كان يقم المسجد فتوفي بالليل فدفنوه ليلا وسألهم النبي صلى الله عليه وسلم عنه فقالوا توفي ليلا فدفناه في الليل فقال ألا آذنتموني قالوا كانت ظلمة ولم ينكر عليهم وأجابوا عن هذا الحديث أن النهي كان لترك الصلاة ولم ينه عن مجرد الدفن بالليل وانما نهى لترك الصلاة أو لقلة المصلين أو عن اساءة الكفن أو عن المجموع كما سبق وأما الدفن في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها والصلاة على الميت فيها فاختلف العلماء فيها فقال الشافعي وأصحابه لا يكرهان الا أن يتعمد التأخير إلى ذلك الوقت لغير سبب به قال بن عبد الحكم المالكي وقال مالك لا يصلى عليها بعد الاسفار والاصفرار حتى تطلع الشمس أو تغيب الا أن يخشى عليها وقال أبو حنيفة عند الطلوع والغروب ونصف النهار وكره الليث الصلاة عليها في جميع أوقات النهي وفي الحديث الأمر باحسان الكفن قال العلماء وليس المراد باحسانه السرف فيه والمغالاة ونفاسته وانما المراد نظافته ونقاؤه وكثافته وسترة وتوسطه وكونه من جنس لباسه في الحياة غالبا لا أفخر منه ولا أحقر وقوله ( فليحسن كفنه ) ضبطوه بوجهين فتح الفاء واسكانها وكلاهما صحيح قال القاضي والفتح أصوب وأظهر وأقرب إلى لفظ الحديث 944 قوله صلى الله عليه وسلم ( أسرعوا بالجنازة ) فيه الأمر بالاسراع للحكمة التي ذكرها صلى الله عليه وسلم قال أصحابنا وغيرهم يستحب الاسراع بالمشي بها ما لم ينته إلى حد يخاف انفجارها ونحوه وانما يستحب بشرط أن لا يخاف من شدته انفجارها أو نحوه وحمل الجنازة فرض كفاية قال أصحابنا ولا يجوز حملها على الهيئة المزرية ولا هيئة يخاف معها سقوطها قالوا ولا يحملها الا الرجال وان كانت الميتة امرأة لأنهم أقوى لذلك والنساء ضعيفات وربما انكشف من الحامل بعض بدنه وهذا الذي ذكرناه من استحباب الاسراع بالمشي بها وأنه مراد الحديث هو الصواب الذي عليه جماهير العلماء ونقل القاضي عن بعضهم أن المراد الاسراع بتجهيزها اذا استحق موتها وهذا قول باطل مردود بقوله صلى الله عليه وسلم فشر تضعونه عن رقابكم وجاء عن بعض السلف كراهة الاسراع وهو محمول على الاسراع المفرط الذي يخاف معه انفجارها أو خروج شيء منها قوله صلى الله عليه وسلم ( فشر تضعونه عن رقابكم ) معناه أنها بعيدة من الرحمة فلا مصلحة لكم في مصاحبتها ويؤخذ منه ترك صحبة أهل البطالة غير الصالحين 945 قوله صلى الله عليه وسلم ( من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط ومن شهدها حتى تدفن ) فيه الحث على الصلاة على الجنازة واتباعها ومصاحبتها حتى تدفن وقوله صلى الله عليه وسلم ( من شهدها حتى تدفن فله قيراطان ) معناه بالأول فيحصل بالصلاة قيراط وبالاتباع مع حضور الدفن قيراط آخر فيكون الجميع قيراطين تبينه رواية البخاري في أول صحيحه في كتاب الايمان من شهد جنازة وكان معها حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها رجع من الاجر بقيراطين فهذا صريح في أن المجموع بالصلاة والاتباع وحضور الدفن قيراطان وقد سبق بيان هذه المسألة ونظائرها والدلائل عليها في مواقيت الصلاة في حديث من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل ومن صلى الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله وفي رواية البخارى هذه مع رواية مسلم التي ذكرها بعد هذا من حديث عبد الاعلى حتى يفرغ منها دليل على أن القيراط الثاني لا يحصل الا لمن دام معها من حين صلى إلى أن فرغ وقتها وهذا هو الصحيح عند أصحابنا وقال بعض أصحابنا يحصل القيراط الثاني اذا ستر الميت في القبر باللبن وان لم يلق عليه التراب والصواب الاول وقد يستدل بلفظ الاتباع في هذا الحديث وغيره من يقول المشي وراء الجنازة أفضل من أمامها وهو قول علي بن أبي طالب ومذهب الاوزاعي وأبي حنيفة وقال جمهور الصحابة والتابعين ومالك والشافعي وجماهير العلماء المشي قدامها أفضل وقال الثوري وطائفة هما سواء قال القاضي وفي اطلاق هذا الحديث وغيره اشارة إلى أنه لا يحتاج المنصرف عن اتباع الجنازة بعد دفنها إلى استئذان وهو مذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وهو المشهور عن مالك وحكى بن عبد الحكم عنه أنه لاينصرف الا بإذن وهو قول جماعة من الصحابة قوله ( قيل وما القيراطان قال مثل الجبلين العظيمين ) القيراط مقدار من الثواب معلوم عند الله تعالى وهذا الحديث يدل على عظم مقداره في هذا الموضع ولا يلزم من هذا أن يكون هذا هو القيراط المذكور فيمن اقتنى كلبا الا كلب صيد أو زرع أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراط وفي روايات قيراطان بل ذلك قدر معلوم ويجوز أن يكون مثل هذا وأقل وأكثر قوله ( عن بن عمر لقد ضيعنا قراريط كثيرة ) هكذا ضبطناه وفي كثير من الأصول أو أكثرها ضيعنا في قراريط بزيادة في والأول هو الظاهر والثاني صحيح على أن ضيعنا بمعنى فرطنا كما في الرواية الأخرى وفيه ما كان الصحابة عليه من الرغبة في الطاعات حين يبلغهم والتأسف على ما يفوتهم منها وان كانوا لا يعلمون عظم موقعه قوله ( وفي حديث عبد الأعلى حتى يفرغ منها ) ضبطناه بضم الياء وفتح الراء عكسه والأول أحسن وأعم وفيه دليل لمن يقول القيراط الثاني لا يحصل الا بفراغ الدفن كما سبق بيانه وقوله في حديث عبد الرزاق ( حتى توضع في اللحد ) وفي رواية بعده حتى توضع في القبر فيه دليل لمن يقول يحصل القيراط الثاني بمجرد الوضع في اللحد وان لم يلق عليه التراب وقد سبق أن الصحيح أنه لا يحصل الا بالفراغ من اهالة التراب لظاهر الروايات الأخرى حتى يفرغ منها تتأول هذه الرواية على أن المراد يوضع في اللحد ويفرغ منه ويكون المراد الاشارة إلى أنه لا يرجع قبل وصولها القبر قوله ( فقال بن عمر أكثر علينا أبو هريرة ) معناه أنه خاف لكثرة رواياته أنه اشتبه عليه الامر في ذلك واختلط عليه حديث بحديث لا أنه نسبه إلى رواية ما لم يسمع لان مرتبة بن عمر وأبى هريرة أجل من هذا قوله ( عبد الله بن قسيط ) هو بضم القاف وفتح السين المهملة واسكان الياء قوله ( وأخذ بن عمر قبضة من حصباء المسجد يقلبها في يده ) وقال في آخره ( فضرب بن عمر بالحصى الذي كان في يده الأرض ) هكذا ضبطناه الأول حصباء بالباء والثاني بالحصى مقصور جمع حصاة وهكذا هو في معظم الأصول وفي بعضها عكسه وكلاهما صحيح والحصباء هو الحصى وفيه أنه لا بأس بمثل هذا الفعل وانما بعث بن عمر إلى عائشة يسألها بعد اخبار أبي هريرة لانه خاف على أبي هريرة النسيان والاشتباه كما قدمنا بيانه فلما وافقته عائشة علم أنه حفظ وأتقن 947 قوله صلى الله عليه وسلم ( ما من ميت يصلى عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له الا شفعوا فيه ) وفي رواية ما من رجل يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا الا شفعهم الله فيه وفي حديث آخر ثلاثة صفوف رواه أصحاب السنن قال القاضي قيل هذه الأحاديث خرجت أجوبة لسائلين سألوا عن ذلك فأجاب كل واحد منهم عن سؤاله هذا كلام القاضي ويحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بقبول شفاعة مائة فأخبر به ثم بقبول شفاعة أربعين ثم ثلاث صفوف وان قل عددهم فأخبر به ويحتمل أيضا أن يقال هذا مفهوم عدد ولا يحتج به جماهير الاصوليين فلا يلزم من الاخبار عن قبول شفاعة مائة منع قبول ما دون ذلك وكذا في الأربعين مع ثلاثة صفوف وحينئذ كل الأحاديث معمول بها ويحصل الشفاعة بأقل الأمرين من ثلاثة صفوف وأربعين قوله ( فحدثت به شعيب بن الحبحاب فقال حدثنى به أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم ) القائل فحدثت به هو سلام بن أبي مطيع الراوي أولا عن أيوب هكذا بينه النسائي في روايته وهذا الحديث ما من ميت تصلى عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة قال القاضي عياض رواه سعيد بن منصور موقوفا على عائشة فأشار إلى تعليله بذلك وليس معللا لأن من رفعه ثقة وزيادة الثقة مقبولة وقد قدمنا بيان هذه القاعدة في الفصول في مقدمة الكتاب ثم في مواضع 948 قوله ( مر بجنازة فاثني عليها خيرا فقال النبي صلى الله عليه وسلم وجبت وجبت وجبت ومر بجنازة فأثني عليها شرا فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم وجبت وجبت وجبت فقال عمر رضي الله عنه فدى لك أبي وأمي مر بجنازة فأثني عليها خيرا فقلت وجبت وجبت وجبت ومر بجنازة فأثني عليها شرا فقلت وجبت وجبت وجبت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار أنتم شهداء الله في الأرض أنتم شهداء الله في الأرض أنتم شهداء الله في الأرض ) هكذا وقع هذا الحديث في الأصول وجبت وجبت وجبت ثلاث مرات في المواضع الأربعة وأنتم شهداء الله في الأرض ثلاث مرات 949 وقوله في أوله ( فأثني عليها خيرا فأثني عليها شرا ) هكذا هو في بعض الأصول خيرا وشرا بالنصب وهو منصوب باسقاط الجار أي فأثني بخير وبشر وفي بعضها مرفوع وفي هذا الحديث استحباب توكيد الكلام المهتم بتكراره ليحفظ وليكون أبلغ وأما معناه ففيه قولان للعلماء أحدهما أن هذا الثناء بالخير لمن أثنى عليه أهل الفضل فكان ثناؤهم مطابقا لأفعاله فيكون من أهل الجنة فان لم يكن كذلك فليس هو مرادا بالحديث والثاني وهو الصحيح المختار أنه على عمومه واطلاقه وأن كل مسلم مات فألهم الله تعالى الناس أو معظمهم الثناء عليه كان ذلك دليلا على أنه من أهل الجنة سواء كانت أفعاله تقتضى ذلك أم لا وان لم تكن أفعاله تقتضيه فلا تحتم عليه العقوبة بل هو في خطر المشيئة فاذا ألهم الله عز وجل الناس الثناء عليه استدللنا بذلك على أنه سبحانه وتعالى قد شاء المغفرة له وبهذا تظهر فائدة الثناء وقوله صلى الله عليه وسلم ( وجبت وأنتم شهداء الله ) ولو كان لا ينفعه ذلك الا أن تكون أعماله تقتضيه لم يكن للثناء فائدة وقد أثبت النبي صلى الله عليه وسلم له فائدة فان قيل كيف مكنوا بالثناء بالشر مع الحديث الصحيح في البخاري وغيره في النهي عن سب الأموات فالجواب أن النهي عن سب الأموات هو في غير المنافق وسائر الكفار وفي غير المتظاهر بفسق أو بدعة فأما هؤلاء فلا يحرم ذكرهم بشر للتحذير من طريقتهم ومن الاقتداء بآثارهم والتخلق بأخلاقهم وهذا الحديث محمول على أن الذي أثنوا عليه شرا كان مشهورا بنفاق أو نحوه مما ذكرنا هذا هو الصواب في الجواب عنه وفي الجمع بينه وبين النهي عن السب وقد بسطت معناه بدلائله في كتاب الأذكار قوله ( فأثني عليها شرا ) قال أهل اللغة الثناء بتقديم الثاء وبالمد يستعمل في الخير ولا يستعمل في الشر هذا هو المشهور وفيه لغة شاذة أنه يستعمل في الشر ايضا وأما النثا بتقديم النون وبالقصر فيستعمل في الشر خاصة وانما استعمل الثناء الممدود هنا في الشر مجازا لتجانس الكلام كقوله تعالى وجزاء سيئة سيئة ومكروا ومكر الله قوله ( فدى لك ) مقصور بفتح الفاء وكسرها 950 قوله ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر عليه بجنازة فقال مستريح ومستراح ثم فسره بأن المؤمن يستريح من نصب الدنيا والفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب ) معنى الحديث أن الموتى قسمان مستريح ومستراح منه ونصب الدنيا تعبها وأما استراحة العباد من الفاجر معناه اندفاع أذاه عنهم وأذاه يكون من وجوه منها ظلمه لهم ومنها ارتكابه للمنكرات فان أنكروها قاسوا مشقة من ذلك وربما نالهم ضرره وان سكتوا عنه أثموا واستراحة الدواب منه كذلك لأنه كان يؤذيها ويضربها ويحملها ما لا تطيقه ويجيعها في بعض الأوقات وغير ذلك واستراحة البلاد والشجر فقيل لأنها تمنع القطر بمصيبته قاله الداودي وقال الباجي لأنه يغصبها ويمنعها حقها من الشرب وغيره قوله 951 ( ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى للناس النجاشي في اليوم الذي مات فيه فخرج إلى المصلى وكبر أربع تكبيرات ) فيه اثبات الصلاة على الميت وأجمعوا على أنها فرض كفاية والصحيح عند أصحابنا أن فرضها يسقط بصلاة رجل واحد وقيل يشترط اثنان وقيل ثلاثة وقيل اربعة وفيه أن تكبيرات الجنازة أربع وهو مذهبنا ومذهب الجمهور وفيه دليل للشافعي وموافقيه في الصلاة على الميت الغائب وفيه معجزة ظاهرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لاعلامه بموت النجاشي وهو في الحبشة في اليوم الذي مات فيه وفيه استحباب الاعلام بالميت لا على صورة نعي الجاهلية بل مجرد اعلام الصلاة عليه وتشييعه وقضاء حقه في ذلك والذي جاء من النهي عن النعي ليس المراد به هذا وانما المراد نعي الجاهلية المشتمل على ذكر المفاخر وغيرها وقد يحتج أبو حنيفة في أن صلاة الجنازة لا تفعل في المسجد بقوله خرج إلى المصلى ومذهبنا ومذهب الجمهور جوازها فيه ويحتج بحديث سهل بن بيضا ويتأول هذا على أن الخروج إلى المصلى أبلغ واظهار أمره المشتمل على هذه المعجزة وفيه أيضا اكثار المصلين وليس فيه دلالة أصلا لأن الممتنع عندهم ادخال الميت المسجد لا مجرد الصلاة 952 قوله ( عن سليم بن حيان ) هو بفتح السين وكسر اللام وليس في الصحيحين سليم بفتح السين غيره ومن عداه بضمها مع فتح اللام قوله ( صلى على أصحمة النجاشى ) هو بفتح الهمزة واسكان الصاد وفتح الحاء المهملتين وهذا الذي وقع في رواية مسلم هو الصواب المعروف فيه وهكذا هو في كتب الحديث والمغازى وغيرها ووقع في مسند بن أبي شيبه في هذا الحديث تسميته صحمة بفتح الصاد واسكان الحاء وقال هكذا قال لنا يزيد وانما هو صمحة يعنى بتقديم الميم على الحاء وهذان شاذان والصواب أصحمة بالألف قال بن قتيبة وغيره ومعناه بالعربية عطية قال العلماء والنجاشى لقب لكل من ملك الحبشة وأما أصحمة فهو اسم علم لهذا الملك الصالح الذي كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم قال المطرز وبن خالويه وآخرون من الأئمة كلاما متداخلا حاصله أن كل من ملك المسلمين يقال له أمير المؤمنين ومن ملك الحبشة النجاشي ومن ملك الروم قيصر ومن ملك الفرس كسرى ومن ملك الترك خاقان ومن ملك القبط فرعون ومن ملك مصر العزيز ومن ملك اليمن تبع ومن ملك حمير القيل بفتح القاف وقيل القيل أقل درجة من الملك قوله صلى الله عليه وسلم قوموا فصلوا عليه فيه وجوب الصلاة على الميت وهي فرض كفاية بالاجماع كما سبق قوله في حديث النجاشى ( وكبر اربع تكبيرات ) وكذا في حديث بن عباس كبر أربعا وفي حديث زيد بن أرقم بعد هذا خمسا قال القاضي اختلف الآثار في ذلك فجاء في رواية بن أبي خيثمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر أربعا وخسما وستا وسبعا وثمانيا حتى مات النجاشى فكبر عليه أربعا وثبت على ذلك حتى توفى صلى الله عليه وسلم قال واختلف الصحابة في ذلك من ثلاث تكبيرات إلى تسع وروى عن علي رضي الله عنه أنه كان يكبر على أهل بدر ستا وعلى سائر الصحابة خمسا وعلى غيرهم أربعا قال بن عبد البر وانعقد الاجماع بعد ذلك على أربع وأجمع الفقهاء وأهل الفتوى بالأمصار على أربع على ما جاء في الأحاديث الصحاح وما سوى ذلك عندهم شذوذ لا يلتفت إليه قال ولا نعلم أحدا من فقهاء الأمصار يخمس الا بن أبي ليلى ولم يذكر في روايات مسلم السلام وقد ذكره الدارقطنى في سننه وأجمع العلماء عليه ثم قال جمهورهم يسلم تسليمة واحدة وقال الثورى وأبو حنيفة والشافعى وجماعة من السلف تسليمتين واختلفوا هل يجهر الامام بالتسليم أم يسر وأبو حنيفة والشافعي يقولان يجهر وعن مالك روايتان واختلفوا في رفع الأيدى في هذه التكبيرات ومذهب الشافعي الرفع في جميعها وحكاه بن المنذر عن بن عمر وعمر بن عبد العزيز وعطاء وسالم بن عبد الله وقيس بن أبي حازم والزهرى والأوزاعى وأحمد واسحاق واختاره بن المنذر وقال الثورى وأبو حنيفة وأصحاب الرأى لا يرفع الا في التكبيرة الأولى وعن مالك ثلاث روايات الرفع في الجميع وفي الأولى فقط وعدمه في كلها 954 قوله ( انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قبر رطب فصلى عليه ) يعنى جديدا وترابه رطب بعد لم تطل مدته فيبس فيه دليل لمذهب الشافعي وموافقيه في الصلاة على القبور قوله ( من شهده بن عباس ) وبن عباس بدل من قوله تقم المسجد أي تكنسه وفي حديث لسوداء هذه التي صلى النبي صلى الله عليه وسلم على قبرها وحديث بن عباس السابق وحديث أنس دلالة لمذهب الشافعى وموافقيه في الصلاة على الميت في قبره سواء كان صلى عليه أم لا وتأوله أصحاب مالك حيث منعوا الصلاة على القبر بتأويلات باطلة لا فائدة في ذكرها لظهور فسادها والله أعلم وفيه بيان ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من التواضع والرفق بأمته وتفقد أحوالهم والقيام بحقوقهم والاهتمام بمصالحهم في آخرتهم ودنياهم قوله صلى الله عليه وسلم ( أفلا كنتم آذنتموني ) أي أعلمتمونى وفيه دلالة لاستحباب الاعلام بالميت وسبق بيانه 956 قوله صلى الله عليه وسلم ( ان هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وان الله تعالى ينورها لهم بصلاتى عليهم ) قوله ( كان زيد يكبر على جنائزنا أربعا وأنه كبر على جنازة خمسا فسألته فقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبرها ) زيد هذا هو زيد بن أرقم وجاء مبينا في رواية أبي داود وهذا الحديث عند العلماء منسوخ دل الاجماع على نسخه وقد سبق أن بن عبد البر وغيره نقلوا الاجماع على أنه لا يكبر اليوم الا أربعا وهذا دليل على أنهم أجمعوا بعد زيد بن أرقم والأصح أن الاجماع بعد الخلاف يصح والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( اذا رأيتم الجنازة فقوموا حتى تخلفكم أو توضع ) وفي رواية اذا رأى أحدكم الجنازة فليقم حين يراها حتى تخلفه وفي رواية اذا اتبعتم جنازة فلا تجلسوا حتى توضع وفي رواية اذا رأيتم الجنازة فقوموا فمن تبعهم فلا يجلس حتى توضع وفي رواية أنه حيان بن حصين قوله ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر وأن يبنى عليه وأن يقعد عليه ) وفي الرواية الأخرى نهى عن تقصيص القبور التقصيص بالقاف وصادين مهملتين هو التجصيص والقصة بفتح القاف وتشديد الصاد هي الجص وفي هذا الحديث كراهة تجصيص القبر والبناء عيه وتحريم القعود والمراد بالقعود الجلوس عليه هذا مذهب الشافعي وجمهور العلماء وقال مالك في الموطأ المراد بالقعود الجلوس ومما يوضحه الرواية المذكورة بعد هذا لا تجلسوا على القبور وفي الرواية الاخرى ( لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر ) قال أصحابنا تجصيص القبر مكروه والقعود عليه حرام وكذا الاستناد إليه والاتكاء عليه وأما البناء عليه فان كان في ملك البانى فمكروه وان كان في مقبرة مسبلة فحرام نص عليه الشافعي والأصحاب قال الشافعي في الأم ورأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما يبنى ويؤيد الهدم قوله المتولى من أصحابنا أنه مستحب وهذا هو المختار فيكون الأمر به للندب والقعود بيانا للجواز ولا يصح دعوى النسخ في مثل هذا لأن النسخ انما يكون اذا تعذر الجمع بين الأحاديث ولم يتعذر والله أعلم 958 قوله صلى الله عليه وسلم ( حتى تخلفكم ) بضم التاء وكسر اللام المشددة أي تصيرون وراءها غائبين عنها قوله صلى الله عليه وسلم ( فليقم حين يراها ) ظاهره أنه يقوم بمجرد الرؤية قبل أن تصل إليه قوله ( انها من اهل الأرض ) معناه جنازة كافر من أهل تلك الأرض 963 قوله ( صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازة فحفظت من دعائه إلى آخره ) فيه اثبات الدعاء في صلاة الجنازة وهو مقصودها ومعظمها وفيه استحباب هذا الدعاء وفيه اشارة إلى الجهر بالدعاء في صلاة الجنازة وقد اتفق أصحابنا على أنه ان صلى عليها بالنهار أسر بالقراءة وان صلى بالليل ففيه وجهان الصحيح الذي عليه الجمهور يسر والثاني يجهر وأما الدعاء فيسر به بلا خلاف وحينئذ يتأول هذا الحديث على أن قوله حفظت من دعائه أي علمنيه بعد الصلاة فحفظته قوله ( وحدثنى عبد الرحمن بن جبير ) القائل وحدثنى هو معاوية بن صالح الراوى في الاسناد الأول عن حبيب قوله ( إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على النفساء وقام وسطها ) هو باسكان السين وفيه اثبات الصلاة على النفساء وأن السنة أن يقف الامام عند عجيزة الميتة 964 قوله ( أتى النبي صلى الله عليه وسلم بفرس معرورى فركبه ) معناه بفرس عرى وهو بضم الميم وفتح الراء قال أهل اللغة اعروريت الفرس اذا ركبته عريا فهو معرورى قالوا ولم يأت افعولى معدى الا قولهم اعروريت الفرس واحلوليت الشيء قوله ( فركبه حين انصرف من جنازة بن الدحداح ) فيه اباحة الركوب في الرجوع من الجنازة وانما يكره الركوب في الذهاب معها وبن الدحداح بدالين وحاءين مهملات ويقال أبو الدحداح ويقال أبو الدحداحة قال بن عبد البر لا يعرف اسمه قوله ( ونحن نمشى حوله ) فيه جواز مشى الجماعة مع كبيرهم الراكب وأنه لا كراهة فيه في حقه ولا في حقهم اذا لم يكن فيه مفسدة وانما كره ذلك اذا حصل فيه انتهاك للتابعين أو خيف اعجاب ونحوه في حق التابع أو نحو ذلك من المفاسد قوله ( فعقله رجل فركبه ) معناه أمسكه له وحبسه وفيه اباحة ذلك وأنه لا بأس بخدمة التابع متبوعه برضاه قوله ( فجعل يتوقص به ) أي يتوثب قوله ( كم من عذق معلق ) العذق هنا بكسر العين المهملة وهو الغصن من النخلة وأما العذق بفتحها فهو النخلة بكمالها وليس مرادا هنا قوله صلى الله عليه وسلم ( كم من عذق معلق في الجنة لأبى الدحداح ) قالوا سببه أن يتيما خاصم أبا لبابة في نخلة فبكى الغلام فقال النبي صلى الله عليه وسلم له اعطه اياها ولك بها عذق في الجنة فقال لا فسمع بذلك أبو الدحداح فاشتراها من أبي لبابة بحديقه له ثم قال للنبي صلى الله عليه وسلم ألى بها عذق ان أعطيتها اليتيم قال نعم فقال النبي صلى الله عليه وسلم كم من عذق معلق في الجنة لابي الدحداح 966 قوله ( الحدوا لي لحدا ) بوصل الهمزة وفتح الحاء ويجوز بقطع الهمزة وكسر الحاء يقال لحد يلحد كذهب يذهب وألحد يلحد اذا حفر اللحد واللحد بفتح اللام وضمها معروف وهو الشق تحت الجانب القبلى من القبر وفيه دليل لمذهب الشافعي والأكثرين في أن الدفن في اللحد أفضل من الشق اذا أمكن اللحد وأجمعوا على جواز اللحد والشق قوله ( ألحدوا لي لحدا وانصبوا على اللبن نصبا كما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم ) فيه استحباب اللحد ونصب اللبن وانه فعل ذلك برسول الله صلى الله عليه وسلم باتفاق الصحابة رضي الله عنهم وقد نقلوا أن عدد لبناته صلى الله عليه وسلم تسع 967 قوله ( جعل في قبر النبي صلى الله عليه وسلم قطيفة حمراء ) هذه القطيفة ألقاها شقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال كرهت أن يلبسها أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد نص الشافعي وجميع أصحابنا وغيرهم من العلماء على كراهة وضع قطيفة أو مضربة أو مخدة ونحو ذلك تحت الميت في القبر وشذ عنهم البغوى من أصحابنا فقال في كتابه التهذيب لا بأس بذلك لهذا الحديث والصواب كراهته كما قاله الجمهور وأجابوا عن هذا الحديث بأن شقران انفرد بفعل ذلك لم يوافقه غيره من الصحابة ولا علموا ذلك وانما فعله شقران لما ذكرناه عنه من كراهته أن يلبسها أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبسها ويفترشها فلم تطب نفس شقران أن يستبدلها أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم وخالفه غيره فروى البيهقي عن بن عباس أنه كره أن يجعل تحت الميت ثوب في قبره والله أعلم والقطيفة كساء له خمل قوله ( قال مسلم أبوجمرة اسمه نصر بن عمران الضبعى وابو التياح يزيد بن حميد ماتا بسرخس ) وهو أبو جمرة بالجيم والضبعى بضم الضاد المعجمة وفتح الباء الموحدة وأما سرخس فمدينة معروفة بخراسان وهي بفتح السين والراء واسكان الخاء المعجمة ويقال أيضا باسكان الراء وفتح الخاء والأول أشهر وإنما ذكر مسلم أبا جمرة وأبا التياح جميعا مع أن أبا جمرة مذكور في الاسناد ولا ذكر لابي التياح هنا لاشتراكهما في أشياء قل أن يشترك فيها اثنان من العلماء لآنهما جميعا ضبعيان بصريان تابعيان ثقتان ماتا بسرخس في سنة واحدة سنة ثمان وعشرين ومائة وذكر بن عبد البر وبن منده وأبو نعيم الاصبهانى عمران والد أبي جمرة في كتبهم في معرفة الصحابة قالوا واختلف العلماء هل هو صحابي أم تابعي قالوا وكان قاضيا على البصرة روى عنه ابنه أبو جمرة وغيره قال الحاكم أبو أحمد في كتابه في الكنى ليس في الرواة من يكنى أبا جمرة بالجيم غير أبي جمرة هذا 968 قوله ( أن أبا على الهمدانى حدثه ) وفي رواية هارون أن ثمامة بن شفى حدثه فأبو على هو ثمامة بن شفى بضم الشين المعجمة وفتح الفاء وتشديد الياء والهمدانى باسكان الميم وبالدال المهملة قوله ( كنا مع فضالة بأرض الروم برودس ) هو براء مضمومة ثم واو ساكنة ثم دال مهملة مكسورة ثم سين مهملة هكذا ضبطناه في صحيح مسلم وكذا نقله القاضي عياض في المشارق عن الأكثرين ونقل عن بعضهم بفتح الراء وعن بعضهم بفتح الدال وعن بعضهم بالشين المعجمة وفي رواية أبي داود في السنن بذال معجمة وسين مهملة وقال هي جزيرة بأرض الروم قال القاضي عياض رضى الله عنه ذكر مسلم رضى الله عنه تكفين النبي صلى الله عليه وسلم واقباره ولم يذكر غسله والصلاة عليه ولا خلاف أنه غسل واختلف هل صلى عليه فقيل لم يصل عليه أحد أصلا وانما كان الناس يدخلون أرسالا يدعون وينصرفون واختلف هؤلاء في علة ذلك فقيل لفضيلته فهو غنى عن الصلاة عليه وهذا ينكسر بغسله وقيل بل لأنه لم يكن هناك امام وهذا غلط فان امامة الفرائض لم تتعطل ولأن بيعة أبي بكر كانت قبل دفنه وكان امام الناس قبل الدفن والصحيح الذي عليه الجمهور أنهم صلوا عليه فرادى فكان يدخل فوج يصلون فرادى ثم يخرجون ثم يدخل فوج آخر فيصلون كذلك ثم دخلت النساء بعد الرجال ثم الصبيان وانما أخروا دفنه صلى الله عليه وسلم من يوم الاثنين إلى ليلة الاربعاء أواخر نهار الثلاثاء للاشتغال بأمر البيعة ليكون لهم امام يرجعون إلى قوله ان اختلفوا في شيء من أمور تجهيزه ودفنه وينقادون لامره لئلا يؤدى إلى النزاع واختلاف الكلمة وكان هذا أهم الأمور والله أعلم قوله ( يأمر بتسويتها ) وفي الرواية الأخرى ولا قبرا مشرفا الا سويته فيه أن السنة أن القبر لا يرفع على الأرض رفعا كثيرا ولا يسنم بل يرفع نحو شبر ويسطح وهذا مذهب الشافعى ومن وافقه ونقل القاضي عياض عن أكثر العلماء أن الأفضل عندهم تسنيمها وهو مذهب مالك 969 قوله ( أن لا تدع تمثالا الا طمسته ) فيه الأمر بتغيير صور ذوات الأرواح قوله ( عن أبي الهياج ) هو بفتح الهاء وتشديد الياء واسمه وأصحابه قاموا لجنازة فقالوا يا رسول الله انها يهودية فقال ان الموت فزع فاذا رأيتم الجنازة فقوموا وفي رواية قام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لجنازة يهودى حتى توارت وفي رواية قيل انه يهودى فقال أليست نفسا وفي رواية على رضي الله عنه قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قعد وفي رواية رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فقمنا وقعد فقعدنا قال القاضي اختلف الناس في هذه المسألة فقال مالك وأبو حنيفة والشافعى القيام منسوخ وقال أحمد واسحاق وبن حبيب وبن الماجشون المالكيان هو مخير قال الشافعي في قيام من يشيعها عند القبر فقال جماعة من الصحابة والسلف لا يقعد حتى توضع قالوا والنسخ انما هو في قيام من مرت به وبهذا قال الأوزاعى وأحمد واسحاق ومحمد بن الحسن قال واختلفوا في القيام على القبر حتى تدفن فكره قوم وعمل به آخرون روى ذلك عن عثمان وعلى وبن عمر وغيرهم رضى الله عنهم هذا كلام القاضي والمشهور في مذهبنا أن القيام ليس مستحبا وقالوا هو منسوخ بحديث على واختار ولا قبرا مشرفا الا سويته قوله ( عن بسر بن عبيد الله ) هو بضم الباء وبالسين المهملة قوله 972 ( عن أبي مرثد ) هو بالمثلثة واسمه كناز بفتح الكاف وتشديد النون وآخره زاي قوله صلى الله عليه وسلم ( لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا اليها ) فيه تصريح بالنهى عن الصلاة إلى القبر قال الشافعى رحمه الله وأكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدا مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس 973 قولها ( ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل بن بيضاء الا في المسجد ) وفي الرواية الاخرى ( والله لقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنى بيضاء في المسجد ) وفي الرواية الاخرى ( والله لقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنى بيضاء في المسجد سهيل وأخيه ) قال العلماء بنو بيضاء ثلاثة اخوة سهل وسهيل وصفوان وأمهم البيضاء اسمها دعد والبيضاء وصف وأبوهم وهب بن ربيعة القرشى الفهرى وكان سهيل قديم الاسلام هاجر إلى الحبشة ثم عاد إلى مكة ثم هاجر إلى المدينة وشهد بدرا وغيرها توفى سنة تسع من الهجرة رضى الله عنه وفي هذا الحديث دليل للشافعى والأكثرين في جواز الصلاة على الميت في المسجد وممن قال به أحمد واسحاق قال بن عبد البر ورواه المدنيون في الموطأ عن مالك وبه قال بن حبيب المالكى وقال بن أبي ذئب وأبو حنيفة ومالك على المشهور عنه لا تصح الصلاة عليه في المسجد بحديث في سنن أبي داود من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له ودليل الشافعى والجمهور حديث سهيل بن بيضاء وأجابوا عن حديث سنن أبي داود بأجوبة أحدها أنه ضعيف لا يصح الاحتجاج به قال أحمد بن حنبل هذا حديث ضعيف تفرد به صالح مولى التوأمة وهو ضعيف والثاني أن الذي في النسخ المشهورة المحققة المسموعة من سنن أبي داود ومن صلى على جنازة في المسجد فلا شيء عليه ولا حجة لهم حينئذ فيه الثالث أنه لو ثبت الحديث وثبت أنه قال فلا شيء لوجب تأويله على فلا شيء عليه ليجمع بين الروايتين وبين هذا الحديث وحديث سهيل بن بيضاء وقد جاء له بمعنى عليه كقوله تعالى وإن أسأتم فلها الرابع أنه محمول على نقص الأجر في حق من صلى في المسجد ورجع ولم يشيعها إلى المقبرة لما فاته من تشييعه إلى المقبرة وحضور دفنه والله أعلم وفي حديث سهيل هذا دليل لطهارة الآدمى الميت وهو الصحيح في مذهبنا قوله ( وحدثنى هارون بن عبد الله ومحمد بن رافع قالا حدثنا بن أبي فديك أخبرنا الضحاك يعنى بن عثمان عن أبي النضر عن أبي سلمة عن عائشة ) هذا الحديث مما استدركه الدارقطنى على مسلم وقال خالف الضحاك حافظان مالك والماجشون فرواه عن أبي النضر عن عائشة مرسلا وقيل عن الضحاك عن أبي النضر عن أبي بكر بن عبد الرحمن ولا يصح الا مرسلا هذا كلام الدارقطنى وقد سبق الجواب عن مثل هذا الاستدراك في الفصول السابقة في مقدمة هذا الشرح في مواضع منه وهو أن هذه الزيادة التي زادها الضحاك زيادة ثقة وهي مقبولة لأنه حفظ ما نسيه غيره فلا تقدح فيه والله أعلم 974 قوله صلى الله عليه وسلم ( السلام عليكم دار قوم مؤمنين ) دار منصوب على النداء أي يا أهل دار فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه وقيل منصوب على الاختصاص قال صاحب المطالع ويجوز جره على البدل من الضمير في عليكم قال الخطابى وفيه أن اسم الدار يقع على المقابر قال وهو صحيح فان الدار في اللغة يقع على الربع المسكون وعلى الخراب غير المأهول وأنشد فيه وقوله صلى الله عليه وسلم ( وانا ان شاء الله بكم لاحقون ) التقييد بالمشيئة على سبيل التبرك وامتثال قول الله تعالى ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله وقيل المشيئة عائدة إلى تلك التربة بعينها وقيل غير ذلك وفي هذا الحديث دليل لاستحباب زيارة القبور والسلام على أهلها والدعاء لهم والترحم عليهم قولها ( يخرج من آخر الليل إلى البقيع ) فيه فضيلة زيارة قبور البقيع قوله صلى الله عليه وسلم السلام عليكم دار قوم مؤمنين قال الخطابى وغيره فيه أن السلام على الأموات والأحياء سواء في تقديم السلام على عليكم بخلاف ما كانت عليه الجاهلية من قولهم عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحما ( قوله صلى الله عليه وسلم ( اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد ) البقيع هنا بالباء بلا خلاف وهو مدفن أهل المدينة سمى بقيع الغرقد لغرقد كان فيه وهو ما عظم من العوسج وفيه اطلاق لفظ الأهل على ساكن المكان من حي وميت قوله ( حدثنا هارون بن سعيد الأيلى حدثنا عبد الله بن وهب أخبرنا بن جريج عن عبد الله بن كثير بن المطلب أنه سمع محمد بن قيس يقول سمعت ) عائشة تحدث فقالت ألا أحدثكم عن النبي صلى الله عليه وسلم وعنى قلنا بلى ح وحدثنى من سمع حجاجا الاعور واللفظ له قال حدثنا حجاج بن محمد عن بن جريج أخبرني عبد الله رجل من قريش عن محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب أنه قال يوما ألا أحدثكم عنى وعن أمي ) إلى آخره قال القاضي هكذا وقع في مسلم في اسناد حديث حجاج عن بن جريج أخبرنى عبد الله رجل من قريش وكذا رواه أحمد بن حنبل وقال النسائي وأبو نعيم الجرجاني وأبو بكر النيسابوري وأبو عبد الله الجرجاني كلهم عن يوسف بن سعيد المصيصى حدثنا حجاج عن بن جريج أخبرني عبد الله بن أبي ملكية وقال الدارقطنى هو عبد الله بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة قال أبو علي الغسانى الجياني هذا الحديث أحد الأحاديث المقطوعة في مسلم قال وهو ايضا من الأحاديث التي وهم في رواتها وقد رواه عبد الرزاق في مصنفه عن بن جريج قال أخبرني محمد بن قيس بن مخرمة أنه سمع عائشة قال القاضي قوله ان هذا مقطوع لا يوافق عليه بل هو مسند وانما لم يسم رواته فهو من باب المجهول لا من باب المنقطع اذ المنقطع ما سقط من رواته راو قبل التابعى قال القاضي ووقع في سنده اشكال آخر وهو ان قول مسلم وحدثنى من سمع حجاجا الأعور واللفظ له قال حدثنا حجاج بن محمد يوهم أن حجاجا الأعور حدث به عن آخر يقال له حجاج بن محمد وليس كذا بل حجاج الأعور هو حجاج بن محمد بلا شك وتقدير كلام مسلم حدثنى من سمع حجاجا الأعور قال هذا المحدث حدثنى حجاج بن محمد فحكى لفظ المحدث هذا كلام القاضي قلت ولا يقدح رواية مسلم لهذا الحديث عن هذا المجهول الذي سمعه منه عن حجاج الأعور لأن مسلما ذكره متابعة لا متأصلا معتمدا عليه بل الاعتماد على الاسناد الصحيح قبله قولها ( فلم يلبث الا ريثما ) هو بفتح الراء واسكان الياء وبعدها ثاء مثلثة أي قدرما قولها ( فأخذ رداءه رويدا ) أي قليلا لطيفا لئلا ينبهها قولها ( ثم أجافه ) بالجيم أي أغلقه وانما فعل ذلك صلى الله عليه وسلم في خفية لئلا يوقظها ويخرج عنها فربما لحقها وحشة في انفرادها في ظلمة الليل قولها ( وتقنعت ازارى ) هكذا هو في الأصول ازاري بغير باء في أوله وكأنه بمعنى لبست ازاري فلهذا عدى بنفسه قولها ( جاء البقيع فأطال القيام ثم رفع يديه ثلاث مرات ) فيه استحباب اطالة الدعاء وتكريره ورفع اليدين فيه وفيه أن دعاء القائم أكمل من دعاء الجالس في القبور قولها ( فأحضر فأحضرت ) الاحضار العدو قولها ( فقال مالك يا عائش حشيا رابية ) يجوز في عائش فتح الشين وضمها وهما وجهان جاريان في كل المرخمات وفيه جواز ترخيم الاسم اذا لم يكن فيه ايذاء للمرخم وحشيا بفتح الحاء المهملة واسكان الشين المعجمة مقصور معناه وقد وقع عليك الحشا وهو الربو والتهيج الذي يعرض للمسرع في مشيه والمحتد في كلامه من ارتفاع النفس وتواتره يقال امرأة حشياء وحشية ورجل حشيان وحشش قيل اصله من أصاب الربو حشاه وقوله رابية أي مرتفعة البطن قولها ( لا بي شيء ) وقع في بعض الأصول لا بي شيء بباء الجر وفي بعضها لأي شيء بتشديد الياء وحذف الباء على الاستفهام وفي بعضها لا شيء وحكاها القاضي قال وهذا الثالث أصوبها قوله صلى الله عليه وسلم ( فأنت السواد ) أي الشخص قولها ( فلهدنى ) هو بفتح الهاء والدال المهملة وروى فلهزنى بالزاي وهما متقاربان قال أهل اللغة لهده ولهده بتخفيف الهاء وتشديدها أي دفعه ويقال لهزه اذا ضربه بجمع كفه في صدره ويقرب منهما لكزه ووكزه قوله ( قالت مهما يكتم الناس يعلمه الله نعم ) هكذا هو في الأصول وهو صحيح وكأنها لما قالت مهما يكتم الناس يعلمه الله صدقت نفسها فقالت نعم قولها ( قلت كيف أقول يا رسول الله قال قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منكم ومنا والمستأخرين وانا ان شاء الله تعالى بكم للاحقون ) فيه استحباب هذا القول لزائر القبور وفيه ترجيح لقول من قال في قوله سلام عليكم دار قوم مؤمنين أن معناه أهل دار قوم مؤمنين وفيه أن المسلم والمؤمن قد يكونان بمعنى واحد وعطف أحدهما على الآخر لاختلاف اللفظ وهو بمعنى قوله تعالى فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ولا يجوز أن يكون المراد بالمسلم في هذا الحديث غير المؤمن لأن المؤمن ان كان منافقا لا يجوز السلام عليه والترحم وفيه دليل لمن جوز للنساء زيارة القبور وفيها خلاف للعلماء وهي ثلاثة أوجه لأصحابنا أحدها تحريمها عليهن لحديث لعن الله زوارات القبور والثاني يكره والثالث يباح ويستدل له بهذا الحديث وبحديث كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ويجاب عن هذا بأن نهيتكم ضمير ذكور فلا يدخل فيه النساء على المذهب الصحيح المختار في الأصول والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( استأذنت ربي أن أستغفر لأمى فلم يأذن لي واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي ) فيه جواز زيارة المشركين في الحياة وقبورهم بعد الوفاة لأنه اذا جازت زيارتهم بعد الوفاة ففي الحياة أولى وقد قال الله تعالى وصاحبهما في الدنيا معروفا وفيه النهى عن الاستغفار للكفار قال القاضي عياض رحمه الله سبب زيارته صلى الله عليه وسلم قبرها أنه قصد قوة الموعظة والذكرى بمشاهدة قبرها ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث فزوروا القبور فانها تذكركم الموت 975 قوله ( حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب قالا حدثنا محمد بن عبيد عن يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة قال زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال أستأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فانها تذكركم الموت ) هذا الحديث وجد في رواية أبي العلاء بن ماهان لأهل المغرب ولم يوجد في روايات بلادنا من جهة عبد الغافر الفارسي ولكنه يوجد في كثير من الأصول في آخر كتاب الجنائز ويصيب عليه وربما كتب في الحاشية رواه أبو داود في سننه عن محمد بن سليمان الانباري عن محمد بن عبيد بهذا الاسناد ورواه النسائي عن قتيبه عن محمد بن عبيد ورواه بن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن محمد بن عبيد وهؤلاء كلهم ثقات فهو حديث صحيح بلا شك قوله ( فبكى وأبكى من حوله ) قال القاضي بكاؤه صلى الله عليه وسلم على ما فاتها من ادراك أيامه والايمان به 977 قوله ( محارب بن دثار ) هو بكسر الدال وتخفيف المثلثة قوله صلى الله عليه وسلم ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ) هذا من الأحاديث التي تجمع الناسخ والمنسوخ وهو صريح في نسخ نهى الرجال عن زيارتها وأجمعوا على أن زيارتها سنة لهم وأما النساء ففيهن خلاف لاصحابنا قدمناه وقدمنا أن من منعهن قال النساء لا يدخلن في خطاب الرجال وهو الصحيح عند الأصوليين وأما الانتباذ في الأسقية فسبق بيانه في كتاب الايمان في حديث وفد عبد القيس وستأتي بقيته في كتاب الأشربة ان شاء الله تعالى وأما الأضاحى فسيأتي ايضاحها في بابها ان شاء الله تعالى 978 قوله ( أتى النبي صلى الله عليه وسلم برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه ) المشاقص سهام عراض واحدها مشقص بكسر الميم وفتح القاف وفي هذا الحديث دليل لمن يقول لا يصلى على قاتل نفسه لعصيانه وهذا مذهب عمر بن عبد العزيز والأوزاعي وقال الحسن والنخعى وقتادة ومالك وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء يصلى عليه وأجابوا عن هذا الحديث بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل عليه بنفسه زجرا للناس عن مثل فعله وصلت عليه الصحابة وهذا كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة في أول الأمر على من عليه دين زجرا لهم عن التساهل في الاستدانة وعن اهمال وفائه وأمر أصحابه بالصلاة عليه فقال صلى الله عليه وسلم صلوا على صاحبكم قال القاضي مذهب العلماء كافة الصلاة على كل مسلم ومحدود ومرجوم وقاتل نفسه وولد الزنى وعن مالك وغيره أن الامام يجتنب الصلاة على مقتول في حد وأن أهل الفضل لا يصلون على الفساق زجرا لهم وعن الزهري لا يصلى على مرجوم ويصلى على المقتول في قصاص وقال أبو حنيفة لا يصلى على محارب ولا على قتيل الفئة الباغية وقال قتادة لا يصلى على ولد الزنى وعن الحسن لا يصلى على النفساء تموت من زنا ولا على ولدها ومنع بعض السلف الصلاة على الطفل الصغير واختلفوا في الصلاة على السقط فقال بها فقهاء المحدثين وبعض السلف اذا مضى عليه اربعة أشهر ومنعها جمهور الفقهاء حتى يستهل وتعرف حياته بغير ذلك وأما الشهيد المقتول في حرب الكفار فقال مالك والشافعي والجمهور لا يغسل ولا يصلى عليه وقال أبو حنيفة يغسل ولا يصلى عليه وعن الحسن يغسل ويصلى عليه والله أعلم

Bagian V07/P047

1 ( كتاب الزكاة )

Bagian V07/P047–V07/P056

هي في اللغة النماء والتطهير فالمال ينمى بها من حيث لا يرى وهي مطهرة لمؤديها من الذنوب وقيل ينمى أجرها عند الله تعالى وسميت في الشرع زكاة لوجود المعنى اللغوى فيها وقيل لأنها تزكى صاحبها وتشهد بصحة ايمانه كما سبق في قوله صلى الله عليه وسلم والصدقة برهان قالوا وسميت صدقة لأنها دليل لتصديق صاحبها وصحة ايمانه بظاهره وباطنه قال القاضي عياض قال المازرى رحمه الله قد أفهم الشرع أن الزكاة وجبت للمواساة وأن المواساة لا تكون الا في مال له بال وهو النصاب ثم جعلها في الأموال الثابتة وهي العين والزرع والماشية وأجمعوا على وجوب الزكاة في هذه الانواع واختلفوا فيما سواها كالعروض فالجمهور يوجبون زكاة العروض وداود يمنعها تعلقا بقوله صلى الله عليه وسلم ليس على الرجل في عبده ولا فرسه صدقة وحمله الجمهور على ما كان للقنية وحدد الشرع نصاب كل جنس بما يحتمل المواساة فنصاب الفضة خمس أواق وهي مائتا درهم بنص الحديث والاجماع وأما الذهب فعشرون مثقالا والمعول فيه على الاجماع قال وقد حكى فيه خلاف شاذ وورد فيه أيضا حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وأما الزروع والثمار والماشية فنصبها معلومة ورتب الشرع مقدار الواجب بحسب المؤنة والتعب في المال فأعلاها وأقلها تعبا الركاز وفيه الخمس لعدم التعب فيه ويليه الزرع والتمر فان سقى بماء السماء ونحوه ففيه العشر وإلا فنصفه ويليه الذهب والفضة والتجارة وفيها ربع العشر لأنه يحتاج إلى العمل فيه جميع السنة ويليه الماشية فانه يدخلها الأوقاص بخلاف الأنواع السابقة والله أعلم 979 قوله صلى الله عليه وسلم ( ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ) الأوسق جمع وسق فيه لغتان فتح الواو وهو المشهور وكسرها وأصله في اللغة الحمل والمراد بالوسق ستون صاعا كل صاع خمسة أرطال وثلث بالبغدادى وفي رطل بغداد أقوال أظهرها أنه مائة درهم وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم وقيل مائة وثمانية وعشرون بلا أسباع وقيل مائة وثلاثون فالأوسق الخمسة ألف وستمائة رطل بالبغدادي وهل هذا التقدير بالارطال تقريب أم تحديد فيه وجهان لأصحابنا أصحهما تقريب فاذا نقص عن ذلك يسيرا وجبت الزكاة والثاني تحديد فمتى نقص شيئا وان قل لم تجب الزكاة وفي هذا الحديث فائدتان احداهما وجوب الزكاة في هذه المحدودات الثانية أنه لا زكاة فيما دون ذلك ولا خلاف بين المسلمين في هاتين الا ما قال أبو حنيفة وبعض السلف أنه تجب الزكاة في قليل الحب وكثيره وهذا مذهب باطل منابذ لصريح الاحاديث الصحيحة وكذلك أجمعوا على أن في عشرين مثقالا من الذهب زكاة الا ما روى عن الحسن البصرى والزهرى أنهما قالا لا تجب في أقل من أربعين مثقالا والأشهر عنهما الوجوب في عشرين كما قاله الجمهور قال القاضي عياض وعن بعض السلف وجوب الزكاة في الذهب اذا بلغت قيمته مائتي درهم وان كان دون عشرين مثقالا قال هذا القائل ولا زكاة في العشرين حتى تكون قيمتها مائتى درهم وكذلك أجمعوا فيما زاد في الحب والتمر أنه يجب فيما زاد على خمسة أوسق بحسابه وأنه لا أوقاص فيها واختلفوا في الذهب والفضة فقال مالك والليث والثورى والشافعي وبن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد وأكثر أصحاب أبي حنيفة وجماعة أهل الحديث أن فيما زاد من الذهب والفضة ربع العشر في قليله وكثيره ولا وقص وروى ذلك عن علي وبن عمر وقال أبو حنيفة وبعض السلف لا شيء فيما زاد على مائتي درهم حتى يبلغ أربعين درهما ولا فيما زاد على عشرين دينارا حتى يبلغ أربعة دنانير فاذا زادت ففي كل أربعين درهما درهم وفي كل أربعة دنانير درهم فجعل لها وقصا كالماشية واحتج الجمهور بقوله صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري في الرقة ربع العشر والرقة الفضة وهذا عام في النصاب وما فوقه بالقياس على الحبوب ولابي حنيفة في المسألة حديث ضعيف لا يصح الاحتجاج به قال القاضي ثم ان مالكا والجمهور يقولون بضم الذهب والفضة بعضهما إلى بعض في اكمال النصاب ثم ان مالكا يراعى الوزن ويضم على الاجزاء لا على القيم ويجعل كل دينار كعشرة دراهم على الصرف الأول وقال الاوزاعي والثوري وأبو حنيفة يضم على القيم في وقت الزكاة وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور وداود لا يضم مطلقا قوله صلى الله عليه وسلم ( ولا فيما دون خمس ذود صدقة ) الرواية المشهورة خمس ذود باضافة ذود إلى خمس وروى بتنوين خمس ويكون ذود بدلا منه حكاه بن عبد البر والقاضي وغيرهما والمعروف الأول ونقله بن عبد البر والقاضي عن الجمهور قال أهل اللغة الذود من الثلاثة إلى العشر لا واحد له من لفظه انما يقال في الواحد بعير وكذلك النفر والرهط والقوم والنساء وأشباه هذه الالفاظ لا واحد لها من لفظها قالوا وقوله خمس ذود كقوله خمسة أبعرة وخمسة جمال وخمس نوق وخمس نسوة قال سيبويه تقول ثلاث ذود لان الذود مؤنث وليس باسم كسر عليه مذكره ثم الجمهور على أن الذود من ثلاثة إلى العشرة وقال أبو عبيد ما بين ثلاث إلى تسع وهو مختص بالاناث وقال الحربي قال الأصمعى الذود ما بين الثلاث إلى العشرة والصبة خمس أو ست والصرمة ما بين العشرة إلى العشرين والعكرة ما بين العشرين إلى الثلاثين والهجمة ما بين الستين إلى السبعين والهنية مائة والحظر نحو مائتين والعرج من خمسمائة إلى ألف وقال أبو عبيدة وغيره الصرمة ما بين العشر إلى الاربعين وأنكر بن قتيبه أن يقال خمس ذود كما لا يقال خمس ثوب وغلطه العلماء بل هذا اللفظ شائع في الحديث الصحيح ومسموع من العرب معروف في كتب اللغة وليس هو جمعا لمفرد بخلاف الأثواب قال أبو حاتم السجستانى تركوا القياس في الجمع فقالوا خمس ذود لخمس من الابل وثلاث ذود لثلاث من الابل وأربع ذود وعشر ذود على غير قياس كما قالوا ثلاثمائة وأربعمائة والقياس مئين ومئات ولا يكادون يقولونه وقد ضبطه الجمهور خمس ذود ورواه بعضهم خمسة ذود وكلاهما لرواة كتاب مسلم والأول أشهر وكلاهما صحيح في اللغة فاثبات الهاء لانطلاقه على المذكر والمؤنث ومن حذفها قال الداودى أراد أن الواحدة منه فريضة 980 قوله صلى الله عليه وسلم ( وليس فيما دون خمس أواقى صدقة ) هكذا وقع في الرواية الأولى أواقى بالياء وفي باقى الروايات بعدها أواق بحذف الياء وكلاهما صحيح قال أهل اللغة الأوقية بضم الهمزة وتشديد الياء وجمعها أواقى بتشديد الياء وتخفيفها وأواق بحذفها قال بن السكيت في الاصلاح كل ما كان من هذا النوع واحده مشددا جاز في جمعه التشديد والتخفيف فالأوقية والأواقى والسرية والسرارى والختية والعلية والاثفية ونظائرها وأنكر جمهورهم أن يقال في الواحدة وقية بحذف الهمزة وحكى اللحيانى جوازها بحذف الواو وتشديد الياء وجمعها وقايا وأجمع أهل الحديث والفقه وأئمة أهل اللغة على أن الأوقية الشرعية أربعون درهما وهي أوقية الحجاز قال القاضي عياض ولا يصح أن تكون الأوقية والدراهم مجهولة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوجب الزكاة في أعداد منها ويقع بها البياعات والأنكحة كما ثبت في الأحاديث الصحيحة قال وهذا يبين أن قول من زعم أن الدراهم لم تكن معلومة إلى زمان عبد الملك بن مروان وأنه جمعها برأى العلماء وجعل كل عشرة وزن سبعة مثاقيل ووزن الدرهم ستة دوانيق قول باطل وانما معنى ما نقل من ذلك أنه لم يكن منها شيء من ضرب الاسلام وعلى صفة لا تختلف بل كانت مجموعات من ضرب فارس والروم وصغارا وكبارا وقطع فضة غير مضروبة ولا منقوشة ويمنية ومغربية فرأوا صرفها إلى ضرب الاسلام ونقشه وتصييرها وزنا واحدا لا يختلف وأعيانا ليستغنى فيها عن الموازين فجمعوا أكبرها وأصغرها وضربوه على وزنهم قال القاضي ولا شك أن الدراهم كانت حينئذ معلومة والا فكيف كانت تعلق بها حقوق الله تعالى في الزكاة وغيرها وحقوق العباد ولهذا كانت الأوقية معلومة هذا كلام القاضي وقال أصحابنا أجمع أهل العصر الأول على التقدير بهذا الوزن المعروف وهو أن الدرهم ستة دوانيق وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل ولم يتغير المثقال في الجاهلية ولا الاسلام قوله صلى الله عليه وسلم في رواية أبي بكر بن أبي شيبة ( ليس فيما دون خمسة أوساق ) هكذا هو في الأصول خمسة أوساق وهو صحيح جمع وسق بكسر الواو كحمل وأحمال وقد سبق أن الوسق بفتح الواو وبكسرة قوله صلى الله عليه وسلم ( من تمر أو حب ) هو تمر بفتح التاء المثناة واسكان الميم وفي رواية محمد بن رافع عن عبد الرزاق ثمر بفتح المثلثة وفتح الميم قوله صلى الله عليه وسلم ( ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة ) قال أهل اللغة يقال ورق وورق بكسر الراء واسكانها والمراد به هنا الفضة كلها مضروبها وغيره واختلف أهل اللغة في أصله فقيل يطلق في الأصل على جميع الفضة وقيل هو حقيقة للمضروب دراهم ولا يطلق على غير الدراهم الا مجازا وهذا قول كثير من أهل اللغة وبالأول قال بن قتيبة وغيره منهم وهو مذهب الفقهاء ولم يأت في الصحيح بيان نصاب الذهب وقد جاءت فيه أحاديث بتحديد نصابه بعشرين مثقالا وهي ضعاف ولكن أجمع من يعتد به في الاجماع على ذلك وكذا اتفقوا على اشتراط الحول في زكاة الماشية والذهب والفضة دون المعشرات وفي هذا الحديث دلالة لمذهب الشافعي وموافقيه في الفضة اذا كانت دون مائتي درهم رائجة أو نحوها لا زكاة فيها لقوله صلى الله عليه وسلم ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة وقد سبق أن الأوقية أربعون درهما وهي أوقية الحجاز الشرعية وقال مالك اذا نقصت شيئا يسيرا بحيث تروج رواج الوازنة وجبت الزكاة ودليلنا أنه يصدق أنها دون خمس أواق وفيه دليل أيضا للشافعي وموافقيه في الدراهم المغشوشة أنه لا زكاة فيها حتى تبلغ الفضة المحضة منها مائتى درهم 981 قوله صلى الله عليه وسلم ( فيما سقت الأنهار والغيم العشور وفيما سقى بالسانية نصف العشر ) ضبطناه العشور بضم العين جمع عشر وقال القاضي عياض ضبطناه عن عامة شيوخنا بفتح العين جمع وهو اسم للمخرج من ذلك وقال صاحب مطالع الأنوار أكثر الشيوخ يقولونه بالضم وصوابه الفتح وهذا الذي ادعاه من الصواب ليس بصحيح وقد اعترف بأن أكثر الرواة رووه بالضم وهو الصواب جمع عشر وقد اتفقوا على قولهم عشور أهل الذمة بالضم وهو الصواب جمع عشر ولا فرق بين اللفظين وأما الغيم هنا فبفتح الغين المعجمة وهو المطر وجاء في غير مسلم الغيل باللام قال أبو عبيد هو ما جرى من المياه في الأنهار وهو سيل دون السيل الكبير وقال بن السكيت هو الماء الجارى على الأرض وأما السانية فهو البعير الذي يسقى به الماء من البئر ويقال له الناضح يقال منه سنا يسنو اذا أسقى به وفي هذا الحديث وجوب العشر فيما سقى بماء السماء والأنهار ونحوها مما ليس فيه مؤنة كثيرة ونصف العشر فيما سقى بالنواضح وغيرها مما فيه مؤنة كثيرة وهذا متفق عليه ولكن اختلف العلماء في أنه هل تجب الزكاة في كل ما أخرجت الأرض من الثمار والزروع والرياحين وغيرها الا الحشيش والحطب ونحوهما أم يختص فعمم أبو حنيفة وخصص الجمهور على اختلاف لهم فيما يختص به وهو معروف في كتب الفقه 982 قوله صلى الله عليه وسلم ( ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة ) هذا الحديث أصل في أن أموال القنية لا زكاة فيها وأنه لا زكاة في الخيل والرقيق اذا لم تكن للتجارة وبهذا قال العلماء كافة من السلف والخلف الا أن أبا حنيفة وشيخه حماد بن أبي سليمان ونفرا أوجبوا في الخيل اذا كانت أناثا أو ذكورا واناثا في كل فرس دينارا وان شاء قومها وأخرج عن كل مائتي درهم خمسة دراهم وليس لهم حجة في ذلك وهذا الحديث صريح في الرد عليهم وقوله في العبد ( الا صدقة الفطر ) صريح في وجوب صدقة الفطر على السيد عن عبده سواء كان للقنية أم للتجارة وهو مذهب مالك والشافعي والجمهور وقال أهل الكوفة لا يجب في عبيد التجارة وحكى عن داود أنه قال لاتجب على السيد بل تجب على العبد ويلزم السيد تمكينه من الكسب ليؤديها وحكاه القاضي عن أبي ثور أيضا ومذهب الشافعي وجمهور العلماء أن المكاتب لا فطرة عليه ولا على سيده وعن عطاء ومالك وأبي ثور وجوبها على السيد وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي لقوله صلى الله عليه وسلم المكاتب عبد ما بقى عليه درهم وفيه وجه أيضا لبعض أصحابنا أنها تجب على المكاتب لأنه كالحر في كثير من الأحكام 983 قوله ( منع بن جميل ) أي منع الزكاة وامتنع من دفعها قوله صلى الله عليه وسلم ( ما ينقم بن جميل الا أنه كان فقيرا فأغناه الله ) قوله ينقم بكسر القاف وفتحها والكسر أفصح قوله صلى الله عليه وسلم ( وأما خالد فانكم تظلمون خالدا فقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله ) قال أهل اللغة الأعتاد آلات الحرب من السلاح والدواب وغيرها والواحد عتاد بفتح العين ويجمع أعتادا وأعتدة ومعنى الحديث أنهم طلبوا من خالد زكاة أعتاده ظنا منهم أنها للتجارة وأن الزكاة فيها واجبة فقال لهم لا زكاة لكن على فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ان خالدا منع الزكاة فقال لهم انكم تظلمونه لأنه حبسها ووقفها في سبيل الله قبل الحول عليها فلا زكاة فيها ويحتمل أن يكون المراد لو وجبت عليه زكاة لأعطاها ولم يشح بها لأنه قد وقف أمواله لله تعالى متبرعا فكيف يشح بواجب عليه واستنبط بعضهم من هذا وجوب زكاة التجارة وبه قال جمهور العلماء من السلف والخلف خلافا لداود وفيه دليل على صحة الوقف وصحة وقف المنقول وبه قالت الأمة بأسرها الا أبا حنيفة وبعض الكوفيين وقال بعضهم هذه الصدقة التي منعها بن جميل وخالد والعباس لم تكن زكاة انما كانت صدقة تطوع حكاه القاضي عياض قال ويؤيده ان عبد الرزاق روى هذا الحديث وذكر في روايته أن النبي صلى الله عليه وسلم ندب الناس إلى الصدقة وذكر تمام الحديث قال بن القصار من المالكية وهذا التأويل أليق بالقصة فلا يظن بالصحابة منع الواجب وعلى هذا فعذر خالد واضح لأنه أخرج ماله في سبيل الله فما بقى له مال يحتمل المواساة بصدقة التطوع ويكون بن جميل شح بصدقة التطوع فعتب عليه وقال في العباس هي على ومثلها معها أي أنه لا يمتنع اذا طلبت منه هذا كلام بن القصار وقال القاضي لكن ظاهر الأحاديث في الصحيحين أنها في الزكاة لقوله بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر على الصدقة وانما كان يبعث في الفريضة قلت الصحيح المشهور أن هذا كان في الزكاة لا في صدقة التطوع وعلى هذا قال أصحابنا وغيرهم قوله صلى الله عليه وسلم ( هي على ومثلها معها ) معناه انى تسلفت منه زكاة عامين وقال الذين لا يجوزون تعجيل الزكاة معناه أنا أؤديها عنه قال أبو عبيد وغيره معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم أخرها عن العباس إلى وقت يساره من أجل حاجته اليها والصواب أن معناه تعجلتها منه وقد جاء في حديث آخر في غير مسلم إنا تعجلنا منه صدقة عامين قوله صلى الله عليه وسلم ( عم الرجل صنو أبيه ) أي مثل أبيه وفيه تعظيم حق العم

Pertanyaan