Qur'an&Sunnah

Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb

Bagian V01/P227

ذكر فضل علم المعرفة واليقين على سائر العلوم وكشف طريق علماء السلف الصالح من علماء الدنيا والآخرة

Bagian V01/P227–V01/P228

قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ألوف من صحابته كلهم علماء بالله فقهاء عن الله تعالى أهل رضوان من الله تعالى ولم ينصب نفسه إلى الفتيا ولا حملت عنه الأحكام والقضايا إلا بضعة عشر رجلا ، وكان ابن عمر إذا سئل عن الفتيا قال : اذهب إلى الأمير الذي تقلد أمور الناس فضعها في عنقه ، وروى ذلك عن أنس ثم جماعة من الصحابة والتابعين بإحسان ، وكان ابن مسعود يقول : إن الذي يفتي الناس في كل ما يستفتونه لمجنون ، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يسأل عن عشر مسائل فيجيب عن مسألة ويسكت عن تسعة ، وكان ابن عباس على ضد ذلك كان يسئل عن عشرة فيجيب في تسعة ويسكت عن واحدة ، وكان من الفقهاء من يقول لا أدري أكثر من أن تقول أدري ، منهم : سفيان الثوري ومالك بن أنس وأحمد بن حنبل وفضيل بن عياض وبشر بن الحرث رضي الله عنهم ، وكانوا في مجالسهم يجيبون عن بعض ويسكتون عن بعض ولم يكونوا يجيبون في كل ما يسألون عنه . وروينا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : أدركت في هذا المسجد مائة وعشرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منهم من أحد يسأل عن حديث أو فتيا إلا ود أن أخاه كفاه ذلك ، وفي لفظ آخر كانت المسألة تعرض على أحدهم فيردها إلى الآخر ويردها الآخر للآخر حتى يرجع إلى الذي سئل عنها أول مرة ، وروي عن ابن مسعود وابن عمر وغيرهما من التابعين ، وقد روينا مسند ألا يفتي الناس إلا ثلاثة : أمير أو مأمور أو متكلف ، تفصيل ذلك أن الأمير هو الذي يتكلم في علم الفتيا والأحكام كذلك كان الأمراء يسئلون ويفتون والمأمور الذي يأمره الأمير بذلك فيقيمه مقامه ويستعين به لشغله بالرعية والمتكلف هو القاص الذي يتكلم في القصص السالفة ويقص أخبار من مضى لأن ذلك لا يحتاج إليه في الحال ولم يندب إليه من العلوم وقد تدخله الزيادة والنقصان والاختلاف ، فلذلك كره القصص فصار القاص من المتكلفين . وقد جاء في لفظ الحديث الآخر بتأويل معناه : لا يتكلم على الناس إلا ثلاثة : أمير أو مأمور أو مراء فكان قولهم : أمير هو المفتي في الأقضية والأحكام كما ذكرنا آنفا ومعنى مأمور هو العالم بالله عز وجل الزاهد في الدنيا يتكلم في علم الإيمان واليقين وفي علم القرآن والحث على مصالح أعمال الدين بأمر من الله تعالى أذن الله تعالى له في ذلك بقوله تعالى : ( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه ) آل عمران : 187 ، وقد كان أبو هريرة وغيره يقولون : لولا آيتان في كتاب الله تعالى ما حدثتكم بحديث أبدا ثم يتلو هذه والآية التي قبلها ويقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أتى الله تعالى عالما علما إلا أخذ عليه من الميثاق ما أخذ على النبيين أن يبينه ولا يكتمه ، وأما المرائي فهو المتكلم في علوم الدنيا الناطق عن الهوى يستميل بذلك قلوب الناس ويجتلب بكلامه المزيد من الدنيا والرفعة فيها ، وقال بعض العلماء : كان الصحابة والتابعون بإحسان يتدافعون أربعة أشياء : الأمانة والوديعة والوصية والفتيا ، وقال بعضهم : كان أسرعهم إلى الفتيا أقلهم علما وأشدهم دفعا لها وتوقفا عنها أروعهم ، وقال بعض السلف : كان شغل الصحابة والتابعين بإحسان في خمسة أشياء : قراءة القرآن ، وعمارة المساجد ، وذكر الله تعالى ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا ثلاثا : أمر بمعروف ، أو نهي عن منكر أو ذكر الله تعالى ، وقال الله أصدق القائلين : ( لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ) النساء : 114 ، ورأى بعض أصحاب الحديث بعض فقهاء الكوفة من أهل الرأي بعد موته في المنام قال : فقلت له ما فعلت فيما كنت عليه من الفتيا والرأي قال : فكره وجهه وأعرض عني وقال ما وجدناه شيئا وما حمدنا عاقبته .

Bagian V01/P228–V01/P229

وحدثونا عن علي بن نصر بن علي الجهضمي عن أبيه قال : رأيت الخليل بن أحمد في النوم بعد موته فقلت : ما أجد أعقل من الخليل لأسألنه فقال لي : أرأيت ما كنا فيه ؟ فإني لم أر شيئا ما رأيت أنفع من قول : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله والله ، أكبر ، وحدثونا عن بعض الأشياخ قال : رأيت بعض العلماء في المنام فقلت له : ما فعلت تلك العلوم التي كنا نجادل فيها ونناظر عليها قال : فبسط يده ونفخ فيها وقال طاحت كلها هباء منثورا ماانتفعت إلا بركعتين حصلتا لي في جوف الليل وحدثت عن أبي داود السجستاني قال : كان بعض أصحابنا كثير الطلب للحديث حسن المعرفة به فمات فرأيته في المنام فقلت ما فعل الله بك فسكت فأعدت عليه فسكت فقلت غفر الله لك قال : لا ، قلت لم ؟ قال : الذنوب كثيرة والمناقشة دقيقة ولكن قد وعدت بخير وأنا أرجو خيرا ، قلت : أي الأعمال وجدتها فيما هناك أفضل ، قال : قراءة القرآن والصلاة في جوف الليل ، قلت : فأيما أفضل ما كنت تقرأ أو تقرئ ؟ فقال : ما كنت أقرأ قلت : فكيف وجدت قولنا فلان ثقة وفلان ضعيف فقال : إن خلصت فيه النية لم يكن لك ولا عليك ، وحدثت عن بعض الشيوخ قال : حدثني أحمد بن عمر الخاقاني قال : أريت في منامي كأني في طريق أمضي إذ صادفني رجل فأقبل علي وهو يقول : وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله فقلت له : لي تعني ؟ فقال : لك ولذاك الذي خلفك ، فالتفت فإذا سري رحمه الله فأعرضت عن الرجل وأقبلت على السري وقلت : هذا أستاذنا ومؤدبنا الذي كان يؤدبنا في الدنيا ، ثم قلت له : يا أبا الحسن إنك قد صرت إلى الله تعالى فأخبرنا بأي عمل تقبله الله تعالى فأخذ بيدي ثم قال تعال فجئت أنا وهو إلى بنية مثل الكعبة فوقفنا إلى جانبها إذا أشرف علينا من البنية شخص فأضاء ذلك الموضع منه فأومأ سري إليه وأشالني نحوه وكان سري قصيرا وأنا أيضا قصير فمد ذلك الشخص الذي كان فوق البنية يده فأخذني فشالني إليه فلم أقدر أفتح عيني من أنواركانت في ذلك المكان ، ثم قال لي : قد سمعت كلامك مع الشيخ كل خلق في القرآن محمود تفعله وكل خلق في القرآن مذموم تنتهي عنه وحسبك هذا . وقد حدثونا عن سري السقطي قال : كان شاب يطلب علم الظاهر ويواظب عليه ثم ترك ذلك وانفرد واشتغل بالعبادة فسألت عنه فإذا هو قد اعتزل الناس وقعد في بيته يتعبد فقلت له : قد كنت حريصا على الطلب لعلم الظاهر فما بالك انقطعت ؟ قال : رأيت في النوم قائلا يقول لي : كم تضيع العلم ضيعك الله فقلت إني لأحفظه فقال : إن حفظ العلم العمل به فتركت الطلب وأقبلت على النظر فيه للعمل ، وقد كان ابن مسعود رضي الله عنه يقول : ليس العلم بكثرة الرواية وإنما العلم الخشية ، وقال غيره من الفقهاء : إنما العلم نور يقذفه الله تعالى في القلب ، وكان الحسن البصري رضي الله عنه يقول : اعلموا ما شئتم أن تعملوا فو الله لا يؤجركم الله تعالى عليه حتى تعملوا فإن السفهاء همتهم الرواية وإن العلماء همتهم الرعاية .

Bagian V01/P229–V01/P230

وروينا عنه أيضا أنه قال : إن الله لا يعبأ بذي قول ورواية إنما يعبأ بذي فهم ودراية ، وقال أبو حصين : إن أحدهم ليفتي في مسألة لو وردت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه لجمع لها أهل بدر ، وقال غيره : يسأل أحدهم عن الشيء فيسرع للفتيا ولو سئل أهل بدر عنهالأعضلتهم ، وقال عبد الرحمن بن يحيى الأسود وغيره من العلماء : إن علم الأحكام والفتاوى كان الولاة والأمراء يقومون به وترجع العامة إليهم فيه ثم ضعف الأمر وعجزت الولاة عن ذلك لميلهم إلى الدنيا وشغلهم بالحروب عنها فصاروا يستعينون على ذلك بعلماء الظاهر وبالمفتين في الجوامع ، فكان الأمير إذا جلس للمظالم قعد عن يمينه وشماله مفتيان يرجع إليهما في القضاءوالأحكام ويأمر الشرط بمثل ذلك فكان من الناس من يتعلم علم الفتيا والقضاء ليستعين بهم الولاة على الأحكام والقضاء حتى كثر المفتون رغبة في الدنيا وطلبا للرياسة ثم اختلف الأمر بعد ذلك حتى تركت الولاة الاستعانة بالعلماء ومما يدلك على ذلك حديث عمر رضي الله عنه حيث كتب إلى ابن مسعود عقبة بن عامر ألم أخبر أنك تفتي الناس ولست بأمير ولا مأمور ، وفي حديث أبي عامر الهروي قال : حججت مع معاوية فلما قدمنا مكة حدث عن رجل يقضي ويفتي الناس مولى لبني مخزوم فأرسل إليه فقال : أمرت بهذا قال : لا ، قال : فما حملك عليه ؟ قال : نفتي وننشر علما عندنا ، فقال معاوية : لو تقدمت إليك قبل يومي هذا لقطعت منك طابقا ثم نهاه ولم يكونوا يقولون ذلك في علم القلوب ولا علم الإيمان واليقين بل قد كتب عمر إلى أمراء الأجناد : احفظوا ما تسمعون من المطيعين فإنهم تجلى لهم أمور صادقة وقد كان عمر رضي الله عنه يجلس إلى المريدين فيستمع إليهم . وفي الخبر : إذا رأيتم الرجل قد أوتي صمتا وزهدا فاقتربوا منه فإنه تلقى الحكمة ، وقال بعض أصحاب الحديث : رأيت سفيان الثوري حزينا فسألته فقال وهو برم : ما صرنا إلا متجر الأبناء الدنيا قلت : وكيف ؟ قال : يلزمنا أحدهم حتى إذا عرف بنا وحمل عنا جعل عاملا أو جابيا أو قهرمانا ، وكان الحسن يقول : يتعلم هذا العلم قوم لا نصيب لهم منه في الآخرة يحفظ الله تعالى بهم العلم على الأمة لئلا يضيع ، وقال المأمون رحمه الله : لولا ثلاث لخربت الدنيا : لولا الشهوة لانقطع النسل ولولا حب الجمع لبطلت المعايش ولولا حب الرياسة لذهب العلم ، فهذا كله وصف علماء الدنيا وأهل علم الألسنة ، وأما علماء الآخرة وأهل المعرفة واليقين فإنهم كانوا يهربون من الأمراء ومن أتباعهم وأشياعهم من أهل الدنيا وكانوا ينتقصون علماء الدنيا ويطعنون عليهم ويتركون مجالستهم ، وقال ابن أبي ليلى أدركت في هذا المسجد مائة وعشرين من الصحابة ما سئل أحدهم عن حديث ولا استفتي في فتيا إلاود أن صاحبه قد كفاه ذلك ، وقال مرة : أدركت ثلاثمائة يسأل أحدهم عن الفتيا أو الحديث فيرد ذلك إلى الآخر ويحيل الآخر على صاحبه وكانوا يتدافعون الفتيا ما بينهم ولم يكونوا إذا سئل أحدهم عن مسألة من علم القرآن أو علم اليقين والإيمان يحيل على صاحبه ولا يسكت عن الجواب .

Bagian V01/P230–V01/P232

وقد قال الله سبحانه : ( فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) النحل : 43 فهم أهل الذكر لله تعالى وأهل التوحيد والعقل عن الله تعالى ولم يكونوا يتلقنون هذا العلم دراسة من الكتب ولا يتلقاه بعضهم من بعض بالألسنة إنما كانوا أهل عمل وحسن معاملات فكان أحدهم إذا انقطع إلى الله تعالى واشتغل به واستعمله المولى بخدمته بأعمال القلوب وكانوا عنده في الخلوة بين يديه لايذكرون سواه ولا يشتغلون بغيره فإذا ظهروا للناس فسألوهم ألهمهم الله تعالى رشدهم ووفقهم لسديدقولهم وآتاهم الحكمة ميراثا لأعمالهم الباطنة عن قلوبهم الصافية وعقولهم الزاكية وهممهم العالية فآثرهم بحسن توفيقه أن ألهمهم حقيقة العلم وأطلعهم على مكنون السر حين آثروه بالخدمة وانقطعوا إليه بحسن المعاملة فكانوا يجيبون عما عنه يسألون بحسن أثرة الله تعالى لهم وبجميل أثره عندهم فتكلموا بعلم القدرة وأظهروا وصف الحكمة ونطقوا بعلوم الإيمان وكشفوا بواطن القرآن وهذا هو العلم النافع بين العبد وبين الله تعالى وهو الذي يلقاه به ويسأله عنه ويثيبه عليه وهو ميزان جميع الأعمال . وعلى قدر علم العبد بربه تعالى ترجح أعماله وتضاعف حسناته وبه يكون عند الله تعالى من المقربين لأنه لديه من الموقنين فهم أهل الحقائق الذين وصفهم علي عليه السلام وفضلهم على الخلائق ، فقال في وصفهم القلوب أوعية وخيرها أوعاها والناس ثلاثة : عالم رباني ، ومتعلم على سبيل نجاة ، وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق ، العلم خير من المال ، العلم يحرسك وأنت تحرس المال ، والعلم يزكيه العمل والمال تنقصه النفقة ، محبة العلم دين يدان به يكسبه الطاعة في حياته وجميل الأحدوثة بعد موته ، العلم حاكم والمال محكوم عليه ، ومنفعة المال تزول بزواله ، مات خزان الأموال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر ثم تنفس الصعداء فقال : ها إن ههنا علما جما لو أجد له حملة بلى أجد لقنا غير مأمون يستعمل الدين في طلب الدنيا ويستطيل بنعم الله تعالى على أوليائه ويستظهر بحججه على خلقه أو منقادا لأهل الحق ينزرع الشك في قلبه بأول عارض من شبهة لا بصيرة له وليسا من رعاة الدين في شيء لا ذا ولا ذاك فمفهوم باللذة سلس القيادة في طلب الشهوات أو مغرى بجمع الأموال والإدخار منقاد لهواه أقرب شبها بهما الأنعام السائمة ، اللهم هكذا يموت العلم إذا مات حاملوه بل لا تخلو الأرض من قائم لله تعالى بحجة ، إما ظاهر مكشوف وإما خائف مقهور لئلا تبطل حجج الله تعالى وبيناته وأين أولئك الأقلون عددا الأعظمون قدرا أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة يحفظ الله تعالى بهم حججه حتى يودعها نظراءهم ويزرعوها في القلوب أشباههم ، هجم بهم العلم على حقيقة الأمر فباشروا روح اليقين فاستلانوا ما استوعر منه المترفون وأنسوا بما استوحش منه الغافلون صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى أولئك أولياء الله من خلقه وعماله في أرضه والدعاة إلى دينه ، ثم بكى وقال : واشوقاه إلى رؤيتهم فهذه كلها أوصاف علماء الآخرة وهذه نعوت علم الباطن وعلم القلوب لا علم الألسنة وكذلك وصفهم معاذ بن جبل رضي الله عنه في وصف العلم بالله تعالى .

Bagian V01/P232

فيما رويناه من حديث رجاء بن حيوة بن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ قال : تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية وطلبه عبادة ومدراسته تسبيح والبحث عنه جهاد وتعليمه لمن لا يعلمه صدقه وبذله لأهله قربة وهو الأنيس في الوحدة والصاحب في الخلوة والدليل على السراء والضراء والزين عند الإخلاء والقريب عند الغرباء ومنار سبيل الجنة يرفع الله تعالى به أقواما فيجعلهم الله في الخيرقادة وهداة يقتدي بهم أدلة في الخير تقتص آثارهم وترمق أعمالهم ويقتدى بفعالهم وينتهي إلى رأيهم وترغب الملائكة في خلتهم وبأجنحتها تمسحهم حتى كل رطب ويابس لهم مستغفر حتى حيتان البحر وهوامه وسابع البر ونعامه والسماء ونجومها لأن العلم حياة القلوب من العمى ونور الأبصار من الظلم وقوة الأبدان من الضعف يبلغ به العبد منازل الأبرار والدرجات العلى والتفكر فيه يعول بالصيام ومدارسته بالقيام به يطاع الله تعالى وبه يعبد وبه يوحد وبه يتورع وبه توصل الأرحام العلم إمام والعمل تابعه تلهمه السعداء وتحرمه الأشقياء ، فهذه أوصاف علماء الآخرة ونعت العلم الباطن . وقد كان من أفضل الأمراء بعد الخلفاءالأربعة : عمر بن عبد العزيز فحدثونا عن زكريا بن يحيى الطائي قال : حدثني عمي زجر بن حصين أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى الحسن رحمهما الله : أما بعد فأشر علي بقوم أستعين بهم على أمر الله تعالى فكتب إليه : أما أهل الدين فلن يريدوك وأما أهل الدنيا فلن تريدهم ولكن عليك بالأشراف فإنهم يصونون شرفهم أن يدنسوه بالخيانة ، وكان الحسن يتكلم في بعض علماءالبصرة ويذمهم وكان أبو حازم وربيعة المدنيان يذمان علماء بني مروان ، وقد كان الثوري وابن المبارك وأيوب وابن عون يتكلمون في بعض علماء الدنيا من أهل الكوفة ، وكان الفضيل وإبراهيم ابن أدهم ويوسف بن أسباط يتكلمون في بعض علماءالدنيا من أهل مكة والشام كرهنا تسمية المتكلم فيهم لأن السكوت أقرب إلى السلامة ، وكان بشر يقول : حدثنا باب من أبواب الدنيا فإذا سمعت الرجل يقول : حدثنا فإنما يقول : أوسعوا لي ، وقدكان سفيان الثوري إمامه من قبله يقول لأهل علم الظاهر : طلب هذا ليس من زاد الآخرة ، وقال ابن وهب ذكر طلب العلم عند مالك ، فقال : إن طلب العلم لحسن ، وإن نشره لحسن إذا صحت فيه النية ولكن انظر ما ذا يلزمك من حين تصبح إلى حين تمسي ومن حين تمسي إلى حين تصبح فلاتؤثرن عليه شيئا .

Bagian V01/P232–V01/P234

وقال أبو سليمان الداراني : إذا طلب الرجل الحديث أو تزوج أو سافر في طلب المعاش فقد ركن إلى الدنيا ، وأما علم الإيمان والتوحيد وعلم المعرفة واليقين فهو مع كل مؤمن موقن حسن الإسلام وهو مقامه من الله وحاله بين يدي الله ونصيبه منه في درجات الجنة ، به يكون من المقربين عنده والعلم بالله تعالى والإيمان به قرينان لا يفترقان ، فالعلم بالله تعالى هو ميزان الإيمان به يستبين المزيد من النقصان لأن العلم ظاهر الإيمان يكشفه ويظهره والإيمان باطن العلم يهيجه ويشعله ، فالإيمان مدد العلم وبصره والعلم قوة الإيمان ولسانه وضعف الإيمان وقوته ومزيده ونقصه بمزيدالعلم بالله عز وجل ونقصه وقوته وضعفه ، وفي وصية لقمان الحكيم لابنه : يابني كمالايصلح الزرع إلا بالماء والتراب كذلك لا يصلح الإيمان إلا بالعلم والعمل ومثل المشاهدة من المعرفة من اليقين من الإيمان كمثل النشاء من الدقيق من السويق من الحنطة ، والحنطة تجمع ذلك كله كذلك الإيمان أصل ذلك والمشاهدة أعلى فروعه كالحنطة أصل هذه المعاني والنشاء أعلى فروعها فهذه المقامات موجودة في أنوار الإيمان يمدها علم اليقين ، ثم إن المعرفة على مقامين : معرفة سمع ومعرفة عيان ، فمعرفة السمع في الإسلام وهو أنهم سمعوا به فعرفوه ، وهذا هو التصديق من الإيمان ومعرفة العيان في المشاهدة وهو عين اليقين والمشاهدة أيضا على مقامين : مشاهدة الاستدلال ومشاهدة الدليل عنها ، فمشاهدة الاستدلال قبل المعرفة وهذه معرفة الخبر وهو في السمع لسانها القول والواجد بها واجد يعلم علم اليقين من قوله تعالى : ( سبإ بنبإ يقين ) ( إني وجدت ) النمل : 22 - 23 ، فهذا العلم قبل الوجدوهو علم السمع وقد يكون سببه التعليم ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : تعلموا اليقين أي جالسوا الموقنين واسمعوا منهم علم اليقين لأنهم علماؤه وأما مشاهدة الدليل فهي بعد المعرفة التي هي العيان وهو اليقين لسانه الوجد والواجد بها واجد قرب وبعد هذا الوجد علم من عين اليقين وهذا يتولاه الله تعالى بنوره على يده بقدرته ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : فوجدت بردها فعلمت فهذا التعليم بعد الوجد من عين اليقين باليقين وهذا من أعمال القلوب ، وهؤلاء علماء الآخرة وأهل الملكوت وأرباب القلوب وهم المقربون من أصحاب اليمين وعلم الظاهر من علم الملك وهو من أعمال اللسان والعلماء به موصوفون بالدنيا وصالحوهم أصحاب اليمين وجاء رجل إلى معاذ بن جبل فقال : أخبرني عن رجلين ، أحدهما مجتهد في العبادة كثير العمل قليل الذنوب إلا أنه ضعيف اليقين يعتريه الشك في أموره فقال معاذ : ليحبطن شكه أعماله ، قال : فأخبرني عن رجل قليل العمل إلا أنه قوي اليقين وهو في ذلك كثير الذنوب فسكت معاذ فقال الرجل : والله لئن أحبط شك الأول أعمال بره ليحبطن يقين هذا ذنوبه كلها قال : فأخذ معاذ بيده وقام قائما ثم قال : ما رأيت الذي هو أفقه من هذا وقد روينا معناه مسندا قيل : يا رسول الله رجل حسن اليقين كثيرالذنوب ورجل مجتهد في العبادة قيل اليقين : فقال ما من آدمي إلا وله ذنوب ولكن من كانت غريزته العقل وسجيته اليقين لم تضره الذنوب لأنه كلما أذنب تاب واستغفر وندم فتكفر ذنوبه ويبقى له فضل يدخل به الجنة .

Bagian V01/P234

وروينا في حديث أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر ومن أعطى حظه منهما لم يبال ما فاته من قيام الليل وصام النهار ، وفي وصية لقمان لابنه : يا بني لا يستطاع العلم إلا باليقين ولا يعمل المرء إلا بقدر يقينه ولا يقصر عامل حتى يقصر يقينه وقد يعمل الضعيف إذا كان متيقنا أفضل من العمل القوي الضعيف في يقينه ومن يضعف يقينه تغلبه المحقرات من الإثم ، وقد كان يحيى بن معاذ يقول : إن للتوحيد نورا وللشرك نارا وإن نور التوحيد أحرق لسيئات الموحدين من نار الشرك لحسنات المشركين واليقين على ثلاث مقامات : يقين معاينة وهذا لا يختلف خبره فالعالم به خبير وهو للصديقين والشهداء ، ويقين تصديق واستسلام وهذا في الخبر والعالم به مخبر مسلم وهذا يقين المؤمنين وهم الأبرار منهم الصالحون ومنهم دون ذلك كقوله تعالى جده : ( وما زادهم إلا إيمانا وتسليما ) الأحزاب : 22 ، وقد يضعف هؤلاء بعدم الأسباب ونقصان المعتاد ويقوون بوجودها وجريان العادة ويحجبون بنظرهم إلى الأواسط ويكاشفون بها ويجعلون مزيدهم وأنسهم بالخلق ويكون نقصهم ووحشتهم بفقدهم ويكون من هؤلاء الاختلاف ويتلونون بالخلاف لتلوين الأشياء وتغيرها نقصها .

Bagian V01/P234

المقام الثالث من اليقين

Bagian V01/P234–V01/P235

وهو يقين ظن يقوى بدلائل العلم والخبر وأقوال العلماء ويجد هؤلاء المزيد من الله تعالى والنصيب منه لهم ويضعف بفقدالأدلة وصمت القائلين وهذا يقين الاستدلال وعلوم هذا في المعقول وهو يقين المتكلمين من عموم المسلمين من أهل الرأي وعلوم العقل والقياس والنظر وكل موقن بالله تعالى فهو على علم من التوحيد والمعرفة ولكن علمه ومعرفته على قدر يقينه ويقينه من نحو صفاء إيمانه وقوته وإيمانه على مقتضى معاملته ورعايته ، فأعلى العلوم علم المشاهدة عن عين اليقين وهذا مخصوص للمقربين في مقامات قربهم ومحادثات مجالستهم ومأوى أنسهم ولطيف تملقهم ، وأدنى العلوم علم التسليم والقبول بعدم الإنكار وفقد الشكوك وهذا لعموم المؤمنين وهو من علم الإيمان ومزيد التصديق وهذا لأصحاب اليمين ، وبين هذين مقامات لطيفات من أعلى طبقات المقربين إلى أوسط المقامات ومن أدنى طبقات أصحاب اليمين إلى أعلى أواسط الأعلين . ذكر بيان تفضيل علوم الصمت وطريق الورعين في العلوم وروينا في الخبر : العلم ثلاثة ، كتاب ناطق ، وسنة قائمة ، ولا أدري ، وعن الشعبي أنه قال : لا أدري ، نصف العلم يعني أنه من الورع وكان الثوري رضي الله عنه يقول : إنما العلم الرخصة من ثقة فأما التشديد فكل أحد يحسنه يعني أن التورع والتوقف في الأمور هو سيرة المؤمنين وإن لم يكونوا علماء لأن الورع هو الجبن عن الإقدام والهجوم على الشبهات والوقوف عند المشكلات بسكون أو سكوت ، واليقين هو الإقدام على الأشياء ببصيرة وتمكين والقطع بالأمر على علم وخبر فهذا صفة العلماء الموثوق بعلمهم لا يحسنه سواهم كما قال علي عليه السلام لابنه محمد بن الحنفية وقدمه أمامه يوم الجمل وجعل يقول له : أقدم أقدم ومحمد يتأخر وهو يركزه بقائم رمحه ، فالتفت إليه محمد ابنه فقال : هذا والله الفتنة المظلمة العمياء فوكزه علي برمحه ، ثم قال : تقدم لا أم لك أتكون فتنة أبوك قائدها وسائقها والمرء إذا قال : لا أدري فقد عمل بعلمه وقام بحاله فله من الثواب بمنزلة من درى فقام بحاله وعمل بعلمه فأظهره ، فلذلك كان قول لا أدري نصف العلم ولأن حسن من سكت لأجل الله تعالى تورعا كحسن من نطق لأجله بالعلم تبرعا ، وقال علي بن الحسين ومحمد بن عجلان : إذا أخطأ العالم قول لا أدري أصيبت مقالته ، وقاله مالك والشافعي بعدهما واعلم أن مثل العلم والجهل في تفاوت الناس فيهما مثل الجنون والعقل والمجانين طبقات ، كالعقلاء طبقات ، وكذلك الجهال طبقات كالعلماء فخصوص الجهال يشبهون عموم العلماء فهم يشتبهون على العامة حتى يحسبوهم علماء وهم مكشوفون عند العلماء بالله تعالى وكذلك العارفون يشتبهون على عموم العلماء وهم ظاهرون للموقنين ، وقال بعض العلماء : العلم علمان ، علم الأمراء وعلم المتقين ، فأما علم الأمراء فهو علم القضايا وأما علم المتقين فهو علم اليقين والمعرفة .

Bagian V01/P235–V01/P236

وقد قال الله سبحانه في وصف علم المؤمنين وذكر علم الإيمان : ( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ) المجادلة : 11 ، فجعل المؤمنين علماء فدل على أن العلم والإيمان لا يفترقان والواو هنا عند أهل اللغة للمدح لاللجمع ، العرب إذا مدحت بالأوصاف أدخلت الواو للمبالغة فقالوا : فلان العاقل والعالم والأديب ، ومثل هذا قوله تعالى : ( لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكوة ) النساء : 162 كله نعت ، فالمؤمنون هم الراسخون في العلم وهم المقيمون والمؤتون أيضا وكلهم وصف الراسخون في العلم ولذلك انتصب قوله والمقيمين الصلاة لأنه مدح والعرب تنصب وترفع بالمدح وبمعناه قوله تعالى : ( والراسخون في العلم يقولون آمنا به ) آل عمران : 7 ، فوصف العلماء بالإيمان كما وصف المؤمنين بالعلم وكذلك قوله تعالى : ( وقال الذين أوتوا العلم والإيمان ) الروم : 56 ، ومن هذا حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم : أمتي خمس طبقات كل طبقة أربعون عاما فطبقتي وطبقة أصحابي أهل العلم والإيمان والذين يلونهم إلى الثمانين البر والتقوى والذين يلونهم إلى مائة وعشرين أهل التواصل والتراحم ، فقرن العلم بالإيمان وقدمهما على سائرالطبقات . وقد قرن الله سبحانه الإيمان بالقرآن وهو علم : كما قرن القرآن بالإيمان كما قال تعالى : ( كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ) المجادلة : 22 ، قيل القرآن وتكون الهاء عائدة إلى الله تعالى في أكثر الوجوه ، كما قال : ( ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا ) الشورى : 52 ، فأهل الإيمان هم أهل القران وأهل القرآن أهل الله وخاصته ، وقال المهدي لسفيان بن الحسين لما دخل عليه وكان أحد العلماء أمن العلماء أنت فسكت فأعادعليه فسكت فقيل : ألا تجيب أمير المؤمنين ؟ فقال : يسألني عن مسألة لا جواب لها ، إن قلت لست بعالم وقد قرأت كتاب الله تعالى كنت كاذبا وإن قلت إني عالم كنت جاهلا ، وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع عن أنس في قوله : ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) فاطر : 28 ، قال : من لم يخش الله تعالى فليس بعالم ألا ترى أن داود صلى الله عليه وسلم قال ذلك بأنك جعلت العلم خشيتك والحكمة والإيمان بك فما علم من لم يخشك وما حكم من لم يؤمن بك ، وقد سمى عبدالله بن رواحة العلم إيمانا فكان يقول لأصحابه : اقعدوا بنا نؤمن ساعة فيتذاكرون علم الإيمان وقدجعل الله للمؤمنين سمعا وبصرا وقلبا ، وهذه طرائق العلم التي يؤخذ العلم منها ويوجد بها وهي أصول العلم والنعم التي أنعم الله على الخلق بها وطالبهم بالشكر عليها ، فقال سبحانة : ( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ) النحل : 78 ، فأثبت العلم بها بعد النفي بها له ، وقال تعالى في وصف من لم يكن مؤمنا ونفي الغنية بالعلم بها : ( وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدوان بآيات الله ) الأحقاف : 26 ، فمن آمن بآيات الله تعالى أغنى عنه سمعه وبصره وقلبه فكانت طرق العلم إليه . وقال عز وجل في معنى ذلك أيضا : ( ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا ) الإسراء : 36 ، فلولا أن العلم يقع بالسمع والبصر والقلب ما نهى عما لا يعلم هذه الأشياء ففي النهي عن قفو ما لا يعلم هذه الأواساط ويتبعه إثبات العلم بها فكل مؤمن هو ذو سمع وبصر وقلب فهو عالم بفضل الله ورحمته .

Bagian V01/P236–V01/P238

ومما فضل الله تعالى به هذه الأمة على سائر الأمم وخصها به ثلاثة أشياء : تبقية الإسناد فيهم يأثره خلف عن سلف متصلا إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وإلى من خلا من علمائنا وإنما كانوا فيهم يستنسخون الصحف كلما اختلقت صحيفة جددت فكان ذلك أثرة العلم فيهم ، والثاني حفظ كتاب الله تعالى المنزل عن ظهر غيب ، وإنما كانوا يقرؤون كتبهم نظرا ولم يحفظ جميع كتاب أنزله الله تعالى قط غير كتابنا هذا إلا ما ألهمه الله تعالى غزيرا من التوراة بعد أن كان بختنصر أحرق جميعها عند إحراق بيت المقدس ، فلذلك قال سبط من اليهود إنه ابن الله تعالى عز عن ذلك علوا كبيرا لما خصه به وأفرده من حفظ جميع التوراة ، والثالث أن كل مؤمن من هذه الأمة يسئل عن علم الإيمان ويسمع قوله ويؤخذ من رأيه وعلمه مع حداثة سنه ولم يكونوا فيما مضى يسمعون العلم إلا من الأحبار والقسيسين والرهبان لا غير من الناس ، وزادها رابعة على أمة موسى صلى الله عليه وسلم ثبات الإيمان في قلوبهم لا يعتريه الشك ولا يختلجه الشرك مع تقليب القلوب في المعاصي ، وكانت أمة موسى عليه السلام تتقلب قلوبهم في الشك والشرك كما تتقلب جوارحهم في المعاصي ، فلذلك قالوا : يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة بعد أن رأوا الآيات العظيمة من انفلاق البحر وسلوكهم فيه طرائق وأنجاهم من الغرق وأهلك فرعون . وروينا بعض الأخبار أن في بعض الكتب المنزلة : يا بني إسرائيل لا تقولوا العلم في السماء من ينزل به ولا في تخوم الأرضين من يصعد به ولا من وراء البحار من يعبره يأتي به العلم مجعول في قلوبكم ، تأدبوا بين يدي بآداب الروحانيين وتخلقوا لي بأخلاق الصديقين أظهر العلم في قلوبكم حتى يعطيكم ويغمركم ، وفي الإنجيل مكتوب : لا تطلبوا علم ما لم تعملوا حتى تعملوا بما قد علمتم ، وفي أخبارنا نحن : من عمل بما يعلم ورثه الله علم ما لم يعلم حتى قيل : من علم بعشر ما يعلم ورثه الله علم ما يجهل ، وقد روينا عن حذيفة بن اليمان : إنكم اليوم في زمان من ترك فيه عشر ما يعلم هلك ويأتي بعدكم زمان من عمل منهم بعشر ما يعلم نجا ، هذا لقلة العاملين وكثرة البطالين ، وفي كتابنا المجمل المختصر : واتقوا الله ويعلمكم الله واتقوا الله واعلموا واتقوا الله واسمعوا ، واعلم أن من عمل بعلم أو نطق به فأصاب الحقيقة عند الله تعالى فله أجران ، أجر التوفيق وأجر العمل - وهذا مقام العارفين ، ومن نطق بجهل أو عمل به وأخطأ الحقيقة فعليه وزران - وهذا مقام الجهال ، ومن قال أو عمل بعلمه وأخطأ الحقيقة فله أجر لأجل العلم وهذا مقام علماء الظاهر ، ومن قال بجهل أو عمل عملا وأصاب الحقيقة فعلية وزر لتركه طلب العلم وهذا مقام جهلة العابدين ، ومثل العالم مثل الحاكم وقد قسم النبي صلى الله عليه وسلم الحكام ثلاثة أقسام فقال صلى الله عليه وسلم : القضاة ثلاثة : قاض قضى بالحق وهو يعلم فذاك في الجنة وقاض قضى بالجور وهو يعلم أو قضى بالجور وهو لا يعلم فهما في النار ، ومن أحسن ما سمعت في قوله تعالى : ( يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم ) الأعراف : 26 قيل العلم وريشا قيل اليقين ولباس التقوى أي الحياء . وروينا عن وهب بن منبه اليماني في معناه : الإيمان عريان ولباسه التقوى وزينته الحياء وثمرته العلم وقد أسنده حمزة الخراساني عن الثوري فرفعه إلى عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد رويناه أيضا مسندا ، قال مسعر عن سعد بن إبراهيم وسأله سائل : أي أهل المدينة أفقه ؟

Bagian V01/P238

فقال : أتقاهم لله عز وجل ، وقال بعض العلماء : لو قال لي قائل أي الناس أعلم لقلت أورعهم ولو قال لي قائل أي أهل هذه المدينة خير ؟ لقلت : تعرفون أنصحهم لهم ، فإذا قالوا نعم قلت هو خيرهم وقال آخر : لو قيل لي من أحمق الناس لأخذت بيد القاضي فقلت هذا وقال الله تعالى : ( واتقوا الله واسمعوا ) المائدة : 108 و ( اتقوا الله وقولوا قولا سديدا ) الأحزاب : 70 ، فجعل تعالى مفتاح القول السديدوالعلم الرشيد والسمع المكين التقوى ، وهي وصية الله تعالى من قبلنا وإيانا إذ يقول الله سبحانه وتعالى : ( ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن أتقوا الله ) النساء : 131 ، وهذه الآية قطب القرآن ومداره عليها كمدار الرحى على الخشبان . وروينا عن عيسى عليه السلام كيف يكون من أهل العلم من مسيره إلى آخرته ، وهو مقبل على دنياه وكيف يكون من أهل العلم من يطلب الكلام ليخبر به وهو لا يطلبه ليعمل به ، وقال الضحاك بن مزاحم : أدركتهم وما يتعلم بعضهم من بعض إلا الورع وهم اليوم يتعلمون الكلام ، وفي الحديث : ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أعطوا الجدل ثم قرأ : ماضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون ، وفي قوله عز وجل : ( فأما الذين في قلوبهم زيغ ) آل عمران : 7 ، الآية هم أهل الجدل الذين عنى الله تعالى فاحذروهم ، وعن بعض السلف : يكون في آخر الزمان علماء يغلق عنهم باب العمل ويفتح عليهم باب الجدل ، وفي بعض الأخبار : إنكم في زمان ألهمتم فيه العلم وسيأتي قوم يلهمون الجدل ، وعن ابن مسعود : أنتم اليوم في زمان خيركم فيه المسارع ويأتي بعدكم زمان خيركم فيه المتبين يعني الآن لبيان الحق واليقين في القرن الأول وبعد ذلك في زماننا هذا لكثرة الشبهات والالبتاس ودخول المحدثات مداخل الليل في السير ، فأشكل الأمر إلا على الفرد الذي يعرف طرائق السلف فيجتنب الحدث كله . وروينا عن بعض العلماء : إذا أراد الله بعبد خيرا فتح له باب العمل وأغلق عنه باب الجدل وإذا أراد الله بعبدسوءا أغلق عنه باب العمل وفتح عليه باب الجدل ، وفي الخبر المشهور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أبعض الخلق إلى الله عز وجل الألد الخصم ، وقد روينا في خبر الحياء والعي شعبتان من الإيمان والبذاء والبيان شعبتان من النفاق وفي بعضها مفسرا والعي عي اللسان لا عي القلب ، والخبر الآخر ما روى الحكم بن عيينة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أوتي قوم المنطق إلا منعوا العمل ، وفي الحديث أن الله تعالى ليبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل الكلام بلسانه كما تتخلل الباقرة الخلاء بلسانها ، والخلاء هو الحشيش الرطب ، وكان أحمد بن حنبل يقول : العلم إنما هو ما جاء من فوق يعني إلهاما من غير تعليم وقال أيضا : علماء أهل الكلام زنادقة ، وقال قبله أبو يوسف : من طلب العلم بالكلام تزندق .

Bagian V01/P238–V01/P239

بيان آخر في فضل علم الباطن على الظاهر

Bagian V01/P239–V01/P240

مما يدلك على أن العلم الذي فضله العلماء وأعظموا ذكره وخطره ووصفوا به العالم ومدحوه به وجاءت بفضله الآثار وندب إليه وفضل في الأخبار أهله إنما هو العلم بالله تعالى الدال على الله تعالى الراد إليه الشاهد بالتوحيد في علم الإيمان واليقين وعلم المعرفة والمعاملة دون سائر علوم الفتيا والأحكام ، إنهم يقولون من عمل بعلمه ويذكرون العمل بالعلم ويصفون جملته بالخشية والخشوع فهذا إنما هو علم القلوب لا علم اللسان الذي يكون به العلم ولا تتأتى عنه المعاملات من أعمال الإيمان مثل أعمال القلوب التي هي مقامات اليقين وصفات المتقين ومثل أعمال الجوارح من الصالحات التي هي مزيد الإيمان والذين أربابها أهل الفقر والزهد وذو التوكل والخوف وأصحاب الشوق والمحبة وليس يعنون أن يكون الإنسان إذا علم علم الأحكام والقضايا عمل بها والتزم الدخول في أحكامها ليعامل منها مثل أن يطلب القضاء فيقضي بين الناس إذا كان عالما به أويقتني المال ويدخل في البيع والشراء إذا كان عالما بالزكوات والبياعات أو يتزوج النساء ويطلق لأنه عالم بالنكاح والطلاق ليكون بهذه الأشياء عاملا بعلمه ، هذا ما قاله أحد بل قد روي في كراهة ذلك وذمه ما يكثر ذكره ، وأهل هذه العلوم موصوفون بالرغبة في الدنيا والحرص على جمعها ويلابسون الأمراء فيعاملون لهم فبطل أنهم هم المعنيون بالعلم الموصوفون بالخشوع والزهد ، ومثل ذلك أيضا تفضيل الجمهور من السلف العلم على العمل وقولهم ذرة من علم أفضل من كذا من العمل وركعتان من عالم أفضل من ألف ركعة من عابد ، وحديث أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : فضل العالم على العابد كفضلي على أمتي ، والخبر المشهور : كفضل القمر على سائر الكواكب ، وقول ابن عباس وسعد ، وقدروينا مسندا : عالم واحد أشد على الشيطان من ألف عابد وكذلك قيل في موته أحب إليه من موت ألف عابد إنما يعنون بذلك العلم بالله تعالى أفضل من العمل لأن العلم بالله تعالى وصف من الإيمان ومعنى من اليقين الذي لم ينزل من السماء أعز منه فهو لا يعادله شيء لا يصح عمل ولا يقبل إلا به ولأنه معيار الأعمال كلها على وزنه تتقبل الأعمال قبولا حسنا بعضه أحسن من بعض ويثقل في الميزان ثقلا فوق ثقل ويرفع به العاملون في درجات عليين بعضها من بعض ، وقد قال تعالى : ( ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم ) الأعراف : 52 ، ثم قال : ( فلنقصن عليهم بعلم ) الأعراف : 7 ، وقال تعالى : ( والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه ) الأعراف : 8 فما كان العائد منه إلى الربوبية أقرب كان أفضل والعمل وصف العامل وحكم العبودية لا أنهم يعنون العلم بالفتيا والأحكام والقضاء التي هي أماكن الخلق عائدة عليهم أفضل من معاملات الله سبحانه وتعالى بالقلوب من مقامات التوكل والرضا والمحبة التي هي معاينة اليقين الذي هو مقام المقربين هذا لا يقوله عالم .

Bagian V01/P240

وقد روينا عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم وأهل الجهاد أما أهل العلم فدلوا الناس على ما جاءت به الرسل وأما أهل الجهاد فجاهدوا بأسيافهم على ما جاءت به الرسل ، ألا تراه كيف جعل العلم دالا على الله تعالى كالجهاد ، وكذلك جاء في الخبر : أول من يشفع الأنبياء ثم الشهداء ، وفي الخبر : للأنبياء على العلماء فضل درجة وللعلماء على الشهداء فضل درجتين ، وقال ابن عباس في معنى قوله عز وجل : ( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ) المجادلة : 11 ، قال : للعلماء درجات فوق الذين آمنوا بسبعمائة درجة ما بين الدرجتين خمسمائة عام ، وقال ابن مسعود : لما مات عمر رضي الله عنهما : إني لأحسب أنه ذهب بتسعة أعشار العلم فقيل : تقول هذا وفينا جله الصحابة فقال : ليس أعني العلم الذي تريدون إنما أعني العلم بالله تعالى ، فجعل العلم بالمعلومات غير حقيقة العلم وفضل العلم بالله تعالى بتسعة أعشارها وليس يزيد علم الظاهر على الأعمال كثير زيادة إذ هو من الأعمال الظاهرة لأنه صفة اللسان ولأنه للعموم من المسلمين ، فأعلى مقاماته الإخلاص فإن فاتهم فهو دنيا كسائر الشهوات والإخلاص هو أول حال العالم بالله تعالى بالعلم الباطن ولا نهاية لمقاماتهم إلى أعلى مقامات العارفين ودرجات الصديقين .

Bagian V01/P240–V01/P241

باب ذكر الفرق بين علماء الدنيا وعلماء الآخرة وذم علماء السوء الآكلين بعلومهم الدنيا

Bagian V01/P241–V01/P242

وقد فرقت العلماء بين العلم بالله تعالى وبين العلم بأمر الله تعالى وفرقوا بين علماء الدنيا وعلماء الآخرة ، فقال سفيان : العلماء ثلاثة ، عالم بالله وبأمر الله فذلك العالم الكامل ، وعالم بالله تعالى فذاك التقي الخائف ، وعالم بأمر الله تعالى غير عالم بالله تعالى فذاك العالم الفاجر ، وقيل أيضا : عالم لله تعالى وهو العامل بعلمه ، وعالم بأيام الله تعالى وهو الخائف الراجي ، وسئل سفيان عن العلم ما هو ؟ فقال هو الورع ، قيل : وأي شيء هو الورع ؟ فقال : طلب العلم الذي يعرف به الورع وهو عند قوم طول الصمت وقلة الكلام وما هو كذلك إنما هو المتكلم العالم عندنا افضل من الصامت . وروينا عن لقمان في وصيته : للعلم ثلاث علامات ، العلم بالله وبما يحبه الله تعالى وبما يكره فجعل حقيقة العلم ودليل وجوده هذه الثلاث ، ومما يدلك على الفرق بين علماء الدنيا وعلماء الآخرة أن كل عالم بعلم إذا رآه من لا يعرفه لم يتبين عليه أثر علمه ولا عرف أنه عالم إلا العلماء بالله عز وجل فإنما يعرفون بسيماهم للخشوع والسكينة والتواضع والذلة ، فهذه صبغة الله تعالى لأوليائه ولبسته للعلماء به ، ومن أحسن من الله صبغة فمثلهم في ذلك كمثل الصناع إذ كل صانع لو ظهر لمن لا يعرفه لم يعرف صنعه دون سائر الصنائع ولم يفرق بينه وبين الصناع إلا الصناع ، فإنه يعرف بصنعته لأنها ظاهرة عليه إذ صارت له لبسة وصفةلالتباسها بمعاملته ، فكانت سيماه كما قيل : ما ألبس الله تعالى عبدا لبسة أحسن من خشوع في سكنية هي لبسة الأنبياء وسيما الصديقين والعلماء فاعلم الناس بلطف ما يحب الله تعالى وخفي ما يكره أهل القلوب الفاقهة عن الله تعالى وهم العارفون به ، وقد كان سهل رحمه الله يقول : العلماء ثلاثة ، عالم بالله تعالى ، وعالم لله تعالى وعالم بحكم الله تعالى يعني العالم بالله تعالى العارف الموقن ، العالم لله عز وجل هو العالم بعلم الإخلاص والأحوال والمعاملات ، والعالم بحكم الله تعالى هو العالم بتفصيل الحلال والحرام فسرنا ذلك على معاني قوله ومعرفة مذهبه ، وقد قال مرة في كلام أبسط من هذا : عالم بالله لا بأمر الله ولا بأيام الله وهم المؤمنون ، وعالم بأمر الله لابأيام الله وهم المفتون في الحلال والحرام ، وعالم بالله تعالى عالم بأيام الله وهم الصديقون ، يعني قوله بأيام الله أي بنعمته الباطنة وبعقوباته الغامضة ، ثم قال : الناس كلهم موتى إلا العلماء والعلماء نيام إلا الخائفين والخائفون منقطعون إلا المحبين ، والمحبون أحياء شهداء وهم المؤثرون لله تعالى على كل حال ، وقد كان يقول : طلاب العلم ثلاثة ، واحد يطلبه للعمل به ، وآخر يطلبه ليعرف الاختلاف فيتورع ويأخذ بالاحتياط ، وآخر يطلبه ليعرف التأويل فيتناول الحرام فيجعل حلالا فهذا يكون هلاك الحق على يديه ، وقد حدثت عن أبي يوسف أنه كان إذا صار رأس الحول وهب ماله لامرأته واستوهبها مالها فتسقط عنهما الزكاة فذكر ذلك لأبي حنيفة فقال : ذلك من فقهه فإنما يطلب لعلم المعرفة الورع والاحتياط للدين فهذا هو العلم النافع فإذاطلب لمثل هذا ولتأويل الهوى كان الجهل خيرا منه وصار هذا العلم هو الضار الذي استعاذ الرسول منه .

Bagian V01/P242–V01/P243

وروينا عن عمر وغيره : كم من عالم فاجر وعابد وجاهل ، فاتقوا الفاجر من العلماء والجاهل من المتعبدين ، وعن عمر أيضا : وقد رويناه مسندا : اتقوا كل منافق عليم اللسان يقول ما تعرفون ويعمل ما تنكرون ، وروينا عنه أيضا تعلموا العلم وتعلموا للعلم السكينة والحلم وتواضعوا لمن تعلمون وليتواضع لكم من يتعلم منكم ولا تكونوا جبابرة العلماء فلا يقوم علمكم بجهلكم ، وروينا عن علي وابن عباس رضي الله عنهما وعن كعب الأحبار : يكون في آخر الزمان علماء يزهدون الناس في الدنيا ولا يزهدون ويخوفون ولا يخافون وينهون عن غشيان الولاة ولا ينتهون ويؤثرون الدنيا على الآخرة ويأكلون الدنيا بألسنتهم أكلا يقربون الأغنياء ويباعدون الفقراء يتغايرون على العلم كما تتغاير النساء على الرجال يغضب أحدهم على جليسه إذاجالس غيره ذلك حظهم من العلم ، وفي حديث علي رضي الله عنه : علماؤهم شر الخليفة ، منهم بدت الفتنة وفيهم تعود ، وفي حديث ابن عباس : أولئك الجبارون أعداء الرحمن ، وروينا عن علي عليه السلام : ما قطع ظهري في الإسلام إلا رجلان ، عالم فاجر ، ومبتدع ناسك ، فالعالم الفاجر يزهد الناس في علمه لما يرون من فجوره والمبتدع الناسك يرغب الناس في بدعته لما يرون من نسكه ، وقال صالح بن حسان البصري : أدركت المشيخة وهم يتعوذون بالله تعالى من الفاجر العالم بالسنة ، وقال الفضيل بن عياض : إنما هما عالمان ، عالم دنيا وعالم آخرة ، فعالم الدنيا علمه منشور وعالم الآخرة علمه مستور ، فاطلب عالم الآخرة واحذر عالم الدنيا لا يصدنك بشكره ، ثم قرأ إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله ، قال : فالأحبار العلماء والرهبان الزهاد ، وقال سهل بن عبد الله : طلاب العلم ثلاثة ، فواحديطلب علم الورع مخافة دخول الشبهة عليه ، فيدع الحلال خوف الحرام فهذا زاهد تقي ، وآخر يطلب علم الاختلاف والأقاويل فيدع ما عليه ويدخل فيما أباح الله تعالى بالسعة ويأخذ للرخصة ، وآخر يسأل عن شيء فيقال : هذا لا يجوز فيقول : كيف أصنع حتى يجوز لي ، فيسأل العلماء فيخبرونه بالاختلاف والشبهة ، فهذا يكون هلاك الخلق على يديه وقد أهلك نفسه وهم علماء السوء ، واعلم أن كل محب للدنيا ناطق بعلم فإنه آكل للمال بالباطل وكل من أكل أموال الناس بالباطل فإنه يصد عن سبيل الله لا محالة وإن لم يظهر ذلك في مقاله ولكنك تعرفه في لحن معناه بدقائق الصد عن مجالسة غيره وبلطائف المنع من طرقات الآخرة لأن حب الدينا وغلبة الهوى يحكما عليه بذلك شاء أم أبى .

Bagian V01/P243–V01/P244

وقال بعض العلماء : إن الله عزوجل يحب العالم المتواضع ويبغض الجبار من العلماءومن تواضع لله تعالى ورثه الله تعالى الحكمة ، وفي الخبر عن ابن مسعود : إن الله تعالى ليمقت الحبر السمين ، وقال رسول الله لمالك بن الصيف : حبر من أحبار اليهود ، فقال : نشدتك الله تعالى ألم تجدفيما أنزل تعالى على موسى عليه السلام أن الله تعالى يبغض الحبر السمين ، وكان ابن الصيف سمينا فغضب عندها فقال : ( ما أنزل الله على بشر من شيء ) الأنعام : 91 ، ففيه نزلت هذه الآية تعريفا لبهته : ( قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا ) الأنعام : 91 ، فقال له أصحابه : ويحك ماذا قلت جحدت كتاب موسى فقال : إنه محكني فقلت ذلك ويقال ما آتى الله تعالى عبدا علما إلا أتاه معه حلما وتواضعا وحسن خلق ورفقا فذلك علامة العلم النافع ، وقد روينا معناه في الأثر : من آتاه عز وجل زهدا وتواضعا وحسن خلق فهو إمام المتقين ، وكان الحسن يقول : الحلم وزير العلم والرفق أبوه والتواضع سرباله ، وفي أخبار داود عليه السلام : إن الله تعالى أوحى إليه يا داودلاتسألن عني عالما قد أسكرته الدنيا فيصدك عن طريق محبتي أولئك قطاع طريق عبادي المريدين ، يا داود إن أدنى ما أصنع بالعالم إذا آثر شهوته على محبتي أن أحرمه لذيذ مناجاتي ، يا داود إذا رأيت لي طالبا فكن له خادما ، يا داود من رد إلي هاربا كتبته عندي جهبذا ومن كتبته جهبذا لم أعذبه أبدا . وروينا عن عيسى عليه السلام : مثل علماء السوء مثل صخرة وقعت على فم النهر لا هي تشرب الماء ولا تترك الماء يخلص إلى الزرع ، وكذلك علماء الدنيا قعدوا على طريق الآخرة فلا هم نفذوا ولا تركوا العباد يسلكون الله عز وجل ، قال : ومثل علماء السوء كمثل قناة الحش ظاهرها حسن وباطنها نتن ومثل القبور المشيدة ظاهرها عامر وباطنها عظام الموتى ، وقال بشر بن الحارث : من طلب الرياسة من العلماء فتقرب إلى الله تعالى ببغضه فإنه مقيت الله في السماء والأرض ، وكان الأوزاعي يروي عن بلال بن سعد أنه كان يقول : ينظر أحدكم إلى الشرطي والعون فيستعيذ بالله تعالى من حاله ويمقته وينظر إلى عالم الدنيا قد تصنع للخلق وتشوف للطمع والرياسة فلا يمقته ، هذا العالم أحق بالمقت من ذلك الشرطي ، وقد كان أبو محمد يقول : لا تقطعوا أمرا من الدين والدنيا إلابمشورة العلماء تحمدوا العاقبة عند الله قيل : يا أبا محمد من العلماء ؟ قال الذين يؤثرون الآخرة على الدنيا ويؤثرون الله تعالى على نفوسهم ، وقد قال عمر رضي الله عنه في وصيته : وشاور في أمورك الذين يخشون الله تعالى . وروينا في الإسرائيليات أن حكيما من الحكماء صنف ثلاثمائة وستين مصحفا في الحكمة حتى وصف بالحكم فأوحىالله تعالى إلى نبيهم : قل لفلان قد ملأت الأرض نفاقا ولم تردني بشيء من ذلك وإني لا أقبل شيئا من نفاقك قال : فأسقط في يديه وحزن وترك ذلك وخالط العامة ومشى في الأسواق وواكل بني إسرائيل وتواضع في نفسه فأوحى الله تعالى إلى النبي عليه السلام : قل له الآن وافقت رضاي ، وقال بعض العلماء : كان أهل العلم على ضربين ، عالم عامة وعالم خاصة ، فأما عالم العامة فهو المفتي في الحلال والحرام وهؤلاء أصحاب الأساطين ، وأما عالم الخاصة فهو العالم بعلم التوحيد والمعرفة هؤلاء أهل الزوايا وهم المنفردون وقد كانوا يقولون مثل الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه مثل دجلة كل أحد يعرفها ، ومثل بشر بن الحارث مثل بئر عذبة مغطاة لا يقصدها إلا واحد بعد واحد ، وقال حماد بن زيد : قيل لأيوب العلم اليوم أكثر أو فيما مضى ؟

Pertanyaan