Qur'an&Sunnah

Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb

Bagian V02/P224–V02/P225

فأما الاستثناء في الإيمان فإنه سنة ماضية وفعل الأئمة الراضية ، على معنى الخوف والتقصير ، وكراهية التزكية للنفس ، لا على وجه الارتياب في اليقين ، ولا بمعنى الشك في التصديق ، إذ الإيمان مقامات والمؤمنون فيه درجات ، ولذلك قال الله تعالى لقوم موصوفين بأعيانهم : ( أولئك هم المؤمنون حقا ) الأنفال : 4 ، فهذا وصفهم بالكمال ومدحهم بخصال الأعمال ، ففي دليل خطابه أن ثم مؤمنين غير حق كيف وقد قال تعالى : ( وأن فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعد ما تبين ) الأنفال : 5 - 6 ، وقال سبحانه وتعالى في وصف آخرين : ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ) الصف : 2 ، وقال في نعت الصادقين : ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون ) الحجرات : 51 ، وقال في مثل وصفهم : ( ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة ) البقرة : 177 ، الآية ، فذكر عشرين وصفا إلى قوله : ( أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ) البقرة : 177 ، منها الإيثار بالمال على حبه ، والوفاء بالعهد ، والصبر في الأمراض والجوع والشدائد ، فبعد ذلك شهد لهم بالصدق والتقوى وقال في وصف المحبوبين من الموقنين : ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم ) التوبة : 111 ، وقال في نعت عموم المؤمنين : ( وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم ) محمد : 36 - 37 ، فشتان بين من وصف بالمجاهدة و الصدق وبين من نعت بالخلف وعرض للمقت ، وبين من وصف بالحق وبين من يجادل في الحق ، وكم بين من قبل منه المال والنفس وبين من رد عليه المال ولم يسأله لما علم منه من البخل والضغن ، واسم الإيمان يجمعهم ومعناه يجتمع عليهم ، إلا أن مقامات الإيمان ترفع بعضهم على بعض وتفاوت بين بعضهم وبعض ، كما قال تعالى : ( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ) المجادلة : 11 ، وكقوله : ( لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى ) الحديد : 1 ، ، يعني الجنة على تفاوت الدرجات فيها ، فجمع بينهم في الدار كما جمع بينهم في اسم الإيمان ، ورفعهم في الدرجات علوا في المقامات ، كما قال تعالى : ( لهم درجات عند الله والله بصير بما يعملون ) آل عمران : 163 ، وقد روينا في خبر : الإيمان عريان ولباسه التقوى وحليته الورع وثمرته العلم ، ففيه دليل أن من لا تقوى له فلا لبس لإيمانه ومن لا ورع له فلا زينة لإيمانه ومن لا علم له فلا ثمرة لإيمانه فإن اتفق فاسق ظالم جاهل كان بالمنافقين أشبه منه بالمؤمنين وكان إيمانه إلى النفاق أقرب ويقينه إلى الشك أميل ولم يخرجه من اسم الإيمان إلا أن إيمانه عريان لا لبسة له ، معطل لا كسب له ، كما قال : ( أو كسبت في إيمانها خيرا ) الأنعام : 158 ، والنفاق مقامات قيل سبعون بابا والشرك مثل ذلك فيها طبقات .

Bagian V02/P225–V02/P226

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : أربع من كن فيه فهو منافق خالص ، وإن صام وصلى وزعم أنه مؤمن ؛ من إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان ، وإذا خاصم فجر ، وفي بعض هذا الحديث : وإذا عاهد غدر ؛ فصارت خمسا ، فإن كانت فيه واحدة منهن ففيه شعبة من نفاق حتى يدعها ، وفي حديث أبي سعيد الخدري وأبي كبشة الأنماري : القلوب أربعة : قلب أجرد فيه سراج يزهر فذلك قلب المؤمن ، وقلب مصفح فيه إيمان ونفاق فمثل الإيمان فيه كالبقلة يمدها الماء العذب ، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والصديد ، فأي المدتين غلبت عليه حكم له بها ، وفي لفظ آخر : أيهما غلبت عليه ذهب به ، وفي الخبر : الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، ففي تبعيض أخلاق الإيمان وفي وجود دقائق الشرك وشعب النفاق ما يوجب الاستثناء في كمال الإيمان لجواز اجتماع الإيمان والنفاق في القلب ولوجود شعب النفاق وعدم بعض شعب الإيمان من القلب ، كيف وقد جاء في الخبر : أكثر منافقي أمتي قراؤها ، والحديث الآخر : الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا ، وقال حذيفة : كان الرجل يتكلم بالكلمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصير بها منافقا إلى أن يموت : إني لأسمعها من أحدكم في اليوم عشر مرات ، وفي حديث علي كرم الله وجهه : أن الإيمان ليبدو لمعة بيضاء ؛ فإذا عمل العبد الصالحات نما وزاد حتى يبيض القلب كله ، وأن النفاق ليبدو نكتة سوداء فإذا انتهكت الحرمات نمت وزادت حتى يسود القلب فيطبع عليه ؛ فذلك الختم ، ثم قال تعالى : ( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ) المطففين : 41 ؛ فهذا كله موجب للاستثناء في الإيمان خشية خفايا الشرك ووجود دقائق النفاق وخوفا من الدعوى للحقيقة والكمال ، لأن من قال : إني مؤمن حقا فقد زكى نفسه وعصى ربه ، لأن الله تعالى نهى عن الزكية للنفس ، وعرض المزكي نفسه للكذاب في قوله تعالى : ( فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى ) النجم : 32 ، وبقوله : ( ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ) النساء : 49 ، ثم قال تعالى : ( انظر كيف يفترون على الله الكذب ) النساء : 5 ، ، وقد قال إبراهيم عليه السلام في تفسير أحد الوجهين من قوله تعالى : ( ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا ) الأنعام : 8 ، ، ومثله قال شعيب : وما يكون لنا أن نعود فيها ، يعني ملة الكفر ، إلا إن يشاء الله ربنا ، ثم عللا جميعا بسعة العلم وسبق المشيئة به فلم يأمنا أن يكونا في سعة علم الله عز وجل وفي خفي مشيئته ؛ وهذا هو خوف المكر ، وحقيقة المكر معنيان ؛ أحدهما أن يظهر شيئا ويخفي ضده ، والثاني أن يكشف ما كان ستره ويفشي ما كان أسره بعد الطمأنينة والعزة ، والأنبياء مع فضلهم ومكانهم يستثنون في الكفر خيفة المكر ، ولا يستثني الضعيف الجاهل في الإيمان ويغتر بظاهر أمره ، بل ينبغي أن يستثني في الإسلام أيضا وفي جميع أعمال البر ، لأن القبول غير العمل والسابقة غير ما ظهر من المعاملة ، ولا ينبغي أن يدع الاستثناء في شيء من الأحوال .

Bagian V02/P226–V02/P228

وقال بعض العلماء في معنى قوله تعالى : ( وجاءت سكرة الموت بالحق ) ق : 19 ، قال : بالسابقة ، وقال بعض السلف : إنما يوزن من الأعمال خواتيمها ، وكان أبو الدرداء يحلف بالله عز وجل : ما أحد أمن أن يسلب إيمانه إلا سلبه ، ويقال : من الذنوب ذنوب تؤخر عقوبتها إلى سوء الخاتمة ؛ وهذا من أخوف ما خافه العاملون من قوله تعالى : ( ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون ) المؤمنون : 63 ، وقيل : من الذنوب ذنوب لا عقوبة لها إلا سلب التوحيد في آخر نفس نعوذ بالله تعالى من ذلك ، وقيل : هذا يكون عقوبة الدعوى للولاية والكرامات للافتراء على الله تعالى ، وكان سهل رحمه الله تعالى يقول : من علامة الأولياء أنهم يستثنون في كل شيء ، وقال من قال : أفعل كذا ، ولم يقل إن شاء الله تعالى ، سئل عن هذا القول يوم القيامة فإن شاء عذبه وإن شاء غفر له ، وقد نهى الله تبارك وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن لا يقول شيئا حتى يستثني ، وأمره بالاستثناء إذا نسي فقال تعالى : ( ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ) الكهف : 23 - 24 ، ثم قال : ( واذكر ربك إذا نسيت ) الكهف : 24 ، أي الاستثناء ، أي فاستثن إذا ذكرت فتأدب صلى الله عليه وسلم بذلك أحسن الأدب فكان يستثني في الشيء يقع لا محالة ، . فروي أنه دخل المقابر فقال : السلام عليكم دار قوم مؤمنين ، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ، وقال سبحانه معلما لعباده الاستثناء ورادهم إليه بمشيئته ؛ وهو أصدق القائلين وأعلم العالمين : ( لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين ) الفتح : 27 ، والاستثناء أصل يرد إليه من عرفه ولم ينكر الاستثناء ، والأصل هو أن يزيد وينقص فأما زيادته فقد ثبت بنص الكتاب من قوله تعالى : ( ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ) مريم : 76 ، ومن قوله تعالى : ( فزادهم إيمانا ) آل عمران : 173 ، إلى نظائرها وما يزيد فهو ينقص لأن معناه موجود في الكتاب بدليل الخطاب من قوله تعالى : ( ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ) الإسراء : 82 ، وقوله : ( وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا ) المائدة : 64 ، ومن قوله تعالى : ( وفي آذانهم وقرا ) الأنعام : 25 ، وفي قوله تعالى : ( وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم ) التوبة : 125 ، فما يزيد الظالمين إلا خسارا ينقصهم رجحانا وربحا ، وما يزيدهم إلا كفرا ينقصهم إيمانا ، وما يكون عليهم عمى ينقصهم بصيرة ، وما يكون لهم رجسا يكون لهم من الطهارة نقصا ، من قبل أن مزيد الشر نقصان الخير ، كما أن مزيد الخير نقصان الشر ، ، فإذا ثبت أن الإيمان يزيد بالصالحات وينقص بالسيئات وجب الاستثناء فيه ، لأن الصالحات درجات يعلو فيها المؤمنون بحسن الولايات والمجاهدات ، قال الله تعالى في المجمل من الخطاب : ( وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ) آل عمران : 139 ، وقال : ( والله ولي المؤمنين ) آل عمران : 68 ، وقال في المفسر : ( ولكل درجات مما عملوا ) الأحقاف : 19 ، وقال في مثله : ( وهو وليهم بما كانوا يعملون ) الأنعام : 127 ، وقال : ( لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر و المجاهدون في سبيل الله ) إلى قوله : ( وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراعظيما ) النساء : 95 .

Bagian V02/P228–V02/P229

وروينا في حديث وائلة بن الأسقع : الإيمان يزيد وينقص ، وروي ذلك عن جماعة من الصحابة ومن لا يحصى من التابعين ، وقيل لأحمد بن حنبل رضي الله عنهما : ما معنى الاستثناء في الإيمان ؟ قال : أليس الإيمان قولا وعملا ؟ قيل : نعم ، قال : فالتصديق بالقول والاستثناء بالعمل ، وقال بعض العلماء : أقرب الناس من النفاق من يرى أنه منه بريء ، وقال مرة : آمنهم له ، وقال عمر مولى عفرة : أقرب الناس إلى النفاق الذي إذا زكى بما ليس فيه ارتاح لذلك قلبه ، وأبعد الناس منه من يتخوف أنه لا ينجيه حقيقة ما هو فيه ، وقال بشر بن الحرث : سكون القلب إلى قبول المدح أضر عليه من المعاصي ، وكان سهل يقول : غفلة العالم السكون إلى الشيء ، وغفلة الجاهل الافتخار بالشيء ، والسكون عندهم من الدعوى ، والدعوى من المعاصي ، وقال حذيفة اليوم المنافقون أكثر منهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا إذ ذاك يخفونه وهم اليوم يظهرونه ، وقيل للحسن : إن قوما يقولون لانفاق اليوم ، فقال : يا ابن أخي لو هلك المنافقون لاستوحشتم في الطرقات ، وعنه وعن غيره : لو نبت للمنافقين أذناب ما قدرنا أن نطأ على الأرض ، وسمع ابن عمر رجلا يطعن على الحجاج فقال : أرأيت لو كان حاضرا بين يديك أكنت تتكلم فيه بما تكلمت الآن ؟ قال : لا ، قال : كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من كان ذا لسانين في الدنيا جعل له لسانان من نار في الآخرة ، وفي خبر آخر : شر الناس ذو الوجهين يأتي هولاء بوجه وهؤلاء بوجه ، وقيل للحسن إن قوما يقولون : لا نخاف النفاق ، فقال : والله لأن أكون أعلم أني بريء من النفاق أحب إلي من تلاع الأرض ذهبا ، وقال الحسن : إن من النفاق اختلاف اللسان والقلب والسر والعلانية والمدخل والمخرج ، وقال رجل لحذيفة : إني أخاف أن أكون منافقا ، فقال : لو كنت منافقا ما خفت أن تكون منافقا ، إن المنافق قد أمن النفاق لأن النفاق على ضربين ؛ نفاق ينقل عن الملة وهو الشك في دين الله تعالى والرد لشرع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونفاق لا ينقل عن الملة ولا يخرج عن الإسلام ، ولكنه ينقص الإيمان ويذهب حقيقته ، ويطفئ أنواره ، ويحرم مزيده ، ويحبط الأعمال ، ويوجب المقت والإعراض ؛ وهو الرياء والمداهنة والتصنع للخلق و التزين بالحق وائتلاف الألسنة واختلاف القلوب وتفاوت القول والعمل ومخالفة الأمر إلى ما ينهي عنه واختلاف السر والعلانية وزيادة الظواهر على السرائر ، وهذا المعنى من النفاق الذي خالفه السلف وكانوا منه على إشفاق ، وكان سهل يقول : المرائي حقا الذي يحسن ظاهره ، حتى لا تنكر العامة والعلماء من ظاهره شيئا وباطنه خراب ، وقد كان الحسن وأصحابه يسمون أهل البدع منافقين ، وكان ابن سيرين وأصحابه يسمونهم خوارج ، وقال ابن أبي مليكة : أدركت ثلاثين ومائة ، وفي رواية خمسمائة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه ، وقال مرة : ما منهم أحد يقول أنا على إيمان جبريل وميكائيل عليهما السلام . وقد روينا عن علي وأبي سعيد قال : الأرجاء بدعة وقال أبو أيوب : أنا أكبر من الأرجاء ، أول من أحدث الأرجاء رجل من أهل المدينة ذكره ، وقال قتادة : لعن الله دينا أنا أكبر منه ، وإنما ظهر الأرجاء بعد هزيمة ابن الأشعث يعني في ولاية الحجاج ، وقال سفيان الثوري : من قال أنا مؤمن عند الله فهو من الكذابين ، ومن قال أنا مؤمن حقا فهو بدعة ، قيل : فما يقول ؟

Bagian V02/P229–V02/P230

قال : ( قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم ) البقرة : 136 الآية ، فقيل للحسن : أمؤمن أنت ؟ قال إن شاء الله ، فقيل : تستثني يا أبا سعيد في الإيمان ؟ فقال : أخاف أن أقول نعم فيقول الله تعالى : كذبت يا حسن فيحق علي الكلمة ، وكان يقول ما يؤمنني أن يكون الله عز وجل قد اطلع علي في بعض ما يكره فمقتني ، وقال : اذهب لا قبلت لك عملا أبدا فأنا أعمل في غير معمل ، وكان جماعة من أهل العلم يرون السؤال عن قوله أمؤمن أنت ؟ بدعة ، ويقول بعضهم : إذا قيل لك أمؤمن أنت ؟ فقل : آمنت بالله وكتبه ورسله ، وقال إبراهيم : إذا قيل لك أمؤمن أنت ؟ فقل : ما أشك في الإيمان وسؤالك إياي بدعة . وروينا عن الثوري عن الحسن بن عبيد الله عن إبراهيم النخعي : إذا سئلت أمؤمن أنت ؟ فقل : لا إله إلا الله ، ومنصور عن إبراهيم قال : سئل علقمة فقال : أمؤمن أنت ؟ فقال : أرجو ذاك إن شاء الله ، وكان الثوري يقول : نحن مؤمنون بالله وملائكته ورسله وما ندري ما نحن عند الله ، وقال بعض العلماء : أنا مؤمن بالإيمان غير شاك فيه ولا أدري أناممن قال الله سبحانه أولئك هم المؤمنون حقا أم لا . وقال بعض العارفين : لو عرضت علي الشهادة عند باب الدار والموت على التوحيد عند باب الحجرة لاخترت الموت على الشهادة ، قيل : ولم ؟ قال : لأني لا أدري ما يعرض لقلبي من التغير عن التوحيد من باب الحجرة إلى باب الدار ، وقال أبو سليمان الداراني : سمعت فلانا - يعني بعض الأمراء - يتكلم على المنبر بكلام أردت أن أقوم فأنكر عليه فخشيت أن يأمر بقتلي ، فلم يكن بي أن أموت ولكن خشيت أن يعرض لقلبي التزين للخلق بأني أمرت بالمعروف على الإمام وقتلت في الله عز وجل عند خروج روحي فكففت عن ذلك . وقال بعض العارفين : لو عرفت أحدا على التوحيد خمسين سنة ثم حالت بيني وبينه سارية ثم مات ، لم أحكم أنه مات على التوحيد لعلمي بسرعة تقليب القلوب ، وقال منصور بن زاد : إن كان الرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا سئل قال : أنا مؤمن إن شاء الله ، وقال أبو وائل : قال رجل لابن مسعود : لقيت ركبا فقالوا : نحن المؤمنون فقال : ألا قالوا نحن من أهل الجنة ؟ وقال بعض أصحاب عبد الله لرجل : أمؤمن أنت ؟ قال : نعم ، فذكر ذلك لابن مسعود فقال : سلوه أمن أهل الجنة أنت ؟ فقال : أرجو ، فقال : ألا رجيت الأولى كما رجيت الثانية ، ونقش ابن لبعض التابعين على خاتمه : فلان لا يشرك بالله تعالى شيئا فقال أبوه : هذا أقبح من الشرك . وقال بعض السلف : أقرب الناس من النفاق من يرى أنه أبعدهم منه عند نفسه ، وفي الخبر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا في جماعة من أصحابه فذكروا رجلا ومدحوه وأحسنوا الثناء عليه ، فبيناهم كذلك إذ طلع عليهم الرجل يقطر وجهه ماء من أثر الوضوء قد علق نعليه بيديه وبين عينيه أثر السجود فقالوا : يا رسول الله هذا هو الرجل الذي وصفنا لك آنفا ، فلما نظر إليه صلى الله عليه وسلم قال : أرى على وجهه سفعة من الشيطان ، يعني ظلمة ، فجاء الرجل حتى سلم وجلس مع القوم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : نشدتك الله هل حدثت نفسك حين أشرفت على القوم أنه ليس فيهم خير منك ؟

Bagian V02/P230–V02/P231

فقال : اللهم نعم ، في الحديث : من قال إني مؤمن فهو كافر ، ومن قال إني عالم فهو جاهل ، ومن قال إني في الجنة فهو في النار ، وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق رضي الله تعالى دعاء قال : قل فيه : اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم ، وأستغفرك لما لا أعلم ، وجاء في الخبر : الشرك في أمتي أخفى من دبيب النمل على الصفا ، وكان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني أستغفرك لما علمت وما لم أعلم ، فقيل له : أتخاف يا رسول الله ؟ قال : وما يؤمنني والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ، وقال الله تعالى : ( وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ) الزمر : 74 ، قيل : عملوا أعمالا ظنوا أنها حسنات ، فلما كان عند الحساب والميزان وجدوها سيئات ، وقيل كانت هذه الآية مبكاة العابدين ، وقيل في معنى قوله تعالى : ( وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا ) الأنعام : 115 ، وقيل : صدقا لمن مات على الإيمان وعدلا لمن مات على الشرك كقوله تعالى : ( إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية ) يونس : 96 - 97 ، وقال سبحانه : ( ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون ) المؤمنون : 63 ، وقال : ( ينالهم نصيبهم من الكتاب ) الأعراف : 37 ، وقال : ( وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص ) هود : 9 ، 1 ، وقال : ( ولله عاقبة الأمور ) الحج : 41 ، وقال : ( لا يعلم من في السموات و الأرض الغيب إلا لله ) النمل : 65 ، فالاستثناء في الإيمان هو من الإيمان ، والاستثناء في كل شيء من علامة الأولياء ، والإشفاق من الشرك والنفاق ، هو من مزيد الإيمان لئلا يسكن العبد إلى شيء ولا يزكي نفسه بشيء ، وقال سري السقطي : لو أن رجلا دخل إلى بستان فيه من جميع الأشجار عليها من جميع الأطيار فخاطبه كل طير منها بلغة فقال السلام عليك يا ولي الله فسكنت نفسه إلى ذلك كان أسيرا في أيديها .

Bagian V02/P231–V02/P232

الفصل السادس والثلاثون في فضائل أهل السنة والطريقة وطرق السلف من الأئمة

Bagian V02/P232–V02/P233

السنة اسم من أسماء الطريق ، وهو اسم للطريق الأقوم ، يقال : طريق وطريقة وسنن وسنة وحجة ومحجة ، فمن فضائل السنة وطريق أهلها التقلل من الدنيا في كل شيء ، والقناعة من الله تعالى بأدنى شيء ، والتواضع لله بكل شيء ، وفي الخبر فضل العبادة التواضع ، وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أربع لا يوجدن إلا بعجب التواضع ؛ وهو أول العبادة ، والصمت ، وذكر الله تعالى ، وقلة الشيء ، واعلم أن التواضع يظهر بمعان خمسة : بالقول ، والفعل ، والزي ، والأثاث ، والمنزل ، يكون في المؤمن بعضها ، فمن كملت فيه فهو متواضع ، والكبر ضد التواضع وهو يظهرأيضا بأضداد هذه الخمسة يبتلي المؤمن ببعضها ويعافى من البعض ، فمن كملت فيه فهو متكبر ، وحقيقتها في القلب وظاهرها بالأفعال والأقوال ثم الورع عن الشبهات والمشكلات من العلوم والأعمال أن يقدم عليها بنطق أو عمل ولا يعتقد نفيها ولا إثباتها خشية أن يكون معتقد الباطل أو نافيا لحق ، بل يكون اعتقاده فيها تسليما لله عز وجل ، ويقول : آمنت بحقائقها عند الله تعالى فذلك تعبد من الله عز وجل للمؤمنين فيما تشابه من الأمور ، أن يسكتوا ويسلموا ، وبذلك وصف الراسخين في العلم وأقسم بنفسه على نفي إيمان من لم يسلم تسليما وجعل التسليم مزيد الإيمان في قوله تعالى : ( وما زادهم إلا إيمانا وتسليما ) الأحزاب : 22 ، وفي الخبر : إنما الأمور ثلاثة أمر استبان رشده فاتبعه ، وأمر استبان غيه فاجتنبه ، وأمر أشكل عليه فكله إلى عالمه ، وكذلك ابن مسعود يقول : إن لهذا القرآن منارا كمنار الطريق ، فما عرفتم منه فاعملوا به ، وما لم تعلموه فكلوه إلى عالمه ، وكان أيضا يقول : أنتم اليوم في زمان خيركم فيه المسارع ، وسيأتي عليكم زمان يكون خيركم فيه المتبين يعني لوضوح الحق في القرن الأول ولدخول الشبهات في زماننا هذا ، فصار الحق غامضا فكان خير الناس اليوم المتثبت بالورع ، كما أخبر أن خيرهم يومئذ المسارع بالفضل ومما يدلك أن الإيمان هو التسليم ، كما أن الإيمان هو التصديق ، أن في قراءة بعض التابعين منهم جعفر بن محمد ، وقد رويناه عن أبي جعفر ومحمد بن علي أنهما قرأا : ( واجعلنا مسلمين لك ) البقرة : 128 وقرأا أيضا : ( الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين ) الزخرف : 69 فلولا أنهما بمعنى واحد لم يجز أن يخالفوا المعنى في المقروء .

Bagian V02/P233–V02/P234

وكذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في الأمر المتشابه الذي يشبه الحق من جهة ويشبه الباطل من جهة : لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ولكن قولوا : آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم ، هذا لأن الله سبحانه وتعالى أنزل التوراة ؛ فهي حق ، ثم أخبر أنهم قد حرفوها فاحتمل أن يكون ما يخبرون به المؤمنين مما أنزل الله تعالى فلا يحل التكذيب به ولا اعتقاد نفيه ، واحتمل ما يخبرون به المؤمنين أنهم حرفوا فلا يحل قبوله ولا اعتقاد ثبوته ، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بإيقاف ذلك والإيمان بما أنزل الله تعالى جملة ، فإن كان ما أخبروهم حقا دخل فيه ، وإن كان باطلا لم يضره ، فالمسلم هو الذي يسلم ما لم يظهر دليله في العقل لأجل القدرة والسنة والنقل ، كما أن المؤمن هو الذي يصدق بما لم يظهر بمشاهدة العين الإيمان بالغيب ، لأن العقل بصره القلب كالعين بصر الجسم ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم رفع القلم عن المجنون حتى يعقل ، كما قال الله تعالى : ( ليس على الأعمى حرج ) النور : 61 ، ثم ترك ما لا يعني مما قد كفي ومما لم يكل إليه من القول والفعل ، لأن الدخول فيما لا يعني هو التكلف المنهي عنه الذي أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الأتقياء من أمته براء منه ، وهو يشغل ويقطع عما يعني ، وفيما يعني شغل عما لا يعني لكل فطن عاقل ، وهو أصل الحكمة فيما أخبر به لقمان لما سئل : أنى أوتي الحكمة ؟ قال : بشيئين لا أتكلف ما كفيت ولا أضيع ما كلفت فهذا شيء لا يضر جهله ولا ينفع فعله ، ولأنه شيء كتب عليه لم يكن له فيه فضل وإن سمع منه وظهر به ، ولم يكن له فيه مزيد ولا لغيره نفع ، ثم كف الأذى ؛ فإن ذلك من الورع ، وكان سهل رحمه الله تعالى يقول : كف الأذى كسب العقل واحتمال الأذى كسب العلم ، والنصيحة للخلق والرحمة لهم كسب الإيمان من العمل في قطع ما قد اعتاد من عاجل حظوظ النفس مما يقطعه عن العمل لأجل الآخرة وأعمال النفس وإجهادها ، وأن لا يكون لها معتاد من شهوة تعود على النفس منه منازعة ، فإن العادة جند غالب لأجلها تعذرت التوبة ولغلبتها رجع العبد عن الاستقامة ؛ وهي باب من أبواب الهوى ، إلا فيما أمر به العبد أو ندب إليه ، قال أبو سليمان الداراني : إن قدرت أن لا يكون لك وقت معتاد في الأكل تنازعك نفسك إليه فافعل ، وقال : لأن أترك لقمة من عشائي أحب إلي من قيام ليلة ، أي لنقص النفس من المعتاد والتقلل أيضا ، وقال أيضا ، ترك شهوة من شهوات النفس أنفع للقلب من صيام سنة ، وقيامها هذا كله خشية إيلاف العادات ، فتنازع النفس إلى الألف فلا يمكنك ضبطها لغلبة الوصف ، ثم حسن الصبر على ما أمر به ، وحسن الصبر عما نهى عنه ؛ فإن ذلك من أفضل الأعمال وله فضائل المزيد والكمال .

Bagian V02/P234

وفي حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : اتق المحارم تكن من أعبد الناس ، وفي لفظ آخر : تكن من أورع الناس ، ومن أحسن ما سمعته من عظيم المثوبة في الصبر عن المعصية ما حدثونا في الإسرائيليات : أن رجلا تزوج امرأة من بلدة ، وكان بينهما مسيرة شهر ، فأرسل إلى غلام له من تلك البلدة ليحملها إليه فسار بها يوما ، فلما جنه الليل أتاه الشيطان فقال له : إن بينك وبين زوجها مسيرة شهر فلو تمتعت بها ليالي هذا الشهر إلى أن تصل إلى زوجها ، فإنها لا تكره ذلك وتثني عليك عند سيدك فتكون أحظى لك عنده ، فقام الغلام يصلي فقال : يا رب ، إن عدوك هذا جاءني فسول لي معصيتك ، وإنه لا طاقة لي به في مدة شهر وأنا أستعيذك عليه يا رب فأعذني عليه ، واكفني مؤونته ، فلم تزل نفسه تراوده ليلته أجمع وهو يجاهدها حتى أسحر فشد على دابة المرأة وحملها وسار بها ، قال : فرحمه الله تعالى ، فطوى له مسيرة شهر فما برق الفجر حتى أشرف على مدينة مولاه ، قال : وشكر الله تعالى له هربه إليه من معصيته فنبأه ، فكان نبيا من أنبياء بني إسرائيل ، ثم إعداد العدة لما يستقبل إذا كان ذلك من مريدي السعي للآخرة والشغل بالنفس والإقبال عليها دون الناس فقد وجب ذلك ، والزهد في فضول الشهوات واجتناب كثير من الشبهات فقد افترض ذلك ، وقلة الذكر للناس ولأمور الدنيا فقد حسن ذلك ، ومنه غفلة وقسوة للقلب وكثرة الذكر لله تعالى والتذكير به وذكر آلائه ونعمائه وحسن الثناء عليه والمدح له ، وقد كان بعض العلماء يقول : من جالسنا فليجتنب ذكر ثلاث خصال وليقض فيما يشاء : يجتنب ذكر الناس فإنهم داء ، ويجتنب ذكر الدنيا فإنها قسوة ، ويجتنب كثرة الطعام فإنها شره ، وقال عالم آخر : من جالسنا فلا يذكر إلا الله وحده ، فإن كان لا بد من ذكر غيره فليذكر الآخرة وليذكر الصالحين ، وكان سهل رحمه الله تعالى ورضي عنه يقول : السنة ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وأول السنة الزهد في الدنيا لأنهم كانوا زاهدين ، وكذلك جاء الخبر في وصف الفرقة الناجية : من كان على ما أنا عليه وأصحابي فقد كانوا على هذه الأوصاف التي ذكرناها ، فمن كان على ذلك فهو على السنة فهذه فضائل السنة وهو مزيد الإيمان وحسن اليقين .

Bagian V02/P234–V02/P235

ذكر عري الإيمان وجمل الشريعة قال الله جل ثناؤه وصدقت أنباؤه : ( ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ) الجاثية : 18 ، فالشريعة اسم من أسماء الطريق ، وهو اسم الطريق الواضح المستقيم الواسع ، وهو وصف لطريق جامع لجوامع المحاج كلها ، كأنه طريق يستوعب ويجمع سائر الطرق ، وللطريق أسماء كثيرة منها الصراط المستقيم والسبيل والمنهاج والمحجة والمنسك ، وجاء من اشتقاق هذا اللفظ أربعة أسماء : شارع ، ومشرعة ، وشرعة ، وشريعة ؛ وهو اسم لأوسعها وأوعبها لجميع الطرق ، فالشريعة تشتمل على اثنتي عشرة خصلة هي جامعة لأوصاف الإيمان ؛ أول ذلك الشهادتان وهي الفطرة ، والصلوات الخمس وهي الملة ، والزكاة وهي الطهرة ، والصيام وهو الجنة ، والحج وهو الكمال ، والجهاد وهو النصر ، والأمر بالمعروف وهو الحجة ، والنهي عن المنكر وهو الوقاية ، والجماعة وهي الألفة ، والاستقامة وهي العصمة ، وأكل الحلال وهو الورع ، والحب والبغض في الله وهو الوثيقة ، وقد روينا بعض هذه الخصال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جاء نحوها عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما . ذكر شرط المسلم الذي يكون به مسلما لا يكون معتقد البدعة ، ولا مقيما على كبيرة ، ولا آكل الحرام ، ولا طاعنا على صالح السلف ، ويكون كاف اللسان واليد عن أعراض المسلمين وأموالهم ، ويكون ناصحا لجميع المسلمين مشفقا عليهم ، يسره ما يسرهم ويسوءه ما يسوءهم ، سيما لأئمتهم ، داعيا لجملتهم ، ويكون مخلصا لأعماله كلها لله تعالى ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه ، وروي عنه : ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم : إخلاص العلم لله تعالى ، ومناصحة ولاة الأمر ، ولزوم الجماعة ، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم ، ومن اجتمعت فيه هذه الخصال في زماننا هذا فهو من أولياء الله عز وجل ؛ وهذا أول ولاية وأول نظرة من الله تعالى حامية عاصمة راحمة ، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى سالم بن عبد الله : اكتب إلي بسيرة عمر رضي الله تعالى عنه في الناس فإني أحب أن أسير بها فكتب إليه : أما بعد فإنك لست في زمان عمر ، ولا لك رجال كرجال عمر ؛ فإن عملت في زمانك هذا ورجالك هؤلاء بسيرة عمر فأنت خير من عمر رضي الله عنه . ذكر حسن إسلام المرء وعلامات محبة الله تعالى له

Bagian V02/P235–V02/P236

يكون محبا للخير وأهله ، مجانبا للشر وأهله ، مسارعا إلى ما ندب إليه أو أمر به إذا قدر عليه ، حزينا على ما فات من ذلك إذا أعجزه ، تاركا لما لا يعنيه من الأقوال والأفعال ، بريئا من التكلف ؛ وهو اجتناب ما لم يؤمر به ولم يندب إليه من ترك وفعل مصليا للخمس في جماعة إذا أمن الفتنة وسلم له دينه ، ومجتنبا للغيبة ولذكر الناس ، يحب للكافة ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكره لنفسه ، ومسارعا إلى الخيرات ، مسابقا إلى أعمال البر والقربات ، طويل الصمت ، لين الجانب ، ذليلا للمؤمنين ، عزيزا على المتكبرين ، لا يماري في الباطل ولا يداهن في الدين ، ولا يبغض على شيء من الحق وإن كان عليه ، أو من أبعد الناس منه ، ولا يحب على شيء من الباطل وإن كان له أو من أقرب الناس إليه ، كارها للمدح ممن يحبه ، قابلا للنصح ممن يبغضه ، يكون المدح والذم يجريان من قلبه مجرى واحد ، صدوقا فيما يضره ، غير متصنع بما يستعجل نفعه ، سريرته أفضل من علانيته ، محتملا لأذى الخلق ، صابرا على بلائهم ، منفردا بحاله عنهم ، تاركا الكثير من مجالسهم واجتماعهم خشية دخول الشبهات عليه ، وخوفا من تغير قلبه له ، ومن اجتمعت فيه هذه الخصال في زماننا هذا فهو من المريدين للآخرة ، وهذه ولاية ثانية ونظرة ثانية ، ويقال إن أبدال كل قرن على قدر زمانهم وفي كل قرن سابقون ومقربون . وقال بعض أهل التفسير في قوله تعالى : ( لتركبن طبقا عن طبق ) الإنشقاق : 19 ، قال : لتركبن في كل قرن في طبقة من الناس على حال لم يكونوا عليه ، وأكثر ما قيل في القرن مائة سنة ، وأقل ما قيل فيه أربعون ، وأوسط ذلك وأعدله وأشبهه بحمل الأحاديث والأخبار فيه أن القرن سبعون سنة ؛ وهو قول علي رضي الله عنه ، لأن رأس المائتين تمام ثلاثة قرون من المبعث ، ونحن الآن في القرن السادس من أول سنة أربعين وثلاثمائة وآخره سنة عشر وأربعمائة ، ويقال : إن الشمس تطلع من المغرب بعد القرن السابع وهو رأس الثمانين وأربعمائة وعلى قول من قال : القرن مائة سنة تطلع بعد سبعمائة سنة ، وفي الخبر : أن ملك الموت إذا جاء لقبض روح المؤمن قال له ملكاه : أنظرنا حتى نملأ مسامعه من الثناء الحسن ، فيقولان : جزاك الله عنا خيرا فإنك كنت ما علمنا سريعا في طاعة الله تعالى بطيئا عن معاصية تحب الخير وأهله وتعمل بما استطعت منه ، فرب كلام حسن قد أسمعتنا ومجلس كريم قد أجلستنا فأبشر بالموعود الصدق بيننا وبينك الوقوف بين يدي الله تعالى بالشهادة لك عنده غدا . ذكر حق المسلم على المسلم وهو وجوب حرمة الإسلام على المسلمين

Bagian V02/P236–V02/P238

وذلك عشر خصال مجموعة من ستة أحاديث ؛ حديث علي رضي الله عنه : للمسلم على المسلم ست خصال واجبة ، وحديث أبي أيوب الأنصاري : حق المسلم على المسلم ست خصال إن ترك منها شيئا ترك حقا واجبا عليه ، وحديث البراء بن عازب : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع ، وحديث ابن مسعود : للمسلم على المسلم أربع خلال واجبات ، وحديث سعد وأبي هريرة في معنى ذلك ، وحديث أنس : أربع من حق المسلم عليك إلا أنه ذكر غير ذلك ، فاختلفت الألفاظ في الخصال وأنفقت المعاني ، وذكر بعضهم في حديث ما لم يذكره الآخر ، فجمعنا اختلافهم وعدد جمل الخصال فكانت عشرة إلا ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه ؛ فإنه حديث غريب مؤكد للخصال وزائد عليها في الألفاظ نذكره بعدها ، فأما الخصال العشر التي كثرت الأخبار بها فهي أن يسلم عليه إذا لقيه ، ويجيبه إذا دعاه ، ويشمته إذا عطس ، ويعوده إذا مرض ، ويشهد جنازته إذا مات ، ويبر قسمه إذا أقسم عليه ، وينصح له إذا استنصحه ، ويحفظه بظهر الغيب إذا غاب عنه ، ويحب له ما يحب لنفسه ، ويكره له ما يكره لنفسه ، فأما حديث أنس : فروينا عن إسماعيل بن أبي زياد عن أبان بن عياش عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أربع من حق المسلم أن تعين محسنهم وأن تستغفر لمذنبهم وأن تدعو لمدبرهم وأن تحب تائبهم ؛ فهذه الخصال داخلة في تلك الخصال وجامعة لها في معنى النصيحة لأخيك ، وفي أن تحب له ما تحب لنفسك ، وقد كان ابن عباس يؤكد هذا المعنى خاصة للمسلم على المسلم ، ويفرضه فرض الحلال والحرام ، ويفسر به قوله : رحماء بينهم ، فحدثناه في رواية جبير عن الضحاك عنه في قول الله عز وجل : رحماء بينهم ؛ يعني متوادين بينهم ، يدعو صالحهم لطالحهم ، إذا نظر الطالح إلى الصالح من أمة محمد صلى الله عليه وسلم قال : اللهم بارك له فيما قسمت له من الخير ، وثبته عليه ، وانفعنا به ؛ وإذا نظر الصالح إلى الطالح من أمة محمد صلى الله عليه وسلم قال : اللهم اهده ، وتب عليه ، واغفر له ، قال ابن عباس هذه الآية من حلالكم وحرامكم ؛ فهذه الخصال المذكورة جامعة مختصرة في حرمة المسلمين ووجوب حق بعضهم على بعض لا عذر لأحد منهم في تركها إلا من عذرته السنة ، ويشهد له العلم ، وبعضها أوكد من بعض وأكمل المؤمنين إيمانا لقومهم بها وأسرعهم إليها قد كثرت بها الروايات ، وقد كان بعض السلف تركوا منها ثلاثة : إجابة الدعوة ، وعيادة المرضى ، وشهود الجنائز ، إلا أن هؤلاء اعتزلوا الناس أصلا وكانوا أحلاس بيوتهم لم يخرجوا إلا إلى الجمعات ، ومنهم من ترك الجماعات وكان منهم من تبوأ الجبانات وفارق الأمصار والإخوان ، وقال سهل : ما أعلم شيئا أشد من حقوق الناس وكان يقول من كف أذاه عن الخلق مشى على الماء ، وقال أبو يزيد وغيره بغية العقلاء السلامة من الله تعالى ، ومن أراد السلامة من الله فليسلم الناس منه ، فمن أراد أن يسلم الناس منه فليبعد منهم ، فقد أنشدت لبعضهم في معناه : الناس بحر عميق . . . والبعد منهم سلامه وقد نصحتك فانظر . . . لا تدركنك ندامه وقد روينا عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه : اتقوا الله واتقوا الناس ، وعن ابن عباس مثلها : لولا مخافة الوسواس لم أجالس الناس ، وقال مرة : لدخلت بلادا لا أنيس بها وهل يفسد الناس إلا الناس ؟

Bagian V02/P238

وقال بعض السلف : كلما كثرت المعارف كثرت الغرماء وكلما أطالت الصحبة توكدت الحقوق ، وقال بعض العلماء : من عرف نفسه استراح ، ومن عرف الناس تعنى ، وقال بشر بن الحرث في ضده : من عرف الناس استراح ، وقد قيل في معنى قوله عليه الصلاة والسلام : مداراة الناس صدقة ، قال : مداراتهم في العلوم ومفارقتهم في العقول وفي أحد الوجوه من قوله تعالى : ( إدفع بالتي هي أحسن ) المؤمنون : 96 ، قال هي المداراة ، وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أعطي حظه من الرفق أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة ، ومن منع حظه من الرفق منع حظه من الدنيا والآخرة .

Bagian V02/P238–V02/P239

ذكر سنن الجسد وفي الجسد اثنا عشرة سنة ، وذلك مأخوذ من ثلاثة أحاديث متفرقة : منها حديث جبريل عليه السلام حين استبطأه النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي ؛ خمس منها في الرأس وهي : المضمضة ، والاستنشاق ، والسواك ، وقص الشارب ، وفرق شعر الرأس ؛ ومنها سبع في الجسد : وهي الختان ، والاستحداد ، وانتفاض الماء وهو الاستنجاء ونتف الإبط ، وتقليم الأظافر ، وغسل البراجم ، وتنظيف الرواجب ، فأما البراجم فهي معاطف ظهور الأنامل لم تكن العرب تكثر غسل ذلك لتركها غسل أيديها عقيب الطعام ، فكان يجتمع في تلك المكاسر الوسخ فأمروا بغسلها ، قال أبو هريرة وغيره من أهل الصفة : كنا نأكل الشواء ثم تقام الصلاة فندخل أصابعنا في الحصباء ، ثم نفركها في التراب ونكبر ، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ما كنا نعرف الأشنان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما كانت مناديلنا بواطن أرجلنا ، كنا إذا أكلنا الغمر مسحنا بها ، ويقال : أول ما ظهر من البدع بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع : المناخل ، والأشنان ، والموائد ، والشبع ؛ فهذه كلها في شأن الجوف وهو شر وعاء مجوف ، وأما الرواجب فهي جمع راجبة وهي واحدة الأنامل لم تكن العرب يتفق لها الجلمان في كل وقت فيقصون أظفارهم فوقت لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لقص الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة أربعين يوما ، إلا أنه أمر بتنظيف ما تحت الأظافر لأنه مجمع النفث ؛ وهي الرواجب إلى أن يقصوا أظفارهم ، وجاء في الأثر : أن النبي صلى الله عليه وسلم استبطأ الوحي فلما هبط جبريل عليه السلام قال له : كيف ننزل عليكم وأنتم لا تغسلون براجمكم ولا تنظفون رواجبكم ، وقلحا لا تستاكون ؟ مر أمتك بذلك . ويقال لما تحت الأظافر من الوسخ الأف ، وهو الذي يقال أف وتف ؛ فالأف وسخ الظفر ، والتف وسخ الأذن ، وقيل : بل التف كلمة اتباع للمبالغة في التأذي بالقذر المؤذي ؛ ومن ذلك قولهم في الإتباع جائع نائع وعطشان نطشان ولا أثر له ولاعنبر ، وقيل من هذا قول الله تعالى : ( فلا تقل لهما أف ) الإسراء : 23 ، أي لا تعبهما بما تحت الظفر من الوسخ ، وقيل : لا تؤذهما تأذيك بما تحت ظفرك من الأذى أو لا تؤذهما بمقدار ذلك . ذكر ما في اللحية من المعاصي والبدع المحدثة

Bagian V02/P239–V02/P240

قد ذكر في بعض الأخبار : أن لله تعالى ملائكة يقسمون والذي زين بني آدم باللحي ، ويقال : إن اللحية من تمام خلق الرجل وبها تميز الرجال من النساء في ظاهر الخلق ، في وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه كان كث اللحية ، وكذلك كان أبو بكر وكان عثمان طويل اللحية دقيقها ، وكان علي رضي الله تعالى عنه عريض اللحية قد ملأت ما بين منكبيه ، ويقال : إن أهل الجنة مرد إلا هارون أخا موسى عليهما السلام فإن له لحية إلى صدره تخصيصا له وتفضيلا ، ووصف بعض بني تميم من رهط الأحنف بن قيس قال : وددنا أنا اشترينا للأحنف اللحية بعشرين ألفا فلم يذكر حنفه في رجله ولا عوره في عينه وذكر كراهية عدم لحيته وكان عاقلا حليما ، وقد روينا من غريب تأويل قوله تعالى : ( يزيد في الخلق ما يشاء ) فاطر : 1 ، قال اللحي وفيه وجوه كثيرة ، وذكر عن شريح القاضي قال : وددت لو أن لي لحية بعشرة آلاف ، وقال بعض الأدباء في اللحية خصال نافعة منها تعظيم الرجل والنظر إليه بعين العلم والوقار ، ومنها رفعه في المجالس والإقبال عليه ، ومنها تقديمه على الجماعة وتعقيله وفيها وقاية للعرض ؛ يعني إذا أرادوا شتمه عرضوا له بها فوقت عرضه ، وقال أبو يوسف القاضي : من عظمت لحيته جلت معرفته ، ففي اللحية من خفايا الهوى ودقائق آفات النفوس ، ومن البدع المحدثة اثنتا عشرة خصلة بعضها أعظم من بعض وكلها مكروهة ، قد كنا أجملنا ذلك عددا في باب آفات النفوس ، فأما تفسيره فإن من ذلك خضابها بالسواد لأجل الهوى وتدليس الشيبة ، وخضابها بالحمرة والصفرة من غير نية تشبيها بالصالحين والقراء من السنة ، وتبييضها بالكبريت وغيره استعجالا لإظهار علو السن وستر الحداثة لأجل الرياسة والتعظيم ليشهد عند الحكام أو لينفق بذلك حديثه ويدعي بالسن مشاهدة من لم يره ، فعل ذلك بعض المحدثين وبعض الشهود ، ومن ذلك نتفها أو نتف الشيب منها تغطية للتكهل ، ومنها تقصيصها كالتعبية طاقة على طاقة للتزين والتصنع ، ومن ذلك النقصان منها والزيادة فيها وهو أن يزيد في شعر العارضين من الصدغ من شعر الرأس حتى يجاوز عظم اللحى وذلك هو حد اللحية ، أو ينقص من العظمين إلى نصف الخد وذلك مثله وهو نقصان من اللحية ، ومن ذلك تسريحها لأجل الناس تصنعا أو تركها لأجل الناس شعثة مفتلة مغبرة إظهارا للزهد أو التهاون بالقيام على النفس لأنه قد عرف بذلك ، ومن ذلك النظر إلى سوادها عجبا بها وخيلاء وغرة بالشباب وفخرا ؛ ومن ذلك النظر إلى بياضها تكبرا بكبر السن وتطاولا على الشبان فيحجبه نظره إليها عن النظر إلى نفسه من تعلم العلم وتعلم القرآن الذي لا يسعه جهله والسؤال عما يجهله استصغارا لغيره من الشباب ، أو حياء من شيبه ، أو استنكافا منه ، فيظن بجهله أن كثرة الأيام التي بيضت شعر لحيته أعطته فضلا أو جعلت فيه علما ، ولا يعلم أن العقل غرائز في القلوب وأن العلم مواهب من علام الغيوب ، ومن كانت غريزته الحمق وطبيعته الجهل كثرت حماقته كلما كبر وعظمت هالته إذا أسن ، وقد روينا جميع ذلك في كثير من الناس وهذا كله محدث وهو ضاهي سنن الجسد الاثنتي عشرة في العدد ، ومما جاء في جمل معاني ما ذكرناه من الكراهة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : حفوا الشوارب واعفوا اللحى ، فقوله : حفوا أي اجعلوها حفافي الشفة أي حولها ، لأن حفاف الشيء حوله ، ومن ذلك قوله عز وجل : ( وترى الملائكة حافين من حول العرش ) الزمر : 75 ، وكان بعض العلماء يكره حلق الشارب حتى تظهر البشرة ويراه بدعة ، وقد كان مالك بن أنس وبعض علماء المدينة يقولون : حلق الشارب مثله إنما هو الأخذ منه حتى يبدو الإطار والإطار حروف الشفة من فوق .

Bagian V02/P240–V02/P242

وفي الحديث لفظة أخرى : أحفوا الشوارب ، والإحفاء هو الاستئصال والاستقصاء ؛ وهو أبلغ من قوله : حفوا ، ومن هذا قوله عز وجل : ( إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ) محمد : 37 أي يستقصي عليكم ، وقد كان كثير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يحفي شاربه ، ونظر بعض التابعين إلى رجل أحفى شاربه ، فقال : ذكرتني أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فقلت هكذا كانوا يحفون شواربهم ، فقال : نعم وأشد من هذا كالحلق ، وليس الإحفاء حلقا إلا أنه شبيه به ، وقد روينا في هذا الحديث ثلاثة ألفاظ أخر وهو : خذوا من الشوارب فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من شاربه ، وروي قصوا الشوارب ، وجزوا الشوارب ؛ فهذه الثلاثة بمعنى واحد وهو يقتضي أخذ بعضه وترك البعض ليست كالإحفاء ، وقال المغيرة بن شعبة : نظر إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد عفا شاربي فقال تعال : فقصه لي على سواك فهذا نص من فعله في أخذ الشارب ، وقد رويت لفظة غريبة طروا الشوارب طرا ؛ والطر أن يؤخذ من فوق الشارب ومن تحته يستدق ، والطر الدقيق المستطيل المستخرج من شيء أكثر منه حتى يحمل على وصف دونه أو أصغر منه ؛ ومن هذا سميت الطرة كأنها مستخرجة من شيء كثير مجعولة على وصف لطيف ، وكان بعض السلف يترك سباليه وهما طرفا الشارب ويحفي وسط شاربه ، وروي هذا عن عمر وغيره ، وكذلك رأيت أبا الحسن بن سالم رحمه الله تعالى يفعل فأما قوله : وأعفوا اللحى يعني كثروها ، ومن هذا قول الله عز وجل ( حتى عفوا ) الأعراف : 95 ، أي كثروا ، وفي الخبر أن اليهود يعفون شواربهم ويقصون لحاهم ، فخالفوهم ورد عمر بن الخطاب وابن أبي ليلى قاضي المدينة شهادة رجل كان ينتف لحيته ونتف الفينكين بدعة ؛ وهما جنبتا العنفقة ، شهد رجل عند عمر بن عبد العزيز بشهادة وكان ينتف فينكيه فرد شهادته . وورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : النهي عن نتف الشيب وقال : هو نور المؤمن ونهى عليه السلام عن الخضاب بالسواد قال : هو خضاب أهل النار ، وفي لفظ آخر : الخضاب بالسواد خضاب الكفار ، وأمر صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يغير شيب أبيه ، وقال : جنبه السواد وقال : هو خضاب أهل النار ، وتزوج رجل على عهد عمر رضي الله عنه وكان يخضب بالسواد فنصل خضابه وظهرت شيبته فرفعه أهل المرأة إلى عمر فرد نكاحه وأوجعه ضربا ، وقال : غررت القوم بالشباب ودلست عليهم شيبتك ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الصفرة خضاب المسلمين ، والحمرة خضاب المؤمنين ، وكانوا يخضبون بالحناء للحمرة وبالخلوق والكتم للصفرة ، ويقال : أول من خضب بالسواد فرعون لعنه الله ، وقال سري بن المغلس السقطي : في اللحية شركان : تسريحها لأجل الناس وتركها متفتلة لإظهار الزهد ، وقال أيضا لو دخل علي داخل فمسحت لحيتي لأجله ظننت أني مشرك ، وعن كعب وأبي الجلد وصفا قوما يكونون في آخر الزمان يقصون لحاهم كذنب الحمامة ويعرقفون نعالهم كالمناجل أولئك لا آخلاق لهم ، وذكر أيضا عن جماعة أن هذا من أشراط الساعة ، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم : يكون في آخر الزمان قوم يخضبون بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة ، وروي أبو المهزم عن أبي هريرة أن أصحاب الدجال عليهم السيجان شواربهم كالصياصي ونعالهم مخرطة ؛ يعني شواربهم ملس تلوح ، وأصل الصياصي القرون وهو جمع صيصة ومنه صيصة الديك الظفر الثاني الأملس مؤخر رجله كأنه عظم ، وقوله عليهم السيجان يعني الطيالسة وهو جمع ساج ، وقوله : نعالهم مخرطة أي لها أعناق طوال معرقفة كالخراطيم وهي أكمام الأباريق ، وكان ابن عمر يقول للحلاق أبلغ العظمين فإنهما منتهى اللحية ؛ يعني حدها ، ولذلك سميت لحية لأن حدها للحي فالزيادة على ذلك الحد والنقصان منه محدث .

Bagian V02/P242

ذكر ما جاء في فعل بعض ذلك واستحبابه

Bagian V02/P242–V02/P243

إن من العلماء من كان يأخذ من لحيته في المناسك وغيرها وإن قبض الرجل على لحيته وأخذ ما تحت القبضة فلا بأس ، قد فعله ابن عمر وجماعة من التابعين واستحسنه الشعبي وابن سيرين وكرهه الحسن وقتادة وتركها عافية على خلقتها أحب إلي ، وقد روينا خبرا من سعادة المرء خفة لحيته ، إلا أن بعض الرواة رواه على معنى آخر فإن لم يكن صحفه فهو غريب ، كان يقول فيه خفة لحيته أي بتلاوة القرآن ولا أراه محفوظا ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم الصالحون بعده يسرحون لحاهم لأجل الدين والسنة وتنظيفا للطهارةونزع التفث من القمل وغيره ولإسقاط شعر ميت إن كان هناك ، وقد كان من الزهاد من يترك لحيته متفتلة لا يسرحها شغلا عن نفسه ، والصدق بعينه حسن والصدق في كل شيء حسن ، قال بعضهم : رأيت داود الطائي منفتل اللحية ، فقلت : يا أبا سليمان لو سرحت لحيتك ، فقال : إني إذا لفارغ ، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدهن شعره ويرجله غبا ، وأمر بذلك فقال : وادهنوا غبا ، وقال : من كانت له شهرة فليكرمه ودخل رجل ثائر الرأس أشعث اللحية فقال : أما كان لهذا دهن يسكن به شعره ؟ ثم قال : يدخل أحدكم كأنه شيطان . وقد روينا في خبر غريب : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرح لحيته في كل يوم مرتين ، وفي خبر أغرب منه قالت عائشة رضي الله تعالى عنها : اجتمع قوم بباب رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج عليهم فرأيته يطلع في الحب ليسوي من رأسه ولحيته ، وفي الخبر المشهور أنه كان يمشط لحيته في كل يوم ، وأن المشط والمدرى لم يكن يفارقه في سفر ولا حضر ؛ فهذه سنة العرب المعروفة فيهم وكان عليه الصلاة والسلام عليها ، وكانت من أخلاقه ، وقد كان الشباب يتشبهون بالكهول تفضيلا للكهول غير عجب بالشباب ولا فخر بالحداثة . وفي الخبر : خير شبابكم من تشبه بشيوخكم وشر شيوخكم من تشبه بشبابكم ، وفي الحديث : أن من إجلال الله تعالى إجلال ذي الشيبة لمسلم ، وقد كان الشيوخ يقدمون الشباب ويرون فضلهم بالعلم والدين تواضعا وإخباتا لا تكبرا بالكبر ولا غلوا ، كان عمر رضي الله تعالى عنه يقدم ابن عباس وهو حدث السن على أكابر الصحابة ويسأله دونهم . وروي عن ابن عباس وغيره : ما آتى الله تعالى عبدا العلم قط إلا شابا والخير كله في الشباب ، ثم تلا قوله تعالى : ( قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم ) الأنبياء : 60 وتلا قوله سبحانه : ( إنهم فتية آمنوا بربهم ) الكهف : 13 ، وقوله تعالى : ( وآتيناه الحكم صبيا ) مريم : 12 ، وقد كان أنس بن مالك إذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قبض ، وليس في شعر رأسه وشعر لحيته عشرون شعرة بيضاء فقيل ولم يا أبا حمزة وقد أسن ؟ قال : لم يشنه الله تعالى بالشيب ، قيل : أو شين هو ؟ قال : كلكم يكرهه ، ويقال إن يحيى بن أكثم ولي القضاء وسنه إحدى عشرون سنة فقال له رجل ذات يوم وهو في مجلسه يريد أن يحشمه بذلك كم سن القاضي أيده الله تعالى ؟

Bagian V02/P243–V02/P244

فقال مثل سن عتاب بن أسيد حيث ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إمارة مكة وقضاءها فأفحمه ، وروينا عن مالك بن معول قال : قرأت في بعض كتب الله عز وجل : لا تغرنكم اللحى فإن التيس له لحية ، وقال بعض الأدباء كلما طالت اللحية تشمر العقل وقال أبو عمرو بن العلاء إذا رأيته طويل القامة صغير الهامة عريض اللحية فاقض عليه بالحمق ، ولو كان أمية بن عبد شمس ، وقال معاوية رحمه الله تعالى : يتبين حمق الرجل من طول قامته وعظم لحيته ، وفي كنيته ونقش خاتمه ، وكان إبراهيم النخعي ومثله من السلف يقول : عجبت لرجل عاقل طويل اللحية كيف لا يأخذ من لحيته فيجعلها بين لحيتين فإن التوسط في كل شيء حسن وأنشدت لبعض الظرفاء : لا تعجبن بلحية . . . كبرت منابتها طويله يهوى بها عصف الريا . . . ح كأنها ذنب الحسيله قد يدرك الشرف الفتى . . . يوما ولحيته قليله وأنشد لبعض العرب : لعمرك ما الفتيان . . . إن تنبت اللحى ولكنما الفتيان . . . كل فتى ندي ولم يكن الأشياخ يستنكفون أن يتعلموا من الشباب ما جهلوا ولا يزرون عليهم لصغر سنهم إذ الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء لا مانع لما أعطى الله من صبي أو غيره ولا معطي لما منع الله من كبير أو غيره ، وقال أبو أيوب السجستاني : إني أدركت الشيخ ابن ثمانين سنة يتبع الغلام يتعلم منه فيقال له تتعلم من هذا ؟ فيقول : نعم ، أنا عبده ما دمت أتعلم منه ، وقال علي بن الحسن من سبق إليه العلم فهو إمامك فيه وإن كان أصغر سنا منك ، وقيل لأبي عمرو بن العلاء : أيحسن للشيخ الكبير أن يتعلم من الصغير ؟ فقال : إن كانت الحياة تحسن به فإن التعلم يحسن ، فإنه يحتاج إلى العلم ما دام حيا ، وقال يحيى بن معين لأحمد بن حنبل وقد رآه يمشي خلف بغلة الشافعي رضي الله تعالى عنه : يا أبا عبد الله تترك حديث سفيان بعلو وتمشي خلف بغلة هذا الفتى وتسمع منه ؟ فقال أحمد : لو عرفت منه ما أعرف لكنت تمشي من الجانب الآخر ، إن علم سفيان إن فاتني بعلو أدركته بنزول وإن عقل هذا الشاب إن فاتني لم أدركه بعلو ولا نزول ، وسمعت أبا بكر بن الجلاء يقول ، إني لأرى الصبي يعمل الشيء فأستحسنه فأقتدي به فيكون إمامي فيه وما رأيت أشد تواضعا منه على علمه وزهده ، فأما معنى الخبر الذي روي لا يزال الناس بخير ما أتاهم العلم عن أكابرهم ، فإذا أتاهم عن أصاغرهم هلكوا ، فإن ابن المبارك سئل عن معنى ذلك فقال : أصاغرهم أهل البدع لأنه لا صغير من أهل السنة ممن عنده علم ، ثم قال : كم من صغير السن حملنا عنه كبير علم ، وقد قيل : إن قوله عن أكابرهم يعني أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فهذا مواطئ للخبر الآخر : لا تزال أمتي بخير ما دام فيهم من رآني وليأتين عليهم زمان يطلب في أقطار الأرض فلا يوجد أحد رآني ، كيف وقد جاء بذلك لفظة ذكرتها لا يزال الناس بخير ما أتاهم العلم عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أكابرهم ، فإذا أتاهم عن أصاغرهم استعصى الكبير على الصغير فهلكوا أي فذلك خشية أن لا يتعلم منه لما ذكرناه من الحياء والتكبر والاستنكاف ووجه آخر هذا مجازه عندي على الخبر والكون لا على الذم لأنه قد جاء في الأثر وصف هذه الأمة في أول الزمان بتعلم صغارها من كبارها ، فإذا كان آخر الزمان تعلم كبارهم من صغارهم ، فإذا كان كذلك فهذا تفضيل الأصاغر وتشريف هذه الأمة على سالف الأمم لأنهم لم يكونوا يحملون العلم إلا عن القسيسين والرهبان والأشياخ العباد والزهاد ، وأخبر أن هذه الأمة في آخر الزمان تفضل سالف الأمم في أول أزمنتهم بأن يتعلم الكبير من الصغير كما فضلهم الله تعالى به فذلك أشد وطأ للخبر الآخر : أمتي كالمطر لا يدري أوله خير أم آخره ، ولمثله من الشاهد : كيف تهلك أمة أنا في أولها والمسيح ابن مريم صلى الله عليه وسلم في آخرها .

Pertanyaan