Qur'an&Sunnah

Kuşeyrî — er-Risâle

Bagian V01/P008

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي تفرد بجلال ملكوته ، وتوحد بجمال جبروته وتعزز بعلو أحديته ، وتقدس بسمو صمديته ، وتكبر في ذاته عن مضارعة كل نظير ، وتنزه في صفائه عن كل تناه وقصور ، له الصفات المختصة بحقه ، واليات الناطقة بأنه غير مشبه بخلقه . فسبحانه من عزيز ، لا حد يناله ، ولا عد يحتاله ، ولا أمد يحصره ، ولا أحد ينصره ، ولا ولد يشفعه ، ولا عدد يجمع ، ولا مكان يمسكه ، ولا زمان يدركه ، ولا فهم يقدره ، ولا وهم يصوره . تعالى عن أن يقال : كيف هو ؟ أو أين هو ؟ أو اكتسب بصنعه الزين ، أو دفع بفعله النقص والشين ؛ إذ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، ولا يغلبه حي ، وهو الخبير القدير . أحمده على ما يولى ويصنع ، وأشكره على ما يزوى ويدفع ، وأتوكل عليه وأقنع ، وأرضى بما يعطي ويمنع . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، شهادة موقن بتوحيده ، مستجير بحسن تأييده . وأشهد أن سيدنا محمدا عبده المصطفى ، وأمينه المجتبي ورسوله المبعوث إلى كافة الورى صلى الله عليه وعلى آله مصابيح الدجى ، وعلى أصحابه مفاتيح الهدى ، وسمل تسليما كثيرا . هذه رسالة كتبها الفقير إلى الله تعالى عبد الكريم بن هوازن القشيري ، إلى جماعة الصوفية ببلدان الإسلام ، في سنة سبع وثلاثين وأربعمائة . أما بعد : رضي الله عنكم فقد جعل الله هذه الطائفة صفوة أوليائه ، وفضلهم على الكافة من عباده ، بعد رسله وأنبيائه ، صلوات الله وسلامه عليهم ، وجعل قلوبهم معادن أسراره ، واختصهم من بين الأمة بطوالع أنواره . فهم الغياث للخلق ، والدائرون في عموم أحوالهم مع الحق بالحق . صفاهم من كدورات البشرية ، ورقاهم إلى محال المشاهدات بما تجلى لهم من حقائق الأحدية . ووفقهم للقيام بآداب العبودية ، وأشهد مجارى أحكام الربوبية . فقاموا بأداء ما عليهم من واجبات تكليف ، وتحققوا بما منه سبحانه لهم من التقليب والتصريف . ثم رجعوا إلى الله ، سبحانه وتعالى ، بصدق الافتقار ، ونعت الانكسار ، ولم يتكلوا على ما حصل منهم من الأعمال ، أو صفا لهم من الأحوال . علما منهم بأنه جل وعلا يفعل ما يريد ، ويختار من يشاء من العبيد . لا يحكم عليه خلق . ولا يتوجه عليه مخلوق حق ، ثوابه : إبتداء فضل . وعذابه : حكم بعدل . وأمره قضاء فصل . ثم اعلموا ، رحمكم الله ، أن المحققين من هذه الطائفة انقرض أكثرهم ولم يبق في زماننا من هذه الطائفة إلا أثرهم ، كما قيل : أما الخيام فإنها كخيامهم . . . وأرى نساء الحي غير نسائها حصلت الفترة في هذه الطريقة . . ، لا ، بل إندرست الطريقة بالحقيقة : مضى الشيوخ الذين كان بهم اهتداء ، وقل الشباب الذين كان لهم بسيرتهم وسنتهم اقتداء ، وزال الورع وطوى بساطه ، واشتد الطمع وقوى رباطه . وارتحل عن القلوب حرمة الشريعة ، فعدوا قلة المبالاة بالدين أوثق ذريعة ورفضوا التمييز بين الحلال والحرام . ودانوا بترك الإحترام . وطرح الاحتشام ، واستخفوا بأداء العبادات ، واستهانوا بالصوم والصلاة ، وركضوا في ميدان الغفلات وركنوا إلى انباع الشهوات ، وقلة المبالاة بتعاطي المحظورات ، والارتفاق بما يأخذونه من السوقة ، والنسوان ، وأصحاب السلطان . ثم لم يرضوا بما تعاطوه من سوء هذه الأفعال ، حتى أشاروا إلى أعلى الحقائق والأحوال ، وادعوا أنهم تحروا من رق الأغلال وتحققوا بحقائق الوصال وأنهم قائمون بالحق ، تجري عليهم أحكامه ، وهم محو ، وليس لله عليهم فيما يؤثرونه أو يذرونه عتب ولا لوم ، وأنهم كوشفوا بأسرار الأحدية ، واختطفوا عنهم بالكلية ، وزالت عنهم أحكامه للبشرية .

Bagian V01/P008–V01/P010

وبقوا بعد فنائهم عنهم بأنوار الصمدية ، والقائل عنهم غيرهم إذا نطقوا ، والنائب عنهم سواهم فيما تصرفوا ، بل صرفوا . ولما طال الابتلاء فيما نحن ف يه من الزمان بما لوحت ببعضه من هذه القصة وكنت لا أبسط إلى هذه الغاية لسان الإنكار ، غبرة على هذه الطريقة أن يذكر أهلها بسوء ، أو بجد مخالف لثلبهم مساغا ، إذ البلوى في هذه الديار بالمخالفين لهذه الطريقة والمنكرين لعيها شديدة . ولما كنت أؤمل من مادة هذه الفترة أن تنحسم ، ولعل الله سبحانه يجود بلطفه في التنيه لمن حاد عن السنة المثلى في تضييع آداب هذه الطريقة . ولما أبى الوقت إلا استصعابا . وأكثر أهل العصر بهذه الديار إلا تماديا فيما اعتادوه واغترارا بما ارتادوه . أشفقت على القلوب أن تحسب أن هذا الأمر على هذه الجملة بنى قواعده . وعلى هذا النحو سار سلفه . فعلقت هذه الرسالة إليكم ، أكرمكم الله . وذكرت فيها بعض سير شيوخ هذه الطريقة في آدابهم ، وأخلاقهم ، ومعاملاتهم ، وعقائدهم بقلوبهم ، وما أشاروا إليه من مواجيدهم ، وكيفية ترقيهم من بدايتهم إلى نهايتهم ؛ لتكون لمريدي هذه الطريقة قوة ، ومنكم لي بتصحيح شهادة ، ولي في نشر هذه الشكوى سلوة ، ومن الكريم فضلا ومثوبة وأستعين بالله سبحانه فيما أذكره ؛ وأستكفيه ؛ وأستعصمه من الخط فيه ، وأستغفره وأستعينه . وهو بالفضل جدير ، وعلى ما يشاء قدير . صفحة فارغة

Bagian V01/P010

فصل في بيان اعتقاد هذه الطائفة في مسائل الأصول [ التوحيد عند الصوفية ] التوحيد وأصوله عند الصوفيين

Bagian V01/P010–V01/P012

إعلموا ، رحمكم الله ، أن شيوخ هذه الطائفة بنوا قواعد أمرهم على أصول صحيحة في التوحيد ، صانوا بها عقائدهم عن البدع ودانوا بما وجدوا عليه السلف وأهل السنة من توحيد ليس فيه تمثيل ولا تعطيل ، وعرفوا ما هو حق القدم . وتحققوا بما هو نعت الموجود عن العدم . ولذلك قال سيد هذه الطريقة الجنيد ، رحمه الله : ' التوحيد إفراد للقدم من الحدث ' . وأحكموا أصول العقائد بواضح الدلائل ، ولائح الشواهد . كما قال أبو محمد الجريري ، رحمه الله : ' أن لم يقف على علم التوحيد بشاهد من شواهده زلت به قدم الغرور في مهواة من التلف ' يريد بذلك : أن من ركن إلى التقليد ، ولم يتأمل دلائل الوحيد ؛ سقط عن سنن النجاة ؛ ووقع في أسر الهلاك . ومن تأمل ألفاظهم ، وتصفح كلامهم ، وجد في مجموع أقويلهم ومتفرقاتها ما يثق - بتأمله - بأن القوم لم يقصروا في التحقيق عن شأو ، ولم يعرجوا في الطلب على تقصير . ونحن نذكر في هذا الفصل جملا من متفرقات كلامهم فيما يتعلق بمسائل الأصول . ثم نحرر على الترتيب بعدها ما يشتمل على ما يحتاج إليه في الإعتقاد ، على وجه الإيجاز والاختصار ، إن شاء الله تعالى . [ كلامهم عن معرفة الله ] سمعت : الشيخ أبا عبد الرحمن محمد بن الحسين السمي ، رحمه الله ، يقول : سمعت عبد الله بن موسى السلامي يقول : سمعت أبا بكر الشبلي يقول : ' الواحد : المعروف قبل الحدود وقبل الحروف ' وهذا صريح من الشبلي أن القديم - سبحانه - لا حد لذاته ، ولا حروف لكلامه . سمعت أبا حاتم الصوفي ، يقول : سمعت أبا نصر الطوسي يقول : سئل رويم عن أول فرض افترضه الله عز وجل على خلقه ما هو ؟ فقال : المعرفة ؛ لقوله جل ذكره : ' وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ' . قال ابن عباس : إلا ليعرفون . وقال الجنيد : إن أول ما يحتاج إليه العبد من الحكمة : معرفة المصنوع صانعه ، و المحدث كيف كان إحداثه ، فيعرف صفة الخالق من المخلوق ، و صفة القديم من المحدث ، ويذل لدعوته ، ويعترف بوجوب طاعته ؛ فإن من لم يعرف مالكه لم يعترف بالملك لمن استوجبه . أخبرنى محمد بن الحسين ، قال : سمعت محمد بن عبد الله الرازى يقول : سمعت أبا الطيب المراغى يقول : للعقل دلالة ، و للحكمة إشارة ، وللمعرفة شهادة ؛ فالعقل يدل . والحكمة تشير . والمعرفة تشهد : أن صفاء العبادات لاينال بصفاء التوحيد . وسئل الجنيد عن الوحيد ، فقال : إفراد الموحد بتحقيق وحدانيته بكمال أحديته : أنه الواحد ، الذي لم يلد ، ولم يولد . بنفي الأضداد ، والأنداد ، والأشباه ، بلا تشبيه . ولا تكييف ، ولا تصوير ولا تمثيل ' ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ' . أخبرنا محمد بن يحيى الصوفي ، قال : أخبرنا عبد الله بن علي التميمي الوصفي ، يحكى عن الحسين بن علي الدامغاني ، قال : سئل أبو بكر الزاهر اباذي عن المعرفة ، فقال : المعرفة : اسم ، ومعناه وجود تعظيم في القلب يمنعك عن التعطيل والتشبيه . صفاته وقال أبو الحسن البوشنجي ، رحمه الله ، التوحيد : أن تعلم أنه غير مشبه للذوات ، ولا منفي الصفات . [ صفات الله سبحانه ] : أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي ، رحمه الله تعالى ، قال : سمعت محمد بن محمد بن غالب . قال : سمعت أبا نصر أحمد بن سعيد الأسفنجاني يقول ، قال : الحسين بن منصور : ألزم الكل الحدث ، لأن القدم له .

Bagian V01/P012–V01/P013

فالذي بالجسم ظهوره فالعرض يلزمه ، والذي بالأداة اجتماعه فقواها تمسكه والذي يؤلفه وقت يفرقه وقت ، والذي يقيمه غيره فالضرورة تمسه . والذي الوهم يظفر به فالتصوير يرتقي إليه ؛ ومن آواه محل أدركه أين ، ومن كان له جنس طالبه مكيف . إنه سبحانه لا يظله فوق ، ولا يقله تحت ، ولا يقابله حد ولا يزاحمه عند ، ولا يأخذه خلف ، ولا يحده أمام ، ولم يظهره قبل ولم يفنه بعد . ولم يجمعه كل ولم يوجده كان ، ولم يفقده ليس . وصفه : لا صفة له . وفعله : لا علة له ؛ وكونه : لا أمد له تنزه عن أ ؛ وال خلقه . ليس له من خلقه مزاج ، ولا في فعله علاج بانيهم بقدمه ، كما باينوه بحدوثهم . إن قلت : متى ، فقد سبق الوقت كونه . وإن قلت : هو ، فالهاء والواو خلقه . وإن قلت : أي ، فقد تقدم المكان وجوده . فالحروف آياته . ووجوده إثباته ومعرفته توحيده . وتوحيده تمييزه من خلقه . ما تصور في الأوهام فهو بخلافه ، كيف يحل به ما منه بدأه ؟ أو يعود إليه ما هو أنشأه ؟ لا نماقة العيون ، ولا تقابله الظنون . قربه كرامته ، وبعده إهانته ، علوه من غير توقل ومجيئه من غير تنقل . هو : الأول ، والآخر ، والظاهر ، والباطن ، القريب البعيد ، الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير . سمعت أبا حاتم السجستاني يقول : سمعت أبا نصر الطوسي السراجي يحكى عن يوسف بن الحسين ، قال : قام رجل بين يدي ذي النون المصري ، فقال : أخبرني عن التوحيد : ما هو ؟ فقال هو : أن تعلم قدرة الله تعالى في الأشياء بلا مزاج ، وصنعه للأشياء بلا علاج ، وعلة كل شيء صنعه ، ولا علة لصنعه . وليس في السموات العلا ، ولا في الأرضين السفلى مدبر غير الله ، وكل ما تصور في وهمك فالله بخلاف ذلك . وقال الجنيد : التوحيد : علمك وإقرارك بأن الله فرد في أزليته الثاني معه ولا شيء يفعل فعله . الإيمان وقال أبو عبد الله بن خفيف : الإيمان : تصديق القلوب بما أعلمه الحق من الغيوب . وقال أبو العباس السياري : عطاؤه على نوعين : كرامة ، واستدراج من الغيوب . وقال أبو العباس السياري : عطاؤه على نوعين : كرامة ، واستدراج . فما أبقاه عليه فهو كرامة ، وما أزاله عنك فهو استدراج ، فقل : أنا مؤمن إن شاء الله تعالى . وأبو العباس السياري كان شيخ وقته . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق ، رحمه الله ، يقول : غمز رجل رجل أبي العباس السياري : فقال : تغمز رجلا ما نقلتها قط في معصية الله عز وجل ! ! وقال أبو بكر الواسطي : من قال ' أنا مؤمن بالله حقا ' قيل له : الحقيقة تشير إلى إشراف ، وإطلاع ، وإحاطة ، فمن فقده بطل دعواه فيها . يريد بذلك ما قاله أهل السنة : إن المؤمن الحقيقي : من كان محكوما له بالجنة فمن لم يعلم ذلك من سر حكمة الله تعالى ، فدعواه : بأنه مؤمن حقا غير صحيحة . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول : سمعت منصور بن عبد الله يقول : سمعت أبا الحسن العنبري يقول : سمعت سهل بن عبد الله التستري يقول : ينظر إليه ، تعالى ، المؤمنون بالأبصار من غير إحاطة ولا إدراك نهاية . وقال أبو الحسين النوري : شاهد الحق القلوب ، فلم ير قلبا أشوق إليه من قلب محمد صلى الله عليه وسلم ، فأكرمه بالمعراج ، تعجيلا للرؤية والمكالمة .

Bagian V01/P013–V01/P015

سمعت الإمام أبا بكر محمد بن الحسن بن فورك ، رحمه الله تعالى ، يقول : سمعت محمد بن المحبوب - خادم أبي عثمان المغربي - قول : قال لي أبو عثمان المغربي يوما : يا محمد ، لو قال لك أحد : أين معبودك ؟ إيش تقول ؟ قال : قلت : أقول حيث لم يزل . قال : فإن قال : أين كان في الأزل ؟ إبش تقول ؟ قال : قلت : أقول حيث هو الآن ، يعني : أنه كما كان ولا مكان فهو الآن كما كان . قال : فارتضى مني ذلك ، ونزع قميصه وأعطانيه . سمعت الإمام أبا بكر بن فورك ، رحمه الله تعالى ، يقول : سمعت أبا عثمان المغربي ، يقول : كنت أعتقد شيئا من حديث الجهة ، فلما قدمت بغداد زال ذلك عن قلبي ، فكتبت إلي أصحابنا بمكة : أنى أسلمت الآن إسلاما جديدا . سمعت محمد بن الحسين السلمي ، رحمه الله ، يقول : سمعت أبا عثمان المغربي يقول ، وقد سئل عن الخلق ، فقال : قوالب وأشباح تجري عليهم أحكام القدرة . الأرزاق وقال الواسطي : لما كان الأرواح والأجساد قامتا بالله ، وظهرتا به لا بذواتها ، كذلك قامت الخطرات والحركات بالله لابذواتها ، إذ الحركات والخطرات فروع الأجساد والأرواح . صرح بهذا الكلام أن أكساب العباد مخالوقة لله تعالى ، وكما أنه لا خالف للجواهر إلا الله تعالى ، فكذلك لا خالق للأعراض إلا الله تعالى . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي ، رحمه الله ، يقول : سمعت محمد ابن عبد الله يقول : سمعت أبا جعفر الصيدلاني يقول : سمعت أبا سعيد الخراز يقول : من ظن أنه ببذل الجهد يصل إلى مطلوبه فمتن ، ومن ظن أنه بغير الجهد يصل فمتمن . وقال الواسطني : المقامات أقسام قسمت ، ونعوت أجريت ، كيف تستجلب بحركات ، أو تنال بسعايات ؟ . الكفر وسئل الواسطي عن الكفر بالله أو الله ، فقال : الكفر والإيمان ، والدنيا الآخرة : من الله ، وإلى الله ، وبالله ، ولله : من الله إبتداء وإنشاء ، وإلى الله مرجعا وانتهاء ، وبالله بقاء وفناء ، ولله ملكا وخلقا . وقال الجنيد : سئل بعض العلماء عن التوحيد ، فقال : هو اليقين . فقال السائل : بين لي ما هو ؟ فقال : هو : معرفتك ، أن حركات الخلق وسكونهم ، فعل الله عز وجل ، وحده ، لا شريك له فإذا فعلت ذلك فقد وحدته . سمعت محمد بن الحسين رحمه الله ، يقول : سمعت عبد الواحد بن علي ، يقول : سمعت القساسم بن القاسم يقول : سمعت محمد بن موسى الواسطي يقول : سمعت محمد بن الحسين الجوهري يقول : سمعت ذا النون المصري يقول ، وقد جاءه رجل فقال : ادع الله لي فقال . إن كنت قد أيدت في علم الغيب بصدق التوحيد ، فكم من دعوة مجابة قد سبقت لك ، وإلا فإن النداء لا ينقذ الغرقي . وقال الواسطي : ادعى فرعون الربوبية على الكشف ، وادعت المعتزلة على الستر ، نقول : ماشئت فعلت . وقال أبو الحسين النوري : التوحيد : كل خاطر يشير إلى الله تعالى ، بعد أن لا نزاحمه خواطر التشبيه . وأخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي ، رحمه الله تعالى ، قال : سمعت عبد الواحد بن بكر ، يقول : سمعت هلال بن أحمد يقول : سئل أبو علي الروذباري عن التوحيد ، فقال : التوحيد : إستقامة القلب بإثبات مفارقة التعطيل ، وإنكار التشبيه ، والتوحيد في كلمة واحدة : كل ما صوره الأوهام والأفكار فالله سبحانه بخلافه ، لقوله تعالى : ' ليس كمثله شيء ، وهو السميع البصير ' . وقال أبو القاسم النصراباذي : الجنة باقية بإبقائه .

Bagian V01/P015–V01/P017

وذكره لك ، ورحمته ، ومحبته لك باق ببقائه . فشتان بين ما هو باق ببقائه ، وبين ما هو باق بإبقائه . رحم الذي قاله الشيخ أبو القاسم النصراباذي ، هو غاية في التحقيق ؛ فإن أهل الحق قالوا صفات ذات القديم سبحانه : باقيات ببقائه تعالى . فنبه على هذه المسألة وبين أن الباقي باق ببقائه . بخلاف ما قاله مخالفو أهل الحق فخالفوا الحق . أخبرنا محمد بن الحسين ؛ قال : سمعت النصراباذي يقول : أنت متردد بين صفات الفعل وصفات الذات ، وكلاهما صفته تعالى ، على الحقيقة ، فإذا هيمك في مقام التفرقة قرنك بصفات فعله ، وإذا بلغك إلى مقام الجمع قرنك بصفات ذاته . وأبو القاسم النصراباذي كان شيخ وقته . سمعت الإمام أبا إسحاق الاسفرايني ، رحمه الله ، يقول : لما قدمت من بغداد كنت أدرس في جامع نيسابور مسألة الروح ، وأشرح القول في أنها مخلوقة ، وكان أبو القاسم النصراباذي قاعدا متباعدا عنا ؛ يصغي إلى كلامي ، فاجتاز بنا بعد ذلك يوما - بأيام قلائل ، فقال لمحمد الفراء : أشهد أني أسلمت جديدا على يد هذا الرجل ، وأشار إلي . سمعت محمد بن الحسين السلمي ، يقول : سمعت أبا حسين الفارسي يقول : سمعت إبراهيم بن فاتك يقول : سمعت الجنيد يقول : متى يتصل من لا شبيه له ولا نظير له بمن له شبيه ونظير ؟ ! هيهات ، هذا ظن عجيب إلا بما لطف اللطيف من حيث لا درك ، ولا وهم ، ولا إحاطة إلا إشارة اليقين وتحقيق الإيمان . أخبرنا محمد بن الحسين ، رحمه الله تعالى ، قال : سمعت عبد الواحد ابن بكر يقول : حدثني أحمد بن محمد بن علي البرعي ، قال : حدثنا طاهر بن إسماعيل الرازي ، قال : قيل ليحيى بن معاذ : أخبرني عن الله عز وجل . فقال : اله واحد . فقيل له : كيف هو ؟ فقال : ملك قادر . فقيل : أين هو ؟ فقال : هو بالمرصاد . فقال السائل : لم أسألك عن هذا ! ! فقال السائل : لم أسألك عن هذا ! ! فقال : ما كان غير هذا كان صفة المخلوق . فأما صفته فما أخبرتك عنه وأخبرنا محمد بن الحسين ، قال : سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت أبا علي الروذباري يقول : كل ما توهمه متوهم بالجهل أنه كذلك ، فالعقل يدل على أنه بخلافه . وسأل ابن شاهين الجنيد عن معنى : مع . فقال مع ، على معنيين : مع الأنبياء بالنصرة والكلاءة ، قال الله تعالى : ' إنني معكما أسمع وأرى ' . ومع العامة بالعلم والإحاطة ، قال تعالى : ' ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ' . فقال ابن شاهين : مثلك يصلح أن يكون دالا للأمة على الله . العرش وسئل ذو النون المصري عن قوله تعالى : ' الرحمن على العرش استوى ' . فقال : أثبت ذاته ونفى مكانه ، فهو موجود بذاته ، والأشياء موجودة بحكمه ، كما شاء سبحانه . وسئل الشبلي عن قوله تعالى : ' الرحمن على العرش استوى ' . فقال : الرحمن لم يزل ، والعرش محدث والعرش بالرحمن استوي . وسئل جعفر بن نصير عن قوله تعالى : ' الرحمن على العرش استوي ' فقال : استوى علمه بكل شيء فليس شيء اقرب إليه من شيء وقال جعفر الصادق : من زعم أن الله في شيء ، أو من شيء ، أو على شيء ، فقد أشرك ؛ إذ لو كان على شيء لكان محمولا ، ولو كان في شيء لكان محصورا ، ولو كان من شيء لكان محدثا .

Bagian V01/P017–V01/P018

وقال جعفر الصادق أيضا في قوله : ثم دنا فتدلى : من توهم أنه بنفسه دنا جعل ثم مسافة ، إنما التدني أنه كلما قرب منه بعده عن أنواع المعارف إذ لا دنو ولا بعد . ورأيت بخط الأستاذ أبي علي أنه قيل لصوفي : أين الله ؟ فقال : أسحقك الله ! ! تطلب مع العين أين ؟ ! أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي ، قال : سمعت أبا العباس ابن الخشاب البغداي يقول : سمعت أبا القاسم بن موسى يقول : سمعت محمد بن أحمد يقول : سمعت الأنصاري يقول : سمعت الخراز يقول : حقيقة القرب : فقد حس الأشياء من القلب وهدوء الضمير إلى الله تعالى . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت محمد بن علي الحافظ يقول : سمعت أبا معاذ القزويني يقول : سمعت أبا علي الدلال يقول : سمعت أبا عبد الله بن قهرمان يقول : سمعت إبراهيم الخواص يقول : إنتهيت إلى رجل ، وقد صرعه الشيطان ، فجعلت أؤذن في أذنه ، فناداني الشيطان من جوفه : عني أقتله ؛ فإنه يقول القرآن مخلوق . وقال ابن عطاء : إن الله تعالى لما خلق الأحرف جعلها سرا له ، فلما خلق آدم عليه السلام بث فيه ذلك السر ، ولم يبث ذلك السر في أحد من ملائكته ، فجرت الأحرف على لسان آدم عليه السلام بفنون الجريان وفنون اللغات ، فجعلها الله صورا لها صرح ابن عطاء القول بأن الحروف مخلوقة . وقال سهل بن عبد الله : إن الحروف لسان فعل ، لا لسان ذاته ؛ لأنها فعل في مفعول . قال : وهذا أيضا تصريح بأن الحروف مخلوقة . وقال الجنيد في جوابات مسائل الشاميين : التوكل عمل القلب ، والتوحيد قول القلب ، قال : هذا قول أهل الأصول ، إن الكلام : هو المعنى الذي قام بالقلب من معنى الأمر والنهي ، والخبر ، والاستخبار . قوال الجنيد في جوابات مسائل الشاميين أيضا : تفرد الحق بعلم الغيوب ، فعلم ما كان ، وما يكون ، ومالا يكون : أن لو كان كيف كان يكون . وقال الحسين بن منصور : من عرف الحقيقة في التوحيد سقط عنه : لم وكيف . أخبرنا محمد بن الحسين ، قال : سمعت منصور بن عبد الله يقول : سمعت جعفر بن محمد يقول : قال الجنيد : أشرف المجالس وأعلاها الجلوس مع الفكرة في ميدان الوحيد . وقال الواسطي : ما احدث الله شيئا أكرم من الروح . صرح بأن الروح مخلوقة . قال الأستاذ الإمام زين الإسلام أبو القاسم ، رحمه الله : دلت هذه الحكايات على أن عقائد مشايخ الصوفية توافق أقاويل أهل الحق في مسائل الأصول . وقد اقتصرنا على هذا المقدار خشية خروجنا عما أثرناه من الإيجاز والاختصار . الحق سبحانه

Bagian V01/P018–V01/P020

فصل قال الأستاذ زين الإسلام أبو القاسم ، أدام الله عزه : وهذه فصول تشتمل على بيان عقائدهم في مسائل التوحيد ذكرناها على وجه الترتيب . قال شيوخ هذه الطريقة ، على ما يدل عليه متفرقات كلامهم ، ومجموعاتهم ، ومصنفاتهم في التوحيد : إن الحق ، سبحانه وتعالى : موجود ، قديم ، واحد ، حكيم ، قادر ، عليم ، قاهر ، رحيم ، مريد ، سميع ، مجيد ، رفيع ، متكلم ، بصير متكبر ، قدير ، حي أحد ، باق ، صمد . وأنه عالم بعلم ، قادر بقدرة ؛ مريد بإرادة ؛ سميع بسمع ؛ بصير ببصر ؛ متكلم بكلام ؛ حي بحياة ؛ باق ببقاء . وله يدان هما صفتان ؛ يخلق بهما ما يشاء ، سبحانه ، على التخصيص . وله الوجه . وصفات ذاته مختصة بذاته ، لا يقال هي هو ، ولا هي غيار له ، بل هي صفات أزلية ، ونعوت سرمدية ، وأنه إحدى الذات ، ليس يشبه شيئا من المصنوعات ، ولا يشبهه شيء من المخلوفات ، ليس بجسم ، ولا جوهر ولا عرض ، ولا صفاته أعراض ، ولا يتصور في الأوهام ، ولا يتقدر في العقول ، ولا له جهة ولا مكان ، ولا يجري عليه وقت وزمان ، ولا يجوز في وصفه زيادة ولا نقصان ، ولا يخصه هيئة وقد ، ولا يقطعه نهاية وحد ، ولا يحله حادث ، ولا يحمله على الفعل باعث ، ولا يجوز عليه لون ولا كون ، ولا ينصره مدد ولا عون ؛ ولا يخرج عن قدرته مقدور ؛ ولا ينفك عن حكمه مفطور ؛ ولا يعزب عن علمه معلوم ؛ ولا هو على فعله كيف يصنع وما يصنع ملوم ؛ لايقال له : أي ؛ ولا حيث ؛ ولا كيف ؛ ولايستفتح له وجود : فيقال : متى كان : ولا ينتهي له بقاء : فيقال إستوفى الأجل والزمان ، ولا يقال : لم فعل ما فعل ؛ إذ لا علة لأفعاله ؛ ولا يقال ما هو ؛ إذ لا جنس له فيتميز بأمارة عن أشكاله . يرى لا عن مماقلة ، ويصنع لا عن مباشرة ومزاولة . له الأسماء الحسنى ، والصفات العلا ، يفعل ما يريد ، ويذل لحكمه العبيد ، لايجري في سلطانه إلا ما يشاء ، ولا يحصل في ملكه غير ما سبق به القضاء ، ما علم أنه يكون من الحادثات أراد أن يكون . وما علم أنه لا يكون . مما جاز أن يكون : أراد أن لا يكون . خالق إكساب العباد : خيرها وشرها . ومبدع ما في العالم من الأعيان والآثار : قلها وكثرها . ومرسل الرسل إلى الأمم من غير وجوب عليه . ومتعبد الأنام على لسان الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ؛ بما لا سبيل لأحد باللوم والاعتراض عليه ، ومؤيد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، بالمعجزات الظاهرة ، والآيات الباهرة ، بما أزاح به العذر ، وأوضح به اليقين والنكر ، وحافظ بيضة الإسلام بعد وفاته ، صلى الله عليه وسلم ، بخلفائه الراشدين ، ثم حارس الحق وناصره بما يوضحه من حجج الدين على ألسنة أوليائه ، عصم الأمة الحنفية عن الاجتماع على الضلالة ، وحسم مادة الباطل بما نصب من الدلالة ، وأنجز ما وعد من نصرة الدين بقوله : ' ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ' . ؟ ؟ أصول المشايخ فهذه : فصول تشير إلى أصول المشايخ على وجه الإيجاز ، وبالله التوفيق . باب [ أعلام الصوفيين ] في ذكر مشايخ هذه الطريقة وما يدل من سيرهم وأقوالهم على تعظيم الشريعة

Bagian V01/P020–V01/P022

إعلموا ، رحمكم الله تعلى ، أن المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم : لم يتسم أفاضلهم في عصرهم بتسمية علم ، سوى صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ لا فضيلة فوقها ، فقيل لهم : الصحابة . ولما أدركهم أهل العصر الثاني سمى من صخب الصحابة : التابعين ورأوا في ذلك أشرف سمة . ثم قيل لمن بعدهم : أتباع التابعين . ثم اختلف الناس ، وتباينت المراتب ، فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة عناية بأمر الدين : الزهاد والعباد . ثم ظهرت البدع ، وحصل التداعي بين الفرق ، فكل فريق ادعوا أن فيهم زهادا . فانفرد خواص أهل السنة المراعون أنفسهم مع الله تعالى ، الحافظون قلوبهم عن طوارق الفعلة باسم التصوف . واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة . ونحن نذكر في هذا الباب أسامي جماعة من شيوخ هذه الطريقة ، من الطبقة الأولى إلى وقت المتأخرين منهم ، ونذكر جملا من سيرهم ، وأقاويلهم ، بما يكون فيه تنبيه على أصولهم ، وآدابهم إن شاء الله تعالى . فمنهم : أبو إسحاق إبراهيم بن أدهم بن منصور من كورة بلخ ، رضي الله تعالى عنه . كان من أبناء الملوك ، فخرج يوما متصيدا ، فأثار ثعلبا أو أربنا وهو في طلبه ، فهتف به هاتف : يا إبراهيم ، ألهذا خلقت ، أم بهذا أمرت ؟ . ثم هتف به أيضا من قربوس سرجه : والله ما لهذا خلقت ، ولا بهذا أمرت . فنزل عن دابته . وصادف راعيا لأبيه ، فأخذ جبة للراعي من صوف ، ولبسها وأعطاه فرسه وما معه ، ثم إنه دخل البادية ، ثم دخل مكة ، وصحب بها سفيان الثوري . والفضيل بن عياض ، ودخل الشام ومات بها . وكان يأكل من عمل يده ، مثل : الحصاد ، وحفظ البساتين ، وغير ذلك . وأنه رأى في البادية رجلا علمه اسم الله الأعظم فدعا به بعده ، فرأى الخضر عليه السلام ، وقال له : إنما علمك أخي داود اسم الله الأعظم . أخبرنا بذلك الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي ، رحمه الله ، قال : حدثنا محمد بن الحسين بن الخشاب قال : حدثنا أبو الحسن علي بن محمد المصري ، قال : حدثنا أبو سعيد الخراز قال : حدثنا إبراهيم بن بشار قال : صحبت إبراهيم ابن أدهم ، فقلت : خبرني عن بدء أمرك فذكر هذا . وكان إبراهيم بن أدهم كبير الشأن في باب الورع ، ويحكى عنه أنه قال : أطب مطعمك ، ولا حرج عليك أن لا تقوم الليل ولا نصوم النهار . وقيل : كان عامة دعائه : ' اللهم انقلني من ذل معصيتك إلى عز طاعتك ' وقيل لإبراهيم بن أدهم : إن اللحم قد غلا ! ! . فقال : أرخصوه أي : لاتشتروه وأنشد في ذلك : وإذا غلا شيء علي تركته . . . فيكون أرخص ما يكون إذا غلا ' أخبرنا محمد بن الحسين ، رحمه الله تعالى ، قال : سمعت منصور بن عبد الله يقول : سمعت محمد بن حامد يقول : سمعت أحمد بن خضرويه يقول : قال إبراهيم بن أدهم لرجل في الطواف : أعلم أنك لا تنال درجة الصالحين حتى تجوز ست عقبات : أولاها : تغلق باب النعمة ، وتفتح باب الشدة . والثانية : تغلق باب العز ، وتفتح باب الذل . والثالثة : تغلق باب الراحة ، وتفتح باب الجهد . والرابعة : تغلق باب النوم ؛ وتفتح باب السهر . والخامسة : تغلق باب الغنى ، وتفتح باب الفقر . والسادسة : تغلق باب الأمل ، وتفتح باب الاستعداد للموت . وكان إبراهيم بن أدهم يحفظ كرما ، فمر به جندي ، فقال : أعطنا من هذا العنب فقال : ما أمرني به صاحبه . فأخذ يضربه بسوطه ، فطأطأ رأسه وقال : إضرب رأسا طالما عصى الله . فأعجز الرجل ومضى . قال سهل بن إبراهيم : صحبت إبراهيم بن أدهم ، فمرضت ، فأنفق علي نفقته فاشتهيت شهوة ، فباع حماره وأنفق علي ثمنه . فلما تماثلت ، قلت : ياإبراهيم ، أين الحمار ؟ فقال : بعناه ، فقلت : فعلى ماذا أركب ؟ فقال : يا أخي على عنقي . فحملني ثلاث منازل . ومنهم :

Bagian V01/P022–V01/P024

أبو الفيض ذو النون المصري وإسمه : ثوبان بن إبراهيم ، وقيل الفيض بن إبراهيم ، وأبوه كان نوبيا . توفي سنة : خمس وأربعين ومائتين . فائق في هذا الشأن ، وأوحد وقته علما ، وورعا ، وحالا ، وأدبا . سعوا به إلى المتوكل ، فاستحضره من مصر ، فلما دخل عليه وعظه فبكى المتوكل ورده إلى مصر مكرما ، وكان المتوكل إذا ذكر بين يديه أهل الورع يبكي ويقول : إذا ذكر أهل الورع فجهلا بذي النون . وكان رجلا نحيفا ، تعلوه حمرة ، ليس بأبيض اللحية . سمعت أحمد بن محمد يقول : سمعت سعيد بن عثمان يقول : سمعت ذا النون يقول : مدار الكلام على أربع : حب الجليل ، وبغض القليل ، واتباع التنزيل ، وخوف التحويل . سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله ؛ يقول : سمعت سعيد بن أحمد ابن جعفر يقول : سمعت محمد بن أحمد بن سهل يقول : سمعت سعيد ابن عثمان يقول : سمعت ذا النون المصري يقول : من علامات المحب لله عز وجل : متابعة حبيب الله ، صلى الله عليه وسلم ، في أخلاقه ، وأفعاله ، وأوامره ، وسننه . وسئل ذو النون عن السفلة فقال : من لا يعرف الطريق إلى الله ، ولا يتعرفه . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي ، رحمه الله ، يقول : سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله بن شاذان يقول : سمعت يوسف بن الحسين يقول : حضرت مجلس ذي النون يوما ؛ وجاء ، سالم المغربي ، فقال له : يا أبا الفيض ، ما كان سبب توبتك ؟ قال : عجب لا تطيقه . قال : بمعبودك إلا أخبرتني . فقال ذو النون : أردت الخروج من مصر إلى بعض القرى ، فنمت في الطريق في بعض الصحارى ، ففتحت عيني ، فإذا أنا بقنبرة عمياء سقطت من وكرها على الأرض ، فانشقت الأرض ، فخرج منها سكرجتان : إحداهما ذهب ، والأخرى فضة وفي إحداهما سمسم ، وفي الأخرى ماء ، فجعلت تأكل من هذا ، وتشرب من هذا . فقلت : حسبي ، قد تبت ، ولزمت الباب إلى أن قبلني الله عز وجل . سمعت محمد بن الحسين يقول . سمعت على بن عمر الحافظ يقول : سمعت ابن رشيف : يقول سمعت أبا دجانة يقول : سمعت ذا النون يقول : لا تسكن الحكمة معدة ملئت طعاما . وسئل ذو النون عن التوبة فقال : توبة العوام تكون من الذنوب ، وتوبة الخواص تكون من الغفلة . ومنهم : أبو علي الفضيل بن عياض

Bagian V01/P024–V01/P027

خرساني ، من ناحية مرو . وقيل إنه ولد بسمرقند ، ونشأ بأبيورد مات بمكة في المحرم سنة : سبع وثمانين ومائة . سمعت محمد بن الحسين يقول : أخبرنا أبو بكر محمد بن جعفر قال : حدثنا الحسن بن عبد الله العسكري ، قال : حدثنا ابن أخي أبي زرعة ، قال : حدثنا محمد بن إسحاق بن راهويه قال : حدثنا أبو عمار ، عن الفضل بن موسى ، قال : كان الفضيل شاطرا : يقطع الطريق بين ابيورد وسرخس وكان سبب توبته : أنه عشق جارية ، فبينما هو يرتقي الجدران إليها سمع تاليا يتلو : ' ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ' [ الحديد : 16 ] ، فقال : يارب قد آن . فرجع . . فآراه الليل إلى خربة ، فإذا فيها رفقة ، فقال بعضهم : ترتحل ، وقال قوم : حتى نصبح ، فإن فضيلا على الطريق يقطع علينا . فتاب الفضيل وأمنهم . وجاور الحرم حتى مات . وقال الفضيل بن عياض : إذا أحب الله عبدا أكثر غمه ، وإذا أبغض عبدا وسع عليه دنياه . وقال ابن المبارك : إذا مات الفضيل ارتفع الحزن . وقال الفضيل : لو أن الدنيا بحذافيرها عرضت على ولا أحاسب بها لكنت أتقذرها ، كما يتقذر أحدكم الجيفة إذا مر بها أن تصيب ثوبه . وقال الفضيل : لو حلفت أني مراء أحب إلي من أن أحلف أني لست بمراء . وقال الفضيل : ترك العمل لأجل الناس هو الرياء ، والعمل لأجل الناس هو الشرك . وقال أبو علي الرازي : صحبت الفضيل ثلاثين سنة ما رأيته ضاحكا ، ولا متبسما ، إلا يوم مات ابنه علي ، فقلت له في ذلك ، فقال : إن الله أحب أمرا فأحببت ذلك . وقال الفضيل : إني لأعصى الله ، فأعرف ذلك في خلق حماري وخادمي . ومنهم : معروف بن فيروز الكرخي أبو محفوظ معروف بن فيروز الكرخي كان من المشايخ الكبار ، مجاب الدعوة ، يستشفي بقبره . وهو من موالى علي بن موسى الرضا ، رضي الله عنه ، مات سنة مائتين : وقيل : سنة إحدى ومائتين . وكان أستاذ السري السقطى ، وقد قال له يوما : إذا كانت لك حاجه إلى الله فأقسم عليه بي . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق ، رحمه الله تعالى ، يقول : كان معروف الكرخى أبواه نصرانيان ، فسلموا معروفا إلى مؤدبهم ، وهو صبي ، فكان المؤدب يقول له : قل ثالث ثلاث . فيقول : بل هو واحد . فضربه المعلم يوماضربامبرحا ، فهرب معروف ، فكان أبواه يقولان : ليته يرجع إلينا على أي دين يشاء ، فنوافقه عليه . ثم أنه اسلم على يدي علي بن موسى الرضا . . ورجع إلى منزله . . ودق الباب . فقيل : من بالباب ؟ فقال : معروف . فقالوا : على أي دين جئت ؟ فقال : على الدين الحنيفي . فأسلم أبواه . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت أبا بكر الحربي يقول : سمعت سريا السقطي يقول : رأيت معروفا الكرخى في النوم كأنه تحت العرش ، فيقول الله عز وجل لملائكته : من هذا ؟ فيقولون : أنت أعلم يا رب . فيقول : هذا معروف الكرخى ، سكر من حبي ، فلا يفيق إلا بلقائي . وقال معروف : قال لي بعض أصحاب داود الطائي : إياك أن تترك العمل ، فإن ذلك الذي يقربك إلى رضا مولاك . فقلت : وما ذلك العمل ؟ فقال : دوام طاعة ربك ، وخدمة المسلمين ، والنصيحة لهم . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعي محمد بن عبد الله الرازي يقول : سمعت على بن محمد الدلال يقول : سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبي يقول : رأيت معروفا الكرجي في النوم ، بعد موته ، فقلت له : ماذا فعل الله بك ؟ فقال : غفر لى . فقلت بزهدك وورعك ؟ فقال : لا ، بقبولي موعظة ابن السماك ، ولزوم الفقر ، ومحبتي للفقراء . وموعظة ابن السماك : ما قاله معروف : كنت مارا بالكوفة . فوقفت على رجل يقال له : ابن السماك وهو يعظ الناس . فقال في خلال كلامه : من أعرض عنا لله بكلتيه أعرض الله عنه جملة . . ومن أقبل على الله بقلبه أقبل الله برحمته إليه ، وأقبل بجميع وجوه الخلق إليه ، ومن كان مرة و مرة فالله يرحمه وقتا ما . فوقع كلامه في قلبي ، فأقبلت على الله تعالى ، وتركت جميع ما كنت عليه ، إلا خدمة مولاي على بن موسى الرضا . وذكرت هذا الكلام لمولاي ، فقال : يكفيك بهذا موعظة إن اتعظت ؟ أخبرني بهذه الحكاية محمد بن الحسين ، قال : سمعت على بن عيسى يقول : سمعت سريا السقطى يقول : سمعت معروفا يقول ذلك . وقيل لمعروف في مرض موته : أوص . فقال : إذا مت فتصدقوا بقميصي ؛ فإني أريد أن أخرج من الدنيا عريانا كما دخلتها عريانا . ومر معروف بسقاء يقول : رحم الله من يشرب ، وكان صائما ، فتقدم فشرب ، فقيل له ألم تكون صائما ؟ فقال : بلى ، ولكني رجوت دعاءه . ومنهم : سري بن المغلس السقطي

Bagian V01/P027

أبو الحسن سري بن المغلس السقطي

Bagian V01/P027–V01/P028

خال الجنيد ، وأستاذه . وكان تلميذ معروف الكرخي ؛ كان أوحد زمانه في الورع ، وأحوال السنة وعلوم التوحيد : سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت عبد الله بن علي الطوسي يقول : سمعت أبا عمرو بن علوان يقول : سمعت أبا العباس بن مسروق يقول : بلغني أن السري السقطي كان يتجر في السوق ، وهو من أصحاب معروف الكرخي ، فجاءه معروف يوما ، ومعه صبي يتيم ، فقال : اكس هذا اليتيم . قال سري : فكسوته ، ففرح به معروف ، وقال : بغض الله إليك الدنيا ، وأراحك مما أنت فيه . فقمت من الحانوت وليس شيء أبغض إلي من الدنيا . وكل ما أنا فيه من بركات معروف . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي ، رحمه الله ، يقول : سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت أبا عمر الأنماطي يقول : سمعت الجنيد يقول : ما رأيت أعبد من السري : أتت عليه ثمان وتسعون سنة ما رؤى مضطجعا إلا في علة الموت . ويحكى عن السري أنه قال : التصوف : أسم لثلاث معان : وهو الذي لا يطفىء نور معرفته نور ورعه . ولا يتكلم بباطن في علم ينقضه عليه ظاهر الكتاب أو السنة . ولا تحمله الكرامات على هتك أستار محارم الله . مات السري سنة : سبع وخمسين ومائتين . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يحكى عن الجنيد ، رحمه الله ، أنه قال : سألني السري يوما عن المحبة ، فقلت : قال قوم : هي الموافقة ، وقال قوم : الإيثار ، وقال قوم : كذا . . وكذا . . ، فأخذ السري جلدة ذراعه ، ومدها ، فلم تمتد ، ثم قال : وعزته تعالى ، لو قلت : إن هذه الجلدة يبست على هذا العظم من محبته لصدقت . ثم غشى عليه ، فدار وجهه كأنه قمر مشرق ، وكان السري به أدمة . ويحكى عن السري أنه قال : منذ ثلاثين سنة أنا في الاستغفار من قولي : الحمد لله مرة . قيل : وكيف ذلك ؟ فقال : وقع ببغداد حريق ، فاستقبلني رجل ، فقال لي : نجا حانوتك . فقلت : الحمد لله . فمنذ ثلاثين سنة أنا نادم على ما قلت ، حيث أردت لنفسي خيرا مما حصل للمسلمين ! ! . أخبرني به عبد الله بن يوسف قال : سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت أبا بكر الحربي يقول : سمعت السري يقول ذلك . ويحكى عن السري أنه قال : أنا أنظر في أنفي في اليوم كذا . . وكذا مرة ، مخافة أن يكون قد اسود ، خوفا من الله أن يسود صورتي لما أتعاطاه . سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله ، يقول : سمعت محمد بن الحسن ابن الخشاب يقول : سمعت جعفر بن نصير يقول : سمعت الجنيد يقول : سمعت السري يقول : أعرف طريقا مختصرا قصدا إلى الجنة : فقلت له : ما هو ؟ . فقال : لا تسأل من أحد شيئا ، ولا تأخذ من أحد شيئا ، ولا يكن معك شيء تعطى منه أحدا . سمعت عبد الله بن يوسف الأصبهاني يقول : سمعت أبا نصر السراج الطوسي يقول : سمعت جعفر بن محمد بن نصير يقول : سمعت الجنيد ابن محمد يقول : سمعت السري يقول : أشتهي أن أموت ببلد غير بغداد ، فقيل له : ولم ذلك ؟ فقال : أخاف ألا يقبلني قبري فافتضح . سمعت عبد الله بن يوسف الاصبهاني يقول : سمعت أبا الحسن بن عبد الله المغوطي الطرسوسي يقول : سمعت الجنيد يقول : سمعت السري يقول : اللهم مهما عذبتني بشيء فلا تعذبني بذل الحجاب .

Bagian V01/P028–V01/P029

سمعت عبد الله بن يوسف الأصبهاني يقول : سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت الجريري يقول : سمعت الجنيد يقول : دخلت يوما على السري السقطي وهو يبكي ، فقلت له : ما يبكيك ؟ فقال : جائتني البارحة الصبية ، فقالت : يا أبتي ، هذه ليلة حارة ، وهذا الكوز أعلقه ها هنا . ثم إني حملتني عيناي فنمت ، فرأيت جارية من أحسن الخلق قد نزلت من السماء ، فقلت : لمن أنت ؟ فقالت : لمن لا يشرب الماء المبرج في الكيزان . فتناولت الكوز فضربت به الأرض فكسرته . قال الجنيد : فرأيت الخزف لم يرفعه ولم يمسه ، حتى عفا عليه التراب . ومنهم :

Bagian V01/P029

أبو نصر بشر بن الحارث الحافي

Bagian V01/P029–V01/P031

أصله من مرو وسكن بغداد ، ومات به ، وهو ابن أخت علي بن خشرم . مات سنة سبع وعشرين ومائتين . وكان كبير الشأن . وكان سبب توبته : أنه أصاب في الطريق كاغدة مكتوبا فيها أسم الله رجل قد وطئتها الأقدام ، فأخذها واشترى بدورهم كان معه غالية ، فطيب بها الكاغدة ، وجعلها في شق حائط فرأى فيها التأ كأن قائلا يقول له : يا بشر ، طيبت اسمى ، لأطيبن في الدنيا والآخرة . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق ، رحمه الله ، يقول : مر بشر ببعض الناس ، فقالوا : هذا الرجل لا ينام الليل كله ، ولا يفطر إلا في كل ثلاثة أيام مرة ؛ فبكى بشر ، فقيل له في ذلك فقال : إني لا أذكر أني سهرت ليلة كاملة ، ولا أني صمت يوما لم أفطر من ليلته ، ولكن الله سبحانه وتعالى يلقي في القلوب أكثر مما يفعله العبد لطفا منه ، سبحانه ، وكرما . . ثم ذكر إبتداء أمره : كيف كان علي ما ذكرناه . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي ، يقول : سمعت محمد بن عبد الله الرازي يقول : سمعت عبد الرحمن بن أبي حاتم يقول : بلغني أن بشر بن الحارث الحافي قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ، فقال لي : يا بشر ، أتدري لم رفعك الله من بين أقرانك ؟ قلت : لا ، يا رسول الله . قال : باتباعك لسنتي ، وخدمتك للصالحين ، ونصيحتك لا خوانك ، ومحبتك لأصحابي ، وأهل بيتي : وهو الذي بلغك منازل الأبرار . سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله ، يقول : سمعت محمد بن عبد الله الرازي يقول : سمعت بلالا الخواص يقول : منت في تيه بني إسرائيل ، فإذا رجل يماشيني ، فتعجبت منه ، ثم ألهمت أنه الخضر عليه السلام ، فقلت له : بحق الحق من أنت ؟ فقال : أخوك الخضر ؛ فقلت له : أريد أن أسألك ، فقال : سل . فقلت : ما تقول في الشافعي رحمه الله ؟ فقال : هو من الأوتاد . فقلت : ما تقول في أحمد بن حنبل رضي الله عنه ؟ قال رجل صديق . قال : فما تقول في بشر بن الحارث الحافي ؟ قال : لم يخلق بعده مثله . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق ، رحمه الله تعالى ، يقول : أتى بشر الحافي باب المعافي بن عمران ، فدق الحافي عليه الباب ، فقيل : من ؟ فقال : بشر الحافي . فقالت له بنية من داخل الدار : لو اشتريت لك نعلا بدانقين لذهب عنك اسم الحافي . أخبرني بهذه الحكاية محمد بن عبد الله الشيرازي ، قال : حدثنا عبد العزيز بن الفضل قال : حدثني محمد بن سعيد ، قال : حدثني محمد بن عبد الله قال : سمعت عبد الله المغازلي يقول : سمعت بشرا الحافي يذكر هذه الحكاية . وسمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا الحسين الحجاجي يقول : سمعت المحاملي يقول : سمعت الحسن المسوحي يقول : سمعت بشر بن الحارث يحكي هذه الحكاية . وسمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا الفضل العطار يقول : سمعت أحمد بن علي الدمشقي يقول : قال لي أبو عبد الله بن الجلاء : رأيت ذا النون ، وكانت له العبارة ، ورأيت سهلا ، وكانت له الإشارة ، ورأيت بشر بن الحارث ، وكان له الورع . فقيل له : فإلى من كنت تميل ؟ فقال : لبشر بن الحارث أستاذنا . وقيل : إنه اشتهى الباقلاء سنين ، فلم يأكله ، فرؤى في المنام بعد وفاته فقيل له : ما فعل الله بك ؟

Bagian V01/P031

فقال : عفر لي ، وقال : كل يا من لم يأكل ، واشرب يا من لم يشرب . أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي ، رحمه الله ، قال : أخبرنا عبيد الله ابن عثمان بن يحيى قال : حدثنا أبو عمرو بن السماك قال : حدثنا محمد ابن العباس قال : حدثنا أبو بكر بن بنت معاوية قال : سمعت أبا بكر بن عفان يقول : سمعت بشر بن الحارث يقول : إني لأشتهي الشواء منذ أربعين سنة ما صفا لي ثمنه ؟ ؟ وقيل لبشر : بأي شيء تأكل الخبز ؟ فقال أذكر العافية وأجعلها إداما . أخبرنا به محمد بن الحسين ، رحمه الله ، قال : أخبرنا عبيد الله بن عثمان قال : أخبرنا أبو عمرو بن السماك قال : حدثنا عمر بن سعيد قال : حدثنا ابن أبي الدنيا قال : قال رجل لبشر الحكاية المذكورة . وقال بشر : لا يحتمل الحلال السرف . ورؤي بشر في المنام ، فقيل له : ما فعل الله بك ؟ فقال : غفر لي ، وأباح لي نصف الجنة ، وقال لي : يا بشر ، لو سجدت لي على الجمر ما أديت شكر ما جعلت لك في قلوب عبادي . وقال بشر : لا يجد حلاوة الآخرة رجل يحب أن يعرفه الناس . ومنهم :

Bagian V01/P031–V01/P033

الحارث بن أسد المحاسبي عديم النظير في زمانه علما ، وورعا ، ومعاملة ، وحالا . بصرى الأصل ، مات ببغداد سنة ثلاث وأربعين ومائتين . قيل : إنه ورث من أبيه سبعين ألف درهم فلم يأخذ منها شيئا . قيل ، لأن أباه كان يقول بالقدر ، فرأى من الورع أن لا يأخذ من ميراثه شيئا ، وقال : صحت الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : ' لا يتوارث أهل ملتين شيئا ' . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت الحسين بن يحيى يقول : سمعت جعفر بن محمد بن نصير يقول : سمعت محمد بن مسروق يقول : مات الحارث ابن أسد المحاسبي وهو محتاج إلى جرهم ، وخلف أبوه ضياعا وعقارا ، فلم يأخذ منه شيئا . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق ، رحمه الله تعالى ، يقول : كان الحارث المحاسبي إذا مد يده إلى طعام فيه شبهة تحرك على أصبحه عرق ، فكان يمتنع منه . وقال أبو عبد الله بن خفيف : اقتدوا بخمسة من شيوخنا ، والباقون سلموا لهم حالهم : الحارث بن أسد المحاسبي ، والجنيد بن محمد ، وأبو محمد رويم ، وأبو العباس ابن عطاء ، وعمرو بن عثمان المكي ؛ لأنهم جمعوا بين العلم والحقائق . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي ، رحمه الله ، يقول : سمعت عبد الله علي الطوسي يقول : سمعت جعفرا الخلدي يقول : سمعت أبا عثمان البلدي يقول : قال الحارث المحاسبي : من صحح باطنه بالمراقبة والإخلاص زين الله ظاهره بالمجاهدة واتباع السنة . ويحكى عن الجنيد أنه قال : مر بي يوما الحارث المحاسبي ، فرأيت فيه أثر الجوع ، فقلت : يا عم ، تدخل الدار وتتناول شيئا ؟ فقال : نعم . فدخلت الدار وطلبت شيئا أقدمه إليه ، فكان في البيت شيء من طعام حمل إلي من عرس قوم ، فقدمته إليه ، فأخذ لقمة وأدارها في فمه مرات ، ثم إنه قام وألقاها في الدهليز ، ومر . فلما رأيته بعد ذلك بأيام قلت له في ذلك ، فقال : إني كنت جائعا ، وأردت أن أسرك بأكلي وأحفظ قلبك ، ولكن بيني وبين الله سبحانه ، علامة : أن لا يسوغني طعاما فيه شبهة ، فلم يمكني إبتلاعه ، فمن أين كان لك ذلك الطعام ؟ . فقلت : إنه حمل إلي من دار قريب لي من العرس ، ثم قلت : تدخل اليوم ؟ فقال : نعم . فقدمت إليه كسرا يابسة كانت لنا ، فأكل وقال : إذا قدمت إلي فقير شيئا فقدم إليه مثل هذا . ومنهم : أبو سليمان داود بن نصير الطائي

Bagian V01/P033–V01/P035

وكان كبير الشأن . أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السملي ، رحمه الله ، قال : أخبرنا أبو عمرو بن مطر قال : حدثنا محمد بن المسيب قال : حدثنا ابن خبيق قال ، قال يوسف بن سباط : ورث داود الطائي عشرين دينارا فأكلها في عشرين سنة . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق ، رحمه الله ، يقول : كان سبب زهد داود الطائي : أنه كان يمر ببغداد ، فمر يوما ، فنحاه المطرقون بين يدي حميد الطوسي ، فالتفت داود فرأي حميدا ، فقال داود : أف لدنيا سبقك بها حميد . ولزم البيت وأخذ في الجهد والعبادة . وسمعت ببغداد بعض الفقراء يقول : إن سبب زهده أنه سمع نائحة تنوح وتقول : بأي خديك تبدي البلى . . . وأي عينيك إذا سالا وقيل : كان سبب زهده : أنه كان يجالس أبا حنيفة ، رضي الله عنه ، فقال له أبو حنيفة يوما : يا أبا سليمان : أما الأداة فقد أحكمناها فقال له داود : فأي شيء بقي ؟ فقال : العمل به . قال داود : فنازعتني نفسي إلى العزلة ، فقلت لنفسي : حتى تجالسهم ولا تتكلم في مسألة . قال : فجالستهم سنة لا أتكلم في مسألة ، وكانت المسألة تمر بي ، وأنا إلى الكلام فيها أشد نزاعا من العطشان إلى الماء البارد ولا أتكلم به . ثم صار أمره إلى ما صار . وقيل : حجم جنيد الحجام داود الطائي ، فأعطاه دينارا ، فقيل له : هذا إسراف . فقال : لا عبادة لمن لا مروءة له . وكان يقول بالليل : الهي همك عطل علي الهموم الدنيوية ، وحلل بين وبين الرقاد . سمعت محمد بن عبد الله الصوفي يقول : حدثنا محمد بن يوسف قال : حدثنا سعيد بن عمرو قال : حدثنا علي بن حرب الموصلي قال : حدثنا إسماعيل ابن زيا الطائي قال : قالت داية داود الطائي له . أما تشتهي الخبز ؟ فقال : بين مضغ الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسين آية . ولما توفي داود رآه بعض الصالحين في المنام وهو يعدو فقيل له : مالك ؟ فقال : الساعة تخلصت من السجن . فاستيقظ الرجل من منامه ، فارتفع الصياح بقول الناس : مات داود الطائي . وقال له رجل : وسني . فقال له : عسكر الموت ينتظرونك . ودخل بعضهم عليه ، فرأى جرة ماء انبسطت عليها الشمس ، فقال له : ألا تحولها إلى الظل ؟ فقال : حين وضعتها لم يكن شمس ، وأنا أستحي أن يراني الله أمشي لما فيه حظ نفسي . ودخل عليه بعضهم ، فجعل ينظر إليه ، فقال : أما علمت أنهم كانوا يكرهون فضول النظر كما يكرهون فضول الكلام ؟ أخبرنا عبد الله بن يوسف الأصفهاني قال : أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم ابن محمد بن يحيى المزكي : قال : حدثنا قاسم بن أحمد ، قال : سمعت ميمونا الغزالي قال : قال أبو الربيع الواسطي : قلت لداود الطائي : أوصني . فقال : صم عن الدنيا ، واجعل فطرك الموت ، وفر من الناس كفرارك من السبع . ومنهم : أبو علي شقيق بن إبراهيم البلخي