Qur'an&Sunnah

Kuşeyrî — er-Risâle

Bagian V01/P067–V01/P069

واسمه : علي بن محمد بن سهل الدينوري . أقام بمصر ، ومت به ، وكان من كبار المشايخ . قال أبو عثمان المغربي : ما رأيت من المشايخ أنور من أبي يعقوب النهرجوري ، ولا أكثر هيبة من أبي الحسن بن الصائغ . مات سنة : ثلاثين وثلاثمائة سئل ابن الصائغ عن الاستدلال بالشاهد على الغائب ، فقال : كيف يستدل بصفات من له مثل ونظير على من لا مثل له ولا نظير ؟ ! وسئل عن صفة المريد ، فقال : ما قال الله عز وجل : ' وضاقت عليهم الأرض بما رحبت ، وضاقت عليهم أنفسهم ' الآية . وقال : الأحوال كالبروق ، فإذا ثبتت فهو حديث النفس وملازمة الطبع . ومنهم : أبو إسحق إبراهيم بن داود الرقي من كبار مشايخ الشام . من أقران الجنيد ، وابن الجلاء . وقد عمر ، وعاش إلى سنة : ست وعشرين وثلاثمائة . وقال إبراهيم الرقي : المعرفة : إثبت الحق على ما هو ، خارجا عن كل ما هو موهوم . وقال : القدرة ظاهرة ، والأعين مفتوحة . ولكن أنوار البصائر قد ضعفت . وقال : أضعف الخلق : من ضعف عن رد شهواته ، وأقوى الخلق : من قوي على ردها . وقال : علامة محبة الله : إيثار طاعته ، ومتابعة نبيه صلى الله عليه وسلم . ومنهم : ممشاد الدينوري من كبار مشايخهم . مات سنة : تسع وتسعين ومائتين . قال ممشاد . أدب المريد في التزام حرمات المشايخ ، وخدمة الإخوان ، والخروج عن الأسباب ، وحفظ آداب الشرع على نفسه . وقال ممشاد : ما دخلت قط على أحد من شيوخي ، إلا وأنا خال من جميع مالي أنتظر بركات ما يرد علي من رؤيته وكلامه ، فإن من دخل على شيخ بحظه انقطع عن بركات رؤيته ومجالسته ، وكلامه . ومنهم : خير النساج صحب أبا حمزة البغدادي ، ولقي السري ، وكان من أقران أبي الحسن النوري إلا أنه عمر عمرا طويلا . وعاش ، كما قيل ، مائة وعشرين سنة . وتاب في مجلسه : الشبلي ، والخواص . وكان أستاذ الجماعة . وقيل : كان اسمه محمد بن إسماعيل ، من سامرة ، وإنما سمي خير النساج ، لأنه خرج إلى الحج ، فأخذ رجل على باب الكوفة وقال : أنت عبدي ، واسمك خير . وكان أسود - فلم يخالفه . واستعمله الرجل في نسج الخز ، فكان يقول له : يا خير فيقول : لبيك . ثم قال له الرجل بعد سنين : غلطت ، لا أنت عبدي ولا أسمك خير فمضى وتركه ، وقال : لا أغير اسما صماني به رجل مسلم . وقال : الخوف سوط الله يقوم به أنفسا قد تعودت سوء الأدب . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي ، رحمه الله ، يقول : سمعت أبا الحسن القزويني يقول : سمعت أبا الحسين المالكي ، يقول : سألت من حضر موت خير النساج عن أمره ؟ فقال : لما حضرت صلاة المغرب غشى عليه ، ثم فتح عينيه ، وأومأ في ناحية البيت وقال : قف ، عافاك الله ، فإنما أنت عبد مأمور وأنا عبد مأمور . وما أمرت به لا يفوتك وما أمرت به يفوتني . ودعا بماء فتوضأ للصلاة ، ثم تمدد . وغمض عينيه ، وتشهد ، ومات فرؤى في المنام فقيل له : ما فعل الله بك ؟ فقال لسائله : لا تسألني عن هذا ، ولكن استرحت من دنياكم الوضرة ! ! ومنهم : أبو حمزة الخراساني

Bagian V01/P069–V01/P071

بنيسابور ، أصله من محلة ملقاباذ . من أقران الجنيد ، والخراز وأبي تراب النخشبي . وكان ورعا ، دينا . قال أبو حمزة : من استشعر ذكر الموت حبب الله إليه كل باق ، وبغض إليه كل فان : وقال : العارف بالله يدافع عيشه يوما بيوم ، ويأخذ عيشه يوما ليوم . وقال له رجل : أوصني . فقال : هيىء زادك للسفر الذي بين يديك . سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله ، يقول : سمعت أبا الطيب العكي يقول : سمعت أبا الحسن المصري يقول : سمعت أبا حمزة الخراساني ، يقول : كنت قد بقيت محرما في عباء ، أسافر كل سنة ألف فرسخ تطلع الشمس علي وتغرب ، كلما حللت أحرمت . توفي سنة : تسعين ومائتين . ومنهم : أبو بكر بن جحدر الشبلي بغدادي المولد والمنشأ . واصله من أسر وشنة . صحب الجنيد ومن في عصره ، وكان شيخ وقته : حالا ، وظرفا ، وعلما . مالكي المذهب . عاش سبعا وثمانين سنة ، ومات سنة : أربع وثلاثين وثلاثمائة . وقبره ببغداد . ولما تاب الشبلي في مجلس خير النساج أتى دماوند ، وقال : كنت وإلى بلدكم ، فاجعلوني في حل . وكانت مجاهداته في بدايته فوق الحد . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق ؛ رحمه الله ، يقول : بلغني أنه اكتحل بكذا . وكذا . . ومن الملح ؛ ليعتاد السهر ، ولا يأخذه النوم ولو لم يكن من تعظيمه للشرع إلا ما حكاه بكران الدينوري في آخر عمره لكان كثيرا . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي ، رحمه الله يقول : سمعت أبا العباس البغدادي يقول : كان الشبلي ، رحمه الله ، يقول في آخر أيامه : وكم من موضع لو مت فيه . . . لكنت به نكالا في العشيرة وكان الشبلي إذا دخل شهر رمضان جد فوق جد من عاصره ، ويقول : هذا شهر عظمه ربي ، فأنا أول من يعظمه . سمعت الأستاذ أبا علي يحكي ذلك عنه . ومنهم : أبو محمد عبد الله بن محمد المرتعش نيسابوري ، من محلة الحيرة . وقيل : من ملقاباذ . صحب أبا حفص ، وأبا عثمان ، ولقي الجنيد ، وكان كبير الشأن . وكان يقيم في مسجد الشونزيه . مات ببغداد سنة : سمان وعشرين وثلاثمائة . قال المرتعش : الإرادة : حبس النفس عن مراداتها ، والإقبال على أوامر الله تعالى ، والرضا بموارد القضاء عليه . وقيل له : إن فلانا يمشي على الماء . فقال : عندي أن من مكنه الله تعالى من مخالفة هواه فهو أعظم من المشي في الهواء . ومنهم : أبو علي أحمد بن محمد الروذباري

Bagian V01/P071–V01/P073

بغدادي ، أقام بمصر . ومات بها سنة : اثنتين وعشرين وثلاثمائة . صحب الجنيد ، والنوري ، وابن الجلاء ، والطبقة . أظرف المشايخ وأعلمهم بالطريقة . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي ، رحمه الله يقول : سمعت أبا القاسم الدمشقي يقول : سئل أبو علي الروذباري عمن يسمع الملاهي ويقول : هي لي حلال ، لأني وصلت إلى درجة لا تؤثر في اختلاف الأحوال . فقال : نعم ، قد وصل ، ولكن إلى سقر ! ! وسئل عن التصوف ، فقال : هذا مذهب كله جد ، فلا تخلطوه بشيء من الهزل . سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله يقول : سمعت منصور بن عبد الله يقول : سمعت أبا علي الروذباري يقول : من علامة الاغترار أن تسيء فيحسن الله إليك ، فتترك الأنابة والتوبة ، وهما أنك تسامح في الهفوات ، وترى أن ذلك من بسط الحق لك . . وقال : كان أستاذي في التصوف : الجنيد . وفي الفقه : أبو العباس ابن شريح ، وفي الأدب : ثعلب ، وفي الحديث : إبراهيم الحربي . ومنهم : أبو محمد عبد الله بن منازل شيخ الملامتية ، وأوحد وقته . صحب حمدون القصار . وكان عالما وكتب الحديث الكثير . مات بنيسابور سنة : تسع وعشرين ، أو ثلاثين وثلاثمائة . سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله ، يقول : سمعت عبد الله المعلم يقول : سمعت عبد الله بن منازل يقول : لم يضيع أحد فريضة من الفرائض إلا ابتلاه الله تعالى بتضييع السنن ، لم يبل أحد بتصنيع السنن إلا وشك أن يبتلي بالبدع . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي ، يقول : سمعت أبا أحمد بن عيسى يقول : سمعت عبد الله بن منازل يقول : أفضل أوقاتك : وقت تسلم فيه من هواجس نفسك ، ووقت تسلم فيه من سوء ظنك . ومنهم : أبو علي محمد بن عبد الوهاب الثقفي إمام الوقت . صحب أبا حفص ، وحمدون القصار . وبه ظهر التصوف بنيسابور : مات سنة : ثمان وعشرين وثلاثمائة . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت منصور بن عبد الله يقول سمعت أبا علي الثقفي يقول : لو أني رجلا جمع العلوم كلها ، وصحب طوائف الناس لا يبلغ مبلغ الرجال إلا بالرياضة : من شيخ ، أو إمام ، أو مؤدب ناصح . ومن لم يأخذ أدبه من أستاذ يريه عيوب أعماله ، ورعونات نفسه ، لايجوز الاقتداء به في تصحيح المعاملات . وقال أبو علي رحمه الله : يأتي على هذه الأمة زمان لا تطيب المعيشة فيه المؤمن إلا بعد إستناده إلى منافق . وقال : أف من أشال الدنيا إذا أقبلت ، وأف من حسراتها إذا أدبرت ، والعاقل من لا يركن إلى شيء إذا أقبل كان شغلا ، وإذا أدبر كان حسرة . ومنهم : أبو الخير الأقطع مغربي الأصل ، سكن تينات . وله كرامات ، وفراسة حادة . كان كبير الشأن ، مات سنة : نيف وأربعين وثلاثمائة . قال أبو الخير : ما بلغ أحد إلى حالة شريفة إلا بملازمة الموافقة ، ومعانقة الأدب ، وأداء الفرائض ، وصحبة الصالحين . ومنهم : أبو بكر محمد بن علي الكتاني بغدادي الأصل . صحب الجنيد ، والخراز ، والنوري . وجاور بمكة إلى أن مات سنة : اثنتين وعشرين وثلاثمائة . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي ، رحمه الله ، يقول : سمعت أبا بكر الرازي يقول : نظر الكتاني إلى شيخ أبيض الرأس واللحية يسأل الناس ، فقال : هذا رجل أضاع حق الله في صغره ، فضيعه الله في كبره . وقال الكتاني الشهوة زمام الشيطان ، فمن أخذ بزمامه كان عبده . ومنهم : ؟ أبو يعقوب إسحاق بن محمد النهرجوري

Bagian V01/P073–V01/P076

صحب أبا عمرو المكي ، وأبا يعقوب السوسي ، والجنيد ، وغيرهم . مات بمكة مجاورا بها ، سنة : ثلاثمائة . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا الحسين أحمد بن علي يقول : سمعت النهرجوري ، يقول : الدنيا بحر ، والآخرة ساحل ، والمركب التقوي ، والناس سفر . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت النهرجوري يقول رأيت رجلا في الطواف بفردعين ، يقول أعوذ بك منك . فقلت : ما هذا الدعاء ؟ فقال : نظرت يوما إلى شخص فاستحسنته ، وإذا لطمة وقعت على بصري ، فألست عيني ، فسمعت هاتفا يقول : لكمة بنظرة . . ولو زدت لزدناك . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أحمد بن علي يقول : سمعت النهرجوري يقول : أفضل الأحوال ما قارن العلم . ومنهم : ؟ أبو الحسن علي بن محمد المزين من أهل بغداد ، من أصحاب سهل بن عبد الله ، والجنيد ، والطبقة . مات بمكة مجاورا سنة : ثمان وعشرين وثلاثمائة . وكان ورعا كبيرا . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول : سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت المزين يقول : الذنب بعد الذنب عقوبة الذنب الأول ، والحسنة بعد الحسنة ثواب الحسنة الأولى . وسئل المزين عن التوحيد ، فقال : أن تعلم أن أوصافه تعالى بائنة لأوصاف خلق ، باينهم بصفاته قدما كما باينوه بصفاتهم حدثا . وقال : من لم يستغن بالله أحوجه الله إلى الخلق ، ومن استغنى بالله أحوج الله الخلق إليه . ومنهم : أبو علي بن الكاتب واسمه الحسن بن أحمد . صحب أبا علي الروذباري ، وأبا بكر المصري ، وغيرهما . كان كبيرا في حاله . مات سنة : نيف وأربعين وثلاثمائة . قال ابن الكاتب : إذا سكن الخوف في القلب لم ينطق اللسان إلا بما يعنيه . وقال ابن الكاتب : العتزلة تزهوا الله تعالى من حيث العقل فأخطأوا ، والصوفية نزهوه من حيث العلم فأصابوا . ومنهم : مظفر القرمسيني من أشياخ الجبل . صحب عبد الله الخراز ، وغيره . قال مظفر الفرمسيني : الصوم على ثلاثة أوجه : صوم الروح بقصر الأمل ، وصوم العقل بخلاف الهوى ، وصوم النفس بالإمساك عن الطعام والمحارم . وقال مظفر : أخس الإرفاق : أرفاق النسوان ، على أي وجه كان . وقال : الجوع إذا ساعدته القشاعة فهو مزرعة الفكرة ، وينبوع الحكمة ، وحياة الفطنة ، ومصباح القلب . وقال : أفضل أعمال العبيد : حفظ أوقاتهم الحاضرة ، وهو أن لا يقصروا في أمر ، ولا يتجاوزوا عن حد . وقال : من لم يأخذ الأدب عن حكيم لم يتأدب به مريد . ومنهم : أبو بكر عبد الله بن طاهر الأبهري من أقران الشبلي . من مشايخ الجبل . عالم ورع ، صحب يوسف بن الحسين ، وغيره . مات بقرب من الثلاثين والثلاثمائة . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول : سمعت منصور بن عبد الله ، يقول : سمعت أبا بكر بن طاهر يقول : من حكم الفقير أن لا يكون له رغبة ، فإن كان ولابد ، فلا تجاوز رغبته كفايته يعني المحتاج إليه . وبهذا الإسناد قال : إذا أحببت أخا في الله ، فاقلل مخالطته في الدنيا . ومنهم : أبو الحسين بن بنان ينتمي إلى أبي سعيد الخراز . من كبار مشايخ مصر . قال ابن بنان : كل صوفي كان هم الرزق قائما في قلبه فلزوم العمل أقرب إليه . وعلامة سكون القلب إلى الله : أن يكون بما في يد الله أوثق منه بما في يده . وقال : اجتنبوا دناءة الأخلاق كما تجتنبون الحرام . ومنهم : أبو إسحاق إبراهيم بن شيبان القرمسيني

Bagian V01/P076–V01/P079

شيخ وقته . وصحب أبا عبد الله المغربي ، والخواص ، وغيرهما . سمعت محمد بن الحسين ، يقول : سمعت أبا يزيد المروزي الفقيه يقول سمعت إبراهيم بن شيبان يقول : من أراد أن يتعطل أو يتبطل فليلزم الرخص . وبهذا الإسناد قال : علم الفناء والبقاء يدور على إخلاص الوحدانية ، وصحة العبودية وما كان غير هذا ، فهو المغاليط والزندقة . وقال إبرهيم : السفلة من يعي الله عز وجل . ومنهم : أبو بكر الحسين بن علي بن يزدانيار من أرمينية . له طريقة يختص بها في التصوف . وكان عالما ورعا ، وكان ينكر على بعض العارفين في إطلاقات وألفاظ لهم . قال ابن يزدانيار : إياك أن تطمع في الانس بالله وأنت تحب الأنس بالناس . وإياك أن تطمع في حب الله وأنت تحب الفضول . وإياك أن تطمع في المنزلة عند الله وأنت تحب المنزلة عند الناس . ومنهم : أبو سعيد بن الأعرابي واسمه : أحمد بن محمد بن زياد البصري . جاور الحرم ، ومات به سنة : إحدى وأربعين وثلاثمائة . صحب الجنيد ، وعمرو بن عثمان المكي ، والنوري ، وغيرهم . قال ابن الأعرابي : أخسر الأخسرين من أبدي للناس صالح أعماله ، وبارز بالقبيح من هو أقرب إليه من حبل الوريد . ومنهم : أبو عمرو محمد بن إبراهيم الزجاجي النيسابوري جاور بمكة سنين كثيرة ومات بها . صحب الجنيد ، وأبا عثمان ، والنوري ، والخواص ، ورويما . مات سنة : ثمان وأربعين وثلاثمائة . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي ، رحمه الله ، يقول : سمعت جدي أبا عمرو بن نجيد يقول : سئل أبو عمرو الزجاجي : ما بالك تتغير عند التكبيرة الأولى في الفرائض ؟ فقال : لأني أخشى أن أفتتح فريضتي بخلاف الصدق ، فمن يقول : الله أكبر ، وفي قلبه شيء أكبر منه ، أو قد كبر شيئا سواءه على مرور الأوقات ، وفقد كذب نفسه على لسانه . وقال : من تكلم عن حال لم يصل إليها كان كلامه فتنة لمن يسمعه ، ودعوى تتولد في قلبه ، وحرمه الله الوصول إلى تلك الحال . وقد جاور بمكة سنين كثيرة لم يتطهر في الحرم ، بل كان يخرج إلى الحل ويتطهر فيه . ومنهم : أبو محمد جعفر بن محمد بن نصير بغدادي المنشأ والمولد . صحب الجنيد ، وانتمى إليه ، وصحب النوري ، ورويما ، وسمنون ، والطبقة . مات ببغداد سنة : ثمان وأربعين وثلاثمائة . قال جعفر : لا يجد العبد لذة المعاملة مع الله مع لذة النفس ، لأن أهل الحقائق قطعوا العلائق التي تقطعهم عن الحق ، قبلأن تقطعهم العلائق . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول : سمعت جعفرا يقول : إن ما بين العبد وبين الوجود أن تسكن التقوى قلبه ، فإذا سكنت التقوى قلبه نزلت عليه بركات العلم ، وزالت عنه رغبة الدنيا . ومنهم : أبو العباس السياري واسمه : القاسم بن القاسم . من مرو صحب الواسطي ، وانتمي إليه في علوم هذه الطائفة . وكان عالما . مات سنة : اثنتين وأربعين وثلاثمائة . سئل أبو العباس السياري : بماذا يروض المريد نفسه ؟ فقال : بالصبر على فعل الأوامر ، واجتناب النواهي ، وصحبة الصالحين ، وخدمة الفقراء . وقال : ما التذ عاقل بمشاهدة الحق قد ، لأن مشاهدة الحق فناء ، ليس فيها لذة . ومنهم : أبو بكر محمد بن داود الدينوري

Bagian V01/P079–V01/P082

المعروف بالدقي . أقام بالشام وعاش أكثر من مائة سنة . مات بدمشق بعد الخمسين والثلاثمائة . صحب أبن الجلاء ، والزقاق . قال أبو بكر الدقي . المعدة موضع يجمع الأطعمة ، فإذا طرحت فيها الحلال صدرت الأعضاء بالأعمال الصالحة ، وإذا طرحت فيها الشبهة اشتب عليك الطريق إلى الله تعالى - وإذا طرحت فيها التبعات كان بينك وبين أمر الله حجاب . ومنهم : أبو محمد عبد الله بن محمد الرازي مولده ومنشؤه بنيسابور . صحب أبو عثمان الحيري ، والجنيد ، ويوسف بن الحسين ، ورويما ، وسمنونا ، وغيرهم . مات سنة : ثلاث وخمسين وثلاثمائة . سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله ، يقول : سمعت عبد الله الرازي يقول وقد سئل : ما بال الناس يعرفون عيوبهم ولا يرجعون إلى الصواب ؟ فقال : لأنهم اشتغلوا بالمباهاة بالعلم ، ولم يشتغلوا باستعماله ، واشتغلوا بالظواهر ولم يشتغلوا بآداب البواطن ، فأعمى الله قلوبهم ، وقيد جوارحهم عن العبادات . ومنهم : أبو عمرو إسماعيل بن نجيد صحب أبا عثمان ، ولي الجنيد . وكان كبير الشأن . آخر من مات من أصحاب أبي عثمان . توفي بمكة سنة : ست وستين وثلاثمائة . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي ، رحمه الله ، يقول : سمعت جدي أبا عمرو بن نجيد يقول : كل حال لا يكون عن نتيجة علم ؛ فإن ضرره على صاحبه أكثر من نفعه . قال : وسمعته يقول : من ضيع في وقت من أوقاته فريضة افترضها الله عليه حرم لذة تلك الفريضة ، ولو بعد حين . قال : وسئل عن التصوف ، فقال : الصبر تحت الأمر والنهي . قال ، وقال : آفة العبد رضاه من نفسه بما هو فيه . ومهنهم : أبو الحسن علي بن أحمد بن سهل البوشنجي أحد فتيان خراسان . لقي أبا عثمان ، وابن عطاء ، والجريري ، وأبا عمر والدمشقي . مات سنة : ثمان وأربعين وثلاثمائة . وسئل البوشنجي عن المروءة فقال : هي ترك استعمال ما هو محرم مع الكرام الكاتبين . وقال له إنسان : ادع الله لي . فقال : أعاذك الله من فتنتك . وقال : أول الإيمان منوط بآخره . ومنهم : أبو عبد الله الشيرازي أبو عبد الله محمد بن خفيف الشيرازي صحب رويما ، والجريري ، وابن عطاء ، وغيرهم . مات سنة : إحدى وسبعين وثلاثمائة . وهو شيخ الشيوخ وواحد وقته . قال ابن خفيف : الإدارة استدامة الكد ؛ وترك الراحة . وقال : ليس شيء أضر على المريد من مسامحة النفس في ركوب الرحل وقبول التأويلات . وسئل عن القرب ، فقال : قربك منه بملازمة الموافقات ، وقربه منك بدوام التوفيق . سمعت أبا عبد الله الصوفي ، يقول : سمعت أبا عبد الله بن خفيف يقول : ربما كنت أقرأ في ابتداء أمري في ركعة واحدة عشرة آلاف مرة قل هو الله أحد وربما كنت أقرأ في ركعة واحدة القرآن كله ، وربما كنت أصلي من الغداة إلى العصر ألف ركعة . سمعت أبا عبد الله بن باكويه الشيرازي ، رحمه الله ، يقول : سمعت أبا أحمد الصغير يقول : دخل يوما من الأيام فقير ، فقال الشيخ أبي عبد الله أبن خفيف . بي وسوس ! ! فقال الشيخ : عهدي بالصوفية يسخرون من الشيطان ، والآن الشيطان يسخر منهم . وسمعته يقول : سمعت أبا العباس الكرخي يقول : سمعت أبا عبد الله ابن خفيف يقول : ضعفت عن القيام في النوافل ، فجعلت بدل كل ركعة من أورادي ركعتين قاعدا ، للخبر : صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم . ومنهم : أبو الحسين بندار بن الحسين الشيرازي

Bagian V01/P082–V01/P084

كان عالما بالأصول ، كبيرا في الحال . صحب الشبلي . مات بأرجان سنة : ثلاث وخمسين وثلاثمائة . قال بندار بن الحسين : لا تخاصم لنفسك ، فإنها ليست لك ، دعها لمالكها يفعل بها ما يريد . وقال بندار : صحبة أهل البدع تورث الإعراض عن الحق . وقال بندار : اترك ما تهوى لما تأمل . ومنهم : أبو بكر الطمستاني صحب إبراهيم الدباغ ، وغيره . وكان أوحد وقته علما ، وحالا مات بنيسابور بعد سنة : أربعين وثلاثمائة قال أبو بكر الطمستاني : النعمة العظمة الخروج من النفس ، والنفس أعظم حجاب بينك وبين الله سمعت أبا عبد الله الشيرازي ، رحمه الله ، يقول : سمعت منصور بن عبد الله الأصبهاني ، يقول : سمعت أبا بكر الطمستاني يقول : إذا هم القلب عوقب في الوقت . وقال : ' الطريق واضح ، والكتاب والسنة قائم بين أظهرنا وفضل الصحابة معلوم ؛ لسبقهم إلى الهجرة ، ولصحبتهم ؛ فمن صحب منا الكتاب والسنة وتغرب عن نفسه والخلق ، وهاجر بقلبه إلى الله ، فهو الصادق المصيب ' . ومنهم : أبو العباس أحمد بن محمد الدينوري صحب يوسف بن الحسين ، وابن عطاء ، والجريري . وكان عالما فاضلا ؛ ورد نيسابور وأقام بها مدضة ، وكان يعظ الناس ، ويتكلم على لسان المعرفة ، ثم ذهب إلى سمرقند ، ومات بها بعد الأربعين وثلاثمائة . قال أبو العباس الدينوري : أدنى الذكر أن تنسى مادونه ، ونهاية الذكر أن يغيب الذاكر في الذكر عن الذكر . وقال أبو العباس : لسان الظاهر لا يغير حكم الباطن . وقال أبو العباس الدينوري : أدنى الذكر أن تنسى ما دونه ، ونهاية الذكر أن يغيب الذاكر في الذكر عن الذكر . وقال أبو العباس : لسان الظاهر لا يغير حكم الباطن . وقال أبو العباس الدينوري : نقضوا أركان التصوف ، وهدموا سبيلها ، وغيروا معانيها بأسامي أحدثوها : سمو الطمع زيادة ، وسوء الأدب إخلاصا والخروج عن الحق شطحا والتلذذ بالمذموم طيبة ، واتباع الهوي ابتلاء والرجوع إلى الدنيا وصلا ، وسوء الخلق صولة ، والبخل جلادة والسؤال عملا وبذاءة اللسان ملامة . وما هذا كان طريق القوم . ومنهم : أبو عثمان سعيد بن سلام المغربي واحد عصره ، لم يوصف مثله قبله . صحب ابن الكاتب ، وحبيبا المغربي ، وأبا عمرو الزجاجي ، ولقي النهرجوري وابن الصائغ وغيرهم . مات بنيسابور سنة : ثلاث وسبعين وثلاثمائة . وأوصى بأن يصلى عليه الإمام أبو بكر بن فورك رحمه الله تعالى . سمعت الأستاذ أبو بكر بن فورك يقول : كنت عند أبي عثمان المغربي حين قرب أجله ، وعلي القوال الصغير يقول شيئا ، فلما تغير عليه الحال أشرنا على علي بالسكوت ، ففتح الشيخ أبو عثمان عينيه ، وقال : لم لا يقول علي شيئا ؟ فقلت لبعض الحاضرين : سلوه ، علام يسمع المستمع ، فإني أحتشمه في تلك الحالة فسألوه ، فقال : إنما يسمع من حيث يسمع . وكان في الرياضة كبير الشأن . وقال أبو عثمان : التقوى ، هي : الوقوف مع الحدود ، لا يقصر فيها ولا يتعداها . وقال : من آثر صحبة الآغنياء على مجالسة الفقراء ابتلاه الله بموت القلب . ومنهم : أبو القاسم إبراهيم بن محمد النصراباذي

Bagian V01/P084–V01/P088

شيخ خراسان في وقته . صحب الشبلي ، وأبا علي الروذباري ، والمرتعش . جاور بمكة سنة : ست وستين وثلاثمائة . ومات بها سنة تسع وستين وثلاثمائة . وكان عالما بالحديث ، كثير الرواية . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي ، رحمه الله ، يقول : سمعت النصراباذي يقول : إذا بدا لك شيء من بوادي الحق ، فلا نلتفت معها إلى جنة ، ولا إلى نار ، فإذا رجعت عن تلك الحال فعظم ما عظمه الله . وسمعت محمد بن الحسين يقول : قيل للنصراباذي : إن بعض الناس يجالس النسوان ، ويقول : أنا معصوم في رؤيتهن . فقال : ما دامت الأشباح باقية فإن الأمر والهي باق ، والتحليل والتحريم مخاطب به ؛ ولن يجترىء على الشبهات إلا من تعرض للمحرمات . وسمعت محمد بن الحسين ، رحمة الله ، يقول : قال النصراباذي : أصل التصوف : ملازمة الكتاب والسنة ، وترك الأهواء والبدع وتعظيم حرمات المشايخ ، ورؤية أعذار الخلق ، والمداومة على الأوراد ، وترك ارتكاب الرخص والتأويلات . ومنهم : أبو الحسن علي بن إبراهيم الحصري البقري سكن بغداد . عجيب الحال واللسان ، شيخ وقته . ينتمي إلى الشبلي . مات ببغداد سنة : إحدى وسبعين وثلاثمائة . قال الحصري : الناس يقولون : الحصري لا يقول بالنوافل ، وعلى أوراد من حال الشباب لو تركت ركعة لعوقبت . وقال : من ادعى في شيء من الحقيقة كذبته شواهد كشف البراهين . ومنهم : أبو عبد الله بن أحمد بن عطاء الروذباري ابن أخت الشيخ أبي علي الروذباري . شيخ الشم في وقته مات بصور سنة : تسع وستين وثلاثمائة . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت على بن سعيد المصيصي ، يقول : سمعت أحمد بن عطاء الروذباري يقول : كنت راكبا جملا ، فغاصت رجلا الجمل في الرمل ، فقلت : جل الله ، فقال الجمل : جل الله . وكان أبو عبد الله الروذباري إذا دعا أصحابه معه إلى دعوة في دور السوقة ، ومن ليس من أهل التصوف لا يخبر الفقراء بذلك ، وكان يطعمهم شيئا ، فإذا فرغوا أخبرهم ، ومضى بهم فكانوا قد أكلوا في الوقت فلا يمكنهم أن يمدوا أيديهم إلى طعام الدعوة إلا بالتعزز . وإنما كان يفعل ذلك ، لئلا تسوء ظنون الناس بهذه الطائفة فيأثموا بسببهم . وقيل : كان أبو عبد الله الروذباري يمشي على أثر الفقراء يوما ، وكذا كانت عادته أن يمشي على أثرهم ، وكانوا يمضون إلى دعوة فقال إنسان بقال : هؤلاء المستحلون وبسط لسانه فيهم ، وقال في اثناء كلامه : إن واحدا منهم قد استقرض مني مائة درهم . ولم يردها علي ولست أدري أين أطلبه ؟ فلما دخلوا دار الدعوة ، قال أبو عبد الله الروذباري لصاحب الدار وكان من محبي هذه الطائفة . إثنتي بمائة درهم إن أردت سكون قلبي . فأتاه بها في الوقت فقال لبعض أصحابه : أحمل هذه المائة إلى البقال الفلاني ، وقل له : هذه المائة التي استقرضها منك بعض أصحابنا ، وقد وقع له في التأخير بها عذر ، وقد بعثها الآن . . فأقبل عذهر ! ! فمضى الرجل ، وفعل ، فلما رجعوا من الدعوة اجتازوا بحانوت البقال ، فأخذ البقال في مدحهم يقول : هؤلاء هم الثقاة الأمناء الصلحاء ، وما أشبه ذلك . وقال أبو عبد الله الروذباري : أقبح من كل قبيح صوفي شحيح . قال أبو القاسم الأستاذ الإمام جمال الإسلام ، رضي الله عنه هذا هو ذكر جماعة من شيوخ هذه الطائفة . وكان الغرض من ذكرهم في هذا الموضع التنبيه على أنهم مجمعون على تعظيم الشريعة ؛ متصفون بسلوك طرق الرياضة ، مقيمون على متابعة السنة ، غير مخلين بشيء من آداب الديانة ، متفقون على أن من خلا من المعاملات والمجاهدات ولم يبن أمره على أساس الورع والتقوى كان مفتريا على الله سبحانه وتعالى ، فيما يدعيه ، متفونا ، هلك في نفسه ، وأهلك من أغتر به ممن ركن إلى أباطيله . ولو تقصينا ، وتتبعنا ما ورد عنهم : من ألفاظهم ، وحكاياتهم ، ووصف سيرهم مما يدل على أحوالهم ، لطال به التاب ، وحصل منه الملال : وفي هذا القدر الذي لوحنا به في تحصيل المقصود غنية ، وبالله التوفيق . فأما المشايخ الذين أدركناهم ، وعاصرناهم ، وإن لم يتفق لنا لقياهم ، مثل : الاستاذ الشهيد ، لسان وقته ، وأوحد عصره ، أبي علي الحسن بن علي الدقاق ، والشيخ ، نسيج وحده في وقته ، أبي عبد الرحمن السلمي ، وابي الحسن علي بن جهضم مجاور الحرم والشيخ أبي العباس القصار بطبرستان . وأحمد الأسود بالدينور ؛ وابي القاسم الصيرفي بنيسابور ، وابي سهل الخشاب الكبير بها . ومنصور بن خلف المغربي ، وأبي سعيد الماليني ، وأبي طاهر الخوزندي ، قدس الله أرواحهم ، وغيرهم ، فلو اشتغلنا بذكرهم ، وتفصيل أحوالهم ، لخرجنا عن المقصود في الإيجاز وغير ملتبس من أحوالهم حسن سيرتهم في معاملاتهم . وسنورد من حكاياتهم طرفا في مواضع من هذه الرسالة إن شاء الله تعالى .

Bagian V01/P088–V01/P090

باب في تفسير ألفاظ تدور بين هذه الطائفة وبيان ما يشكل منها أعلم أن من المعلوم : أن كل طائفة من العلماء لهم ألفاظ يستعملونها - فيما بينهم - انفردوا بها عمن سواهم ، تواطئوا عليها ؛ لأغراض لهم فيها : من تقريب الفهم على المخاطبين بها ، أو تسهيل على أهل تلك الصنعة في الوقوف على معانيهم ، بإطلاقها . وهذا الطائفة يستعملون ألفاظا فيما بينهم ، قصدوا بها الكشف عن معانيهم لأنفسهم ، والإجمال والستر على من باينهم في طريقتهم ؛ لتكون معاني ألفاظهم مستبهمة على الأجانب ، غيرة منهم على أسرارهم أن تشيع في غير أهلها ، إذ ليست حقائقهم مجموعة بنوع تكلف ، واستخلص لحقائقها اسرار قوم . ونحن نريد بشرح هذه الألفاظ : تسهيل الفهم على من يريد الوقوف على معانيهم من سالكي طرقهم ، ومتبعي سننهم . فمن ذلك : الوقت حقيقة الوقت عند أهل التحقيق : حادث متوهم علق حصوله على حادث متحقق فالحادث المتحقق ، وقت للحادث المتوهم ، تقول : آتيك رأس الشهر ، فالإتيان متوهم ، ورأس الشهر حادث متحقق . فرأس الشهر وقت الإتيان . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق ، رحمه الله ، يقول : الوقت : ما أنت فيه ، إن كنت بالدنيا فوقتك الدنيا ، وإن كنت بالعقبى فوقتك العقبى وإن كنت بالسرور فوقتك السرور وإن كنت بالحزن فوقتك الحزن . يريد بهذا : أن الوقت ما كان هو الغالب على الإنسان . وقد يعنون بالوقت : ما هو فيه من الزمان ، فإن قوما قالوا : الوقت ما بين الزمانين ، يعني الماضي والمستقبل . ويقولون : الصوفي ابن وقته ، يريدون بذلك : أنه مشتغل بما هو أولى به من العبادات في الحال ، قائم بما هو مطلوب به في الحين . وقيل : الفقير لا يهمه ماضي وقته وآتيه ، بل يهمه وقته الذي هو فيه . ولهذا قيل : الاشتغال بفوات وقت ماض . تضبيع وقت ثان . وقد يريدون بالوقت : ما يصادفهم من تصريف الحق لهم ، دون ما يختارونه لأنفسهم . ويقولون : فلان بحكم الوقت . أي : أنه مستسلم لما يبدو له من الغيب من غير أختيار له . وهذا فيما ليس لله تعالى عليهم فيه أمر أو اقتضاء بحق شرع ، إذ التضييع لما أمرت به : وإحالة الأمر فيه على التقدير وترك المبالاة بما يحصل منك من التقصير : خروج عن الدين . ومن كلامهم : الوقت سيف . أي : كما أن السيف قاطع فالوقت بما يمضيه الحق ويجريه غالب . وقيل : السيف لين مسه ، قاطع حده ، فمن لاينه سلم ، ومن خاشنه اصطلم . كذلك الوقت : من استسلم لحكمه نجا ، ومن عارضه انتكس وتردي . وأنشدوا في ذلك : وكالسيف إن لاينته لان مسه . . . وحداه إن خاشنته خشنان ومن ساعده الوقت : فالوقت له وقت . ومن ناكده الوقت : فالوقت عليه مقت . وسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول : الوقت مبرد يستحقك ولا يمحقك . يعني : لو محاك وأفتاك لتخلصت حين فنيت . لكنه يأخذ منك ولا يمحوك بالكلية - وكان ينشد في هذا المعنى : كل يوم يمر يأخذ بعضي يورث القلب حسرة ثم يمضي وكان ينشد أيضا : كأهل النار إن نضجت جلود . . . يورث القلب حسرة ثم يمض وكان ينشد أيضا : كأهل النار إن نضجت جلود . . . أعيدت للشقاء لهم جلود وفي معناه : ليس من مات فاستراح بميت . . . إنما الميت ميت الأحياء والكيس : من كان بحكم وقته ؛ إن كان وقته الصحو فقيامه بالشريعة ، ون كان وقته المحو ، فالغالب عليه أحكام الحقيقة . ومن ذلك : المقام

Bagian V01/P090–V01/P092

والمقام : ما يتحقق به العبد بمنازلته من الآداب ؛ ممام يتوصل إليه بنوع تصرف ، ويتحقق به بضرب تطلب ، ومقاساة تكلف . فمقام كل أحد : موضع إقامته عند ذلك ، وما هو مشتغل بالرياضة له . وشرطه : أن لا يرتقي من مقام إلى مقام آخر ، ما لم يستوف أحكام ذلك المقام ، فإن من لا قناعة له لا تصح له التوكل ومن لا توكل له لا يصح له التسليم ، وكذلك من لا توبة له لا تصح له الإنابة ، ومن لا ورع له لا يصح له الزهد . والمقام : هو الإقامة ، كالمدخل بمعنى الإدخال ، والمخرج بمعنى الإخراج . ولا يصح لأحد منازلة مقام إلا بشهود إقامة الله تعالى إياه بذلك المقام ، ليصح بناء أمره على قاعدة صحيحة . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق ، رحمه الله تعالى ، يقول : لما دخل الواسطي نيسابور ، سأل أصحاب أبي عثمان : بماذا كان يأمركم شيخكم ؟ فقالوا : كان يأمرنا بالتزام الطاعات ، ورؤية التقصير فيها . فقال : أمركم بالمجوسية المحضة ، هلا أمركم بالغيبة عنها ، برؤية منشئها ومجريها ؟ وإنما أراد الواسطي بهذا : صيانتهم عن محل الإعجاب . لا تعريجا في أوطان التقصير ، أو تجويزا للإخلال بأدب من الآداب . ومن ذلك : الحال والحال عند القوم : معنى يرد على القلب ، من غير تعمد منهم ، ولا اجتلاب ، ولا أكتساب لهم ، من : طرب ، أو حزن ، أو بسط ، أو قبض ، أو شوق ، أو انزعاج أو هبة ، أو احتياج . فالأحوال : مواهب ، والمقامات . مكاسب . والأحوال تأتي من عين الجواد ، والمقامات تحصل ببذل المجهود . وصاحب المقام ممكن في مقامه ، وصاحب الحال مترق عن حاله . وسئل ذو النون المصري ، عن العارف ، فقال : كان ها هنا ، فذهب . وقال بعض المشايخ : الأحوال كالبروق : فإن بقي فحديث نفس . وقالوا : الأحوال كأسمها ، يعني أنها : كما تحل بالقلب نزول في الوقت . وأنشدوا : لو لم تحل ما سميت حالا . . . وكل ما حال فقد زالا انظر إلى الفيء إذا ما انتهى . . . يأخذ في النقص إذا طالا وأشار قوم إلى بقاء الأحوال ، ودوامها . وقالوا : إنها إذا لم تدم ولم تتوال فهي لوائح وبواده ، ولم يصل صاحبها بعد إلى الأحوال فإذا دامت تلك الصفة فعند ذلك تسمى : حالا . وهذا أبو عثمان الحيري يقول : منذ أربعين سنة ما أقامني الله في حال فكرهته . أشار إلى دوام الرضا ، والرضا من جملة الأحوال . فالواجب في هذا : أن يقال : إن من أشار إلى بقاء الأحوال فصحيح ما قال ، فقد يصير المعنى شربا لأحد فيربي فيه . ولك لصاحب هذه الحال أحوال : هي طوارق لا تدوم فوق أحواله التي صارت شربا له ؛ فإذا دامت هذه الطوارق له ، كما دامت الأحوال المتقدمة ، ارتقى إلى أحوال أخر ، فوق هذه وألطف من هذه ، فأبدا يكون في الترقي . سمعت الآستاذ أبا علي الدقاق ، رحمه الله ، يقول في معنى قول صلى الله عليه وسلم : إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله تعالى في اليوم سبعين مرة : أنه كان صلى الله عليه وسلم أبدا في الترقي من أحواله فإذا ارتقى من حالة إلى حالة أعلى مما كان فيها ، فربما حصل له ملاحظة إلى ما ارتقى عنها ، فكان يعدها غينا بالإضافة إلى ما حصل فيها ، فأبدا كانت أ ؛ واله في التزايد . ومقدورات الحق سبحانه ، من الآلطاف : لا نهاية لها ؛ فإذا كان حق الحق تعالى ، العز ، وكان الوصول إليه بالتحقيق محالا ، فالعبد أبدا في ارتقاء أحواله . فلا معنى يوصل إليه ، إلا وفي مقدوره سبحانه ما هو فوقه ، يقدر أن يوصله إليه . وعلى هذا يحمل قولهم : حسنات الأبرار سيئات المقربين . وسئل الجنيد عن هذا ، فأنشد : طوارق أنوار تلوح إذا بدت . . . فتظهر كتمانا وتخبر عن جمع ومن ذلك :

Bagian V01/P092

القبض والبسط

Bagian V01/P092–V01/P094

وهما : حالتان ، بعد ترقي العبد عز حالة الخوف والرجاء . فالقبض للعارف : بمنزلة الخوف للمستأنف . والبسط للعارف : بمنزلة الرجاء للمستأنف . ومن الفصل بين القبض والخوف ، والبسط والرجاء : أن الخوف ما يكون من شيء في المستقبل ، إما أن يخاف فوقت محبوب أو هجوم محذور . وكذلك الرجاء : إنما يكون بتأميل محبوب في المستقبل ، أو بتطلع زوال محذور وكفاية مكروه في المستأنف . وأما القبض : فلمعنى حاصل في الوقت ، وكذلك البسط ، فصاحب الخوف والرجاء : تعلق قلبه في حالتيه بآجله . وصاحب القبض والبسط أخذ وقته بوارد غلب عليه في عاجله . ثم تتفاوت نعوتهم في القبض والبسط على حسب تفاوتهم في أحوالهم : فمن وارد يوجب قبضا ، ولكن يبقى مساغ للأشياء الأخر ، لأنه غير مستوف ومن مقبوض لا مساغ لغير وارده فيه ، لأنه مأخوذ عنه بالكلية بوارده . كما قال بعضهم : أنا ردم ، أي : لا مساغ في . وكذلك المبسوط : قد يكون فيه بسط يسع الخلق ، فلا يستوحش من أكثر الأشياء ، ويكون مبسوطا لا يؤثر فيه شيء بحال من الأحوال . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق ، رحمه الله ، يقول : دخل بعضهم على أبي بكر القحطي ؛ وكان له ابن يتعاطى ما يتعاطاه الشباب ، وكان ممر هذا الداخل على هذا الابن ، فإذا هو مع أقرانه في اشتغاله ببطالته . فرق قلبه ، وتألم للقحطي ، وقال : مسكين هذ الشيخ ، كيف ابتلي بمقاساة هذا الإبن ؟ فلما دخل على القحطي ، وجده كأنه لا خبر له بما يجري عليه من الملاهي ، فتعجب منه ، وقال فديت ، من لا تؤثر فيه الجبال الرواسي . فقال القحطي : إنا قد حررنا عن رق الأشياء في الأزل . ومن أدنى موجبات القبض : أن يرد على قلبه وارد موجبه إشارى إلى عتاب ورمز باستحقاق تأديب ، فيحصل في القلب لا محالة ، قبض . وقد يكون موجب بعض الواردات إشارة إلى تقريب ، أو إقبال بنوع لطف وترحيب ، فيحصل للقلب بسط . وفي الجملة : قبض كل أ ؛ د حسب بسطه ، وبسطه على حسب قبضه . وقد يكون قبض يشكل على صاحبه سببه : يجد في قلبه قبضا لا يدري موجبه ولا سببه ، فسبيل صاحب هذا القبض التسليم ، حتى يمضي ذلك الوقت ، لأنه لو تكلف نفيه ، أو استقبل الوقت قبل هجومه عليه باختياره زاد في قبضه . ولعله يعد ذلك منه : سوء أدب . وإذا استسلم لحكم الوقت ، فمن قريب يزول القبض ، فإن الحق سبحانه قال : والله يقبض وببسط . وقد يكون بسط يرد بغتة ، ويصادف صاحبه فلتة لا يعرف له سببا ، يهز صاحبه ويستفزه ، فسبيل صاحبه السكون ، ومراعاة الأدب ، فإن في هذا الوقت له خطرا عظيما فليحذر صاحبه مكرا خفيا . كذا قال بعضهم : فتح علي باب من البسط ، فزللت زلة فحجبت عن مقامي . ولهذا قالوا : قف على البساط ، وإياك والانبساط . وقد عد أهل التحقيق حالتي القبض والبسط : من جملة ما استعاذوا منه ، لأنهما بالإضافة إلى ما فوقهما من استهلاك العبد واندراجه في الحقيقة : فقر وضر . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول : سمعت الحسين بن يحيى يقول : سمعت جعفر بن محمد يقول : سمعت الجنيد يقول : الخوف من الله يقبضني ، والرجاء منه : يبسطني .

Bagian V01/P094

والحقيقة : تجمعني ، والحق : يفرقني ، إذا قبضني بالخوف أفناني عني ، وذا بسطني بالرجاء ردني علي وإذا جمعني بالحقيقة أحضرني وإذا فرقني بالحق أشهدني غيري ، فغطاني عنه ، فهو تعالى في ذلك كله محركي غير ممسكي ، وموحشي غير مؤنسي ، فأنا بحضوري أذوق طعم وجودي ، فليته أفناني عني فمتعني ، أو غيبني عني فروحني . ومن ذلك :

Bagian V01/P094–V01/P095

الهيبة والأنس وهما : فوق القبض والبسط . فكما أن القبض : فوق رتبة الخوف . والبسط : فوق منزلة الرجاء . فالهيبة : أعلى من القبض والأنس أنم من البسط ، وحق الهيبة الغيبة ، فكل هائب غائب . ثم الهائيون : يتفاوتون في الهيبة على حسب تباينهم في الغيبة فمنهم . . ومنهم وحق الأنس : صحو بحق ، فكل مستأنس : صاح ثم يتباينون حسب تباينهم في الشرب . ولهذا قالوا : أدنى محل الأنس : أنه لو طرح في لظى لم يتكدر عليه أنسه قال الجنيد ، رحمه الله : كنت أسمع السري يقول : يبلغ العبد إلى حد لو ضرب وجهه بالسيف لم يشعر . وكان في قلبي منه شيء ، حتى بان لي أن الأمر كذلك . وحكي أبي عن مقاتل العكي أنه قال : دخلت على الشبلي ؛ وهو ينتف الشعر من حاجبه بمنقاش ، فقلت : يا سيدي ، أنت تفعل هذا بنفسك ! ويعود ألمه إلى قلبي ! ! ! فقال : وبلك ، الحقيقة ظاهرة لي ولست أطيقها : فهوذا ، فأنا أدخل الألم على نفسي ؛ لعلي أحس به ، فيستتر عني ، فلست أجد الألم ، وليس يستتر عني ، وليس لي به طاقة : وحال الهيبة والأنس ، وإن جلتا ، فأهل الحقيقة يعدونهما : نقصا لتضمنهما تغير العبد فإن أهل التمكين سمت أحوالهم عن التغير . وهم محوفي وجود العين ، فلاهيبة لهم ولا أنس ، ولا علم ولا حس . والحكاية معروفة عن أبي سعيد الخراز ، أنه قال : نهت في البادية مرة ، فكنت أقول : أتيه فلا أدري من التيه من أنا . . . سوى ما يقول الناس في وفي جنسي أتيه على جن البلاد وإنسها . . . فن لم أجد شخصا أتيه على نفسي قال فسمعت هاتفا يهتف بي ، ويقول : فلو كنت من أهل الوجود حقيقة . . . لغبت عن الأكوان والعرش والكرسي وإنما يرتقي العبد عن هذه الحالة بالوجود . ومن ذلك : التواجد والوجد والوجود

Bagian V01/P095–V01/P097

فالتواجد : استدعاء الوجد بضرب اختيار ، وليس لصاحبه كمال الوجد ؛ إذ لو كان لكان واجدا ، وباب التفاعل أكثره على إظهار الصفة ، وليست كذلك . قال الشاعر : إذا تخازرت ، وما بين من خزر . . . ثم كسرت العين من غير ما عور فقوم قالوا : التواجد غير مسلم لصاحبه ، لما يتضمن من التكلف ويبعد عن التحقيق . وقوم قالوا : إنه مسلم للفقراء المجردين ، الذين ترصدوا لوجدان هذه المعاني ، وأصلهم . خبر الرسول صلى الله عليه وسلم : أبكوا ، فإن لم تبكوا ، فتباكوا ، والحكاية المعروفة لأبي محمد الجريري ، رحمه الله ، أنه قال : كنت عند الجنيد ، وهناك ابن مسروق وغيره ، وثم قوال ، فقام ابن مسروق وغيره . . والجنيد ساكن ، فقلت : يا سيدي ، مالك في السماع شيء ! ! قال الجنيد : وترى الجبال تحسبها جامدة ، وهي تمر مر السحاب ثم قال : وأنت يا أبا محمد ، مالك في السماع شيء ؟ فقلت : يا سيدي ، أنا إذا حضرت موضعا فيه سماع وهناك محتشم أمسكت على نفسي وجدي ، فإذا خلوت أرسلت وجدي ، فتواجدت . فأطلق في هذه الحكاية التواجد ، ولم ينكر عليه الجنيد . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق ، رحمه الله ، يقول : لما راعي أبو محمد ، أدب الأكابر في حال السماع ، حفظ الله عليه وقته ، ببركات الأدب ، حتى يقول : أمسكت على نفسي وجدي فإذا خلوت أرسلت وجدي فتواجد ؛ لأنه لا يمكن إرسال الوجد ، إذا شئت ، بعد ذهاب الوقت وغلباته . ولكنه لما كان صادقا في مراعاة حرمة الشيوخ ، حفظ الله تعالى عليه وقته ، حتى أرسل وجده عند الخلوة . فالتواجد : ابتداء الوجد على الوصف الذي جرى ذكره ، وبعد هذا . والوجد : ما يصادف قلبك ، ويرد عليك بلا تعمد وتكلف . ولهذا قال المشايخ : الوجد : المصادفة والمواجيد : ثمرات الأورد . فكل من ازدادت وظائفه ازدادت من الله لطائفة . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق ، رحمه الله ، يقول : الواردات : من حيث الأوراد : فمن لا ورد له بظاهره لا ورد له في سرائره ، وكل وجد فيه من صاحبه شيء ، فليس يوجد . وكما أن ما يتكلفه العبد من معاملات ظاهرة يوجب له حلاوة الطاعات ، فما ينازله العبد من أحكام باطنه يوجب له المواجيد . فالحلاوات ثمرات المعاملات والمواجيد : نتائج المنازلات . أما الوجود : فهو بعد الارتقاء عن الوجد . ولا يكون وجود الحق ، إلا بعد خمور البشرية ، لأنه لا يكون للبشرية بقاء عند ظهور سلطان الحقيقة . وهذا معنى قول أبي الحسين النوري : أنا منذ عشرين سنة بين الوجد والفقد : أي : إذا وجدت ربي فقدت قلبي ، وإذا وجدت قلبي فقدت ربي . وهذا معنى قول الجنيد : علم التوحيد : مباين لوجوده ، ووجوده مباين لعلمه . وفي هذا المعنى أنشدوا : وجودي أن أغيب عن الوجود . . . بما يبدو علي من الشهود فالتواجد : بداية . والوجود : نهاية والوجد واسطة بين البداية والنهاية . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول : التواجد يوجب استغراق العبد . والوجود يوجب استهلاك العبد . فهو كمن شهد البحر ، ثم ركب البحر ، ثم غرق في البحر . وترتيب هذا الأمر : قصود ، ثم ورود ، ثم شهود ، ثم جمود ، ثم خمود . وبمقدار الوجود يحصل الخمود ، وصاحب الوجود له : صحو ، ومحو . فحال صحوة : بقاؤه بالحق ، وحال محوه ، فناؤه بالحق . وهاتان الحالاتان أبدا متعاقبتان عليه : فإذا غلب عليه الصحو بالحق ، فيه يصول ، وبه يقول .

Bagian V01/P097–V01/P099

قال عليه السلام ، فيما أخبر عن الحق : فبي يسمع ، وبي يبصر . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول : سمعت منصور بن عبد الله يقول : وقف رجل على حلقة الشبلي ، فسأله : هل تظهر آثار صحة الوجود على الواجدين ؟ ؟ فقال : نعم : نور يزهر مقارنا لنيران الاشتياق ، فتلوح على الهياكل آثارها كما قال ابن المعتز : وأمطر الكأس ماء من أبارقها . . . فأنبت الدر في أرض من الذهب وسبح القوم لما أن رأوا عجبا . . . نورا من الماء في نار من العنب سلاقة ورثتها عاد عن إرم . . . كانت ذخيرة كسرى عن أب فأب وقيل لأبي بكر الدقي : إن جهما الدقي أخذ شجرة بيده في حال السماع في ثورانه ، فقلعها من أصلها : فاجتمعا في دعوة ، وكان الدقي كف بصره ، فقام الدقي يدور في حال هيجانه فقال الدقي : إذا قرب مني أرونيه . وكان الدقي ضعيفا ، فمر به ، فلما قرب منه ، قالوا له : هذا هو . فأخذ الدقي ساق جهم فوقفه ، فلم يمكنه أن يتحرك . فقال جهم : أيها ، الشيخ ، التوبة . . التوبة ! ! فخلاه : قال الأستاذ الإمام ، أدام الله جماله : فكان ثوران جهم في حق ، وإمساك الدقي بساقه بحق ، ولما علم جهم أن حال الدقي فوق حاله رجع إلى الإنصاف واستسلم وكذا من كان بحق لا يستعطي عليه شيء . فأما إذا كان الغالب عليه المحو فلا علم ، ولا عقل ، ولا فهم ؛ ولاحس . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي ، رحمه الله ، يذكر بإسناده أن أبا عقال المغربي : أقام بمكة أربع سنين لم يأكل ، ولم يشرب ، إلى أن مات . ودخل بعض الفقراء على أبي عقال ، فقال له : سلام عليكم . فقال له أبو عقال : وعليكم السلام فقال الرجل : أنا فلان فقال أبو عقال : أنت فلان ، كيف أنت ؟ وكيف حالك ؟ : وغاب عن حالته . وقال هذا الرجل ، فقلت له : سلام عليكم . فقال : عليكم السلام وكأنه لم يرني قط . ففعلت مثل هذا غير مرة ، فعلمت أن الرجل غائب ، فتركته ، وخرجت من عنده . سمعت محمد بن الحسين ، يقول : سمعت عمر بن محمد بن أحمد يقول : سمعت امرأة أبي عبد الله النروغندي تقول : لما كانت أيام المجاعة ، والناس يموتون من الجوع ، دخل أبو عبد الله النروغندي بيته ، فرأي في بيته مقدار منوين حنطة ، فقال : الناس يموتون من الجوع ، وفي بيتي حنطة ! ! فخولط في عقله ، فما كان يفيق إلا في أوقات الصلاة يصلي الفريضة ثم يعود إلى حالته ، فلم يزل كذلك إلى أن مات . دلت هذه الحكاية على أن هذا الرجل كان محفوظا عليه آداب الشريعة عند غلبات أحكام الحقيقة وهذا هو صفة أهل الحقيقة ، ثم كان سبب غيبته عن تمييزه : شفقته على المسلمين وهذا أقوى سمة لتحققه في حاله . ومن ذلك :

Bagian V01/P099–V01/P100

الجمع والفرق لفظ الجمع والتفرقة يجري في كلامهم كثيرا . وكان الأستاذ أبو علي الدقاق يقول : الفرق : ما نسب إليك . والجمع : ما سلب عنك . ومعناه : أن ما يكون كسبا للعبد ، من إقامة العبودية ، وما يليق بأحوال البشرية ، فهو : فرق . وما يكون من قبل الحق ، من إبداء معان ، وإسداء لطف وإحسان فهو : جمع هذا أدنى أحوالهم في الجمع والفرق ، لأنه من شهود الأفعال . فمن أشهده الحق - سبحانه - أفعاله عن طاعاته ومخالفاته فهو : عبد بوصف التفرقة ، ومن أشهده الحق - سبحانه - ما يوليه : من أفعال نفسه سبحانه ، فهو : عبد بشاهد الجمع . فإثبات الخلق من باب التفرقة ، وإثبات الحق من نعت الجمع . ولا بد للعبد من الجمع والفرق ، فإن من لاتفرته له لا عبودية له ، ومن لا جمع له لا معرفة له ، فقوله : إياك نعبد إشارة إلى الفرق . وقوله : وإياك نستعين إشارة إلى الجمع . وإذا ما خاطب العبد الحق سبحانه ، بلسان نجواه : إما سائلا ، أو داعيا ، أو مثنيا ، أو شاكرا ، أو متنصلا ، أو مبتهلا ؛ قام في محل التفرقة . وإذا أصغى بسره إلى ما يناجيه به مولاه ، واستمع بقلبه ما يخاطبه به ، فيما ناداه ، أو ناجاه ، أو عرفه ، أو لوح لقلبه وأراده ، فو بشاهد الجمع . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق ، رحمه الله ، يقول : أنشد قوال بين يدي الأستاذ أبي سهل الصعلوكي ، رحمه الله : جعلت تنزهي نظري إليك . وكان أبو القاسم النصراباذي ، رحمه الله ، حاضرا ، فقال الأستاذ أبو سهل : جعلت ، بنصب التاء . وقال النصراباذي : بل جعلت بضم التاء : فقال الأستاذ أبو سهل : أليس عين الجمع أتم ؟ فسكت النصراباذي . وسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي أيضا يحكي هذه الحكاية على هذا الوجه . ومعنى : هذا أن من قال جعلت بضم التاء يكون إخبارا عن حال نفسه ، فكأن العبد يقول هذا من عنده . وإذا قال جعلت بالفتح فكأنه يتبرأ من أن يكون ذلك يتكلفه ، بل يخاطب مولاه فيقول : أنت الذي خصصتني بهذا ، لا أنا بتكلفي . فالأول على خطر الدعوى ، والثاني بوصف التبري من الحول ، والاقرار بالفضل والطول : والفرق بين من يقول بجهدي أعبدك . وبين من يقول : بفضلك ولطفك أشهدك . ومن ذلك : جمع الجمع وجمع الجمع : فوق هذا . يختلف الناس في هذه الجملة على حسب تباين أحوالهم ، وتفوت درجاتهم : فمن أثبت نفسه ، وأثبت الخلق ، ولكن شاهد الكل قائما بالحق ، فهذا هو : جمع . وإذا كان مختطفا عن شهود الخلق ، مصطلما عن نفسه ، مأخوذا بالكلية عن الإحساس بكل غير ، بما ظهر ، واستولى من سلطان الحقيقة ، فذاك جمع الجمع . فالتفرقة : شهود الأغيار لله عز وجل . والجمع : شهود الأغيار بالله . وجمع الجمع : الاستهلاك بالكلية ، وفناء الإحساس بما سوي الله عز وجل عند غلبات الحقيقة . وبعد هذا حالة عزيزة يسميها القوم : الفرق الثاني

Bagian V01/P100–V01/P101

وهوأن يرد للعبد إلى الصحو عند أوقت أداء الفرائض ، ليجري عليه القيام بالفرائض في أوقاتها ، فيكون رجوعا لله بالله تعالى لا للعبد بالعبد : فالعبد يطالع نفسه ، في هذه الحالة ، في تصريف الحق سبحانه ، يشهد مبدىء ذاته وعينه بقدرته ، ومجرى أفعاله وأحواله عليه ، بعلمه ومشيئته . وأشار بعضهم بلفظ الجمع والفرق إلى تصريف الحق جميع الخلق . فجمع الكل في التقليب والتصريف : من حيث إنه منشىء ذواتهم ومجري صفاتهم ، ثم فرقهم في التنويع : ففريقا أسعدهم ، وفريقا أبعدهم وأشقاهم ، وفريقا هداهم ، وفريقا أضلهم وأعماهم ، وفريقا حجبهم عنه ، وفريقا جذبهم إليه ، وفريقا آنسهم بوصله ، وفريقا آيسهم من رحمته . وفريقا أكرمهم بتوفيقه ، وفريقا اصطلمهم عند رومهم لتحقيقه ، وفريقا أصحاهم ، وفريقا محاهم وفريقا قربهم . وفريقا غيبهم وفريقا أدناهم وأحضرهم ، ثم أسقاهم فأسكرهم . وفريقا أشقاهم وأخرهم ثم أقصاهم وهجرهم . وأنواع أفعاله لا يحيط بها حصر ، ولا يأتي على تفيلها شرح ولا ذكر وأنشدوا للجنيد ، رحمه الله ؛ في معنى الجمع والتفرقة : وتحققتك في سري فناجاك لساني فاجتمعنا لمعاني وافترقنا لمعاني إن يكن غيبك التعظيم عن لحظ عياني فقد صيرك الوجد من الأحشاء داني وأنشدوا : إذا ما بدا لي تعاظمته . . . فأصدر في حال من لم يرد جمعت وفرقت عني به . . . ففرد التواصل مثنى العدد ومن ذلك : الفناء واليقاء

Bagian V01/P101–V01/P103

أشار القوم بالفناء : إلى سقوط الأوصاف المذمومة . وأشاروا بالبقاء : إلى قيام الأوصاف المحمودة به . وإذا كان العبد لا يخلو عن أحد هذين القسمين ، فمن المعلوم : أنه إذا لم يكن أحد القسمين كان القسم الآخر لا محالة ، فمن فنى عن أوصافه المذمومة ظهرت عليه الصفات المحمودة ، ومن غلبت عليه الخصال المذمومة استترت عنه الصفات المحمودة . وأعلم أن الذي يتصف به العبد : أفعال ، وأخلاق ، وأحوال . فالأفعال : تصرفاته باختياره . والأخلاق : جبلة فيه ، ولكن تتغير بمعالجته على مستمر العادة . والأحوال : ترد على العبد على وجه الابتداء ، لكن صفاؤها بعد زكاء الأعمال . فهي كالأخلاق من هذا الوجه ، لأن العبد إذا نازل الأخلاق بقلبه فينفي بجهده سفسافها ، من الله عليه بتحسين أخلاقه ، فكذلك إذا واظب على تزكية أعماله ، ببذل وسعه من الله عليه بتصفية أحواله بل فمن ترك مذموم أفعاله بلسان الشريعة يقال : أنه فنى عن شهواته . فإذا فنى عن شهواته بقي بنيته وإخلاصه في عبوديته . ومن زهد في دنياه بقلبه ، يقال . فنى عن رغبته : فإذا فني عن رغبته فيها بقي بصدق إنابته . ومن عالج أخلاقه فنفى عن قلبه الحسد والحقد ، والبخل ، والشخ والغضب ، والكبر ، وأمثال هذا من رعونات النفس ، يقال : فنى عن سوء الخلق . فإذا فنى عن سوء الخلق بقي بالفتوة والصدق . ومن شاهد جريان القدرة في تصاريف الأكام ، يقال : فنى عن حسبان الحدثان من الخلق . فذا فنى عن توهم الآثار من الأغيار بقي بصفات الحق . ومن استولى عليه سلطان الحقيقة حتى لم يشهد من الأغيار لا عينا ولا أثرا ؛ ولا رسما ، ولا طللا ؛ يقال : إنه فنى عن الخلق وبقي بالحق . ففناء العبد عن أفعاله الذميمة ، وأحواله الخسيسة : بعدم هذه الأفعال . وفناؤ عن نفسه ، وعن الخلق : بزوال إحساسه بنفسه وبهم . فإذا فنى عن الأفعال ، والأخلاق ، والأحوال ، فلا يجوز أن يكون ما فنى عنه من ذلك موجودا . وإذا قيل : فنى عن نفسه ؛ وعن الخلق ، فنفسه موجودة ، والخلق موجودون . ولكنه لا علم له بهم ولا به ، ولا إحساس ، ولا خبر ، فتكون نفسه موجودة ، والخلق موجودين ولكنه غافل عن نفسه وعن الخلق أجمعين ، غير محس بنفسه وبالخلق . وقد ترى الرجل يدخل على ذى سلطان ؛ أو محتشم ، فيذهل عن نفسه ، وعن أهل مجلسه هيبة ، وربما يذهل عن ذلك المحتشم ، حتى إذا سئل بعد خروجه من عنده ، عن أهل مجلسه وهيآت ذلك الصدر ، وهيآت نفسه ، لم يمكنه الإخبار عن شيء . قال الله تعالى : فلما رأينه أكبرنه ، وقطعن أيديهن . لم يجدن عند لقاء يوسف عليه السلام ، على الوهلة ألم قطع الأيدي ، وهن أضعف الناس ، وقلن : ما هذا بشرا - ولقد كان بشرا - . وقلن : إن هذا إلا ملك كريم - ولم يكن ملكا - . فهذا تغافل مخلوق عن أحواله عند لقاء مخلوق ، فماظنك بمن تكاشف بشود الحق سبحانه ؟ ! فلو تغافل عن إحساس بنفسه وأبناء جنسه ، فأي أعجوبة فيه ؟ ! فمن فنى عن جهله بقي بعلمه . . ومن فنى عن شهوته بقي بإنابته . . ومن فنى عن رغبته بقي بزهادته . . ومن فنى عن منيته بقي بإرادته تعالى . وكذلك القول في جميع صفاته : فإذا فنى العبد عن صفته بما جرى ذكره ، يرتقي عن ذلك بفنائه عن رؤية فنائه وإلى هذا أشار قائلهم : فقوم تاه في أرض بفقر . . . وقوم تاه في ميدان حبه فأفنوا ثم أفنوا ثم أفنوا . . .

Bagian V01/P103

وأبقوا بالبقاء من قرب ربه فالأول أفناه عن نفسه وصفاته ببقائه بصفات الحق . ثم فناؤه عن صفات الحق بشهودة الحق . ثمن فناؤه عن شهود فنائه باستهلاكه في وجود الحق . ومن ذلك :

Pertanyaan