Gazâlî — İhyâü Ulûmi'd-Dîn
وقيل لسلمان الفارسي أوصنا فقال من استطاع منكم أن يموت حاجا أو غازيا أو عامرا لمسجد ربه فليفعل ولا يموتن تاجرا ولا خائنا فالجواب أن وجه الجمع بين هذه الأخبار تفصيل الأحوال فنقول لسنا نقول التجارة أفضل مطلقا من كل شيء ولكن التجارة إما أن تطلب بها الكفاية أو الثروة أو الزيادة على الكفاية فإن طلب منها الزيادة على الكفاية لاستكثار المال وادخاره لا ليصرف إلى الخيرات والصدقات فهي مذمومة لأنه إقبال على الدنيا التي حبها رأس كل خطيئة فإن كان مع ذلك ظالما خائنا فهو ظلم وفسق وهذا ما أراده سلمان بقوله لا تمت تاجرا ولا خائنا وأراد بالتاجر طالب الزيادة فأما إذا طلب بها الكفاية لنفسه وأولاده وكان يقدر على كفايتهم بالسؤال فالتجارة تعففا عن السؤال أفضل وإن كان لا يحتاج إلى السؤال وكان يعطى عن غير سؤال فالكسب أفضل لأنه إنما يعطى لأنه سائل بلسان حاله ومناد بين الناس بفقره فالتعفف والتستر أوفى من البطالة بل من الاشتغال بالعبادات البدنية وترك الكسب أفضل لأربعة عابد بالعبادات البدنية أو رجل له سير بالباطن وعمل بالقلب في علوم الأحوال والمكاشفات أو عالم مشتغل بتربية علم الظاهر مما ينتفع الناس به في دينهم كالمفتي والمفسر والمحدث وأمثالهم أو رجل مشتغل بمصالح المسلمين وقد تكفل بأمورهم كالسلطان والقاضي والشاهد فهؤلاء إذا كانوا يكفون من الأموال المرصدة للمصالح أو الأوقاف المسبلة على الفقراء أو العلماء فإقبالهم على ما هم فيه أفضل من اشتغالهم بالكسب ولهذا أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين ولم يوح إليه أن كن من التاجرين لأنه كان جامعا لهذه المعاني الأربعة إلى زيادات لا يحيط بها الوصف ولهذا أشار الصحابة على أبي بكر رضي الله عنهم بترك التجارة لما ولي الخلافة إذ كان ذلك يشغله عن المصالح وكان يأخذ كفايته من مال المصالح ورأى ذلك أولى ثم لما توفي أوصى برده إلى بيت المال ولكنه رآه في الابتداء أولى ولهؤلاء الأربعة حالتان أخريان أحداهما أن تكون كفايتهم عند ترك المكسب من أيدي الناس وما يتصدق به عليهم من زكاة أو صدقة من غير حاجة إلى سؤال فترك الكسب والاشتغال بما هم فيه أولى إذ فيه إعانة الناس على الخيرات وقبول منهم لما هو حق عليهم وأفضل لهم الحالة الثانية الحاجة إلى السؤال وهذا في محل النظر والتشديدات التي رويناها في السؤال وذمه تدل ظاهرا على أن التعفف عن السؤال أولى وإطلاق القول فيه من غير ملاحظة الأحوال والأشخاص عسير بل هو موكول إلى اجتهاد العبد ونظره لنفسه بأن يقابل ما يلقي في السؤال من المذلة وهتك المروءة والحاجة إلى التثقيل والإلحاح بما يحصل من اشتغاله بالعلم والعمل من الفائدة له ولغيره فرب شخص تكثر فائدة الخلق وفائدته في اشتغاله بالعلم أو العمل ويهون عليه بأدنى تعريض في السؤال تحصيل الكفاية وربما يكون بالعكس وربما يتقابل المطلوب والمحذور فينبغي أن يستفتي المريد فيه قلبه وإن أفتاه المفتون فإن الفتاوى لا تحيط بتفاصيل الصور ودقائق الأحوال ولقد كان في السلف من له ثلثمائة وستون صديقا ينزل على كل واحد منهم ليلة ومنهم من له ثلاثون وكانوا يشتغلون بالعبادة لعملهم بأن المتكلفين بهم يتقلدون منة من قبولهم لمبراتهم فكان قبولهم لمبراتهم خيرا مضافا لهم إلى عباداتهم فينبغي أن يدقق النظر في هذه الأمور فإن أجر الآخذ كأجر المعطي مهما كان الآخذ يستعين به على الدين والمعطي يعطيه عن طيب قلب ومن اطلع على هذه المعاني أمكنه أن يتعرف حال نفسه ويستوضح من قلبه ما هو الأفضل له بالإضافة إلى حاله ووقته فهذه فضيلة الكسب وليكن العقد الذي به الاكتساب جامعا لأربعة أمور الصحة والعدل والإحسان والشفقة على الدين ونحن نعقد في كل واحد بابا ونبتدئ بذكر أسباب الصحة في الباب الثاني الباب الثاني في علم الكسب بطريق البيع والربا والسلم والإجارة والقراض والشركة وبيان شروط الشرع في صحة هذه التصرفات التي هي مدار المكاسب في الشرع
اعلم أن تحصيل علم هذا الباب واجب على كل مسلم مكتسب لأن طلب العلم فريضة على كل مسلم وإنما هو طلب العلم المحتاج إليه والمكتسب يحتاج إلى علم الكسب ومهما حصل علم هذا الباب وقف على مفسدات المعاملة فيتقيها وما شذ عنه من الفروع المشكلة فيقع على سبب إشكالها فيتوقف فيها إلى أن يسأل فإنه إذا لم يعلم أسباب الفساد بعلم جملي فلا يدري متى يجب عليه التوقف والسؤال ولو قال لا أقدم العلم ولكني أصبر إلى أن تقع لي الواقعة فعندها أتعلم وأستفتي فيقال له وبم تعلم وقوع الواقعة مهما لم تعلم جمل مفسدات العقود فإنه يستمر في التصرفات ويظنها صحيحة مباحة فلا بد له من هذا القدر من علم التجارة ليتميز له المباح عن المحظور وموضع الإشكال عن موضع الوضوح ولذلك روي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يطوف السوق ويضرب بعض التجار بالدرة ويقول لا يبيع في سوقنا إلا من يفقه وإلا أكل الربا شاء أم أبى وعلم العقود كثير ولكن هذه العقود الستة لا تنفك المكاسب عنها وهي البيع والربا والسلم والإجارة والشركة والقراض فلنشرح شروطها العقد الأول البيع وقد أحله الله تعالى وله ثلاثة أركان العاقد والمعقود عليه واللفظ الركن الأول العاقد ينبغي للتاجر أن لا يعامل بالبيع أربعة الصبي والمجنون والعبد والأعمى لأن الصبي غير مكلف وكذا المجنون وبيعهما باطل فلا يصح بيع الصبي وإن أذن له فيه الولي عند الشافعي وما أخذه منهما مضمون عليه لهما وما سلمه في المعاملة إليهما فضاع في أيديهما فهو المضيع له وأما العبد العاقل فلا يصح بيعه وشراؤه إلا بإذن سيده فعلى البقال والخباز والقصاب وغيرهم أن لا يعاملوا العبيد ما لم تأذن لهم السادة في معاملتهم وذلك بأن يسمعه صريحا أو ينتشر في البلد أنه مأذون له في الشراء لسيده وفي البيع له فيعول على الاستفاضة أو على قول عدل يخبره بذلك فإن عامله بغير إذن السيد فعقده باطل وما أخذه منه مضمون عليه لسيده وما تسلمه إن ضاع في يد العبد لا يتعلق برقبته ولا يضمنه سيده بل ليس له إلا المطالبة إذا عتق وأما الأعمى فإنه يبيع ويشتري ما لا يرى فلا يصح ذلك فليأمره بأن يوكل وكيلا بصيرا ليشتري له أو يبيع فيصح توكيله ويصح بيع وكيله فإن عامله التاجر بنفسه فالمعاملة فاسدة وما أخذه منه مضمون عليه بقيمته وما سلمه إليه أيضا مضمون له بقيمته وأما الكافر فتجوز معاملته لكن لا يباع منه المصحف ولا العبد المسلم ولا يباع منه السلاح إن كان من أهل الحرب فإن فعل فهي معاملات مردودة وهو عاص بها ربه وأما الجندية من الأتراك والتركمانية والعرب والأكراد والسراق والخونة وأكلة الربا والظلمة وكل من أكثر ماله حرام فلا ينبغي أن يتملك مما في أيديهم شيئا لأجل أنها حرام إلا إذا عرف شيئا بعينه أنه حلال وسيأتي تفصيل ذلك في كتاب الحلال والحرام الركن الثاني في المعقود عليه وهو المال المقصود نقله من أحد العاقدين إلى الآخر ثمنا كان أو مثمنا فيعتبر فيه ستة شروط الأول أن لا يكون نجسا في عينه فلا يصح بيع كلب وخنزير ولا بيع زبل وعذرة ولا بيع العاج والأواني المتخذة منه فإن العظم ينجس بالموت ولا يطهر الفيل بالدبح ولا يطهر عظمه بالتذكية ولا يجوز بيع الخمر ولا بيع الودك النجس المستخرج من الحيوانات التي لا تؤكل وإن كان يصلح للاستصباح أو طلاء السفن ولا بأس ببيع الدهن الطاهر في عينه الذي نجس بوقوع نجاسة أو موت فأرة فيه فإنه يجوز الانتفاع به في غير الأكل وهو في عينه ليس بنجس وكذلك لا أرى بأسا ببيع بزر القز فإنه أصل حيوان ينتفع به تشبيهه بالبيض وهو أصل حيوان أولى من تشبيهه بالروث ويجوز بيع فأرة المسك ويقضى بطهارتها إذا انفصلت من الظبية في حالة الحياة
الثاني أن يكون منتفعا به فلا يجوز بيع الحشرات ولا الفأرة ولا الحية ولا التفات إلى انتفاع المشعبذ بالحية وكذا لاالتفات إلى انتفاع أصحاب الحلق بإخراجها من السلة وعرضها على الناس ويجوز بيع الهرة والنحل وبيع الفهد والأسد وما يصلح لصيد أو ينتفع بجلده ويجوز بيع الفيل لأجل الحمل ويجوز بيع الطوطي وهي الببغاء والطاوس والطيور المليحة الصور وإن كانت لا تؤكل فإن التفرج بأصواتها والنظر إليها غرض مقصود مباح وإنما الكلب هو الذي لا يجوز أن يقتني إعجابا بصورته لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه ولا يجوز بيع العود والصنج والمزامير والملاهي فإنه لا منفعة لها شرعا وكذا بيع الصور المصنوعة من الطين كالحيوانات التي تباع في الأعياد للعب الصبيان فإن كسرها واجب شرعا وصور الأشجار متسامح بها وأما الثياب والأطباق وعليها صور الحيوانات فيصح بيعها وكذا الستور وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها اتخذي منها نمارق ولا يجوز استعمالها منصوبة ويجوز موضوعة وإذا جاز الانتفاع من وجه صح البيع لذلك الوجه الثالث أن يكون المتصرف فيه مملوكا للعاقد أو مأذونا من جهة المالك ولا يجوز أن يشتري من غير المالك انتظارا للإذن من المالك بل لو رضي بعد ذلك وجب استئناف العقد ولا ينبغي أن يشتري من الزوجة مال الزوج ولا من الزوج مال الزوجة ولا من الوالد مال الولد ولا من الولد مال الوالد اعتمادا على أنه لو عرف لرضي فإنه إذا لم يكن الرضا متقدما لم يصح البيع وأمثال ذلك مما يجري في الأسواق فواجب على العبد المتدين أن يحترز منه الرابع أن يكون المعقود عليه مقدورا على تسليمه شرعا وحسا فما لا يقدر على تسليمه حسا لا يصح بيعه كالآبق والسمك في الماء والجنين في البطن وعسب الفحل وكذلك بيع الصوف على ظهر الحيوان واللبن في الضرع لا يجوز فإنه يتعذر تسليمه لاختلاط غير المبيع بالمبيع والمعجوز عن تسليمه شرعا كالمرهون والموقوف والمستولدة فلا يصح بيعها أيضا وكذا بيع الأم دون الولد إذا كان الولد صغيرا وكذا بيع الولد دون الأم لأن تسليمه تفريق بينهما وحرام فلا يصح التفريق بينهما بالبيع الخامس أن يكون المبيع معلوم العين والقدر والوصف أما العلم بالعين فبأن يشير إليه بعينه فلو قال بعتك شاة من هذا القطيع أي شاة أردت أو ثوبا من هذه الثياب التي بين يديك أو ذراعا من هذا الكرباس وخذه من أي جانب شئت أو عشرة أذرع من هذه الأرض وخذه من أي طرف شئت فالبيع باطل وكل ذلك مما يعتاده المتساهلون في الدين إلا أن يبيع شائعا مثل أن يبيع نصف الشيء أو عشره فإن ذلك جائز وأما العلم بالقدر فإنما يحصل بالكيل أو الوزن أو النظر إليه فلو قال بعتك هذا الثوب بما باع به فلان ثوبه وهما لا يدريان ذلك فهو باطل ولو قال بعتك بزنة هذه الصنجة فهو باطل إذا لم تكن الصنجة معلومة ولو قال بعتك هذه الصبرة من الحنطة فهو باطل أو قال بعتك بهذه الصرة من الدراهم أو بهذه القطعة من الذهب وهو يراها صح البيع وكان تخمينه بالنظر كافيا في معرفة المقدار وأما العلم بالوصف فيحصل بالرؤية في الأعيان ولا يصح بيع الغائب إلا إذا سبقت رؤيته مذ مدة لا يغلب التغير فيها والوصف لا يقوم مقام العيان هذا أحد المذهبين ولا يجوز بيع الثوب في المنسج اعتمادا على الرقوم ولا بيع الحنطة في سنبلها ويجوز بيع الأرز في قشرته التي يدخر فيها وكذا بيع الجوز واللوز في القشرة السفلى ولا يجوز في القشرتين ويجوز بيع الباقلاء الرطب في قشرته للحاجة ويتسامح ببيع الفقاع لجريان عادة الأولين به ولكن نجعله إباحة بعوض فإن اشتراه ليبيعه فالقياس بطلانه لأنه ليس مستترا ستر خلقة ولا يبعد أن يتسامح به إذ في إخراجه إفساده كالرمان وما يستر بستر خلق معه
السادس أن يكون المبيع مقبوضا إن كان قد استفاد ملكه بمعاوضة وهذا شرط خاص وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع ما لم يقبض ويستوي فيه العقار والمنقول فكل ما اشتراه أو باعه قبل القبض فبيعه باطل وقبض المنقول بالنقل وقبض العقار بالتخلية وقبض ما ابتاعه بشرط الكيل لا يتم إلا بأن يكتاله وأما بيع الميراث والوصية والوديعة وما لم يكن الملك حاصلا فيه بمعاوضة فهو جائز قبل القبض الركن الثالث لفظ العقد فلا بد من جريان إيجاب وقبول متصل به بلفظ دال على المقصود مفهم إما صريح أو كناية فلو قال أعطيتك هذا بذاك بدل قوله بعتك فقال قبلته جاز مهما قصدا به البيع لأنه قد يحتمل الإعارة إذا كان في ثوبين أو دابتين والنية تدفع الاحتمال والصريح أقطع للخصومة ولكن الكناية تفيد الملك أيضا والحل فيما يختاره ولا ينبغي أن يقرر بالبيع شرطا على خلاف مقتضى العقدة فلو شرط أن يزيد شيئا آخر وأن يحمل المبيع إلى داره أو اشترى الحطب بشرط النقل إلى داره كل ذلك فاسد إلا إذا أفرد استئجاره على النقل بأجرة معلومة منفردة عن الشراء للمنقول ومهما لم يجر بينهما إلا المعاطاة بالفعل دون التلطف باللسان لم ينعقد البيع عند الشافعي أصلا وانعقد عند أبي حنيفة إن كان في المحقرات ثم ضبط المحقرات عسير فإن رد الأمر إلى العادات فقد جاوز الناس المحقرات في المعاطاة إذ يتقدم الدلال إلى البزاز يأخذ منه ثوبا ديباجا قيمته عشرة دنانير مثلا ويحمله إلى المشتري ويعود إليه بأنه ارتضاه فيقول له خذ عشرة فيأخذ من صاحبه العشرة ويحملها ويسلمها إلى البزاز فيأخذها ويتصرف فيها ومشترى الثوب يقطعه ولم يجر بينهما إيجاب وقبول أصلا وكذلك يجتمع المجهزون على حانوت البياع فيعرض متاعا قيمته مائة دينار مثلا فيمن يزيد فيقول أحدهم هذا علي بتسعين ويقول الآخر هذا علي بخمسة وتسعين ويقول الآخر هذا بمائة فيقال له زن فيزن ويسلم ويأخذ المتاع من غير إيجاب وقبول فقد استمرت به العادات وهذه من المعضلات التي ليست تقبل العلاج إذ الاحتمالات ثلاثة إما فتح باب المعاطاة مطلقا في الحقير والنفيس وهو محال إذ فيه نقل الملك من غير لفظ دال عليه وقد أحل الله البيع والبيع اسم للإيجاب والقبول ولم يجر ولم ينطلق اسم البيع على مجرد فعل بتسليم وتسلم فبماذا يحكم بانتقال الملك من الجانبين لا سيما في الجواري والعبيد والعقارات والدواب النفيسة وما يكثر التنازع فيه إذ للمسلم أن يرجع ويقول قد ندمت وما بعته إذ لم يصدر مني إلا مجرد تسليم وذلك ليس ببيع الاحتمال الثاني أن نسد الباب بالكلية كما قال الشافعي رحمه الله من بطلان العقد وفيه إشكال من وجهين أحدهما أنه يشبه أن يكون ذلك في المحقرات معتادا في زمن الصحابة ولو كانوا يتكلفون الإيجاب والقبول من البقال والخباز والقصاب لثقل عليهم فعله ولنقل ذلك نقلا منتشرا ولكان يشتهر وقت الإعراض بالكلية عن تلك العادة فإن الأعصار في مثل هذا تتفاوت والثاني أن الناس الآن قد انهمكوا فيه فلا يشتري الإنسان شيئا من الأطعمة وغيرها إلى ويعلم أن البائع قد ملكه بالمعاطاة فأي فائدة في تلفظه بالعقد إذا كان الأمر كذلك الاحتمال الثالث أن يفصل بين المحقرات وغيرها كما قاله أبو حنيفة رحمه الله وعند ذلك يتعسر الضبط في المحقرات ويشكل وجه نقل الملك من غير لفظ يدل عليه وقد ذهب ابن سريج إلى تخريج قول للشافعي رحمه الله على وفقه وهو أقرب الاحتمالات إلا الاعتدال فلا بأس لو ملنا إليه لمسيس الحاجات ولعموم ذلك بين الخلق ولما يغلب على الظن بأن ذلك كان معتادا في الأعصار الأولى
فأما الجواب عن الإشكالين فهو أن نقول أما الضبط في الفصل بين المحقرات وغيرها فليس علينا تكلفة بالتقدير فإن ذلك غير ممكن بل له طرفان واضحان إذ لا يخفى أن شراء البقل وقليل من الفواكه والخبز واللحم من المعدود من الحقرات التي لا يعتاد فيها إلا المعاطاة وطالب الإيجاب والقبول فيه يعد مستقصيا ويستبرد تكليفه لذلك ويستثقل وينسب إلى أنه يقيم الوزن لأمر حقير ولى وجه له هذا طرف الحقارة والطرف الثاني الدواب والعبيد والعقارات والثياب النفيسة فذلك مما لا يستبعد تكلف الإيجاب والقبول فيها وبينهما أوساط متشابهة يشك فيها هي في محل الشبهة فحق ذي الدين أن يميل فيها إلى الاحتياط وجميع ضوابط الشرع فيما يعلم بالعادة كذلك ينقسم إلى أطراف واضحة وأوساط مشكلة وأما الثاني وهو طلب سبب لنقل الملك فهو أن يجعل الفعل باليد أخذا وتسليما سببا لعينه بل لدلالته وهذا الفعل قد دل على مقصود البيع دلالة مستمرة في العادة وانضم إليه مسيس الحاجة وعادة الأولين واطراد جميع العادات بقبول الهدايا من غير إيجاب وقبول مع التصرف فيها وأي فرق بين أن يكون فيه عوض أو لا يكون إذ الملك لا بد من نقله في الهبة أيضا إلا أن العادة السالفة لم تفرق في الهدايا بين الحقير والنفيس بل كان طلب الإيجاب والقبول يستقبح فيه كيف كان وفي المبيع لم يستقبح في غير المحقرات هذا ما نراه أعدل الاحتمالات وحق الورع المتدين أن لا يدع الإيجاب والقبول للخروج عن شبهة الخلاف فلا ينبغي أن يمتنع من ذلك لأجل أن البائع قد تملكه بغير إيجاب وقبول فإن ذلك لا يعرف تحقيقا فربما اشتراه بقبول وإيجاب فإن كان حاضرا عند شرائه أو أقر البائع به فيمتنع منه وليشتر من غيره فإن كان الشيء محقرا وهو إليه محتاج فليتلفظ بالإيجاب والقبول فإنه يستفيد به قطع الخصومة في المستقبل معه إذ الرجوع من اللفظ الصريح غير ممكن ومن الفعل ممكن فإن قلت فإن أمكن هذا فيما يشتريه فكيف يفعل إذا حضر في ضيافة أو على مائدة وهو يعلم أن أصحابها يكتفون بالمعاطاة في البيع والشراء أو سمع منهم ذلك أو رآه أيجب عليه الامتناع من الأكل فأقول يجب عليه الامتناع من الشراء إذا كان ذلك الشيء الذي اشتروه مقدارا نفيسا ولم يكن من المحقرات وأما الأكل فلا يجب الامتناع منه فإني أقول إن ترددنا في جعل الفعل دلالة على نقل الملك فلا ينبغي أن لا نجعله دلالة على الإباحة فإن أمر الإباحة أوسع وأمر نقل الملك أضيق فكل مطعوم جرى فيه بيع معاطاة فتسليم البائع إذن في الأكل يعلم ذلك بقرينة الحال كإذن الحمامي في دخول الحمام والإذن في الإطعام لمن يريده المشتري فينزل منزلة ما لو قال أبحت لك أن تأكل هذا الطعام أو تطعم من أردت فإنه يحل له ولو صرح وقال كل هذا الطعام ثم أغرم لي عوضه لحل الأكل ويلزمه الضمان بعد الأكل هذا قياس الفقه عندي ولكنه بعد المعاطاة آكل ملكه ومتلفا له فعليه الضمان وذلك في ذمته والثمن الذي سلمه إن كان مثل قيمته فقد ظفر المستحق بمثل حقه فله أن يتملكه مهما عجز عن مطالبة من عليه وإن كان قادرا على مطالبته فإنه لا يتملك ما ظفر به من ملكه لأنه ربما لا يرضى بتلك العين أن يصرفها إلى دينه فعليه المراجعة وأما ههنا فقد عرف رضاه بقرينة الحال عند التسليم فلا يبعد أن يجعل الفعل دلالة على الرضاء بأن يستوفي دينه مما يسلم إليه فيأخذه بحقه لكن على كل الأحوال جانب البائع أغمض لأن ما أخذه قد يريد المالك ليتصرف فيه ولا يمكنه التملك إلا إذا أتلف عين طعامه في يد المشتري ثم ربما يفتقر إلى استئناف قصد التملك ثم يكون قد تملك بمجرد رضا استفاده من الفعل دون القول
وأما جانب المشتري للطعام وهو لا يريد إلا الأكل فهين فإن ذلك يباح بالإباحة المفهومة من قرينة الحال ولكن ربما يلزم من مشاورته أن الضيف يضمن ما أتلفه وإنما يسقط الضمان عنه إذا تملك البائع ما أخذه من المشتري فيسقط فيكون كالقاضي دينه والمتحمل عنه فهذا ما نراه في قاعدة المعاطاة على غموضها والعلم عند الله وهذه احتمالات وظنون رددناها ولا يمكن بناء الفتوى إلا على هذه الظنون وأما الورع فإنه ينبغي أن يستفتى قلبه ويتقي مواضع الشبه العقد الثاني عقد الربا وقد حرمه الله تعالى وشدد الأمر فيه ويجب الاحتراز منه على الصيارفة المتعاملين على النقدين وعلى المتعاملين على الأطعمة إذ لا ربا إلا في نقد أو في طعام وعلى الصيرفي أن يحترز من النسيئة والفضل أما النسيئة فأن لا يبيع شيئا من جواهر النقدين بشيء من جواهر النقدين إلا يدا بيد وهو أن يجري التقابض في المجلس وهذا احتراز من النسيئة وتسليم الصيارفة الذهب إلى دار الضرب وشراء الدنانير المضروبة حرام من حيث النساء ومن حيث إن الغالب أن يجري فيه تفاضل إذ لا يرد المضروب بمثل وزنه وأما الفضل فيحترز منه في ثلاثة أمور في بيع المكسر بالصحيح فلا تجوز المعاملة فيهما إلا مع المماثلة وفي بيع الجيد بالرديء فلا ينبغي أن يشتري رديئا بجيد دونه في الوزن أو يبيع رديئا بجيد فوقه في الوزن أعني إذا باع الذهب بالذهب والفضة بالفضة فإن اختلف الجنسان فلا حرج في الفضل والثالث في المركبات من الذهب والفضة كالدنانير المخلوطة من الذهب والفضة إن كان مقدرا الذهب مجهولا لم تصح المعاملة عليها أصلا إلا إذا كان ذلك نقدا جاريا في البلد فإنا نرخص في المعاملة عليه إذا لم يقابل بالنقد وكذا الدراهم المغشوشة بالنحاس إن لم تكن رائجة في البلد لم تصح المعاملة عليها لأن المقصود منها النقرة وهي مجهولة وإن كان نقدا رائجا في البلد رخصنا في المعاملة لأجل الحاجة وخروج النقرة عن أن يقصد استخراجها ولكن لا يقابل بالنقرة أصلا وكذلك كل حلي مركب من ذهب وفضة فلا يجوز شراؤه لا بالذهب ولا بالفضة بل ينبغي أن يشتري بمتاع آخر إن كان قدر الذهب منه معلوما إلا إذا كان مموها بالذهب تمويها لا يحصل منه ذهب مقصود عند العرض على النار فيجوز بيعها بمثلها من النقرة بما أريد من غير النقرة وكذلك لا يجوز للصيرفي أن يشتري قلادة فيها خرز وذهب بذهب ولا أن يبيعه بل بالفضة يدا بيد إن لم يكن فيها فضة ولا يجوز شراء ثوب منسوج بذهب يحصل منه ذهب مقصود عند العرض على النار بذهب ويجوز بالفضة غيرها وأما المتعاملون على الأطعمة فعليهم التقابض في المجلس اختلف جنس الطعام المبيع والمشترى أو لم يختلف فإن اتحد الجنس فعليهم التقابض ومراعاة المماثلة والمعتاد في هذا معاملة القصاب بأن يسلم إليه الغنم ويشتري بها اللحم نقدا أو نسيئة فهو حرام ومعاملة الخباز بأن يسلم إليه الحنطة ويشتري بها الخبز نسيئة أو نقدا فهو حرام ومعاملة العصار بإن يسلم إليه البزر والسمسم والزيتون ليأخذ منه الأدهان فهو حرام وكذا اللبان يعطي اللبن ليؤخذ منه الجبن والسمن والزبد وسائر أجراء اللبن فهو أيضا حرام ولا يباع الطعام بغير جنسه من الطعام إلا نقدا وبجنسه إلا نقدا ومتماثلا وكل ما يتخذ من الشيء المطعوم فلا يجوز أن يباع به متماثلا ولا متفاضلا فلا يباع بالحنطة دقيق وخبز وسويق ولا بالعنب والتمر دبس وخل وعصير ولا باللبن سمن وزبد ومخيض ومصل وجبن والمماثلة لا تفيد إذا لم يكن الطعام في حال كمال الادخار فلا يباع الرطب بالرطب والعنب بالعنب متفاضلا ومتماثلا فهذه جمل مقنعة في تعريف البيع والتنبيه على ما يشعر التاجر بمثارات الفساد حتى يستفتي فيها إذا تشكك والتبس عليه شيء منها وإذا لم يعرف هذا لم يتفطن لمواضع السؤال واقتحم الربا والحرام وهو لا يدري العقد الثالث السلم وليراع التاجر فيه عشرة شروط
الأول أن يكون رأس المال معلوما على مثله حتى لو تعذر تسليم المسلم فيه أمكن الرجوع إلى قيمة رأس المال فإن أسلم كفا من الدراهم جزافا في كر حنطة لم يصح في أحد القولين الثاني أن يسلم رأس المال في مجلس العقد قبل التفرق فلو تفرقا قبل القبض انفسخ السلم الثالث أن يكون المسلم فيه مما يمكن تعريف أوصافه كالحبوب والحيوانات والمعادن والقطن والصوف والابريسم والألبان واللحوم ومتاع العطارين وأشباهها ولا يجوز في المعجونات والمركبات وما تختلف أجزاؤه كالقسي المنوعة والنبل المعمول والخفاف والنعال المختلفة أجزاؤها وصنعتها وجلود الحيوانات ويجوز السلم في الخبز وما يتطرق إليه من اختلاف قدر الملح والماء بكثرة الطبخ وقلته يعفى عنه ويتسامح فيه الرابع أن يستقصي وصف هذه الأمور القابلة للوصف حتى لا يبقى وصف تتفاوت به القيمة تفاوتا لا يتغابن بمثله الناس إلا ذكره فإن ذلك الوصف هو القائم مقام الرؤية في البيع الخامس أن يجعل الأجل معلوما إن كان مؤجلا فلا يؤجل إلى الحصاد ولا إلى إدراك انثمار بل إلى الأشهر والأيام فإن الإدراك قد يتقدم وقد يتأخر السادس إن يكون المسلم فيه مما يقدر على تسليمه وقت المحل ويؤمن فيه وجوده غالبا فلا ينبغي إن يسلم في العنب إلى أجل لا يدرك فيه وكذا سائر الفواكه فإن كان الغالب وجوده وجاء المحل وعجز عن التسليم بسبب آفة فله أن يمهله إن شاء أو يفسخ ويرجع في رأس المال إن شاء السابع أن يذكر مكان التسليم فيما يختلف الغرض به كي لا يثير ذلك نزاعا الثامن أن لا يعلقه بمعين فيقول من حنطة هذا الزرع أو ثمرة هذا البستان فإن ذلك يبطل كونه دينا نعم لو أضاف إلى ثمرة بلد أو قرية كبيرة لم يضر ذلك التاسع أن لا يسلم في شيء نفيس عزيز الوجود مثل درة موصوفة يعز وجود مثلها أو جارية حسناء معها ولدها أو غير ذلك مما لا يقدر عليه غالبا العاشر أن لا يسلم في طعام مهما كان رأس المال طعاما سواء كان من جنسه أو لم يكن ولا يسلم في نقد إذا كان رأس المال نقدا وقد ذكرنا هذا في الربا العقد الرابع الإجارة وله ركنان الأجرة والمنفعة فأما العاقد واللفظ فيعتبر فيه ما ذكرناه في البيع والأجرة كالثمن فينبغي أن يكون معلوما وموصوفا بكل ما شرطناه في المبيع إن كان عينا فإن كان دينا فينبغي أن يكون معلوم الصفة والقدر وليحترز فيه عن أمور جرت العادة بها وذلك مثل كراء الدار بعمارتها فذلك باطل إذ قدر العمارة مجهول ولو قدر دراهم وشرط على المكتري أن يصرفها إلى العمارة لم يجز لأن عمله في الصرف إلى العمارة مجهول ومنها استئجار السلاخ على أن يأخذ الجلد بعد السلخ واستئجار حمال الجيف بجلد الجيفة واستئجار الطحان بالنخالة أو بعض الدقيق فهو باطل وكذلك كل ما يتوقف حصوله وانفصاله على عمل الأجير فلا يجوز أن يجعل أجرة ومنها أن يقدر في إجارة الدور والحوانيت مبلغ الأجر فلو قال لكل شهر دينار ولم يقدر أشهر الإجارة كانت المدة مجهولة ولم تنعقد الإجارة الركن الثاني المنفعة المقصودة بالإجارة وهي العمل وحده إن كان عمل مباح معلوم يلحق العامل فيه كلفة ويتطوع به الغير عن الغير فيجوز الاستئجار عليه وجملة فروع الباب تندرج تحت هذه الرابطة ولكنا لا نطول بشرحها فقد طولنا القول فيها في الفقهيات وإنما نشير إلى ما تعم به البلوى فليراع في العمل المستأجر عليه خمسة أمور الأول أن يكون متقوما بأن يكون فيه كلفة وتعب فلو استأجر طعاما ليزين به الدكان أو أشجارا ليجفف عليها الثياب أو دراهم ليزين بها الدكان لم يجز فإن هذه المنافع تجري مجرى حبة سمسم وحبة بر من الأعيان وذلك لا يجوز بيعه وهي كالنظر في مرآة الغير والشرب من بئره والاستظلال بجداره والاقتباس من ناره ولهذا لو استأجر بياعا على أن يتكلم بكلمة يروج بها سلعته لم يجز
وما يأخذه البياعون عوضا عن حشمتهم وجاههم وقبول قولهم في ترويج السلع فهو حرام إذ ليس يصدر منهم إلا كلمة لا تعب فيها ولا قيمة لها وإنما يحل لهم ذلك إذ تعبوا بكثرة التردد أو بكثرة الكلام في تأليف أمر المعاملة ثم لا يستحقون إلا أجرة المثل فأما ما تواطأ عليه الباعة فهو ظلم وليس مأخوذا بالحق الثاني أن لا تتضمن الإجارة استيفاء عين مقصودة فلا يجوز إجارة الكرم لارتفاقه ولا إجارة المواشي للبنها ولا إجارة البساتين لثمارها ويجوز استئجار المرضعة ويكون اللبن تابعا لأن إفراده غير ممكن وكذا يتسامح بحبر الورق وخيط الخياط لأنهما لا يقصدان على حيالهما الثالث أن يكون العمل مقدورا على تسليمه حسا وشرعا فلا يصح استئجار الضعيف على عمل لا يقدر عليه ولا استئجار الأخرس على التعليم ونحوه وما يحرم فعله فالشرع يمنع من تسليمه كالاستئجار على قلع سن سليمة أو قطع عضو لا يرخص الشرع في قطعه أو استئجار الحائض على كنس المسجد أو المعلم على تعليم السحر أو الفحش أو استئجار زوجة الغير على الإرضاع دون إذن زوجها أو استئجار المصور على تصوير الحيوانات أو استئجار الصائغ على صيغة الأواني من الذهب والفضة فكل ذلك باطل الرابع أن لا يكون العمل واجبا على الأجير أو لا يكون بحيث لا تجري النيابة فيه عن المستأجر فلا يجوز أخذ الأجرة على الجهاد ولا سائر العبادات التي لا نيابة فيها إذ لا يقع ذلك عن المستأجر ويجوز عن الحج وغسل الميت وحفر القبور ودفن الموتى وحمل الجنائز وفي أخذ الأجرة على إمامة صلاة التراويح وعلى الأذان وعلى التصدي للتدريس وإقراء القرآن خلاف أما الاستئجار على تعليم مسئلة بعينها أو تعليم سورة بعينها لشخص معين فصحيح الخامس أن يكون العمل والمنفعة معلوما فالخياط يعرف عمله بالثوب والمعلم يعرف عمله بتعيين السورة ومقدارها وحمل الدواب يعرف بمقدار المحمول وبمقدار المسافة وكل ما يثير خصومة في العادة فلا يجوز إهماله وتفصيل ذلك يطول وإنما ذكرنا هذا القدر ليعرف به جليات الأحكام ويتفطن به لمواقع الإشكال فيسأل فإن الاستقصاء شأن المفتي لا شأن العوام العقد الخامس القراض وليراع فيه ثلاثة أركان الركن الأول رأس المال وشرطه أن يكون نقدا معلوما مسلما إلى العامل فلا يجوز القراض على الفلوس ولا على العروض فإن التجارة تضيق فيه ولا يجوز على صرة من الدراهم لأن قدر الربح لا يتبين فيه ولو شرط مالك اليد لنفسه لم يجز لأن فيه تضييق طريق التجارة الركن الثاني الربح وليكن معلوما بالجزئية بأن يشترط له الثلث أو النصف أو ما شاء فلو قال على أن لك من الربح مائة والباقي لي لم يجز إذ ربما لا يكون الربح أكثر من مائة فلا يجوز تقديره بمقدار معين بل بمقدار شائع
الثالث العمل الذي على العامل وشرطه أن يكون تجارة غير مضيقة عليه بتعيين وتأقيت فلو شرط أن يشتري بالمال ماشية ليطلب نسلها فيتقاسمان النسل أو حنطة فيخبزها ويتقاسمان الربح لم يصح لأن القراض مأذون فيه في التجارة وهو البيع والشراء وما يقع من ضرورتهما فقط وهذا حرف أعني الخبز ورعاية المواشي ولو ضيق عليه وشرط أن لا يشتري إلا من فلان أو لا يتجر إلا في الخز الأحمر أو شرط ما يضيق باب التجارة فسد العقد ثم مهما انعقد فالعامل وكيل فيتصرف بالغبطة تصرف الوكلاء ومهما أراد المالك الفسخ فله ذلك فإذا فسخ في حالة والمال كله فيها نقد لم يخف وجه القسمة وإن كان عروضا ولا ربح فيه رد عليه ولم يكن للمالك تكليفه أن يرده إلى النقد لأن العقد قد انفسخ وهو لم يلتزم شيئا وإن قال العامل أبيعه وأبي المالك فالمتبوع رأى المالك إلا إذا وجد العامل زبونا يظهر بسببه ربح على رأس المال ومهما كان ربح فعلى العامل بيع مقدار رأس المال بجنس رأس المال لا بنقد آخر حتى يتميز الفاضل ربحا فيشتركان فيه وليس عليهم بيع الفاضل على رأس المال ومهما كان رأس السنة فعليهم تعرف قيمة المال لأجل الزكاة فإذا كان قد ظهر من الربح شيء فالأقيس أن زكاة نصيب العامل على العامل وأنه يملك الربح بالظهور وليس للعامل أن يسافر بمال القراض دون إذن المالك فإن فعل صحت تصرفاته ولكنه إذا فعل ضمن الأعيان والأثمان جميعا لأن عدوانه بالنقل يتعدى إلى ثمن المنقول وإن سافر بالإذن جاز ونفقة النقل وحفظ المال على مال القراض كما أن نفقة الوزن والكيل والحمل الذي لا يعتاد التاجر مثله على رأس المال فأما نشر الثوب وطيه والعمل اليسير المعتاد فليس له أن يبذل عليه أجرة وعلى العامل نفقته وسكناه في البلد وليس عليه أجرة الحانوت ومهما تجرد في السفر لمال القراض فنفقته في السفر على مال القراض فإذا رجع فعليه أن يرد بقايا آلات السفر من المطهرة والسفرة وغيرها العقد السادس الشركة وهي أربعة أنواع ثلاثة منها باطلة الأول شركة المفاوضة وهو أن يقولا تفاوضنا لنشترك في كل مالنا وعلينا ومالاهما ممتازان فهي باطلة الثاني شركة الأبدان وهو أن يتشارطا الاشتراك في أجرة العمل فهي باطلة الثالث شركة الوجوه وهو أن يكون لأحدهما حشمة وقول مقبول فيكون من جهته التنفيل ومن جهة غيره العمل فهذا أيضا باطل وإنما الصحيح العقد الرابع المسمى شركة العنان وهو أن يختلط مالاهما بحيث يتعذر التمييز بينهما إلا بقسمه ويأذن كل منهما لصاحبه في التصرف ثم حكمهما توزيع الربح والخسران على قدر المالين ولا يجوز أن يغير ذلك بالشرط ثم بالعزل يمتنع التصرف عن المعزول وبالقسمة ينفصل الملك عن الملك والصحيح أنه يجوز عقد الشركة على العروض المشتراة ولا يشترط النقد بخلاف القراض فهذا القدر من علم الفقه يجب تعلمه على كل مكتسب وإلا اقتحم الحرام من حيث لا يدري وأما معاملة القصاب والخباز والبقال فلا يستغني عنها المكتسب وغير المكتسب والخلل فيها من ثلاثة وجوه من إهمال شروط البيع أو إهمال شروط السلم أو الاقتصار على المعاطاة إذ العادات جارية بكتبه الخطوط على هؤلاء بحاجات كل يوم ثم المحاسبة في كل مدة ثم التقويم بحسب ما يقع عليه التراضي وذلك مما نرى القضاء بإباحته للحاجة ويحمل تسليمهم على إباحة التناول مع انتظار العوض فيحل أكله ولكن يجب الضمان بأكله وتلزم قيمته يوم الإتلاف فتجتمع في الذمة تلك القيم فإذا وقع التراضي على مقدار ما فينبغي أن يلتمس منهم الإبراء المطلق لا تبقي عليه عهدة إن تطرق إليه تفاوت في التقويم فهذا ما تجب القناعة به فإن تكليف وزن الثمن لكل حاجة من الحوائج في كل يوم وكل ساعة تكليف شطط وكذا تكليف الإيجاب والقبول وتقدير ثمن كل قدر يسير منه فيه عسر وإذا كثر كل نوع سهل تقويمه والله الموفق الباب الثالث في بيان العدل واجتناب الظلم في المعاملة
اعلم أن المعاملة قد تجري على وجه يحكم المفتي بصحتها وانعقادها ولكنها تشتمل على ظلم يتعرض به المعامل لسخط الله تعالى إذ ليس كل نهي يقتضي فساد العقد وهذا الظلم يعني به ما استضر به الغير وهو منقسم إلى ما يعم ضرره وإلى ما يخص المعامل القسم الأول فيما يعم ضرره وهو أنواع النوع الأول الاحتكار فبائع الطعام يدخر الطعام ينتظر به غلاء الأسعار وهو ظلم عام وصاحبه مذموم في الشرع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من احتكر الطعام أربعين يوما ثم تصدق به لم تكن صدقته كفارة لاحتكاره وروى ابن عمر عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال من احتكر الطعام أربعين يوما فقد برئ من الله وبرئ الله منه وقيل فكأنما قتل الناس جميعا وعن علي رضي الله عنه من احتكر الطعام أربعين يوما قسا قلبه وعنه أيضا أنه أحرق طعام محتكر بالنار وروي في فضل ترك الاحتكار عنه صلى الله عليه وسلم من جلب طعاما فباعه بسعر يومه فكأنما تصدق به وفي لفظ آخر فكأنما أعتق رقبة وقيل في قوله تعالى {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} إن الاحتكار من الظلم وداخل تحته في الوعيد وعن بعض السلف أنه كان بواسط فجهز سفينة حنطة إلى البصرة وكتب إلى وكيله بع هذا الطعام يوم يدخل البصرة ولا تؤخره إلى غد فوافق سعة في السعر فقال له التجار لو أخرته جمعة ربحت فيه أضعافه فأخره جمعة فربح فيه أمثاله وكتب إلى صاحبه بذلك فكتب إليه صاحب الطعام يا هذا إنا كنا قنعنا بربح يسير مع سلامة ديننا وإنك قد خالفت وما نحب أن نربح أضعافه بذهاب شيء من الدين فقد جنيت علينا جناية فإذا أتاك كتابي هذا فخذ المال كله فتصدق به على فقراء البصرة وليتني أنجو من إثم الاحتكار كفافا لا علي ولا لي واعلم أن النهي مطلق ويتعلق النظر به في الوقت والجنس أما الجنس فيطرد النهي في أجناس الأقوات أما ما ليس بقوت ولا هو معين على القوت كالأدوية والعقاقير والزعفران وأمثاله فلا يتعدى النهي إليه وإن كان مطعوما وأما ما يعين على القوت كاللحم والفواكه وما يسد مسدا يغني عن القوت في بعض الأحوال وأن كان لا يمكن المداومة عليه فهذا في محل النظر فمن العلماء من طرد التحريم في السمن والعسل والشيرج والجبن والزيت وما يجري مجراه وأما الوقت فيحتمل أيضا طرد النهي في جميع الأوقات وعليه تدل الحكاية التي ذكرنا في الطعام الذي صادف بالبصرة سعة في السعر ويحتمل أن يخصص بوقت قلة الأطعمة وحاجة الناس إليه حتى يكون في تأخير بيعه ضر ما فأما إذا اتسعت الأطعمة وكثرت واستغنى الناس عنها ولم يرغبوا فيها إلا بقيمة قليلة فانتظر صاحب الطعام ذلك ولم ينتظر قحطا فليس في هذا إضرار وإذا كان الزمان زمان قحط كان في ادخار العسل والسمن والشيرج وأمثالها إضرار فينبغي أن يقضى بتحريمه ويعول في نفي التحريم وإثباته على الضرار فإنه مفهوم قطعا من تخصيص الطعام وإذا لم يكن ضرار فلا يخلو احتكار الأقوات عن كراهية فإنه ينتظر مبادئ الضرار وهو ارتفاع الأسعار وانتظار مبادئ الضرار محذور كانتظار عين الضرار ولكنه دونه وانتظار عين الضرار أيضا هو دون الإضرار فبقدر درجات الإضرار تتفاوت درجات الكراهية والتحريم وبالجملة التجارة في الأقوات مما لا يستحب لأنه طلب ربح والأقوات أصول خلقت قواما والربح من المزايا فينبغي أن يطلب الربح فيما خلق من جملة المزايا التي لا ضرورة للخلق إليها ولذلك أوصى بعض التابعين رجلا وقال لا تسلم ولدك في بيعتين ولا في صنعتين بيع الطعام وبيع الأكفان فإنه يتمنى الغلاء وموت الناس والصنعتان أن يكون جزارا فإنها صنعة تقسي القلب أو صواغا فإنه يزخرف الدنيا بالذهب والفضة
النوع الثاني ترويج الزيف من الدراهم في أثناء النقد فهو ظلم إذ يستضر به المعامل إن لم يعرف وإن عرف فسيروجه على غيره فكذلك الثالث والرابع ولا يزال يتردد في الأيدي ويعمم الضرر ويتسع الفساد ويكون وزر الكل ووباله راجعا عليه فإنه هو الذي فتح هذا الباب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سن سنة سيئة فعمل بها من بعده كان عليه وزرها ومثل وزر من عمل بها لا ينقص من أوزارهم شيئا وقال بعضهم إنفاق درهم زيف أشد من سرقة مائة درهم لأن السرقة معصية واحدة وقد تمت وانقطعت وإنفاق الزيف بدعة أظهرها في الدين وسنة سيئة يعمل بها من بعده فيكون عليه وزرها بعد موته إلى مائة سنة أو مائتي سنة إلى أن يفنى ذلك الدرهم ويكون عليه ما فسد من أموال الناس بسنته وطوبى لمن إذا مات ماتت معه ذنوبه والويل الطويل لمن يموت وتبقى ذنوبه مائة سنة ومائتي سنة أو أكثر يعذب بها في قبره ويسئل عنها إلى آخر انقراضها وقال تعالى {ونكتب ما قدموا وآثارهم} أي نكتب أيضا ما أخروه من آثار أعمالهم كما نكتب ما قدموه وفي مثله قوله تعالى {ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر} وإنما أخر آثار أعماله من سنة سيئة عمل بها غيره وليعلم أن في الزيف خمسة أمور الأول أنه إذا رد عليه شيء منه فينبغي أن يطرحه في بئر بحيث لا تمتد إليه اليد وإياه أن يروجه في بيع آخر وإن أفسده بحيث لا يمكن التعامل به جاز الثاني أنه يجب على التاجر تعلم النقد لا ليستقصي لنفسه ولكن لئلا يسلم إلى مسلم زيفا وهو لا يدري فيكون آثما بتقصيره في تعلم ذلك العلم فكل علم عمل به يتم نصح المسلمين فيجب تحصيله ولمثل هذا كان السلف يتعلمون علامات النقد نظرا لدينهم لا لدنياهم الثالث أنه إن سلم وعرف المعامل أنه زيف لم يخرج عن الإثم لأنه ليس يأخذه إلا ليروجه على غيره ولا يخبره ولو لم يعزم على ذلك لكان لا يرغب في أخذه أصلا فإنما يتخلص من إثم الضرر الذي يخص معامله فقط الرابع أن يأخذ الزيف ليعمل بقوله صلى الله عليه وسلم رحم الله امرأ سهل البيع سهل الشراء سهل القضاء سهل الاقتضاء فهو داخل في بركة هذا الدعاء إن عزم على طرحه في بئر وإن كان عازما على أن يروجه في معاملة فهذا شر روجه الشيطان عليه في معرض الخير فلا يدخل تحت من تساهل في الاقتضاء الخامس أن الزيف نعني به ما لا نقره فيه أصلا بل هو مموه أو ما لا ذهب فيه أعني في الدنانير
أما ما فيه نقرة فإن كان مخلوطا بالنحاس وهو نقد البلد فقد اختلف العلماء في المعاملة عليه وجل رأينا الرخصة فيه إذا كان ذلك نقد البلد سواء علم مقدار النقرة أو لم يعلم وإن لم يكن هو نقد البلد لم يجز إلا إذا علم قدر النقرة فإن كان في ماله قطعة نقرتها ناقصة عن نقد البلد فعليه أن يخبر به معامله وأن لا يعامل به إلا من لا يستحل الترويج في جملة النقد بطريق التلبيس فأما من يستحل ذلك فتسليمه إليه تسليط له على الفساد فهو كبيع العنب ممن يعلم أنه يتخذه خمرا وذلك محظور وإعانة على الشر ومشاركة فيه وسلوك طريق الحق بمثال هذا في التجارة أشد من المواظبة على نوافل العبادات والتخلي لها ولذلك قال بعضهم التاجر الصدوق أفضل عند الله من المتعبد وقد كان السلف يحتاطون في مثل ذلك حتى روي عن بعض الغزاة في سبيل الله أنه قال حملت على فرسي لأقتل علجا فقصر بي فرسي فرجعت ثم دنا مني العلج فحملت ثانية فقصر فرسي فرجعت ثم حملت الثالثة فنفر مني فرسي وكنت لا أعتاد ذلك منه فرجعت حزينا وجلست منكس الرأس منكسر القلب لما فاتني من العلج وما ظهر لي من خلق الفرس فوضعت رأسي على عمود الفسطاط وفرسي قائم فرأيت في النوم كأن الفرس يخاطبني ويقول لي بالله عليك أردت أن تأخذ على العلج ثلاث مرات وأنت بالأمس اشتريت لي علفا ودفعت في ثمنه درهما زائفا لا يكون هذا أبدا قال فانتبهت فزعا فذهبت إلى العلاف وأبدلت ذلك الدرهم فهذا مثال ما يعم ضرره وليقس عليه أمثاله القسم الثاني ما يخص ضرره المعامل فكل ما يستضر به المعامل فهو ظلم وإنما العدل لا يضر بأخيه المسلم والضابط الكلي فيه أن لا يحب لأخيه إلا ما يحب لنفسه فكل ما لو عومل به شق عليه وثقل على قلبه فينبغي أن لا يعامل غيره به بل ينبغي أن يستوي عنده درهمه ودرهم غيره قال بعضهم من باع أخاه شيئا بدرهم وليس يصلح له لو اشتراه لنفسه إلا بخمسة دوانق فإنه قد ترك النصح المأمور به في المعاملة ولم يحب لأخيه ما يحب لنفسه هذه جملته فأما تفصيله ففي أربعة أمور أن لا يثني على السلعة بما ليس فيها وأن لا يكتم من عيوبها وخفايا صفاتها شيئا أصلا وأن لا يكتم في وزنها ومقدارها شيئا وأن لا يكتم من سعرها ما لو عرفه المعامل لامتنع عنه أما الأول فهو ترك الثناء فإن وصفه للسلعة إن كان بما ليس فيها فهو كذب فإن قبل المشتري ذلك فهو تلبيس وظلم مع كونه كذبا وإن لم يقبل فهو كذب وإسقاط مروءة إذ الكذب الذي لا يروج قد لا يقدح في ظاهر المروءة وإن أثنى على السلعة بما فيها فهو هذيان وتكلم بكلام لا يعنيه وهو محاسب على كل كلمة تصدر منه أنه لم تكلم بها قال الله تعالى {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} إلا أن يثني على السلعة بما فيها مما لا يعرفه المشتري ما لم يذكره كما يصفه من خفى أخلاق العبيد والجواري والدواب فلا بأس بذكر القدر الموجود منه من غير مبالغة وإطناب وليكن قصده منه أن يعرفه أخوه المسلم فيرغب فيه وتنقضي بسببه حاجته ولا ينبغي أن يحلف عليه البتة فإنه إن كان كاذبا فقد جاء باليمين الغموس وهي من الكبائر التي تذر الديار بلاقع وإن كان صادقا فقد جعل الله تعالى عرضة لأيمانه وقد أساء فيه إذ الدنيا أخس من أن يقصد ترويجها بذكر اسم الله من غير ضرورة وفي الخبر ويل للتاجر من بلى والله ولا والله وويل للصانع من غد وبعد وفي الخبر اليمين الكاذبة منفقة للسلعة ممحقة للبركة وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة عتل مستكبر ومنان بعطيته ومنفق سلعته بيمينه
فإذا كان الثناء على السلعة مع الصدق مكروها من حيث إنه فضول لا يزيد في الرزق فلا يخفى التغليظ في أمر اليمين وقد روي عن يونس بن عبيد وكان خزازا أنه طلب منه خز للشراء فأخرج غلامه سقط الخز ونشره ونظر إليه وقال اللهم ارزقنا الجنة فقال لغلامه رده إلى موضعه ولم يبعه وخاف أن يكون ذلك تعريضا بالثناء على السلعة فمثل هؤلاء الذين اتجروا في الدنيا ولم يضيعوا دينهم في تجاراتهم بل علموا أن ربح الآخرة أولى بالطلب من ربح الدنيا الثاني أن يظهر جميع عيوب المبيع خفيها وجليها ولا يكتم منها شيئا فذلك واجب فإن أخفاه كان ظالما غاشا والغش حرام وكان تاركا للنصح في المعاملة والنصح واجب ومهما أظهر أحسن وجهي الثوب وأخفى الثاني كان غاشا وكذلك إذا عرض الثياب في المواضع المظلمة وكذلك إذا عرض أحسن فردي الخف أو النعل وأمثاله ويدل على تحريم الغش ما روي أنه مر صلى الله عليه وسلم برجل يبيع طعاما فأعجبه فأدخل يده فيه فرأى بللا فقال {ما هذا} قال أصابته السماء فقال فهلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس من غشنا فليس منا ويدل على وجوب النصح بإظهار العيوب ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بايع جريرا على الإسلام ذهب لينصرف فجذب ثوبه واشترط عليه النصح لكل مسلم فكان جرير إذا قام إلى السلعة يبيعها بصر عيوبها ثم خيره وقال إن شئت فخذ وإن شئت فاترك فقيل له إنك إذا فعلت مثل هذا لم ينفذ لك بيع فقال إنا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم وكان واثلة بن الأسقع واقفا فباع رجل ناقة له بثلثمائة درهم فغفل واثلة وقد ذهب الرجل بالناقة فسعى وراءه وجعل يصيح به يا هذا أشتريتها للحم أو للظهر فقال بل للظهر فقال إن بخفها نقبا قد رأيته وإنها لا تتابع السير فعاد فردها فنقصها البائع مائة درهم وقال لواثلة رحمك الله أفسدت علي بيعي فقال إنا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يحل لأحد يبيع بيعا إلا أن يبين آفته ولا يحل لمن يعلم ذلك إلا تبيينه فقد فهموا من النصح أن لا يرضى لأخيه إلا ما يرضاه لنفسه ولم يعتقدوا أن ذلك من الفضائل وزيادة المقامات بل اعتقدوا أنه من شروط الإسلام الداخلة تحت بيعتهم وهذا أمر يشق على أكثر الخلق فلذلك يختارون التخلي للعبادة والاعتزال عن الناس لأن القيام بحقوق الله مع المخالطة والمعاملة مجاهدة لا يقوم بها إلا الصديقون ولن يتيسر ذلك على العبد إلا بأن يعتقد أمرين أحدهما أن تلبيسه العيوب وترويجه السلع لا يزيد في رزقه بل يمحقه ويذهب ببركته وما يجمعه من مفرقات التلبيسات يهلكه الله دفعة واحدة فقد حكي أن واحدا كان له بقرة يحلبها ويخلط بلبنها الماء ويبيعه فجاء سيل فغرق البقرة فقال بعض أولاده إن تلك المياه المتفرقة التي صببناها في اللبن اجتمعت دفعة واحدة وأخذت البقرة كيف وقد قال صلى الله عليه وسلم البيعان إذا صدقا ونصحا بورك لهما في بيعهما وإذا كتما وكذبا نزعت بركة بيعهما وفي الحديث يد الله على الشريكين ما لم يتخاونا فإذا تخاونا رفع يده عنهما فإذا لا يزيد مال من خيانة كما لا ينقص من صدقة من لا يعرف الزيادة والنقصان إلا بالميزان لم يصدق بهذا الحديث ومن عرف أن الدرهم الواحد قد يبارك فيه حتى يكون سببا لسعادة الإنسان في الدنيا والدين والآلاف المؤلفة قد ينزع الله البركة منها حتى تكون سببا لهلاك مالكها بحيث يتمنى الإفلاس منها ويراه أصلح له في بعض أحواله فيعرف معنى قولنا إن الخيانة لا تزيد في المال والصدقة لا تنقص منه
والمعنى الثاني الذي لا بد من اعتقاده ليتم له النصح ويتيسر عليه أن يعلم أن ربح الآخرة وغناها خير من ربح الدنيا وأن فوائد أموال الدنيا تنقضي بانقضاء العمر وتبقى مظالمها وأوزارها فكيف يستجيز العاقل أن يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير والخير كله في سلامة الدين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزال لا إله إلا الله تدفع عن الخلق سخط الله ما لم يؤثروا صفقة دنياهم على آخرتهم وفي لفظ آخر ما لم يبالوا ما نقص من دنياهم بسلامة دينهم فإذا فعلوا ذلك وقالوا لا إله إلا الله قال الله تعالى كذبتم لستم بها صادقين وفي حديث آخر من قال لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة قيل وما إخلاصه قال أن يحرزه عما حرم الله وقال أيضا ما آمن بالقرآن من استحل محارمه ومن علم أن هذه الأمور قادحة في إيمانه وأن إيمانه رأس ماله في الآخرة لم يضيع رأس ماله المعد لعمر لا آخر له بسبب ربح ينتفع به أياما معدودة وعن بعض التابعين أنه قال لو دخلت الجامع ومع وهو غاص بأهله وقيل لي من خير هؤلاء لقلت من أنصحهم لهم فإذا قالوا هذا قلت هو خيرهم ولو قيل لي من شرهم قلت من أغشهم لهم فإذا قيل هذا قلت هو شرهم والغش حرام في البيوع والصنائع جميعا ولا ينبغي أن يتهاون الصانع بعمله على وجه لو عامله به غيره لما ارتضاه لنفسه بل ينبغي أن يحسن الصنعة ويحكمها ثم يبين عيبها إن كان فيها عيب فبذلك يتخلص وسأل رجل حداء بن سالم فقال كيف لي أن أسلم في بيع النعال فقال اجعل الوجهين سواء ولا تفضل اليمنى على الأخرى وجود الحشو وليكن شيئا واحدا تاما وقارب بين الخرز ولا تطبق إحدى النعلين على الأخرى ومن هذا الفن ما سئل عنه أحمد بن حنبل رحمه الله من الرفو بحيث لا يتبين قال لا يجوز لمن يبيعه أن يخفيه وإنما يحل للرفا إذا علم أنه يظهره أو أنه لا يريده للبيع فإن قلت فلا تتم المعاملة مهما وجب على الإنسان أن يذكر عيوب المبيع فأقول ليس كذلك إذ شرط التاجر أن لا يشتري للبيع إلا الجيد الذي يرتضيه لنفسه لو أمسكه ثم يقنع في بيعه بربح يسير فيبارك الله له فيه ولا يحتاج إلى تلبيس وإنما تعذر هذا لأنهم لا يقنعون بالربح اليسير وليس يسلم الكثير إلا بتلبيس فمن تعود هذا لم يشتر المعيب فإن وقع في يده معيب نادرا فليذكره وليقنع بقيمته باع ابن سيرين شاة فقال للمشتري أبرأ إليك من عيب فيها أنها تقلب العلف برجلها وباع الحسن بن صالح جارية فقال للمشتري إنها تنخمت مرة عندنا دما فهكذا كانت سيرة أهل الدين فمن لا يقدر عليه فليترك المعاملة أو ليوطن نفسه على عذاب الآخرة الثالث إلا يكتم في المقدار شيئا وذلك بتعديل الميزان والاحتياط فيه وفي الكيل فينبغي أن يكيل كما يكتال قال الله تعالى ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ولا يخلص من هذا إلا بأن يرجع إذا أعطى وينقص إذا أخذ إذ العدل الحقيقي قلما يتصور فليستظهر بظهور الزيادة والنقصان فإن من استقصى حقه بكماله يوشك أن يتعداه وكان بعضهم يقول لا أشتري الويل من الله بحبة فكان إذا أخذ نقص نصف حبة وإذا أعطى زاد حبة وكان يقول ويل لمن باع بحبة جنة عرضها السموات والأرض وما أخسر من باع طوبى بويل وإنما بالغوا في الاحتراز من هذا وشبهه لأنها مظالم لا يمكن التوبة منها إذ لا يعرف أصحاب الحبات حتى يجمعهم ويؤدى حقوقهم ولذلك لما اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قال للوزان لما كان يزن ثمنه زن وأرجح ونظر فضيل إلى ابنه وهو يغسل دينارا يريد أن يصرفه ويزيل تكحيله وينقيه حتى لا يزيد وزنه بسبب ذلك فقال يا بني فعلك هذا أفضل من حجتين وعشرين عمرة
وقال بعض السلف عجبت للتاجر والبائع كيف ينجو يزن ويحلف بالنهار وينام بالليل وقال سليمان عليه السلام لابنه يا بني كما تدخل الحبة بين الحجرين كذلك تدخل الخطيئة بين المتبايعين وصلى بعض الصالحين على مخنث فقيل له إنه كان فاسقا فسكت فأعيد عليه فقال كأنك قلت لي كان صاحب ميزانين يعطي بأحدهما ويأخذ بالأخر أشار به إلى أن فسقه مظلمة بينه وبين الله تعالى وهذا من مظالم العباد والمسامحة والعفو فيه أبعد والتشديد في أمر الميزان عظيم والخلاص منه يحصل بحبة ونصف حبة وفي قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن باللسان ولا تخسروا الميزان أي لسان الميزان فإن النقصان والرجحان يظهر بميله وبالجملة كل من ينتصف لنفسه من غيره ولو في كلمة ولا ينصف بمثل ما ينتصف فهو داخل تحت قوله تعالى ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون الآيات فإن تحريم ذلك في المكيل ليس لكونه مكيلا بل لكونه أمرا مقصودا ترك العدل والنصفة فيه فهو جار في جميع الأعمال فصاحب الميزان في خطر الويل وكل مكلف فهو صاحب موازين في أفعاله وأقواله وخطراته فالويل له إن عدل عن العدل ومال عن الاستقامة ولولا تعذر هذا واستحالته لما ورد قوله تعالى وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا فلا ينفك عبد ليس معصوما عن الميل عن الاستقامة إلا أن درجات الميل تتفاوت تفاوتا عظيما فلذلك تتفاوت مدة مقامهم في النار إلى أوان الخلاص حتى لا يبقى بعضهم إلا بقدر تحلة القسم ويبقى بعضهم ألفا وألوف سنين فنسأل الله تعالى أن يقربنا من الاستقامة والعدل فإن الاشتداد على متن الصراط المستقيم من غير ميل عنه غير مطموع فيه فإنه أدق من الشعرة وأحد من السيف ولولاه لكان المستقيم عليه لا يقدر على جواز الصراط الممدود على متن النار الذي من صفته أنه أدق من الشعرة وأحد من السيف وبقدر الاستقامة على هذا الصراط المستقيم يخف العبد يوم القيامة على الصراط وكل من خلط بالطعام ترابا أو غيره ثم كاله فهو من المطففين في الكيل وكل قصاب وزن مع اللحم عظما لم تجر العادة بمثله فهو من المطففين في الوزن وقس على هذا سائر التقديرات حتى في الذرع الذي يتعاطاه البزاز فإنه إذا اشترى أرسل الثوب في وقت الذرع ولم يمده مدا وإذا باعه مده في الذرع ليظهر تفاوتا في القدر فكل ذلك من التطفيف المعرض صاحبه للويل الرابع أن يصدق في سعر الوقت ولا يخفي منه شيئا فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تلقي الركبان ونهى عن النجش أما تلقي الركبان فهو أن يستقبل الرفقة ويتلقى المتاع ويكذب في سعر البلد فقد قال صلى الله عليه وسلم لا تتلقوا الركبان ومن تلقاها فصاحب السلعة بالخيار بعد أن يقدم السوق وهذا الشراء منعقد ولكنه إن ظهر كذبه ثبت للبائع الخيار وإن كان صادقا ففي الخيار خلاف لتعارض عموم الخبر مع زوال التلبيس ونهى أيضا أن يبيع حاضر لباد وهو أن يقدم البدوي البلد ومعه قوت يريد أن يتسارع إلى بيعه فيقول له الحضري اتركه عندي حتى أغالي في ثمنه وأنتظر ارتفاع سعره وهذا في القوت محرم وفي سائر السلع خلاف والأظهر تحريمه لعموم النهي ولأنه تأخير للتضييق على الناس على الجملة من غير فائدة للفضولي المضيق ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النجش
وهو أن يتقدم إلى البائع بين يدي الراغب المشتري ويطلب السلعة بزيادة وهو لا يريدها وإنما يريد تحريك رغبة المشتري فيها فهذا إن لم تجر مواطأة مع البائع فهو فعل حرام من صاحبه والبيع منعقد وإن جرى مواطأة ففي ثبوت الخيار خلاف والأولى إثبات الخيار لأنه تغرير بفعل يضاهي التغرير في المصراة وتلقي الركبان فهذه المناهي تدل على أنه لا يجوز أن يلبس على البائع والمشتري في سعر الوقت ويكتم منه أمرا لو علمه لما أقدم على العقد ففعل هذا من الغش الحرام المضاد للنصح الواجب فقد حكي عن رجل من التابعين أنه كان بالبصرة وله غلام بالسوس يجهز إليه السكر فكتب إليه غلامه إن قصب السكر قد أصابته آفة في هذه السنة فاشتر السكر قال فاشترى سكرا كثيرا فلما جاء وقته ربح فيه ثلاثين ألفا فانصرف إلى منزله فأفكر ليلته وقال ربحت ثلاثين ألفا وخسرت نصح رجل من المسلمين فلما أصبح غدا إلى بائع السكر فدفع إليه ثلاثين ألفا وقال بارك الله لك فيها فقال ومن أين صارت لي فقال إني كتمتك حقيقة الحال وكان السكر قد غلا في ذلك الوقت فقال رحمك الله قد أعلمتني الآن وقد طيبتها لك قال فرجع بها إلى منزله وتفكر وبات ساهرا وقال ما نصحته فلعله استحيا مني فتركها لي فبكر إليه من الغد وقال عافاك الله خذ مالك إليك فهو أطيب لقلبي فاخذ منه ثلاثين ألفا فهذه الأخبار في المناهي والحكايات تدل على أنه ليس له أن يغتنم فرصة وينتهز غفلة صاحب المتاع ويخفي من البائع غلاء السعر أو من المشتري تراجع الأسعار فإن فعل ذلك كان ظالما تاركا للعدل والنصح للمسلمين ومهما باع مرابحة بأن يقول بعت بما قام علي أو بما اشتريته فعليه أن يصدق ثم يجب عليه أن يخبر بما حدث بعد العقد من عيب أو نقصان ولو اشترى إلى أجل وجب ذكره ولو اشترى مسامحة من صديقه أو ولده يجب ذكره لأن المعامل يعول على عادته في الاستقصاء أنه لا يترك النظر لنفسه فإذا تركه بسبب من الأسباب فيجب إخباره إذ الاعتماد فيه على أمانته الباب الرابع في الإحسان في المعاملة وقد أمر الله تعالى بالعدل والإحسان جميعا والعدل سبب النجاة فقط وهو يجري من التجارة مجرى رأس المال والإحسان سبب الفوز ونيل السعادة وهو يجري من التجارة مجرى الربح ولا يعد من الغفلاء من قنع في معاملات الدنيا برأس ماله فكذا في معاملات الآخرة فلا ينبغي للمتدين أن يقتصر على العدل واجتناب الظلم ويدع أبواب الإحسان وقد قال الله وأحسن كما أحسن الله إليك وقال عز وجل إن الله يأمر بالعدل والإحسان وقال سبحانه إن رحمت الله قريب من المحسنين ونعني بالإحسان فعل ما ينتفع به المعامل وهو غير واجب عليه ولكنه تفضل منه فإن الواجب يدخل في باب العدل وترك الظلم وقد ذكرناه وتنال رتبة الإحسان بواحد من ستة أمور الأول في المغابنة فينبغي أن لا يغبن صاحبه بما لا يتغابن به في العادة فأما أصل المغابنة فمأذون فيه لأن البيع للربح ولا يمكن ذلك إلا بغبن ما ولكن يراعي فيه التقريب فإن بذل المشتري زيادة على الربح المعتاد إما لشدة رغبته أو لشدة حاجته في الحال إليه فينبغي أن يمتنع من قبوله فذلك من الإحسان ومهما لم يكن تلبيس لم يكن أخذ الزيادة ظلما وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الغبن بما يزيد على الثلث يوجب الخيار ولسنا نرى ذلك ولكن من الإحسان أن يحط ذلك الغبن
يروى أنه كان عند يونس بن عبيد حلل مختلفة الأثمان ضرب قيمة كل حلة منها أربعمائة وضرب كل حلة قيمتها مائتان فمر إلى الصلاة وخلف ابن أخيه في الدكان فجاء أعرابي وطلب حلة بأربعمائة فعرض عليه من حلل المائتين فاستحسنها ورضيها فاشتراها فمضى بها وهي على يديه فاستقبله يونس فعرف حلته فقال للأعرابي بكم اشتريت فقال بأربعمائة فقال لا تساوي أكثر من مائتين فارجع حتى تردها فقال هذه تساوي في بلدنا خمسمائة وأنا أرتضيها فقال له يونس انصرف فإن النصح في الدين خير من الدنيا بما فيها ثم رده إلى الدكان ورد عليه مائتي درهم وخاصم ابن أخيه في ذلك وقاتله وقال أما استحييت أما اتقيت الله تربح مثل الثمن وتترك النصح للمسلمين فقال والله ما أخذها إلا وهو راض بها قال فهلا رضيت له بما ترضاه لنفسك وهذا إن كان فيه إخفاء سعر وتلبيس فهو من باب الظلم وقد سبق وفي الحديث غبن المسترسل حرام وكان الزبير بن عدي يقول أدركت ثمانية عشر من الصحابة ما منهم أحد يحسن يشتري لحما بدرهم فغبن مثل هؤلاء المسترسلين ظلم إن كان من غير تلبيس فهو من ترك الإحسان وقلما يتم هذا إلا بنوع تلبيس وإخفاء سعر الوقت وإنما الإحسان المحض ما نقل عن السري السقطي أنه اشترى كر لوز بستين دينارا وكتب في روزنامجه ثلاثة دنانير ربحه وكأنه رأى أن يربح على العشرة نصف دينار فصار اللوز بتسعين فأتاه الدلال وطلب اللوز فقال خذه قال بكم فقال بثلاثة وستين فقال الدلال وكان من الصالحين فقد صار اللوز بتسعين فقال السري قد عقدت عقدا لا أحله لست أبيعه إلا بثلاثة وستين فقال الدلال وأنا عقدت بيني وبين الله أن لا أغش مسلما لست آخذ منك إلا بتسعين قال فلا الدلال اشترى منه ولا السري باعه فهذا محض الإحسان من الجانبين فإنه مع العلم بحقيقة الحال وروي عن محمد بن المنكدر أنه كان له شقق بعضها بخمسة وبعضها بعشرة فباع غلامه في غيبته شقة من الخمسيات بعشرة فلما عرف لم يزل يطلب ذلك الأعرابي المشتري طول النهار حتى وجده فقال له إن الغلام قد غلط فباعك ما يساوي خمسة بعشرة فقال يا هذا قد رضيت فقال وإن رضيت فإنا لا نرضى لك إلا ما نرضاه لأنفسنا فاختر إحدى ثلاث خصال إما أن تأخذ شقة من العشريات بدراهمك وإما أن نرد عليك خمسة وإما أن ترد شقتنا وتأخذ دراهمك فقال أعطني خمسة فرد عليه خمسة وانصرف الأعرابي يسأل ويقول من هذا الشيخ فقيل له هذا محمد بن المنكدر فقال لا إله إلا الله هذا الذي نستسقي به في البوادي إذا قحطنا فهذا إحسان في أن لا يربح على العشرة إلا نصفا أو واحد على ما جرت به العادة في مثل ذلك المتاع في ذلك المكان ومن قنع بربح قليل كثرت معاملاته واستفاد من تكررها ربحا كثيرا وبه تظهر البركة كان علي رضي الله عنه يدور في سوق الكوفة بالدرة ويقول معاشر التجار خذوا الحق تسلموا لا تردوا قليل الربح فتحرموا كثيره قيل لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ما سبب يسارك قال ثلاث ما رددت ربحا قط ولا طلب مني حيوان فأخرت بيعه ولا بعت بنسيئة ويقال إنه باع ألف ناقة فما ربح إلا عقلها باع كل عقال بدرهم فربح فيها ألفا وربح من نفقته عليها ليومه ألفا الثاني في احتمال الغبن والمشتري إن اشترى طعاما من ضعيف أو شيئا من فقير فلا بأس أن يحتمل الغبن ويتساهل ويكون به محسنا وداخلا في قوله صلى الله عليه وسلم رحم الله امرءا سهل البيع سهل الشراء فأما إذا اشترى من غني تاجر يطلب الربح زيادة على حاجته فاحتمال الغبن منه ليس محمودا بل هو تضييع مال من غير أجر ولا حمد فقد ورد في حديث من طريق أهل البيت المغبون في الشراء لا محمود ولا مأجور
وكان إياس ابن معاوية بن قرة قاضي البصرة وكان من عقلاء التابعين يقول لست بخب والخب لا يغبنني ولا يغبن ابن سيرين ولكن يغبن الحسن ويغبن أبي يعني معاوية بن قرة والكمال في أن لا يغبن ولا يغبن كما وصف بعضهم عمر رضي الله عنه فقال كان أكرم من أن يخدع وأعقل من أن يخدع وكان الحسن والحسين وغيرهما من خيار السلف يستقصون في الشراء ثم يهبون مع ذلك الجزيل من المال فقيل لبعضهم تستقصي في شرائك على اليسير ثم تهب الكثير ولا تبالي فقال إن الواهب يعطي فضله وإن المغبون يغبن عقله وقال بعضهم إنما أغبن عقلي وبصري فلا أمكن الغابن منه وإذا وهبت أعطي لله ولا أستكثر منه شيئا الثالث في استيفاء الثمن وسائر الديون والإحسان فيه مرة بالمسامحة وحط البعض ومرة بالإمهال والتأخير ومرة بالمساهلة في طلب جودة النقد وكل ذلك مندوب إليه ومحثوث عليه قال النبي صلى الله عليه وسلم رحم الله امرءا سهل البيع سهل الشراء سهل الاقتضاء فليغتنم دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم وقال صلى الله عليه وسلم اسمح يسمح لك وقال صلى الله عليه وسلم من أنظر معسرا أو ترك له حاسبه الله حسابا يسيرا وفي لفظ آخر أظله الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا كان مسرفا على نفسه حوسب فلم يوجد له حسنة فقيل له هل عملت خيرا قط فقال لا إلا أني كنت رجلا أداين الناس فأقول لفتياني سامحوا الموسر وانظروا المعسر وفي لفظ آخر وتجاوزوا عن المعسر فقال الله تعالى نحن أحق بذلك منه فتجاوز الله عنه وغفر له وقال صلى الله عليه وسلم من أقرض دينارا إلى أجل فله بكل يوم صدقة إلى أجله فإذا حل الأجل فأنظره بعده فله بكل يوم مثل ذلك الدين صدقة وقد كان من السلف من لا يحب أن يقضي غريمه الدين لأجل هذا الخبر حتى يكون كالمتصدق بجميعه في كل يوم وقال صلى الله عليه وسلم رأيت على باب الجنة مكتوبا الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمان عشرة فقيل في معناه إن الصدقة تقع في يد المحتاج وغير المحتاج ولا يحتمل ذل الاستقراض إلا محتاج ونظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى رجل يلازم رجلا بدين فأومأ إلى صاحب الدين بيده أن ضع الشطر ففعل فقال للمديون قم فأعطه وكل من باع شيئا وترك ثمنه في الحال ولم يرهق إلى طلبه فهو في معنى المقرض وروي أن الحسن البصري باع بغلة له بأربعمائة درهم فلما استوجب المال قال له المشتري اسمح يا أبا سعيد قال قد أسقطت عنك مائة قال له فأحسن يا أبا سعيد فقال قد وهبت لك مائة أخرى فقبض من حقه مائتي درهم فقيل له يا أبا سعيد هذا نصف الثمن فقال هكذا يكون الإحسان وإلا فلا وفي الخبر خذ حقك في كفاف وعفاف واف أو غير واف يحاسبك الله حسابا يسيرا الرابع في توفية الدين ومن الإحسان فيه حسن القضاء وذلك بأن يمشي إلى صاحب الحق ولا يكلفه أن يمشي إليه يتقاضاه فقد قال صلى الله عليه وسلم خيركم أحسنكم قضاء ومهما قدر على قضاء الدين فليبادر إليه ولو قبل وقته وليسلم أجود مما شرط عليه وأحسن وإن عجز فلينو قضاءه مهما قدر قال صلى الله عليه وسلم من أدان دينا وهو ينوي قضاءه وكل الله به ملائكة يحفظونه ويدعون له حتى يقضيه وكان جماعة من السلف يستقرضون من غير حاجة لهذا الخبر ومهما كلمه صاحب الحق بكلام خشن فليحتمله وليقابله باللطف اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه صاحب الدين عند حلول الأجل ولم يكن قد اتفق قضاؤه فجعل الرجل يشدد الكلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم به أصحابه فقال دعوه فإن لصاحب الحق مقالا
ومهما دار الكلام بين المستقرض والمقرض فالإحسان أن يكون الميل الأكثر للمتوسطين إلى من عليه الدين فإن المقرض يقرض عن غنى والمستقرض يستقرض عن حاجة وكذلك ينبغي أن تكون الإعانة للمشتري أكثر فإن البائع راغب عن السلعة يبغي ترويجها والمشتري محتاج إليها هذا هو الأحسن إلا أن يتعدى من عليه الدين حده فعند ذلك نصرته في منعه عن تعد به وإعانة صاحبه إذ قال صلى الله عليه وسلم انصر أخاك ظالما أو مظلوما فقيل كيف ننصره ظالما فقال منعك إياه من الظلم نصرة له الخامس أن يقيل من يستقيله فإنه لا يستقيل إلا متندم مستضر بالبيع ولا ينبغي أن يرضى لنفسه أن يكون سبب استضرار أخيه قال صلى الله عليه وسلم من أقال نادما صفقته أقال الله عثرته يوم القيامة أو كما قال السادس أن يقصد في معاملته جماعة من الفقراء بالنسيئة وهو في الحال عازم على أن لا يطالبهم إن لم تظهر لهم ميسرة فقد كان في صالحي السلف من له دفتران للحساب أحدهما ترجمته مجهولة فيه أسماء من لا يعرفه من الضعفاء والفقراء وذلك أن الفقير كان يرى الطعام أو الفاكهة فيشتهيه فيقول أحتاج إلى خمسة أرطال مثلا من هذا وليس معي ثمنه فكان يقول خذه واقض ثمنه عند الميسرة ولم يكن يعد هذا من الخيار بل عد من الخيار من لم يكن يثبت اسمه في الدفتر أصلا ولا يجعله دينا لكن يقول خذ ما تريد فإن يسر لك فاقض وإلا فأنت في حل منه وسعة فهذه طرق تجارات السلف وقد اندرست والقائم به محي لهذه السنة وبالجملة التجارة محك الرجال وبها يمتحن دين الرجل وورعه ولذلك قيل لا يغرنك من المرء قميص رقعه ... أو إزارا فوق كعب الساق منه رفعه أو جبين لاح فيه أثر قد قلعه ... ولدى الدرهم فانظر غيه أو ورعه ولذلك قيل إذا أثنى على الرجل جيرانه في الحضر وأصحابه في السفر ومعاملوه في الأسواق فلا تشكوا في صلاحه وشهد عند عمر رضي الله عنه شاهد فقال ائتني بمن يعرفك فأتاه برجل فأثنى عليه خيرا فقال عمر أنت جاره الأدنى الذي يعرف مدخله ومخرجه قال لا فقال كنت رفيقه في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق فقال لا قال فعاملته بالدينار والدرهم الذي يستبين به ورع الرجل قال لا قال أظنك رأيته قائما في المسجد يهمهم بالقرآن يخفض رأسه طورا ويرفعه أخرى قال نعم فقال اذهب فلست تعرفه وقال للرجل اذهب فائتني بمن يعرفك الباب الخامس في شفقة التاجر على دينه فيما يخصه ويعم آخرته ولا ينبغي للتاجر أن يشغله معاشه عن معاده فيكون عمره ضائعا وصفقته خاسرة وما يفوته من الربح في الآخرة لا يفي به ما ينال في الدنيا فيكون اشترى الحياة الدنيا بالآخرة بل العاقل ينبغي أن يشفق على نفسه وشفقته على نفسه يحفظ رأس ماله ورأس ماله دينه وتجارته فيه قال بعض السلف أولي الأشياء بالعاقل أحوجه إليه في العاجل وأحوج شيء إليه في العاجل أحمده عاقبة في الآجل وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه في وصيته إنه لا بد لك من نصيبك في الدنيا وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج فابدأ بنصيبك من الآخرة فخذه فإنك ستمر على نصيبك من الدنيا فتنظمه قال الله تعالى ولا تنس نصيبك من الدنيا أي لا تنس في الدنيا نصيبك منها للآخرة فإنها مزرعة الآخرة وفيها تكتسب الحسنات وإنما تتم شفقة التاجر على دينه بمراعاة سبعة أمور
الأول حسن النية والعقيدة في ابتداء التجارة فلينو بها الاستعفاف عن السؤال وكف الطمع عن الناس استغناء بالحلال عنهم واستعانة بما يكسبه على الدين وقياما بكفاية العيال ليكون من جملة المجاهدين به ولينو النصح للمسلمين وأن يحب لسائر الخلق ما يحب لنفسه ولينو اتباع طريق العدل والإحسان في معاملته كما ذكرناه ولينو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل ما يراه في السوق فإذا أضمر هذه العقائد والنيات كان عاملا في طريق الآخرة فإن استفاد مالا فهو مزيد وإن خسر في الدنيا ربح في الآخرة الثاني أن يقصد القيام في صنعته أو تجارته بفرض من فروض الكفايات فإن الصناعات والتجارات لو تركت بطلت المعايش وهلك أكثر الخلق فانتظام أمر الكل بتعاون الكل وتكفل كل فريق بعمل ولو أقبل كلهم على صنعة واحدة لتعطلت البواقي وهلكوا وعلى هذا حمل بعض الناس قوله صلى الله عليه وسلم اختلاف أمتي رحمة أي اختلاف همهم في الصناعات والحرف ومن الصناعات ما هي مهمة ومنها ما يستغنى عنها لرجوعها إلى طلب النعم والتزين في الدنيا فليشتغل بصناعة مهمة ليكون في قيامه بها كافيا عن المسلمين مهما في الدين وليجتنب صناعة النقش والصياغة وتشييد البنيان بالجص وجميع ما تزخرف به الدنيا فكل ذلك كرهه ذوو الدين فأما عمل الملاهي والآلات التي يحرم استعمالها فاجتناب ذلك من قبيل ترك الظلم ومن جملة ذلك خياطة الخياط القباء من الإبر يسم للرجال وصياغة الصائغ مراكب الذهب أو خواتيم الذهب للرجال فكل ذلك من المعاصي والأجرة المأخوذة عليه حرام ولذلك أوجبنا الزكاة فيها وإن كنا لا نوجب الزكاة في الحلي لأنها إذا قصدت للرجال فهي محرمة وكونها مهيأة للنساء لا يلحقها بالحلي المباح ما لم يقصد ذلك بها فيكتسب حكمها من القصد وقد ذكرنا أن بيع الطعام وبيع الأكفان مكروه لأنه يوجب انتظار موت الناس وحاجتهم بغلاء السعر ويكره أن يكون جزارا لما فيه من قساوة القلب وأن يكون حجاما أو كناسا لما فيه من مخامرة النجاسة وكذا الدباغ وما في معناه وكره ابن سيرين الدلالة وكره قتادة أجرة الدلال ولعل السبب فيه قلة استغناء الدلال عن الكذب والإفراط في الثناء على السلعة لترويجها ولأن العمل فيه لا يتقدر فقد يقل وقد يكثر ولا ينظر في مقدار الأجرة إلى عمله بل إلى قدر قيمة الثوب هذا هو العادة وهو ظلم بل ينبغي أن ينظر إلى قدر التعب وكرهوا شراء الحيوان للتجارة لأن المشتري يكره قضاء الله فيه وهو الموت الذي بصدده لا محالة وحلوله وقيل بع الحيوان واشتر الموتان وكرهوا الصرف لأن الاحتراز فيه عن دقائق الربا عسير ولأنه طلب لدقائق الصفات فيما لا يقصد أعيانها وإنما يقصد رواجها وقلما يتم للصيرفي ربح إلا باعتماد جهالة معامله بدقائق النقد فقلما يسلم الصيرفي وإن احتاط ويكره للصيرفي وغيره كسر الصحيح والدنانير إلا عند الشك في جودته أو عند ضرورة قال أحمد بن حنبل رحمة الله ورد نهي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه في الصياغة من الصحاح وأنا أكره الكسر وقال يشتري بالدنانير دراهم ثم يشتري بالدرهم ذهبا ويصوغه واستحبوا تجارة البز قال سعيد بن المسيب ما من تجارة أحب إلي من البز ما لم يكن فيها أيمان وقد روي خير تجارتكم البز وخير صنائعكم الخرز وفي حديث آخر لو اتجر أهل الجنة لاتجروا في البز ولو اتجر أهل النار لاتجروا في الصرف وقد كان غالب أعمال الأخيار من السلف عشر صنائع الخرز والتجارة والحمل والخياطة والحذو والقصارة وعمل الخفاف وعمل الحديد وعمل المغازل ومعالجة صيد البر والبحر والوراقة قال عبد الوهاب الوراق قال لي أحمد بن حنبل ما صنعتك قلت الوراقة قال كسب طيب ولو كنت صانعا بيدي لصنعت صنعتك ثم قال لي لا تكتب إلا مواسطة واستبق الحواشي وظهور الأجزاء وأربعة من الصناع موسومون عند الناس بضعف الرأي الحاكة والقطانون والمغازليون والمعلمون ولعل ذلك لأن أكثر مخالطتهم مع النساء والصبيان ومخالطة ضعفاء العقول تضعف العقل كما أن مخالطة العقلاء تزيد في العقل
Pertanyaan
- Apa yang diajarkan Islam tentang kehidupan setelah kematian?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa yang diajarkan Nabi Muhammad (saw) tentang akhlak yang baik?
- Apa yang diajarkan Al-Qur'an tentang kesabaran (sabar)?
- Apa itu ikhlas (keikhlasan), dan mengapa penting?
- Bagaimana Islam menggambarkan penyucian hati?