Qur'an&Sunnah

Gazâlî — İhyâü Ulûmi'd-Dîn

Bagian V02/P148–V02/P149

ودخل وهب ابن منبه وطاوس على محمد بن يوسف أخي الحجاج وكان عاملا وكان في غداة باردة في مجلس بارز فقال لغلامه هلم ذلك الطيلسان وألقه على أبي عبد الرحمن أي طاوس وكان قد قعد على كرسي فألقي عليه فلم يزل يحرك كتفيه حتى ألقى الطيلسان عنه فغضب محمد بن يوسف فقال وهب كنت غنيا عن أن تغضبه لو أخذت الطيلسان وتصدقت به قال نعم لولا أن يقول من بعدي إنه أخذه طاوس ولا يصنع به ما أصنع به إذن لفعلت الغائلة الثانية أن يتحرك قلبك إلى حبك لتخصيصه إياك وإثاره لك بما أنفذه إليك فإن كان كذلك فلا تقبل ذلك هو السم القاتل والداء الدفين أعني ما يحبب الظلمة إليك فإن من أحببته لا بد أن تحرص عليه وتداهن فيه قالت عائشة رضي الله عنها جبلت النفوس على حب من أحسن إليها وقال عليه السلام اللهم لا تجعل لفاجر عندي يدا فيحبه قلبي بين صلى الله عليه وسلم إن القلب لا يكاد يمتنع من ذلك وروي أن بعض الأمراء أرسل إلى مالك بن دينار بعشرة آلاف درهم فأخرجها كلها فأتاه محمد بن واسع فقال ما صنعت بما أعطاك هذا المخلوق قال سل أصحابي فقالوا أخرجه كله فقال أنشدك الله أقلبك أشد حبا له الآن أم قبل أن أرسل إليك لا بل الآن قال إنما كنت أخاف هذا وقد صدق فإنه إذا أحبه أحب بقاءه وكره وعزله ونكبته وموته وأحب اتساع ولايته وكثرة ماله وكل ذلك حب لأسباب الظلم وهو مذموم قال سلمان وابن مسعود رضي الله عنهما من رضي بأمر وإن غاب عنه كان كمن شهده قال تعالى {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا} قيل لا ترضوا بأعمالهم فإن كنت في القوة بحيث لا تزداد حبالهم بذلك فلا بأس بالأخذ وقد حكي عن بعض عباد البصرة أنه كان يأخذ أموالا ويفرقها فقيل له ألا تخاف أن تحبهم فقال لو أخذ رجل بيدي وأدخلني الجنة ثم عصى ربه ما أحبه قلبي لأن ما الذي سخره للأخذ بيدي هو الذي أبغضه لأجله شكرا له على تصخيره إياه وبهذا تبين أخذ المال الآن منهم وإن كان ذلك المال بعينه من وجه حلال محذور ومذموم لأنه لا ينفك عن هذه الغوائل مسألة إن قال قائل إذا جاز أخذ ماله وتفرقته فهل يجوز أن يسرق ماله أو تخفى وديعته وتنكر وتفرق على الناس فنقول ذلك غير جائز لأنه ربما يكون له مالك معين وهو على عزم أن يرده عليه وليس هذا كما لو بعثه إليك فإن العاقل لا يظن به أنه يتصدق بما يعلم مالكه فيدل تسليمه على أنه لا يعرف مالكه فإن كان ممن يشكل عليه مثله فلا يجوز أن يقبل منه المال مالم يعرف ذلك ثم كيف يسرق ويحتمل أن يكون ملكه قد حصل له بشراء في ذمته فإن اليد دلالة على الملك فهذا لا سبيل إليه بل لو وجد لقطة وظهر أن صاحبها جندي واحتمل أن تكون له بشراء في الذمة أو غيره وجب الرد عليه فإذا لا يجوز سرقة مالهم لا منهم ولا ممن أودع عنده ولا يجوز إنكار وديعتهم ويجب الحد على سارق ما لهم إلا إذا ادعى السارق أنه ليس ملكا لهم فعند ذلك يسقط الحد بالدعوى مسألة المعاملة معهم حرام لأن اكثر ما لهم حرام فما يؤخذ عوضا فهو حرام فإن أدى الثمن من موضع يعلم حله فيبقى النظر فيما سلم إليهم فإن علم أنهم يعصون الله به كبيع الديباج منهم وهو يعلم أنهم يلبسونه فذلك حرام كبيع العنب من الخمار وإنما الخلاف فى الصحة وإن أمكن ذلك وأمكن أن يلبسها نساءه فهو شبهة مكروهه هذا فيما يعصى في عينه من الأموال وفي معناه بيع الفرس منهم لا سيما في وقت ركوبهم إلى قتال المسلمين أو جباية أموالهم فإن ذلك إعانة لهم بفرسه وهي محظورة

Bagian V02/P149–V02/P150

فأما بيع الدراهم والدنانير منهم وما يجري مجراها مما لا يعصى في عينه بل يتوصل بها فهو مكروه لما فيه من إعانتهم على الظلم لأنهم يستعينون على ظلمهم بالأموال والدواب وسائر الأسباب وهذه الكراهة جارية في الإهداء إليهم وفي العمل لهم من غير أجرة حتى في تعليمهم وتعليم أولادهم الكناية والترسل والحساب وأما تعليم القرآن فلا يكره إلا من حيث أخذ الأجرة فإن ذلك حرام إلا من وجه يعلم حله ولو انتصب وكيلا لهم يشتري لهم في الأسواق من غير جعل أو أجرة فهو مكروه من حيث الإعانة وإن اشترى لهم ما يعلم أنهم يقصدون به المعصية كالغلام والديباج للعرش واللبس والفرس للركوب إلى الظلم والقتل فذلك حرام فمهما ظهر قصد المعصية بالمبتاع حصل التحريم ومهما لم يظهر واحتمل بحكم الحال ودلالتها عليه حصلت الكراهة مسألة الأسواق التي بنوها بالمال الحرام تحرم التجارة فيها ولا يجوز سكناها فإن سكنها تاجر واكتسب بطريق شرعي لم يحرم كسبه وكان عاصيا بسكناه وللناس أن يشتروا منهم ولكن لو وجدوا سوقا أخرى فالأولى الشراء منها فإن ذلك إعانة لسكناهم وتكثير لكراء حوانيتهم وكذلك معاملة السوق التي لا خراج لهم عليها أحب من معاملة سوق لهم عليها خراج وقد بالغ قوم حتى تحرزوا من معاملة الفلاحين وأصحاب الأراضي التي لهم عليها الخراج فإنهم ربما يصرفون ما يأخذون إلى الخراج فيحصل به الإعانة وهذا غلو في الدين وحرج على المسلمين فإن الخراج قد عم الأراضي ولا غنى بالناس عن إرتفاق الأرض ولا معنى للمنع منه ولو جاز هذا لحرم على المالك زراعة الأرض حتى لا يطلب خراجها وذلك مما يطول ويتداعى إلى حسم باب المعاش مسألة معاملة قضاتهم وعمالهم وخدمهم حرام كمعاملتهم بل أشد أما القضاة فلأنهم يأخذون من أموالهم الحرام الصريح ويكثرون جمعهم ويغرون الخلق يزنهم فإنهم على زي العلماء ويختلطون بهم ويأخذون من أموالهم والطباع مجبولة على التشبه والاقتداء بذوي الجاه والحشمة فهم سبب انقياد الخلق إليهم وأما الخدم والحشم فأكثر أموالهم من الغصب الصريح ولا يقع في أيديهم مال مصلحة وميراث وجزية ولا وجه حلال حتى تضعف الشبهة باختلاط الحلال بمالهم قال طاوس لا أشهد عندهم وإن تحققت لأني أخاف تعديهم على من شهدت عليه وبالجملة إنما فسدت الرعية بفساد الملوك وفساد الملوك بفساد العلماء فلولا القضاة السوء والعلماء السوء لقل فساد الملوك خوفا من إنكارهم ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لا تزال هذه الأمة تحت يد الله وكنفه ما يمالئ قراؤها أمراءها وإنما ذكر القراء لأنهم كانوا هم العلماء وإنما كان علمهم بالقرآن ومعانيه المفهومة بالسنة وما وراء ذلك من العلوم فهي محدثة بعدهم وقد قال سفيان لا تخالط السلطان ولا من يخالطه وقال صاحب القلم وصاحب الدواة وصاحب القرطاس وصاحب الليطة بعضهم شركاء بعض وقد صدق فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن في الخمر عشرة حتى العاصر والمعتصر وقال ابن مسعود رضي الله عنه آكل الربا وموكله وشاهداه وكاتبه ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم وكذا رواه جابر وعمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ابن سيرين لا تحلم للسلطان كتابا حتى تعلم ما فيه وامتنع سفيان رحمه الله من مناولة الخليفة في زمانه دواة بين يديه وقال حتى أعلم ما تكتب بها فكل من حواليهم من خدمهم وأتباعهم ظلمة مثلهم يجب بغضهم في الله جميعا روى عن عثمان بن زائدة أنه سأله رجل من الجند وقال أين الطريق فسكت وأظهر الصمم وخاف أن يكون متوجها إلى ظلم فيكون هو بإرشاده إلى الطريق معينا وهذه المبالغة لم تنقل عن السلف مع الفساق من التجار والحاكة والحجامين وأهل الحمامات والصاغة والصباغين وأرباب الحرف مع غلبة الكذب والفسق عليهم بل مع الكفار من أهل الذمة وإنما هذا في الظلمة خاصة الآكلين لأموال اليتامى والمساكين والمواظبين على إيذاء المسلمين الذين تعاونوا على طمس رسوم الشريعة وشعائرها

Bagian V02/P150–V02/P151

وهذا لأن المعصية تنقسم إلى لازمة ومتعدية والفسق لازم لا يتعدى وكذا الكفر وهو جناية على حق الله تعالى وحسابه على الله وأما معصية الولاة بالظلم وهو متعد فإنما يغلظ أمرهم لذلك وبقدر عموم الظلم وعموم التعدي يزدادون عند الله مقتا فيجب أن يزداد منهم اجتنابا ومن معاملتهم احترازا فقد قال صلى الله عليه وسلم يقال للشرطي دع سوطك وادخل النار وقال صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة رجال معهم سياط كأذناب البقر فهذا حكمهم ومن عرف بذلك منهم فقد عرف ومن لم يعرف فعلامته القباء وطول الشوارب وسائر الهيئات المشهورة فمن رؤى على تلك الهيئة تعين اجتنابه ولا يكون ذلك من سوء الظن لأنه الذي جنى على نفسه إذ تزيا بزيهم ومساواة الزي تدل على مساواة القلب ولا يتجانن إلا مجنون ولا يتشبه بالفساق إلا فاسق نعم الفاسق قد يلتبس بأهل الصلاح فأما الصالح فليس له أن يتشبه بأهل الفساد لان ذلك تكثير لسوادهم وإنما نزل قوله تعالى إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم في قوم من المسلمين كانوا يكثرون جماعة المشركين بالمخالطة وقد روي أن الله تعالى أوحى إلى يوشع ابن نون إني مهلك من قومك أربعين ألفا من خيارهم وستين ألفا من شرارهم فقال ما بال الأخيار قال إنهم لا يغضبون لغضبي فكانوا يؤاكلونهم ويشاربونهم وبهذا يتبين أن بعض الظلمة والغضب لله عليهم واجب وروى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله لعن علماء بني إسرائيل إذ خالطوا الظالمين في معاشهم مسألة المواضع التي بناها الظلمة كالقناطر والرباطات والمساجد والسقايات ينبغي أن يحتاط فيها وينظر أما القنطرة فيجوز العبور عليها للحاجة والورع الاحتراز ما أمكن وإن وجد عنه معدلا تأكد الورع وإنما جوزنا العبور وإن وجد معدلا لأنه إذا لم يعرف الأعيان مالكا كان حكمها أن ترصد للخيرات وهذا خير فأما إذا عرف أن الآجر والحجر قد نقل من دار معلومة أو مقبرة أو مسجد معين فهذا لا يحل العبور عليه أصلا إلا لضرورة يحل بها مثل ذلك من مال الغير ثم يجب عليه الاستحلال من المالك الذي يعرفه وأما المسجد فإن بني في أرض مغضوبة أو بخشب مغصوب من مسجد آخر أو ملك معين فلا يجوز دخوله أصلا ولا للجمعة بل لو وقف الإمام فيه فليصل هو خلف الإمام وليقف خارج المسجد فإن الصلاة في الأرض المغصوبة تسقط الفرض وتنعقد في حق الاقتداء فلذلك جوزنا للمقتدي الاقتداء بمن صلى في الأرض المغصوبة وإن عصى صاحبه بالوقوف في الغصب وإن كان من مال لا يعرف مالكه فالورع العدول إلى مسجد آخر إن وجد فإن لم يجد غيره فلا يترك الجمعة والجماعة به لأنه يحتمل أن يكون من الملك الذي بناه ولو على بعد وإن لم يكن له مالك معين فهو لمصالح المسلمين ومهما كان في المسجد الكبير بناء لسلطان ظالم فلا عذر لمن يصلي فيه مع اتساع المسجد أعني في الورع قيل لأحمد بن حنبل ما حجتك في ترك الخروج إلى الصلاة في جماعة ونحن بالعسكر فقال حجتي أن الحسن وإبراهيم التيمي خافا أن يفتنهما الحجاج وأنا أخاف أن أفتن أيضا وأما الخلوق والتجصيص فلا يمنع من الدخول لأنه غير منتفع به في الصلاة وإنما هو زينة والأولى أنه لا ينظر إليه وأما البواري التي فرشوها فإن كان لها مالك معين فيحرم الجلوس عليها وإلا فبعد أن أرصدت لمصلحة عامة جاز افتراشها ولكن الورع العدول عنها فإنها محل شبهة وأما السقاية فحكمها ما ذكرناه وليس عن الورع الوضوء والشرب منها والدخول إليها إذا كان يخاف فوات الصلاة فيتوضأ وكذا مصانع طريق مكة وأما الرباطات والمدارس فإن كانت رقبة الأرض مغصوبة أو الآجر منقولا من موضع معين يمكن الرد إلى مستحقه فلا رخصة للدخول فيه وإن التبس المالك فقد أرصد لجهة من الخير والورع اجتنابه ولكن لا يلزم الفسق بدخوله

Bagian V02/P151–V02/P152

وهذه الأبنية إن أرصدت من خدم السلاطين فالأمر فيها أشد إذ ليس لهم صرف الأموال الضائعة إلى المصالح ولأن الحرام أغلب على أموالهم إذ ليس لهم أخذ مال المصالح وإنما يجوز ذلك للولاة وأرباب الأمر مسألة الأرض المغصوبة إذا جعلت شارعا لم يجز أن يتخطى فيه البتة وإن لم يكن له مالك معين جاز والورع العدول إن أمكن فإن كان الشارع مباحا وفوقه ساباط جاز العبور وجاز الجلوس تحت الساباط على وجه لا يحتاج فيه إلى السقف كما يقع في الشارع لشغل فإذا انتفع بالسقف في دفع حر الشمس أو المطر أو غيره فهو حرام لأن السقف لا يراد إلا لذلك وهكذا حكم من يدخل مسجدا أو أرضا مناحة سقف أو حوط بغصب فإنه بمجرد التخطي لا يكون منتفعا بالحيطان والسقف إلا إذا كان له فائدة في الحيطان والسقف لحر أو برد تستر عن بصر أو غيره فذلك حرام لأنه انتفاع بالحرام إذا لم يحرم الجلوس على الغصب لما فيه من المماسة بل للانتفاع والأرض تراد للاستقرار عليها والسقف للاستظلال به فلا فرق بينهما الباب السابع في مسائل متفرقة يكثر مسيس الحاجة إليها وقد سئل عنها في الفتاوي مسألة سئل عن خادم الصوفية يخرج إلى السوق ويجمع طعاما أو نقدا ويشتري به طعاما فمن الذي يحل له أن يأكل منه وهل يختص بالصوفية أم لا أما الصوفية فلا شبهة في حقهم إذا أكلوه وأما غيرهم فيحل لهم إذا أكلوه برضا الخادم ولكن لا يخلو عن شبهة أما الحل فلأن ما يعطى خادم الصوفية إنما يعطى بسبب الصوفية وله أن يطعم غير العيال إذ يبعد أن يقال لم يخرج عن ملك المعطي ولا يتسلط الخادم على الشراء به التصرف فيه لأن ذلك مصير إلى أن المعاطاة لا تكفي وهو ضعيف ثم لا صائر إليه في الصدقات والهدايا ويبعد أن يقال زال الملك إلى الصوفية الحاضرين الذين هم وقت سؤاله في الخانقاه إذ لا خلاف أن له يطعم منه من يقدم بعدهم ولو ماتوا كلهم أو واحد منهم لا يجب صرف نصيبه إلى وارثه ولا يمكن أن يقال إنه وقع لجهة التصوف ولا يتعين له مستحق لأن إزالة الملك إلى الجهة لا توجب تسليط الآحاد على التصرف فإن الداخلين فيه لا ينحصرون بل يدخل فيه من يولد إلى يوم القيامة وإنما يتصرف فيه الولاة والخادم لا يجوز له أن ينتصب نائبا عن الجهة فلا وجه إلا أن يقال هو ملكه وإنما يطعم الصوفية بوفاء شرط التصوف والمروءة فإن منعهم عنه منعوه عن أن يظهر نفسه في معرض التكفل بهم حتى ينقطع وقفه كما ينقطع عمن مات عياله مسألة سئل عن مال أوصى به للصوفية فمن الذي يجوز أن يصرف إليه فقلت التصوف أمر باطن لا يطلع عليه ولا يمكن ضبط الحكم بحقيقته بل بأمور ظاهرة يعول عليها أهل العرف في إطلاق اسم الصوفي والضابط الكلي أن كل من هو بصفة إذا نزل في خانقاه الصوفية لم يكن نزوله فيها واختلاطه بهم منكرا عندهم فهو داخل في غمارهم والتفصيل أن يلاحظ فيه خمس صفات الصلاح والفقر وزي الصوفية وأن لا يكون مشتغلا بحرفة وأن يكون مخالطا لهم بطريق المساكنة في الخانقاه ثم بعض هذه الصفات مما يوجب زوالها زوال الاسم وبعضها ينجبر بالبعض فالفسق يمنع الاستحقاق لأن الصوفي بالجملة عبارة عن رجل من أهل الصلاح بصفة مخصوصة فالذي يظهر فسقه وإن كان على زيهم لا يستحق ما أوصى به للصوفية ولسنا نعتبر فيه الصغائر

Bagian V02/P152–V02/P153

وأما الحرفة والاشتغال بالكسب فإنه يمنع هذا الاستحقاق فالدهقان والعامل والتاجر والصانع في حانوته أو داره والأجير الذي يخدم بأجرة كل هؤلاء لا يستحقون ما أوصى به للصوفية ولا ينجبر هذا بالزي والمخالطة فأما الوراقة والخياطة وما يقرب منهما مما يليق بالصوفية تعاطيها فإذا تعاطاها لا في حانوت ولا على جهة اكتساب وحرفة فذلك لا يمنع الاستحقاق وكان ذلك ينجبر بمساكنته إياهم مع بقية الصفات وأما القدرة على الحرف من غير مباشرة فلا تمنع وأما الوعظ والتدريس فلا ينافى اسم التصوف إذا وجدت بقية الخصال من الزي والمساكنة والفقر إذ لا يتناقض أن يقال صوفي مقرئ وصوفي واعظ وصوفي عالم أو مدرس ويتناقض أن يقال صوفي تاجر وصوفي عامل وأما الفقر فإن زال بغنى مفرط ينسب الرجل إلى الثروة الظاهرة فلا يجوز معه أخذ وصية الصوفية وإن كان له مال ولا يفي دخله بخرجه لم يبطل حقه وكذا إذا كان له مال قاصر عن وجوب الزكاة وإن لم يكن له خرج وهذه أمور لا دليل لها إلا العادات وأما المخالطة لهم ومساكنتهم فلها أثر ولكن من لا يخالطهم وهو في داره أو في مسجد على زيهم ومتخلق بأخلاقهم فهو شريك في سهمهم وكأن ترك المخالطة يجبرها ملازمة الزي فإن لم يكن على زيهم ووجد فيه بقية الصفات فلا يستحق إلا إذا كان مساكنا لهم في الرباط فينسحب عليه حكمهم بالتبعية فالمخالطة والزي ينوب كل واحد منهما عن الآخر والفقيه الذي ليس على زيهم هذا حكمه فإن كان خارجا لم يعد صوفيا وإن كان ساكنا معهم ووجدت بقية الصفات لم يبعد أن ينسحب بالتبعية عليه حكمهم وأما لبس المرقعة من يد شيخ من مشايخهم فلا يشترط ذلك في الاستحقاق وعدمه لا يضره مع وجود الشرائط المذكورة وأما المتأهل المتردد بين الرباط والمسكن فلا يخرج بذلك عن جملتهم مسألة ما وقف على رباط الصوفية وسكانه فالأمر فيه أوسع مما أوصى لهم به لأن معنى الوقف الصرف إلى مصالحهم فلغير الصوفي أن يأكل معهم برضاهم على مائدتهم مرة أو مرتين فإن أمر الأطعمة مبناه على التسامح حتى جاز الانفراد بها في الغنائم المشتركة وللقوال أن يأكل معهم في دعوتهم من ذلك الوقف وكان ذلك من مصالح معايشهم وما أوصى به للصوفية لا يجوز أن يصرف إلى قوال الصوفية بخلاف الوقف وكذلك من أحضروه من العمال والتجار والقضاة والفقهاء ممن لهم غرض في استمالة قلوبهم يحل لهم الأكل برضاهم فإن الواقف لا يقف إلا معتقدا فيه ما جرت به عادات الصوفية فينزل على العرف ولكن ليس هذا على الدوام فلا يجوز لمن ليس صوفيا أن يسكن معهم على الدوام ويأكل وإن رضوا به إذ ليس لهم تغيير شرط الواقف بمشاركة غير جنسهم وأما الفقيه إذا كان على زيهم وأخلاقهم فله النزول عليهم وكونه فقيها لا ينافي كونه صوفيا والجهل ليس بشرط في التصوف عند من يعرف التصوف ولا يلتفت إلى خرافات بعض الحمقى بقولهم إن العلم حجاب فإن الجهل هو الحجاب وقد ذكرنا تأويل هذه الكلمة في كتاب العلم وأن الحجاب هو العلم المذموم دون المحمود وذكرنا المحمود والمذموم وشرحهما وأما الفقيه إذا لم يكن على زيهم وأخلاقهم فلهم منعه من التزول عليهم فإن رضوا بنزوله فيحل له الأكل معهم بطريق التبعية فكان عدم الزي تجبره المساكنة ولكن برضا أهل الزي وهذه أمور تشهد لها العادات وفيها أمور متقابلة لا يخفى أطرافها في النفي والإثبات ومتشابه أوساطها فمن احترز في مواضع الاشتباه فقد استبرأ لدينه كما نبهنا عليه في أيواب الشبهات مسألة سئل عن الفرق بين الرشوة والهدية مع أن كل واحد منهما يصدر عن الرضا ولا يخلو عن غرض وقد حرمت إحداهما دون الأخرى فقلت باذل المال لا يبذله قط إلا لغرض ولكن الغرض إما آجل كالثواب وإما عاجل والعاجل إما مال وإما فعل وإعانة على مقصود معين وإما تقرب إلى قلب المهدي إليه بطلب محبته إما للمحبة في عينها وإما للتوصل بالمحبة إلى غرض وراءها فالأقسام الحاصلة من هذه خمسة

Bagian V02/P153–V02/P154

الأول ما غرضه الثواب في الآخرة وذلك إما أن يكون لكون المصروف إليه محتاجا أو عالما أو منتسبا بنسب ديني أو صالحا في نفسه متدينا فما علم الآخذ أنه يعطاه لحاجته لا يحل له أخذه إن لم يكن محتاجا وما علم أنه يعطاه لشرف نسبه لا يحل له أن علم أنه كاذب في دعوى النسب وما يعطى لعلمه فلا يحل له أن يأخذه إلا أن يكون في العلم كما يعتقده المعطي فإن كان خيل إليه كمالا في العلم حتى بعثه بذلك على التقرب ولم يكن كاملا لم يحل له وما يعطى لدينه وصلاحه لا يحل له أن يأخذه إن كان فاسقا في الباطن فسقا لو علمه المعطي ما أعطاه وقلما يكون الصالح بحيث لو انكشف باطنه لبقيت القلوب مائلة إليه وإنما ستر الله الجميل هو الذي يحبب الخلق إلى الخلق وكان المتورعون يوكلون في الشراء من لا يعرف أنه وكيلهم حتى لا يتسامحوا في المبيع خيفة من أن يكون ذلك أكلا بالدين فإن ذلك مخطر والتقي خفي لا كالعلم والنسب والفقر فينبغي أن يجتنب الأخذ بالدين ما أمكن القسم الثاني ما يقصد به في العاجل غرض معين كالفقير يهدي إلى الغني طعما في خلعته فهذه هبة بشرط الثواب لا يخفى حكمها وإنما تحل عند الوفاء بالثواب المطموع فيه وعند وجود شروط العقود الثالث أن يكون المراد إعانة بفعل معين كالمحتاج إلى السلطان يهدي إلى وكيل السلطان وخاصته ومن له مكانة عنده فهذه هدية بشرط ثواب يعرف بقرينة الحال فلينظر في ذلك العمل الذي هو الثواب فإن كان حراما كالسعي في تنجيز إدرار حرام أو ظلم إنسان أو غيره حرم الأخذ وإن كان واجبا كدفع ظلم متعين على كل من يقدر عليه أو شهادة متعينة فيحرم عليه ما يأخذه وهي الرشوة التي لا يشك في تحريمها وإن كان مباحا لا واجبا ولا حراما وكان فيه تعب بحيث لو عرف لجاز الاستئجار عليه فما يأخذه حلال معها وفي الغرض وهو جار مجرى الجعالة كقوله أوصل هذه القصة إلى يد فلان أو يد السلطان ولك دينار وكان بحيث يحتاج إلى تعب وعمل متقوم أو قال اقترح على فلان أن يعينني في غرض كذا أو ينعم علي بكذا وافتقر في تنجيز غرضه إلى كلام طويل فذلك جعل كما يأخذه الوكيل بالخصومة بين يدي القاضي فليس بحرام إذا كان لا يسعى في حرام وان كان مقصود يحصل بكلمة لا تعب فيها ولكن تلك الكلمة من ذي الجاه أو تلك الفعلة من ذي الجاه تفيد كقوله للبواب لا تغلق دونه باب السلطان أو كوضعه قصة بين يدي السلطان فقط فهذا حرام لأنه عوض من الجاه ولم يثبت في الشرع جواز ذلك بل ثبت ما يدل على النهي عنه كما سيأتي في هدايا الملوك وإذا كان لا يجوز العوض عن إسقاط الشفعة والرد بالعيب ودخول الأغصان في هواه الملك وجملة من الأعراض مع كونها مقصودة فكيف يؤخذ عن الجاه ويقرب من هذا أخذ الطبيب العوض على كلمة واحدة ينبه بها على دواء ينفرد بمعرفته كواحد ينفرد بالعلم بنبت يقلع البواسير أو غيره فلا يذكره إلا بعوض فإن عمله بالتلفظ غير متقوم كحبة من سمسم فلا يجوز أخذ العوض عليه ولا على علمه إذ ليس ينتقل علمه إلى غيره وإنما يحصل لغيره مثل علمه ويبقى هو عالما به ودون هذا الحاذق في الصناعة كالصيقلي مثلا الذي يزيل اعوجاج السيف أو المرآة بدقة واحدة لحسن معرفته بموضع الخلل ولحذقه بإصابته فقد يزيد بدقة واحدة مال كثير في قيمة السيف والمرآة فهذا لا أرى بأسا بأخذ الأجرة عليه لأن مثل هذه الصناعات يتعب الرجل في تعلمها ليكتسب بها ويخفف عن نفسه كثرة العمل

Bagian V02/P154–V02/P156

الرابع ما يقصد به المحبة وجلبها من قبل المهدي إليه لا لغرض معين ولكن طلبا للاستئناس وتأكيد للصحبة وتوددا إلى القلوب فذلك مقصود للعقلاء ومندوب إليه في الشرع قال صلى الله عليه وسلم تهادوا تحابوا // حديث تهادوا تحابوا أخرجه البيهقي من حديث أبي هريرة وضعفه ابن عدي وعلى الجملة فلا يقصد الإنسان في الغالب أيضا محبة غيره لعين المحبة بل لفائدة في محبته ولكن إذا لم تتعين تلك الفائدة ولم يتمثل في نفسه غرض معين يبعثه في الحال أو المآل سمي ذلك هدية وحل أخذها الخامس أن يطلب التقرب إلى قلبه وتحصيل محبته لا لمحبته ولا للأنس به من حيث إنه أنس فقط بل ليتوصل بجاهه إلى أغراض له ينحصر جنسها وإن لم ينحصر عينها وكان لولا جاهه وحشمته لكان لا يهدي إليه فإن كان جاهه لأجل علم أو نسب فالأمر فيه أخف وأخذه مكروه فإن فيه مشابهة الرشوة ولكنها هدية في ظاهرها فإن كان جاهه بولاية تولاها من قضاء أو عمل أو ولاية صدقة أو جباية مال أو غيره من الأعمال السلطانية حتى ولاية الأوقاف مثلا وكان لولا تلك الولاية لكان لا يهدي إليه فهذه رشوة عرضت في معرض الهدية إذ القصد بها في الحال طلب التقرب واكتساب المحبة ولكن الأمر ينحصر في جنسه إذ ما يمكن التوصل إليه بالآيات لا يخفى وآية أنه لا يبغي المحبة أنه لو ولى في الحال غيره لسلم المال إلى ذلك الغير فهذا مما اتفقوا على أن الكراهة فيه شديدة واختلفوا في كونه حراما والمعنى فيه متعارضا فإنه دائر بين الهدية المحصنة وبين الرشوة المبذولة في مقابلة جاه في غرض معين وإذا تعارضت المشابهة القياسية وعضدت الأخبار والآثار أحمدهما تعين الميل إليه وقد دلت الأخبار على تشديد الأمر في ذلك قال صلى الله عليه وسلم يأتي على الناس زمان يستحل فيه السحت بالهدية والقتل بالموعظة يقتل البريء لتوعظ به العامة وسئل ابن مسعود رضي الله عنه عن السحت فقال يقضي الرجل الحاجة فتهدى له الهدية ولعله أراد قضاء الحاجة بكلمة لا تعب فيها أو تبرع بها لا على قصد أجرة فلا يجوز أن يأخذ بعده شيئا في معرض العوض شفع مسروق شفاعة فأهدى إليه المشفوع له جارية فغضب وردها وقال لو علمت ما في قلبك لما تكلمت في حاجتك ولا أتكلم فيما بقي منها وسئل طاوس عن هدايا السلطان فقال سحت وأخذ عمر رضي الله عنه ربح مال القراض الذي أخذه ولداه من بيت المال وقال إنما أعطيتما لمكانكما مني إذ علم أنهما أعطيا لأجل جاه الولاية وأهدت امرأة أبي عبيدة بن الجراح إلى خاتون ملكة الروم خلوقا فكافأتها بجوهر فأخذه عمر رضي الله عنه فباعه وأعطاها ثمن خلوقها ورد باقيه إلى بيت مال المسلمين وقال جابر وأبو هريرة رضي الله عنهما هدايا الملوك غلول ولما رد عمر بن عبد العزيز الهدية قيل له كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية فقال كان ذلك له هدية وهو لنا رشوة أي كان يتقرب إليه لنبوته لا لولايته ونحن إنما نعطى للولاية وأعظم من ذلك كله ما روى أبو حميد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث واليا على صدقات الأزد فلما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسك بعض ما معه وقال هذا لكم وهذا لي هدية فقال عليه السلام ألا جلست في بيت أبيك وبيت أمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقا ثم قال مالي أستعمل الرجل منكم فيقول هذا لكم وهذا لي هدية ألا جلس في بيت أمه ليهدى له والذي نفسي بيده لا يأخذ منكم أحد شيئا بغير حقه إلا أتى الله يحمله فلا يأتين أحدكم يوم القيامة ببعير له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر ثم رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه ثم قال اللهم هل بلغت وإذا ثبتت هذه التشديدات فالقاضي والولي ينبغي أن يقدر نفسه في بيت أمه وأبيه فما كان يعطى بعد العزل وهو في بيت أمه يجوز له أن يأخذه في ولايته وما يعلم أنه إنما يعطاه لولايته فحرام أخذه وما أشكل عليه في هدايا أصدقائه أنهم هل كانوا يعطونه لو كان معزولا فهو شبهة فليجتنبه تم كتاب الحلال والحرام بحمد الله ومنه وحسن توفيقه والله أعلم

Bagian V02/P156–V02/P157

كتاب آداب الألفة والأخوة والصحبة والمعاشرة مع أصناف الخلق وهو الكتاب الخامس من ربع العادات الثاني بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي غمر صفوة عباده بلطائف التخصيص طولا وامتنانا وألف بين قلوبهم فأصبحوا بنعمته إخوانا ونزع الغل من صدورهم فظلوا في الدنيا أصدقاء وأخدانا وفي الآخرة رفقاء وخلانا والصلاة والسلام على محمد المصطفى وعلى آله وأصحابه الذين اتبعوه واقتدوا به قولا وفعلا وعدلا وإحسانا أما بعد فإن التحاب في الله تعالى والأخوة في دينه من أفضل القربات وألطف ما يستفاد من الطاعات في مجاري العادات ولها شروط بها يلتحق المتصاحبون بالمتحابين في الله تعالى وفيها حقوق بمراعاتها تصفو الأخوة عن شوائب الكدورات ونزغات الشيطان فبالقيام بحقوقها يتقرب إلى الله زلفى وبالمحافظة عليها تنال الدرجات العلى ونحن نبين مقاصد هذا الكتاب في ثلاثة أبواب الباب الأول في فضيلة الألفة والأخوة في الله تعالى وشروطها ودرجاتها وفوائدها الباب الثاني في حقوق الصحبة وآدابها وحقيقتها ولوازمها الباب الثالث في حق المسلم والرحم والجوار والملك وكيفية المعاشرة مع من قد بلي بهذه الأسباب الباب الأول في فضيلة الألفة والأخوة وفي شروطها ودرجاتها وفوائدها فضيلة الألفة والأخوة اعلم أن الألفة ثمرة حسن الخلق والتفرق ثمرة سوء الخلق فحسن الخلق يوجب التحاب والتآلف والتوافق وسوء الخلق يثمر التباغض والتحاسد والتدابر ومهما كان المثمر محمودا كانت الثمرة محمودة وحسن الخلق لا تخفى في الدين فضيلته وهو الذي مدح الله سبحانه به نبيه عليه السلام إذ قال {وإنك لعلى خلق عظيم} وقال النبي صلى الله عليه وسلم أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق وقال أسامة بن شريك قلنا يا رسول الله ما خير ما أعطى الإنسان فقال خلق حسن وقال صلى الله عليه وسلم بعثت لأتمم محاسن الأخلاق وقال صلى الله عليه وسلم أثقل ما يوضع في الميزان خلق حسن وقال صلى الله عليه وسلم ما حسن الله خلق امريء وخلقه فيطعمه النار وقال صلى الله عليه وسلم يا أبا هريرة عليك بحسن الخلق قال أبو هريرة رضي الله عنه وما حسن الخلق يا رسول الله قال تصل من قطعك وتعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك ولا يخفى أن ثمرة الخلق الحسن الألفة وانقطاع الوحشة ومهما طاب المثمر طابت الثمرة وكيف وقد ورد في الثناء على نفس الألفة سيما إذا كانت الرابطة هي التقوى والدين وحب الله من الآيات والأخبار والآثار ما فيه كفاية ومقنع قال الله تعالى مظهرا عظيم منته على الخلق بنعمة الألفة {لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم} وقال {فأصبحتم بنعمته إخوانا} أي بالألفة ثم ذم التفرقة وزجر عنها فقال عز من قائل واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا إلى لعلكم تهتدون وقال صلى الله عليه وسلم إن أقربكم مني مجلسا أحاسنكم أخلاقا الموطئون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون

Bagian V02/P157–V02/P158

وقال صلى الله عليه وسلم المؤمن آلف مألوف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف حديث والمؤمن آلف مألوف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف رواه أحمد والطبراني من حديث سهل بن سعد والحاكم من حديث أبي هريرة وصححه حديث من أراد الله به خيرا رزقه أخا صالحا إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه غريب بهذا اللفظ والمعروف أن ذلك في الأمير ورواه أبو داود من حديث عائشة إذا أراد الله بالأمير خيرا جعل له وزير صدق إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه الحديث ضعفه ابن عدي ولأبي عبد الرحمن السلمى في آداب الصحبة من حديث على من سعادة المرء أن يكون إخوانه صالحين حديث مثل الأخوين إذا التقيا مثل اليدين تغسل إحدهما الأخرى الحديث رواه السلمى في آداب الصحبة وأبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث انس وفيه احمد بن محمد بن غالب الباهلي كذاب وهو من قول سلمان الفارسي في الأول من الحزبيات حديث من آخى أخا في الله عز وجل رفعه الله درجة في الجنة لا ينالها بشيء من عمله أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الإخوان من حديث أنس ما أحدث عبد أخا في الله إلا أحدث الله له درجة في الجنة وإسناده ضعيف حديث قال أبو إدريس الخولاني لمعاذ إني أحبك في الله فقال أبشر ثم أبشر فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول تنصب لطائفة من الناس كراسي حول العرش يوم القيامة الحديث أخرجه أحمد والحاكم في حديث طويل أن أبا إدريس قال قلت والله إني لأحبك في الله قال فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أن المتحابين بجلال الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين وهو عند الترمذي من رواية أبي مسلم الخولاني عن معاذ بلفظ المتحابون في جلالى لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء قال حديث حسن صحيح ولأحمد من حديث أبي مالك ألاشعري أن لله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء على منازلهم وقربهم من الله الحديث {وفيه} تحابوا في الله وتصافوا به يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور فتجعل وجوههم نورا وثيابهم نورا يفزع الناس يوم القيامة ولا يفزعون وهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وفيه شهر بن حوشب مختلف فيه // ورواه أبو هريرة رضي الله عنه وقال فيه إن حول العرش منابر من نور عليها قوم لباسهم نور ووجوههم نورا ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم النبيون والشهداء فقالوا يا رسول الله صفهم لنا فقال هم المتحابون في الله والمتجالسون في الله والمتزاورون في الله وقال صلى الله عليه وسلم ما تحاب اثنان في الله إلا كان أحبهما إلى الله أشدهما حبا لصاحبه ويقال إن الأخوين في الله إذا كان أحدهما أعلى مقاما من الآخر رفع الآخر معه إلى مقامه وإنه يلتحق به كما تلتحق الذرية بالأبوين والأهل بعضهم ببعض لأن الأخوة إذا اكتسبت في الله لم تكن دون أخوة الولادة قال عز وجل ألحقنا بهم ذرياتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء وقال صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى يقول حقت محبتي للذين يتزاورون من أجلي وحقت محبتي للذين يتحابون من أجلي وحقت محبتي للذين يتباذلون من أجلي وحقت محبتي للذين يتناصرون من أجلي وقال صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى يقول يوم القيامة أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي وقال صلى الله عليه وسلم سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل وشاب نشأ في عبادة الله ورجل قلبه متعلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ورجل دعته امرأة ذات حسب وجمال فقال إني أخاف الله تعالى ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه

Bagian V02/P158–V02/P159

وقال صلى الله عليه وسلم ما زار رجل رجلا في الله شوقا إليه ورغبة في لقائه إلا ناداه ملك من خلقه طبت وطاب ممشاك وطابت لك الجنة وقال صلى الله عليه وسلم إن رجلا زار أخا له في الله فأرصد الله له ملكا فقال أين تريد قال أريد أن أزور أخي فلانا فقال لحاجة لك عنده قال لا قال لقرابة بينك وبينه قال لا قال فبنعمة له عندك قال لا قال فبم قال أحبه في الله قال فإن الله أرسلني إليك يخبرك بأنه يحبك لحبك إياه وقد أوجب لك الجنة وقال صلى الله عليه وسلم أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله فلهذا يجب أن يكون للرجل أعداء يبغضهم في الله كما يكون له أصدقاء وإخوان يحبهم في الله ويروى أن الله تعالى أوحى إلى نبي من الأنبياء أما زهدك في الدنيا فقد تعجلت الراحة وأما انقطاعك إلي فقد تعززت بي ولكن هل عاديت في عدوا أو هل واليت في وليا وقال صلى الله عليه وسلم اللهم لا تجعل لفاجر علي منة فترزقه مني محبة ويروى أن الله تعالى أوحى إلى عيسى عليه السلام لو أنك عبدتني بعبادة أهل السموات والأرض وحب في الله ليس وبغض في الله ليس ما أغنى عنك ذلك شيئا وقال عيسى عليه السلام تحببوا إلى الله ببغض أهل المعاصي وتقربوا إلى الله بالتباعد منهم والتمسوا رضا الله بسخطهم قالوا يا روح الله فمن نجالس قال جالسوا من تذكركم الله رؤيته ومن يزيد في عملكم كلامه ومن يرعبكم في الآخرة عمله وروي في الأخبار السالفة إن الله عز وجل أوحى إلى موسى عليه السلام يا ابن عمران كن يقظانا وارتد لنفسك إخوانا وكل خدن وصاحب لا يوازرك على مسرتي فهو لك عدو وأوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام فقال يا داود مالي أراك منتبذا وحيدا قال إلهي قليت الخلق من أجلك فقال يا داود كن يقظانا وارتد لنفسك أخدانا وكل خدن لا يوافقك على مسرتي فلا تصاحبه فإنه لك عدو يقسي قلبك ويباعدك مني وفي أخبار داود عليه السلام أنه قال يا رب كيف لي أن يحبني الناس كلهم وأسلم فيما بيني وبينك قال خالق الناس بأخلاقهم وأحسن فيما بيني وبينك وفي بعضها خالق أهل الدنيا بأخلاق الدنيا وخالق أهل الآخرة بأخلاق الآخرة وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن أحبكم إلى الله الذين يألفون ويؤلفون وإن أبغضكم إلى الله المشاءون بالنميمة المفرقون بين الإخوان وقال صلى الله عليه وسلم إن الله ملكا نصفه من النار ونصفه من الثلج يقول اللهم كما ألفت بين الثلج والنار كذلك ألف بين قلوب عبادك الصالحين وقال أيضا ما أحدث عبد أخا في الله إلا أحدث له درجة في الجنة وقال صلى الله عليه وسلم المتحابون في الله على عمود من ياقوتة حمراء في رأس العمود سبعون ألف غرفة يشرفون على أهل الجنة يضيء حسنهم لأهل الجنة كما تضيء الشمس لأهل الدنيا فيقول أهل الجنة انطلقوا بنا ننظر إلى المتحابين في الله فيضيء حسنهم لأهل الجنة كما تضيء الشمس عليهم ثياب سندس خضر مكتوب على جباههم المتحابون في الله الآثار قال علي رضي الله عنه عليكم بالإخوان فإنهم عدة في الدنيا والآخرة ألا تسمع إلى قول أهل النار فمالنا من شافعين ولا صديق حميم وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما والله لو صمت النهار لا أفطره وقمت الليل لا أنامه وأنفقت مالي غلقا غلقا في سبيل الله أموت يوم أموت وليس في قلبي حب لأهل طاعة الله وبغض لأهل معصية الله ما نفعني ذلك شيئا وقال ابن السماك عند موته اللهم إنك تعلم أني إذا كنت أعصيك كنت أحب من يطيعك فاجعل ذلك قربة لي إليك وقال الحسن على ضده يا ابن آدم لا يغرنك قول من يقول المرء مع من أحب فإنك لن تلحق الأبرار إلا بأعمالهم فإن اليهود والنصارى يحبون أنبياءهم وليسوا معهم

Bagian V02/P159–V02/P160

وهذه إشارة إلى أن مجرد ذلك من غير موافقة في بعض الأعمال أو كلها لا ينفع وقال الفضيل في بعض كلامه هاه تريد أن تسكن الفردوس وتجاور الرحمن في داره مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين بأي عمل عملته بأي شهوة تركتها بأي غيظ كظمته بأي رحم قاطع وصلتها بأي زلة لأخيك غفرتها بأي قريب باعدته في الله بأي بعيد قاربته في الله ويروى أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام هل عملت لي عملا قط فقال إلهي إني صليت لك وصمت وتصدقت وزكيت فقال إن الصلاة لك برهان والصوم جنة والصدقة ظل والزكاة نور فأي عمل عملت لي قال يا موسى إلهي دلني على عمل هو لك قال موسى هل واليت لي وليا قط وهل عاديت في عدوا قط فعلم موسى أن أفضل الأعمال الحب في الله والبغض في الله وقال ابن مسعود رضي الله عنه لو أن رجلا قام بين الركن والمقام يبعد الله سبعين سنة لبعثه الله يوم القيامة مع من يحب وقال الحسن رضي الله عنه مصارمة الفاسق قربان إلى الله وقال رجل لمحمد بن واسع إني لأحبك في الله فقال أحبك ما الذي أحببتني له ثم حول وجهه وقال اللهم أني أعوذ بك أن أحب فيك وأنت لي مبغض ودخل رجل على داود الطائي فقال له ما حاجتك فقال زيارتك فقال أما أنت فقد عملت خيرا حين زرت ولكن انظر ماذا ينزل بي أنا إذا قيل لي من أنت فتزار أمن الزهاد أنت لا والله أمن العباد أنت لا والله أمن الصالحين أنت لا والله ثم أقبل يوبخ نفسه ويقول كنت في الشبيبة فاسقا فلما شخت صرت مرائيا والله للمرائي شر من الفاسق وقال عمر رضي الله عنه إذا أصاب أحدكم ودا من أخيه فليتمسك به فقلما يصيب ذلك وقال مجاهد المتحابون في الله إذا التقوا فكشر بعضهم إلى بعض تتحات عنهم الخطايا كما يتحات ورق الشجر في الشتاء إذا يبس وقال الفضيل نظر الرجل إلى وجه أخيه على المودة والرحمة عبادة بيان معنى الأخوة في الله وتمييزها من الأخوة في الدنيا اعلم أن الحب في الله والبغض في الله غامض وينكشف الغطاء عنه نما نذكره وهو أن الصحبة تنقسم إلى ما يقع بالاتفاق كالصحبة بسبب الجوار أو بسبب الاجتماع في المكتب أو في المدرسة أو في السوق أو على باب السلطان أو في الأسفار وإلى ما ينشأ اختيارا ويقصد وهو الذي نريد بيانه إذ الأخوة في الدين واقعة في هذا القسم لا محالة إذ لا ثواب إلا على الأفعال الاختيارية ولا ترغيب إلا فيها والصحبة عبارة عن المجالسة والمجاورة وهذه الأمور لا يقصد الإنسان بها غيره إلا إذا أحبه فإن غير المحبوب يجتنب ويباعد ولا تقصد مخالطته والذي يحب فإما أن يحب لذاته لا ليتوصل به إلى محبوب ومقصود وراءه وإما أن يحب للتوصل به إلى مقصود وذلك المقصود إما أن يكون مقصورا على الدنيا وحظوظها وإما أن يكون متعلقا بالآخرة وإما أن يكون متعلقا بالله تعالى فهذه أربعة أقسام أما القسم الأول وهو حبك الإنسان لذاته فذلك ممكن وهو أن يكون في ذاته محبوبا عندك على معنى أنك تلتذ برؤيته ومعرفته ومشاهدة أخلاقه لاستحسانك له فإن كل جميل لذيذ في حق من أدرك جماله وكل لذيذ محبوب

Bagian V02/P160–V02/P161

واللذة تتبع الاستحسان والاستحسان يتبع المناسبة والملاءمة والموافقة بين الطباع ثم ذلك المستحسن إما أن يكون هو الصورة الظاهرة أعني حسن الخلقة وإما أن يكون هو الصورة الباطنة أعني كمال العقل وحسن الأخلاق ويتبع حسن الأخلاق حسن الأفعال لا محالة ويتبع كمال العقل غزارة العلم وكل ذلك مستحسن عند الطبع السليم والعقل المستقيم وكل مستحسن فمستلذ به ومحبوب بل في ائتلاف القلوب أمر أغمض من هذا فإنه قد تستحكم المودة بين شخصين من غير ملاحة في صورة ولا حسن في خلق وخلق ولكن لمناسبة توجب الألفة والموافقة فإن شبه الشيء ينجذب إليه بالطبع والأشياء الباطنة خفية ولها أسباب دقيقة ليس في قوة البشر الاطلاع عليها عبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك حيث قال الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف فالتناكر نتيجة التباين والائتلاف نتيجة التناسب الذي عبر عنه بالتعارف وفي بعض الألفاظ الأرواح جنود مجندة تلتقي فتتشام في الهواء وقد كنى بعض العلماء عن هذا بأن قال أن الله تعالى خلق الأرواح ففلق بعضها فلقا وأطافها حول العرش فأي روحين من فلقتين تعارفا هناك فالتقيا تواصلا في الدنيا وقال صلى الله عليه وسلم إن أرواح المؤمنين ليلتقيان على مسيرة يوم وما رأى أحدهما صاحبه قط وروي أن امرأة بمكة كانت تضحك أحياء علوم الدين تم تدقيق من قبل لبنى حسونه النساء وكانت بالمدينة أخرى فنزلت المكية على المدنية فدخلت على عائشة رضي الله عنها فأضحكتها فقالت أين نزلت فذكرت لها صاحبتها فقالت صدق الله ورسوله سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الأرواح جنود مجندة الحديث والحق في هذا أن المشاهدة والتجربة تشهد للائتلاف عند التناسب والتناسب في الطباع والأخلاق باطنا وظاهر أمر مفهوم وأما الأسباب التي أوجبت تلك المناسبة فليس في قوة البشر الاطلاع عليها وغاية هذيان المنجم أن يقول إذا كان طالعه على تسديس طالع غيره أو تثليلثه فهذا نظر الموافقة والمودة فتقضي التناسب والتواد وإذا كان على مقابلته أو تربيعه اقتضى التباغض والعداوة فهذا لو صدق بكونه كذلك في مجاري سنة الله في خلق السموات والأرض لكن الإشكال فيه أكثر من الإشكال في أصل التناسب فلا معنى للخوض فيما لم يكشف سره للبشر فما أوتينا من العلم إلا قليلا ويكفينا في التصديق بذلك التجربة والمشاهدة فقد ورد الخبر به قال صلى الله عليه وسلم لو أن مؤمنا دخل إلى مجلس فيه مائة منافق واحد لجاء حتى يجلس إليه ولو أم منافقا دخل إلى مجلس فيه مائة ومؤمن ومنافق واحد لجاه حتى يجلس إليه وهذا يدل على أن شبه الشيء منجذب إليه بالطبع وإن كان هو لا يشعر به وكان مالك بن دينار يقول لا يتفق اثنان في عشرة إلا وفي أحدهما وصف من الآخر وإن أجناس الناس كأجناس الطير ولا يتفق نوعان من الطير في الطيران إلا وبينهما مناسبة قال فرأى يوما غرابا مع حمامة فعجب من ذلك فقال اتفقا وليسا من شكل واحد ثم طارا فإذا هما أعرجان فقال من ههنا اتفقا ولذلك قال بعض الحكماء كل إنسان يأنس إلى شكله كما أن كل طير يطير مع جنسه وإذا اصطحب اثنان برهة من زمان ولم يتشاكلا في الحال فلا بد أن يتفرقا وهذا معنى خفي تفطن له الشعراء حتى قال قائلهم وقائل كيف تفارقتما ... فقلت قولا فيه إنصاف لم يك من شكلي ففارقته ... والناس أشكال وألاف فقد ظهر من هذا أن الإنسان قد يحب لذاته لا لفائدة تنال منه في حال أو مآل بل لمجرد المجانسة والمناسبة في الطباع الباطنة والأخلاق الخفية

Bagian V02/P161–V02/P162

ويدخل في هذا القسم الحب للجمال إذا لم يكن المقصود قضاء الشهوة فإن الصور الجميلة مستلذة في عينها وإن قدر فقد أصل الشهوة حتى يستلذ النظر إلى الفواكه والأنوار والأزهار والتفاح المشرب بالحمرة وإلى الماء الجاري والخضرة من غير غرض سوى عينها وهذا الحب لا يدخل فيه الحب لله بل هو حب بالطبع وشهوة النفس ويتصور ذلك ممن لا يؤمن بالله إلا أنه إن اتصل به غرض مذموم صار مذموم كحب الصورة الجميلة لقضاء الشهوة حيث لا يحل قضاؤها وإن لم يتصل به غرض مذموم فهو مباح لا يوصف بحمد ولا ذم إذا الحب إما محمود وإما مذموم وإما مباح لا يحمد ولا يذم القسم الثاني أن يحبه لينال من ذاته غير ذاته فيكون وسيلة إلى محبوب غيره والوسيلة إلى المحبوب محبوب وما يجب لغيره كان ذلك الغير هو المحبوب بالحقيقة ولكن الطريق إلى المحبوب محبوب ولذلك أحب الناس الذهب والفضة ولا غرض فيهما إذ لا يطعم ولا يلبس ولكنهما وسيلة إلى المحبوبات فمن الناس من يحب كما يحب الذهب والفضة من حيث إنه وسيلة إلى المقصود إذ يتوصل به إلى نيل جاه أو مال أو علم كما يحب الرجل سلطانا لانتفاعه بماله أو جاهه ويحب خواصه لتحسينهم حاله عنده وتمهيدهم أمره في قلبه فالمتوسل إليه إن كان مقصور الفائدة على الدنيا لم يكن حبه من جملة الحب في الله وإن لم يكن مقصور الفائدة على الدنيا ولكنه ليس يقصد به إلا الدنيا كحب التلميذ لأستاذه فهو أيضا خارج عن الحب لله فإنه إنما يحبه ليحصل منه العلم لنفسه فمحبوبه العلم فإذا كان لا يقصد العلم للتقرب إلى الله بل لينال به الجاه والمال والقبول عند الخلق فمحبوبه الجاه والقبول والعلم وسيلة إليه والأستاذ وسيلة إلى العلم فليس في شيء من ذلك حب لله إذ لا يتصور كل ذلك ممن لا يؤمن بالله تعالى أصلا ثم ينقسم هذا أيضا إلى مذموم ومباح فإن كان يقصد به التوصل إلى مقاصد مذمومة من قهر الأقران وحيازة أموال اليتامى وظلم الرعاة بولاية القضاء أو غيره كان كالحب مذموما وإن كان يقصد به التوصل إلى مباح وإنما تكتسب الوسيلة الحكم والصفة من المقصد المتوصل إليه فإنها تابعة له غير قائمة بنفسها القسم الثالث أن يحبه لا لذاته بل لغيره وذلك الغير ليس راجعا إلى حظوظه في الدنيا بل يرجع إلى حظوظه في الآخرة فهذا أيضا ظاهر لا غموض فيه وذلك كمن يحب أستاذه وشيخه لأنه يتوصل به إلى تحصيل العلم وتحسين العمل ومقصوده من العلم والعمل الفوز في الآخرة فهذا من جملة المحبين في الله وكذلك من يحب تلميذه لأنه يتلقف منه العلم وينال بواسطته رتبة التعليم ويرقى به إلى درجة التعظيم في ملكوت السماء إذ قال عيسى صلى الله عليه وسلم من علم وعمل وعلم فذلك يدعى عظيما في ملكوت السماء ولا يتم التعلم إلا بمتعلم فهو إذن آلة في تحصيل هذا الكمال فإن أحبه لأنه آلة له إذ جعل صدره مزرعة لحرثه الذي هو سبب ترقية إلى رتبة التعظيم في ملكوت السماء فهو محب في الله بل الذي يتصدق بأمواله لله ويجمع الضيفان ويهي لهم الأطعمة اللذيذة الغريبة تقربا إلى الله فأجد طباخا لحسن صنعته في الطبخ فهو من جملة المحبين في الله وكذا لو أحب من يتولى له إيصال الصدقة إلى المستحقين فقد أحبه في الله بل تزيد على هذا ونقول إذا أحب من يخدمه بنفسه في غسل ثيابه وكنس بيته وطبخ طعامه ويفرغه بذلك للعلم أو العمل ومقصوده من استخدامه في هذه الأعمال الفراغ للعبادة فهو محب في الله بل نزيد عليه ونقول إذا أحب من ينفق عليه من ماله ويواسيه بكسوته وطعامه ومسكنه وجميع أغراضه التي يقصدها في دنياه ومقصوده من جملة ذلك الفراغ للعلم والعمل المقرب إلى الله فهو محب في الله

Bagian V02/P162–V02/P163

فقد كان جماعة من السلف تكفل بكفايتهم جماعة من أولي الثروة وكان المواسي والمواسى جميعا من المتحابين في الله بل نزيد عليه ونقول من نكح امرأة صالحة ليتحصن بها عن وسواس الشيطان يصون بها دينه أو ليولد منها له ولد صالح يدعو له وأحب زوجته لأنها آلة إلى هذه المقاصد الدينية فهو محب في الله ولذلك وردت الأخبار بوفور الأجر والثواب على الإنفاق على العيال حتى اللقمة يضعها الرجل في في امرأته بل نقول كل من استهتر بحب الله وحب رضاه وحب لقائه في الدار الآخرة فإذا أحب غيره كان محبا في الله لأنه لا يتصور أن يحب شيئا إلا لمناسبته لما هو محبوب عنده وهو رضا الله عز وجل بل أزيد على هذا وأقول إذا اجتمع في قبله محبتان محبة الله ومحبة الدنيا واجتمع في شخص واحد لمعنيان جميعا حتى صلح لأن يت وسل به إلى الله وإلى الدنيا فإذا أحبه لصلاحه للأمرين فهو من المحيين في الله كمن يحب أستاذه الذي يعلمه الدين ويكفيه مهمات الدنيا بالمواساة في المال فأحبه من حيث إن في طبعه طلب الراحة في الدنيا والسعادة في الآخرة فهو وسيلة إليهما فهو محب في الله وليس من شرط حب الله أن لا يحب في العاجل حظا البتة إذ الدعاء الذي أمر به الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه فيه جمع بين الدنيا والآخرة ومن ذلك قولهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقال عيسى عليه السلام في دعائه اللهم لا تشمت بي عدوي ولا تسؤ بي صديقي ولا تجعل مصيبتي لديني ولا تجعل الدنيا أكبر همي فدفع شماتة الأعداء من حظوظ الدنيا ولم يقل ولا تجعل الدنيا أصلا من همي بل قال لا تجعلها أكبر همي وقال نبينا صلى الله عليه وسلم في دعائه اللهم إني أسألك رحمة أنال بها شرف كرامتك في الدنيا والآخرة وقال اللهم عافني من بلاء الدنيا وبلاء الآخرة وعلى الجملة فإذا لم يكن حب السعادة في الآخرة مناقضا لحب الله تعالى فحب السلامة والصحة والكفاية والكرامة في الدنيا كيف يكون مناقضا لحب الله والدنيا والآخرة عبارة عن حالتين إحداهما أقرب من الأخرى فكيف يتصور أن يحب الإنسان حظوظ نفسه غدا ولا يحبها اليوم وإنما يحبها غدا لأن الغد سيصير حالا راهنة فالحالة الراهنة لا بد إلا أن تكون مطلوبة أيضا إلا أن الحظوظ العاجلة منقسمة إلى ما يضاد حظوظ الآخرة ويمنع منها وهي التي احترز عنها الأنبياء والأولياء وأمروا بالاحتراز عنها وإلى ما لا يضاد وهي التي لم يمتنعوا منها كالنكاح الصحيح وأكل الحلال وغير ذلك فما يضاد حظوظ الآخرة فحق العاقل أن يكرهه ولا يحبه أعني أن يكرهه بعقله لا بطبعه كما يكره التناول من طعام لذيذ لملك من الملوك يعلم أنه لو أقدم عليه لقطعت يده أو حزت رقبته لا بمعنى أن الطعام اللذيذ يصير بحيث لا يشتهيه بطبعه ولا يستلذه لو أكله فإن ذلك محال ولكن على معنى أنه يزجره عقله عن الإقدام عليه وتحصل فيه كراهة الضرر المتعلق به والمقصود من هذا أنه لو أحب أستاذه لأنه يواسيه ويعلمه أو تلميذه لأنه يتعلم منه ويخدمه وأحدهما حظ عاجل والآخر آجل لكان في زمرة المتحابين في الله ولكن بشرط واحد وهو أن يكون بحيث لو منعه العلم مثلا أو تعذر عليه تحصيله منه لنقص حبه بسببه فالقدر الذي ينقص بسبب فقده هو لله تعالى وله على ذلك القدر ثواب الحب في الله وليس بمستنكر أن يشتد حبك لإنسان لجملة أغراض ترتبط لك به فإن امتنع بعضها نقص حبك وإن زاد زاد الحب فليس حبك الذهب كحبك للفضة إذا تساوى مقدارهما لأن الذهب يوصل إلى أغراض هي أكثر مما توصل إليه الفضة فإذن يزيد الحب بزيادة الغرض ولا يستحيل اجتماع الأغراض الدنيوية والأخروية فهو داخل في جملة الحب لله

Bagian V02/P163–V02/P164

وحده هو أن كل حب لولا الإيمان بالله واليوم الآخر لم يتصور وجوده فهو حب في الله وكذلك كل زيادة في الحب لولا الإيمان بالله لم تكن تلك الزيادة فتلك الزيادة من الحب في الله فذلك وإن دق فهو عزيز قال الجريري تعامل الناس في القرن الأول بالدين حتى رق الدين وتعاملوا في القرن الثاني بالوفاء حتى ذهب الوفاء وفي الثالث بالمروءة حتى ذهبت المروءة ولم يبق إلا الرهبة والرغبة القسم الرابع أن يحب لله وفي الله لا لينال منه علما أو عملا أو يتوسل به إلى أمر وراء ذاته وهذا أعلى الدرجات وهو أدقها وأغمضها وهذا القسم أيضا ممكن فإن من آثار غلبة الحب أن يتعدى من المحبوب إلى كل من يتعلق بالمحبوب ويناسبه ولو من بعد فمن أحب إنسانا حبا شديدا أحب محب ذلك الإنسان وأحب محبوبه وأحب من يخدم من يخدمه وأحب من يثني عليه محبوبه وأحب من يتسارع إلى رضا محبوبه حتى قال بقية بن الوليد إن المؤمن إذا أحب المؤمن أحب كلبه وهو كما قال ويشهد له التجربة في أحوال العشاق ويدل عليه أشعار الشعراء ولذلك يحفظ ثوب المحبوب ويخفيه تذكرة من جهته ويحب منزله ومحلته وجيرانه حتى قال مجنون بني عامر أمر على الديار ديار للى ... أقبل ذا الجدار وذا الجدارا وما حب الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا فإذن المشاهدة والتجربة تدل على أن الحب يتعدى من ذات المحبوب إلى ما يحيط به ويتعلق بأسبابه ويناسبه ولو من بعد ولكن ذلك من خاصية فرط المحبة فأصل المحبة لا يكفي فيه ويكون اتساع الحب في تعديه من المحبوب إلى ما يكتنفه ويحيط به ويتعلق بأسبابه بحسب إفراط المحبة وقوتها وكذلك حب الله سبحانه وتعالى إذا قوي وغلب على القلب واستولى عليه حتى انتهى إلى حد الاستهتار فيتعدى إلى كل موجود سواه فإن كل موجود سواه أثر من آثار قدرته ومن أحب إنسانا أحب صنعته وخطه وجميع أفعاله ولذلك كان صلى الله عليه وسلم إذا حمل إليه باكورة من الفواكه مسح بها عينيه وأكرمها وقال إنه قريب العهد بربنا وحب الله تعالى تارة يكون لصدق الرجاء في مواعيده وما يتوقع في الآخرة من نعيمه وتارة لما سلف من أياديه وصنوف نعمته وتارة لذاته لا لأمر آخر وهو أدق ضرب المحبة وأعلاها وسيأتي تحقيقها في كتاب المحبة من ربع المنجيات إن شاء الله تعالى وكيفما اتفق حب الله فإذا قوي تعدى إلى كل متعلق به ضربا من التعلق حتى يتعدى إلى ما هو في نفسه مؤلم مكروه ولكن فرط الحب يضعف الإحساس بالألم والفرح بفعل المحبوب وقصده إياه بالإيلام يغمر إدراك الألم وذلك كالفرح بضربة من المحبوب أو قرصة فيها نوع معاتبة فإن قوة المحبة تثير فرحا يغمر إدراك الألم فيه وقد انتهت محبة الله بقوم إلى أن قالوا لا نفرق بين البلاء والنعمة فإن الكل من الله ولا نفرح إلا بما فيه رضاه حتى قال بعضهم لا أريد أن أنال مغفرة الله بمعصية الله وقال سمنون وليس لي في سواك حظ ... فكيفما شئت فاختبرني وسيأتي تحقيق ذلك في كتاب المحبة والمقصود أن أحب الله إذ قوي أثمر حب كل من يقوم بحق عبادة الله في علم أو عمل وأثمر حب كل من فيه صفة مرضية عند الله من خلق حسن أو تأدب بآداب الشرع

Bagian V02/P164–V02/P165

وما من محب للآخرة ومحب لله إلا إذا أخبر عن حال رجلين أحدهما عالم عابد والآخرة جاهل فاسق إلا وجد في نفسه ميلا إلى العالم العابد ثم يضعف ذلك الميل ويقوى بحسب ضعف إيمانه وقوته وبحسب ضعف حبه لله وقوته وهذا الميل حاصل وإن كانا غائبين عنه بحيث يعلم إنه لا يصيبه منهما خير ولا شر في الدنيا ولا في الآخرة فذلك الميل هو حب في الله ولله من غير حظ فإنه إنما يحبه لأن الله يحبه ولأنه مرضي عند الله تعالى ولأنه يحب الله تعالى ولأنه مشغول بعبادة الله تعالى إلا أنه إذا ضعف لم يظهر أثر ولا يظهر به ثواب ولا أجر فإذا قوي حمل على الموالاة والنصرة والذب بالنفس والمال واللسان وتتفاوت الناس فيه بحسب تفاوتهم في حب الله عز وجل ولو كان الحب مقصورا على حظ ينال من المحبوب في الحال أو المآل لما تصور حب الموتى من العلماء والعباد ومن الصحابة والتابعين بل من الأنبياء المنقرضين صلوات الله عليهم وسلامه وحب جميعهم مكنون في قلب كل مسلم متدين ويتبين ذلك بغضبه عند طعن أعدائهم في واحد منهم ويفرحه عند الثناء عليهم وذكر محاسنهم وكل ذلك حب لله لأنهم خواص عباد الله ومن أحب ملكا أو شخصا جميلا أحب خواصه وخدمه وأحب من أحبه إلا أنه يمتحن الحب بالمقابلة بحظوظ النفس وقد يغلب بحيث لا يبقى لنفس حظ إلا فيما هو حظ المحبوب وعنه عبر قول من قال أريد وصاله ويريد هجري ... فأترك ما أريد لما يريد وقول من قال وما لجرح إذا أرضاكم ألم وقد يكون الحب بحيث يترك به بعض الحظوظ دون بعض كمن تسمح نفسه بأن يشاطر محبوبه في نصف ماله أو في ثلثه أو في عشره فمقادير الأموال موازين المحبة إذ لا تعرف درجة المحبوب إلا بمحبوب يترك في مقابلته فمن استغرق الحب جميع قلبه لم يبق له محبوب سواه فلا يمسك لنفسه شيئا مثل أبي بكر الصديق رضي الله عنه فإنه لم يترك لنفسه أهلا ولا مالا فسلم ابنته التي هي قرة عينه وبذل جميع ماله قال ابن عمر رضي الله عنهما بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وعنده أبو بكر وعليه عباءة قد خللها على صدره بخلال إذ نزل جبريل عليه السلام فأقرأه عن الله السلام وقال له يا رسول الله مالي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خللها على صدره بخلال فقال أنفق ماله علي قبل الفتح قال فأقره من الله السلام وقل له يقول لك ربك أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط قال فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر وقال يا أبا بكر هذا جبريل يقرئك السلام من الله ويقول أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط قال فبكى أبو بكر رضي الله عنه وقال أعلى ربي أسخط أنا عن ربي راض فحصل من هذا أن كل من أحب عالما أو عابدا أو أحب شخصا راغبا في علم أو في خير فإنما أحبه في الله ولله وله فيه من الأجر والثواب بقدر قوة حبه فهذا شرح الحب في الله ودرجاته وبهذا يتضح البغض في الله أيضا ولكن نزيده بيانا بيان البغض في الله

Bagian V02/P165–V02/P166

اعلم أن كل من يحب في الله لا بد أن يبغض في الله فإنك إن أحببت إنسانا لأنه مطيع لله ومحبوب عند الله فإن عصاه فلا بد أن تبغضه لأنه عاص لله وممقوت عند الله ومن أحب بسبب فبالضرورة يبغض لضده وهذان متلازمان لا ينفصل أحدهما عن الآخر وهو مطرد في الحب والبغض في العادات ولكن كل واحد من الحب والبغض داء دفين في القلب وإنما يترشح عند الغلبة ويترشح بظهور أفعال المحبين والمبغضين في المقاربة والمباعدة وفي المخالفة والموافقة فإذا ظهر في الفعل سمي موالاة ومعاداة ولذلك قال الله تعالى هل واليت في وليا وهل عاديت في عدوا كما نقلناه وهذا واضح في حق من لم يظهر لك إلا طاعاته تقدر على أن تحبه أو لم يظهر لك إلا فسقه وفجوره وأخلاقه المسيئة فتقدر على أن تبغضه وإنما المشكل إذا اختلطت الطاعات بالمعاصي فإنك تقول كيف أجمع بين البغض والمحبة وهما متناقضان وكذلك تتناقض ثمرتهما من الموافقة والمخالفة والموالاة والمعاداة وأقول ذلك غير متناقض في حق الله تعالى كما لا يتناقض في الحظوظ البشرية فإنه مهما اجتمع في شخص واحد خصال يحب بعضها ويكره بعضها فإنك تحبه من وجه وتبغضه من وجه فمن زوجة حسناء فاجرة أو ولد ذكي خدوم ولكنه فاسق فإنه يحبه من وجه ويبغضه من وجه ويكون معه على حالة بين حالتين إذ لو فرض له ثلاثة أولاد أحدهم ذكي بار والآخر بليد عاق والآخر بليد بار أو ذكي عاق فإنه يصادف نفسه معهم على ثلاثة أحوال متفاوتة بحسب تفاوت خصالهم فكذلك ينبغي أن تكون حالك بالإضافة إلى من غلب عليه الفجور ومن غلبت عليه الطاعة ومن اجتمع فيه كلاهما متفاوتة على ثلاث مراتب وذلك بأن تعطى كل صفة حظها من البغض والحب والإعراض والإقبال والصحبة والقطيعة وسائر الأفعال الصادرة منه فإن قلت كل مسلم فإسلامه طاعة منه فكيف أبغضه مع الإسلام فأقول تحبه لإسلامه وتبغضه لمعصيته وتكون معه على حالة لو قستها بحال كافر أو فاجر أدركت تفرقة بينهما وتلك التفرقة حب للإسلام وقضاء لحقه وقدر الجناية على حق الله والطاعة له كالجناية على حقك والطاعة لك فمن وافقك على غرض وخالفك في آخر فكن معه على حالة متوسطة بين الانقباض والاسترسال وبين الإقبال والإعراض وبين التودد إليه والتوحش عنه ولا تبالغ في إكرامه مبالغتك في إكرام من يوافقك على جميع أغراضك ولا تبالغ في إهانته مبالغتك في إهانة من خالفك في جميع أغراضك ثم ذلك التوسط تارة يكون ميله إلى طرف الإهانة عند غلبة الجناية وتارة إلى طرف المجاملة والإكرام عند غلبة الموافقة فهكذا ينبغي أن يكون فيمن يطيع الله تعالى ويعصيه ويتعرض لرضاه مرة ولسخطه أخرى فإن قلت فيماذا يمكن إظهار البغض فأقول أما في القول فبكف اللسان عن مكالمته ومحادثته مرة وبالاستخفاف والتغليظ في القول أخرى وأما في الفعل فبقطع السعي في إعانته مرة وبالسعي في إساءته وإفساده مآربه أخرى وبعض هذا أشد من بعض وهي بحسب درجات الفسق والمعصية الصادرة منه أما ما يجري مجرى الهفوة التي يعلم أنه متندم عليها ولا يصر عليها فالأولى فيه الستر والإغماض أما ما أصر عليه من صغيرة أو كبيرة فإن كان ممن تأكدت بينك وبينه مودة وصحبة وأخوة فله حكم آخر وسيأتي وفيه خلاف بين العلماء وأما إذا لم تتأكد أخوة وصحبة فلا بد من إظهار أثر البغض إما في الإعراض والتباعد عنه وقلة الالتفات إليه وإما في الاستخفاف وتغليظ القول عليه وهذا أشد من الإعراض وهو بحسب غلظ المعصية وخفتها وكذلك في الفعل أيضا رتبتان إحداهما قطع المعونة والرفق والنصرة عنه وهو أقل الدرجات والأخرى السعي في إفساد أغراضه عليه كفعل الأعداء المبغضين وهذا لا بد منه ولكن فيما يفسد عليه طريق المعصية

Bagian V02/P166–V02/P167

أما ما لا يؤثر فيه فلا مثاله رجل عصى الله بشرب الخمر وقد خطب امرأة لو تيسر له نكاحها لكان مغبوطا بها بالمال والجمال والجاه إلا أن ذلك لا يؤثر في منعه من شرب الخمر ولا في بعث وتحريض عليه فإذا قدرت على إعانته ليتم له غرضه ومقصوده وقدرت على تشويشه ليفوته غرضه فليس لك السعي في تشويشه أما الإعانة فلو تركتها إظهارا للغضب عليه في فسقه فلا بأس وليس يجب تركها إذ ربما يكون لك نية في أن تتلطف بإعانته وإظهار الشفقة عليه ليعتقد مودتك ويقبل نصحك فهذا حسن وإن لم يظهر لك ولكن رأيت أن تعينه على غرضه قضاء لحق إسلامه فذلك ليس بممنوع بل هو الأحسن إن كانت معصيته بالجناية على حقك أو حق من يتعلق بك وفيه نزل قوله تعالى ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة إلى قوله تعالى {ألا تحبون أن يغفر الله لكم} إذ تكلم مسطح بن أثاثة في واقعة الإفك فحلف أبو بكر أن يقطع عنه رفقه وقد كان يواسيه بالمال فنزلت الآية مع عظم معصية مسطح وأية معصية تزيد على التعرض لحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم وإطالة اللسان في مثل عائشة رضي الله عنها إلا أن الصديق رضي الله عنه كان كالمجني عليه في نفسه بتلك الواقعة والعفو عمن ظلم والإحسان إلى من أساء من أخلاق الصديقين وإنما يحسن الإحسان إلى من ظلمك فأما من ظلم غيرك وعصى الله به فلا يحسن إحسانك إليه لأن في الإحسان إلى الظالم إساءة إلى المظلوم وحق المظلوم أولى بالمراعاة وتقوية قلبه بالإعراض عن الظالم أحب إلى الله من تقوية قلب الظالم فأما إذا كنت أنت المظلوم فالأحسن في حقك العفو والصفح وطرق السلف قد اختلفت في إظهار البغض مع أهل المعاصي وكلهم اتفقوا على إظهار البغض للظلمة والمبتدعة وكل من عصى الله بمعصية متعدية منه إلى غيره فأما من عصى الله في نفسه فمنهم من نظر بعين الرحمة إلى العصاة كلهم ومنهم من شدد الإنكار واختار المهاجرة فقد كان أحمد بن حنبل يهجر الأكابر في أدنى كلمة حتى هجر يحيى بن معين لقوله إني لا أسأل أحدا شيئا ولو حمل السلطان إلي شيئا لأخذته وهجر الحارث المحاسبي في تصنيفه في الرد على المعتزلة وقال إنك لا بد تورد أولا شبهتهم وتحمل الناس على التفكر فيها ثم ترد عليهم وهجر أبا ثور في تأويله قوله صلى الله عليه وسلم إن الله خلق آدم على صورته وهذا أمر يختلف باختلاف النية وتختلف النية باختلاف الحال فإن كان الغالب على القلب النظر إلى اضطرار الخلق وعجزهم وأنهم مسخرون لما قدروا له أورث هذا تساهلا في المعاداة والبغض وله وجه ولكن قد تلتبس به المداهنة فأكثر البواعث على الإغضاء عن المعاصي المداهنة ومراعاة القلوب والخوف من وحشتها ونفارها وقد يلبس الشيطان ذلك على الغبي الأحمق بأنه ينظر بعين الرحمة ومحك ذلك أن ينظر إليه بعين الرحمة إن جنى على خاص حقه ويقول إنه قد سخر له والقدر لا ينفع منه الحذر وكيف لا يفعله وقد كتب عليه فمثل هذا قد تصح له نية في الإغماض عن الجناية على حق الله وإن كان يغتاظ عند الجناية على حقه ويترحم عند الجناية على حق الله فهذا مداهن مغرور بمكيدة من مكايد الشيطان فليتنبه له فإن قلت فأقل الدرجات في إظهار البغض الهجر والإعراض وقطع الرفق والإعانة فهل يجب ذلك حتى يعصي العبد بتركه فأقول لا يدخل ذلك في ظاهر العلم تحت التكليف والإيجاب فإنا نعلم أن الذين شربوا الخمر وتعاطوا الفواحش في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة ما كانوا يهجرون بالكلية بل كانوا منقسمين فيهم إلى من يغلظ القول عليه ويظهر البعض له وإلى من يعرض عنه ولا يتعرض له وإلى من ينظر إليه بعين الرحمة ولا يؤثر المقاطعة والتباعد

Bagian V02/P167–V02/P168

فهذه دقائق دينية تختلف فيها طرق السالكين لطريق الآخرة ويكون عمل كل واحد على ما يقتضيه حاله ووقته ومقتضى الأحوال في هذه الأمور إما مكروهة أو مندوبة فتكون في رتبة الفضائل ولا تنتهي إلى التحريم والإيجاب فإن الداخل تحت التكليف أصل المعرفة لله تعالى وأصل الحب وذلك قد لا يتعدى من المحبوب إلى غيره وإنما المتعدي إفراط الحب واستيلاؤه وذلك لا يدخل في الفتوى وتحت ظاهر التكليف في حق عوام الخلق أصلا بيان مراتب الذين يبغضون في الله وكيفية معاملتهم فإن قلت إظهار البغض والعداوة بالفعل إن لم يكن واجبا فلا شك أنه مندوب إليه والعصاة والفساق على مراتب مختلفة فكيف ينال الفضل بمعاملتهم وهل يسلك بجميعهم مسلكا واحدا أم لا فاعلم أن المخالف لأمر الله سبحانه لا يخلو إما أن يكون مخالفا في عقده أو في عمله والمخالف في العقد إما مبتدع أو كافر والمبتدع إما داع إلى بدعته أو ساكت والساكت إما بعجزه أو باختياره فأقسام الفساد في الاعتقاد ثلاثة الأول الكفر فالكافر إن كان محاربا فهو يستحق القتل والإرقاق وليس بعد هذين إهانة وأما الذمي فإنه لا يجوز إيذاؤه إلا بالإعراض عنه والتحقير له بالاضرار إلى أضيق الطريق وبترك المفاتحة بالسلام فإذا قال السلام عليك قلت وعليك والأولى الكف عن مخالطته ومعاملته ومواكلته وأما الانبساط معه والاسترسال إليه كما يسترسل إلى الأصدقاء فهو مكروه كراهة شديدة يكاد ينتهي ما يقوى منها إلى حد التحريم قال تعالى {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم} الآية وقال صلى الله عليه وسلم المسلم والمشرك لا تتراءى ناراهما وقال عز وجل {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} الآية الثاني المبتدع الذي يدعو إلى بدعته فإن كانت البدعة بحيث يكفر بها فأمره أشد من الذمي لأنه لا يقر بجزية ولا يسامح بعقد ذمة وإن كان ممن لا يكفر به فأمره بينه وبين الله أخف من أمر الكافر لا محالة ولكن الأمر في الإنكار عليه أشد منه على الكافر لأن شر الكافر غير متعد فإن المسلمين اعتقدوا كفره فلا يلتفتون إلى قوله إذ لا يدعي لنفسه الإسلام واعتقاد الحق أما المبتدع الذي يدعوا إلا البدعة ويزعم أن ما يدعو إليه حق فهو سبب لغواية الخلق فشره متعد فالاستحباب في إظهار بغضه ومعاداته والانقطاع عنه وتحقيره والتشنيع عليه ببدعته وتنفير الناس عنه أشد وإن سلم في خلوة فلا بأس برد جوابه وإن علمت أن الإعراض عنه والسكوت عن جوابه يقبح في نفسه بدعته ويؤثر في زجره فترك الجواب أولى لأن جواب الإسلام وإن كان واجبا فيسقط بأذني غرض فيه مصلحة حتى يسقط بكون الإنسان في الحمام أو في قضاء حاجته وغرض الزجر أهم من هذه الأغراض وإن كان في ملأ فترك الجواب أول تنفيرا للناس عنه وتقبيحا لبدعته في أعينهم وكذلك الأولى كف الإحسان إليه والإعانة له لا سيما فيما يظهر للخلق قال عليه السلام من انتهر صاحب بدعة ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا ومن أهان صاحب بدعة أمنه الله يوم الفزع الأكبر من ألان له وأكرمه أو لقيه ببشر فقد استخف بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم الثالث المبتدع العامي الذي لا يقدر على الدعوة ولا يخاف الاقتداء به فأمره أهون فالأولى أن لا يقابح بالتغليظ والإهانة بل يتلطف به في النصح فإن قلوب العوام سريعة التقلب فإن لم ينفع النصح وكان في الإعراض عنه تقبيح لبدعته في عينه تأكد الاستحباب في الإعراض وإن علم أن ذلك لا يؤثر فيه لجمود طبعه ورسوخ عقده في قلبه فالإعراض أولى لأن البدعة إذا لم يبالغ في تقبيحها شاعت بين الخلق وعم فسادها وأما العاصي بفعله وعمله لا باعتقاده فلا يخلو إما أن يكون بحيث يتأذى به غيره كالظلم والغضب وشهادة الزور والغيبة والتضريب بين الناس والمشي بالنميمة وأمثالها

Bagian V02/P168–V02/P169

أو كان مما لا يقتصر عليه ويؤذي غيره وذلك ينقسم إلى ما يدعو غيره إلى الفساد كصاحب الماخور الذي يجمع بين الرجال والنساء ويهيء أسباب الشرب والفساد لأهل الفساد أو لا يدعو غيره إلى فعله كالذي يشرب ويزني وهذا الذي لا يدعو غيره إما أن يكون عصيانه بكبيرة أو بصغيرة وكل واحد فإما أن يكون مصرا عليه أو غير مصر فهذه التقسيمات يتحصل منها ثلاثة أقسام ولكل قسم منها رتبة وبعضها أشد من بعض ولا نسلك بالكل مسلكا واحدا القسم الأول وهو أشدها ما يتضرر به الناس كالظلم والغصب وشهادة الزور والغيبة والنميمة فهؤلاء الأولى الإعراض عنهم وترك مخالطتهم والانقباض عن معاملتهم لأن المعصية شديدة فيما يرجع إلى إيذاء الخلق ثم هؤلاء ينقسمون إلى من يظلم في الدماء وإلى من يظلم في الأموال وإلى من يظلم في الأعراض وبعضها أشد من بعض فالاستحباب في إهانتهم والإعراض عنهم مؤكد جدا ومهما كان يتوقع من الإهانة زجرا لهم أو لغيرهم كان الأمر فيه آكد وأشد الثاني صاحب الماخور الذي يهيء أسباب الفساد ويسهل طرقه على الخلق فهذا لا يؤذي الخلق في دنياهم ولكن يختلس بفعله دينهم وإن كان وفق رضاهم فهو قريب من الأول ولكنه أخف منه فإن المعصية بين العبد وبين الله تعالى إلى العفو أقرب ولكن من حيث إنه متعد على الجملة إلى غيره فهو شديد وهذا أيضا يقتضي الإهانة والإعراض والمقاطعة وترك جواب السلام إذا ظن أن فيه نوعا من الزجر له أو لغيره الثالث الذي يفسق في نفسه بشرب خمر أو ترك واجب أو مقارفة محظور يخصه فالأمر فيه أخف ولكنه في وقت مباشرته إن صودف يجب منعه بما يمتنع به منه ولو بالضرب والاستخفاف فإن النهي عن المنكر واجب وإذا فرغ منه وعلم أن ذلك من عادته وهو مصر عليه فإن تحقق أن نصحه يمنعه عن العود إليه وجب النصح وإن لم يتحقق ولكنه كان يرجو فالأفضل النصح والزجر بالتلطف أو بالتغليظ إن كان هو الأنفع فأما الإعراض عن جواب سلامه والكف عن مخالطته حيث يعلم أنه يصر وأن النصح ليس ينفعه فهذا فيه نظر وسير العلماء فيه مختلفة والصحيح أن ذلك يختلف باختلاف نية الرجل فعند هذا يقال الأعمال بالنيات إذ في الرفق والنظر بعين الرحمة إلى الخلق نوع من التواضع وفي العنف والإعراض نوع من الزجر والمستفتى فيه القلب فما يراه أميل إلى هواه ومقتضى طبعه فالأولى ضده إذ قد يكون استخفافه وعنفه عن كبر وعجب والتذاذ بإظهار العلو والإدلال بالصلاح وقد يكون رفقه عن مداهنة واستمالة قلب للوصول به إلى غرض أو الخوف من تأثير وحشته ونفرته في جاه أو مال بظن قريب أو بعيد وكل ذلك مردد على إشارات الشيطان وبعيد عن أعمال أهل الآخرة وكل راغب في أعمال الدين مجتهد مع نفسه في التفتيش عن هذه الدقائق ومراقبة هذه الأحوال والقلب هو المفتى فيه وقد يصيب الحق في اجتهاده وقد يخطيء وقد يقدم على اتباع هواه وهو عالم به وقد يقدم وهو بحكم الغرور ظان أنه عامل لله وسالك طريق الآخرة وسيأتي بيان هذه الدقائق في كتاب الغرور من ربع المهلكات ويدل على تخفيف الأمر في الفسق القاصر الذي هو بين العبد وبين الله ما روي أن شارب خمر ضرب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعود فقال واحد من الصحابة لعنه الله ما أكثر ما يشرب فقال صلى الله عليه وسلم لا تكن عونا للشيطان على أخيك أو لفظا هذا معناه وكأن هذا إشارة إلى أن الرفق أولى من العنف والتغليظ بيان الصفات المشروطة فيمن تختار صحبته اعلم أنه لا يصلح للصحبة كل إنسان قال صلى الله عليه وسلم المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل ولا بد أن يتميز بخصال وصفات يرغب بسببها في صحبته وتشترط تلك الخصال بحسب الفوائد المطلوبة من الصحبة إذ معنى الشرط مالا بد منه للوصول إلى المقصود فبالإضافة إلى المقصود تظهر الشروط

Pertanyaan

Gazâlî — İhyâü Ulûmi'd-Dîn · 23 · Qur'an & Sunnah