Qur'an&Sunnah

Gazâlî — İhyâü Ulûmi'd-Dîn

Bagian V02/P268–V02/P269

وحكي غير واحد أنه قال اجتمعنا في دعوة ومعنا أبو القاسم ابن بنت منيع وأبو بكر ابن داود وابن مجاهد في نظرائهم فحضر سماع فجعل ابن مجاهد يحرض ابن بنت منيع على ابن داود في أن يسمع فقال ابن داود حدثني أبي عن أحمد بن حنبل أنه كره السماع وكان أبي يكرهه وأنا على مذهب أبي فقال أبو القاسم ابن بنت منيع أما جدى احمد ابن بنت منيع فحدثني عن صالح بن أحمد أن أباه كان يسمع قول ابن الخبازة فقال ابن مجاهد لابن داود دعني أنت من أبيك وقال لابن بنت منيع دعني أنت من جدك أي شيء تقول يا أبا بكر فيمن أنشد بيت شعر أهو حرام فقال ابن داود لا قال فإن كان حسن الصوت حرم عليه إنشاده قال لا قال فإن أنشده وطوله وقصر منه الممدود ومد منه المقصور أيحرم عليه قال أنا لم أقو لشيطان واحد فكيف أقوى لشيطانين قال وكان أبو الحسن العسقلاني الأسود من الأولياء يسمع ويوله عند السماع وصنف فيه كتابا ورد فيه على منكريه وكذلك جماعة منهم صنفوا في الرد على منكريه وحكي عن بعض الشيوخ أته قال رأيت أبا العباس الخضر عليه السلام فقلت له ما تقول في هذا السماع الذي اختلف فيه أصحابنا فقال هو الصفو الزلال الذي لا يثبت عليه إلا أقدام العلماء وحكي عن ممشاد الدينوري أنه قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقلت يا رسول الله هل تنكر من هذا السماع شيئا فقال ما أنكر منه شيئا ولكن قل لهم يفتتحون قبلة بالقرآن ويختمون بعده بالقرآن وحكي عن طاهر بن بلال الهمداني الوراق وكان من أهل العلم أنه قال كنت معتكفا في جامع جدة على البحر فرأيت يوما طائفة يقولون في جانب منه قولا ويستمعون فأنكرت ذلك بقلبي وقلت في بيت من بيوت الله يقولون الشعر قال فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة وهو جالس في تلك الناحية والى جنبة أبو بكر الصديق رضي الله عنه وإذا أبو بكر يقول شيئا من القول والنبي صلى الله عليه وسلم يستمع إليه ويضع يده على صدره كالواجد بذلك فقلت في نفسي ما كان ينبغي لي أن أنكر على أولئك الذين كانوا يستمعون وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع وابو بكر يقول فالتفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال هذا حق بحق أو قال حق من حق أنا أشك فيه وقال الجنيد تنزل الرحمة على هذه الطائفة في ثلاثة مواضع عند الأكل لأنهم لا يأكلون إلا عن فاقة وعند المذاكرة لأنهم لا يتحاورون إلا في مقامات الصديقين وعند السماع لأنهم يسمعون بوجد ويشهدون حقا وعن ابن جريج أنه كان يرخص في السماع فقيل له أيؤتى يوم القيامة في جملة حسناتك أو سيئاتك فقال لا في الحسنات ولا في السيئات لأنه شبيه باللغو وقال الله تعالى {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} هذا ما نقل من الأقاويل ومن طلب الحق في التقليد فمهما استقصى تعارضت عنده هذه الأقاويل فيبقى متحيرا أومائلا إلى بعض الأقاويل بالتشهي وكل ذلك قصور بل ينبغي أن يطلب الحق بطريقه وذلك بالبحث عن مدارك الحظر والإباحة كما سنذكره بيان الدليل على إباحة السماع اعلم أن قول القائل السماع حرام معناه أن الله تعالى يعاقب عليه وهذا أمر لا يعرف بمجرد العقل بل بالسمع ومعرفة الشرعيات محصورة في النص أو القياس على المنصوص وأعني بالنص ما أظهره صلى الله عليه وسلم بقوله أو فعله وبالقياس المعنى المفهوم من ألفاظه وأفعاله فإن لم يكن فيه نص ولم يستقم فيه قياس على منصوص بطل القول بتحريمه وبقى فعلا لا حرج فيه كسائر المباحات ولا يدل على تحريم السماع نص ولا قياس ويتضح ذلك في جوابنا عن أدلة المائلين إلى التحريم ومهما تم الجواب عن أدلتهم كان ذلك مسلكا كافيا في إثبات هذا الغرض لكن نستفتح ونقول قد دل النص والقياس جميعا على إباحته

Bagian V02/P269–V02/P271

أما القياس فهو أن الغناء اجتمعت فيه معان ينبغي أن يبحث عن أفرادها ثم عن مجموعها فإن فيه سماع صوت طيب موزون مفهوم المعنى محرك للقلب فالوصف الأعم أنه صوت طيب ثم الطيب ينقسم إلى الموزون وغيره والموزون ينقسم إلى المفهوم كالأشعار والى غير المفهوم كأصوات الجمادات وسائر الحيوانات أما سماع الصوت الطيب من حيث إنه طيب فلا ينبغي أن يحرم بل هو حلال بالنص والقياس أما القياس فهو أنه يرجع إلى تلذذ حاسة السمع بإدراك ما هو مخصوص به وللإنسان عقل وخمس حواس ولكل حاسة إدراك وفي مدركات تلك الحاسة ما يستلذ فلذة النظر في المبصرات الجميلة كالخضرة والماء الجاري والوجه الحسن وبالجملة سائر الألوان الجميلة وهي في مقابلة ما يكره من الألوان الكدرة القبيحة وللشم الروائح الطيبة وهي في مقابلة الأنتان المستكرهة وللذوق الطعوم اللذيذة كالدسومة والحلاوة والحموضة وهي في مقابلة المرارة المستبشعة وللمس لذة اللين والنعومة والملاسة وهي في مقابلة الخشونة والضراسة وللعقل لذة العلم والمعرفة وهي في مقابلة الجهل والبلادة فكذلك الأصوات المدركة بالسمع تنقسم إلى مستلذة كصوت العنادل والمزامير ومستكرهة كنهيق الحمير وغيرها فما أظهر قياس هذه الحاسة ولذتها على سائر الحواس ولذاتها أما النص فيدل على إباحة سماع الصوت الحسن امتنان الله تعالى على عباده إذ قال {يزيد في الخلق ما يشاء} فقيل هو الصوت الحسن وفي الحديث ما بعث الله نبيا إلا حسن الصوت وقال صلى الله عليه وسلم لله أشد أذنا للرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة لقينته وفي الحديث في معرض المدح لداود عليه السلام أنه كان حسن الصوت في النياحة على نفسه وفي تلاوة الزبور حتى كان يجتمع الإنس والجن والوحوش والطير لسماع صوته وكان يحمل في مجلسه أربعمائة جنازة وما يقرب منها في الأوقات وقال صلى الله عليه وسلم في مدح أبي موسى الأشعري لقد أعطى مزمارا من مزامير آل داود وقول الله تعالى {إن أنكر الأصوات لصوت الحمير} يدل بمفهومه على مدح الصوت الحسن ولو جاز أن يقال إنما أبيح ذلك بشرط أن يكون في القرآن للزمه أن يحرم سماع صوت العندليب لأنه ليس من القرآن وإذا جاز سماع صوت غفل لا معنى له فلم لا يجوز سماع صوت يفهم منه الحكمة والمعاني الصحيحة وإن من الشعر لحكمة فهذا نظر في الصوت من حيث أنه طيب حسن الدرجة الثانية النظر في الصوت الطيب الموزون فإن الوزن وراء الحسن فكم من صوت حسن خارج عن الوزن وكم من صوت موزون غير مستطاب والأصوات الموزونه باعتبار مخارجها ثلاثة فإنها إما أن تخرج من جماد كصوت المزامير والأوتار وضرب القضيب والطبل وغيره وإما أن تخرج من حنجرة حيوان وذلك الحيوان إما إنسان أو غيره كصوت العنادل والقمارى وذات السجع من الطيور فهي مع طيبها موزونة متناسبة المطالع والمقاطع فلذلك يستلذ سماعها والأصل في الأصوات حناجر الحيوانات وإنما وضعت المزامير على أصوات الحناجر وهو تشبيه للصنعة بالخلقة وما من شيء توصل أهل الصناعات بصناعتهم إلى تصويره إلا وله مثال في الخلقة التي استأثر الله تعالى باختراعها فمنه تعلم الصناع وبه قصدوا الإقتداء وشرح ذلك يطول فسماع هذه الأصوات يستحيل أن يحرم لكونها طيبة أو موزونة فلا ذاهب إلى تحريم صوت العندليب وسائر الطيور ولا فرق بين حنجرة وحنجرة ولا بين جماد وحيوان فينبغي أن يقاس على صوت العندليب الأصوات الخارجة من سائر الأجسام باختيار الآدمى كالذي يخرج من حلقه أو من القضيب والطبل والدف وغيره ولا يستثنى من هذه إلا الملاهي والأوتار والمزامير التي ورد الشرع بالمنع منها لا للذتها إذ لو كان للذة لقيس عليها كل ما يلتذ به الإنسان

Bagian V02/P271–V02/P272

ولكن حرمت الخمور واقتضت ضراوة الناس بها المبالغة في الفطام عنها حتى انتهى الأمر في الابتداء إلى كسر الدنان فحرم معها ما هو شعار أهل الشرب وهي الأوتار والمزامير فقط وكان تحريمها من قبل الأتباع كما حرمت الخلوة بالأجنبية لأنها مقدمة الجماع وحرم النظر إلى الفخذ لاتصاله بالسوأتين وحرم قليل الخمر وإن كان لا يسكر لأنه يدعو إلى السكر وما من حرام إلا وله حريم يطيف به وحكم الحرمة ينسحب على حريمه ليكون حمى للحرام ووقاية له وحظارا مانعا حوله كما قال صلى الله عليه وسلم إن لكل ملك حمى وإن حمى الله محارمه فهي محرمة تبعا لتحريم الخمر لثلاث علل إحداها أنها تدعو إلى شرب الخمر فإن اللذة الحاصلة بها إنما تتم بالخمر ولمثل هذه العلة حرم قليل الخمر الثانية أنها في حق قريب العهد بشرب الخمر تذكر مجالس الأنس بالشرب فهي سبب الذكر والذكر سبب انبعاث الشوق وانبعاث الشوق إذا قوى فهو سبب الإقدام ولهذه العلة نهى عن الانتباذ في المزفت والحنتم والنقير وهي الآواني التي كانت مخصوصة بها فمعنى هذا أن مشاهدة صورتها تذكرها وهذه العلة تفارق الأولى إذ ليس فيها اعتبار لذة في الذكر إذ لا لذة في رؤية القنينة وأواني الشرب لكن من حيث التذكر بها فإن كان السماع يذكر الشرب تذكيرا يشوق إلى الخمر عند من ألف ذلك مع الشرب فهو منهى عن السماع لخصوص هذه العلة فيه الثالثة الاجتماع عليها لما أن صار من عادة أهل الفسق فيمنع من التشبه بهم لأن من تشبه بقوم فهو منهم وبهذه العلة نقول بترك السنة مهما صارت شعارا لأهل البدعة خوفا من التشبه بهم وبهذه العلة يحرم ضرب الكوبة وهو طبل مستطيل دقيق الوسط واسع الطرفين وضربها عادة المخنثين ولولا ما فيه من التشبه لكان مثل طبل الحجيج والغزو وبهذه العلة نقول لو اجتمع جماعة وزينوا مجلسا وأحضروا آلات الشرب وأقداحه وصبوا فيها السكنجبين ونصبوا ساقيا يدور عليهم ويسقيهم فيأخذون من الساقي ويشربون ويحيي بعضهم بعضا بكلماتهم المعتادة بينهم حرم ذلك عليهم وإن كان المشروب مباحا في نفسه لأن في هذا تشبها بأهل الفساد بل لهذا ينهى عن لبس القباء وعن ترك الشعر على الرأس قزعا في بلاد صار القباء فيها من لباس أهل الفساد ولا ينهى عن ذلك فيما وراء النهر لاعتياد أهل الصلاح ذلك فيهم فبهذه المعاني حرم المزمار العراقي والأوتار كلها كالعود والصنج والرباب والبربط وغيرها وما عدا ذلك فليس في معناها كشاهين الرعاة والحجيج وشاهين الطبالين وكالطبل والقضيب وكل آلة يستخرج منها صوت مستطاب موزون سوى ما يعتاده أهل الشرب لأن كل ذلك لا يتعلق بالخمر ولا يذكر بها ولا يشوق إليها ولا يوجب التشبه بأربابها فلم يكن في معناها فبقي على أصل الإباحة قياسا على أصوات الطيور وغيرها بل أقول سماع الأوتار ممن يضربها على غير وزن متناسب مستلذ حرام أيضا وبهذا يتبين أنه ليست العلة في تحريمها مجرد اللذة الطيبة بل القياس تحليل الطيبات كلها إلا ما في تحليله فساد قال الله تعالى {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} فهذه الأصوات لا تحرم من حيث إنها أصوات موزونة وإنما تحرم بعارض آخر كما سيأتي في العوارض المحرمة الدرجة الثالثة الموزون والمفهوم وهو الشعر وذلك لا يخرج إلا من حنجرة الإنسان فيقطع بإباحة ذلك لأنه ما زاد إلا كونه مفهوما والكلام المفهوم غير حرام والصوت الطيب الموزون غير حرام فإذا لم يحرم الآحاد فمن أين يحرم المجموع نعم ينظ فيما يفهم منه فإن كان فيه أمر محظور حرم نثره ونظمه وحرم النطق به سواء كان بألحان أو لم يكن والحق فيه ما قاله الشافعي رحمه الله إذ قال الشعر كلام فحسنه حسن وقبيحه قبيح ومهما جاز إنشاد الشعر بغير صوت وألحان جاز إنشاده مع الألحان فإن أفراد المباحات إذا اجتمعت كان ذلك المجموع مباحا ومهما انضم مباح إلى مباح لم يحرم إلا إذا تضمن المجموع محظورا لا تتضمنه الآحاد

Bagian V02/P272–V02/P274

ولا محظور ههنا وكيف ينكر إنشاد الشعر وقد أنشد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال صلى الله عليه وسلم إن من الشعر لحكمة وأنشدت عائشة رضي الله عنها ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب وروى في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وعك أبو بكر وبلال رضي الله عنهما وكان بها وباء فقلت يا أبت كيف تجدك ويا بلال كيف تجدك فكان أبو بكر رضي الله عنه إذا أخذته الحمى يقول كل امرئ مصبح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله وكان بلال إذا أقلعت عنه الحمى يرفع عقيرته ويقول ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل وهل أردن يوما مياه مجنة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل قالت عائشة رضي الله عنها فأخبرت بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل اللبن مع القوم في بناء المسجد وهو يقول هذا الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبر ربنا وأطهر وقال أيضا صلى الله عليه وسلم مرة أخرى لا هم إن العيش عيش الآخرة ... فارحم الأنصار والمهاجره وليس البيت الثانى موزونا وفي الصحيحين أيضا أنه قال في حفر الخندق بلفظ فبارك في الأنصار والمهاجره وفي رواية فاغفر وفي رواية لمسلم فأكرم ولهما من حديث سهل بن سعد فاغفر للمهاجرين والأنصار وهذه في الصحيحين وكان النبي صلى الله عليه وسلم يضع لحسان منبرا في المسجد يقوم عليه قائما يفاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ينافح ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله يؤيد حسان بروح القدس ما نافح أو فاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما أنشده النابغة شعره قال له صلى الله عليه وسلم لا يفضض الله فاك وقالت عائشة رضي الله عنها كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتناشدون عنده الأشعار وهو يتبسم وعن عمرو بن الشريد عن أبيه قال أنشدت رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة قافية من قول أمية بن أبي الصلت كل ذلك يقول هيه هيه {ثم قال} إن كاد في شعره ليسلم وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحدى له في السفر وإن أنجشة كان يحدو بالنساء والبراء بن مالك كان يحدو بالرجال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أنجشة رويدك سوقك بالقوارير ولم يزل الحداء وراه الجمال من عادة العرب في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمان الصحابة رضي الله عنهم وما هو إلا أشعار تؤدى بأصوات طيبة وألحان موزونة ولم ينقل عن أحد من الصحابة إنكاره بل ربما كانوا يلتمسون ذلك تارة لتحريك الجمال وتارة للاستلذاذ فلا يجوز أن يحرم من حيث إنه كلام مفهوم مستلذ مؤدى بأصوات طيبة وألحان موزونة الدرجة الرابعة النظر فيه من حيث أنه محرك للقلب ومهيج لما هو الغالب عليه فأقول لله تعالى سر في مناسبة النغمات الموزونة للأرواح حتى إنها لتؤثر فيها تأثيرا عجيبا فمن الأصوات ما يفرح ومنها ما يحزن ومنها ما ينوم ومنها ما يضحك ويطرب ومنها ما يستخرج من الأعضاء حركات على وزنها باليد والرجل والرأس ولا ينبغي أن يظن أن ذلك لفهم معاني الشعر بل جار في الأوتار حتى قيل من لم يحركه الربيع وأزهاره والعود وأوتاره فهو فاسد المزاج ليس له علاج وكيف يكون ذلك لفهم المعنى وتأثيره مشاهد في الصبي في مهده فإنه يسكنه الصوت الطيب عن بكائه وتنصرف نفسه عما يبكيه إلى الإصغاء إليه والجمل مع بلادة طبعه يتأثر بالحداء تأثرا يستخف معه الأحمال الثقيلة

Bagian V02/P274–V02/P275

ويستقصر لقوة نشاطه في سماعه المسافات الطويلة وينبعث فيه من النشاط ما يسكره ويولهه فتراها إذا طالت عليها البوادي واعتراها الإعياء والكلال تحت المحامل والأحمال إذا سمعت منادي الحداء تمد أعناقها وتصغي إلى الحادي ناصية آذانها وتسرع في سيرها حتى تتزعزع عليها أحمالها ومحاملها وربما تتلف أنفسها من شدة السير وثقل الحمل وهي لا تشعر به لنشاطها فقد حكى أبو بكر محمد بن داود الدينوري المعروف بالرقى رضي الله عنه قال كنت بالبادية فوافيت قبيلة من قبائل العرب فأضافني رجل منهم وأدخلني خباءه فرأيت في الخباء عبدا أسود مقيدا بقيد ورأيت جمالا قد ماتت بين يدي البيت وقد بقي منها جمل وهو ناحل ذابل كأنه ينزع روحه فقال لي الغلام أنت ضيف ولك حق فتشفع في إلى مولاي فإنه مكرم لضيفه فلا يرد شفاعتك في هذا القدر فعساه يحل القيد عني قال فلما أحضروا الطعام امتنعت وقلت لا آكل ما لم أشفع في هذا العبد فقال إن هذا العبد قد أفقرني وأهلك جميع مالي فقلت ماذا فعل فقال إن له صوتا طيبا وإني كنت أعيش من ظهور هذه الجمال فحملها أحمالا ثقالا وكان يحدو بها حتى قطعت مسيرة ثلاثة أيام في ليلة واحدة من طيب نغمته فلما حطت أحمالها ماتت كلها إلا هذا الجمل الواحد ولكن أنت ضيفي فلكرامتك قد وهبته لك قال فأحببت أن أسمع صوته فلما أصبحنا أمره أن يحدو على جمل يستقى الماء من بئر هناك فلما رفع صوته هام ذلك الجمل وقطع حباله ووقعت أنا على وجهي فما أظن أني سمعت قط صوتا أطيب منه فإذن تأثير السماع في القلب محسوس ومن لم يحركه السماع فهو ناقص مائل عن الاعتدال بعيد عن الروحانية زائد في غلظ الطبع وكثافته على الجمال والطيور بل على جميع البهائم فإن جميعها تتأثر بالنغمات الموزونة ولذلك كانت الطيور تقف على رأس داود عليه السلام لاستماع صوته ومهما كان النظر في السماع باعتبار تأثيره في القلب لم يجز أن يحكم فيه مطلقا بإباحة ولا تحريم بل يختلف ذلك بالأحوال والأشخاص واختلاف طرق النغمات فحكمه حكم ما في القلب قال أبو سليمان السماع لا يجعل في القلب ما ليس فيه ولكن يحرك ما هو فيه فالترنم بالكلمات المسجعة الموزونة معتاد في مواضع لأغراض مخصوصة ترتبط بها آثار في القلب وهي سبعة مواضع الأول غناء الحجيج فإنهم أولا يدورون في البلاد بالطبل والشاهين والغناء وذلك مباح لأنها أشعار نظمت في وصف الكعبة والمقام والحطيم وزمزم وسائر المشاعر ووصف البادية وغيرها وأثر ذلك يهيج الشوق إلى حج بيت الله تعالى واشتعال نيرانه إن كان ثم شوق حاصل أو استثارة الشوق واجتلابه إن لم يكن حاصلا وإذا كان الحج قربة والشوق إليه محمودا كان التشويق إليه بكل ما يشوق محمودا وكما يجوز للواعظ أن ينظم كلامه في الوعظ ويزينه بالسجع ويشوق الناس إلى الحج بوصف البيت والمشاعر ووصف الثواب عليه جاز لغيره ذلك على نظم الشعر فإن الوزن إذا انضاف إلى السجع صار الكلام أوقع في القلب فإذا أضيف إليه صوت طيب ونغمات موزونة زاد وقعه فإن أضيف إليه الطبل والشاهين وحركات الإيقاع زاد التأثير وكل ذلك جائز ما لم يدخل فيه المزامير والأوتار التي هي من شعار الأشرار نعم إن قصد به تشويق من لا يجوز له الخروج إلى الحج كالذي أسقط الفرض عن نفسه ولم يأذن له أبواه في الخروج فهذا يحرم عليه الخروج فيحرم تشويقه إلى الحج بالسماع بكل كلام يشوق إلى الخروج فإن التشويق إلى الحرام حرام وكذلك إن كانت الطريق غير آمنة وكان الهلاك غالبا لم يجز تحريك القلوب ومعالجتها بالتشويق الثاني ما يعتاده الغزاة لتحريض الناس على الغزو وذلك أيضا مباح كما للحاج ولكن ينبغي أن تخالف أشعارهم وطرق ألحانهم أشعار الحاج وطرق ألحانهم لأن استثارة داعية الغزو بالتشجيع وتحريك الغيظ والغضب فيه على الكفار وتحسين الشجاعة واستحقار النفس والمال بالإضافة إليه بالأشعار المشجعة مثل قول المتنبي فإن لا تمت تحت السيوف مكرما ... تمت وتقاس الذل غير مكرم

Bagian V02/P275–V02/P276

وقوله أيضا يرى الجبناء أن الجبن حزم ... وتلك خديعة الطبع اللئيم وأمثال ذلك وطرق الأوزان المشجعة تخالف الطرق المشوقة وهذا أيضا مباح في وقت يباح فيه الغزو ومندوب إليه وقت يستحب فيه الغزو ولكن في حق من يجوز له الخروج إلى الغزو الثالث الرجزيات التي يستعملها الشجعان في وقت اللقاء والغرض منها التشجيع للنفس وللأنصار وتحريك النشاط فيهم للقتال وفيه التمدح بالشجاعة والنجدة وذلك إذا كان بلفظ رشيق وصوت طيب كان أوقع في النفس وذلك مباح في كل قتال مباح ومندوب في قتال مندوب ومحظور في قتال المسلمين وأهل الذمة وكل قتال محظور لأن تحريك الدواعي إلى المحظور محظور وذلك منقول عن شجعان الصحابة رضي الله عنهم كعلي وخالد رضي الله عنهما وغيرهما ولذلك نقول ينبغي أن يمنع من الضرب بالشاهين في معسكر الغزاة فإن صوته مرقق محزن يحلل عقدة الشجاعة ويضعف صرامة النفس ويشوق إلى الأهل والوطن ويورث الفتور في القتال وكذا سائر الأصوات والألحان المرققة للقلب فالألحان المرققة المحزنة تباين الألحان المحركة المشجعة فمن فعل ذلك على قصد تغيير القلوب وتفتير الآراء عن القتال الواجب فهو عاص ومن فعله على قصد التفتير عن القتال المحظور فهو بذلك مطيع الرابع أصوات النياحة ونغماتها وتأثيرها في تهييج الحزن والبكاء وملازمة الكآبة والحزن قسمان محمود ومذموم فأما المذموم فكالحزن على ما فات قال الله تعالى لكيلا تأسوا على ما فاتكم والحزن على الأموات من هذا القبيل فإنه تسخط لقضاء الله تعالى وتأسف على ما لا تدارك له فهذا الحزن لما كان مذموما كان تحريكه بالنياحة مذموما فلذلك ورد النهي الصريح عن النياحة وأما الحزن المحمود فهو حزن الإنسان على تقصيره في أمر دينه وبكاؤه على خطاياه والبكاء والتباكي والحزن والتحازن على ذلك محمود وعليه بكاء آدم عليه السلام وتحريك هذا الحزن وتقويته محمود لأنه يبعث على التشمير للتدارك ولذلك كانت نياحة داود عليه السلام محمودة إذ كان ذلك مع دوام الحزن وطول البكاء بسبب الخطايا والذنوب فقد كان عليه السلام يبكي ويبكي ويحزن حتى كانت الجنائز ترفع من مجالس نياحته وكان يفعل ذلك بألفاظه وألحانه وذلك محمود لأن المفضى إلى المحمود محمود وعلى هذا لا يحرم على الواعظ الطيب الصوت أن ينشد على المنبر بألحانه الأشعار المحزنة المرققة للقلب ولا أن يبكي ويتباكى ليتوصل به إلى تبكية غيره وإثارة حزنه الخامس السماع في أوقات السرور تأكيدا للسرور وتهييجا له وهو مباح إن كان ذلك السرور مباحا كالغناء في أيام العيد وفي العرس وفي وقت قدوم الغائب وفي وقت الوليمة والعقيقة وعند ولادة المولود وعند ختانه وعند حفظه القرآن العزيز وكل ذلك مباح لأجل إظهار السرور به ووجه جوازه أن من الألحان ما يثير الفرح والسرور والطرب فكل ما جاز السرور به جاز إثاره السرور فيه ويدل على هذا من النقل إنشاد النساء على السطوح بالدف والألحان عند قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع فهذا إظهار السرور لقدومه صلى الله عليه وسلم وهو سرور محمود فإظهاره بالشعر والنغمات والرقص والحركات أيضا محمود فقد نقل عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم أنهم حجلوا في سرور أصابهم كما سيأتي في أحكام الرقص وهو جائز في قدوم كل قادم يجوز الفرح به وفي كل سبب مباح من أسباب السرور ويدل على هذا ما روي في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد حتى أكون أنا الذي أسأمه فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو إشارة إلى طول مدة وقوفها

Bagian V02/P276–V02/P277

وروى البخاري ومسلم أيضا في صحيحيهما حديث عقيل عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر رضي الله عنه دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى تدففان وتضربان والنبي صلى الله عليه وسلم متغش بثوبه فانتهرهما أبو بكر رضي الله عنه فكشف النبي صلى الله عليه وسلم عن وجهه وقال دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد وقالت عائشة رضي الله عنها رأيت صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد فزجرهم عمر رضي الله عنه فقال النبي صلى الله عليه وسلم أمنا يا بني أرفدة يعني من الأمن ومن حديث عمرو بن الحرث عن ابن شهاب نحوه وفيه تغنيان وتضربان وفي حديث أبي طاهر عن ابن وهب والله لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم على باب حجرتي والحبشة يلعبون بحرابهم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يسترني بثوبه أو بردائه لكي أنظر إلى لعبهم ثم يقوم من أجلي حتى أكون أنا الذي أنصرف وروى عن عائشة رضي الله عنها قالت كنت ألعب بالبنات عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت وكان يأتيني صواحب لي فكن يتقنعن من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسر لمجيئهن إلي فيلعبن معي وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها يوما ما هذا قالت بناتي قال فما هذا الذي أرى في وسطهن قالت فرس قال ما هذا الذي عليه قالت جناحان قال فرس له جناحان قالت أو ما سمعت أنه كان لسليمان بن داود عليه السلام خيل لها أجنحة قالت فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه والحديث محمول عندنا على عادة الصبيان في اتخاذ الصورة من الخزف والرقاع من غير تكميل صورته بدليل ما روى في بعض الروايات أن الفرس كان له جناحان من رقاع وقالت عائشة رضي الله عنها دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث فاضطجع على الفراش وحول وجهه فدخل أبو بكر رضي الله عنه فانتهرنى وقال مزمار الشيطان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال دعهما فلما غفل غمزتهما فخرجتا وكان يوم عيد يلعب فيه السودان بالدرق والحراب فإما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما قال تشتهين تنظرين فقلت نعم فأقامني وراءه وخدي على خده ويقول دونكم يا بني أرفدة حتى إذا مللت قال حسبك قلت نعم قال فاذهبي وفي صحيح مسلم فوضعت رأسي على منكبه فجعلت أنظر إلى لعبهم حتى كنت أنا الذي انصرفت فهذه الأحاديث كلها في الصحيحين وهو نص صريح في أن الغناء واللعب ليس بحرام وفيها دلالة على أنواع من الرخص الأول اللعب ولا يخفى عادة الحبشة في الرقص واللعب والثاني فعل ذلك في المسجد والثالث قوله صلى الله عليه وسلم دونكم يا بني أرفدة وهذا أمر باللعب والتماس له فكيف يقدر كونه حراما والرابع منعه لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما عن الإنكار والتغيير وتعليله بأنه يوم عيد أي هو وقت سرور وهذا من أسباب السرور والخامس وقوفه طويلا في مشاهدة ذلك وسماعه لموافقة عائشة رضي الله عنها وفيه دليل على أن حسن الخلق في تطييب قلوب النساء والصبيان بمشاهدة اللعب أحسن من خشونة الزهد والتقشف في الامتناع والمنع منه والسادس قوله صلى الله عليه وسلم ابتداء لعائشة أتشتهين أن تنظري ولم يكن ذلك عن اضطرار إلى مساعدة الأهل خوفا من غضب أو وحشة فإن الإلتماس إذا سبق ربما كان الرد سبب وحشة وهو محذور فيقدم محذور على محذور فأما ابتداء السؤال فلا حاجة فيه والسابع الرخصة في الغناء والضرب بالدف من الجاريتين مع أنه شبه ذلك بمزمار الشيطان وفيه بيان أن المزمار المحرم غير ذلك

Bagian V02/P277–V02/P278

والثامن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرع سمعه صوت الجاريتين وهو مضطجع ولو كان يضرب بالأوتار في موضع لما جوز الجلوس ثم لقرع صوت الأوتار سمعه فيدل هذا على أن صوت النساء غير محرم تحريم صوت المزامير بل إنما يحرم عند خوف الفتنة فهذه المقاييس والنصوص تدل على إباحة الغناء والرقص والضرب بالدف واللعب بالدرق والحراب والنظر إلى رقص الحبشة والزنوج في أوقات السرور كلها قياسا على يوم العيد فإنه وقت سرور وفي معناه يوم العرس والوليمة والعقيقة والختان ويوم القدوم من السفر وسائر أسباب الفرح وهو كل ما يجوز به الفرح شرعا ويجوز الفرح بزيارة الإخوان ولقائهم واجتماعهم في موضع واحد على طعام أو كلام فهو أيضا مظنة السماع السادس سماع العشاق تحريكا للشوق وتهييجا للعشق وتسلية للنفس فإن كان في مشاهدة المعشوق فالغرض تأكيد اللذة وإن كان مع المفارقة فالغرض تهييج الشوق والشوق وإن كان ألما ففيه نوع لذة إذا انضاف إليه رجاء الوصال فإن الرجاء لذيذ واليأس مؤلم وقوة لذة الرجاء بحسب قوة الشوق والحب للشيء المرجو ففي هذا السماع تهييج العشق وتحريك الشوق وتحصيل لذة الرجاء المقدر في الوصال مع الإطناب في وصف حسن المحبوب وهذا حلال إن كان المشتاق إليه ممن يباح وصاله كمن يعشق زوجته أو سريته فيصغي إلى غنائها لتضاعف لذته في لقائها فيحظى بالمشاهدة البصر وبالسماع الأذن ويفهم لطائف معاني الوصال والفراق القلب فتترادف أسباب اللذة فهذه أنواع تمتع من جملة مباحات الدنيا ومتاعها وما الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وهذا منه وكذلك إن غضبت منه جارية أو حيل بينه وبينها بسبب من الأسباب فله أن يحرك بالسماع شوقه وأن يستثير به لذة رجاء الوصال فإن باعها أو طلقها حرم عليه ذلك بعده إذ لا يجوز تحريك الشوق حيث لا يجوز تحقيقه بالوصال واللقاء وأما من يتمثل في نفسه صورة صبي أو امرأة لا يحل له النظر إليها وكان ينزل ما يسمع على ما تمثل في نفسه فهذا حرام لأنه محرك للفكر في الأفعال المحظورة ومهيج للداعية إلى ما لا يباح الوصول إليه وأكثر العشاق والسفهاء من الشباب في وقت هيجان الشهوة لا ينفكون عن إضمار شيء من ذلك وذلك ممنوع في حقهم لما فيه من الداء الدفين لا لأمر يرجع إلى نفس السماع ولذلك سئل حكيم عن العشق فقال دخان يصعد إلى دماغ الإنسان يزيله الجماع ويهيجه السماع السابع سماع من أحب الله وعشقه واشتاق إلى لقائه فلا ينظر إلى شيء إلا رآه فيه سبحانه ولا يقرع سمعه قارع إلا سمعه منه أو فيه فالسماع في حقه مهيج لشوقه ومؤكد لعشقه وحبه ومور زناد قلبه ومستخرج منه احوالا من المكاشفات والملاطفات لا يحيط الوصف بها يعرفها من ذاقها وينكرها من كل حسه عن ذوقها وتسمى تلك الأحوال بلسان الصوفية وجدا مأخوذ من الوجود والمصادفة أي صادف من نفسه أحوالا لم يكن يصادفها قبل السماع ثم تكون تلك الأحوال أسبابا لروادف وتوابع لها تحرق القلب بنيرانها وتنقيه من الكدورات كما تنقى النار الجواهر المعروضة عليها من الخبث ثم يتبع الصفاء الحاصل به مشاهدات ومكاشفات وهي غاية مطالب المحبين لله تعالى ونهاية ثمرة القربات كلها فالمفضى إليها من جملة القربات لا من جملة المعاصي والمباحات وحصول هذه الأحوال للقلب بالسماع سببه سر الله تعالى في مناسبة النغمات الموزونة للأرواح وتسخير الأرواح لها وتأثرها بها شوقا وفرحا وحزنا وانبساطا وانقباضا ومعرفة السبب في تأثر الأرواح بالأصوات من دقائق علوم المكاشفات والبليد الجامد القاسي القلب المحروم عن لذة السماع يتعجب من التذاذ المستمع ووجده واضطراب حاله وتغير لونه تعجب البهيمة من لذة اللوزينج وتعجب العنين من لذة المباشرة وتعجب الصبي من لذة الرياسة واتساع أسباب الجاه وتعجب الجاهل من لذة معرفة الله تعالى ومعرفة جلاله وعظمته وعجائب صنعه ولكل ذلك سبب واحد وهو أن اللذة نوع إدراك والإدراك يستدعي مدركا ويستدعي قوة مدركة

Bagian V02/P278–V02/P279

فمن لم تكمل قوة إدراكه لم يتصور منه التلذذ فكيف يدر لذة الطعوم من فقد الذوق وكيف يدرك لذة الألحان من فقد السمع ولذة المعقولات من فقد العقل وكذلك ذوق السماع بالقلب بعد وصول الصوت إلى السمع يدرك بحاسة باطنة في القلب فمن فقدها عدم لا محالة لذته ولعلك تقول كيف يتصور العشق في حق الله تعالى حتى يكون السماع محركا له فاعلم أن من عرف الله أحبه لا محالة ومن تأكدت معرفته تأكدت محبته بقدر تأكد معرفته والمحبة إذا تأكدت سميت عشقا فلا معنى للعشق إلا محبة مؤكدة مفرطة ولذلك قالت العرب إن محمدا قد عشق ربه لما رأوه يتخلى للعبادة في جبل حراء واعلم أن كل جمال محبوب عند مدرك ذلك الجمال والله تعالى جميل يحب الجمال ولكن الجمال إن كان بتناسب الخلقة وصفاء اللون أدرك بحاسة البصر وإن كان الجمال بالجلال والعظمة وعلو الرتبة وحسن الصفات والأخلاق وإرادة الخيرات لكافة الخلق وإفاضتها عليهم على الدوام إلى غير ذلك من الصفات الباطنة أدرك بحاسة القلب ولفظ الجمال قد يستعار أيضا لها فيقال إن فلانا حسن وجميل ولا تراد صورته وإنما يعنى به أنه جميل الأخلاق محمود الصفات حسن السيرة حتى قد يحب الرجل بهذه الصفات الباطنة استحسانا لها كما تحب الصورة الظاهرة وقد تتأكد هذه المحبة فتسمى عشقا وكم من الغلاة في حب أرباب المذاهب كالشافعي ومالك وأبي حنيفة رضي الله عنهم حتى يبذلوا أموالهم وأرواحهم في نصرتهم وموالاتهم ويزيدوا على كل عاشق في الغلو والمبالغة ومن العجب أن يعقل عشق شخص لم تشاهد قط صورته أجميل هو أم قبيح وهو الآن ميت ولكن لجمال صورته الباطنة وسيرته المرضية والخيرات الحاصلة من عمله لأهل الدين وغير ذلك من الخصال ثم لا يعقل عشق من ترى الخيرات منه بل على التحقيق من لا خير ولا جمال ولا محبوب في العالم إلا وهو حسنة من حسناته وأثر من آثار كرمه وغرفة من بحر جوده بل كل حسن وجمال في العالم أدرك بالعقول والأبصار والأسماع وسائر الحواس من مبتدإ العالم إلى منقرضه ومن ذروة الثريا إلى منتهى الثرى فهو ذرة من خزائن قدرته ولمعة من أنوار حضرته فليت شعري كيف لا يعقل حب من هذا وصفه وكيف لا يتأكد عند العارفين بأوصافه حبه حتى يجاوز حدا يكون إطلاق اسم العشق عليه ظلما في حقه لقصوره عن الإنباء عن فرط محبته فسبحان من احتجب عن الظهور بشدة ظهوره واستتر عن الأبصار بإشراق نوره ولولا احتجابه بسبعين حجابا من نوره لأحرقت سبحات وجهه أبصار الملاحظين لجمال حضرته ولولا أن ظهوره سبب خفائه لبهتت العقول ودهشت القلوب وتخاذلت القوى وتنافرت الأعضاء ولوركبت القلوب من الحجارة والحديد لأصبحت تحت مبادى أنوار تجليله دكادكا فأنى تطيق كنه نور الشمس أبصار الخفافيش وسيأتي تحقيق هذه الإشارة في كتاب المحبة ويتضح أن محبة غير الله تعالى قصور وجهل بل المتحقق بالمعرفة لا يعرف غير الله تعالى إذ ليس في الوجود تحقيقا إلا الله وأفعاله ومن عرف الأفعال من حيث إنها أفعال لم يجاوز معرفة الفاعل إلى غيره فمن عرف الشافعي مثلا رحمه الله وعلمه وتصنيفه من حيث إنه تصنيفه لا من حيث إنه بياض وجلد وحبر وورق وكلام منظوم ولغة عربية فلقد عرفه ولم يجاوز معرفة الشافعي إلى غيره ولا جاوزت محبته إلى غيره فكل موجود سوى الله تعالى فهو تصنيف الله تعالى وفعله وبديع أفعاله فمن عرفها من حيث هي صنع الله تعالى فرأى من الصنع صفات الصانع كما يرى من حسن التصنيف فضل المصنف وجلالة قدره كانت معرفته ومحبته مقصورة على الله تعالى غير مجاوزة إلى سواه ومن حد هذا العشق أنه لا يقبل الشركة وكل ما سوى هذا العشق فهو قابل للشركة إذ كل محبوب سواه يتصور له نظير إما في الوجود وإما في الإمكان فأما هذا الجمال فلا يتصور له ثان لا في الإمكان ولا في الوجود فكان اسم العشق على حب غيره مجازا محضالا حقيقة

Bagian V02/P279–V02/P281

نعم الناقص القريب في نقصانه من البهيمة قد لا يدرك من لفظة العشق إلا طلب الوصال الذي هو عبارة عن تماس ظواهر الأجسام وقضاء شهوة الوقاع فمثل هذا الحمار ينبغي أن لا يستعمل معه لفظه العشق والشوق والوصال والأنس بل يجنب هذه الألفاظ والمعاني كما تجنب البهيمة النرجس والريحان وتخصص بالفت والحشيش وأوراق القضبان فإن الألفاظ إنما يجوز إطلاقها في حق الله تعالى إذا لم تكن موهمة معنى يجب تقديس الله تعالى عنه والأوهام تختلف باختلاف الأفهام فليتنبه لهذه الدقيقة في أمثال هذه الألفاظ بل لا يبعد أن ينشأ من مجرد السماع لصفات الله تعالى وجد غالب يقطع بسببه نياط القلب فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذكر غلاما كان في بني إسرائيل على جبل فقال لأمه من خلق السماء قالت الله عز وجل قال فمن خلق الأرض قالت الله عز وجل قال فمن خلق الجبال قالت الله عز وجل قال فمن خلق الغيم قالت الله عز وجل قال إني لأسمع لله شأنا ثم رمى بنفسه من الجبل فتقطع وهذا كأنه سمع ما دل على جلال الله تعالى وتمام قدرته فطرب لذلك ووجد فرمى بنفسه من الوجد وما أنزلت الكتب إلا ليطربوا بذكر الله تعالى قال بعضهم رأيت مكتوبا في الإنجيل غنينا لكم فلم تطربوا وزمرنا لكم فلم ترقصا أي شوقناكم بذكر الله تعالى فلم تشتاقوا فهذا ما أردنا أن نذكره من أقسام السماع وبواعثه ومقتضياته وقد ظهر على القطع إباحته في بعض المواضع والندب إليه في بعض المواضع فإن قلت فهل له حالة يحرم فيها فأقول إنه يحرم بخمسة عوارض عارض في المسمع وعارض في آلة الإسماع وعارض في نظم الصوت وعارض في نفس المستمع أو في مواظبته وعارض في كون الشخص من عوام الخلق لأن أركان السماع هي المسمع والمستمع وآلة الإسماع العارض الأول أن يكون المسمع امرأة لا يحل النظر إليها وتخشى الفتنة من سماعها وفي معناها الصبي الأمرد الذي تخشى فتنته وهذا حرام لما فيه من خوف الفتنة وليس ذلك لأجل الغناء بل لو كانت المرأة بحيث يفتتن بصوتها في المحاورة من غير ألحان فلا يجوز محاورتها ومحادثتها ولا سماع صوتها في القرآن أيضا وكذلك الصبي الذي تخاف فتنته فإن قلت فهل تقول إن ذلك حرام بكل حال حسما للباب أو لا يحرم إلا حيث تخاف الفتنة في حق من يخاف العنت فأقول هذه مسألة محتملة من حيث الفقه يتجاذبها أصلان أحدهما أن الخلوة بالأجنبية والنظر إلى وجهها حرام سواء خيفت الفتنة أو لم تخف لأنها مظنة الفتنة على الجملة فقضى الشرع بحسم الباب من غير التفات إلى الصور والثاني أن النظر إلى الصبيان مباح إلا عند خوف الفتنة فلا يلحق الصبيان بالنساء في عموم الحسم بل يتبع فيه الحال وصوت المرأة دائر بين هذين الأصلين فإن قسناه على النظر إليها وجب حسم الباب وهو قياس قريب ولكن بينهما فرق إذ الشهوة تدعو إلى النظر في أول هيجانها ولا تدعو إلى سماع الصوت وليس تحريك النظر لشهوة المماسة كتحريك السماع بل هو أشد وصوت المرأة في غير الغناء ليس بعورة فلم تزل النساء في زمن الصحابة رضي الله عنهم يكلمن الرجال في السلام والاستفتاء والسؤال والمشاورة وغير ذلك ولكن للغناء مزيد أثر في تحريك الشهوة فقياس هذا على النظر إلى الصبيان أولى لأنهم لم يؤمروا بالاحتجاب كما لم تؤمر النساء بستر الأصوات فينبغي أن يتبع مثار الفتن ويقصر التحريم عليه هذا هو الأقيس عندي ويتأيد بحديث الجاريتين المغنيتين في بيت عائشة رضي الله عنها إذ يعلم أنه صلى الله عليه وسلم كان يسمع أصواتهما ولم يحترز منه ولكن لم تكن الفتنة مخوفة عليه فلذلك لم يحترز فإذن يختلف هذا بأحوال المرأة وأحوال الرجل في كونه شابا وشيخا ولا يبعد أن يختلف الأمر في مثل هذا بالأحوال

Bagian V02/P281–V02/P282

فإنا نقول للشيخ أن يقبل زوجته وهو صائم وليس للشاب ذلك لأن القبلة تدعو إلى الوقاع في الصوم وهو محظور والسماع يدعو إلى النظر والمقاربة وهو حرام فيختلف ذلك أيضا بالأشخاص العارض الثاني في الآلة بأن تكون من شعار أهل الشرف أو المخنثين وهي المزامير والأوتار وطبل الكوبة فهذه ثلاثة أنواع ممنوعة وما عدا ذلك يبقى على أصل الإباحة كالدف وإن كان فيه الجلاجل وكالطبل والشاهين والضرب بالقضيب وسائر الآلات العارض الثالث في نظم الصوت وهو الشعر فإن كان فيه شيء من الخنا والفحش والهجو أو ما هو كذب على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم أو على الصحابة رضي الله عنهم كما رتبه الروافض في هجاء الصحابة وغيرهم فسماع ذلك حرام بألحان وغير ألحان والمستمع شريك للقائل وكذلك ما فيه وصف امرأة بعينها فإنه لا يجوز وصف المرأة بين الرجال وأما هجاء الكفار وأهل البدع فذلك جائز فقد كان حسان بن ثابت رضي الله عنه ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويهاجي الكفار وأمره صلى الله عليه وسلم بذلك فأما النسيب وهو التشبيه بوصف الخدود والأصداغ وحسن القد والقامة وسائر أوصاف النساء فهذا فيه نظر والصحيح أنه لا يحرم نظمه وإنشاده بلحن وغير لحن وعلى المستمع أن لا ينزله على امرأة معينة فإن نزله فلينزله على من يحل له من زوجته وجاريته فإن نزله على أجنبية فهو العاصي بالتنزيل وإحالة الفكر فيه ومن هذا وصفه فينبغي أن يجتنب السماع رأسا فإن من غلب عليه عشق نزل كل ما يسمعه عليه سوء كان اللفظ مناسبا له أو لم يكن إذ ما من لفظ إلا ويمكن تنزيله على معان بطريق الاستعارة فالذي يغلب على قلبه حب الله تعالى يتذكر بسواد الصدغ مثلا ظلمة الكفر وبنضارة الخد نور الإيمان وبذكر الوصال لقاء الله تعالى وبذكر الفراق الحجاب عن الله تعالى في زمرة المردودين وبذكر الرقيب المشوش لروح الوصال عوائق الدنيا وآفاتها المشوشة لدوام الأنس بالله تعالى ولا يحتاج في تنزيل ذلك عليه إلى استنباط وتفكر ومهلة بل تسبق المعاني الغالبة على القلب إلى فهمه مع اللفظ كما روي عن بعض الشيوخ أنه مر في السوق فسمع واحدا يقول الخيار عشرة بحبة فغلبه الوجد فسئل عن ذلك فقال إذا كان الخيار عشرة بحبة فما قيمة الأشرار واجتاز بعضهم في السوق فسمع قائلا يقول يا سعتر برى فغلبه الوجد فقيل له على ماذا كان وجدك فقال سمعته كأنه يقول اسع ترى برى حتى إن العجمى قد يغلب عليه الوجد على الأبيات المنظومة بلغة العرب فإن بعض حروفها يوازن الحروف العجمية فيفهم منها معان آخر أنشد بعضهم وما زارني في الليل إلا خياله ... فتواجد عليه رجل أعجمي فسئل عن سبب وجده فقال إنه يقول ما زاريم وهو كما يقول فإن لفظ زار يدل في العجمية على المشرف على الهلاك فتوهم أنه يقول كلنا مشرفون على الهلاك فاستشعر عند ذلك خطر هلاك الآخرة والمحترق في حب الله تعالى وجده بحسب فهمه وفهمه بحسب تخيله وليس من شرط تخيله أن يوافق مراد الشاعر ولغته فهذا الوجد حق وصدق ومن استشعر خطر هلاك الآخرة فجدير بأن يتشوش عليه عقله وتضطرب عليه أعضاؤه فإذن ليس في تغيير أعيان الألفاظ كبير فائدة بل الذي غلب عشق مخلوق ينبغي أن يحترز من السماع بأي لفظ كان والذي غلب عليه حب الله تعالى فلا تضره الألفاظ ولا تمنعه عن فهم المعاني اللطيفة المتعلقة بمجاري همته الشريفة العارض الرابع في المستمع وهو أن تكون الشهوة غالبة عليه وكان في غرة الشباب وكانت هذه الصفة أغلب عليه من غيرها فالسماع حرام عليه سواء غلب على قلبه حب شخص معين أو لم يغلب فإنه كيفما كان فلا يسمع وصف الصدغ والخد والفراق والوصال إلا ويحرك ذلك شهوته وينزله على صورة معينة ينفخ الشيطان بها في قلبه فتشتعل فيه نار الشهوة وتحتد بواعث الشر

Bagian V02/P282–V02/P283

وذلك هو النصرة لحزب الشيطان والتخذيل للعقل المانع منه الذي هو حزب اللهتعالى والقتال في القلب دائم جنود الشيطان وهي الشهوات وبين حزب الله تعالى وهو نور العقل إلا في قلب قد فتحه أحد الجندين واستولى عليه بالكلية وغالب القلوب الآن قد فتحها جند الشيطان وغلب عليها فتحتاج حينئذ إلى أن تستأنف أسباب القتال لإزعاجها فكيف يجوز تكثير أسلحتها وتشحيذ سيوفها وأسنتها والسماع مشحذ لأسلحة جند الشيطان في حق مثل هذا الشخص فليخرج مثل هذا عن مجمع السماع فإنه يستضر به العارض الخامس أن يكون الشخص من عوام الخلق ولم يغلب عليه حب الله تعالى فيكون السماع له محبوبا ولو غلبت عليه شهوة فيكون في حقه محظورا ولكنه أبيح في حقه كسائر أنواع اللذات المباحة إلا أنه إذا اتخذه ديدنه وهجيراه وقصر عليه أكثر أوقاته فهذا هو السفيه الذي ترد شهادته فإن المواظبة على اللهو جناية وكما أن الصغيرة بالإصرار والمداومة تصير كبيرة فكذلك بعض المباحات بالمداومة تصير صغيرة وهو كالمواظبة على متابعة الزنوج والحبشة والنظر إلى لعبهم على الدوام فإنه ممنوع وإن لم يكن أصله ممنوعا إذ فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن هذا القبيل اللعب بالشطرنج فإنه مباح ولكن المواظبة عليه مكروهة كراهة شديدة ومهما كان الغرض اللعب والتلذذ باللهو فذلك إنما يباح لما فيه من ترويح القلب إذ راحة القلب معالجة له في بعض الأوقات لتنبعث دواعيه فيشتغل في سائر الأوقات بالجد الدنيا كالكسب والتجارة أو في الدين كالصلاة والقراءة واستحسان ذلك فيما بين تضاعيف الجد كاستحسان الخال على الخد ولو استوعبت الخيلان في الوجه لشوهته فما أقبح ذلك فيعود الحسن قبحا بسبب الكثرة فما كل حسن يحسن كثيره ولا كل مباح يباح كثيره بل الخبز مباح والاستكثار منه حرام فهذا المباح كسائر المباحات فإن قلت فقد أدى مساق هذا الكلام إلى أنه مباح في بعض الأحوال دون بعض فلم أطلقت القول أولا بالإباحة إذ إطلاق القول في المفصل بلا أو بنعم خلف وخطأ فاعلم أن هذا غلط لأن الإطلاق إنما يمتنع لتفصيل ينشأ من غير ما فيه النظر فأما ما ينشأ من الأحوال العارضة المتصلة به من خارج فلا يمنع الإطلاق ألا ترى أنا إذا سئلنا عن العسل أهو حلال أم لا قلنا إنه حلال على الإطلاق مع أنه حرام على المحرور الذي يستضر به وإذا سئلنا عن الخمر قلنا إنها حرام مع إنها تحل لمن غص بلقمة أن يشربها مهما لم يجد غيرها ولكن هي من حيث أنها خمر حرام وإنما أبيحت لعارض الحاجة والعسل من حيث إنه عسل حلال وإنما حرم لعارض الضرر وما يكون لعارض فلا يلتفت إليه فإن البيع حلال ويحرم بعارض الوقوع في وقت النداء يوم الجمعة ونحوه من العوارض والسماع من جملة المباحات من حيث إنه سماع صوت طيب موزون مفهوم وإنما تحريمه لعارض خارج عن حقيقة ذاته فإذا انكشف الغطاء عن دليل الإباحة فلا نبالي بمن يخالف بعد ظهور الدليل وأما الشافعي رضي الله عنه فليس تحريم الغناء من مذهبه أصلا وقد نص الشافعي وقال في الرجل يتخذه صناعة لا تجوز شهادته وذلك لأنه من اللهو المكروه الذي يشبه الباطل ومن اتخذه صنعة كان منسوبا إلى السفاهة وسقوط المروءة وإن لم يكن محرما بين التحريم فإن كان لا ينسب نفسه إلى الغناء ولا يؤتى لذلك ولا يأتى لأجله وإنما يعرف بأنه قد يطرب في الحال فيترنم بها لم يسقط هذا مروءته ولم يبطل شهادته واستدل بحديث الجاريتين اللتين كانتا تغنيان في بيت عائشة رضي الله عنها وقال يونس بن عبد الأعلى سألت الشافعي رحمه الله عن إباحة أهل المدينة للسماع فقال الشافعي لا أعلم أحدا من علماء الحجاز كره السماع إلا ما كان منه في الأوصاف فأما الحداء وذكر الأطلال والمرابع وتحسين الصوت بألحان الأشعار فمباح وحيث قال إنه لهو مكروه يشبه الباطل فقوله لهو صحيح

Bagian V02/P283–V02/P284

ولكن اللهو من حيث إنه لهو ليس بحرام فلعب الحبشة ورقصهم لهو وقد كان صلى الله عليه وسلم ينظر إليه ولا يكرهه بل اللهو واللغو لا يؤاخذ الله تعالى به إن عنى به أنه فعل ما لا فائدة فيه فإن الإنسان لو وظف على نفسه أن يضع يده على رأسه في اليوم مائة مرة فهذا عبث لا فائدة له ولا يحرم قال الله تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم فإذا كان ذكر اسم الله تعالى على الشيء على طريق القسم من غير عقد عليه ولا تصميم والمخالفة فيه مع أنه لا فائدة فيه لا يؤاخذ فكيف يؤاخذ به بالشعر والرقص وأما قوله يشبه الباطل فهذا لا يدل على اعتقاد تحريمه بل لو قال هو باطل صريحا لما دل على التحريم وإنما يدل على خلوه عن الفائدة فالباطل ما لا فائدة فيه فقول الرجل لامرأته مثلا بعت نفسي منك وقولها اشتريت عقد باطل مهما كان القصد اللعب والمطايبة وليس بحرام إلا إذا قصد به التمليك المحقق منع الشرع منه وأما قوله مكروه فينزل بعض المواضع التي ذكرتها لك أو ينزل على التنزيه فإنه نص على إباحة لعب الشطرنج وذكر أني أكره لعب وتعليله يدل عليه فإنه قال ليس ذلك من عادة ذوي الدين والمروءة فهذا يدل على التنزيه ورده الشهادة بالمواظبة عليه لا يدل على تحريمه أيضا بل قد ترد الشهادة بالأكل في السوق وما يحرم المروءة بل الحياكة مباحة وليست من صنائع ذوي المروءة وقد ترد شهادة المحترف بالحرفة الخسيسة فتعليله يدل على أنه أراد بالكراهة التنزيه وهذا هو الظن أيضا بغيره من كبار الأئمة وإن أرادوا التحريم فما ذكرناه حجة عليهم بيان حجج القائلين بتحريم السماع والجواب عنها احتجوا بقوله تعالى ومن الناس من يشتري لهو الحديث قال ابن مسعود والحسن البصري والنخعي رضي الله عنهم أن لهو الحديث هو الغناء وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله تعالى حرم القينة وبيعها وثمنها وتعليمها فنقول أما القينة فالمراد بها الجارية التي تغني للرجال في مجلس الشرب وقد ذكرنا أن غناء الأجنبية للفساق ومن يخاف عليهم الفتنة حرام وهم لا يقصدون بالفتنة إلا ما هو محظور فأما غناء الجارية لمالكها فلا يفهم تحريمه من هذا الحديث بل لغير مالكها سماعها عند عدم الفتنة بدليل ما روي في الصحيحين من غناء الجاريتين في بيت عائشة رضي الله عنها وأما شراء لهو الحديث بالدين استبدالا به ليضل به عن سبيل الله فهو حرام مذموم وليس النزاع فيه وليس كل غناء بدلا عن الدين مشترى به ومضلا عن سبيل الله تعالى وهو المراد في الآية ولو قرأ القرآن ليضل به عن سبيل الله لكان حراما حكى عن بعض المنافقين أنه كان يؤم الناس ولا يقرأ إلا سورة عبس لما فيها من العتاب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم عمر بقتله ورأى فعله حراما لما فيه من الإضلال فالإضلال بالشعر والغناء أولى بالتحريم واحتجوا بقوله تعالى أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون قال ابن عباس رضي الله عنهما هو الغناء بلغة حمير يعني السمد فنقول ينبغي أن يحرم الضحك وعدم البكاء أيضا لآن الآية تشتمل عليه فإن قيل إن ذلك مخصوص بالضحك على المسلمين لإسلامهم فهذا أيضا مخصوص بأشعارهم وغنائهم في معرض الاستهزاء بالمسلمين كما قال تعالى والشعراء يتبعهم الغاوون وأراد به شعراء الكفار ولم يدل ذلك على تحريم نظم الشعر في نفسه واحتجوا بما روى جابر رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال كان إبليس أول من ناح وأول من تغنى فقد جمع بين النياحة والغناء قلنا لا جرم كما استثنى منه نياحة داود عليه السلام ونياحة المذنبين على خطاياهم فكذلك يستثنى الغناء الذي يراد به تحريك السرور والحزن والشوق حيث يباح تحريكه بل كما استثنى غناء الجاريتين يوم العيد في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وغناؤهن عند قدومه صلى الله عليه وسلم بقولهن

Bagian V02/P284–V02/P285

طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع واحتجوا بما روى أبو إمامة عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ما رفع أحد صوته بغناء إلا بعث الله له شيطانين على منكبيه يضربان بأعقابهما على صدره حتى يمسك قلنا هو منزل على بعض أنواع الغناء الذي قدمناه وهو الذي يحرك من القلب ما هو مراد الشيطان من الشهوة وعشق المخلوقين فأما ما يحرك الشوق إلى الله أو السرور بالعيد أو حدوث الولد أو قدوم الغائب فهذا كله يضاد مراد الشيطان بدليل قصة الجاريتين والحبشة والأخبار التي نقلناها من الصحاح فالتجويز في موضع واحد نص في الإباحة والمنع في ألف موضع محتمل للتأويل ومحتمل للتنزيل أما الفعل فلا تأويل له إذ ما حرم فعله إنما يحل بعارض الإكراه فقط وما أبيح فعله يحرم بعوارض كثيرة حتى النيات والقصود واحتجوا بما روى عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كل شيء يلهو به الرجل فهو باطل إلا تأديبه فرسه ورميه بقوسه وملاعبته لامرأته قلنا فقوله باطل لا يدل على التحريم بل يدل على عدم الفائدة وقد يسلم ذلك على أن التلهي بالنظر إلى الحبشة خارج عن هذه الثلاثة وليس بحرام بل يلحق بالمحصور غير المحصور قياسا كقوله صلى الله عليه وسلم لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث فإنه يلحق به رابع وخامس فكذلك ملاعبة امرأته لا فائدة له إلا التلذذ وفي هذا دليل على أن التفرج في البساتين وسماع أصوات الطيور وأنواع المداعبات مما يلهو به الرجل لا يحرم عليه شيء منها وإن جاز وصفه بأنه باطل واحتجوا بقول عثمان رضي الله عنه ما تغنيت ولا تمنيت ولا مسست ذكري بيميني مذ بايعت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا فليكن التمني ومس الذكر باليمنى حراما إن كان هذا دليل تحريم الغناء فمن أين يثبت أن عثمان رضي الله عنه كان لا يترك إلا الحرام واحتجوا بقول ابن مسعود رضي الله عنه الغناء ينبت في القلب النفاق وزاد بعضهم كما ينبت الماء البقلحديث ابن مسعود الغناء ينبت النفاق في القلب ما ينبت الماء البقل قال المصنف والمرفوع غير صحيح لأن في إسناده من لم يسم رواه أبو داود وهو في رواية ابن العبد ليس في رواية اللؤلؤى ورواه البيهقى مرفوعا وموقوفا ورفعه بعضهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غير صحيح قالوا ومر على ابن عمر رضي الله عنهما قوم محرمون وفيهم رجل يتغنى فقال ألا لا أسمع الله لكم ألا لا أسمع الله لكم وعن نافع أنه قال كنت مع ابن عمر رضي الله عنهما في طريق فسمع زمارة راع فوضع أصبعيه في أذنيه ثم عدل عن الطريق فلم يزل يقول يا نافع أتسمع ذلك حتى قلت لا فأخرج أصبعيه وقال هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنعحديث نافع كنت وابن عمر في طريق فسمع زمارة راع فوضع أصبعيه في أذنية الحديث ورفعه أبو داود وقال هذا حديث منكر وقال الفضيل بن عياض رحمه الله الغناء رقية الزنا وقال بعضهم الغناء رائد من رواد الفجور وقال يزيد بن الوليد إياكم والغناء فإنه ينقص الحياء ويزيد الشهوة ويهدم المروءة وإنه لينوب عن الخمر ويفعل ما يفعله السكر فإن كنتم لا بد فاعلين فجنبوه النساء فإن الغناء داعية الزنا فنقول قول ابن مسعود رضي الله عنه ينبت النفاق أراد به في حق المغني فإنه في حقه ينبت النفاق إذ غرضه كله أن يعرض نفسه على غيره ويروج صوته عليه ولا يزال ينافق ويتودد إلى الناس ليرغبوا في غنائه وذلك أيضا لا يوجب تحريما فإن لبس الثياب الجميلة وركوب الخيل المهملجة وسائر أنواع الزينة والتفاخر بالحرث والأنعام والزرع وغير ذلك ينبت في القلب النفاق والرياء ولا يطلق القول بتحريم ذلك كله فليس السبب في ظهور النفاق في القلب المعاصي فقط بل المباحات التي هي مواقع نظر الخلق أكثر تأثيرا

Bagian V02/P285–V02/P286

ولذلك نزل عمر رضي الله عنه عن فرس هملج تحته وقطع ذنبه لأنه استشعر في نفسه الخيلاء لحسن مطيته فهذا النفاق من المباحات وأما قول ابن عمر رضي الله عنهما ألا لا أسمع الله لكم فلا يدل على التحريم من حيث إنه غناء بل كانوا محرمين ولا يليق بهم الرفث وظهر له من مخايلهم أن سماعهم لم يكن لوجد وشوق إلى زيارة بيت الله تعالى بل لمجرد اللهو فأنكر ذلك عليهم لكونه منكرا بالإضافة إلى حالهم وحال الإحرام وحكايات الأحوال تكثر فيها وجوه الاحتمال وأما وضعه أصبعيه في أذنيه فيعارضه أنه لم يأمر نافعا بذلك ولا أنكر عليه سماعه وإنما فعل ذلك هو لأنه رأى أن ينزه سمعه في الحال وقلبه عن صوت ربما يحرك اللهو ويمنعه عن فكر كان فيه أو ذكر هو أولى منه وكذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أنه لم يمنع ابن عمر لا يدل أيضا على التحريم بل يدل على أن الأولى تركه ونحن نرى أن الأولى تركه في أكثر الأحوال بل أكثر مباحات الدنيا الأولى تركها إذا علم أن ذلك يؤثر في القلب فقد خلع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفراغ من الصلاة ثوب أبي جهم إذ كانت عليه أعلام شغلت قلبه أفترى أن ذلك يدل على تحريم الأعلام على الثوب فلعله صلى الله عليه وسلم كان في حالة كان صوت زمارة الراعي يشغله عن تلك الحالة كما شغله العلم عن الصلاة بل الحاجة إلى استثارة الأحوال الشريفة من القلب بحيلة السماع قصور بالإضافة إلى من هو دائم الشهود للحق وإن كان كمالا بالإضافة إلى غيره ولذلك قال الحصري ماذا أعمل بسماع ينقطع إذا مات من يسمع منه إشارة إلى أن السماع من الله تعالى هو الدائم فالأنبياء عليهم السلام على الدوام في لذة السمع والشهود فلا يحتاجون إلى التحريك بالحيلة وأما قول الفضيل هو رقية الزنا وكذلك ما عداه من الأقاويل القريبة منه فهو منزل على سماع الفساق والمغتلمين من الشبان ولو كان ذلك عاما لما سمع من الجاريتين في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما القياس فغاية ما يذكر فيه أن يقاس على الأوتار وقد سبق الفرق أو يقال هو لهو ولعب وهو كذلك ولكن الدنيا كلها لهو ولعب قال عمر رضي الله عنه لزوجته إنما أنت لعبة في زاوية البيت وجميع الملاعبة مع النساء لهو إلا الحراثة التي هي سبب وجود الولد وكذلك المزح الذي لا فحش فيه حلال نقل ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة كما سيأتي تفصيله في كتاب آفات اللسان إن شاء الله وأي لهو يزيد على لهو الحبشة والزنوج في لعبهم وقد ثبت بالنص إباحته على أني أقول اللهو مروح للقلب ومخفف عنه أعباء الفكر والقلوب إذا أكرهت عميت وترويحها إعانة لها على الجد فالمواظب على التفقه مثلا ينبغي أن يتعطل يوم الجمعة لأن عطلة يوم تبعث على النشاط في سائر الأيام والمواظب على نوافل الصلوات في سائر الأوقات ينبغي أن يتعطل في بعض الأوقات ولأجله كرهت الصلاة في بعض الأوقات فالعطلة معونة على العمل واللهو معين على الجد ولا يصبر على الجد المحض والحق المر إلا نفوس الأنبياء عليهم السلام فاللهو دواء القلب من داء الإعياء والملال فينبغي أن يكون مباحا ولكن لا ينبغي أن يستكثر منه كما لا يستكثر من الدواء فإذا اللهو على هذه النية يصير قربة هذا في حق من لا يحرك السماع من قلبه صفة محمودة يطلب تحريكها بل ليس له إلا اللذة والاستراحة المحضة فينبغي أن يستحب له ذلك ليتوصل به إلى المقصود الذي ذكرناه نعم هذا يدل على نقصان عن ذروة الكمال فإن الكامل هو الذي لا يحتاج أن يروح نفسه بغير الحق ولكن حسنات الأبرار سيئات المقربين ومن أحاط بعلم علاج القلوب ووجوه التلطف بها لسياقتها إلى الحق علم قطعا أن ترويحها بأمثال هذه الأمور دواء نافع لا غنى عنه الباب الثاني آثار السماع وآدابه

Bagian V02/P286–V02/P287

اعلم أن أول درجة السماع فهم المسموع وتنزيله على معنى يقع للمستمع ثم يثمر الفهم الوجد ويثمر الوجد الحركة بالجوارح فلينظر في هذه المقامات الثلاثة المقام الأول في الفهم وهو يختلف باختلاف أحوال المستمع وللمستمع أربعة أحوال إحداها أن يكون سماع بمجرد الطبع أي لاحظ له في السماع إلا استلذاذ الألحان والنغمات وهذا مباح وهو أخسر رتب السماع إذ الإبل شريكه له فيه وكذا سائر البهائم بل لا يستدعى هذا الذوق إلا الحياة فلكل حيوان نوع تلذذ بالأصوات الطيبة الحالة الثانية أن يسمع بفهم ولكن ينزله على صورة مخلوق إما معينا وإما غير معين وهو سماع الشباب وأرباب الشهوات ويكون تنزيلهم للمسموع على حسب شهواتهم ومقتضى أحوالهم وهذه الحالة أخس من أن نتكلم فيها إلا ببيان خستها والنهي عنها الحالة الثالثة أن ينزل ما يسمعه على أحوال نفسه في معاملته لله تعالى وتقلب أحواله في التمكن مرة والتعذر أخرى وهذا سماع المريدين لا سيما المبتدئين فإن للمريد لا محالة مرادا هو مقصده ومقصده معرفة الله سبحانه ولقاؤه والوصول إليه بطريق المشاهدة بالسر وكشف الغطاء وله في مقصده طريق هو سالكه ومعاملات هو مثابر عليها وحالات تستقبله في معاملاته فإذا سمع ذكر عتاب أو خطاب أو قبول أو رد أو وصل أو هجر أو قرب أو بعد أو تلهف على فائت أو تعطش إلى منتظر أو شوق إلى وارد أو طمع أو يأس أو وحشة أو استئناس أو وفاء بالوعد أو نقض للعهد أو خوف فراق أو فرح بوصال أو ذكر ملاحظة الحبيب ومدافعة الرقيب أو همول العبرات أو ترادف الحسرات أو طول الفراق أو عدة الوصال أو غير ذلك مما يشتمل على وصفه الأشعار فلا بد أن يوافق بعضها حال المريد في طلبه فيجري ذلك مجرى القدح الذي يورى زناد قلبه فتشتعل به نيرانه ويقوى به انبعاث الشوق وهيجانه ويهجم عليه بسببه أحوال مخالفة لعادته ويكون له مجال رحب في تنزيل الألفاظ على أحواله وليس على المستمع مراعاة مراد الشاعر من كلامه بل لكل كلام وجوه ولكل ذي فهم في اقتباس المعنى منه حظوظ ولنضرب لهذه التنزيلات والفهوم أمثلة كي لا يظن الجاهل أن المستمع لأبيات فيها ذكر الفم والخد والصدغ إنما يفهم منها ظواهرها ولا حاجة بنا إلى ذكر كيفية فهم المعاني من الأبيات ففي حكايات أهل السماع ما يكشف عن ذلك فقد حكى أن بعضهم سمع قائلا يقول قال الرسول غدا تزور ... فقلت تعقل ما تقول فاستفزه اللحن والقول وتواجد وجعل يكرر ذلك ويجعل مكان التاء نونا فيقول قال الرسول غدا نزور حتى غشى عليه من شدة الفرح واللذة والسرور فلما أفاق سئل عن وجده مم كان فقال ذكرت قول الرسول صلى الله عليه وسلم إن أهل الجنة يزورون ربهم في كل يوم جمعة مرة وحكى الرقى عن ابن الدراج أنه قال كنت أنا وابن الفوطى مارين على دجلة بين البصرة والأبلة فإذا بقصر حسن له منظرة وعليه رجل بين يديه جارية تغني وتقول كل يوم تتلون ... غير هذا بك أحسن فإذا شاب حسن تحت المنظرة وبيده ركوة وعليه مرقعة يستمع فقال يا جارية بالله وبحياة مولاك إلا أعدت علي هذا البيت فأعادت فكان الشاب يقول هذا والله تلوني مع الحق في حالي فشهق شهقة ومات قال فقلنا قد استقبلنا فرض فوقفنا فقال صاحب القصر للجارية أنت حرة لوجه الله تعالى قال ثمإن أهل البصرة خرجوا وهذا القصر للسبيل قال ثم رمى بثيابه واتزر بإزار وارتدى بآخر ومر على وجهه والناس ينظرون إليه حتى غاب عن أعينهم وهم يبكون فلم يسمع له بعد خبر والمقصود أن هذا الشخص كان مستغرق الوقت بحاله مع الله تعالى ومعرفة عجزه عن الثبوت على حسن الأدب في المعاملة وتأسفه على تقلب قلبه وميله عن سنن الحق فلما قرع سمعه ما يوافق حاله سمعه من الله تعالى كأنه يخاطبه ويقول له كل يوم تتلون ... غير هذا بك أحسن ومن كان سماعه من الله تعالى وعلى الله وفيه

Bagian V02/P287–V02/P289

فينبغي أن يكون قد أحكم قانون العلم في معرفة الله تعالى ومعرفة صفاته وإلا خطر له من السماع في حق الله تعالى ما يستحيل عليه ويكفر به ففي سماع المريد المبتدئ خطر إلا إذا لم ينزل ما يسمع إلا على حاله من حيث لا يتعلق بوصف الله تعالى ومثال الخطأ فيه هذا البيت بعينه فلو سمعه في نفسه وهو يخاطب به ربه عز وجل فيضيف التلون إلى الله تعالى فيكفر وهذا قد يقع عن جهل محض مطلق غير ممزوج بتحقيق وقد يكون عن جهل ساقه إليه نوع من التحقيق وهو أن يرى تقلب أحوال قلبه بل تقلب أحوال سائر العالم من الله وهو حق فإنه تارة يبسط قلبه وتارة يقبضه وتارة ينوره وتارة يظلمه وتارة يقسيه وتارة يلينه وتارة يثبته على طاعته ويقويه عليها وتارة يسلط الشيطان عليه ليصرفه عن سنن الحق وهذا كله من الله تعالى ومن يصدر منه أحوال مختلفة في أوقات متقاربة فقد يقال له في العادة إنه ذو بداوات وإنه متلون ولعل الشاعر لم يرد به إلا نسبة محبوبة إلى التلون في قبوله ورده وتقريبه وإبعاده وهذا هو المعنى فسماع هذا كذلك في حق الله تعالى كفر محض بل ينبغي أن يعلم أنه سبحانه وتعالى يلون ولا يتلون ويغير ولا يتغير بخلاف عباده وذلك العلم يحصل للمريد باعتقاد تقليدي إيماني ويحصل للعارف البصير بيقين كشفي حقيقي وذلك من أعاجيب أوصاف الربوبية وهو المغير من غير تغير ولا يتصور ذلك إلا في حق الله تعالى بل كل مغير سواه فلا يغير ما لم يتغير ومن أرباب الوجد من يغلب عليه حال مثل السكر المدهش فيطلق لسانه بالعتاب مع الله تعالى ويستنكر اقتهاره للقلوب وقسمته للأحوال الشريفة على تفاوت فإنه المستصفى لقلوب الصديقين والمبعد لقلوب الجاحدين والمغرورين فلا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع ولم يقطع التوفيق عن الكفار لجناية متقدمة ولا أمد الأنبياء عليهم السلام بتوفيقه ونور هدايته لوسيلة سابقة ولكنه قال ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين وقال عز وجل ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين وقال تعالى إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون فإن خطر ببالك أنه لم اختلفت السابقة وهم في ربقه العبودية مشتركون نوديت من سرادقات الجلال لا تجاوز حد الأدب فإنه لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون ولعمري تأدب اللسان والظاهر مما يقدر عليه الأكثرون فأما تأدب السر عن إضمار الاستبعاد بهذا الاختلاف الظاهر في التقريب والإبعاد والإشقاء والإسعاد مع بقاء السعادة والشقاوة أبد الآباد فلا يقوى عليه إلا العلماء الراسخون في العلم ولهذا قال الخضر عليه السلام لما سئل عن السماع في المنام إنه الصفو الزلال الذي لا يثبت عليه إلا أقدام العلماء لأنه محرك لأسرار القلوب ومكامنها ومشوش لها تشويش السكر المدهش الذي يكاد يحل عقدة الأدب عن السر إلا ممن عصمه الله تعالى بنور هدايته ولطيف عصمته ولذلك قال بعضهم ليتنا نجونا من هذا السماع رأسا برأس ففي هذا الفن من السماع خطر يزيد على خطر السماع المحرك للشهوة فإن غاية ذلك معصية وغاية الخطأ ههنا كفر واعلم أن الفهم قد يختلف بأحوال المستمع فيغلب الوجد على مستمعين لبيت واحد وأحدهما مصيب في الفهم والآخر مخطىءأو كلاهما مصيبان وقد فهما معنيين مختلفين متضادين ولكنه بالإضافة إلى اختلاف أحوالهما لا يتناقض كما حكى عن عتبة الغلام أنه سمع رجلا يقول سبحان جبار السما ... إن المحب لفي عنا فقال صدقت وسمعه رجل آخر فقال كذبت فقال بعض ذوي البصائر أصابا جميعا وهو الحق فالتصديق كلام محب غير ممكن من المراد بل مصدود متعب بالصد والهجر والتكذيب كلام مستأنس بالحب مستلذ لما يقاسيه بسبب فرط حبه غير متأثر به أو كلام محب غير مصدود عن مراده في الحال ولا مستشعر بخطر الصد في المآل وذلك لاستيلاء الرجاء وحسن الظن على قلبه فباختلاف هذه الأحوال يختلف الفهم

Bagian V02/P289–V02/P290

وحكى عن أبي القاسم بن مروان وكان قد صحب أبا سعيد الخراز رحمه الله وترك حضور السماع سنين كثيرة فحضر دعوة وفيها إنسان يقول واقف في الماء عطشان ... ولكن ليس يسقى فقام القوم وتواجدوا فلما سكنوا سألهم عن معنى ما وقع لهم من معنى البيت فأشاروا إلى التعطش إلى الأحوال الشريفة والحرمان منها مع حضور أسبابها فلم يقنعه ذلك فقالوا له فماذا عندك فيه فقال أن يكون في وسط الأحوال ويكرم بالكرامات ولا يعطى منها ذرة وهذه إشارة إلى إثبات حقيقة وراء الأحوال والكرامات والأحوال سوابقها والكرامات تسنح في مباديها والحقيقة بعد لم يقع الوصول إليها ولا فرق بين المعنى الذي فهمه وبين ما ذكروه إلا في تفاوت رتبة المتعطش إليه فإن المحروم عن الأحوال الشريفة أولا يتعطش إليها فإن مكن منها تعطش إلى ما وراءها فليس بين المعنيين اختلاف في الفهم بل الاختلاف بين الرتبتين وكان الشبلي رحمه الله كثيرا ما يتواجد على هذا البيت ودادكم هجر وحبكم قلى ... ووصلكم صرم وسلمكم حرب وهذا البيت يمكن سماعه على وجوه مختلفة وبعضها حق وبعضها باطل وأظهرها أن يفهم هذا في الخلق بل في الدنيا بأسرها بل في كل ما سوى الله تعالى فإن الدنيا مكارة خداعة قتالة لأربابها معادية لهم في الباطن ومظهرة صورة الود فما امتلأت منها دار حبرة إلا امتلأت عبرة كما ورد في الخبر وكما قال الثعلبي في وصف الدنيا تنح عن الدنيا فلا تخطبنها ... ولا تخطبن قتالة من تناكح فليس يفي مرجوها بمخوفها ... ومكروهها أما تأملت راجح لقد قال فيها الواصفون فأكثروا ... وعندي لها وصف لعمري صالح سلاف قصاراها زعاف ومركب ... شهى إذا استذللته فهو جامح وشخص جميل يؤثر الناس حسنه ... ولكن له أسرار سوء قبائح والمعنى الثاني أن ينزله على نفسه في حق الله تعالى فإنه إذا تفكر فمعرفته جهل إذ ما قدروا الله حق قدره وطاعته رياء إذ لا يتقي الله حق تقاته وحبه معلول إذ لا يدع شهوة من شهواته في حبه ومن أراد الله به خيرا بصره بعيوب نفسه فيرى مصداق هذا البيت في نفسه وإن كان على المرتبة بالإضافة إلى الغافلين ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك وقال صلى الله عليه وسلم إني لأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة وإنما كان استغفاره عن أحوال هي درجات بعد بالإضافة إلى ما بعدها وإن كانت قربا بالإضافة إلى ما قبلها فلا قرب إلا ويبقى وراءه قرب لا نهاية له إذ سبيل السلوك إلى الله تعالى غير متناه والوصول إلى أقصى درجات القرب محال والمعنى الثالث أن ينظر في مبادئ أحواله فيرتضيها ثم ينظر في عوافيها فيزدريها لإطلاعه على خفايا الغرور فيها فيرى ذلك من الله تعالى فيستمع البيت في حق الله تعالى شكاية من القضاء والقدر وهذا كفر كما سبق بيانه وما من بيت إلا ويمكن تنزيله على معان وذلك بقدر غزارة علم المستمع وصفاء قلبه الحالة الرابعة سماع من جاوز الأحوال والمقامات فعزب عن فهم ما سوى الله تعالى حتى عزب عن نفسه وأحوالها ومعاملاتها وكان كالمدهوش الغائص في بحر عين الشهود الذي يضاهي حاله حال النسوة اللاتي قطعن أيديهن في مشاهدة جمال يوسف عليه السلام حتى دهشن وسقط إحساسهن وعن مثل هذه الحالة تعبر الصوفية بأنه قد فنى عن نفسه ومهما فنى عن نفسه فهو عن غيره أفنى فكأنه فنى عن كل شيء إلا عن الواحد المشهود وفنى أيضا عن الشهود فإن القلب أيضا إذا التفت إلى الشهود وإلى نفسه بأنه مشاهد فقد غفل عن المشهود فالمستهتر بالمرئي لا التفات له في حال استغراقه إلى رؤيته ولا إلى عينه التي بها رؤيته ولا إلى قلبه الذي به لذته فالسكران لا خبر له من سكره والمتلذذ لا خبر له من التذاذه وإنما خبره من المتلذذ به فقط

Bagian V02/P290–V02/P291

ومثاله العلم بالشيء فإنه مغاير للعلم في حق المخلوق وتطرأ أيضا في حق الخالق ولكنها في الغالب تكن كالبرق الخاطف الذي لا يثبت ولا يدوم وإن دام لم تطقه القوة البشرية فربما اضطرب تحت أعبائه اضطرابا تهلك به نفسه كما روي عن أبي الحسن النوري أنه حضر مجلسا فسمع هذا البيت ما زلت أنزل من ودادك منزلا ... تتحير الألباب عند نزوله فقام وتواجد وهام على وجهه فوقع في أجمة قصب قد قطع وبقيت أصوله مثل السيوف فصار يعدو فيها ويعيد البيت إلى الغداة والدم يخرج من رجليه حتى ورمت قدماه وساقاه وعاش بعد ذلك أياما ومات رحمه الله فهذه درجة الصديقين في الفهم والوجد فهي أعلى الدرجات لأن السماع على الأحوال نازل عن درجات الكمال وهي ممتزجة بصفات البشرية وهو نوع قصور وإنما الكمال أن يفنى بالكلية عن نفسه وأحواله أعني أنه ينساها فلا يبقى له التفات إليها كما لم يكن للنسوة التفات إلى الأيدي والسكاكين فيسمع لله وبالله وفي الله ومن الله وهذه رتبة من خاض لجة الحقائق وعبر ساحل الأحوال والأعمال واتحد بصفاء التوحيد وتحقق بمحض الإخلاص فلم يبق فيه منه شيء أصلا بل خمدت بالكلبة بشريته وفنى التفاته إلى صفات البشرية رأسا ولست أعني بفنائه فناء جسده بل فناء قلبه ولست أعني بالقلب اللحم والدم بل سر لطيف له إلى القلب الظاهر نسبة خفية وراءها سر الروح الذي هو من أمر الله عز وجل عرفها من عرفها وجهلها من جهلها ولذلك السر وجود وصورة ذلك الوجود ما يحضر فيه فإذا حضر فيه غيره فكأنه لا وجود إلا للحاضر ومثاله المرآة المجلوة إذ ليس لها لون في نفسها بل لونها لون الحاضر فيها وكذلك الزجاجة فإنها تحكى لون قرارها ولونها لون الحاضر فيها وليس لها في نفسها صورة بل صورتها قبول الصور ولونها هو هيئة الاستعداد لقبول الألوان ويعرب عن هذه الحقيقة أعني سر القلب بالإضافة إلى ما يحضر فيه قول الشاعر رق الزجاج ورقت الخمر ... فتشابها فتشاكل الأمر فكأنما خمر ولا قدح ... وكأنما قدح ولا خمر وهذا مقام من مقامات علوم المكاشفة منه نشأ خيال من ادعى الحلول والاتحاد وقال أنا الحق وحوله يدندن كلام النصارى في دعوى اتحاد اللاهوت بالناسوت أو تدرعها بها أو حلولها فيها على ما اختلف فيهم عباراتهم وهو غلط محض يضاهي غلط من يحكم على المرآة بصورة الحمرة إذ ظهر فيها لون الحمرة مقابلها وإذا كان هذا لا غير لائق بعلم المعاملة فلنرجع إلى الغرض فقد ذكرنا تفاوت الدرجات في فهم المسموعات المقام الثاني بعد الفهم والتنزيل الوجد وللناس كلام طويل في حقيقة الوجد أعني الصوفية والحكماء الناظرين في وجه مناسبة السماع للأرواح فلننقل من أقوالهم الفاظا ثم لنكشف عن الحقيقة فيه أما الصوفية فقد قال ذو النون المصري رحمه الله في السماع إنه وارد حق جاء يزعج القلوب إلى الحق فمن أصغى إليه بحق تحقق ومن أصغى إليه بنفس تزندق فكأنه عبر عن الوجد بانزعاج القلوب إلى الحق وهو الذي يجده عند ورود وارد السماع إذ سمي السماع وارد حق وقال أبو الحسين الدراج مخبرا عما وجده في السماع الوجد عبارة عما يوجد عند السماع وقال جال بي السماع في ميادين البهاء فاوجدني وجود الحق عند العطاء فسقاني بكأس الصفاء فادركت به منازل الرضاء وأخرجني إلى رياض التنزه والفضاء وقال الشبلي رحمه الله السماع ظاهره فتنة وباطنه عبرة فمن عرف الإشارة حل له استماع العبارة وإلا فقد استدعى الفتنة وتعرض للبلية وقال بعضهم السماع غذاء الأرواح لأهل المعرفة لأنه وصف يدق عن سائر الأعمال ويدرك برقة الطبع لرقته وبصفاء السر لصفائه ولطفه عند أهله وقال عمرو بن عثمان المكي لا يقع على كيفية الوجد عبارة لأنه سر الله عند عباده المؤمنين الموقنين وقال بعضهم الوجد مكاشفات من الحق

Bagian V02/P291–V02/P292

وقال أبو سعيد بن الأعرابي الوجد رفع الحجاب ومشاهدة الرقيب وحضور الفهم وملاحظة الغيب ومحادثة السر وإيناس المفقود وهو فناؤك من حيث أنت وقال أيضا الوجد أول درجات الخصوص وهو ميراث التصديق بالغيب فلما ذاقوه وسطع في قلوبهم نوره زال عنهم كل شك وريب وقال أيضا الذي يحجب عن الوجد رؤية آثار النفس والتعلق بالعلائق والأسباب لأن النفس محجوبة بأسبابها فإذا انقطعت الأسباب وخلص الذكر وصحا القلب ورق وصفا ونجحت الموعظة فيه وحل من المناجاة في محل قريب وخوطب وسمع الخطاب بأذن واعية وقلب شاهد وسر ظاهر فشاهد ما كان منه خاليا فذلك هو الوجد لأنه قد وجد ما كان معدوما عنده وقال أيضا الوجد ما يكون عند ذكر مزعج أو خوف مقلق أو توبيخ على زلة أو محادثة بلطيفة أو إشارة إلى فائدة أو شوق إلى غائب أو أسف على فائت أو ندم على ماض أو استجلاب إلى حال أو داع إلى واجب أو مناجاة بسر وهو مقابلة الظاهر بالظاهر والباطن بالباطن والغيب بالغيب والسر بالسر واستخراج مالك بما عليك مما سبق للسعي فيه فيكتب ذلك لك بعد كونه منك فيثبت لك قدم بلا قدم وذكر بلا ذكر إذ كان هو المبتدئ بالنعم والمتولى وإليه يرجع الأمر كله فهذا ظاهر علم الوجد وأقوال الصوفية من هذا الجنس في الوجد كثيرة وأما الحكماء فقال بعضهم في القلب فضيلة شريفة لم تقدر قوة النطق على إخراجها باللفظ فأخرجتها النفس بالألحان فلما ظهرت سرت وطربت إليها فاستمعوا من النفس وناجوها ودعوا مناجاة الظواهر وقال بعضهم نتائج السماع استنهاض العاجز من الرأي واستجلاب العازب من الأفكار وحدة الكال من الأفهام والآراء حتى يثوب ما عزب وينهض ما عجز ويصفو ما كدر ويمرح في كل رأي ونية فيصيب ولا يخطىء ويأتي ولا يبطىء وقال آخر كما إن الفكر يطرق العلم إلى المعلوم فالسماع يطرق القلب إلى العالم الروحاني وقال بعضهم وقد سئل عن سبب حركة الأطراف بالطبع على وزن الألحان والإيقاعات فقال ذلك عشق عقلي والعاشق العقلي لا يحتاج إلى أن يناغي معشوقه بالمنطق الجرمي بل يناغيه ويناجيه بالتبسم واللحظ والحركة اللطيفة بالحاجب والجفن والإشارة وهذه نواطق أجمع إلا أنها روحانية وأما العاشق البهيمي فإنه يستعمل المنطق الجرمي ليعبر به عن ثمرة ظاهر شوقه الضعيف وعشقه الزائف وقال آخر من حزن فليسمع الألحان فإن النفس إذا دخلها الحزن خمد نورها وإذا فرحت اشتعل نورها وظهر فرحها فيظهر الحنين بقدر قبول القابل وذلك بقدر صفائه ونقائه من الغش والدنس والأقاويل المقررة في السماع والوجد كثيرة ولا معنى للاستكثار من إيرادها فلنشتغل بتفهيم المعنى الذي الوجد عبارة عنه فنقول إنه عبارة عن حالة يثمرها السماع وهو وارد حق جديد عقيب السماع يجده المستمع من نفسه وتلك الحالة لا تخلو عن قسمين فإنها إما أن ترجع إلى مكاشفات ومشاهدات هي من قبيل العلوم والتنبيهات وإما أن ترجع إلى تغيرات وأحوال ليست من العلوم بل هي كالشوق والخوف والحزن والقلق والسرور والأسف والندم والبسط والقبض وهذه الأحوال يهيجها السماع ويقويها فإن ضعف بحيث لم يؤثر في تحريك الظاهر أو تسكينه أو تغيير حاله حتى يتحرك على خلاف عادته أو يطرق أو يسكن عن النظر والنطق والحركة على خلاف عادته لم يسم وجدا وإن ظهر على الظاهرسمى وجدا إما ضعيفا وإما قويا بحسب ظهوره وتغييره للظاهر وتحريكه بحسب قوة وروده وحفظ الظاهر عن التغيير بحسب قوة الواجد وقدرته على ضبط جوارحه فقد يقوى الوجد في الباطن ولا يتغير الظاهر لقوة صاحبه وقد لا يظهر لضعف الوارد وقصوره عن التحريك وحل عقد التماسك

Pertanyaan