Qur'an&Sunnah

Gazâlî — İhyâü Ulûmi'd-Dîn

Bagian V04/P498

قال البراء بن عازب خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبره منكسا رأسه ثم قال اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ثلاثا ثم قال إن المؤمن إذا كان في قبل من الآخرة بعث الله ملائكة كأن وجوههم الشمس معهم حنوطه وكفنه فيجلسون مد بصره فإذا خرجت روحه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض وكل ملك في السماء وفتحت أبواب السماء فليس منها باب إلا يحب أن يدخل بروحه منه فإذا صعد بروحه قيل أي رب عبدك فلان فيقول ارجعوه فأروه ما أعددت له من الكرامة فإني وعدته منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى وإنه ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين حتى يقال يا هذا من ربك وما دينك وما نبيك فيقول ربي الله وديني الإسلام ونبي محمد صلى الله عليه وسلم قال فينتهرأنه انتهارا شديدا وهي آخر فرصة تعرض على الميت فإذا قال ذلك نادى مناد أن قد صدقت وهي معنى قوله تعالى {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت} ثم يأتيه آت حسن الوجه طيب الريح حسن الثياب فيقول أبشر برحمة ربك وجنات فيها نعيم مقيم فيقول وأنت فبشرك الله بخير من أنت فيقول أنا عملك الصالح والله ما علمت أن كنت لسريعا إلى طاعة الله بطيئا عن معصية الله فجزاك الله خيرا {قال} ثم يناد مناد أن افرشوا له من فرش الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة فيفرش له من فرش الجنة ويفتح له باب إلى الجنة فيقول اللهم عجل قيام الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي {قال} وأما الكافر فإنه إذا كان في قبل من الآخرة وانقطاع من الدنيا نزلت إليه ملائكة غلاظ شداد معهم ثياب من نار وسرابيل من قطران فيحتوشونه فإذا خرجت نفسه لعنه كل ملك بين السماء والأرض وكل ملك في السماء وغلقت أبواب السماء فليس بها باب إلا يكره أن يدخل بروحه منه فإذا صعد بروحه نبذ وقيل أي ربعبدك فلان لم تقبله سماء ولا ارض فيقول الله عز وجل ارجعوه فأروه ما أعددت له من الشر إني وعدته {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى} وأنه ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين حتى يقال له يا هذا من ربك ومن نبيك وما دينك فيقول لا أدرى فيقال لا دريت ثم يأتيه آت قبيح الوجه منتن الريح قبيح الثياب فيقول أبشر بسخط من الله وبعذاب أليم مقيم فيقول بشرك الله شرا من أنت فيقول أنا عملك الخبيث والله إن كنت لسريعا في معصية الله بطيئا عن طاعة الله فجزاك الله شرا فيقول وأنت فجزاك الله شرا ثم يقيض له أعمى أصم أبكم معه مرزبة من حديد لو اجتمع عليها الثقلان على أن يقلوها لم يستطيعوا لو ضرب بها جبل صار ترابا فيضربه بها ضربة فيصير ترابا ثم تعود فيه الروح فيضربه بها بين عينيه ضربة يسمعها من على الأرضين ليس الثقلين {قال} ثم ينادي مناد أن افرشوا له لوحين من النار وافتحوا له بابا إلى النار فيفرش له لوحان من نار ويفتح له باب إلى النار وقال محمد بن علي ما من ميت يموت إلا مثل له

Bagian V04/P498–V04/P500

عند الموت أعماله الحسنة وأعماله السيئة قال فيشخص إلى حسناته ويطرق عن سيئاته وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن المؤمن إذا احتضر أتته الملائكة بحريرة فيها مسك وضبائر الريحان فتسل روحه كما تسل الشعرة من العجين ويقال أيتها النفس المطمئنة اخرجي راضية ومرضيا عنك إلى روح الله وكرامته فإذا أخرجت روحه وضعت على ذلك المسك والريحان وطويت عليها الحريرة وبعث بها إلى عليين وإن الكافر إذا احتضر أتته الملائكة بمسح فيه جمرة فتنزع روحه انتزاعا شديدا ويقال أيتها النفس الخبيثة أخرجي ساخطة ومسخوط عليك إلى هوان الله وعذابه فإذا أخرجت روحه وضعت على تلك الجمرة وأن لها نشيشا ويطوى عليها المسح ويذهب بها إلى سجين وعن محمد بن كعب القرظي أنه كان يقرأ قوله تعالى حتى إذا جاء أحدهم الموت قال ربي أرجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت قال أي شيء تريد في أي شيء ترغب أتريد أن ترجع لتجمع المال وتغرس الغراس وتبني البنيان وتشق الأنهار قال لا لعلي أعمل صالحا فيما تركت قال فيقول الجبار {كلا إنها كلمة هو قائلها} أي ليقولنها عند الموت وقال أبو هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن في قبره في روضة خضراء ويرحب له في قبره سبعون ذراعا ويضىء حتى يكون كالقمر ليلة البدر هل تدرون فيماذا أنزلت فإن له معيشة ضنكا قالوا الله ورسوله أعلم قال عذاب الكافر في قبره يسلط عليه تسعة وتسعون تنينا هل تدرون ما التنين تسعة وتسعون حية لكل حية تسعة رؤوس يخدشونه ويلحسونه وينفخون في جسمه إلى يوم يبعثون ولا ينبغي أن يتعجب من هذا العدد على الخصوص فإن أعداد هذه الحيات والعقارب بعدد الأخلاق المذمومة من الكبر والرياء والحسد والغل والحقد وسائر الصفات فإن لها أصولا معدودة ثم تتشعب منها فروع معدودة ثم تنقسم فروعها إلى أقسام وتلك الصفات بأعيانها هي المهلكات وهي بأعيانها تنقلب عقارب وحيات فالقوي منها يلدغ لدغ التنين والضعيف يلدغ لدغ العقرب وما بينهما يؤذي إيذاء الحية وأرباب القلوب والبصائر يشاهدون بنور البصيرة هذه المهلكات والشعاب فروعها إلا أن مقدار عددها لا يوقف عليه إلا بنور النبوة فأمثال هذه الأخبار لها ظواهر صحيحة وأسرار خفية ولكنها عند أرباب البصائر واضحة فمن لم تنكشف له حقائقها فلا ينبغي أن ينكر ظواهرها بل أقل درجات الإيمان التصديق والتسليم فإن قلت فنحن نشاهد الكافر في قبره مدة ونراقبه ولا نشاهد شيئا من ذلك فما وجه التصديق على خلاف المشاهدة فأعلم أن لك ثلاث مقامات في التصديق بأمثال هذا إحداهما وهو الأظهر والأصح والأسلم أن تصدق بأنها موجودة وهي تلدغ الميت ولكنك لا تشاهد ذلك فإن هذه العين لا تصلح لمشاهدة الأمور الملكوتية وكل ما يتعلق بالآخرة فهو من علم الملكوت أما ترى الصحابة رضي الله عنهم كيف كانوا يؤمنون بنزول جبريل وما كانوا يشاهدونه ويؤمنون بأنه عليه السلام يشاهده فإن كنت لا تؤمن بهذا فتصحيح أصل الإيمان بالملائكة والوحي أهم عليك وإن كنت آمنت به وجوزت أن يشاهد النبي مالا تشاهده الأمة فكيف لا تجوز هذا في الميت وكما أن الملك لا يشبه الآدميين والحيوانات فالحيات والعقارب التي تلدغ في القبر ليست من جنس حيات عالمنا بل هي جنس آخر وتدرك بحاسة أخرى المقام الثاني أن تتذكر أمر النائم وأنه قد يرى في نومه حية تلدغه وهو يتألم بذلك حتى تراه يصبح في نومه ويعرق جبينه وقد ينزعج من مكانه كل ذلك يدركه من نفسه ويتأذى به كما يتأذى اليقظان وهو يشاهده وأنت ترى ظاهره ساكنا ولا ترى حواليه حية والحية موجودة في حقه والعذاب حاصل ولكنه في حقك غير مشاهد وإذا كان العذاب في ألم اللدغ فلا فرق بين حية تتخيل أو تشاهد

Bagian V04/P500–V04/P501

المقام الثالث أنك تعلم أن الحية بنفسها لا تؤلم بل الذي يلقاك منها وهو السم ثم السم ليس هو الألم بل عذابك في الأثر الذي يحصل فيك من السم فلو حصل مثل ذلك الأثر من غير سم لكان العذاب قد توفر وكان لا يمكن تعريف ذلك النوع من العذاب إلا بأن يضاف إلى السبب الذي يفضى إليه في العادة فإنه لو خلق في الإنسان لذة الوقاع مثلا من غير مباشرة صورة الوقاع لم يمكن تعريفها إلا بالإضافة إليه لتكون الإضافة للتعريف بالسبب وتكون ثمرة السبب حاصلة وإن لم تحصل صورة السبب السبب يراد لثمرته لا لذاته وهذه الصفات المهلكات تنقلب مؤذيات ومؤلمات في النفس عند الموت فتكون آلامها كآلام لدغ الحيات من غير وجود حيات وانقلاب الصفة مؤذية يضاهي انقلاب العشق مؤذيا عند موت المعشوق فإن كان لذيذا فطرأت حالة صار اللذيذ بنفسه مؤلما حتى يرد بالقلب وأنواع العذاب ما يتمنى معه إن لم يكن قد تنعم من العشق والوصال بل هذا بعينه أحد أنواع عذاب الميت فإنه قد سلط العشق في الدنيا على نفسه فصار يعشق ماله وعقاره وجاهه وولده وأقاربه ومعارفه ولو أخذ جميع ذلك في حياته من لا يرجو استرجاعه منه فماذا ترى يكون حاله أليس يعظم شقاؤه ويشتد عذابه ويتمنى ويقول ليته لم يكن لي مال قط ولا جاه قط فكنت لا أتاذى بفراقه فالموت عبارة عن مفارقة المحبوبات الدنيوية كلها دفعة واحدة ما حال من كان له واحد ... غيب عنه ذلك الواحد فما حال من لا يفرح إلا بالدنيا فتؤخذ منه الدنيا وتسلم إلى أعدائه ثم ينضاف إلى هذا العذاب تحسره على ما فاته من نعيم الآخرة والحجاب عن الله عز وجل فإن حب غير الله يحجبه عن لقاء الله والتنعم به فيتوالى عليه ألم فراق جميع محبوباته وحسرته ما فاته من نعيم الآخرة أبد الآباد وذل الرد والحجاب عن الله تعالى وذلك هو العذاب الذي يعذب به إذ لا يتبع نار الفراق إلا نار جهنم كما قال تعالى {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم} وأما من لم يأنس بالدنيا ولم يحب إلا الله وكان مشتاقا إلى لقاء الله فقد تخلص من سجن الدنيا ومقاساة الشهوات فيها وقدم على محبوبه وانقطعت عنه العوائق والصوارف وتوفر عليه النعيم مع الأمن من الزوال أبد الآباد ولمثل ذلك فليعمل العاملون والمقصود أن الرجل قد يحب فرسه بحيث لو خير بين أن يؤخذ منه وبين أن تلدغه عقرب آثر الصبر على لدغ العقرب فإذن ألم فراق الفرس عنده أعظم من العقرب وحبه الفرس هو الذي يلدغه إذا أخذ منه فرسه فليستعد لهذه اللدغات فإن الموت يأخذ منه فرسه ومركبه وداره وعقاره وأهله وولده وأحبائه ومعارفه ويأخذ منه جاهه وقبوله بل يأخذ منه سمعه وبصره وأعضاءه وييأس من رجوع جميع ذلك إليه فإذا لم يحب سواه وقد أخذ جميع ذلك منه فذلك أعظم عليه من العقارب والحيات وكما لو أخذ ذلك منه وهو حي فيعظم عقابه فكذلك إذا مات لأنا قد بينا أن المعنى الذي هو المدرك للآلام واللذات لم يمت بل عذابه بعد الموت أشد لأنه في الحياة يتسلى بأسباب يشغل بها حواسه من مجالسة ومحادثة ويتسلى برجاء العود إليه ويتسلى برجاء العوض منه ولا سلوة

Bagian V04/P501–V04/P502

بعد الموت إذ قد انسد عليه طرق التسلي وحصل اليأس فإذن كل قميص له ومنديل قد أحبه بحيث كان يشق عليه لو أخذ منه فإنه يبقى متأسفا عليه ومعذبا به فإن كان مخفا في الدنيا سلم وهو المعني بقولهم نجا المخفون وإن كان مثقلا عظم عذابه وكما أن الحال من يسرق منه دينار أخف من حال من يسرق منه عشرة دنانير فكذلك حال صاحب الدرهم أخف من حال صاحب الدرهمين وهو المعنى بقوله صلى الله عليه وسلم صاحب الدرهم أخف حسابا من صاحب الدرهمين وما من شيء من الدنيا يتخلف عنك عند الموت إلا وهو حسرة عليك بعد الموت فإن شئت فاستكثر وإن شئت فاستقلل فإن استكثرت فلست بمستكثر إلا من الحسرة وإن استقللت فلست تخفف إلا من ظهرك وإنما تكثر الحيات والعقارب في قبور الأغنياء الذين استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وفرحوا بها واطمأنوا إليها فهذه مقامات الإيمان في حيات القبر وعقاربه وفي سائر أنواع عذابه رأى أبو سعيد الخدري ابنا له قد مات في المنام فقال له يا بني عظني قال لا تخالف الله تعالى فيما يريد قال يا بني زدني قال يا أبت لا تطيق قال قل قال لا تجعل بينك وبين الله قميصا فما لبس قميصا ثلاثين سنة فإن قلت فما الصحيح من هذه المقامات الثلاث فأعلم أن في الناس من لم يثبت إلا الأول وأنكر ما بعده ومنهم من أنكر الأول وأثبت الثاني ومنهم من لم يثبت إلا الثالث وإنما الحق الذي انكشف لنا بطريق الاستبصار أن كل ذلك في حيز الإمكان وأن من ينكر بعض ذلك فهو لضيق حوصلته وجهله باتساع قدرة الله سبحانه وعجائب تدبيره فينكر من أفعال الله تعالى ما لم يأنس به ويألفه وذلك جهل وقصور بل هذه الطرق الثلاثة في التعذيب ممكنة والتصديق بها واجب ورب عبد يعاقب بنوع واحد من هذه الأنواع ورب عبد تجمع عليه هذه الأنواع الثلاثة نعوذ بالله من عذاب الله قليله وكثيره هذا هو الحق فصدق به تقليدا فيعز على بسيط الأرض من يعرف ذلك تحقيقا والذي أوصيك به أن لا تكثر نظرك في تفصيل ذلك ولا تشتغل بمعرفته بل اشتغل بالتدبير في دفع العذاب كيفما كان فإن أهملت العمل والعبادة واشتغلت بالبحث عن ذلك كنت كمن أخذه سلطان وحبسه ليقطع يده ويجدع أنفه فأخذ طول الليل يتفكر في أنه هل يقطعه بسكين أو بسيف أو بموسى وأهمل طريق الحيلة في دفع أصل العذاب عن نفسه وهذا غاية الجهل فقد علم على القطع أن العبد لا يخلو بعد الموت من عذاب عظيم أو نعيم مقيم فينبغي أن يكون الاستعداد له فأما البحث عن تفصيل العقاب والثواب ففضول وتضييع زمان بيان سؤال منكر ونكير وصورتهما وضغطة القبر وبقية القول في عذاب القبر قال أبو هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا مات العبد أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما منكر وللآخر نكير فيقولان ما كنت تقول في النبي فإن كان مؤمنا قال هو عبد الله ورسوله أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فيقولان إن كنا لنعلم أنك تقول ذلك ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين ذراعا وينور له في قبره ثم يقال له نم فيقول دعوني أرجع إلى أهلي فأخبرهم فيقال له نم فينام كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك وإن كان منافقا قال لا أدري

Bagian V04/P502–V04/P503

كنت أسمع الناس يقولون شيئا وكنت أقوله فيقولان إن كنا لنعلم أنك تقول ذلك ثم يقال للأرض التئمي عليه فتلتئم عليه حتى تختلف فيها أضلاعه فلا يزال معذبا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك وعن عطاء بن يسار قال قال رسول الله لعمر بن الخطاب رضي الله عنه يا عمر كيف بك إذا انت مت فانطلق بك قومك فقاسوا لك ثلاثة أذرع في ذراع وشبر ثم رجعوا إليك فغسلوك وكفنوك وحنطوك ثم احتملوك حتى يضعوك فيه ثم يهيلوا عليك التراب ويدفنوك فإذا انصرفوا عنك أتاك فتانا القبر منكر ونكير أصواتهما كالرعد القاصف وأبصارهما كالبرق الخاطف يجران أشعارهما ويبحثان القبر بأنيابهما فتلتلاك وترتراك كيف بك عند ذلك يا عمر فقال عمر ويكون معى مثل عقلي الآن قال {نعم} قال إذن أكفيكهما وهذا نص صريح في أن العقل لا يتغير بالموت إنما يتغير البدن والأعضاء فيكون الميت عاقلا مدركا عالما بالآلام واللذات كما كان لا يتغيرمن عقله شيء وليس العقل المدرك هذه الأعضاء بل هو شيء باطن ليس له طول ولا عرض بل الذي لا ينقسم في نفسه هو المدرك للأشياء ولو تناثرت أعضاء الإنسان كلها ولم يبق إلا الجزء المدرك الذى لا يتجزأ ولا ينقسم لكان الإنسان العاقل بكماله قائما باقيا وهو كذلك بعد الموت فإن ذلك الجزء لا يحله الموت ولا يطرأ عليه العدم وقال محمد بن المنكدر بلغنى أن الكافر يسلط عليه في قبره دابة عمياء صماء في يدها سوط من حديد في رأسه مثل غرب الجمل تضربه به إلى يوم القيامة لا تراه فتتقيه ولا تسمع صوته فترحمه وقال أبو هريرة إذا وضع الميت في قبره جاءت أعماله الصالحة فاحتوشته فإن أتاه من قبل رأسه جاء قراءته للقرآن وإن أتاه من قبل رجليه جاء قيامه وإن أتاه من قبل يده قالت اليدان والله لقد كان يبسطني للصدقة والدعاء لا سبيل لكم عليه وإن جاء من قيل فيه جاء ذكره وصيامه وكذلك تقف الصلاة والصبر ناحية فيقول أما إني لو رأيت خللا لكنت أنا صاحبه قال سفيان تجاحش عنه أعماله الصالحة كما يجاحش الرجل عن أخيه وأهله وولده ثم يقال له عند ذلك بارك الله لك في مضجعك فنعم الأخلاء أخلاؤك ونعم الأصحاب أصحابك وعن حذيفة قال كنا مع رسول صلى الله عليه وسلم في جنازة فجلس على رأس القبر ثم جعل ينظر فيه ثم قال يضغط المؤمن في هذا ضغطة ترد منه حمائله وقالت عائشة رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن للقبر ضغطة ولو سلم أو نجا منها أحد لنجا سعد بن معاذ أحمد وعن أنس قال توفيت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت امرأة مسقامة فتبعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فساءنا حاله فلما انتهينا إلى القبر فدخله انتقع وجهه صفرة فلما خرج أسفر وجهه فقلنا يا رسول الله رأينا منك شأنا فمم ذلك قال ذكرت ضغطة ابنتي وشدة عذاب القبر فأتيت فأخبرت أن الله قد خفف عنها وقد ضغطت ضغطة سمع صوتها ما بين الخافقين الباب الثامن فيما عرف من أحوال الموتى بالمكاشفة في المنام

Bagian V04/P503–V04/P504

اعلم أن أنوار البصائر المستفادة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومن مناهج الاعتبار تعرفنا أحوال الموتى على الجملة وانقسامهم إلى سعداء وأشقياء ولكن حال زيد وعمرو بعينه فلا ينكشف أصلا فإنا إن عولنا على إيمان زيد وعمرو فلا ندري على ماذا مات وكيف ختم له وإن عولنا على صلاحه الظاهر فالتقوى محله القلب وهو غامض يخفي على صاحب التقوى فكيف على غيره فلا حكم لظاهر الصلاح دون التقوى الباطن قال الله تعالى إنما يتقبل الله من المتقين فلا يمكن معرفة حكم زيد وعمرو إلا بمشاهدته ومشاهدة ما يجري عليه وإذا مات فقد تحول من عالم الملك والشهادة إلى عالم الغيب والملكوت فلا يرى بالعين الظاهرة وإنما يرى بعين أخرى خلقت تلك العين في قلب كل إنسان ولكن جعل عليها غشاوة كثيفة من شهواته وأشغاله الدنيوية فصار لا يبصر بها ولا يتصور أن يبصر بها شيئا من عالم الملكوت ما لم تنقشع تلك الغشاوة عن عين قلبه ولما كانت الغشاوة منقشعة عن أعين الأنبياء عليهم السلام فلا جرم نظروا إلى الملكوت وشاهدوا عجائبه والموتى في عالم الملكوت فشاهدوهم وأخبروا ولذلك رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ضغطة القبر في حق سعد ابن معاذ وفي حق زينب ابنته وكذلك حال أبي جابر لما استشهد إذ أخبره أن الله أقعده بين يديه ليس بينهما ستر ومثل هذه المشاهدة لا مطمع فيها لغير الأنبياء والأولياء الذين تقرب درجتهم منهم إنما الممكن من أمثالنا مشاهدة أخرى ضعيفة إلا أنها أيضا مشاهدة نبوية وأعني بها المشاهدة في المنام وهي من أنوار النبوة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة وهو أيضا انكشاف لا يحصل إلا بانقشاع الغشاوة عن القلب فلذلك لا يوثق إلا برؤيا الرجل الصالح الصادق ومن كثر كذبه لم تصدق رؤياه ومن كثر فساده ومعاصيه أظلم قلبه فكان ما يراه أضغات أحلام ولذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطهارة عند النوم لينام طاهرا وهو إشارة إلى طهارة الباطن أيضا فهو الأصل وطهارة الظاهر بمنزلة التتمة والتكملة لها ومهما صفا الباطن انكشف في حدقة القلب ما سيكون في المستقبل كما انكشف دخول مكة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم حتى نزل قوله تعالى لقد صدق الله ورسوله الرؤيا بالحق وقلما يخلوا الإنسان عن منامات دلت على أمور فوجدها صحيحة والرؤيا ومعرفة الغيب في النوم من عجائب صنع الله تعالى وبدائع فطرة الآدمي وهو من أوضح الأدلة على عالم الملكوت والخلق غافلون عنه كغفلتهم عن سائر عجائب القلب وعجائب العالم والقول في حقيقة الرؤيا من دقائق علوم المكاشفة فلا يمكن ذكره علاوة على علم المعاملة ولكن القدر الذي يمكن ذكره ههنا مثال يفهمك المقصود وهو أن تعلم أن القلب مثاله مثال مرآة تتراءى فيها الصور وحقائق الأمور وأن كل ما قدره الله تعالى من ابتداء خلق العالم إلى آخره مسطور ومثبت في خلق خلقه الله تعالى يعبر عنه تارة باللوح وتارة بالكتاب المبين وتارة بإمام مبين كما ورد في القرآن فجميع

Bagian V04/P504–V04/P505

ما جرى في العالم وما سيجرى مكتوب فيه ومنقوش عليه نقشا لا يشاهد بهذه العين ولا تظنن أن ذلك اللوح من خشب أو حديد أو عظم وأن الكتاب من كاغد أو رق بل ينبغي أن تفهم قطعا أن لوح الله لا يشبه لوح الخلق وكتاب الله لا يشبه كتاب الخلق كما أن ذاته وصفاته لا تشبه ذات الخلق وصفاتهم بل إن كنت تطلب له مثالا يقربه إلى فهمك فأعلم أن ثبوت المقادير في اللوح يضاهي ثبوت كلمات القرآن وحروفه في دماغ حافظ القرآن وقلبه فإنه مسطور فيه حتى كأنه حين يقرؤه ينظر إليه ولو فتشت دماغه جزءا جزءا لم تشاهد من ذلك الخط حرفا وإن كان ليس هناك خط يشاهد ولا حرف ينظر فمن هذا النمط ينبغي أن تفهم كون اللوح منقوشا بجميع ما قدره الله تعالى وقضاه واللوح في المثال كمرآة ظهر فيها الصور فلو وضع في مقابلة المرآة مرآة أخرى لكانت صورة تلك المرآة تتراءى في هذه إلا أن يكون بينهما حجاب فالقلب مرآة تقبل رسوم العلم واللوح مرآة رسوم العلم كلها موجودة فيها واشتغال القلب بشهواته ومقتضى حواسه حجاب مرسل بينه وبين مطالعة اللوح اللوح الذي هو من عالم الملكوت فإن هبت ريح حركت هذا الحجاب ورفعته تلألأ في مرآة القلب شيء من عالم الملكوت كالبرق الخاطف وقد يثبت ويدوم وقد لا يدوم وهو الغالب وما دام متيقظا فهو مشغول بما تورده الحواس عليه من عالم الملك والشهادة وهو حجاب عن عالم الملكوت ومعنى النوم أن توكد الحواس عليه فلا تورده على القلب فإذا تخلص منه ومن الخيال وكان صافيا في جوهره ارتفع الحجاب بينه وبين اللوح المحفوظ فوقع في قلبه شيء مما في اللوح كما تقع الصورة من مرآة في مرآة أخرى إذا ارتفع الحجاب بينهما إلا أن النوم مانع سائر الحواس عن العمل وليس مانعا للخيال عن عمله وعن تحركه فما ويقع في القلب يبتدره الخيال فيحاكيه بمثال يقاربه وتكون المتخيلات أثبت في الحفظ من غيرها فيبقى الخيال في الحفظ فإذا انتبه لم يتذكر إلا الخيال فيحتاج المعبر أن ينظر إلى هذا الخيال حكاية أي معنى من المعانى فيرجع إلى المعاني بالمناسبة التي بين المتخيل والمعاني وأمثلة ذلك ظاهرة عند من نظر في علم التعبير ويكفيك مثال واحد وهو أن رجلا قال لابن سيرين رأيت كأن بيدي خاتما أختم به أفواه الرجال وفروج النساء فقال أنت مؤذن تؤذن قبل الصبح في رمضان قال صدقت فانظر أن روح الختم هو المنع ولأجله يراد الختم وإنما ينكشف للقلب حال الشخص من اللوح المحفوظ كما هو عليه وهو كونه مانعا للناس من الأكل والشرب ولكن الخيال ألف المنع عند الختم بالخاتم فثمتله بالصورة الخيالية التي تتضمن روح المعنى ولا يبقى في الحفظ إلا الصورة الخيالية فهذه نبذة يسيرة من بحر علم الرؤيا الذي لا تنحصر عجائبه وكيف لا وهو أخو الميت وإنما الموت هو عجب من العجائب وهذا لأنه يشبهه من وجه ضعيف أثر في كشف الغطاء عن عالم الغيب حتى صار النائم يعرف ما سيكون في المستقبل فماذا نرى في الموت الذي يخرق الحجاب ويكشف الغطاء بالكلية حتى يرى الإنسان عند انقطاع النفس من غير تأخير نفسه إما محفوفة بالأنكال والمخازي والفضائح نعوذ بالله من ذلك وإما مكنوفا بنعيم مقيم وملك كبير لا آخر له وعند هذا يقال للأشقياء وقد انكشف الغطاء {لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد} ويقال أفسخر هذا أم أنتم لا تبصرون اصلوها فاصبروا أو لا تبصروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون وإليهم الإشارة بقوله تعالى {وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون} فأعلم العلماء وأحكم الحكماء ينكشف له عقيب الموت من العجائب والآيات ما لم يخطر قط بباله ولا اختلج به ضميره فلو لم يكن للعاقل هم وغم إلا الفكرة في خطر تلك الحال أن الحجاب عماذا يرتفع وما الذي ينكشف عنه الغطاء من

Bagian V04/P505–V04/P506

شقاوة لازمة أم سعادة دائمة لكان ذلك كافيا في استغراق جميع العمر والعجب من غفلتنا وهذه العظائم بين أيدينا وأعجب من ذلك فرحنا بأموالنا وأهلينا وبأسبابنا وذريتنا بل بأعضائنا وسمعنا وبصرنا مع أنا نعلم مفارقة جميع ذلك يقينا ولكن أين من ينفث روح القدس في روعة فيقول ما قال لسيد النبيين أحبب من أحببت فإنك مفارقه وعش ما شئت فإنك ميت واعمل ما شئت فإنك مجزي به فلا جرم لما كان ذلك مكشوفا له بعين اليقين كان في الدنيا كعابر سبيل لم يضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة ولم يخلف دينارا ولا درهما ولم يتخذ حبيبا ولا خليلا نعم قال لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الرحمن فبين أن خلة الرحمن تخللت باطن قلبه وأن حبه تمكن من حبة قلبه فلم يترك فيه متسعا لخليل ولا لحبيب وقد قال لأمته {إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} فإنما أمته من اتبعه وما اتبعه إلا من أعرض عن الدنيا وأقبل على الآخرة فإنه ما دعا إلا إلى الله واليوم الآخر وما صرف إلا عن الدنيا والحظوظ العاجلة فبقدر ما أعرضت عن الدنيا وأقبلت على الآخرة فقد سلكت سبيله الذي سلكه وبقدر ما سلكت سبيله فقد أتبعته وبقدر ما اتبعته فقد صرت من أمته وبقدر ما أقبلت على الدنيا عدلت عن سبيله ورغبت عن متابعته والتحقت بالذين قال الله تعالى فيهم {فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى} فلو خرجت من مكمن الغرور وأنصفت نفسك يا رجل وكلنا ذلك الرجل لعلمت أنك من حين تصبح إلى حين تمسي لا تسعى إلا في الحظوظ العاجلة ولا تتحرك ولا تسكن إلا لعاجل الدنيا ثم تطمع أن تكون غدا من أمته وأتباعه وما أبعد ظنك وما أبرد طمعك {أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون} ولنرجع إلى ما كنا فيه وبصدده فقد امتد عنان الكلام إلى غير مقصده ولنذكر الآن من المنامات الكاشفة لأحوال الموتى ما يعظم الانتفاع به إذ ذهبت النبوة وبقيت المبشرات وليس ذلك إلا المنامات بيان منامات تكشف عن أحوال الموتى والأعمال النافعة في الآخرة فمن ذلك رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال عليه السلام من رآني في المنام فقد رآني حقا فإن الشيطان لا يتمثل بي وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فرأيته لا ينظر إلى فقلت يا رسول الله ما شأني فالتفت إلي وقال ألست المقبل وأنت صائم قال والذي نفسي بيده لا أقبل امرأة وأنا صائم أبدا وقال العباس رضي الله عنه كنت ودا لعمر فاشتهيت أن أراه في المنام فما رأيته إلا عند رأس الحول فرأيته يمسح العرق عن جبينه وهو يقول هذا أوان فراغي إن كان عرشي ليهد لولا أني لقيته رءوفا رحيما وقال الحسن بن علي قال لي علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنح لي الليلة في منامي فقلت يا رسول الله ما لقيت من أمتك قال أدع عليهم فقلت اللهم أبدلني بهم من هو خير لي منهم وأبدلهم بي من هو شر لهم مني فخرج فضربه ابن ملجم وقال بعض الشيوخ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله استغفر لي فأعرض عني فقلت يا رسول الله إن سفيان بن عيينة حدثنا عن محمد بن المنكدر

Bagian V04/P506–V04/P507

عن جابر بن عبد الله أنك لم تسأل شيئا قط فقلت لا فأقبل علي فقال غفر الله لك وروى عن العباس بن عبد المطلب قال كنت مواخيا لأبي لهب مصاحبا له فلما مات وأخبر الله عنه بما أخبر حزنت عليه وأهمني أمره فسألت الله تعالى حولا أن يريني إياه في المنام قال فرأيته يلتهب نارا فسألته عن حاله فقال صرت إلى النار في العذاب لا يخفف عني ولا يروح إلا ليلة الاثنين في كل الأيام والليالي قلت وكيف ذلك قال ولد في تلك الليلة محمد صلى الله عليه وسلم فجاءتني أميمة فبشرتني بولادته آمنة إياه ففرحت به وأعتقت وليدة لي فرحا به فأثابني الله بذلك أن رفع عني العذاب في كل ليلة اثنين وقال عبد الواحد بن زيد خرجت حاجا فصحبني رجل كان لا يقوم ولا يقعد ولا يتحرك ولا يسكن إلا صلى على النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك فقال أخبرك عن ذلك خرجت أول مرة إلى مكة ومعي أبي فلما انصرفنا نمت في بعض المنازل فبينما أنا نائم إذ أتاني آت فقال لي قم فقد أمات الله أباك وسود وجهه قال فقمت مذعورا فكشفت الثوب عن وجهه فإذا هو ميت أسود الوجه فداخلني من ذلك رعب فبينما أنا في ذلك الغم إذ غلبتني عيني فنمت فإذا على رأس أبي أربعة سودان معهم أعمدة حديد إذ أقبل رجل حسن الوجه بين ثوبين أخضرين فقال لهم تنحوا فمسح وجهه بيده ثم أتاني فقال قم فقد بيض الله وجه أبيك فقلت له من أنت بأبي أنت وأمي فقال أنا محمد قال فقمت فكشفت الثوب عن وجه أبي فإذا هو أبيض فما تركت الصلاة بعد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن عمر بن عبد العزيز قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما جالسان عنده فسلمت وجلست فبينما أنا جالس إذ أتى بعلي ومعاوية فأدخلا بيتا وأجيف عليهما الباب وأنا أنظر فما كان بأسرع من أن خرج علي رضي الله عنه وهو يقول قضى لي ورب الكعبة وما كان بأسرع من أن خرج معاوية على أثره وهو يقول غفر لي ورب الكعبة واستيقظ ابن عباس رضي الله عنهما مرة من نومه فاسترجع وقال قتل الحسين والله وكان ذلك قبل قتله فأنكره أصحابه فقال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه زجاجة من دم فقال ألا تعلم ما صنعت أمتي بعدي قتلوا بني الحسين وهذا دمه ودم أصحابه أرفعهما إلى الله تعالى فجاء الخبر بعد أربعة وعشرين يوما بقتله في اليوم الذي رآه ورؤى الصديق رضي الله عنه فقيل له إنك كنت تقول أبدا في لسانك هذا أوردني الموارد فماذا فعل الله بك قال قلت به لا إله إلا الله فأوردني الجنة بيان منامات المشايخ رحمة الله عليهم أجمعين قال بعض المشايخ رأيت متمما الدورقي في المنام فقلت يا سيدي ما فعل الله بك فقال دير بي في الجنان فقيل لي يا متمم هل استحسنت فيها شيئا قلت لا يا سيدي فقال لو استحسنت منها شيئا لوكلتك إليه ولم أوصلك إلى ورؤى يوسف بن الحسين في المنام فقيل له ما فعل الله بك قال غفر لي قيل بماذا قال ما خلطت جدا بهزل وعن منصور بن إسماعيل قال رأيت عبد الله بن البزار في النوم فقلت ما فعل الله بك قال أوقفني بين يديه فغفر لي كل ذنب أقررت به إلا ذنبا واحدا فإني استحييت أن أقر به فاوقفني في العرق حتى سقط لحم وجهي فقلت

Bagian V04/P507–V04/P508

ما كان ذلك لذنب قال نظرت إلى غلام جميل فاستحسنته فاستحييت من الله أن أذكره وقال أبو جعفر الصيدلاني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم وحوله جماعة من الفقراء فبينما نحن كذلك إذ انشقت السماء فنزل ملكان أحدهما بيده طشت وبيد الآخر إبريق فوضع الطشت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسل يده ثم أمر حتى غسلوا ثم وضع الطشت بين يدي فقال أحدهما للآخر لا تصب على يده فإنه ليس منهم فقلت يا رسول الله أليس قد روى عنك أنك قلت المرء مع من أحب قال بلى قلت يا رسول الله فإني أحبك وأحب هؤلاء الفقراء فقال صلى الله عليه وسلم صب على يده فإنه منهم وقال الجنيد رأيت في المنام كأني أتكلم على الناس فوقف على ملك فقال أقرب ما تقرب به المتقربون إلى الله تعالى ماذا فقلت عمل خفي بميزان وفي قولي الملك وهو يقول كلام موفق والله ورؤى مجمع في النوم فقيل له كيف رأيت الأمر فقال رأيت الزاهدين في الدنيا ذهبوا بخير الدنيا والآخرة وقال رجل من أهل الشام للعلاء بن زياد رأيتك في النوم كأنك في الجنة فنزل عن مجلسه وأقبل عليه ثم قال لعل الشيطان أراد أمرا فعصمت منه فأشخص رجلا يقتلني وقال محمد بن واسع الرؤيا تسر المؤمن ولا تغره وقال صالح بن بشير رأيت عطاء السلمي في النوم فقلت له رحمك الله لقد كنت طويل الحزن في الدنيا قال أما والله لقد أعقبني ذلك راحة طويلة وفرحا دائما فقلت في أي الدرجات أنت فقال مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا وسئل زرارة بن أبي أوفى في المنام أي الأعمال أفضل عندكم فقال الرضا وقصر الأمل وقال يزيد بن مذعور رأيت الأوزاعي في المنام فقلت يا أبا عمرو دلني على عمل أتقرب به إلى الله تعالى قال ما رأيت هناك درجة أرفع من درجة العلماء ثم درجة المحزونين قال وكان يزيد شيخا كبيرا فلم يزل يبكي حتى أظلمت عيناه وقال ابن عيينة رأيت أخي في المنام فقلت يا أخي ما فعل الله بك فقال كل ذنب استغفرت منه غفر لي وما لم استغفر منه لم يغفر لي وقال على الطلحي رأيت في المنام امرأة لا تشبه نساء الدنيا فقلت من أنت فقالت حوراء فقلت زوجيني نفسك قالت اخطبني إلى سيدي وأمهرني قلت وما مهرك قالت حبس نفسك عن آفاتها وقال إبراهيم بن إسحق الحربي رأيت زبيدة في المنام فقلت ما فعل الله بك قالت غفر لي فقلت لها بما أنفقت في طريق مكة قالت أما النفقات التي أنفقتها رجعت أجورها إلى أربابها وغفر لي ببنتي ولما مات سفيان الثوري رؤى في المنام فقيل له ما فعل بك قال وضعت أول قدمي على الصراط والثاني في الجنة وقال أحمد بن أبي الحواري رأيت فيما يرى النائم جارية ما رأيت أحسن منها وكان يتلألأ وجهها نورا فقلت لها مماذا ضوء وجهك قالت تذكر تلك الليلة التي بكيت فيها قلت نعم قالت أخذت دمعك فمسحت به وجهي فمن ثم ضوء وجهي كما ترى وقال الكتاني رأيت الجنيد في المنام فقلت له ما فعل الله بك قال طاحت تلك الإشارات وذهبت تلك العبارات وما حصلنا إلا على ركعتين كنا نصليهما في الليل ورؤيت زبيدة في المنام فقيل لها ما فعل الله بك قالت غفر لي بهذه الكلمات الأربع لا إله إلا الله أفني بها عمري لا إله إلا الله أدخل بها قبري لا إله إلا الله أخلو بها وحدي لا إله إلا الله ألقى بها ربي عز وجل وقال يا بشر أما استحييب منى كنت تخافنى كل ذلك الخوف ورؤى أبو سليمان في النوم فقيل له ما فعل الله بك قال رحمنى ورؤى بشر في المنام فقيل له ما فعل الله بك قال رحمني وما كان شيء أضر على من إشارات القوم إلى وقال أبو بكر الكتاني رأيت في النوم شابا لم أر أحسن منه فقلت له من أنت قال التقوى قلت فأين تسكن قال كل قلب حزين ثم التفت فإذا امرأة سوداء فقلت من أنت قالت أنا السقم قلت فأين

Bagian V04/P508–V04/P509

تسكنين قالت كل قلب فرح مرح قال فانتبهت وتعاهدت أن لا أضحك إلا غلبة وقال أبو سعيد الخراز رأيت في المنام كأن إبليس وثب على فأخذت العصا لأضربه فلم يفزع منها فهتف بي هاتف إن هذا لا يخاف من هذه وإنما يخاف من نور يكون في القلب وقال المسوحى رأيت إبليس في النوم يمشى عريانا فقلت ألا تستحي من الناس فقال بالله هؤلاء ناس لو كانوا من الناس ما كنت ألعب بهم طرفي النهار كما يتلاعب الصبيان بالكرة بل الناس قوم غير هؤلاء قد أسقموا جسمي وأشار بيده إلى أصحابنا الصوفية وقال أبو سعيد الخراز كنت في دمشق فرأيت في المنام كان النبي صلى الله عليه وسلم جاءني متكئا على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فجاء فوقف على وأنا أقول شيئا من الأصوات وأدق في صدري فقال شر هذا أكثر من 2 خيره وعن ابن عيينة قال رأيت سفيان الثوري في النوم كأنه في الجنة يطير من شجرة إلى شجرة يقول لمثل هذا فليعمل العاملون فقلت له أوصني قال أقلل من معرفة الناس وروى أبو حاتم الرازي عن قبيصة بن عقبة قال رأيت سفيان الثوري فقلت ما فعل الله بك فقال نظرت إلى ربي كفاحا فقال لي ... هنيئا رضائي عنك يا ابن سعيد فقد كنت قواما إذا أظلم الدجى ... بعبرة مشتاق وقلب عميد فدونك فاختر أي قصر أردته ... وزرني فإني منك غير بعيد ورؤي الشبلي بعد موته بثلاثة أيام فقيل له ما فعل الله بك قال ناقشني حتى أيست فلما رأى يأسي تغمدني برحمته ورؤى بني عامر بعد موته في المنام فقيل له ما فعل الله بك قال غفر لي وجعلني حجة على المحبين ورؤى الثوري في المنام فقيل له ما فعل الله بك قال رحمني فقيل له ما حال عبد الله بن المبارك فقال هو ممن يلج على ربه في كل يوم مرتين ورؤى بعضهم فسئل عن حاله فقال حاسبونا فدققوا ثم منوا فأعتقوا ورؤى مالك بن أنس فقيل ما فعل الله بك قال غفر لي بكلمة كان يقولها عثمان بن عفان رضي الله عنه عند رؤية الجنازة سبحان الحي الذي لا يموت ورؤى في الليلة التي مات فيها الحسن البصري كأن أبواب السماء مفتحة وكأن مناديا ينادي ألا إن الحسن البصري قدم على الله وهو عنه راض ورؤى الجاحظ فقيل له ما فعل الله بك فقال ولا تكتب بخطك غير شيء ... يسرك في القيامة أن تراه ورأى الجنيد إبليس في المنام عريانا فقال ألا تستحي من الناس فقال وهؤلاء ناس الناس أقوام في مسجد الشونيزيه قد أضنوا جسدي وأحرقوا كبدي قال الجنيد فلما انتبهت غدوت إلى المسجد فرأيت جماعة قد وضعوا رءوسهم على ركبهم يتفكرون فلما رأوني قالوا لا يغرنك حديث الخبيث ورؤى النصر أباذي بمكة بعد وفاته في النوم فقيل له ما فعل الله بك قال عوتبت عتاب الأشراف ثم نوديت يا أبا القاسم بعد الاتصال انفصال فقلت لا يا ذا الجلال فما وضعت في اللحد حتى لحقت بربي ورأى عتبة الغلام حوراء في المنام على صورة حسنة فقالت يا عتبة أنا لك عاشقة فانظر لا تعمل من الأعمال شيئا فيحال بيني وبينك فقال عتبة طلقت الدنيا ثلاثا لا رجعة لي عليها حتى ألقاك وقيل رأى أيوب السختياني جنازة عاص فدخل الدهليز كيلا يصلي عليها فرأى الميت بعضهم في المنام فقيل له ما فعل الله بك قال غفر لي وقال قل لأيوب قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وقال بعضهم رأيت في الليلة التي مات فيها داود الطائي نورا وملائكة نزولا وملائكة صعودا فقلت أي ليلة هذه فقالوا ليلة مات فيها داود الطائي وقد زخرفت الجنة لقدوم روحه وقال أبو سعيد الشحام رأيت سهلا الصعلوكي في المنام فقلت أيها الشيخ قال دع التشييخ قلت تلك الأحوال التي شاهدتها فقال لم تغن عنا فقلت ما فعل الله بك قال غفر لي بمسائل كان يسأل عنها العجز

Bagian V04/P509–V04/P510

وقال أبو بكر الرشيدي رأيت محمدا الطوسي المعلم في النوم فقال لي قل لأبي سعيد الصفار المؤدب وكنا على أن لا نحول عن الهوى ... فقد وحياة الحب حلتم وما حلنا قال فانتبهت فذكرت ذلك له فقال كنت أزور قبره كل جمعة فلم أزره هذه الجمعة وقال ابن راشد رأيت ابن المبارك في النوم بعد موته فقلت أليس قد مت قال بلى قلت فما صنع الله بك قال غفر لي مغفرة أحاطت بكل ذنب قلت فسفيان الثوري قال بخ بخ ذاك من الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين الآية وقال الربيع بن سليمان رأيت الشافعي رحمة الله عليه بعد وفاته في المنام فقلت يا أبا عبد الله ما صنع الله بك قال أجلسني على كرسي من ذهب ونثر على اللؤلؤ الرطب ورأى رجل من أصحاب الحسن البصري ليلة مات الحسن كأن مناديا ينادي إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين واصطفى الحسن البصري على أهل زمانه وقال أبو يعقوب القاري الدقيقي رأيت في منامي رجلا آدم طوالا والناس يتبعونه فقلت من هذا قالوا أويس القرني فأتيته فقلت أوصني رحمك الله فكلح في وجهي فقلت مسترشدا فأرشدني أرشدك الله فأقبل على وقال اتبع رحمة ربك عند محبته واحذر نقمته عند معصيته ولا تقطع رجاءك منه في خلال ذلك ثم ولى وتركني وقال أبو بكر بن أبي مريم رأيت ورقاء بن بشر الحضرمي فقلت ما فعلت يا ورقاء قال البكاء من خشية الله وقال يزيد بن نعامة هلكت جارية في الطاعون الجارف فرآها أبوها في المنام فقال لها يا بنية أخبريني عن الآخرة قالت يا أبت قدمنا على أمر عظيم نعلم ولا نعمل وتعملون ولا تعلمون والله لتسبيحه أو تسبيحتان أو ركعة أو ركعتان في فسحة عمل أحب إلى من الدنيا وما فيها وقال بعض أصحاب عتبة الغلام رأيت عتبة في المنام فقلت ما صنع الله بك قال دخلت الجنة بتلك الدعوة المكتوبة في بيتك قال فلما أصبحت جئت إلى بيتي فإذا خط عتبة الغلام في حائط البيت يا هادي المضلين ويا راحم المذنبين ويا مقيل عثرات العاثرين ارحم عبدك ذا الخطر العظيم والمسلمين كلهم أجمعين واجعلنا مع الأحياء المرزوقين الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين آمين يا رب العالمين وقال موسى بن حماد رأيت سفيان الثوري في الجنة يطير من نخلة إلى نخلة ومن شجرة إلى شجرة فقلت يا أبا عبد الله بم نلت هذا فقال بالورع قلت فما بال على بن عاصم قال ذاك لا يكاد يرى إلا كما يرى الكوكب ورأى رجل من التابعين النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال يا رسول الله عظني قال نعم من لم يتفقد النقصان فهو في نقصان ومن كان في نقصان فالموت خير له وقال الشافعي رحمة الله عليه دهمني في هذه الأيام أمر أمضني وآلمني ولم يطلع عليه غير الله عز وجل فلما كان البارحة أتاني آت في منامي فقال لي يا محمد بن إدريس قل اللهم إني لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ولا أستطيع أن آخذ إلا ما أعطيتني ولا أتقي إلا ما وقيتني اللهم فوفقني لما تحب وترضى من القول والعمل في عافية فلما أصبحت أعدت ذلك فلما ترحل النهار أعطاني الله عز وجل طلبتي وسهل لي الخلاص مما كنت فيه فعليكم بهذه الدعوات لا تغفلوا عنها فهذه جملة من المكاشفات تدل على أحوال الموتى وعلى الأعمال المقربة إلى الله زلفى فلنذكر بعدها ما بين يدى الموتى من ابتداء نفخة الصور إلى آخر القرار إما فى الجنة أو فى النار والحمد لله حمد الشاكرين الشطر الثانى من كتاب ذكر الموت فى أحوال الميت من وقت نفخة الصور إلى آخر الاستقرار فى الجنة أو فى النار وتفصيل ما بين يديه من الأهوال والأخطار وفيه بيان نفخة الصور وصفة أرض المحشر وأهله وصفة طول يوم القيامة وصفة يوم القيامة ودواهيها وأساميها وصفة المساءلة عن الذنوب

Bagian V04/P510–V04/P511

وصفة الميزان وصفة الخصماء ورد المظالم وصفة الصراط وصفة الشفاعة وصفة الحوض وصفة جهنم وأهوالها وأنكالها وحياتها وعقاربها وصفة الجنة وأصناف نعيمها وعدد الجنان وأبوابها وغرفها وحيطانها وأنهارها وأشجارها ولباس أهلها وفرشهم وسررهم وصفة طعامهم وصفة الحور العين والولدان وصفة النظر إلى وجه الله تعالى وباب في سعة رحمة الله تعالى وبه ختم الكتاب إن شاء الله تعالى صفة نفخة الصور قد عرفت فيما سبق أحوال الميت فى سكرات الموت وخطره فى خوف العاقبة ثم مقاساته لظلمة القبر وديدانه ثم لمنكر ونكير وسؤالهما ثم لعذاب القبر وخطره إن كان مغضوبا عليه وأعظم من ذلك كله الأخطار التي بين يديه من نفخ الصور وبعث يوم النشور والعرض على الجبار والسؤال عن القليل والكثير ونصب الميزان لمعرفة المقادير ثم جواز الصراط مع دقته وحدته ثم انتظار النداء عند فصل القضاء إما بالإسعاد وإما بالإشقاء فهذه أحوال وأهوال لا بد لك من معرفتها ثم الإيمان بها على سبيل الجزم والتصديق ثم تطويل الفكر في ذلك لينبعث من قلبك دواعي الاستعداد لها وأكثر الناس لم يدخل الإيمان باليوم الآخر صميم قلوبهم ولم يتمكن من سويداء أفئدتهم ويدل على ذلك شدة تشمرهم واستعدادهم لحر الصيف وبرد الشتاء وتهاونهم بحر جهنم وزمهريرها مع ما تكتنفه من المصاعب والأهوال بل إذا سئلوا عن اليوم الآخر نطقت به ألسنتهم ثم غفلت عنه قلوبهم ومن أخبر بأن ما بين يديه من الطعام مسموم فقال لصاحبه الذى أبصر صدقت ثم مد يديه لتناوله كان مصدقا بلسانه ومكذبا بعمله وتكذيب العمل أبلغ من تكذيب اللسان وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى شتمنى ابن آدم وما ينبغى له أن يشتمنى وكذبنى وما ينبغى له أن يكذبنى أما شتمه إياى فيقول إن لى ولدا وأما تكذيبه فقوله لن يعيدنى كما بدأنى وإنما فتور البواطن عن قوة اليقين والتصديق بالبعث والنشور لقلة الفهم فى هذا العالم لأمثال تلك الأمور ولو لم يشاهد الانسان توالد الحيوانات وقيل له إن صانعا يصنع من النطفة القدرة مثل هذا الآدمى المصور العاقل المتكلم المتصرف لاشتد نفور باطنه عن التصديق به ولذلك قال الله تعالى {أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين} وقال تعالى {أيحسب الإنسان أن يترك سدى ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى} ففى خلق الآدمى مع كثرة عجائبه واختلاف تركيب أعضائه أعاجيب تزيد على الأعاجيب فى بعثه وإعادته فكيف ينكر ذلك من قدرة الله تعالى وحكمته من يشاهد ذلك فى صنعته وقدرته فإن كان فى إيمانك ضعف فقو الإيمان بالنظر فى النشأة الأولى فإن الثانية مثلها وأسهل منها وإن كنت قوى الإيمان بها فأشعر قلبك تلك المخاوف والأخطار وأكثر فيها التفكر والاعتبار لتسلب عن قلبك الراحة والقرار فتشتغل بالتشمر للعرض على الجبار وتفكر أولا فيما يقرع سمع سكان القبور من شدة نفخ الصور فإنها صيحة واحدة تنفرج بها القبور عن رءوس الموتى فيثورون دفعة واحدة

Bagian V04/P511–V04/P512

فتوهم نفسك وقد وثبت متغيرا وجهك مغبرا بدنك من فرقك إلى قدمك من تراب قبرك مبهوتا من شدة الصعقة شاخص العين نحو النداء وقد ثار الخلق ثورة واحدة من القبور التى طال فيها بلاؤهم وقد أزعجهم الفزع والرعب مضافا إلى ما كان عندهم من الهموم والغموم وشدة الانتظار لعاقبة الأمر كما قال تعالى ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون وقال تعالى {فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير} وقال تعالى {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون} فلو لم يكن بين يدي الموتى إلا هول تلك النفخة لكان ذلك جديرا بأن يتقى فإنها نفخة وصيحة يصعق بها من في السموات والأرض يعنى يموتون بها إلا من شاء الله وهو بعض الملائكة ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن وحنى الجبهة وأصغى بالأذن متى يؤمر فينفخ قال مقاتل الصور هو القرن وذلك أن إسرافيل عليه السلام واضع فاه على القرن كهيئة البوق ودائرة رأس القرن كعرض السموات والأرض وهو شاخص بصره نحو العرش ينتظر متى يؤمر فينفخ النفخة الأولى فإذا نفخ صعق من في السموات والأرض أى مات كل حيوان من شدة الفزع إلا من شاء الله وهو جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ثم يأمر ملك الموت أن يقبض روح جبريل ثم روح ميكائيل ثم روح إسرافيل ثم يأمر ملك الموت فيموت ثم يلبث الخلق بعد النفخة الأولى فى البرزخ أربعين سنة ثم يحيى الله تعالى إسرافيل فيأمره أن ينفخ الثانية فذلك قوله تعالى ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون على أرجلهم ينظرون إلى البعث وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعث إلى بعث إلى صاحب الصور فأهوى به إلى فيه وقدم رجلا وأخر أخرى ينتظر متى يؤمر بالنفخ ألا فاتقوا النفخة فتفكر فى الخلائق وذلهم وانكسارهم واستكانتهم عند الانبعاث خوفا من هذه الصعقة وانتظارا لما يقضى عليهم من سعادة أو شقاوة وأنت فيما بينهم منكسر كانكسارهم متحير كتحيرهم بل إن كنت فى الدنيا من المترفهين والأغنياء المتنعمين فملوك الأرض فى ذلك اليوم أذل أهل أرض الجمع وأصغرهم وأحقرهم يوطئون بالأقدام مثل الذرة وعند ذلك تقبل الوحوش من البرارى والجبال منكسة رءوسها مختلطة بالخلائق بعد توحشها ذليلة ليوم النشور من غير خطيئة تدنست بها ولكن حشرتهم شدة الصعقة وهول النفخة وشغلهم ذلك عن الهرب من الخلق والتوحش منهم وذلك قوله تعالى {وإذا الوحوش حشرت} ثم أقبلت الشياطين المردة بعد تمردها وعتوها وأذعنت خاشعة من هيبة العرض على الله تعالى تصديقا لقوله تعالى {فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا} فتفكر فى حالك وحال قلبك هنالك صفة أرض المحشر وأهله ثم انظر كيف يساقون بعد البعث والنشور حفاة عراة غرلا إلى أرض المحشر أرض بيضاء قاع صفصف لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ولا ترى عليها ربوة يختفى الإنسان وراءها ولا وهدة ينخفض عن الأعين فيها بل هو صعيد واحد بسيط لا تفاوت فيه يساقون إليه زمرا فسبحان من جمع الخلائق على اختلاف أصنافهم من أقطار الأرض إذ ساقهم بالراجفة تتبعها الرادفة والراجفة هى النفخة الأولى والرادفة هى النفخة الثانية وحقيق لتلك القلوب أن تكون يومئذ واجفة ولتلك الأبصار أن تكون خاشعة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرص النقي ليس فيها معلم لأحد قال الراوى والعفرة بياض ليس بالناصع والنقى هو النقى عن القشر والنخالة ومعلم أى لا بناء يستر ولا تفاوت يرد البصر

Bagian V04/P512–V04/P513

ولا تظنن أن تلك الأرض مثل أرض الدنيا بل لا تساويها إلا فى الاسم قال تعالى يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات قال ابن عباس يزداد فيها وينقص وتذهب أشجارها وجبالها وأوديتها وما فيها وتمد مد الأديم العكاظى أرض بيضاء مثل الفضة لم يسفك عليها دم ولم يعمل عليها خطيئة والسموات تذهب شمسها وقمرها ونجومها فانظر يا مسكين في هول ذلك اليوم وشدته فإنه إذا اجتمع الخلائق على هذا الصعيد تناثرت من فوقهم نجوم السماء وطمس الشمس والقمر وأظلمت الأرض لخمود سراجها فبينا هم كذلك إذ دارت السماء من فوق رءوسهم وانشقت مع غلظها وشدتها خمسمائة عام والملائكة قيام على حافاتها وأرجائها فيا هول صوت انشقاقها فى سمعك ويا هيبة ليوم تنشق فيه السماء مع صلابتها وشدتها ثم تنهار وتسيل كالفضة المذابة تخالطها صفرة فصارت وردة كالدهان وصارت السماء كالمهل وصارت الجبال كالعهن واشتبك الناس كالفراش المبثوث وهم حفاة عراة مشاة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث الناس حفاة عراة غرلا قد ألجمهم العرق وبلغ شحوم الآذان قالت سودة زوج النبي صلى الله عليه وسلم راوية الحديث قلت يا رسول الله واسوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض فقال شغل الناس عن ذلك بهم لكل امرىء يومئذ شأن يغنيه فأعظم بيوم تنكشف فيه العورات ويؤمن فيه مع ذلك النظر والالتفات كيف وبعضهم يمشون على بطونهم ووجوههم فلا قدرة لهم على الالتفات إلى غيرهم قال أبو هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف ركبانا ومشاة وعلى وجوههم فقال رجل يا رسول الله وكيف يمشون على وجوههم قال الذى أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم فى طبع الآدمى إنكار كل ما لم يأنس به ولو لم يشاهد الإنسان الحية وهى تمشى على بطنها كالبرق الخاطف لأنكر تصور المشى على غير رجل والمشى بالرجل أيضا مستبعد عند من لم يشاهد ذلك فإياك أن تنكر شيئا من عجائب يوم القيامة لمخالفته قياس ما فى الدنيا فإنك لو لم تكن قد شاهدت عجائب الدنيا ثم عرضت عليك قبل المشاهدة لكنت أشد إنكارا لها فأحضر فى قلبك صورتك وأنت واقف عاريا مكشوفا ذليلا مدحورا متحيرا مبهوتا منتظرا لما يجرى عليك من القضاء بالسعادة أو بالشقاوة وأعظم هذه الحال فإنها عظيمة صفة العرق ثم تفكر فى ازدحام الخلائق واجتماعهم حتى ازدحم على الموقف أهل السموات السبع والأرضين السبع من ملك وجن وإنس وشيطان ووحش وسبع وطير فأشرقت عليهم الشمس وقد تضاعف حرها وتبدلت عما كانت عليه من خفة أمرها ثم أدنيت من رءوس العالمين كقاب قوسين فلم يبق على الأرض ظل إلا ظل رب العالمين

Bagian V04/P513–V04/P514

ولم يمكن من الاستظلال به إلا المقربون فمن بين مستظل بالعرش وبين مضح لحر الشمس قد صهرته بحرها واشتد كربه وغمه من وهجها ثم تدافعت الخلائق ودفع بعضهم بعضا لشدة الزحام واختلاف الأقدام وانضاف إليه شدة الخجلة والحياء من الافتضاح والاختزاء عند العرض على جبار السماء فاجتمع وهج الشمس وحر الأنفاس واحتراق القلوب بنار الحياء والخوف ففاض العرق من أصل كل شعرة حتى سال على صعيد القيامة ثم ارتفع على أبدانهم على قدر منازلهم عند الله فبعضهم بلغ العرق ركبتيه وبعضهم حقوية وبعضهم إلى شحمة أذنيه وبعضهم كاد يغيب فيه قال ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم يقوم الناس لرب العالمين حتى يغيب أحدهم فى رشحه إلى أنصاف أذنيه وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم فى الأرض سبعين باعا ويلجمهم ويبلغ أذقنهم كذا رواه البخاري ومسلم في الصحيح وفى حديث آخر قياما شاخصة أبصارهم أربعين سنة إلى السماء فيلجمهم العرق من شدة الكرب وقال عقبة بن عامر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تدنو الشمس من الأرض يوم القيامة فيعرق الناس فمن الناس من يبلغ عرقه عقبه ومنهم من يبلغ نصف ساقه ومنهم من يبلغ ركبته ومنهم من يبلغ فخذه ومنهم من يبلغ خاصرته ومنهم من يبلغ فاه وأشار بيده فألجمها فاه ومنهم من يغطيه العرق وضرب بيده على رأسه هكذا فتأمل يا مسكين فى عرق أهل المحشر وشدة كربهم وفيهم من ينادى فيقول رب أرحنى من هذا الكرب والانتظار ولو إلى النار وكل ذلك ولم يلقوا بعد حسابا ولا عقابا فإنك واحد منهم ولا تدرى إلى أين يبلغ بك العرق واعلم أن كل عرق لم يخرجه التعب فى سبيل الله من حج وجهاد وصيام وقيام وتردد فى قضاء حاجة مسلم وتحمل مشقة فى أمر بمعروف ونهي عن منكر فسيخرجه الحياء والخوف فى صعيد القيامة ويطول فيه الكرب ولو سلم ابن آدم من الجهل والغرور لعلم أن تعب العرق فى تحمل مصاعب الطاعات أهون أمرا وأقصر زمانا من عرق الكرب والانتظار فى القيامة فإنه يوم عظيمة شدته طويلة مدته صفة طول يوم القيامة يوم تقف فيه الخلائق شاخصة أبصارهم منفطرة قلوبهم لا يكلمون ولا ينظر فى أمورهم يقفون ثلمائة عام لا يأكلون فيه أكله ولا يشربون فيه شربة ولا يجدون فيه روح نسيم قال كعب وقتادة يوم يقوم الناس لرب العلمين قال يقومون مقدار ثلثمائة عام بل قال عبد الله بن عمرو تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ثم قال كيف بكم إنه جمعكم الله كما تجمع النبل فى الكنانة خمسين ألف سنة ولا ينظر إليكم وقال الحسن ما ظنك بيوم قاموا فيه على أقدامهم مقدار خمسين ألف سنة لا يأكلون فيها أكلة ولا يشربون فيها شربة حتى إذا انقطعت أعناقهم عطشا واحترقت أجوافهم جوعا انصرف بهم إلى النار فسقوا من عين آنية قد آن حرها واشتد لفحها فلما بلغ المجهود منهم ما لا طاقة لهم به كلم بعضهم بعضا فى طلب من يكرم على مولاه ليشفع فى حقهم فلم يتعلقوا بنبي إلا دفعهم وقال دعونى نفسى نفسى شغلنى أمرى عن أمر غيرى واعتذر كل واحد بشدة غضب الله تعالى وقال قد غضب اليوم ربنا غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله حتى يشفع نبينا صلى الله عليه وسلم لمن يؤذن له فيه لا يملكون الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضى له قولا فتأمل في طول هذا اليوم وشدة الانتظار فيه حتى يخف عليك انتظار الصبر عن المعاصى فى عمرك المختصر

Bagian V04/P514–V04/P515

واعلم أن من طال انتظاره فى الدنيا للموت لشدة مقاساته للصبر عن الشهوات فإنه يقصر انتظاره فى ذلك اليوم خاصة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن طول ذلك اليوم فقال والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أهون عليه من الصلاة المكتوبة يصليها فى الدنيا فاجتهد أن تكون من أولئك المؤمنين فما دام يبقى لك نفس من عمرك فالأمر إليك والاستعداد بيديك فاعمل فى أيام قصار لأيام طوال تربح ربحا لا منتهى لسروره واستحقر عمرك بل عمر الدنيا وهو سبعة الآف سنة فإنك لو صبرت سبعة الآف سنة مثلا لتخلص من يوم مقداره خمسون ألفا لكان ربحك كثيرا وتعبك يسيرا صفة يوم القيامة ودواهيه وأساميه فاستعد يا مسكين لهذا اليوم العظيم شأنه المديد زمانه القاهر سلطانه القريب أوانه يوم ترى السماء فيه قد انفطرت والكواكب من هوله قد انتثرت والنجوم الزواهر قد انكدرت والشمس قد كورت والجبال قد سيرت والعشار قد عطلت والوحوش قد حشرت والبحار قد سجرت والنفوس إلى الأبدان قد زوجت والجحيم قد سعرت والجنة قد أزلفت والجبال قد نسفت والأرض قد مدت يوم ترى الأرض قد زلزلت فيه زالزالها وأخرجت الأرض أثقالها يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم يوم تحمل الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة فيومئذ وقعت الواقعة وانشقت السماء فهى يومئذ واهية والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية يوم تسير الجبال وترى الأرض بارزة يوم ترج الأرض فيه رجا وتبس الجبال بسا فكانت هباء منبثا يوم يكون الناس كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش يوم تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار يوم تنسف فيه الجبال نسفا فتترك قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا يوم ترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب يوم تنشق فيه السماء فتكون وردة كالدهان فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان يوم يمنع فيه العاصى من الكلام ولا يسئل فيه عن الأجرام بل يؤخذ بالنواصى والأقدام يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا يوم تعلم فيه كل نفس ما أحضرت وتشهد ما قدمت وأخرت يوم تخرس فيه الألسن وتنطق الجوارح يوم شيب ذكره سيد المرسلين إذ قال له الصديق رضي الله عنه أراك قد شبت يا رسول الله قال شيبتنى هود وأخواتها وهى الواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت فيا أيها القارىء العاجز إنما حظك من قراءتك أن تمجمج القرآن وتحرك به اللسان ولو كنت متفكرا فيما تقرؤه لكنت جديرا بأن تنشق مرارتك مما شاب منه شعر سيد المرسلين وإذا قنعت بحركة اللسان فقد حرمت ثمرة القرآن فالقيامة أحد ما ذكر فيه وقد وصف الله بعض دواهيها وأكثر من أساميها لنقف بكثرة أساميها على كثرة معانيها فليس المقصود بكثرة الأسامي تكرير الأسامي والألقاب بل الغرض تنبيه أولي الألباب فتحت كل اسم من أسماء القيامة سر وفي كل نعت من نعوتها معنى فاحرص على معرفة معانيها

Bagian V04/P515–V04/P516

ونحن الآن نجمع لك أساميها وهى يوم القيامة ويوم الحسرة ويوم الندامة ويوم المحاسبة ويوم المساءلة ويوم المسابقة ويوم المناقشة ويوم المنافسة ويوم الزلزلة ويوم الدمدمة ويوم الصاعقة ويوم الواقعة ويوم القارعة ويوم الراجفة ويوم الرادفة ويوم الغاشية ويوم الداهية ويوم الآزفة ويوم الحاقة ويوم الطامة ويوم الصاخة ويوم التلاق ويوم الفراق ويوم المساق ويوم القصاص ويوم التناد ويوم الحساب ويوم المآب ويوم العذاب ويوم الفرار ويوم القرار ويوم اللقاء ويوم البقاء ويوم القضاء ويوم الجزاء ويوم البلاء ويوم البكاء ويوم الحشر ويوم الوعيد ويوم العرض ويوم الوزن ويوم الحق ويوم الحكم ويوم الفصل ويوم الجمع ويوم البعث ويوم الفتح ويوم الخزى ويوم عظيم ويوم عقيم ويوم عسير ويوم الدين ويوم اليقين ويوم النشور ويوم المصير ويوم النفخة ويوم الصيحة ويوم الرجفة ويوم الرجة ويوم الزجرة ويوم السكرة ويوم الفزع ويوم المنتهى ويوم الجزع ويوم المأوى ويوم الميقات ويوم الميعاذ ويوم المرصاد ويوم القلق ويوم العرق ويوم الافتقار ويوم الانكار ويوم الانتشار ويوم الانشقاق ويوم الوقوف ويوم الخروج ويوم الخلود ويوم التغابن ويوم عبوس ويوم معلوم ويوم الساعة ويوم مشهود ويوم لا ريب فيه ويوم تبلى فيه السرائر ويوم لا تجزي نفس عن نفس شيئا ويوم تشخص فيه الأبصار ويوم لا يغنى مولى عن مولى شيئا ويوم لا تملك نفس لنفس شيئا ويوم يدعون إلى نار جهنم دعا ويوم يسحبون فى النار على وجوههم ويوم تقلب وجوههم فى النار ويوم لا يجزى والد عن ولده ويوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه ويوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون يوم لا مرد له من الله يوم هم بارزون ويوم هم على النار يفتنون يوم لا ينفع مال ولا بنون يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار يوم ترد فيه المعاذير وتبلى السرائر وتظهر الضمائر وتكشف الأستار يوم تخشع فيه الأبصار وتسكن الأصوات ويقل فيه الالتفات وتبرز الخفيات وتظهر الخطيئات يوم يساق العباد ومعهم الأشهاد ويشيب الصغير ويسكر الكبير فيومئذ وضعت الموازين ونشرت الدواوين وبرزت الجحيم وأغلى الحميم وزفرت النار ويئس الكفار وسعرت النيران وتغيرت الألوان وخرس اللسان ونطقت جوارح الإنسان فيا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم حيث أغلقت الأبواب وأرخيت الستور واستترت عن الخلائق فقارفت الفجور فماذا تفعل وقد شهدت عليك جوارحك فالويل كل الويل لنا معشر الغافلين يرسل الله لنا سيد المرسلين وينزل عليه الكتاب المبين ويخبرنا بهذه الصفات من نعوت يوم الدين ثم يعرفنا غفلتنا ويقول اقترب الناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم ثم يعرفنا قرب القيامة فيقول اقتربت الساعة وانشق القمر إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا ثم يكون أحسن أحوالنا أن نتخذ دراسة هذا القرآن عملا فلا نتدبر معانيه ولا ننظر في كثرة أوصاف هذا اليوم وأساميه ولا نستعد للتخلص من دواهيه فنعوذ بالله من هذه الغفلة إن لم يداركنا الله بواسع رحمته صفة المساءلة

Bagian V04/P516–V04/P517

ثم تفكر يا مسكين بعد هذه الأحوال فيما يتوجه عليك من السؤال شفاها من غير ترجمان فتسئل عن القليل والكثير والنقير والقطمير فبينا أنت في كرب القيامة وعرقها وشدة عظائمها إذ نزلت ملائكة من رجاء السماء بأجسام عظام وأشخاص ضخام غلاظ شداد أمروا أن يأخذوا بنواصى المجرمين إلى موقف العرض على الجبار قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لله عز وجل ملكا ما بين شفرى عينيه مسيرة مائة عام فما ظنك بنفسك إذا شاهدت مثلا هؤلاء الملائكة أرسلوا إليك ليأخذوك إلى مقام العرض وتراهم على عظم أشخاصهم منكسرين لشدة اليوم مستشعرين مما بدا من غضب الجبار على عباده وعند نزولهم لا يبقى نبى ولا صديق ولا صالح إلا ويخرون لأذقانهم خوفا من أن يكونوا هم المأخوذين فهذا حال المقربين فما ظنك بالعصاة المجرمين وعند ذلك يبادر اقوام من شدة الفزع فيقولون للملائكة أفيكم ربنا وذلك لعظم موكبهم وشدة هيبتهم فتفزع الملائكة من سؤالهم إجلالا لخالقهم عن أن يكون فيهم فنادوا بأصواتهم منزهين لمليكهم عما توهمه أهل الأرض وقالوا سبحان ربنا ما هو فينا ولكنه آت من بعد وعند ذلك تقوم الملائكة صفا محدقين بالخلائق من الجوانب وعلى جميعهم شعار الذل والخضوع وهيئة الخوف والمهابة لشدة اليوم وعند ذلك يصدق الله تعالى قوله {فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين} وقوله {فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون} فيبدأ سبحانه بالأنبياء {يوم يجمع الله الرسل فيقول} {ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب} فيا لشدة يوم تذهل فيه عقول الأنبياء وتنمحى علومهم من شدة الهيبة إذ يقال لهم ما أجبتم وقد أرسلتم إلى الخلائق وكانوا قد علموا فتدهش عقولهم فلا يدرون بماذا يجيبون فيقولون من شدة الهيبة لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب وهم فى ذلك الوقت صادقون إذ طارت منهم العقول وانمحت العلوم إلى أن يقويهم الله تعالى فيدعى نوح عليه السلام فيقال له هل بلغت فيقول نعم فيقال لأمته هل بلغكم فيقولون ما أتانا من نذير ويؤتى بعيسى عليه السلام فيقول الله تعالى له {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} فيبقى متشحطا تحت هيبة هذا السؤال سنين فيالعظم يوم تقام فيه السياسة على الأنبياء بمثل هذا السؤال ثم تقبل الملائكة فينادون واحدا واحدا يا فلان بن فلانة هلم إلى موقف العرض وعند ذلك ترتعد الفرائص وتضطرب الجوارح وتبهت العقول ويتمنى أقوام أن يذهب بهم إلى النار ولا تعرض قبائح أعمالهم على الجبار ولا يكشف سترهم على ملأ الخلائق وقبل الابتداء بالسؤال يظهر نور العرش {وأشرقت الأرض بنور ربها} وايقن كل عبد بإقبال الجبار لمساءلة العباد وظن كل واحد أنه ما يراه أحد سواه وأنه المأخوذ بالأخذ والسؤال دون من عداه فيقول الجبار سبحانه وتعالى عند ذلك يا جبريل ائتى بالنار فيجىء لها جبريل ويقول يا جهنم أجيبي خالقك ومليكك فيصادفها جبريل على غيظها وغضبها فلم يلبث بعد ندائها أن ثارت وفارت وزفرت إلى الخلائق وشهقت وسمع الخلائق تغيظها وزفيرها وانتهضت خزنتها متوثبة إلى الخلائق غضبا على من عصى الله تعالى وخالف أمره فأخطر ببالك وأحضر فى قلبك حالة قلوب العباد وقد امتلأت فزعا ورعبا فتساقطوا جثيا على الركب وولوا مدبرين يوم ترى كل أمة جاثية وسقط بعضهم على الوجوه منكبين وينادى العصاة والظالمون بالويل والثبور وينادى الصديقون نفسى نفسى فبينما هم كذلك إذ زفرت الناس زفرتها الثانية فتضاعف خوفهم وتخاذلت قواهم وظنوا أنهم مأخوذون ثم زفرت الثالثة فتساقط الخلائق على وجوههم وشخصوا بأبصارهم ينظرون من طرف خفى خاشع وانهضمت عند ذلك قلوب الظالمين فبلغت الحناجر كاظمين وذهلت العقول من السعداء والأشقياء أجمعين

Bagian V04/P517–V04/P518

وبعد ذلك اقبل الله تعالى على الرسل وقال ماذا أجبتم فإذا رأوا ما قد أقيم من السياسة على الأنبياء اشتد الفزع على العصاة ففر الوالد من ولده والأخ من أخيه والزوج من زوجته وبقى كل واحد منتظرا لأمره ثم يؤخذ واحد واحد فيسأله الله تعالى شفاها عن قليل عمله وكثيره وعن سره وعلانيته وعن جميع جوارحه وأعضائه قال أبو هريرة قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة فقال هل تضارون فى رؤية الشمس فى الظهيرة ليس دونها سحاب قالوا لا قال فهل تضارون فى رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب قالوا لا قال فوالذي نفسي بيده لا تضارون فى رؤية ربكم فيلقى العبد فيقول له ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع فيقول العبد بلى فيقول أظننت أنك ملاقى فيقول لا فيقول فأنا أنساك كما نسيتنى فتوهم نفسك يا مسكين وقد أخذت الملائكة بعضديك وأنت واقف بين يدي الله تعالى يسألك شفاها فيقول لك ألم أنعم عليك بالشباب ففيماذا أبليته ألم أمهل لك فى العمر ففيماذا أفنيته الم أرزقك المال فمن أين اكتسبته وفيماذا أنفقته ألم أكرمك بالعلم فماذا عملت فيما علمت فكيف ترى حياءك وخجلتك وهو يعد عليك إنعامه ومعاصيك وأياديه ومساويك فإن أنكرت شهدت عليك جوارحك قال أنس رضي الله عنه كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك ثم قال أتدرون مم أضحك قلنا الله ورسوله أعلم قال من مخاطبة العبد ربه يقول يا رب الم تجرنى من الظلم قال يقول بلى قال فيقول فإنى لا أجيز على نفسى إلا شاهدا منى فيقول كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا وبالكرام الكاتبين شهودا قال فيختم على فيه ويقال لأركانه انطقى قال فتنطق بأعماله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول لأعضائه بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل فنعوذ بالله من الافتضاح على ملأ الخلق بشهادة الأعضاء إلا أن الله تعالى وعد المؤمن بأن يستر عليه ولا يطلع عليه غيره سأل ابن عمر رجل فقال له كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فى النجوى فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه عليه فيقول عملت كذا وكذا فيقول نعم فيقول عملت كذا وكذا فيقول نعم ثم يقول إنى سترتها عليك فى الدنيا وإنى أغفرها لك اليوم وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ستر على مؤمن عورته ستر الله عورته يوم القيامة فهذا إنما يرجى لعبد مؤمن ستر على الناس عيوبهم واحتمل فى حق نفسه تقصيرهم ولم يحرك لسانه بذكر مساويهم ولم يذكرهم فى غيبتهم بما يكرهون لو سمعوه فهذا جدير بأن يجازى بمثله فى القيامة وهب أنه قد ستره عن غيرك أليس قد قرع سمعك النداء إلى العرض فيكفيك تلك الروعة جزاء عن ذنوبك إذ يؤخذ بناصيتك فتقاد وفؤادك مضطرب ولبك طائر وفرائصك مرتعدة وجوارحك مضطربة ولونك متغير والعالم عليك من شدة الهول مظلم فقدر نفسك وأنت بهذه الصفة تتخطى الرقاب وتخرق الصفوف وتقاد كما تقاد الفرس المجنوب وقد رفع الخلائق إليك أبصارهم فتوهم نفسك أنك فى أيدى الموكلين بك على هذه الصفة حتى انتهى بك إلى عرش الرحمن فرموك من أيديهم وناداك الله سبحانه وتعالى بعظيم كلامه يا ابن آدم ادن منى فدنوت منه بقلب خافق محزون وجل وطرف خاشع ذليل وفؤاد منكسر وأعطيت كتابك الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها فكم من فاحشة نسيتها فتذكرتها وكم من طاعة غفلت عن آفاتها فانكشف لك عن مساويها فكم لك من خجل وجبن وكم لك من حصر وعجز فليت شعري بأي قدم تقف بين يديه وبأي لسان تجيب وبأي قلب تعقل ما تقول ثم تفكر فى عظم حياتك إذا ذكرك ذنوبك شفاها إذ يقول يا عبدى أما استحييت منى فبارزتنى بالقبيح واستحييت من خلقى فأظهرت لهم الجميل أكنت أهون عليك من سائر عبادي استخففت بنظرى إليك فلم تكترت واستعظمت نظر غيرى ألم أنعم عليك فماذا غرك بى اظننت أنى لا أراك وأنك لا تلقانى

Pertanyaan