Qur'an&Sunnah

Abdülkâdir Geylânî — el-Gunye

Bagian V02/P271–V02/P272

والمريد المتصوف مكابد لنفسه وهواه وشيطانه وخلق ربه ودنياه وأخراه، متعبد لربه عز وجل بمفارقة الجهات الست والأشياء وترك العمل لها وموافقتها، والقبول منها وتصفية باطنه من الميل إليها والاشتغال بها، فيخالف شيطانه، ويترك دنياه، ويفارق أقرانه وسائر خلق ربه بحكمه عز وجل لطلب أخراه، ثم يجاهد نفسه وهواه بأمر الله عز وجل فيفارق أخراه، وما أعد عز وجل لأوليائه فيها من جنة لرغبته في مولاه، فيخرج من الأكوان فيصفى من الأحداث ويتجوهر لرب الأنام، فتنقطع منه العلائق # والأسباب والأهل والأولاد، فتنسد عنه الجهات، وتنفتح في وجهه جهة الجهات، وباب الأبواب، وهو الرضا بقضاء رب الأنام، ورب الأرباب، ويفعل فيه فعل العالم بما كان وما هو آت، والخبير بالسرائر والخفيات، وما تتحرك به الجوارح، وما تضمره القلوب والنيات، ثم يفتح تجاه هذا الباب باب يسمى باب القربة إلى المليك الديان، ثم يرفع منه إلى مجالس الأنس، ثم يجلس على كرسي التوحيد، ثم يرفع عنه الحجب ويدخل دار الفردانية، ويكشف عنه الجلال والعظمة، فإذا وقع بصره على الجلال والعظمة بقى بلا هو، فانيا عن نفسه وصفاته، عن حوله وقوته وحركته وإرادته ومناه ودنياه وأخراه، فيصير كإناء بلور مملوء ماء صافيا، تتبين فيه الأشباح، فلا يحكم عليه غير القدر، ولا يوجده غير الأمر فهو فان عنه وعن حظه، موجود لمولاه وأمره، لا يطلب خلوة لأن الخلود للموجود، فهو كالطفل لا يأكل حتى يطعم، ولا يلبس حتى يلبس، فهو مسترسل مفوض {ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال} [الكهف: 18]. هو كائن بين الخليقة بالجسمان، بائن عنهم بالأفعال والأعمال والسرائر والضمائر والنيات، فحينئذ يسمى صوفيا، على معنى أنه يصفى من التكدر بالخيقة والبريات، وإن شئت سميته بدلا من الأبدال، وعينا من الأعيان، عارفا بنفسه وربه، الذي هو محيى الأموات، المخرج أولياءه من ظلمات النفوس والطباع والأهوية والضلالات إلى ساحة الذكر والمعارف والعلوم والأسرار ونور القربة، ثم إلى نوره عز وجل: {الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة} [النور:35] {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور} [البقرة: 257] فالله تعالى تولى إخراجهم من الظلمات، وهو عز وجل أطلعهم على ما أضمرت قلوب العباد، وانطوت عليه النيات، إذ جعلهم ربي جواسيس القلوب والأمناء على السرائر والخفيات، وحرسهم من الأعداء في الخلوات والجلوات، لا شيطان مضل ولا هوى متبع يميل بهم إلى الضلالات، قال الله عز وجل: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} [الحجر: 42، والإسراء: 65] ولا في نفس أمارة بالسوء، ولا شهوة غالبة متبعة تدعوه إلى اللذات المردية في الدركات المخرجة من أهل السنة والجماعات.

Bagian V02/P272–V02/P274

قال الله عز من قائل: {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} [يوسف:24] فحرسهم ربي، وقمع رعونات نفوسهم وضراوتها بسلطان الجبروت، فثبتهم في مراتبهم ووفقهم للوفاء بشرطه، بعد أن وفقهم للوفاء بالصدق في سيرهم، وبالصبر في محل انقطاعهم واضطرارهم، فأدوا الفرائض وحفظوا الحدود # والأوامر، وألزموا المراتب حتى قوموا وهذبوا ونقوا وأدبوا وطهروا وطيبوا ووسعوا وزكوا وشجعوا وعوذوا، فتمت لهم ولاية الله وتوليته {الله ولي الذين آمنوا} [البقرة:257]، وقوله تعالى: {وهو يتولى الصالحين} [الأعراف: 196] فنقلوا من مراتبهم إلى مالك الملك، فرتب لهم ذلك بين يديه، فصار نجواهم كفاحا يناجونه بقلوبهم وأسرارهم، فاشتغلوا به عمن سواه، ونهوا عن نفوسهم وعن كل شيء، هو رب كل شيء ومولاه، فصيرهم في قبضته، وقيدهم بعقولهم وجعلهم أمناء، فهم في قبضته وحصنه وحراسته، يتشممون روح القرب، ويعيشون في فسخة التوحيد والرحمة، فلا يشتغلون بشيء إلا بما أذن لهم من الأعمال، فإذا جاء وقت عمل أبدانهم دون قلوبهم، مضوا مع الحرس في تلك الأعمال، كيلا تضرهم شياطينهم ونفوسهم وأهويتهم، فتسلم أعمالهم من خط الشياطين، وهنات النفوس من الرياء والنفاق والعجب وطلب الأعراض، والشرك بشيء من الأشياء، والحول والقوة، بل يرون جميع ذلك فضلا من الله وتوفيقا من الله خلقا، ومنهم بتوفيقه كسبا، كيلا يخرجوا بهذه العقيدة من سنن الهدى، ثم يردون بعد أداء تلك الأوامر، وفراغ تلك الأعمال إلى مراتبهم التي ألزموها، فوقفوا معها وحفظوها بالقلوب والضمائر، وقد ينقلون إلى حاة بعد أن جعلوا الأمناء، وخوطب كل واحد منهم بالانفراد في حالته {إنك اليوم لدينا مكين أمين} [يوسف: 54] فلا يحتاجون فيها إلى إذن، لأنهم صاروا كالمفوض إليهم أمرهم، فهم في قبضته حيثما ذهبوا في شيء من أمورهم يحققه قول النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما يحكيه عن جبريل عليه السلام، عن الله عز وجل أنه قال: "ما تقرب إلى عبدي بمثل أداء فرائضي، وإنه ليتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه وبصره ولسانه ويده ورجله وفؤاده، فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي يعقل وبي يبطش" فهذا الخبر قد ذكرناه في مواضع من هذا الكتاب، لأنه أصل في هذا المقام، فيمتلئ قلب هذا العبد بحب ربه عز وجل ونوره وعلمه والمعرفة به، فلا يصح غير ذلك. ألا ترى إلى قوله -صلى الله عليه وسلم-: "من أحب أن ينظر إلى رجل يحب الله بكل قلبه فلينظر إلى سالم مولى أبي حذيفة -رضي الله عنه-" فظاهره متحرك متصرف بفعل الله تعالى، وباطنه مملوء بالله عز وجل. وقد قال موسى عليه السالم: "يا رب أين أبغيك قال: يا موسى في أي بيت يسعني، وأي مكان يحملني؟ فإن أردت أن تعلم أين أنا فإني في قلب التارك الوادع العفيف". فالتارك هو الذي يترك بجهد وفيه بقية، ثم من عليه ربه فودعه موتا عنه ثم عفا، فلا يلتفت إلى شيء سوى مولاه، فما تلك المنة التي من بها ربه عليه؟ وذلك أنه عز وجل أقامه المرتبة على شرطية اللزوم لها ليقوم بها، فلما وفى له بالشرط ولم يبغ عملا وحركة غير ذلك وحفظه ولم يتجاوز نقله منها إلى ملك الجبروت ليقوم، فجبر نفسه ثم قمعها بسلطان الجبروت حتى ذلت وخشعت، ثم نقله منها إلى الملك السلطان ليهذب، فذابت تلك الغدد التي في نفسه، وهي أصول تلك الشهوات التي قد صارت غدة ثابتة فيها، ثم نقله منها إلى ملك الجلال فأدب، ثم نقله منها إلى ملك الجمال فنقى، ثم نقله إلى ملك العظمة فظهر، ثم إلى ملك البهاء فطيب، ثم إلى ملك البهجة فوسع، ثم إلى ملك الهيبة فربى، ثم إلى ملك الرحمة فرطب وقوى وشجع، ثم إلى ملك الفردية فعود. فاللطف يعذبه، والرأفة تجمعه وتكتنفه، والمحبة تقويه، والشوق يدنيه، والمشيئة تؤديه إليه، والجواد العزيز يقلبه فيقربه، ثم يدنيه ثم يمهله ثم يؤدبه ثم يناجيه ثم يبسطه ثم يقبض عليه.

Bagian V02/P274–V02/P277

فأينما صار وفي كل مكان خال وفي كل حال لربه دان فهو في قبضته، وأمين من أمنائه على أسراره، وما يؤديه من ربه إلى خلقه، فإذا صار إلى هذا المحل فقد انقطعت الصفات وانقطع الكلام والعبارات، فهذا هو منتهى العقول والقلوب، وغاية ما تبلغ حالات الأولياء إليه وتؤول، وما وراء ذلك مختص بالأنبياء والرسل عليهم السلام، لأن نهاية الولي بداية النبي على الجميع صلوات الله وتحياته ورأفته ورحمته. والفرق بين النبوة والولاية أن النبوية كلام ينفصل من الله تعالى ووحي، معه روح من الله يقضي الوحي، ويختمه بالروح، منه تعالى قبوله فيقبله، هذا هو الذي يلزم تصديقه، ومن رده فهو كافر، لأنه رد لكلام الله عز وجل. وأما الولاية فهي لمن تولى الله عز وجل حديثه على طريق الإلهام فأوصله إليه فله الحديث، فينفصل ذلك الحديث من الله على لسان الحق معه السكينة، فتلقاه السكينة # التي في قلب المجذوب فيقبله ويسكن إليه. فالكلام للأنبياء، والحديث للأولياء، فمن رد الكلام كفر، لأنه رد على الله كلامه ووحيه، ومن رد الحديث لم يكفر، بل يخيب ويصير وبالا عليه ويبهت قلبه لأنه رد على الحق ما جاء به محبة الله تعالى ممن علم الله في نفسه فأودعه الحق، وجعله مؤديا إلى القلب، لأن الحديث ما ظهر من علمه الذي برز في وقت المشيئة، فيصير حديثا في النفس كالسر، إنما يقع ذلك الحديث بمحبة امن الله لهذا العبد، فيمضي مع الحق إلى قلبه فيقبله القلب بالسكينة. باب فيما يجب على المبتدي في هذه الطريقة أولا وما يجب عليه من الأدب مع الشيخ ثانيا وما يجب على الشيخ في تأديب المريد فالذي يجب على المريد المبتدي في هذه الطريقة: الاعتقاد الصحيح الذي هو الأساس، فيكون على عقيدة السلف الصالح أهل السنة القديمة سنة الأنبياء والمرسلين، الصحابة والتابعين، والأولياء والصديقين على ما تقدم ذكره وشرحه في أثناء الكتاب. فعليه بالتمسك بالكتاب والسنة والعمل بها أمرا ونهيا، أصلا وفرعا، فيجعلهما جناحيه يطير بهما في الطريق الواصل إلى الله عز وجل، ثم الصدق في الاجتهاد، حتى يجد الهداية، والإرشاد إليه والدليل، وقائدا يقوده، ثم مؤنسا يؤنسه، ومستراحا يستريح إليه في حالة إعيائه ونصبه وظلمته عند ثوران شهواته ولذاته وهنات نفسه وهواه المضل، وطبعه المجبول على التثبط والتوقف عن السير في الطريق قال الله عز وجل: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت: 69] وقال الحكيم: من طلب وجد وجد. فبالاعتقاد يحصل له علم الحقيقة، وبالاجتهاد يتفق له سلوك الطريقة. ثم يجب عليه أن يخلص مع الله عز وجل عهدا بأن لا يرفع قدما في طريقه إليه، ولا يضعها إلا بالله ما لم يصل إلى الله، فلا ينصرف عن قصده بملامة مليم لأن الصادق لا يرجع، ولا يوجد كرامة فلا يقف معها ويرضى بها عن الله عز وجل عوضا، إذ هي حجابه عن ربه ما لم يصل إليه عز وجل، فإذا حصل الوصول لا تضره الكرامات، إذ هي من باب القدرة وثمراتها وعلاماتها، ووصوله إلى الحق عز وجل من القدرة، فلا ينقض الشيء نفسه، وكيف وقد يصير هو حينئذ قدوة في الأرض وخرق عادة، وكلامه حكمة بالغة من بعد جهل وعجمة وبلادة وقصور، وحركاته وسكناته وتصاريفه عبرة لمن اعتبرها، وأفعال الله تجري فيه وعليه مما يبهر العقول، ثم قد يؤمر حسنئذ بطلب الكرامة ويجبر عليه، وتحقق عنده أن دماره وهلاكه في ترك الطلب # ومخالفة هذا الأمر، وثباته وبقاءه وعبادته وقربته ومرضاة ربه ودنوه منه وزيادة محبة ربه له في طلبها وامتثال أمره فيها، فكيف تضره الكرامة حينئذ غير أن يكون ذلك بينه وبين ربه عز وجل ولا يظهره لأحد من العوام إلا أن يغلب ليه ظهوره، لأن من شرط الولاية كتمان الكرامات، ومن شروط النبوة والرسالة إظهار المعجزات، ليقع بذلك الفرق بين النبوة والولاية.

Bagian V02/P277–V02/P278

ولا ينبغي أن يعرج في أوطان التقصير، ولا يخالط المقصرين والبطالين أبناء قيل وقال، أعداء الأعمال والتكاليف، المدعين للإسلام والإيمان، الذين قال الله عز وجل في حقهم: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} [الصف: 2 - 3] وقال في أختها: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون} [البقرة:44]. وينبغي له ألا يظن ببذل الميسور، ولا يبخل بالموجود خوفا ألا ينال مثله للإفطار والسحور، ويقطع في نفسه وبقلبه علما بأن الله لم يخلق وليا له في سالف الدهور بخيلا ببذل الميسور. وينبغي له أن يرضى بالذل الدائم وحرمان النصيب، والجوع الدائم والخمول، وذم الناس له، وتقديم أضرابه وأشكاله وأقرانه عليه في الإكرام والعطاء، والتقريب عند الشيوخ ومجالس العلماء، فيجوع هو والجماعة يشبعون، والكل أعزاء، ونصيبه الذل، ومن لم يرض بهذا ويوطن نفسه عليه فلا يكاد أن يفلح ويجيء منه شيء، فالنجاح الكلي والفلاح فيما ذكرنا. وينبغي له ألا ينتظر من الله مطلوبا سوى المغرفة لما سلف من الذنوب، والعصمة فيما يأتي من الدهور، والتوفيق لما يحبه من الطاعات، ويوصله إليه من القربات، والرضا عنه في الحركات والسكنات والتحبب إلى الشيوخ من الأولياء والأبدال إذ ذاك سبب لدخول في مرة الأحباب ذوي العقول والألباب، الذي عقلوا من رب الأرباب، واطلعوا على العبر والآيات، فصفت حينئذ القلوب والضمائر والنيات، فهذا الذي ذكرته صفة المريد، وما لم يتجرد قلبه عن جميع الطلبات والمآرب، وينتفي عن غيرها ما ذكرنا من الحوائج والمطالب، لا يكون مريدا على نعت الاستحقاق. (فصل) وأما آدابه مع الشيخ : فالواجب عليه ترك مخالفة شيخه في صحبته في الظاهر، وترك الاعتراض عليه في الباطن، فصاحب العصيان بظاهره تارك لأدبه، وصاحب الاعتراض بسره متعرض لعطبه، بل يكون خصما على نفسه لشيخه أبدا، يكف نفسه ويزجرها عن مخالفته ظاهرا وباطنا، ويكثر قراءة قوله عز وجل: {ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم} [الحشر: 10]. وإذا ظهر له من الشيخ ما يكره في الشرع استخير عن ذلك بضرب المثل والإشارة، ولا يصرح به لئلا ينفر به عليه، وإن رأى فيه عيبا من العيوب ستره عليه، ويعود بالتهمة على نفسه، ويتأول للشيخ في الشرع، فإن لم يجد له عذرا في الشرع استغفر للشيخ ودعا له بالتوفيق والعلم والتيقظ والعصمة والحمية، ولا يعتقد فيه العصمة، ولا يخبر أحدا به، وإذا رجع إليه يوما آخر أو ساعة أخرى يعتقد أن ذلك قد زال، وأن الشيخ قد نقل إلى ما هو أعلى رتبة ولم يقر عليه، وإنما كان ذلك غفلة وحدثا وفضلا بين الحالين، لأن لكل حالين فصلا ورجوعا إلى رخص الشرع وإباحته وترك العزيمة والأشد، كالدهليز بين الدارين، والمنزلة بين المنزلتين، انتهاء للحالة الأولى، وقياما على عتبة الحالة الثانية، وانتقالا من ولاية إلى أخرى، وخلع خلعه ولاية، ولبس خلعة ولاية أخرى، التي هي الأعلى والأشرف لأنهم كل يوم في مزيد قرب من الله عز وجل.

Bagian V02/P278–V02/P280

وإذا غضب الشيخ وعبس في وجهه أو ظهر منه نوع إعراض عنه لم ينقطع عنه، بل يفتش باطنه وما يجري منه من سوء الأدب في حق الشيخ أو التفريط فيما يعود إلى أمر الله عز وجل، من ترك امتثال الأمر وارتكاب النهي، فليستغفر ربه عز وجل وليبت إليه، ويعزم على ترك المعاودة إليه، ثم يعتذر إلى الشيخ ويتذلل له ويتملقه، ويتحبب إليه بترك المخالفة له في المستقبل، ويداوم على المرافقة له، ويواظب عليها، فيجعله وسيلة وواسطة وبين وبين ربه عز وجل، وطريقا وسببا يتوصل به إليه، كمن يريد الدخول على ملك ولا معرفة له به، فإنه لابد له من أن يصادف حاجبا من حجابه، أو واحدا من حواشيه وخواصه، ليبصره بسياسة الملك ودأبه وعادته، ويتعلم الأدب بين يديه والمخاطبة له، وما يصلح له من الهدايا والطرائف مما ليس مثلها في خزانته، ومما يؤثر الاستكثار، فليأت البيت من بابه ولا يتسلق من ورائه من غير بابه، فيلام ويهان، # ولا يبغ الغرض من الملك ولا المقصود منه، ولكل داخل دهشة لابد له من مذكر ومنه، ومن يأخذ بيده فيقعده موضع مثله، أو يشير إليه بذلك لئلا تتطرق إليه المهانة، ولا يشار إليه بسوء الأدب والحماقة، وليتحقق بأن الله عز وجل أجرى العادة بأن يكون في الأرض شيخ ومريد صاحب ومصحوب، تابع ومتبوع من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة. ألا ترى إلى آدم عليه السلام لما خلقه الله تعالى علمه الأسماء كلها، وافتتح الأمر به، فجعله كالتلميذ مع الأستاذ، والمريد مع الشيخ، وقال له: يا آدم هذا فرس وهذا بغل وهذا حمار، حتى علمه قصعة وقصيعة، ثم لما فرغ من تعليمه وتهذيبه جعله أستاذا معلما شيخا حكيما، وكساه بأنواع الحلل والحلى، وتوجه منطقة وأجلسه على كرسي في اللجنة، وأقام الملائكة حوله صفوفا فقال: {يا آدم أنبئهم بأسمائهم} [البقرة: 33] بعد أن ظهر عجزهم وعدم علمهم بذلك، وقولهم: {سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا} [البقرة:32] فصارت الملائكة تلاميذ لآدم وآدم شيخهم، فأنبأهم بأسماء الأشياء كلها على ما شهد به القرآن، فظهر فضله عليه السلام عليهم، فصار أفضلهم وأعلمهم وأشرفهم عند الله وعندهم، فصار متبوعهم وهم تابعون مقتدون صلوات الله عليهم. فلما جرى ما جرى من أكل الشجرة والخروج من الجنة، والانتقال إلى حالة أخرى ومنزل غيره، لم يعط علمه ولم يستوطنه بعد، ولا جرى ذلك في خلده، ولا ظن أنه سيسار به إليه، فلما وصل إلى المنزل وجال في الأرض، استوحش منها ورأى فيها ما لم يكن رآه من قبل، فألقى عليه الجوع والعطش والحرقة والقبض ما لم يعهده من قبل، احتاج إلى معلم ومرشد وأستاذ ودليل ومؤدب ومنبه، فبعث الله تعالى جبريل عليه السلام فآنسه، وعرفه ما أشكل عليه من أمر المنزل، وأعطاه الحنطة فأمره فبذرها ثم أمره فحصدها، ثم أمره فذراها، فطحنها وهيأ له أسبابها، ثم أمره بالخبز فخبز، ثم أمره بالأكل فأكل، ثم لما طلب الطعام الخروج من المعدة تحير ولم يعلم بالصنع احتاج إلى معلم أيضا، فعلمه كيف يتغوط وكيف يتطهر، وكيف يعبد الله تعالى في المنزل، وعلمه كيف يتوصل إلى بياض جسده الذي قد حال لونه من البياض والإشراق إلى السواد والظلمة، فأمره بصيام أيام البيض من الشهر ثالث عشر ورابع عشر وخامس عشر، فعاد لونه إلى البياض، وعلمه غير ذلك من العلوم والآداب، فصار آدم عليه السلام تلميذا لجبريل، وجبريل عليه السلام أستاذه وشيخه، بعد أن كان آدم شيخه والملائكة أجمع ومتبوعهم، وأعلمهم كل ذلك لتغير الحال به، والانتقال من منزل إلى آخر، ثم هلم # جرا، تعلم شيث بن آدم من أبيه آدم، ثم أولاده منه، وكذلك نوح النبي عليه السلام علم أولاده، وإبراهيم عليه السلام علم أولاده، قال الله تعالى: {ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب} [البقرة: 132] أي أمرهم وعلمهم، وكذلك موسى وهارون عليهما السلام علما أولادهما وبني إسرائيل، وعيسى عليه السلام علم الحواريين، ثم إن جبريل عليه السلام علم نبينا -صلى الله عليه وسلم- الوضوء والصلاة ووصاه بالسواك وهو قوله -صلى الله عليه وسلم-: "وصاني جبريل بالسواك حتى كاد أن يفرضه، وصلى بي جبريل عليه السلام عند البيت مرتين، فصلى بي الظهر حتى زالت الشمس .... " الحديث إلى آخره وقد تقدم ذكره ثم تعلمت الصحابة رضي الله عنهم منه -صلى الله عليه وسلم- ثم التابعون منهم، ثم تابعو التابعين منهم قرنا بعد قرن وعصرا بعد عصر، فما من نبي إلا وله صاحب يهتدي بهداه ويقفو أثره وينتحل مذهبه ويهدى هديه، ثم يخلفه مكانه ويقوم مقامه، كموسى بن عمران وغلامه وابن أخته يوشع بن نون عليهم السلام، والحواريون مع عيسى عليه السلام، وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكذلك عثمان وعلي وسائر الصحابة رضي الله عنهم، وما زالت الأولياء والصديقون والأبدال كذلك من بين أستاذ وتلميذ كالحسن البصري وتلميذه عتبه الغلام وسرى السقطي وغلامه وابن أخته أبي القاسم الجنيد وغيرهم مما يطول شرحه.

Bagian V02/P280–V02/P282

فالمشايخ هم الطريق إلى الله عز وجل والأدلاء عليه والباب الذي يدخل منه عليه، فلابد لكل مريد لله عز وجل من شيخ على ما بينا، إلا على النذور والشذوذ، فيجوز أن يصطفى الله عبدا من عباده، فيتولى تربيته وحراسته عن الشيطان وهنات النفس والهوى، كإبراهيم النبي ونبينا محمد صلوات الله وسلامه عليهما، وأويس القرني من الأولياء وغيرهم رحمهم الله فلا ينكر، إلا أنا بينا ما هو الأغلب والأكثر والأسلم والأحسن. فلا ينبغي له أن ينقطع عن الشيخ حتى يستغنى عنه بالوصول إلى ربه عز وجل، فيتولى تبارك وتعالى تربيته وتهذيبه، ويوقفه على معاني أشياء خفيت على الشيخ، ويستعمله مما يشاء من الأعمال ويأمره وينهاه ويبسطه ويقبضه ويغنيه ويفقره ويلقنه ويطلعه على أقسامه وما سيؤول أمره إليه، فيستغنى بربه عن غيره، بل لا يتفرغ لغيره # ولا يسعه مراعاة الأدب لغيره، ومحافظة خدمته وحرمته وتوقيره، فحينئذ يقطع عن الشيخ قطعا وربما حرم عليه المرور إلى الشيخ، إلا عن أمر صريح وخبر بين، إلا ما يتفق مجيء الشيخ إليه، أو الملاقاة له في طريق أو جامع قدرا لا قصدا، كل ذلك حفظا للحال، واستغناء بالرب وغيره على الحال وملازمة لها وخيفة من الزلة والمفارقة لها والعقوبة بذلك، وذلك أن الحكم يجمع المريد والشيخ ويسعهما والأحوال تفرق بينهما لأنها قدر والقدر غيب، فهي فعل الرب عز وجل، والله تعالى في كل يوم هو في شأن في تقديم وتأخير، وتبديل وتغيير، وولاية وعزل، وإغناء وإفقار، وإعزاز وإذلال، يسوق المقادير إلى المواقيت، لا يدرك ذلك ولا ينضبط لأحد من الخلق، ليل مظلم وبحر لجي، وبر شاسع لا يحيط بشيء من ذلك إلا الله عز وجل، ومن يطلعه الله تعالى عليه من رسله وأنبيائه وخواص أوليائه، فالاثنان من الأولياء لا يتفقان في طريق بعد دخولهم في الحالات التي هي القدر والفعل. فما يصنع المريد بالشيخ وطريقهما مختلفة، فالشيخ يسير به إلى جهة، والمريد إلى أخرى، فقد خولف بين ظهورهما ووجوههما، فأنى لهما والصحبة والاجتماع والاتباع يبعد ذلك جدا، فإن اتفق فهو نادر شاذ لا التفاف إليه ولا معول عليه، إذ الأغلب ما قد انكشف وظهر وبان، فصلوات الله على الشيخ، وعلى المريد الصادق الذي إذا بلغ به إلى حالة استغنى فيها بربه تبارك وتعالى عن الشيخ. ومن آداب المريد: ألا يتكلم بين يدي شيخه إلا في حالة الضرورة، وألا يظهر شيئا من مناقب نفسه بين يديه. ولا ينبغي له أن يبسط سجادته بين يدي الشيخ إلا في وقت أداء الصلاة، فإذا فرغ من صلاته طوى سجادته في الحال، ويكون متهيئا لخدمة شيخه ومن هو قاعد على بساطه، مبسوطا مستوطنا مستريحا، لا كلفة عليه لغيره، وهذه حالة الشيوخ لا حالة المريدين. ويجتهد في اجتناب بسط سجادته وفوق سجادته من هو فوقه في الرتبة، وإدناء سجادته من سجادته إلا بأمره، فإن ذلك عندهم سوء أدب. وينبغي للمريد إذا جرت مسألة بين يدي الشيخ أن يسكت، وإن كان عنده فضل # وإشباع جواب فيها، بل يغتنم ما يفتح الله على لسان شيخه فيقبله ويعمل به، وإن رأى في جوابه نقصانا وقصورا فلا يرد عليه، بل يشكر الله تعالى على ما خصه من فضل وعلم ونور، ويخفى جميع ذلك في نفسه، ولا يكثر حديثه فيقول أخطأ الشيخ في المسألة، ولا يناقض كلامه إلا أن يغلب عليه ذلك، فيبتدر منه الكلمة فليتداركه بالسكوت والتوبة، والعزم على ترك المعاودة على ما قدمنا ذكره في أثناء الكتاب، من فعله في توبته عن معاصي الله عز وجل، فالخير كله في حق المريد في سكوته فيما هذا سبيله.

Bagian V02/P282–V02/P283

وينبغي للمريد ألا يتحرك في حال السماع بين يدي الشيخ إلا بإشارة منه عليه، ولا يرى من نفسه البتة حالا إلا أن ترد غلبة تأخذه عن التمييز والاختيار، فإذا سكنت فورته فليعد إلى حال سكونه وأدبه ووقاره وكتمان ما أولاه الله عز وجل من سره، وقد ذكرنا هذا وإن كنا لا نرى بالسماع والقول والقصب والرقص، وقد قدمنا كراهته فيما تقدم، إلا أنا قد ذكرنا ذلك على ما قد لهج به أهل زماننا في أربطتهم ومجامعهم، ولا ينكر أن يكون فيمن يفعل ذلك صادق، فيكون معنى ما قد سمع مهيجا لنائرة صدقه ومثيرا لها، فيشتغل بنائرته ويغيب فيها، فتتحرك أعضاؤه وجوارحه بين القوم وهو في معزل عما القول فيه من لذة الطباع والأهوية، وتذكار كل واحد قرب معشوقه ممن قد مات وطال به عهده، ومن هو حي غائب عنه فاشتد شوقه. والمريد الصادق نائرته غير خامدة، وشعلته غير هامدة، ومحبوبه غير غائب، وأنيسه غير مستوحش، فهو أبدا في زيادة دنو وقرب، ولذة ونعيم، فلا يغيره ويهيجه عن حالته غير كلام مراده، وحديثه الذي هو ربه عز وجل. ففي ذلك عنده مندوحة عن الأشعار والقيانة والأصوات وصراخ المدعين شركاء الشياطين، ركاب الأهوية مطايا النفوس والطباع، أتباع كل ناعق وزاعق. وينبغي للمريد أن لا يعارض أحدا في حال سماعه، ولا يزاحم أحدا في وقته في التقاضي على الذي ينشد الزهديات المرققات المشوقات إلى الجنان والحور، ورؤية الحق تعالى في الآخرة، المزهدات في الدنيا ولذاتها وشهواتها وأبنائها ونسوانها، المشجعات على الصبر على آفاتها ومحنها وبلائها، وأدبارها على أبناء الآخرة، وإقبالها على أبنائها وغير ذلك، فليكل جميع ذلك إلى الشيخ الحاضر، فإن القوم في ولاية الشيخ، اللهم # إلا أن يكون المستمع حينئذ من المحققين الصادقين، فيحفظ الأدب في الظاهر، ويسكن عن تكلفه في الباطن، فلا شك أن الله عز وجل يقيض من يتقاضى عنه، أو يلهم القائل بذلك التكرار والترداد، ليقضى الصادق المستمع نهمته ووطره من ذلك. (فصل آخر: في أدبه مع شيخه) : وينبغي له إذا أراد أن يتأدب بشيخ أن يكون له إيمان وتصديق واعتقاد أن ليس في تلك الديار أولى منه، حتى ينتفع به فيما هو مرامه، وأن يقبله الله عز وجل ويحفظ سره في خدمته مع الله تعالى فإن صدق فيما بينه وبين الله تعالى في عقد إرادته، بحفظه حتى لا يجرى على لسان شيخه إلا ما هو الأولى بشأنه، ويحذر مخالفته جدا، لأن مخالفة الشيوخ سم قاتل فيها مضرة عامة، فلا يخالفه بتصريح ولا بتأويل، ويجتهد ألا يكتم من شيخه شيئا من أحواله وأسراره، ولا يطلع أحدا سواه على ما يأمره شيخه. ولا ينبغي له أن يحتج إلى طلب الرخصة أو يرجع إلى شيء تركه لله عز وجل، فإنه من الكبائر وفسخ الإرادة عند أهل الطريقة. وقد جاء في الخبر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "العائد في هبته كالكلب يقئ ثم يعود فيه". وعليه الانقياد لالتزام ما يأمر به شيخه من التأديب على مقتضى سوء أدبه، فإن وقع منه تقصير في القيام بما أشار إليه شيخه، فالواجب عليه تعريف ذلك لشيخه ليرى فيه رأيه، ويدعو له بالتوفيق والتيسير والفلاح. (فصل) وأما الذي يجب على الشيخ في تأديب المريد :

Bagian V02/P283–V02/P286

فهو أن يقبله لله عز وجل لا لنفسه فيعاشره بحكم النصيحة، ويلاحظه بعين الشفقة، ويلاينه بالرفق عند عجزه عن احتمال الرياضة فيربيه تربية الوالدة لولدها، والوالد الشفيق الحكيم اللبيب لولده وغلامه، فيأخذه بالأسهل ولا يحمله ما لا طاقة له به، ثم بالأشد فيأمره أولا بترك متابعة الطبع في جميع أموره، واتباع رخص الشرع حتى يخرج # بذلك عن قيد الطبع وحكمه، ويحصل في قيد الشرع ورقه، ثم ينقله من الرخص إلى العزيمة شيئا بعد شيء، فيمحو خصلة من الرخص، ويثبت مكانها خصلة من العزيمة، فإن وجد في ابتداء أمره فيه صدق المجاهدة والعزيمة وتفرس فيه ذلك بنور الله عز وجل ومكاشفته، وعلم من قبل الله عز وجل على ما قد مضت سنة الله في عباده المؤمنين من الأولياء والأحباب الأمناء العلماء به، فحينئذ لا يسامحه في شيء من ذلك، بل يأخذه بالأشد من الرياضيات التي يعلم أنه لا تتقاصر قوة إرادته عنها، إذ ثبت عنده أنه مخلوق لذلك وجدير به، وهو من شأنه فلا يخونه في التهوين عليه. ولا ينبغي له أن يرتفق من المريد بحال لا بالانتفاع بماله ولا بخدمته، ولا يأمل من الله عز وجل عوضا في تأديبه، ولا شيئا، بل يؤدبه ويربيه موافقة لله عز وجل أداء لأمره وقبولا لهديته وطرفته، فإن المريد الذي جاء من غير تخيير من الشيخ ولا استجلاب، بل قدر محض بإرشاد الله تعالى له وهدايته وإنقاذه إليه، فإنه هدية من الله، فعليه قبوله والإحسان إليه بحسن تأديبه وتربيته، فلا يرتفق به ولا بماله إلا بأمر من الله تعالى، وخير في استعماله وقبول ما يأتي به من ماله الذي قد جعل الله تعالى صلاح المريد ونجاته به، وقسم للشيخ فيه، فحينئذ لا سبيل إلى الإعراض عنه ورده. ويحذر جدا أن يختار من المريد من يقع له، بل ينتظر في ذلك فعل الله وقدره، فمن جاء الله تعالى به من غير تكلف منه وتخيير قبله ورباه، فحينئذ يوفق في تربيته ويسرع فلاح المريد ونجحه، فليحذر أن يكون هو فيه فيعدم التوفيق والحفظ في حق المريد. وعليه أن يربيه بهمته وينوب عنه في سره إذا وجد منه خللا أو فترة. وعليه أن يحفظ سر المريدين فلا يطلع غير على ما يحصل له من الإشراف على أحواله، إما بطريق علم لدني من مواهب الله عز وجل، أو بإفشاء المريد له، واستكتامه إياه، فلا ينبغي له أن يفشيه لغيره، لأنه أمانة عنده وقد قيل: صدور الأحرار قبول الأسرار، فينبغي له أن يكون مستراحا للمريدين، وخزانة لهم وحرزا لأسرارهم، وملجأ لهم وكهفا ومشجعا ومقويا ومعينا لهم، ومثبتا لهم في الطريق، ولا ينفرهم عن الطريق ومصاحبتهم والقصد إلى الله عز وجل. وإذا رأى شيئا مما يكره في الشرع من المريد وعظه في السر وأدبه، ونهاه عن المعاودة # إلى ذلك إن كان ذلك في الأصول أو الفروع أو ادعاء حالة ليست له أو إعجاب بعمله ورؤيته، فيصونه عن محل الإعجاب، ويصغر في عينه أحواله وأعماله، لئلا يهلك، فإن العجب يسقط العبد من عين الله عز وجل، وإن أراد أن يعم الجماعة بالنصح فليجمهم وليتكلم عليهم فيقول: بلغني أن فيكم من يدعى كذا ويقول كذا ويرتكب كذا، ويذكر ما يتعلق بذلك من المفاسد والمصالح، ويذكرهم ويحذرهم، ولا يعين أحدا منهم على ذلك لما في ذلك من التنفير، فإن أخشن الخلق والقول معه، وأفشى أسرارهم واغتابهم وثلبهم وذكر مساويهم، نفرت قلوبهم عن قصده ومصاحبته، وصار ذلك تهمة عندهم في أهل الطريقة، وفيما قد غرس في قلوبهم من حب أولياء الله تعالى، فليحذر من ذلك جدا، فإن غلب هذا عليه ولا يمكنه تداركه فليعزل نفسه عن هذه النصبة والولاية، ولينفرد عن المريدين، ويشتغل بمجاهدة نفسه ورياضتها، وطلب شيخ يؤدبه ويقومه ويهذبه، فلا يصلح أن يكون شيخا مع هذه الدواهي، فلا يقطع على المريدين طريقتهم إلى الله عز وجل. باب في صحبة الإخوان والصحبة مع الأجانب وكيف الصحبة مع الأغنياء والفقراء أما الصحبة مع الإخوان:

Bagian V02/P286–V02/P288

فبالإيثار والفتوة والصفح عنهم والقيام معهم بشرط الخدمة، لا يرى لنفسه على أحد حقا، ولا يطالب أحدا بحق، ويرى لكل أحد عليه حقا، ولا يقصر في القيام بحقهم. ومن الصحبة معهم إظهار الموافقة لهم في جميع ما يقولون أو يفعلون، ويكون أبدا معهم على نفسه ويتأول لهم ويعتذر عنهم، ويترك مخالفتهم ومنافرتهم ومجادلتهم ومماراتهم ومشاددتهم، ويتعامى عن عيوبهم، فإن خالفه أحد منهم في شيء سلم له ما يقول في الظاهر، وإن كان الأمر عنده بخلاف ما يقوله. وينبغي أن يحفظ أبدا قلوب الإخوان، ويجتنب فعل ما يكرهونه وإ، علم فيه صلاحهم، فلا ينطوى لأحد منهم على حقد وإن خامر قلب واحد منهم كراهة له تخلق معه بشيء حتى يزول ذلك، فإن لم يزل زاد في الإحسان والتخلق حتى يزول، وإن وجد هو في قلبه من أحد منهم استيحاشا وأذية بغيبة أو غيرها فلا يظهر ذلك من نفسه ويرى من نفسه خلاف ذلك له. (فصل) وأما الصحبة مع الأجانب : فيحفظ السر عنهم، وينظر إليهم بعين الشفقة والرحمة، وأن يسلم أحوالهم إليهم، ويستر عليهم أحكام الطريقة، ويصبر على سوء أخلاقهم وترك معاشرتهم ما أمكنه، وألا يعتقد لنفسه عليهم فضيلة ويقول: إنهم من أهل السلامة فيتجاوز الله عنهم، ويقول لنفسه: أنت من أهل المضايقة، فتطالبين بالنقير والقطمير والحقير والكبير، وتحاسبين على الكبير والصغير، وأن الله تعالى يتجاوز للجاهل مالا يتجاوز بمثله من العالم، والعوام لا يبالى بهم والخواص على الخطر. (فصل) وأما الصحبة مع الأغنياء : فالتعزز عليهم، وترك الطمع فيهم، وقطع الأمل مما في أيديهم، وإخراج جميعهم من قلبك، وحفظ دينك من التضعضع لهم لنوالهم، كما جاء في الحديث وهو قوله -صلى الله عليه وسلم-: "من تضعضع لعنى لأجل ما في يديه ذهب ثلثا دينه" فتعوذ بالله من فعل ينقص به الدين، وصحبة أقوام ينثلهم بهم الدين، وتنقطع عراه، ويطفئ نور الإيمان شعاع أموالهم وبريق دنياهم كما جاء في الحديث. غير أنك إذا ابتليت بصحبتهم في سير أو سفر أو مسجد أو رباط أو مجمع فحسن الخلق أولى ما يستعمل، وهو حكم عام شامل في صحبة الأغنياء والفقراء فلا ينبغي لك أن تعتقد لنفسك فضيلة عليهم، بل تعتقد أن جميع الخلق خير منك لتتخلص من الكبر، ولا تطلب لنفسك فضيلة الفقر ولا تعتقد لها خطرا في الدنيا ولا في الآخرة، ولا ترى لها قدرا ولا وزنا كما قيل: من جعل لنفسه قدرا فلا قدر له ومن جعل له وزنا فلا وزن له، فأدب الغني بالإحسان إلى الفقير، وهو إخراج المال من كيسه إليه، ويكون فراغا من ماله مستخلفا فيه غير متملك له. وأدب الفقير إخراج الغني من قلبه، ويكون قلبه فارغا من الغني وماله، بل من الدنيا والآخرة أجمع، ولا يجعل لشيء من الأشياء في قلبه موطنا ومحلا ومدخلا، بل يتصفى من ذلك كله ويخلو منه، ثم يترقب امتلاءه بربه عز وجل، فلا يكون لغيره وجود ولا له حول ولا قوة، فيأتيه عند ذلك فضل الله عز وجل فحينئذ يحصل الغني به عز وجل من غير تعب ولا هم. (فصل) وأما الصحبة مع الفقراء : فبإيثارهم وتقديمهم على نفسك في المأكول والمشروب والملبوس والمذوذ والمجالس وكل شيء نفيس، وترى نفسك دونهم، ولا ترى لها عليهم فضلا في شيء من الأشياء البتة. عن أبي سعيد بن أحمد بن عيسى قال: صحبت الفقراء ثلاثين سنة ولم يجر بيني وبينهم كلام قط تأذوا به، ولا جرى بيني وبينهم منافرة استوحشوا منها، قيل له: كيف # ذلك؟ قال: لأني كنت معهم على نفس أبدا، وإذا دخلت عليهم أدخلت عليهم سرورا ورفقا، واستعملت معهم خلقا هدية وأدبا وسببا من الأسباب، فلا ترى بذلك لك عليهم فضلا، بل تتقلد منهم منة في قبولهم ذلك منك.

Bagian V02/P288–V02/P290

واحذر أن تمن عليهم بذلك أو تراه منك بل اشكر الله عز وجل على ما أولاك من توفيقه على تيسير ذلك، جعله لك أهلا لخدمة أهله وخاصته وأحبابه، فإن الفقراء الصالحين هم أهل الله وخاصته كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته" فأهل القرآن من يعمل بالقرآن، وأما من يقرأ بلا عمل فليس من أهله، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ما آمن بالقرآن من استحل محارمه". فالمنة لمن يقبل منك العطية لا لك. (فصل) ومن آداب الصحبة مع الفقراء: ألا تحوجهم إلى مسألتك، وإن اتفق فاستقرض الفقير منك شيئا فتقرضه في الظاهر، ثم تبرئه منه في الباطن، وتخبره عن قريب بذلك، ولا تبدأه بالعطاء على وجه الصلة لئلا يتحشم بحمل المنة منك بذلك. ومن الأدب معهم: مراعاة قلبه بتعجيل مراده دون تنغيص الوقت عليه بطول الانتظار، لأن الفقير ابن وقته كما ورد: ابن آدم ابن يومه وليس له وقت لانتظار المستقبل. ومن الأدب معهم: أنك إذا علمت أنه ذو عيال وصبيان فلا تفرده بالإرفاق فحسب، بل تتخلق معه بقدر ما يتسع له ولمن يشتغل به قلبه. ومن الأدب معهم: الصبر على ما يذكر الفقير من حاله، وأن تتلقاه في حال ما يخاطبك بوجه طلق مستبشر، ولا تلقاه بالعبوس ولا بالنظر الشزر ولا بالكلام النزر، وإذا طالبك بما لا يحضر في الوقت فاصرفه بالوجه الجميل إلى عند مساعدة الإمكان، ولا توحشه بيأس الرد على الجزم لئلا يعود بحشمة الإخفاق وعدم الإصابة بحاجته عندك، والندم على إفشاء سره إليك حسيرا، وربما يغلب عليه طبعه، وتستولي عليه # نفسه، فيظهر عليه الجهل بحاله والسخط عليك والاعتراض على الرب عز وجل فيما قسم له من الفاقة إلى الخلق والتبذل عنهم، فيعمى قلبه وينطفئ نور إيمانه، فكنت أنت مؤاخذا بذلك كله، إذا كنت سببا لثوران ذلك من قلبه، بتركك الأدب في رده، وربما حجب أيضا عن الصواب، والمعارف والعلوم والمصالح المدفونة في سؤاله للخلق، التي لو صبر وأحسن الأدب ظهرت وارتحل السؤال للخلق وحصل غنى اليد والقلب والبيت، وجاءته عساكر فضل الله وآلائه ونعمائه ودللته يد الرأفة والرحمة والراحة والرعاية، وتحقق فيه قوله عز وجل: {وهو يتولى الصالحين} [الأعراف: 196] وجعل مصانا مغارا عليه، وله غنى عن الأشياء بخالقها وتأتيه الأشياء وهو لا يأتيها، يقصده القاصدون فينالون من أنواره وسره، ويطيبون بطيبه وهو لا يشعر بهم في غيب عنهم، مشغول بمولاه وجاذبه الذي جذبه إليه، وأنقذه من ظلمات مخالطة الخلق، وموافقة النفس ومتابعة الهوى، والتقيد بإرادة الأشياء دنيا وأخرى {إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون} [يس: 55] أهل الجنة لما باعوا في الدنيا أنفسهم وأموالهم لربهم عز وجل بالجنة، كما قال جل وعلا: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} [التوبة:111] وصبروا على الإفلاس في الدنيا وردوا التصرف في الأنفس والأموال والأولاد إلى ربهم عز وجل، وسلموا الكل إليه جل جلاله سوى الأوامر والنواهي، وامتثلوا الأوامر وانتهوا عن النواهي وسلموا في المقدور، وتحرزوا من الخليقة، وتجوهروا عن الإرادات والأماني، والهمم في الجملة أدخلهم الجنة فشغلهم بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، كما قال جل وعلا: {إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون} فهكذا الفقير إذا فعل ذلك في الدنيا وتحقق بظاهر القرآن حصول الجنة له، باع حينئذ الجنة بربه عز وجل، وطلب الجار قبل الدار كما قالت رابعة رحمها الله: الجار قبل الدار، وكما قال عز وجل: {يريدون وجهه} [الأنعام: 52، والكهف: 28] وكما قال الله عز وجل في بعض كتبه السالفة: أود الأوداء إلى عبد عبدني بغير نوال ليعطي الربوبية حقها، وقول على رضي الله عنه: لو لم يخلق الله الجنة والنار ما كان أهلا أن يعبد، قال عز وجل: {هو أهل التقوى وأهل المغفرة} [المدثر: 56] فإذا اتصف الفقير بهذه الصفة، وتحقق إفلاسه عن سوى مولاه، وتنظف قلبه عن التعلق بالأشياء وفنى عنها، وصار مريدا حقا، وغاب عما سوى ربه عز وجل، كان حقيقا على كرم الله أن يتولاه ويدلله وينعمه في الدنيا إلى حين اللقاء، ثم يزيده على ذلك، ويجدد # عليه الخلع والأنوار والنعيم والحياة الطيبة، والقرب على ما أعد وأخبر لأوليائه وأحبابه، بقوله عز وجل: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} [السجدة: 11].

Bagian V02/P290–V02/P291

وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "يقول الله عز وجل: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، اقرأوا إن شئتم {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين}. فإن رددت الفقير اليد الغني القلب المتمثل لأمر مولاه في إخباره لك عن حاله لأجل عياله أو نفسه طائعا لربه عز وجل في ذلك خائفا له، أن لو ترك سؤالك إذ كلفه الله ذلك وابتلاه به، قال الله عز وجل: {وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون} [الفرقان: 20] وهي حالة له لا تدوم، بل تنقضي عن قريب وينقل إلى ما قسم له من الغنى والعز الدائم بقرب مولاه وإعطائه، عاقبك الله يا غني اليد فقير القلب، الجاهل بنفسه وبربه، ومنشئه ومنتهاه، بأن يسلب الغنى عن يدك، فتصير فقير اليد كما كنت فقير القلب، فتكون أبدا فقيرا إلى الأشياء، فلا تشبع منها حريصا عليها، طالبا لها معذبا في إرادتها وتحصيلها، وهي غير مقسومة لك، كما قيل: إن من أشد العقوبات طلب ما لا يقسم إلا أن يتغمدك الله برحمته، فينبهك لذنبك فتستغفره، وتتوب إليه من ذلك وتعترف بتفريطك ويتوب عليك ويغفر لك، فذلك إليه وهو أرحم الراحمين غفور رحيم. (فصل: في آداب الفقير في فقره) فينبغي للفقير أن تكون شفقته على فقره كشفقة الغني على غناه، فكما أن الغني يفعل كل شيء ويجتهد حتى لا يزول غناه، فكذلك ينبغي للفقير أن يفعل مثل ذلك حتى لا يزول فقره، فيسأل الله عز وجل زوال غناه إلى فقره، أو يتعرض بالمعايش والاكتساب والأسباب للاستغناء، والتكثر بالدنيا للعيال، وعفة النفس عند الضيقة. ومن شرط الفقير أن يقف مع كفايته، ولا يأخذ فوقها بحال، ويكون أخذه لذلك القدر امتثالا لأمر الله تعالى، وخوفا من الوقوع في إثم قتل النفس، قال الله عز وجل: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما} [النساء: 29] لأن منعه لنفسه حقها حرام، # وهو القوت من الطعام والشراب والكسوة والقدر الذي تقوم به البنية، ولا يضعف عن أداء الأوامر من الاتيان بشرائط الصلاة وأركانها وواجباتها عليه، ويترك ما هو حظها، فإن كانت قسمته إليه من غير أن يكون هو فيه بفعل الله عز وجل، فلا يتعرض للحظ أبدا إلا أن يكون مريضا فيوصف له شيء من الحظوظ، فيتناوله على وجه التداوي، فيصير الحظ حينئذ حقا في حال مرضه، كالقوت في حال صحته. وينبغي أن يكون استلذاذه بفقره أكثر من استلذاذ الغني بوجود غناه. وينبغي له أن يؤثر ذله وخموله وعدم قبول الناس له وقصدهم إليه وازدحامهم لديه.

Bagian V02/P291–V02/P293

ومن شرطه أن يكون قلبه أقوى بصفاء الحال عند خلو يده من المال، فكلما قل الفتوح كثر طيب قلبه وقوته ونوره، وازداد فرحه بشعار الصالحين، وأما إذا أظلم ذلك قلبه وأوحشه وأسخطه على ربه، فليعلم أنه مفتون قد أحدث في فقره ذنبا عظيما، فليتب إلى الله عز وجل ويستغفره، ويخلد إلى التفتيش والتنقير ولوم النفس، ومن حق الفقير أن يكون كلما كثر عياله كان قلبه في باب أمر الرزق أسكن وبربه أوثق، يتمثل أمر ربه في الكسب لهم في الظاهر، ويسكن إلى وعد ربه في الباطن، ويقطع بأن لهم رزقا عند الله قد وعد به وقدره، وهو سائقه إليهم على يده أو يد غيره، فليتنح من الوسط ولا يكون فضوليا، فيدخل بين الخلق وخالقهم، بل يمتثل الأمر فيهم، ولا يعترض ولا يسخط ولا يتهم الرب، ولا يشك في وعده، ولا يشكو إلى أحد، بل يكون شكواه إلى ربه وإنزال حاجته به عز وجل، وكلامه وسؤاله له عز وجل في توفيقه بالصبر وأداء الأمر في حقهم، والرضا بما قضى عليهم بإضافتهم، وإلزامه له مؤنتهم، ويسأله تسهيل رزقهم وتيسيره، فهو قريب مجيب، إنما يبتلى عبده ليرده بالبلية إليه عز وجل، لأنه يحب الملحين له بالسؤال، لأن بالسؤال يتميز الرب من المربوب والسيد من العبد والغنى من الفقير، ويخرج العبد من الكبر والاستنكاف والتعظيم والنخوة إلى التواضع والذلة والافتقار، فإن تحقق ذلك من العبد تحققت الإجابة سريعا عاجلا مع ما يدخر له من الثواب في العقبى. ومن آدابه: ألا يكون له هم الوقت المستقبل، بل يكون بحكم وقته لا يتطلع للوقت الثاني، بل يحفظ الحال وحددها وشرائطها وآدابها مطرقا غاضا عما سواها، لا أعلى منها ولا دونها، ولا يشده إلى حال غيره، ربما كان هلاكه فيها وهي لأهلها سلامة # ونعمة، كالأغذية فمن الأغذية ما يزيد الشخص عافية ولآخر سقما وبلاء، فلا ينبغي للمريض أن يتناول شيئا منها إلا بأمر الطبيب، فكذلك ينبغي للفقير ألا يختار حالة لنفسه حتى يدخل فيها من غير أن يكون هو فيها، بفعل المولى عز وجل قدرا محضا وإرادة مجردة، لا يحل نفسه في شيء من الحالات والمقامات وينزلها به فيضل ويردى، حتى يأتيه أمر الذي أمات وأحيا، وينقله منها فعل الذي منع وأعطى، وأفقر وأغنى، وأضحك وأبكى، لأن ذلك أليق به وإلى ربه أقرب وأدنى، هكذا تقدم ومضى أمر من سلف من أولى العلم من أهل الطريقة، فيما خلا فيهم الاقتداء، وإلى رب الخليقة المنتهى. ومن أدب الفقير: أن يكون مستعدا لورود الموت متهيئا له منتظرا مترقبا في الساعات كلها ليكون ذلك عونا له على الرضا بفقره وحمل ما حل به من الأذى، لأن به يقصر الأمل وتنكسر النفس ويزول منها وهج الشهوات الدنيا، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أكثروا من ذكر هادم اللذات، أعني الموت". ومن آدابه: أن يخرج من قلبه ذكر المخلوقين. ومن آدابه: أن يتخلق مع الغني إذا دخل عليه بما تصل يداه إليه من القوت أو فاكهة وإن كان شيئا يسيرا، لأنه بقلبه محترز عن الأسباب فهو بالإيثار أولى من الغنى الذي هو في أسر غناه إلا أن يكون ذا عيال في ضيقة، فلا يضيق على عياله بإيثاره ذلك للغنى، إلا أن يكون يعلم من عياله الإيثار وطيب النفس بذلك والموافقة والصبر والرضا والمعرفة واليقين، والأنوار تظهر من قلوبهم على ألسنتهم وجوارحهم وأنفسهم فحينئذ لا يبالي في البذل والمنع والإيثار والإمساك. ومن أدب الفقير: ألا يترك الاحتياط في الورع في حال ضيق اليد، فلا يخرج إلى ما لا يحل في الشرع لفقره، فيخرج من العزيمة إلى الرخص، لأن الورع ملاك الدين، والطمع هلاكه، وتناول الشبهات فساده، كما قال بعض الصالحين: من لم يصحبه الورع في فقره أكل الحرام وهو لا يدري، فعليه ألا يخلد إلى التأويلات في دينه في حالة فقره، بل يرتكب الأشق والأحوط الذي هو العزيمة. (فصل: في سؤال الفقير)

Bagian V02/P293–V02/P294

فمن أدب الفقير ترك السؤال للخلق ما دام يجد عنه مندوحة، فإن ألجأته الضرورة والحاجة المحقرة، فيسأل بقدر الحاجة فتكون حاجته كفارته، فحينئذ يسلم له السؤال. وينبغي ألا يسأل لأجل نفسه ما أمكنه بل لعياله على ما قدمناه، فإن كان بيده دانق وهو محتاج إلى درهم لم يسلم له السؤال حتى يصرف الدانق ويخلو عن المعلوم جدا كما قيل: لا يظهر من الغيب شيء مادام في الجيب شيء. ومن شروط سؤاله للخلق ألا يراهم بل تكون إشارته إلى الله عز وجل، ويرى الخلق كالولاء والأمناء المتصرف فيهم المفعول فيهم فلا يتخذهم أربابا من دون الله عز وجل، فيكون معنى سؤاله لهم إخبارا أو استخبارا، إخبارا بحاله وعياله لا شكوى من ربه، واستخبارا هل وقع لنا إليك شيء هل أجل عليك شيء هل أذن لك يا وكيل يا خازن، يا أمين يا مملوك يا فقير يا من أنا وهو سواء فيما في يديه المالك له غيرنا كلنا في عياله، فإذا سأل على هذا الوجه يسلم له السؤال وإلا فلا، ولا كرامة لكل مشرك دجال مراء عابد الأصنام، خارج عن أهل الطريقة مدع كذاب منافق زنديق، ثم إن أعطى شكر وإن منع صبر، هكذا تكون صفات الفقير الصادق، ولا يستوحش بالرد ولا يتغير فيسخط ويعترض ويذم الراد له فيظلمه، لأنه مأمور ووكيل، والوكيل هو الذي يتصرف فيما في يده بإذن آمره وموكله المعطى، وهو الله عز وجل، بل يرجع إليه عز وجل، فيسأله التيسير والتسهيل، ليسخر له القلوب ويذل له الصعاب، يدر له الأرزاق ويسوق إليه الأقسام، ويرفع عنه الجوع والعذاب والتبذل إلى العبيد والأرباب، ولعله قبض أيدي الخلق عنه بالعطاء ليرده إليه، فيلازم الباب ويرفع بدعائه وتضرعه الحجاب، فيكون هو المعطى له دون العباد. (فصل: في آداب العشرة) وينبغي له أن يحسن العشرة مع إخوانه، فيكون منبسط الوجه غير عبوس، ولا مخالفا لهم فيما يريدون عنه بشرط ألا يكون فيه خرق للشرع ومجاوزة للحد وارتكاب للإثم، بل يكون مما أباحه الشرع وأذن فيه الرب، ولا يكون مماريا ولا لجوجا، ويكون أبدا مساعدا للإخوان على الشرط الذي ذركنا ومتحملا عنهم ما يخالفونه فيه، ويكون # صبورا على أذاهم غير حقود، لا ينطوي لأحد منهم على دخلة وغش ومكر، غير مغتاب لهم في حال غيبته، ولا يكون سيء المحضر، ويذب عن أخيه في حال غيبته، ويستر العيوب على إخوانه ما أمكنه، وإن مرض أحد منهم عادة، فإن شغله عن ذلك شاغل مضى إليه فهنأه بالعافية، وإن مرض هو ولم يعده بعض إخوانه اعتذر عنه، فإذا مرض لم يقابله بذلك، بل يعوده ويصل من قطعة، ويعطي من حرمه، ويعفو عمن ظلمه. وإذا أساء أحدهم إليه اعتذر عنه عند نفسه ويرجع بالملامة على نفسه، ولا يرى ملكه ممنوعا عن غيره من الإخوان، ولا يتحكم في ملكهم بغير إذنهم، ولا ينسى الورع في جميع حركاته وسكناته، وإن انبسط معه أحد من إخوانه في شيء من ماله أجابه إلى ذلك مسرعا مستبشرا فرحا مسرورا متقلدا منه في ذلك منة، حيث جعله أهلا لمباسطته معه وإنزال حاجته به، ولا يستعير من أحد شيئا إن أمكنه، وإن استعار أجد منه شيئا لا يسترده ما أمكنه لأنه ما استعار منه إلا لحاجته، ولا يليق بالفتوة استرداد المعار، كما لا يحسن في الشرع استرجاع الهدية والهبة، فإن لم يقدر على ذلك فليسرع إعارته، ولا يمنعه من ذلك ولو كل يوم، إذ لا يليق بحاله أن ينفرد عن أحد من الناس بما له، لأنه ليس في رق شيء من الأشياء فلا يملكه شيء، فكل من ملك شيئا فذلك الشيء يملكه، لأن المرء عبد لمن زمامه بيده، بل يرى الأشياء التي في يده ملكا لله عز وجل وهو وبقية الناس عبيدا لله عز وجل، والكل متساو في ملكه عز وجل، وأما ما كان في يد الغير فيستعمل فيه حكم الشرع والورع وحفظ الحدود، لئلا يصير في زمرة المباحية الزنادقة.

Bagian V02/P294–V02/P296

وينبغي له إذا مسته محنة أو فاقة أن يستر حاله عن إخوانه ما أمكنه، لئلا يشغل قلوبهم بسببه، فيتكلفوا له، وكذلك إن مسه هم أو أصابه حزن لا يظهر ذلك لإخوانه، ولا يشوش عليهم ما هم فيه من الفرح والسرور، والراحة ولذة العيش، وإن رأى إخوانه منزولا بهم هم وغم وقد أظهروا فرحا وسرورا، ساعدهم في الظاهر من إظهار النشاط والاستبشار، ويكتم عنهم ما هم فيه من الاستيحاش والحزن والهم، فلا يقابلهم بما يكرهون، ولا يختلف عنهم في شء من ذلك. وينبغي له في أدب حسن العشرة إذا استوحش من شيء أن يتكلم في حسن الخلق، # ويرد قلبه إليه لتزول وحشته. وينبغي له أن يعاشر كل أحد من حيث هو لا يكلفه مجاوزة حده وموافقته، بل يتابعه هو فيما عليه ذلك الإنسان ما لم يكن فيه خرق للشرع، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أمرنا معاشر الأنبياء أن نحدث الناس على قدر عقولهم". وينبغي له أن يعاشر من دونه بالشفقة عليه، ومن فوقه بالإجلال، ومن هو مثله بالإفضال والإيثار والإحسان. (فصل: في آداب الفقراء عند الأكل) من ذلك ألا يأكلوا بالشره ولا على الغفلة، بل يذكروا الله عز وجل بقلوبهم عند الأكل ولا ينسونه. ومن ذلك ألا يمدوا أيديهم عند الطعام قبل من هو فوقهم. ومن ذلك ألا يقولوا لغيرهم كل، ولا يضعوا مما بين أيديهم شيئا بين يدي غيرهم، لا على طريق الخدمة ولا على طريق الانبساط إلا صاحب الطعام، فإنه مسلم له ذلك لأنه نوع خدمة منه، ولا يقولوا لصاحب الطعام كل معنا، وإذا أقعد موضعا فلا يختار غيره ويقعد حيث يؤمر، ولا يرفع يده من الطعام ما دام يأكل من معه لئلا يحتشم صاحبه فيحمله على الامتناع. ولاغ ينبغي أن يرفع الطعام من بين يدي الفقير ما دام يأكل وما دام عينه عليه، ويساعد الأصحاب على الأكل بقدر ما لا يكون مخالفة وإن لم يكن به شهوة. ولا ينبغي أن يلقم على المائدة أحدا، وإن عرض عليه الماء لا يرد الساقي ولو بقطرة واحدة، ولو قام صاحب الطعام بالخدمة لا يمنع، ولو أراد صب الماء على يده فلا يمنعه. وينبغي أن يأكل مع الأغنياء بالتعزز، ومع الفقراء بالإيثار، ومع الإخوان بالانبساط، ولا لخطر الأكل بباله إلا إذا حضر، فحينئذ يأكل ولا يساعد نفسه في اشتهاء شهوة، ولعلها لم تكن مقسومة، فلا ينالها فيبقى محجوبا بها عن الله تعالى، ويشتغل بها عن # طاعته ومراقبة حاله، فإذا عرض عن ذلك واشتغل بحاله كان سليما، فإن كانت مقسومة ثم حضرت اشتهاها وتناولها وشكر الله تعالى ولا يجعل الأكل همه ويعلق قلبه به ويجعله حديثه، بل يمهد مع نفسه بأنها مريضة، ومن حالها الاحتماء عن الطعام والشراب والشهوات حتى يبرأ المرض فالمرض هواها وإرادتها ومناها، والرب عز وجل طبيبها ومداويها، فإذا بعث الطعام والشراب على يد مملوكه تناولهما وعلم أن دواءها وعافيتها في ذلك دون غيره، واشتغل بحفظ الحال والمراقبة وإخراج الأشياء من القلب والارتكان إلى شيء من الأشياء والطمأنينة إليه أبدا في جميع حركاته وسكناته. (فصل: في آدابهم فيما بينهم) من ذلك ألا يمنع شيئا يكون له من أصحابهم من ثيابهم وسجاداتهم وركوبهم وما يجري مجراه، ولو وطئ أحد منهم سجادته بقدمه لا يستوحش منه، ولا يضع قدمه على سجادة غيره، ولا يبسط سجادته على سجادة من هو فوقه في الرتبة، ولو مد أحد يده إلى كتفه لا يمنعه، ولا يمد هو يده إلى كتف غيره، ولا يستخدم أحدا من الفقراء، ويخدم هو بنفسه كل أحد، ويغمز أرجل الفقراء، ولو أراد أحد أن يغمز رجله لا يمنعه، وإن دخلوا الحمام فليس في آداب الفقراء أن يمكنوا القيم من دلكهم، ولو أراد بعضهم ذلك بعض أمكنه منه ولا يمنعه، وإذا نظر فقير إلى شيء من خرقته أو سجادته أو غير ذلك فليدفعه إليه في الوقت وليؤثره به.

Bagian V02/P296–V02/P297

ولا ينبغي أن يجعل الفقراء في انتظاره عند الأكل، وكذلك في كل شيء لا يؤذي قلب أحد بأن ينتظره ما أمكنه، فإن المنتظر مستثقل، وإذا أراد أن يقدم إلى فقير طعاما، فيجب ألا يحبسه في الانتظار، لأن الانتظار الرقة ذل. ولا ينبغي أن يدخر شيئا مما يمكنه، وإذا لم يكن الطعام كثيرا فلا يأكل إلا بعد أن يفضل منهم، ويجتهد في تقديم الطعام إلى الفقراء، أن يكون أنظف ما يمكنه وأوفق لهم، وإن كان في قوم فلا ينبغي أن ينفرد عنهم بأكل شيء ولا يأخذ شيء، فإن فتح له بشيء ينبغي أن يطرحه في الوسط، وإن مرض وهو بين قوم فاحتاج إلى تخصيصه بدواء، فينبغي له أن يستأذن الجماعة في ذلك، وإذا نزل برباطه أو مدرسة وفيها شيخ أو خادم فينبغي أن يكون بحكم ذلك الشيخ، ولا يفعل شيئا إلا باستطلاع رأيه، وإذا ورد # على قوم وهو بحكم فينبغي أني وافقهم على ما هم عليه. ولا ينبغي أن يرفع صوته بين الفقراء بتسبيحه وقراءته بل يخفي ذلك عنهم ويستتر به أو ينقل ذلك إلى تفكر واعتبار عبادة باطنة، وإن كان من الخواص ذوي الأسرار فلا كلفة عليه في ذلك، لأن ربه يتولاه ويهيئ له ويأمره وينهاه في ذلك، ويسخر له قلوب الجماعة ويعطفها عليه ويملؤها من حبه تارة وهيبته واحترامه أخرى. وكذلك لا ينبغي أن يرفع صوته بغير ذلك من الكلام بينهم، وإذا كان بين قوم فينبغي ألا يسار أحدا دونهم، ولا يتكلم بين الفقراء بشيء من حديث الدنيا والمأكولات ما أمكنه. ومن شرطه أيضا ألا يكتب بين الفقراء شيئا ما أمكنه ووجد من ذلك بدا، بل يشتغل بالعمل المكتوب ومراقبة قلبه وحفظ حاله والتفكر فيهما، ولا يكثر من النوافل بين أيديهم، وإذا صام الجماعة وافقهم في ذلك، وكذلك إذا أفطر وافقهم في ذلك، ولا ينفرد عنهم بالصوم، ولا ينام بين الفقراء وهم أيقاظ، إلا أن يغلب عليه النوم، فيتفرد عنهم ويضطجع بقدر ما تنكسر فورته. ولا ينبغي له أن يتقدم بمشيئة شيء واختياره على الفقراء إذا أمكنه، وإن طالبه الفقير بشيء فلا يرده ولو بقليل، ولا يؤذي قلبه بطول الانتظار، وإذا شاوره أحد فلا يعجل عليه بالجواب فيقطع عليه كلامه، بل يمهله حتى ينهي جميع ما في قلبه، ولا يجيبه بالرد والإنكار، فإذا فرغ من ذلك ورآه غير صواب قابله أولا بالموافقة، وقال: هذا وجه، ثم يبين له ما هو أصوب منه عنده برفق لا بمخاشنة ووحشة. ومن آدابهم ألا يمدحوا الطعام حال الأكل ولا يذموه. (فصل: في آدابهم مع الأهل والولد)

Bagian V02/P297–V02/P299

من ذلك حسن الخلق والإنفاق عليهم بالمعروف بما أمكنه، وإذا ملك في اليوم ما يكفيه ليومه فلا يحبس شيئا لغد، وله إلى ذلك القدر حاجة في الحال، فإن فضل من ذلك شيء فليدخره لغد للعيال لا لنفسه، فلا يأكل إلا تبعا لهم، بل يكون كالوكيل والخادم لعياله والمملوك مع سيده، ويعتقد بخدمته عياله والكد عليهم والقيام بمصالحهم أداء أمر الله وطاعته، وليعزل خدمة نفسه من الوسط، ويؤثر عياله على نفسه، وإذا أكل # أكل بشهوتهم، ولا يحملهم على متابعة شهوة نفسه، وإذا كان في ذات يده شيء يصلح لشتائه وهو في الصيف محتاج لثمنه صرفه في وجه حاجته في الصيف، وإن وجد كفاية يومه وكان فيه فضل للكسب في يومه لكفاية غد لعياله لم يشتغل بذلك، بل يقف مع الكفاية في يومه، لأن الوقوف مع الكفايات واجب، وأخر تدبير غد إلى غد، فإن كان له قوة في التوكل وصبر على مقاساة الشدائد والقلة والجوع والضر، وتقصر قوة عياله عن ذلك، فلا يجوز له أن يدعوهم إلى حالة نفسه، بل يتحرك ويكتسب لأجلهم، وإن رأى من أهله الطاعة لله عز وجل وحسن السيرة والعبادة، فعليه بكسب الحلال وإطعامهم الحلال المباح حتى يثمر ذلك الطاعة والصلاع، ولا يطعمهم الحرام فإنه يثمر العصيان والجناح، وليجتهد في ذات نفسه بإصلاح العمل والصدق وطهارة الباطن حتى يصلح الله أمره بينه وبين عياله في حسن الصبر وحسن الطاعة له ولله عز وجل والموافقة له، وتعود بركة صلاحه على عياله، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من أصلح ما بينه وبين الله عز وجل، أصلح الله تعالى ما بينه وبين الناس" وأهله وعياله من جملة الناس. وإذا نزل به ضيف فيجب أن يطعم عياله مما يطعم الضيف إذا كان بذات يده سعة ومكنة فليوفر ذلك بحيث يعم الجميع ويكفيهم ويفضل عنهم، فإن كان هناك فقر وقلة وضيق يد وعلم من عياله الإيثار والرضا بذلك، فحينئذ يؤثر الضيفان، فإن فضل عنهم شيء تناولوه على وجه التبرك، فإن الله تعالى سيخلف عليهم ويوسع ما لديهم، فإن الضيف ينزل برزقه ويرحل بذنوب أهل البيت، كما جاء في الحديث. وإذا دعا الفقير إلى دعوة وله عيال وليس له ما يصلح شأنهم فليس من الفتوة أن يضيع عياله ويمضي إلى الدعوة ويؤثر شهوته على فاقة عياله، ولا يستقيم في الطريقة والشريعة أخذ الزلة والخيبة لأجل العيال من الدعوة، فليمتنع من الحضور وليصبر مع أهله، فإن كان في صاحب الدعوة فتوة وعلم بأن للضيف عيالا، فينبغي له ألا يفرده بالاستحضار، بل يفرغ قلب الضيف عن شغل عياله بأن يكفيه ذلك، ويحمل إليهم ما يحتاجون إليه، ويعلم ضيفه بذلك. والواجب على الفقير أن يؤدب أهله بملازمة ظاهر العلم والشريعة، ولا يمكنهم من مخالفة العلم في القليل والكثير. ولا ينبغي له أن يسلم أولاده إلى السوق وتعلم الحرف، بل يعلمهم أحكام الدين ويحملهم على ترك طلب الدنيا، إلا أن يغلب عليه الفقر وقلة الصبر وانكشاف الحال والفضيحة والرجوع إلى الخلق في القوت وما يسد به الخلة، فليشغل أهله وولده ونفسه بالكسب وتحصيل ما يحصل به الغنى عن الناس، فهو أفضل من غيره مع حفظ الحدود، ويعرف أولاده وجوب مراعاة حق الوالدين ومجانبة العقوق، ويعرف أهله مراعاة حقه، وفضيلة الصبر مع وطاعته وغير ذلك على ما بينا في باب آداب النكاح. (فصل: في آدابهم في السفر) وقد ذكرنا في كتاب الأدب في أثناء الكتاب أنه يجب أن يكون سفر المؤمن الخروج من أوصافه المذمومة إلى صفاته المحمودة، فيخرج من هواه إلى طلب رضا مولاه بتصحيح تقواه، فإذا أراد الفقير أن يسافر من بلده، فأول شيء يجب عليه أن يرضي خصومه ويستأذن والديه أو من هو في حكمهما في وجوب الحق عليه من العم والخال والجد والجدة، فإذا رضوا بذلك خرج، فإن كان ذا عيال وفي سفره عنهم مضرة عليهم وضيقة، فلا يسلم له السفر إلا بعد إصلاح أمورهم أو يستصحبهم معه، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت".

Bagian V02/P299–V02/P301

ومن شرط الفقير إذا سافر أن يكون قلبه معه، لا يكون قلبه ملتفتا إلى علاقة وراءه، ولا يكون قلبه متعلقا بمطالبة أمامه، فحيثما نزل يكون قلبه معه ويكون قلبه خاليا عن الأشياء كما قيل عن إبراهيم بن دوحة أنه قال: دخلت مع إبراهيم بن شيبة البادية فقال لي: اطرح ما معك من العلائق، فطرحت كل شيء إلى دينارا، فقال: لا تشغل سري، اطرح ما معك، فطرحت الدينار، فقال: لا تشغل سري، طرح ما معك من العلائق، فذكرت أن معي شسوعا للنعل فطرحتها، فوالله ما احتجت في الطريق إلى شسع إلى وجدته بين يدي فقال ابن شيبة: هكذا من عامل الله تعالى بالصدق. ولا ينبغي أن يقصر في سفره من أوراده التي كان يفعلها في حضره، لأن السفر لهم زيادة في أحوالهم، فلا ينبغي أن يحصل له خلل في أعمالهم وأحوالهم بسفره، وإنما الرخص للضعفاء والعوام، وما للأقوياء والخواص بالرخص، بل العزيمة شأنهم أبدا في جميع أحوالهم، والتوفيق شامل لهم، والرحمة نازلة عليهم، والحرس قائم معهم والحفظ دائم لهم، والحبيب جالس معهم، والأنس به زائد، والغنى بهم قائم، والأمداد متداركة ومتواترة، والنظر لهم لازم، والجنود لهم متكاثفة متتابعة ومشتبكة لديهم، فالسفر أقوى لهم وألين وأحسن بما هم بصدده، إذ فيه البعد من الأسباب التي هي الأرباب، والخلق الذين هم الأصنام، وأضل من الصلبان وأشد من الشيطان. وينبغي للفقير أن يراعي قلبه في أول سفره، ولا يخرج عن الغفلة، ويجتهد في سفره حتى لا ينسى بقلبه ربه في سفره. ولا ينبغي له أن يكون سفره لغرض من أغراض الدنيا بوجه من الوجوه، بل يكون سفره لطاعة من الطاعات، إما للحج أو للقاء شيخ أو زيادة موضع من المواضع المقدسة الشريفة، وإذا سافر الفقير فوجد قلبه بموضع من المواضع ورآه فيه أصفى من الكدرات، وعيشه أوفى، فيلزم ذلك الموضع، ولا يزول عنه إلا بأمر جزم أو فعل محضر وقدر، فينتج حينئذ إلى ما يؤمر به، أو يحمله القدر إذا كان من المفعولين فيهم الزائل الهوى والإرادات والأماني، الفانين عنهم المرادين المحبوبين. وإذا ظهر لفقير جاه وقبول ببعض المواضع، فينبغي له أن يخرج منه ويشوش على نفسه ذلك القبول، لئلا ينفى به عن الله ويحجب عنه، فيكون الخلق نصيبه، وهذا إنما يكون مع وجود الهوى، وأما مع زواله فلا وجود للخلق ولا لقبولهم أثر، فهم خارجون عن القلب وبينهما حجب وحرس يحفظون القلب عن دخول الخلق إليه، لئلا يحصل الشرك فيتشعث التوحيد. وينبغي للفقير أن يعاشر اصحابه في سفره بحسن الخلق وجميل المداراة، وترك المخالفة واللحاح في جميع الأشياء، ويشتغل بخدمتهم، ولا يستخدم منهم أحدا. وينبغي أن يكون أبدا في سفره على الطهارة وإن لم يجد الماء يتيمم ما أمكنه ذلك، كما يستحب له في حضره أن يكون على الطهارة، لأن الوضوء سلاح المؤمن، كما جاء في الخبر، وهو أمان له من الشياطين وكل مؤذ. وينبغي ألا يصحب الأحداث المردان في السفر على الخصوص، فإنهم أقرب إلى مصافاة الشياطين والقبول منها وإلى الشر والفتن والغش ومتابعة الهوى وهنات النفس والتهمة وفي صحبتهم خطر عظيم، إلا أن يكون الفقير ممن يقتدى به من الشيوخ والعلماء الله وأبدال أنبيائه المحفوظين الأئمة الهداة الربانيين معلمي الخير المؤدبين المنذرين للخلق والمهذبين لهم، السفراء بين الحق والخلق، والجهابذة، فحينئذ لا يبالي بمن يصحبه من الأحداث والشيوخ. وإذا دخل بلدا وفيه شيخ، فينبغي أن يبدأ بسلامه عليه وخدمته له، وينظر إليه بعين الإكبار والحشمة والتعظيم، لئلا يحرم فائدته، وإذا فتح له بشيء فلا يستأثر به دون أصحابه، وإذا وقع أحدهم عذر وقف معه ولا يضيعه، والله الموفق للصواب. (فصل: في آدابهم في السماع)

Bagian V02/P301–V02/P302

من ذلك الا يتكلفوا السماع ولا يستقبلوه بالاختيار، فإذا اتفق السماع فمن حق المستمع أن يقعد بشرط الأدب ذاكرا لربه بقلبه مشتغلا بحفظ قلبه من طوارق الغفلة والنسيان، فإذا قرع سمعه شيء يرى القارئ للقرآن كأنه مستنطق من قبل الحق عز وجل فيما يرد عليه من تعريفات الغيب إياه، مما يوجب ترغيبا أو ترهيبا أو إيناسا أو عتابا أو زيادة في القيام بعبادته عز وجل أو غيره، بادر إلى ما يرد عليه، وقابل الإشارة عليه بالبدار، وإن كان السماع بحيث يصير كأن لسان القارئ لسانه، وصار كأنه يخاطب هو الحق بما يقرأ القارئ، فما يحصل مما يجده في قلبه من ذلك يكون موافقا لحق العبودية وآداب الشريعة، وفي الجملة لا يكون في الطريقة ولا في علم الحقيقة شيء يخالف آداب الشريعة، وإذا كان في القوم شيخ حاضر في السماع، فالواجب على الفقير السكون ما أمكنه ومراعاة حشمة ذلك الشيخ، فإن ورد عليه أمر غالب فبقدر الغلبة يسلم إليه الحركة، فإذا سكنت الغلبة فالأولى له السكون مراعاة لحشمة الشيخ. ولا ينبغي للفقير أن يتقاضى القارئ ولا القوال، إن استبدل القول الذي هو أدنى بالذي هو خير، يعني الأبيات بالقرآن على ما هو عادة أهل الزمان اليوم، فلو صدقوا في قصدهم وتجردهم وتصرفهم لما انزعجوا في قلوبهم وجوارحهم بغير سماع كلام الله عز وجل، إذ هو كلام محبوبهم وصفته، وفيه ذكره ذكر الأولين والآخرين، والماضين # والغابرين والمحب والمحبوب والمريد والمراد، وعتاب المدعين لمحبته ولومهم وغير ذلك، فلما اختل صدقهم وقصدهم وظهرت دعواهم من غير بينة، وزورهم وقيامهم مع الرسم والعادة من غير غريزة باطنة وصدق السريرة والمعرفة والمكاشفة والعلوم الغريبة، والاطلاع على الأسرار والقرب والأنس، والوصول إلى المحبوب، والسماع الحقيقي وهو الحديث، والكلام الذي هو سنة الله عز وجل مع العلماء به والخواص من الأولياء والأبدال والأعيان، وخلت بواطنهم من ذلك كله، وقفوا مع القول والأبيات والأشعار التي تثير الطباع وتهيج ثائرة العشاق وبالطباع لا بالقلوب والأرواح. فينبغي للفقير في الجملة: أعني فقير الحق عز وجل، وفقير الخلق: أعني فقير المعنى، وفقير الصورة: أعني فقيرا من الدنيا وفقيرا من العقبى والأكوان، ألا يتقاضى القارئ وا لقول بالتكرار والإعادة، بل يكل ذلك إلى الحق سبحانه إن شاء قبض من ينوب عنه في التقاضي، أو يلهم القوال بالتكرار إذا كان الفقير المستمع صادقا وله في التكرار دواء ومصلحة.

Bagian V02/P302–V02/P303

ولا ينبغي للفقير أن يستعين بغيره في حال السماع، فإن سأل الفقراء منه المساعدة في الحركة فليساعدهم، وذلك ضعف في الحال، وإذا سمع الفقير آية أو بيتا فلا يجب أن يزاحمه أحد، ويجب أن يسلم له وقته، وإن خولف فزوحم فالأولى للمزاحم له التسليم، وإذا تحرك الفقير على آية أو بيت، فيجب أن يسلم له وقته، وإن وقع للحاضرين عليه إشراف ورأوا فيه تقصيرا أو نقصانا فالواجب عليهم الستر عليه والحمل عنه، فإن اقتضى الوقت تنبيه فلينبه بالرفق أو بالقلب لا باللسان، وهاهنا يحتاج إلى قوة حال وصفاء باطن وعلم دقيق واطلاع وآداب كاملة ومحافظة شديدة حميدة، وإذا خرج في حال سماعه من خرقة أو من شيء من ثيابه، فلا يخلو إما أن يكون قد تخلق به مع القارئ فهو للقارئ على الخصوص أو يطرحه في الوسط فيكون حكمه إليه، فيقال له: ما الذي أدرت به؟ فإن قال: قصدت به أن يكون بحكم الفقراء كان ذلك خلقا منه معهم فهو لهم بحكم الفتوح، وذلك إليهم يرون فيه رأيهم، وإن قال: أردت به موافقة شيخ طرح خرقته، فهذا ضعيف الحال جدا ركيك الأمر حقا، لأنه إنما ينبغي أن يوافق الشيخ في حكم خروجه عن خرقة من قد وافق الشيخ في وجده وحالته، وذلك بعيد جدا أن يتفق اثنان منهم في حال، والذي جرت به العادة بين الفقراء واستمر به الرسم بينهم اليوم في المرافقة في طرح الخرقة، فليس له أصل، ثم إذا جرى منه ذلك # مع ضعفه فحكم خرقته المطروحة إلى ذلك الشيخ في رسم العادة لا في العلم والشريعة، أو في مقتضى الطريقة والحقيقة، وإن قال صاحب الخرقة،: أردت موافقة القوم الحاضرين فهذا أيضا أضعف من الأول، لأنه إنما ينبغي أن يكون الاشتراك في الفعل عند الاتفاق في الحال والوجد، وقلما يتفق ذلك للقوم حتى يستووا في الشرب والحال، فيرجع في ذلك إلى القوم، فما يكون حكم خرقهم فله أسوتهم في ذلك، فإن قال لم يكن لي في الوقت قصد ولا نية، يقال: فالآن هو بحكمك فاحكم فيه بما شئت، وليس لأحد من الحاضرين ولا للشيخ إن كان حاضرا في ذلك حكم البتة، إذ ليس صاحبه فيه محقا، ولا له قصد ولا لذلك أصل في الطريقة، فإن قال: وردت علي في الوقت الإشارة بالخروج من الخرقة من غير قصد إلى شيء على التعيين، فقد يكون لهذا في الطريقة أصل لأن من خلع عليه السلطان خلعة، فالواجب على المخلوع عليه أن ينزع ملبوسه ثم يلبس الخلعة، فهذا حكم هذا الفقير أن يخرج من خرقته ويلبس ما خلع عليه الباري عز وجل من الأنوار والقرب والألطاف، ثم إن حكم خرقته إلى الشيخ الحاضر إن كان هناك، وإلا فللحاضرين من الفقراء أن يفردوا القارئ أو القول بها، وقد قيل: إن ذلك إلى الفقير، وهو أولى بحكم خرقته من غيره، فأما معارضة الحاضرين من أرباب الدنيا ليشتروا الخرقة ثم ترد إلى صاحبها فذلك غير محمود في الطريق وغير مرضي، اللهم إلا أن يكون المشتري فيه فتوة وإيمان بالقوم يريد أن يتخلق معهم، وه 9 ونوع من المعاوضة والسؤال بالتلطف، ولكنه مذموم جدا، لأنه في حال خروجه عن الخرقة أظهر صدق من نفسه في الحال، وبرجوعه إلى الخرقة فاضح لنفسه ومكذب لها، وذلك غير مرضي.

Bagian V02/P303–V02/P306

ولا ينبغي لمن خرج من خرقته أن يعود إليها ويقبلها، فإن كان ذلك بإشارة شيخ بأن أمره بأخذها فإنه يأخذها فإنه يأخذها جهرا امتثالا لأمر الشيخ، ثم يخرج منها بعد ذلك فيتخلق بها مع غيره، وإذا وقع شيء في الوسط للجماعة فالواجب التسوية بينهم، فإن كان فيهم شيخ ورأى تخصيص قوم أو واحد من الحاضرين، فحكم ذلك إلى الشيخ يتبع رأيه فيه، فلو طرح خرقته فردت عليه فكانت طريقته ألا يرجع إلى شيء خرج منه، وعاد الفقراء إلى خرقتهم، فإن كان له شيخ كان له ألا يرجع إلى خرقته ويلزم طريقته، فلا يرجع إلى ما خرج منه، ولا ينقض حالته اتباعا لأحوال الجماعة، وإن كان واحدا من الفقراء فالأظرف من حاله والأليق بها أن يوافق الجماعة في الحال، فيعود إلى خرقته # لئلا يخجل القوم ويستحيوا ويمقتوه، ثم بعد ذلك يخرج منها إلى الحاضرين وهو الأولى، وإن دفعها إلى غائب عن المجلس جاز. وهذا آخر ما ألفنا من آداب القوم على وجه الاختصار والإقلال والإمكان في الوقت، وأما ما يتعلق بدخول الرباط والسقايات والبس الحذاء وأشياء أحدثوها ووصفوها وسموها بينهم، فذلك يستفاد من ممارستهم ومخالطتهم والاستخبار والإشارة منهم، فلم نسطره في الكتاب، وقد ذكرنا معظم ذلك في كتاب الأدب في الشرع في أثناء الكتاب. ثم نختم الكتاب بذكر باب يشتمل على: باب المجاهدة والتوكل وحسن الخلق والشكر والصبر والرضا والصدق إذ هذه الأشياء السبعة أساس لهذه الطريقة والكل خير (فصل) أما المجاهدة : فالأصل فيها قول الله عز وجل: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت: 69]. وروى أبو نضرة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن أفضل الجهاد قال: كلمة حق عند سلطان جائر" ودمعت عينا أبي سعيد رضي الله عنه. وقال أبو علي الدقاق رحمه الله: من زين ظاهره بالمجاهدة، حسن الله سرائره بالمشاهدة، قال الله عز وجل: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت: 69] وكل من لم يكن في بدايته صاحب مجاهدة لم يجد من الطريقة شمة. وقال أبو عثمان المغربي رحمه الله: من ظن أنه يفتح عليه بشيء من هذه الطريقة أو يكشف له شيء منها بغير لزوم المجاهدة فهو في غلط. وقال أبو علي الدقاق رحمه الله: من لم تكن له في بدايته قومة لم يكن له في نهايته جلسة. وقال أيضا رحمه الله: الحركة بركة، حركات الظواهر توجب بركات السرائر. وقال الحسن بن علوية: قال أبو يزيد رحمه الله: كنت ثنتي عشرة سنة حداد نفسي، وخمس سنين كنت مرآة قلبي، وسنة أنظر فيما بينها فإذا في وسطي زنار ظاهر فعملت في قطعه ثنتي عشرة سنة، ثم نظرت فإذا في باطني زنار فعملت في قطعه خمس سنين أنظر كيف أقطع، فكشف لي، فنظرت إلى الخلق فرأيتهم موتى، فكبرت عليهم أربع تكبيرات. وعن الجنيد رحمه الله قال: "سمعت السري رحمه الله يقول: يا معشر الشباب جدوا قبل أن تبلغوا مبلغي فتضعفوا وتقصروا كما قصرت، وكان في ذلك الوقت لا يلحقه الشباب في العبادة". وقال الحسن القزاز رحمه الله: بني هذا الأمر على ثلاثة أشياء: ألا يأكل إلا عند الفاقة، ولا ينام إلى عند الغلبة، ولا يتكلم إلا عند الضرورة. وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله: لن ينال الرجل درجة الصالحين حتى يجوز ست عقبات: الأولى: يغلق باب النعمة ويفتح باب الشدة. والثانية: يغلق باب العز ويفتح باب الذل. والثالثة: يغلق باب الراحة ويفتح باب الجهد. والرابعة: يغلق باب النوم ويفتح باب السهر. والخامسة: يغلق باب الغنى ويفتح باب الفقر. والسادسة: يغلق باب الأمل ويفتح باب الاستعداد للموت. وقال أبو عمر بن نجيد رحمه الله: من كرمت عليه نفسه هان عليه دينه. وقال أبو علي الروذباري رحمه الله: إذا قال الصوفي بعد خمسة أيام: أنا جائع فالزموه السوق وأمروه بالكسب.

Pertanyaan