Qur'an&Sunnah

Abdülkâdir Geylânî — el-Gunye

Bagian V01/P106–V01/P108

فإن أصرت المرأة على النشوز وهو الامتناع عن الإجابة لهذا الشأن، أو تجيبه متكرهة متبرمة، فليبدأ الزوج بوعظها ويخوفها بالله عز وجل، فإن أقامت على ذلك هجرها في المضجع والكلام فيما دون ثلاثة أيام، فإن ارتدعت وإلا كان له ضربها بما لا يكون مبرحا كالدرة أو مخراق؛ لأن المقصود ارتداعها وطاعتها له لا إهلاكها. فإن لم ينصلح الحال بينهما بعث الحاكم حكمين حرين مسلمين عدلين من أهلهما، ويوكلهما الزوجان، فينظران بينهما ما فيه من المصلحة من إصلاح أو فراق بمال وغيره، فما يفعلان يلزمهما حكمه. (فصل) ويستحب وليمة العرس والسنة ألا ينقص فيها عن شاة، وبأي شيء أولم من الطعام جاز، وتجب إجابته إذا كان مسلما في اليوم الأول، ويستحب في اليوم الثاني، ويباح في اليوم الثالث، بل هي دناءة، والأصل في ذلك ما روى عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه قال لعبد الرحمن رضي الله عنه: أولم ولو بشاة. وقال- صلى الله عليه وسلم-: ((الوليمة في أول يوم حق، والثاني معروف، وبعد ذلك دناءة)). وقال- صلى الله عليه وسلم-: في حديث ابن عمر رضي الله عنهما: ((إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب، فإن كان مفطرا أكل، وإن كان صائما ترك وانصرف)). وهل يكره النثار والتقاطه أم لا؟ على روايتين: إحداهما: يكره لما فيه من السخف ودناءة النفس والنهبة والشره، فكانت الصيانة عن ذلك أولى، وتركه في باب الورع أحرى. وعلى الرواية الثانية: لا يكره، لما روى أن النبي- صلى الله عليه وسلم- نحر بدنه وخلى بينها وبين (فصل) ماذا يجب بعد كمال شرائط عقد النكاح المساكين، وقال: من شاء اقتطع ولا فرق بين النثار وبين ذلك. وأولى من ذلك: القسمة بين الحاضرين فإنه أطيب وأحل وأدخل في باب الورع. (فصل) فإذا كملت شرائط عقد النكاح وهو: حضور الولي العدل، والشهود العدول، والكفاءة، والخلو من المانع من الردة والعدة وغيرهما، استأذنها العاقد للنكاح إذا لم تكن مجبرة، وهو إذا كانت ثيبا أو بكرا لا أب لها، وعرفها الزوج مقدار الصداق وصفته، ثم يخطب، ويستغفر الله عز وجل، ويأمر بذلك الولي على وجه الاستحباب والأولى، ثم يستنطقه فيقول له: قد زوجتك بنتي أو أختي فلانة فيسميها على ما اتفقنا عليه من الصداق، ويقول الزواج: قد قبلت هذا النكاح. ولا ينعقد النكاح إلا بالعربية لمن يحسنها، فإن لم يحسنها فبلسانه ولغته. وهل يلزمه تعلم العربية إذا لم يحسنها لعقد النكاح أم لا؟ على الوجهين. ويستحب أن يخطب بخطبة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، لأنه قد روى أن الإمام أحمد بن حنبل كان إذا شهد إملاكا ولم يسمع خطبة عبد الله بن مسعود ترك الإملاك وانصرف، وهو ما أخبرنا به الإمام هبة الله بن المبارك بن موسى السقطي ببغداد، عن القاضي أبي المظفر هناد بن إبراهيم بن محمد بن نصر النسفي، عن القاضي أبي عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي البصري، عن محمد بن إسحاق اللؤلؤي، عن أبي داود، قال: حدثنا محمد بن سليمان الأنباي المفتي، قال: حدثنا وكيع عن إسرائيل، عن ابن إسحاق عن أبي الأخوص عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ((علمنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- خطبة النكاح : الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا} [النساء: 1]. {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 103]. {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما} [الأحزاب: 70 - 71].

Bagian V01/P108–V01/P110

ويستحب أن يضيف إليها قوله عز وجل: {وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم} [النور: 32]، {يرزق من يشاء بغير حساب} [النور: 38]. وإن قرأ غير هذه الخطبة جاز، مثل: أن يقول: الحمد لله المتفرد بآلائه، الجواد بإعطائه، الذي تجلى في سمائه المتوحد بكبريائه، لا يصفه الواصفون حق صفته، ولا ينعته الناعتون حق نعته، لأنه الله الأحد الصمد المعبود، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، تبارك الله العزيز الغفار، بعث محمدا- صلى الله عليه وسلم- بالحق نبيا صفيا بريا من العاهات كلها، فبلغ ما أرسل به، سراجا زاهرا ونورا ساطعا وبرهانا لامعا- صلى الله عليه وسلم- وعلى آله أجمعين. ثم أن هذه الأمور كلها بيد الله يصرفها في طرائقها، ويمضيها في حقائقها، لا مقدم لما أخر، ولا مؤخر لما قدم، ولا يجتمع اثنان إلا بقضاء وقدر، ولكل قدر أجل، ولكل أجل كتاب {يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} [الرعد: 39]. وكان من قضاء الله وقدره أن فلان ابن فلان يخطب كريمتكم فلانة بنت فلان، وقد أتاكم راغبا فيكم، خاطبا كريمتكم، وقد بذل لها من الصداق ما وقع عليه الاتفاق، فزوجوا خاطبكم، وأنكحوا راغبكم، قال الله تعالى: {وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم} [النور: 32]. فإذا فرغ من الخطبة، عقد النكاح على ما قدمنا ذكره. باب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد ذكر الله عز وجل الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، ومدحهم في كتابه. قال الله عز وجل: {الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين} [التوبة: 112]. وقال الله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} [آل عمران: 110]. وقال تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} [التوبة: 71]. وروى عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((لتأمرون بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله تعالى شراركم على خياركم، فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم)). وروى سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: ((مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم، وقبل أن تستغفروا فلا يغفر لكم، إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يدفع رزقا ولا يقرب أجلا، ألا إن الأحبار من اليهود، والرهبان من النصارى لما تركوا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر لعنهم الله على لسان أنبيائهم ثم عموا بالبلاء)). فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان على كل مسلم حر مكلف عالم بذلك، بشرط القدرة على وجه لا يؤدى إلى فساد عظيم وضرر في نفسه وماله وأهله، ولا فرق بين أن يكون إماما أو عالما أو قاضيا أو واحدا من الرعية. وإنما شرطنا العلم بالمنكر والقطع به، لما في ذلك من خوف الوقوع في الإثم، لأنه لا يأمن المنكر أن يكون الأمر بخلاف ما ظن، لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم} [الحجرات: 12]. فصل شرط القدرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يجب عليه كشف ما ستر عنه لأن الله تعالى نهى عن ذلك فقال: {ولا تجسسوا} [الحجرات: 12]، إنما الواجب عليه إنكار ما ظهر، وفي بحث ما ستر كشف الستر، وذلك ممنوع في الشرع. (فصل) وإنما شرطنا القدرة على ذلك ما روى عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((ما من قوم يكون فيهم رجل يعمل المعاصي، ويقدرون أن يغيروا عليه فلا يغيروا عليه إلا عمهم الله بعذاب قبل أن يتوبوا)). فقد شرط عليه الصلاة والسلام ذلك وهو إذا كانت الغلبة لأهل الصلاح وعدل السلطان وأعانه أهل الخير. وأما إذا كان الإنكار تغريرا بالنفس مع لحوق الضرر به وبماله فلا يجب عليه ذلك؛ لقوله عز وجل: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195]، وقوله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء: 29].

Bagian V01/P110–V01/P112

وقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: ((لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه، قيل يا رسول الله: كيف يذل نفسه؟ قال- صلى الله عليه وسلم-: لا يتعرض لما لا يمكنه)). وقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: ((إذا رأيتم أمرا لا تستطيعوا تغييره فاصبروا حتى يكون الله تعالى هو الذي يغيره)). فإذا ثبت أنه لا يجب عليه الإنكار فهل يجوز إنكاره إذا غلب على ظنه الخوف على نفسه، فعندنا يجوز ذلك وهو الأفضل إذا كان من أهل العزيمة والصبر، فهو كالجهاد في سبيل الله مع الكفار، وقد قال الله تعالى في قصة لقمان: {وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر واصبر على ما أصابك} [لقمان: 17]. وقال النبي- صلى الله عليه وسلم- لأبي هريرة رضي الله عنه: ((يا أبا هريرة مر بالمعروف وأنه عن المنكر واصبر على ما أصابك)). ولاسيما إذا كان ذلك عند سلطان جائر، أو لإظهار كلمة الإيمان عند ظهور كلمة فصل شروط الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر فصل أقسام المنكرين فصل إذا غلب على ظنه عدم زوال المنكر الكفر، لأن الفقهاء اتفقوا على ذلك، وإنما الخلاف بيننا وبينهم في غير هذين الموضوعين. (فصل) وإذا غلب على ظنه عدم زوال المنكر وبقاؤه على ذلك، فهل يجب عليه إنكاره، أم لا؟ على روايتين عن الإمام أحمد رحمه الله: إحداهما: يجب لجواز أن يرتدع وينجز، ويرق قلبه، ويلحقه التوفيق والهداية ببركة صدقه، فيرجع عما هو عليه، والظن لا يمنع من جواز إنكاره. والرواية الأخرى: لا يجب عليه إنكاره حتى يغلب على ظنه زواله، لأن القصد بالإنكار زوال المنكر، فإذا قوى في الظن بقاؤه كان تركه أولى. (فصل) فإذا ثبت وجوب الإنكار، فالمنكرون ثلاثة أقسام: قسم: يكون إنكارهم باليد، وهم الأئمة والسلاطين. والقسم الثاني: إنكارهم باللسان دون اليد، وهم العلماء. والقسم الثالث: إنكارهم بالقلب، وهم العامة. وقد جاء في هذا المعنى حديث، وهو ما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((إذا رأى أحد منكم منكرا فليغيره بيده، فإنه لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)). يعني: أضعف فعل أهل الإيمان. وقد روى عن بعض الصحابة رضي الله عنهم أنه قال: ((إذا رأى أحد منكم منكرا لا يستطيع النكير عليه فليقل ثلاث مرات: اللهم إن هذا منكر فأزله، فإذا قال ذلك كان له ثواب من أمر بالمعروف ونهي عن المنكر)). (فصل) ويشترط في الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر خمس شرائط: أولها: أن يكون عالما بما يأمر وينهي. والثاني: أن يكون قصده وجه الله، وإعزاز دين الله، وإعلاء كلمته، وإظهار طاعته، دون الرياء والسمعة والحمية لنفسه، وإنما ينصر ويوثق ويزول به المنكر إذا كان صادقا # مخلصا، قال الله تعالى: {إن نصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم} [محمد: 7]، وقال الله تعالى: {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} [النحل: 128]. فإذا اتقى الشرك وترك نظر الخلق في إنكاره وأحسن العمل بإخلاصه في ذلك كان الظفر له، وإن كان غير ذلك كان له الخذلان والصغار والذلة والمهانة، وبقاء المنكر على حاله، بل زيادته وتفاقمه وضراوة أهل المعاصي واتفاق شياطين الإنس والجن على مخالفة الله تعالى، وترك طاعته، وارتكاب المحرمات. والثالث: أن يكون أمره ونهيه باللين والتودد، لا بالفظاظة والغلظة، بل بالرفق والنصح والشفقة على أخيه، كيف وافق عدوه الشيطان اللعين الذي قد استولى على عقله، وزين له معصية ربه ومخالفة أمره، يردي بذلك إهلاكه وإدخاله النار، كما قال الله تعالى: {إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير} [فاطر: 6]، وقال الله تعالى لنبيه- صلى الله عليه وسلم-: {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك} [آل عمران: 159]، وقال تعالى لموسى وهارون عليهما السلام حين بعثهما إلى فرعون: {فقولا قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى} [طه: 44].

Bagian V01/P112–V01/P114

وقال النبي- صلى الله عليه وسلم- في حديث أسامة: ((لا ينبغي لأحد أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى يكون فيه ثلاث خصال: عالما بما يأمر، عالما بما ينهى، رفيقا فيما يأمر، رفيقا فيما ينهى)). والرابع: أن يكون صبورا حليما حمولا متواضعا زائل الهوى قوي القلب لين الجانب، طبيبا يداوي مريضا، حكيما يداوي مجنونا، إماما هاديا، قال الله تعالى: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا} [السجدة: 24] على احتمال الأذى من قومهم على نصرة دين الله وإعزازه والقيام معه، فجعلهم أئمة هداة أطباء الدين، قادة المؤمنين. وقال الله تعالى في قصة لقمان: {وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور} [لقمان: 17]. والخامس: أن يكون عاملا بما يأمر، متنزها عما ينهى عنه، وغير متلطخ به، لئلا يكون لهم تسلط عليه، فيكون عند الله مذموما ملموما، قال الله تعالى: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون} [البقرة: 44]. فصل ما يشترط في الأمر فصل كيفية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقال النبي- صلى الله عليه وسلم- في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: ((رأيت ليلة أسري بي رجالا تقرض شفاهم بالمقريض، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطباء أمتك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب)). قال الشاعر: لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم وقال قتادة رضي الله عنه: ذكر لنا أن في التوراة مكتوبا أن ابن آدم يذكرني وينساني، ويدعو إلي ويفر مني، باطل ما تذهبون. وأراد بذلك عز وجل: من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويترك نفسه وهو تعالى أعلم بذلك. (فصل) والأولى له إن استطاع أن يأمره وينهاه سرا في خلوة، ليكون ذلك أبلغ وأمكن في الموعظة والزجر والنصيحة له، وأقرب إلى القبول والإقلاع، وقد قال أبو الدرداء رضي الله عنه: ((من وعظ أخاه بالعلانية فقد شانه، ومن وعظه سرا فقد زانه))، فإن فعل ذلك ولم ينفعه أظهر حينئذ ذلك، واستعان عليه بأهل الخير، وإن لم ينفع فبأصحاب السلطان. وينبغي ألا يترك إنكار المنكر أبدا، لأن الله تعالى ذم قوما تركوا ذلك وتغافلوا عنه، قال عز وجل: {كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون} [المائدة: 79]، وقال تعالى: {لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون} [المائدة: 63]، يعني: هلا نهاهم علماؤهم فقهاؤهم وقراؤهم عن القول الفاحش وأكل الحرام وفعل المعاصي. وقيل: إن الله تعالى أوحى إلى يوشع بن نون عليه السلام إني مهلك من قومك أربعين ألفا من خيارهم وستين ألفا من شرارهم، قال: يا رب هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار؟ قال تعالى: إنهم لم يغضبا بغضبي وواكلوهم وشاربوهم. (فصل) وقد ذكرنا أن الشرط الخامس: أن يكون عالما بما يأمر متنزها عما ينهى عنه، إلا أن شيوخنا ذكروا: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على الفاسق، كوجوبه على العدل، فأشرنا إلى ذلك لما تقدم من عموم الآيات والأخبار من غير فرق. وقد حمل بعض السلف قوله تعالى: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله} [البقرة: 207] على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمع إنسانا يقرأ هذه الآية، فقال: {إنا لله وإنا إليه راجعون} [البقرة: 156]، قام رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقتل. وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: ((أفضل الجهاد كلمة حق عند إمام جائر)). وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: ((سيد الشهداء يوم القيامة حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر، فأمره ونهاه فقتله)). وقد ذكر الله تعالى الذي ينهى عن المنكر، وتأخذه العزة فلا يمتنع، فقال تعالى: {وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم} [البقرة: 206] الآية.

Bagian V01/P114–V01/P118

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إن من أكبر الذنوب عند الله تعالى أن يقال للعبد اتق الله، فيقول: عليك بنفسك. وجميع ذلك عام في حق الصالح والطالح. وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: ((مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به، وانهوا عن المنكر وإن لم تنتهوا عنه)). ولأنه لا يخلو أحد من معصية إما ظاهرا وإما باطنا. فإن قلنا لا ينكر إلا المتنزه عنه، تعذر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيندرس الدين ويضمحل. (فصل) والذي يؤمر به وينكر على ضربين: فكل ما وافق الكتاب والسنة والعقل فهو معروف. وكل ما خالف ذلك فهو منكر. ثم ذلك ينقسم قسمين: فصل ينبغي لكل مؤمن العمل بهذه الآداب أحدهما: ظاهر يعرفه العوام والخواص، وهو كوجوب الصلوات الخمس، وصوم رمضان والزكاة والحج وغير ذلك، ومن المنكر: كتحريم الزنا وشرب الخمر والسرقة وقطع الطريق والربا والغصب وغير ذلك، فهذا القسم يجب إنكاره على العوام، كما يجب على الخواص من العلماء. والقسم الثاني: ما لا يعرفه إلا الخواص، مثل: اعتقاد ما يجوز على الباري تعالي وما لا يجوز عليه. فهذا يختص إنكاره بالعلماء، فإن أخبر أحد من العلماء بذلك واحدا من العوام جاز له ذلك. ووجب على العامي الإنكار عند القدرة على ما بينا، ولا يجوز قبل ذلك. وأما الذي كان الشيء مما اختلف الفقهاء فيه وساغ في الاجتهاد، كشرب عامي النبيذ مقلدا لأبي حنيفة رحمه الله، وتزج امرأة بلا ولي على ما عرف من مذهبه، لم يكن لأحد ممن هو على مذهب الإمام أحمد والشافعي رحمهما الله الإنكار عليه، لأن الإمام أحمد قال في رواية المرزوي: لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه ولا يشدد عليهم، وإذ ثبت هذا فالإنكار إنما يتعين في حرق الإجماع دون المختلف فيه. وقد نقل عن الإمام أحمد رحمه الله ما يدل على جواز الإنكار في المختلف فيه وهو ما قال في رواية الميموني في الرجل يمر بالقوم وهو يلعبون بالشطرنج ينهاهم يعظهم، ومعلوم أن هذا جائز عند أصحاب الشافعي رحمهم الله. (فصل) وينبغي لكل مؤمن أن يعل بهذه الآداب في سائر أحواله، ولا يترك العمل بها. وقد روى عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ((تأدبوا ثم تعلموا)). وقال أبو عبد الله البلخي رحمه الله: ((أدب العلم أكثر من العلم)). وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله: ((إذا وصف لي رجل له علم الأولين والآخرين ولا أدب له لا أتأسف على فوت لقائه، وإذا سمعت برجل له أدب النفس أتمنى لقاءه وأتأسف على فواته)). ويقال مثل الإيمان كمثل بلدة لها خمسة من الحصون، الأول من ذهب، والثاني من # فضة، والثالث من حديد، والرابع من آجر، والخامس من لبن، فما دام أهل الحصن متعاهدين الذين هو من لبن لا يطمع العدو في الثاني، فإذا أهملوا ذلك طمعوا في الحصن الثاني ثم في الثالث حتى تخرب الحصون كلها، فكذلك الإيمان في خمسة من الحصول، أولها اليقين، ثم الإخلاص، ثم أداء الفرائض، ثم إتمام السنن، ثم حفظ الآداب، فما دام العبد يحفظ الآداب ويتعاهدها فالشيطان لا يطمع فيه. فإذا ترك الآداب طمع الشيطان في السنن ثم في الفرائض، ثم في الإخلاص، ثم في اليقين. فينبغي للإنسان أن يحفظ الآداب في جميع أموره من الوضوء والصلاة والبيع الشراء وغير ذلك. هذا آخر ما اخترنا وأردنا لخصنا من آداب الشريعة، فبامتثال الأمر في العبادات الخمس المقدم ذكرها يصير مسلما، وبالتأدب بهذه الآداب يكون تابعا للسنة ومقتفيا للأثر، ويحصل له بذلك معرفة ما ينبغي. ويبقى عليه حقيقة معرفة الصانع وهي من أعمال القلب، فأخرناها ليسهل عليه الدخول في ديننا. فإذا تقمص بنور الإسلام ظاهرا قلنا له: تقمص بنور الإيمان باطنا. القسم الثاني في العقائد باب في معرفة الصانع عز وجل نقول: أما معرفة الصانع عز وجل بالآيات والدلالات على وجه الاختصار، فهي:

Bagian V01/P118–V01/P122

أن يعرف ويتيقن أن الله واحد أحد فرد صمد، {لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد} [الإخلاص: 3 - 4]، {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11] لا شبيه له ولا نظير، ولا عون ولا ظهير، ولا شريك ولا وزير، ولا ند ولا مشير، ليس بجسم فيمس، ولا بجوهر فيحس، ولا عرض فيقضى، ولا ذي تركيب أو آلة وتأليف، أو ماهية وتحديد. وهو الله للسماء رافع، وللأرض واضع، لا طبيعة له من الطبائع، ولا طالع له من الطوالع، ولا ظلمة تظهر، ولا نور يزهر، حاضر الأشياء علما، شاهد لها من غير مماسة، قاهر حاكم قادر، راحم غافر، ساتر معز ناصر، رؤوف خالق فاطر، أول آخر، ظاهر باطن، فرد معبود، حي لا يموت، أزلي لا يفوت، أبدي الملكوت سرمدي الجبروت، قيوم لا ينام، عزيز لا يضام، منيع لا يرام، له الأسماء العظام والمواهب الجسام، قضى بالفناء على جميع الأنام فقال: {كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} [الرحمن: 26 - 27]. وهو بجهة العلو مستو على العرش، محتو على الملك، محيط علمه بالأشياء، {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} [فاطر: 10]. {يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرض إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون} [السجدة: 5]. خلق الخلائق وأفعالهم وقدر أرزاقهم وآجالهم، لا مقدم لما أخر، ولا مؤخر لما قدم، أراد ما العالم فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعا لأطاعوه، يعلم السر وأخفى، عليم بذات الصدور، {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} [الملك: 14]. هو المحرك، هو المسكن، لما تتصوره الأوهام ولا تقدره الأذهان، ولا يقاس بالناس، # جل أن يشبه بما صنعه، أو يضاف إلى ما اخترعه وابتدعه، محصي الأنفاس، القائم على كل نفس بما كسبت {لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتية يوم القيامة فردا} [مريم: 94 - 95]، {لتجزى كل نفس بما تسعى} [طه: 15]، {ليجزى الذين أساؤوا بما عملا ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى} [النجم: 31] غنى عن خلقه، رازق لبريته، يطعم ولا يطعم، يرزق ولا يرزق، يجير ولا يجار عليه، الخليقة مفتقرة إليه، لم يخلقهم لاجتلاب نفع ولا دفع ضرر، ولا لداع دعاة إليه، ولا لخاطر خطر له، وفكر حدث له، بل إرادة مجردة كما قال وهو أصدق القائلين: {ذو العرش المجيد فعال لما يريد} [البروج: 15 - 16]. متفردة بالقدرة على اختراع الأعيان، وكشف الضر والبلوى وتقليب الأعيان وتغيير الأحال، {كل يوم هو في شأن} [الرحمن: 29]. يسوق ما قدر إلى ما وقت. وأنه تعالى حي بحياة، وعالم بعلم، وقادر بقدرة، ومريد بإرادة، وسميع بسمع، وبصير ببصر، ومدرك بإدراك، ومتكلم بكلام، وآمر بأمر، وناه بنهي، ومخبر بخبر. وأنه تعالى عادل في حكمه وقضائه، ومحسن متفضل في عطائه وإنعامه، مبدئ ومعيد، محيي ومميت، محدث وموجد، مثيب ومعاقب، جواد لا يبخل، حليم لا يعجل، حفيظ لا ينسى، يقظان لا يسهو، رقيب لا يغفل، يقبض ويبسط، يضحك ويفرح، يحب ويكره، ويبغض ويرضى، ويغضب ويسخط، يرحم ويغفر، ويعطي ويمنع، له يدان وكلتا يديه يمين، قال جل وعلا: {والسموات مطويات بيمينه} [الزمر: 67]، روى عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: ((قرأ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على المنبر {والسموات مطويات بيمينه} [الزمر: 67] وقال: تكون في يمينه يرمي بها كما يرمي الغلام بالكرة، ثم يقول: أنا العزيز، قال: فلقد رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يتحرك على المنبر حتى كاد يسقط)). قال ابن عباس رضي الله عنهما: يقبض الأرضين والسموات جميعا، فلا يرى طرفهما من قبضته. وعن ابن عمر عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من # نور، عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين)).

Bagian V01/P122–V01/P124

خلق آدم عليه السلام بيده على صورته، وغرس جنة عدن بيده، وغرس شجرة طوبى بيده، وكتب التوراة بيده، وناولها موسى من يده إلى يده، وكلمه تكليما من غير واسطة ولا ترجمان، وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ويوعيها ما أراد، والسموات والأرض يوم القيامة في كفه كما جاء في الحديث. ويضع قدمه في جهنم، فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط، ويخرج قوما من النار بيده. وينظر أهل الجنة إلى وجه، ويرونه لا يضامون في رؤيته، ولا يضارون، كما جاء في الحديث: ((يتجلى لهم يعطيهم ما يتمنون))، وقال عز من قائل: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26] قيل: الحسنى هي الجنة، والزيادة: النظر إلى وجهه الكريم، وقال تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} [القيامة: 22 - 23]. ويعرض عليه العباد يوم الفصل والدين، يتولى حسابهم بنفسه، ولا يتولى ذلك غيره. وأن الله تعالى خلق سموات بعضها فوق بعض، وسبع أرضين بعضها أسفل من بعض، ومن الأرض العليا إلى السماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عم، والماء فوق السماء السابعة، وعرش الرحمن فوق الماء، والله تعالى على العرش، ودونه حجب من نار ونور وظلمة، وما هو أعلم به، وللعرش حملة يحملونه، قال عز وجل: {الذين يحملون العرش ومن حوله} [غافر: 7] الآية. وللعرش حد يعمله الله تعالى، قال الله عز وجل: {وترى الملائكة حافين من حول العرش} [الزمر: 75] وهو من ياقوتة حمراء، وسعته كسعة السموات والأرضين. والكرسي عند العرش كحلقة ملقاة في أرض فلاة. وهو جل وعلا يعلم ما في السموات السبع وما بينهن وما تحتهن، وما في الأرضين السبع وما تحتهن وما بينهن وما تحت الثرى، وما في قعر البحار ومنبت كل شعرة وكل # شجرة وكل زرع ينبت، ومسقط كل ورقة، وعدد ذلك كله، وعدد الحصى والرمل والتراب، ومثاقيل الجبال، ومكاييل البحار، وأعمال العباد وآثارهم، وأنفاسهم وكلامهم، ويعلم كل شيء لا يخفى عليه شيء من ذلك. وهو باين من خلقه، لا يخلو من علمه مكان، ولا يجوز وصفه بأنه في كل مكان، بل يقال: إنه في السماء على العرش، كما قال جل ثناؤه {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5]، وقوله: {ثم استوى على العرش الرحمن} [الفرقان: 59]، وقال تعالى: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} [فاطر: 10]. والنبي- صلى الله عليه وسلم- حكم بإسلام الأمة لما قال لها: أين الله؟ فأشارت إلى السماء. وقال النبي- صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: لما خلق الله الخلق كتب كتابا على نفسه، وهو عنده، فوق العرش: أن رحمتي تغلب غضبي. وفي لفظ آخر: لما قضى الله سبحانه الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش أن رحمتي سبقت غضبي. وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل، وأنه استواء الذات على العرش لا على معنى القعود والمماسة كما قالت المجسمة والكرامية، ولا على معنى العلو والرفعة كما قالت الأشعرية، ولا على معنى الاستيلاء والغلبة كما قالت المعتزلة، لأن الشرع لم يرد بذلك، ولا نقل عن أحد من الصحابة والتابعين من السلف الصالح من أصحاب الحديث، بل المنقول عنهم حمله على الإطلاق. وقد روى عن أم سلمة زوج النبي- صلى الله عليه وسلم- في قوله عز وجل: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] قالت: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإقرار به واجب، والجحود به كفر. وقد أسنده مسلم بن الحجاج عنها عن النبي- صلى الله عليه وسلم- في صحيحه، وكذلك في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. وقال أحمد بن حنبل رحمه الله قبل موته بقريب: أخبار الصفات تمر، كما جاءت، بلا تشبيه ولا تعطيل.

Bagian V01/P124–V01/P126

وقال أيضا في رواية بعضهم: لست بصاحب كلام، ولا أرى الكلام في شيء من هذا، إلا ما كان في كتاب الله عز وجل، أو حديث عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أو عن أصحابه رضي الله عنهم، أو عن التابعين، فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود، فلا يقال في صفات الرب عز وجل: كيف، ولم، ولا يقول ذلك إلا شاك. وقال أحمد رحمه الله، في رواية عنه في موضع آخر: نحن نؤمن بأن الله عز وجل على العرش، كيف شاء، وكما شاء، بلا حد ولا صفة، يبلغها واصف، أو يحده حاد، لما روى عن سعيد بن المسيب عن كعب الأحبار قال الله تعالى في التوراة: أنا الله فوق عبادي، وعرشي فوق جميع خلقي، وأنا على عرشي، عليه أدبر عبادي، ولا يخفى علي شيء من عبادي. وكونه عز وجل على العرش مذكورا في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل بلا كيف، ولأن الله تعالى فيما لم يزل موصوف بالعلو والقدرة والاستيلاء والغلبة على جميع خلقه من العرش وغيره، فلا يحمل الاستواء على ذلك. فالاستواء من صفات الذات بعدما أخبرنا به، ونص عليه، وأكده في سبع آيات من كتابه، والسنة المأثورة به، وهو صفة لازمة له، ولائقة به كاليد والوجه والعين والسمع والبصر والحياة والقدرة، وكونه خالقا ورازقا ومحييا ومميتا، موصوف بها، ولا نخرج من الكتاب والسنة، نقرأ الآية والخبر، ونؤمن بما فيهما، ونكل الكيفية في الصفات إلى علم الله عز وجل، كما قال سفيان بن عيينة رحمه الله: كما وصف الله تعالى نفسه في كتابه. فتفسيره قراءته، لا تفسير له غيرها، ولا نتكلف غير ذلك، فإنه غيب، لا مجال للعقل في إدراكه، ونسأل الله تعالى العفو والعافية، ونعوذ به من أن نقول فيه وفي صفاته ما لم يخبرنا به هو أو رسوله عليه الصلاة والسلام. وأنه تعالى ينزل في كل ليلة إلى سماء الدنيا، كيف شاء وكما شاء، فيغفر لمن أذنب وأخطأ وأجرم وعصى لمن يختار من عباده ويشاء، تبارك وتعالى العلي الأعلى، لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى، لا بمعنى نزول رحمته وثوابه على ما ادعته المعتزلة والأشعرية، لما روى عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: ((ينزل الله تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: هل من # سائل فيعطى سؤاله؟ هل من مستغفر فيغفر له؟ هل من عان فيفك عانيه؟ حتى يصبح الصبح، ثم يعلو ربنا تبارك وتعالى على كرسيه)). وفي لفظ آخر عن عباده بن الصامت رضي الله عنه عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((ينزل الله تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول: ألا عبد من عبادي يدعوني فأستجيب له؟ ألا ظالم لنفسه يدعوني فأغفر له؟ ألا مقتر عليه رزقه يدعوني فأرزقه؟ ألا مظلوم يذكرني فأنصره؟ ألا عان يدعوني فأفكه؟ قال: فيكون كذلك إلى أن يطلع الصبح، ويعلو على كرسيه)). وقد روى هذا الحديث بألفاظ مختلفة عن أبي هريرة وجابر بن عبد الله وعلي رضي الله عنهم، وعن عبد الله بن مسعود وأبي الدرداء وابن عباس وعائشة رضوان الله عليهم، كلهم عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم-. ولهذا كانوا يفضلون صلاة آخر الليل على أوله. وروى أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((ينزل الله عز وجل ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا، فيغفر لكل نفس إلا لإنسان في قلبه شحناء، أو شرك بالله عز وجل)). وروى عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: ((إن الله عز وجل إذا ذهب شطر الليل الأول ينزل إلى سماء الدنيا فيقول: هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فأعطيه هل من تائب فأتوب عليه؟ حتى ينشق الفجر)). وقيل لإسحاق بن راهوية: ما هذه الأحاديث التي تحدث بها عن الله تعالى ينزل فصل القرآن كلام الله

Bagian V01/P126–V01/P128

إلى السماء الدنيا، والله يصعد ويتحرك، قال للسائل: تقول إن الله تعالى يقدر على أن ينزل ويصعد، ولا يتحرك؟ قال: نعم، قال: فلم تنكره؟. وقال يحيى بن معين: إذا قال لك الجهمي: كيف ينزل؟ فقل له: كيف صعد؟. وقال الفضيل بن عياض رحمه الله: إذا قال لك الجهمي: أنا كافر برب ينزل، فقل له: أنا مؤمن برب يفعل ما يشاء. وعن شريك بن عبد الله رحمه الله- لما قيل له عندنا قوم ينكرون هذه الأحاديث-: من جاءنا بأسماء ليست عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الصلاة والصيام والزكاة والحج، وإنما عرفنا الله عز وجل بهذه الأحاديث. (فصل) ونعتقد أن القرآن كلام الله كتابه وخطابه ووحيه الذي نزل به جبريل على رسول الله- صلى الله عليه وسلم-. كما قال عز وجل: {نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين} [الشعراء: 193 - 195]. هو الذي بلغه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أمته امتثالا لأمر رب العالمين بقوله تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} [المائدة: 67]. وروى عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال: ((كان النبي- صلى الله عليه وسلم- يعرض نفسه على الناس بالموقف فيقول: هل من رجل يحملني إلى قومه فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي)). وقال عز وجل: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} [التوبة: 6] كلام الله تعالى هو القرآن غير مخلوق كيفما قرئ وتلى وكتب، وكيفما تصرفت به قراءة قارئ، لفظ لافظ، وحفظ حافظ، هو كلام الله وصفة من صفات ذاته، غير محدث ولا مبدل ولا مغير ولا مؤلف ولا منقوص ولا مصنوع ولا مزاد فيه، منه بدأ تنزيله، وإليه يعود حكمه، كما قال النبي- صلى الله عليه وسلم-، في حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه: ((إن فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على سائر خلقه)). وذلك أن القرآن منه تبارك وتعالى خرج وإليه يعد فمعناه: أن تنزيله وبدايته وظهوره # منه عز وجل، وإليه يعود حكمه الذي هو العبادات من أداء الأوامر وانتهاء النواهي، لأجله تفعل وتترك، فالأحكام عائدة إليه عز وجل. وقيل: منه بدء حكما، وإليه يعود علما، وهو كلام الله في صدور الحافظين وألسن الناطقين وفي أكف الكاتبين وملاحظة الناظرين ومصاحف أهل الإسلام وألواح الصبيان حيثما رؤى ووجد. فمن زعم أنه مخلوق أو عبارته أو التلاوة غير المتلو، أو قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم، ولا يخالط ولا يؤاكل ولا يناكح ولا يجاور، بل يهجر ويهان، ولا يصلى خلفه، ولا تقبل شهادته، ولا تصح ولايته في نكاح وليه، ولا يصلى عليه إذا مات، فإن ظفر به استتيب ثلاثا كالمرتد، فإن تاب وإلا قتل. سئل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله عمن قال: لفظي بالقرىن مخلوق فقال: كفر. وقال رحمه الله فيمن قال: القرآن كلام الله ليس بمخلوق، والتلاوة مخلوقه، أو ألفاظنا بالقرآن مخلوقة: هو كافر. وروى عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه سأل النبي- صلى الله عليه وسلم- عن القرآن فقال: ((كلام الله غير مخلوق)). وروى عن عبد الله بن عبد الغفار وكان مولى لرسول الله- صلى الله عليه وسلم-، عتاقة عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: ((إذا ذكر القرآن فقولوا: كلام الله غير مخلوق، فمن قال مخلوق فهو كافر)). وقال الله عز وجل: {ألا له الخلق والأمر} [العراف: 54]، ففصل بين الخلق والأمر، فلو كان أمره الذي هو كن، الذي به يخلق الخلق مخلوقا لكان ذلك تكرارا وعيبا لا فائدة فيه. كأنه قال: ألا له الخلق والخلق، والله عز وجل يتعالى عن ذلك. وعن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم أنهما فسرا قوله عز وجل: {قرآنا عربيا غير ذي عوج} [الزمر: 28] أنه غير مخلوق. وقد هدد الله تعالى الوليد بن المغيرة المخزومي حين سمى القرآن قول البشر- بسقر فقال: {إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر سأصليه سقر} [المدثر: 24 - 26].

Bagian V01/P128–V01/P130

فكل من قال: القرآن عبارة أو مخلوق، أو لفظي بالقرآن مخلوق، فله سقر، كما هو للوليد، إلا أن يتوب. وقال تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} [التوبة: 6]، ولم يقل: حتى يسمع كلامك يا محمد. وقال تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} [القدر: 1]، يعني القرآن الذي هو في الصدور والمصاحف. وقال عز وجل: {وإذا قرئ القرآن فاستعموا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} [الأعراف: 204]. وقال تعالى: {وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث} [الإسراء: 106] والناس إنما سمعوا قراءة النبي- صلى الله عليه وسلم- ولفظه، فلفظه بالقرآن هو القرآن، ومدح الله سبحانه وتعالى الجن الذين سمعوا قراءة النبي- صلى الله عليه وسلم-: {فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا} [الجن: 1 - 2]. وقال تعالى: {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن} [الأحقاف: 29]. وسمى الله قراءة جبريل عليه السلام للقرآن قرآنا، فقال جل وعلا: {لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه قرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} [القيامة: 16 - 18]. وقال تعالى: {فاقرؤوا ما تيسر من القرآن} [المزمل: 20]. وأجمع المسلمون على أن من قرأ فاتحة الكتاب في صلاة إنه قارئ كتاب الله، وأن من حلف أنه لا يتكلم فقرأ القرآن لم يحنث، فدل على أنه ليس بعبارة. وقال النبي- صلى الله عليه وسلم- في حديث معاوية بن الحكم رضي الله عنه: ((إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين، إنما هي القراءة، والتسبيح، والتهليل، وتلاوة القرآن)). فأخبر أن تلاوة القرآن هي القرآن، فعلم بذلك أن التلاوة هي المتلو، والله تعالى، ورسوله- صلى الله عليه وسلم- أمر المؤمنين بالقراءة في الصلاة، ونهيا عن الكلام، فلو كانت قراءتنا كلامنا لا كلام الله لكنا مرتكبين للنهي في الصلاة. (فصل) نعتقد أن القرآن حروف مفهومة ... إلخ (فصل) ونعتقد أن القرآن حروف مفهومة وأصوات مسموعة. لأن بها يصير الأخرس والساكت متكلما وناطقا، وكلام الله عز وجل لا ينفك عن ذلك، فمن جحد ذلك الكتاب فقد كابر حسه، وعميت بصيرته، قال الله عز وجل: {ألم ذلك الكتاب} [البقرة: 1 - 2]، {حم}، {طسم تلك آيات الكتاب} [القصص: 1 - 2]، فقد ذكر حروفا وكنى عنها بالكتاب، وقال تعالى: {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله} [لقمان: 27]. فأثبت لنفسه كلمات متعددة غير متناهية الأعداد، وكذلك قوله: {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي ولو جئنا بمثله ممددا} [الكهف: 109]. وقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: ((إقرؤوا القرآن فإنكم تؤجرون عليه بكل حرف عشر حسنات، أما إني لا أقول: {الم} حرف، ولكن الألف عشر، واللام عشر، والميم عشر، فذلك ثلاثون}. وقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: ((أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف)). وقال تعالى في حق موسى عليه السلام: {وإذ نادى ربك موسى} [الشعراء: 10]، {وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا} [مريم: 52]. وقال تعالى لموسى عليه السلام: {إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني} [طه: 14]. كل هذا لا يكون إلا صوتا، ولا يجوز أن يكون هذا النداء وهذا الاسم والصفة إلا لله عز وجل، دون غيره من الملائكة وسائر المخلوقات. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: ((إذا كان يوم القيامة، يأتي الله عز وجل في ظلل من الغمام، فيتكلم بكلام طلق ذلق، فيقول- وهو أصدق القائلين-: انصتوا فطالما أنصت لكم، منذ خلقتكم، أرى أعمالكم، وأسمع أقوالكم، فإنما هي صحائفكم، تقرأ عليكم، فمن وجد خيرا فليحمد الله سبحانه وتعالى، ومن وجد غير # ذلك فلا يلومن إلا نفسه)). وروى البخاري في صحيحه بإسناده عن عبد الله بن أنيس رضي الله عنه أنه قال: ((سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: يحشر الله سبحانه العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد، كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان)).

Bagian V01/P130–V01/P132

وروى عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عبد الله رضي الله عنه قال: ((إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء فيخرون سجدا حتى إذا فزع عن قلوبهم، قال: سكن عن قلوبهم، نادى أهل السماء: أهل السماء ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، قال: كذا وكذا، يعني ذكر الوحي)). وعن عبد الله بن الحرث، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ((إن الله تبارك وتعالى إذا تكلم بالوحي سمع أهل السموات صوتا كصوت الحديد إذا وقع على الصفا فيخرون له سجدا فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم، قالوا الحق وهو العلي الكبير)). قال محمد بن كعب: قال بنو إسرائيل لموسى عليه السلام: بم شبهت صوت ربك حين كلمك في هذا الخلق، قال: شبهت صوت ربي بصوت الرعد حين لا يرتجع. وهذه الآيات والأخبار تدل على أن كلام الله صوت لا كصوت الآدميين، كما أن علمه قدرته وبقية صفاته لا تشبه صفات الآدميين، كذلك صوته. وقد نص الإمام أحمد رحمه الله على إثبات الصوت في رواية جماعة من الأصحاب رضوان الله عليهم أجمعين. خلاف ما قالت الأشعرية من أن كلام الله معنى قائم بنفسه، والله حسيب كل مبتدع ضال مضل، فالله سبحانه لم يزل متكلما وقد أحاط كلامه بجميع معاني الأمر والنهي والاستخبار. وقال ابن خزيمة رحمه الله: كلام الله تعالى متواصل لا سكوت فيه ولا صوت. وقيل لأحمد بن حنبل رحمه الله: هل يجوز أن تقول إن الله تعالى متكلم، ويجوز عليه السكوت؟ فقال رحمه الله: نقول في الجملة إن الله تعالى لم يزل متكلما، ول ورد الخبر بأنه سكت لقلنا به ولكنا نقول إنه متكلم كيف شاء بلا كيف ولا تشبيه. (فصل) وكذلك حروف المعجم غير مخلوقة وسواء كان ذلك في كلام الله تعالى أو في كلام الآدميين. وقد ادعى قوم من أهل السنة أنها قديمة في القرآن الشريف محدثة في غيره، وهذا خطأ منهم، بل القول السديد هو الأول من مذهب أهل السنة بلا فرق، لقوله تعالى: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} [يس: 82]. وهي حرفان فلو كانت ((كن)) مخلوقة لاحتاجت إلى ((كن)) تخلق بها إلى ما لا نهاية له، وقد تقدمت أدلة كثيرة من الآيات فلا نعيدها. وأما من السنة فما روي عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه قال لعثمان بن عفان لما سئل عن أ، ب، ت، ث، إلى آخر الحروف. فقال: الألف من اسم الله الذي هو الله، والباء من اسم الله الذي هو البارئ، والتاء من اسم الله الذي هو المتكبر، والثاء من اسم الله الذي هو الباعث والوارث، حتى أتى إلى آخرها، فذكر أنها كلها من أسماء الله وصفاته. وأسماؤه عز وجل غير مخلوقة. وقال النبي- صلى الله عليه وسلم- في حديث علي كرم الله وجهه لما سأله عن معنى أبجد هوز حطي ... إلى آخرها: يا علي ألا تعرف تفسير أبي جاد؟ الألف من اسم الله عز وجل الذي هو الله، والباء من اسم الله الذي هو البارئ، والجيم من اسم الله الذي هو الجليل ... إلى آخرها. فذكر النبي- صلى الله عليه وسلم- أنها من أسماء الله وهي في كلام الآدميين. وقد نص أحمد بن حنبل رحمه الله على قدم حروف الهجاء، فقال في رسالته إلى أهل نيسابور وجرجان: ومن قال إن حروف التهجي محدثة فهو كافر بالله، ومتى حكم أن ذلك مخلوق فقد جعل القرآن مخلوقا. ولما قيل له رحمه الله إن فلانا يقول: إن الله تعالى لما خلق الحروف انضجعت اللام، وانتصبت الألف، فقالت لا أسجد حتى أؤمر. فقال أحمد هذا كفر من قائله. (فصل) نعتقد أن الله عز وجل له تسعة وتسعون اسما وقال الشافعي رحمه الله: لا تقولوا بحدث الحروف فإن اليهود أول ما هلكت بهذا، ومن قال بحدث حرف من الحروف فقد قال بحدث القرآن.

Bagian V01/P132–V01/P134

ولأنه لا يخلو إما أن يقال هي قديمة في القرآن أو محدثة فيه فإن قيل هي قديمة في القرآن فوجب أن تكون قديمة في غيره، لأنه لا يجوز أن يكون الشيء الواحد قديما وهو بعينه محدث. فإن قالوا هي محدثة في القرآن فقد تقدمت الأدلة على قدمها في القرآن، فإذا ثبت ذلك في القرآن فكذلك في غيره. فإن قالوا فهذا يفضي إلى أن جميع الكلام يكون قديما، قيل يلزم القرآن لما لم يقل ذلك في حروف الهجاء. (فصل) ونعتقد أن الله عز وجل له تسعة وتسعون اسما، مائة إلا واحد، من أحصاها دخل الجنة. وذلك مروي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((إن لله تعالى تسعة وتسعون اسما مئة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة)). وجميعها في القرآن في سور متفرقة: منها خمسة أسماء في الفاتحة، وهي: يا الله، يا رب، يا رحمن، يا رحيم، يا مالك. وفي سورة البقرة ستة وعشرون اسما: يا محيط، يا قدير، يا عليم، يا حليم، يا تواب، يا بصير، يا واسع، يا بديع، يا سميع، يا كافي، يا رؤوف، يا شاكر، يا واحد، يا غفور، يا حكيم، يا قابض، يا باسط، يا لا إله إلا هو، يا حي، يا قيوم، يا علي، يا عظيم، يا ولي، يا غني، يا حميد. وفي آل عمران أربعة أسماء: يا قائم، يا واهب، يا سريع، يا خبير. وفي سورة النساء ستة أسماء: يا رقيب، يا حسيب، يا شهيد، يا غفور، يا مقيت، يا وكيل. وفي الأنعام خمسة أسماء: يا فاطر، يا قاهر، يا قادر، يا لطيف، يا خبير. وفي الأعراف اسمان: يا محيي، يا مميت. وفي الأنفال اسمان: يا نعم المولى، ويا نعم النصير. وفي هود سبعة أسماء: يا حفيظ، يا رقيب، يا مجيد، يا قوي، يا مجيب، يا ودود، يا فعال لما تريد. وفي الرعد اسمان: يا كبير، يا متعال. وفي إبراهيم اسم واحد: وهو يا منان. وفي الحجر اسم واحد: وهو يا خلاق. وفي النحل اسم: يا باعث. وفي مريم اسمان، يا صادق، يا وارث. وفي المؤمنين اسم: يا كريم. وفي النور ثلاثة أسماء: يا حق، يا مبين، يا نور. وفي الفرقان: يا هادي. وفي سبأ: يا فتاح. وفي المؤمن أربعة أسماء: يا غافر، يا قابل، يا شديد، يا ذا الطول. وفي الذاريات ثلاثة أسماء: يا رزاق، يا ذا القوة، يا متين. وفي الطور: يا منان. وفي اقتربت الساعة: يا مقتدر. وفي الرحمن: يا باقي، يا ذا الجلال، يا ذا الإكرام. وفي الحديد أربعة: يا أول، يا آخر، يا ظاهر، يا باطن. وفي الحشرة عشرة أسماء: يا قدوس، يا سلام، يا مؤمن، يا مهيمن، يا عزيز، يا جبار، يا متكبر، يا خالق، يا بارئ، يا مصور. وفي البروج: يا مبدئ، يا معيد. وفي قل هو الله أحد: يا أحد، يا صمد. هكذا ذكرها سفيان بن عيينة رحمه الله. وذكر عبد الله بن أحمد أسماء زوائد على هذه: وهي: يا قاهر، يا فاصل، يا فالق، يا رقيب، يا ماجد، يا جواد، يا أحكم الحاكمين. (فصل) نعتقد أن الإيمان قول باللسان، ومعرفة بالجنان وذكر أبو بكر النقاش في كتاب تفسير الأسماء والصفات، عن جعفر بن محمد- يعني الصادق رحمه الله- أنه قال: إن لله ثلاثمائة وستين اسما. وروى أيضا عن غيره: مئة وأربعة عشرة اسما. وكل ذلك محمول على أنهم وجدوا في القرآن أسماء مكررة فعدوها أسماء، والصحيح ما ذكر عن أبي هريرة رضي الله عنه. (فصل) ونعتقد أن الإيمان قول باللسان، ومعرفة بالجنان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، ويقوى بالعلم ويضعف بالجهل، وبالتوفيق يقع. كما قال الله عز وجل: {فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهو يستبشرون} [التوبة: 124]. وما جاز عليه الزيادة جاز عليه النقصان. وقال تعالى: {وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون} [الأنفال: 2]. وقوله عز وجل: {ليستبقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا} [المدثر: 31].

Bagian V01/P134–V01/P136

وما روى عن ابن عباس وأبي هريرة وأبي الدرداء رضي الله عنهم، أنهم قالوا: الإيمان يزيد وينقص. وغير ذلك مما يطول شرحه. وقد أنكرت الأشعرية زيادة الإيمان ونقصانه. وهو في اللغة تصديق القلب المتضمن للعلم بالمصدق به، وهو في الشريعة: التصديق؛ وهو العلم بالله وصفاته مع جميع الطاعات الواجبات منها والنوافل واجتناب الزلات والمعاصي. ويجوز أن يقال الإيمان: هو الدين والشريعة والملة؛ لأن الدين هو ما يدان به من الطاعات مع اجتناب المحظورات والمحرمات، وذلك هو صفة الإيمان. وأما الإسلام: فهو من جملة الإيمان وكل إيمان إسلام، وليس كل إسلام إيمانا. لأن الإسلام هو بمعنى الاستسلام والانقياد وكل مؤمن مستسلم منقاد لله تعالى. وليس كل مسلم مؤمنا بالله، لأنه قد يسلم مخافة السيف. فالإيمان اسم يتناول مسميات كثيرة، أفعالا وأقوالا، فيعم جميع الطاعات. والإسلام عبارة عن الشهادتين مع طمأنينة القلب والعبادات الخمس. وقد أطلق الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله أن الإيمان غير الإسلام، فذهب إلى # الحديث المروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه قال: ((بينما أنا عند رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شددي بياض الثوب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، ثم قال: يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال- صلى الله عليه وسلم-: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا، قال: صدقت، قال: فتعجبنا منه يسأله ويصدقه، ثم قال: أخبرني عن الإيمان: قال- صلى الله عليه وسلم-: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان: قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أماراتها، قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. قال عمر رضي الله عنه: فلبثت هنيهة. ثم قال لي رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: هل تدرون من السائل؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال- صلى الله عليه وسلم-: فإنه جبريل جاءكم يعلمكم دينكم)). وفي لفظ آخر قال: ((ذلك جبريل أتاكم ليعلمكم أمر دينكم، وما أتاني قط في صورة إلا عرفته إلا في صورته هذه)). فقد فرق جبريل عليه السلام بين الإسلام والإيمان بسؤالين: فأجاب النبي- صلى الله عليه وسلم- عنهما بجوابين مختلفين فذهب الإمام أحمد رضي الله عنه إلى حديث الأعرابي حيث قال: ((يا رسول الله أعطيت فلانا ومنعتني فقال له النبي- صلى الله عليه وسلم- ذلك مؤمن: فقال الأعرابي: وأنا مؤمن. فقال له النبي- صلى الله عليه وسلم- أو مسلم أنت؟)). وذهب أيضا إلى قول الله تعالى: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} [الحجرات: 14]. واعلم أن زيادة الإيمان: إنما تكون على التحقيق بعد أداء الأوامر وانتهاء النواهي # بالتسليم في القدر، وترك الاعتراض على الله عز وجل في فعله في خلقه، وترك الشك في وعده في الأقسام والرزق وفي الثقة به، والتوكل عليه، والخروج من الحول والقوة والصبر على البلاء والشكر على النعماء، والتنزيه للحق، وترك التهمة له عز وجل في سائر الأحوال، وأما بمجرد الصلاة والصوم فلا. وسئل الإمام أحمد رحمه الله عن الإيمان أمخلوق هو أم غير مخلوق؟ فقال: من قال إن الإيمان مخلوق فقد كفر؛ لأن في ذلك إيهاما وتعريضا بالقرآن، ومن قال إنه غير مخلوق فقد ابتدع؛ لأن في ذلك إيهام أن إماطة الأذى عن الطريق وأفعال الأركان غير مخلوقة فقد أنكر على الطائفتين. وذكر في الحديث أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: ((الإيمان بضع وسبعون خصلة، أفضلها قول: لا إله الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)).

Bagian V01/P136–V01/P138

وإنما كفر القائل بخلق القرآن، وبدع الآخر لأن مذهبه رحمه الله مبني على أن القرآن إذا لم ينطق بشيء ولم يرو في السنة عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- شيء فانقرض عصر الصحابة ولم ينقل أحد منهم قولا، فالكلام فيه بدعة وحدث. ولا يجوز للمؤمن أن يقول: أنا مؤمن حقا، بل يجب أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، خلاف ما قالت المعتزلة إنه يجب أن يقول: أنا مؤمن حقا. وإنما قلنا ذلك لما روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: من زعم أنه مؤمن فهو كافر. وعن الحسن رضي الله عنه: أن رجلا قال عند عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إني مؤمن. فقيل لابن مسعود إن هذا يزعم أنه مؤمن قال: فاسألوه أفي الجنة هو أم هو في النار؟ فسألوه فقال: الله أعلم. فقال عبد الله: فهلا وكلت الأخرى كما وكلت الأولى. ولأن المؤمن حقا من هو عند الله تعالى مؤمن، وهو الذي يكون من أهل الجنة. ولا يكون كذلك إلا بعد موافاته بالإيمان، ويختم له بذلك، ولا يعلم أحد بما يختم له. فينبغي أن يكون خائفا راجيا مصلحا حذرا مترقبا حتى يأتيه الموت على خير عمل، وإن الناس يموتون على ما عشوا عليه، ويحشرون على ما ماتوا عليه، كما جاء في الحديث: قال -عليه الصلاة والسلام-: «كما تعيشون تموتون، وكما تموتون تبعثون». ونعتقد أن أفعال العباد خلق الله -عز وجل- وكسب لهم خيرها وشرها، حسنها وقبيحها ما كان منها طاعة ومعصية، لا على معنى أنه أمر بالمعصية، لكن قضى بها وقدرها، وجعلها على حسب قصده، وأنه قسم الأرزاق وقدرها، فلا يصدها صاد ولا يمنعها مانع، لا زائدها ينقص، ولا ناقصها يزيد، ولا ناعمها يخشن، ولا خشنها ينعم، ورزق غد لا يؤكل اليوم، وقسم زيد لا ينقل إلى عمرو. وإنه تعالى يرزق الحرام كما يرزق الحلال، على معنى أنه يجعله غذاء للأبدان وقاما للأجسام لا على معنى إباحة الحرام. وكذلك القاتل لم يقطع أجل المقتول المقدر له، بل يموت بأجله، وكذلك الغريق، ومن هدم عليه الحائط وألقى من شاهق، ومن أكله السبع، وكذلك هداية المسلمين والمؤمنين وضلالة الكافرين إليه -عز وجل- جميع ذلك فعل له صنعة، لا شريك له في ملكه. وإنما أثبتنا كسبا لموضع توجه الأمر والنهي والخطاب إليهم، ثم استحقاق الثواب والعقاب لديه كما وعده وضمن -جل وعز-، قال الله تعالى: {جزاء بما كانوا يعملون} [السجدة: 17، الأحقاف: 14، الواقعة: 24]. وقال -عز وجل-: {بما صبرتم} [الرعد: 24]، وقال -جل وعلا-: {ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين} [المدثر: 42 - 44]. وقال -تبارك وتعالى-: {هذه النار التي كنتم بها تكذبون} [الطور: 14]، وقال تعالى: {ذلك بما قدمت يداك} [الحج: 10] وغير ذلك من الآيات. فعلق سبحانه الجزاء على أفعالهم، فأثبت لهم كسبا خلاف ما قالت الجهمية من أنه لا كسب للعباد، وأنه كالباب يرد ويفتح، والشجرة تحرك وتهز. وهم الجاحدون للحق، الرادون للكتاب والسنة. والدليل على أن ذلك خلق الله -عز وجل- وكسب للعباد خلافا للقدرية في قولهم: إن جميع ذلك خلق للعبادة دون الله -عز وجل-. تبا لهم وهم مجوس هذه الأمة جعلوا لله شركاء ونسبوه إلى العجز، وأن يجرى في ملكه ما لا يدخل في قدرته ولا إرادته تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا لقوله -عز وجل-: {والله خلقكم وما تعملون} [الصافات: 96]، وكما قال تعالى: {جزاء بما كانوا يعملون} [السجدة: 17، الأحقاف: 14، الواقعة: 24].

Bagian V01/P138–V01/P140

فلما كان الجزاء واقعا على أعمالهم كان الخلق واقعا على أعمالهم، ولا جائز أن يقال: المراد بذلك ما يعملون من الحجارة والأصنام، لأن الحجارة أجسام، والعباد لا يعملون، وإنما الأعمال التي يقع فيها ما يعملها العباد فوجب أن يرجع الخلق إلى أعمالهم من الحركات والسكنات وقال تعالى: {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} [هود: 118 - 119] والمعنى للخلاف، وقال تعالى: {أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء} [الرعد: 16]. وقال -جل وعلا-: {هل خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض} [فاطر: 3]، وقال تعالى إخبارا عن المشركين: {وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا} [النساء: 78]. وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث حذيفة -رضي الله عنه-: «إن الله تعالى خلق كل صانع وصنعته، حتى خلق الجازر وجزوره». وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إن الله قال: أنا خلقت الخير والشر فطوبى لمن قدرت على يديه الخير، وويل لمن قدرت على يديه الشر». وسئل علي -رضي الله عنه- عن أعمال العباد التي يستوجبون من الله السخط والرضى، أشيئا من الله أم شيء من العباد، قال هي: لله خلق وللعباد عمل. ويعتقد أن المؤمن وإن أذنب ذنوبا كثيرة من الكبائر والصغائر لا يكفر بها وإن خرج من الدنيا بغير توبة إذا مات على التوحيد والإخلاص، بل يرد أمره إلى الله -عز وجل- إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة، وإن شاء عذبه وأدخله النار، فلا يدخل بين الله تعالى (فصل) ينبغي أن يؤمن بخير القدر وشره (فصل) نعتقد أن من أدخله الله النار بكبيرته مع الإيمان فإنه لا يخلد وبين خلقه ما لم يخبرنا الله بمصيره. (فصل) ونعتقد أن من أدخله الله النار بكبيرته مع الإيمان فإنه لا يخلد فيها، بل يخرجه منها. فأن النار في حقه كالسجن في الدنيا فيستوفى منه بقدر كبيرته وجريمته، ثم يخرج برحمة الله تعالى ولا يخلد فيها، ولا تلفح وجهه النار ولا تحرق أعضاء السجود منه، لان ذلك محرم على النار، ولا ينقطع طمعه من الله -عز وجل- في كل حال مادام في النار حتى يخرج منها فيدخل الجنة، ويعطى الدرجات على قدر طاعته التي كانت له في الدنيا، خلاف ما قالته القدرية إن الكبيرة تحبط الطاعات، فلا يثاب عليها، وكذلك قول الخوارج تبا لهم. (فصل) وينبغي أن يؤمن بخير القدر وشره، وحلو القضاء ومره. وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه بالحذر، وما أخطأه من الأسباب لم يكن ليصيبه بالطلب، وأن جميع ما كان في سالف الدهور والأزمان، وما يكون، إلى يوم البعث والنشور بقضاء الله وقدره المقدور، وأنه لا محيص لمخلوق من القدر المقدور الذي خط في اللوح المسطور، وأن الخلائق لو جهدوا أن ينفعوا المرء بما لم يقضه الله تعالى لم يقدروا عليه، ولو جهدوا أن يضروه لم يقضه الله عليه لم يستطيعوا. كما ورد في خبر ابن عباس -رضي الله عنهما- وقال، قال الله تعالى: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده} [يونس: 107]. وروى عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: حدثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو الصادق المصدوق: «إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة» وفي لفظ آخر «أربعين ليلة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا بأربع كلمات: خلقه ورزقه وعمله وشقي أم سعيد، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى لا يكون بينه وبينها إلا باع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه وبينها إلا باع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها».

Bagian V01/P140–V01/P141

(فصل) نؤمن بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى ربه وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة -رضي الله عنها- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة وإنه لمكتوب في الكتاب أنه من أهل النار فإذا كان عند موته تحول فعمل بعمل أهل النار، فمات فدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار وإنه لمكتوب في الكتاب أنه من أهل الجنة، فإذا كان قبل موته عمل بعمل أهل الجنة، فمات فدخل الجنة». وعن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: «بينما نحن مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو ينكث في الأرض إذ رفع رأسه فقال: ما من أحد إلا وقد علم مقعده من النار، أو مقعده من الجنة، فقالوا: أفلا نتكل؟ قال -صلى الله عليه وسلم- اعملوا فكل ميسر لما خلق له». وعن سالم بن عبد الله عن أبيه -رضي الله عنه- قال: إن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: «يا رسول الله، أرأيت ما نعمل فيه، أشيء قد فرغ منه، أو شيء مبتدع، أو مبتدأ؟ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: لا، بل فيما قد فرغ منه، قال: أفلا نتكل؟ قال عليه الصلاة والسلام: اعمل يا ابن الخطاب فكل ميسر لما خلق له، فمن كان من أهل السعادة فيعمل للسعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فيعمل للشقاوة». (فصل) ونؤمن بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى ربه -عز وجل- ليلة الإسراء بعيني رأسه لا بفؤاده ولا في المنام. لما روى جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أنه قال: «قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في قوله تعالى: {ولقد رآه نزلة أخرى} [النجم: 13]. قال: رأيت ربي -جل اسمه- مشافهمة لاشك فيه، وفي قوله تعالى: {عند سدرة المنتهى} [النجم: 14] قال: رأيته عند سدرة المنتهى حتى تبين لي نور وجهه». وقال ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله -عز وجل-: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} [الإسراء: 60] هي رؤيا عين رأيها النبي -صلى الله عليه وسلم- ليلة أسري به». (فصل) نؤمن بأن منكر ونكير وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: كانت الخلة لإبراهيم -عليه السلام- والكلام لموسى -عليه السلام-، والرؤية لمحمد -صلى الله عليه وسلم-. وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: رأى محمد -صلى الله عليه وسلم- ربه -عز وجل- بعينيه مرتين. ولا يعارض هذا ما روي عن عائشة -رضي الله عنها- من إنكار ذلك، لأنه نفي وهذا إثبات فقدم عند الاجتماع لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أثبت لنفسه الرؤية. وقال أبو بكر بن سليمان: رأى محمد -صلى الله عليه وسلم- ربه إحدى عشرة مرة، منها بالسنة تسع مرات في ليلة المعراج حين كان يتردد بين موسى -عليه السلام- وبين ربه -عز وجل- يسأله أن يخفف عن أمته الصلاة فنقص خمسا وأربعين صلاة في تسع مقامات ومرتين بالكتاب. (فصل) ونؤمن بأن منكرا ونكيرا إلى كل أحد ينزلان سوى النبيين. فيسألانه ويمتحنانه عما يعتقده من الأديان، وهما يأتيان القبر، فيرسل فيه الروح، ثم يقعد، فإذا سئل سلت روحه بلا ألم. ونؤمن بأن الميت يعرف من يزوره إذا أتاه، وآكده يوم الجمعة بعد طلوع الفجر قبل طلوع الشمس. والإيمان بعذاب القبر وضغطته واجب لأهل المعاصي والكفر وجميع الخلق سوى النبيين ثم يخفف عن المؤمنين برحمة الله -عز وجل-، وكذلك النعيم فيه لأهل الطاعة والإيمان، خلاف ما قالت المعتزلة من إنكارهم ذلك، وإنكارهم مسألة منكر ونكير. ودليل أهل السنة على إثبات ذلك، قوله -عز وجل-: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} [إبراهيم: 27]. قيل في التفسير {في الحياة الدنيا}: عند خروج الروح، {وفي الآخرة}: عند مسألة منكر ونكير.

Bagian V01/P141–V01/P143

وما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا قبر أحدكم أو الإنسان أتاه # ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر والآخر النكير، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ يعني محمدا رسول الله، فهو قائل ما كان يقول، فإذا كان مؤمنا قال هو عبد الله ورسوله أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، فيقولان إنا كنا لنعلم أنك تقول مثل ذلك. ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين ذراعا، وينور له فيه، ثم يقال له: نم. فيقول: دعوني أرجع إلى أهلي فأخبرهم، فيقال له: نم كنومة العروس التي لا يوقظها إلا أحب أهلها إليها، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك. وإن كان منافقا قال: لا أدري كنت أسمع الناس يقولون شيئا وكنت أقوله، فيقولان: إنا كنا نعلم أنك تقول ذلك، ثم يقال للأرض التئمي عليه، فتلتأم حتى يختلف فيها أضلاعه، فلا يزال فيها معذبا حتى يبعثه الله -عز وجل- من مضجعه ذلك». وتعلقوا أيضا بما روى عطاء بن يسار قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: «يا عمر كيف أنت إذا أعد لك من الأرض ثلاثة أذرع وشبر في عرض ذراع وشبر، ثم قام إليك أهلك فغسلوك وكفنوك وحنطوك، ثم حملوك حتى يغيبوك فيه، ثم يهيلوا عليك التراب، ثم انصرفوا عنك، وأتاك مسائلا القبر منكر ونكير، أصواتهما مثل الرعد القاصف، وأبصارهما مثل البرق الخاطف قد سدلا شعورهما فتلتلاك وتوهلاك وقالا: من ربك وما دينك؟ قال: يا نبي الله أو يكون معي قلبي الذي هو معي اليوم؟ قال -صلى الله عليه وسلم-: نعم. قال: إذا أكفيكهما بإذن الله -عز وجل-». وهذا دليل ونص على أن ذلك يكون بعد إعادة الروح، لأن عمر قال أو يكون قلبي، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: نعم. وعن المنهال بن عمرو عن البراء بن عازب -رضي الله عنه-ما قال: «خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في جنازة رجل من الأنصار وانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس النبي -صلى الله عليه وسلم- وجلسنا حوله وكأن على رؤوسنا الطير من هيبته، وفي يده عود ينكت به الأرض فرفع رأسه وقال: أستعيذ بالله من عذاب القبر، مرتين أو ثلاث. ثم قال -صلى الله عليه وسلم-: إن العبد المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا نزلت # عليه ملائكة بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس، ومعهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة، فيجلسون معه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس المطمئنة الطيبة أخرجي إلى مغفرة من الله ورضوانه، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من السقاء فيأخذونها ولا يدعونها في يده طرفة عين حين يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن والحنوط، فيخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الطيبة؟ فيقولون هذا فلان ابن فلان بأحسن أسمائه، ثم ينتهون بها إلى سماء الدنيا فيستفتحون لها فيفتح لهم فيستقبلوها ويشيعوها من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهوا إلى السماء السابعة، فيقول الله -عز وجل- اكتبوا كتابه في عليين وأعيدوه إلى الأرض: {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى} [طه: 55].

Bagian V01/P143–V01/P145

فتعاد الروح إلى جسده، ويأتيه ملكان فيقولان له: من ربك وما دينك؟ فيقول: ربي الله وديني الإسلام، فيقولان له: ما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، جاءنا بالحق، فيقولان له: وما علمك بذلك؟ فيقول: قرأت كتاب الله تعالى، وآمنت به وصدقته، فينادى من السماء: صدق عبدي فافرشوا له من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة، فيأتيه ريحها وطيبها ويفسح له في قبره، مد البصر، ويأتيه رجل حسن الوجه طيب الريح فيقول له: أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول عند ذلك: رب أقم الساعة، رب أقم الساعة. وإن العبد الكافر إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا أنزل الله تعالى عليه ملائكة من السماء سود الوجوه معهم المسوح، فيجلسون معه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط الله وغضبه فتتفرق في أعضائه كلها فينزعها كما ينزع العود من الصوف المبلول، فتنقطع منه العروق والعصب فيأخذونها فيجعلونها في تلك المسوح فيخرج منها كأنتن جيفة، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون: هذا فلان ابن فلان بأقبح أسمائه حتى ينتهوا بها إلى سماء الدنيا فيستفتحون لها فلا يفتح لهم، ثم قرأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذه الآية: {لا تفتح لهم أبواب السماء} [الأعراف: 40]، # ثم يقول الله سبحانه وتعالى: «اكتبوا كتابه في سجين» ثم تطرح روحه طرحا، ثم قرأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: {ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح في مكان سحيق} [الحج: 31]. يعني ترد فتعاد إليه روحه في جسده، فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فينادي المنادي من السماء: كذب عبدي فافرشوا له فراشا، من النار وألبسوه من النار وافتحوا له بابا من النار، فيدخل عليه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح المنظر والثياب منتن الريح فيقول له: أبشر بالذي يسوءك هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول من أنت؟ فيقول: أنا عملك السوء، فيقول: رب لا تقم الساعة. وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-، قال: إن المؤمن إذا وضع في قبره يوسع عليه في قبره سبعون ذراعا عرضا وسبعون ذراعا طولا، وتنثر عليه الرياحين، ويستر بالحرير في الجنة، فإن كان معه شيء من القرآن كفاه نوره، وإن لم يكن معه شيء من القرآن جعل له نور مثل نور الشمس، ويكون مثله كمثل العروس تنام فلا يوقظها من نومتها إلا أحب أهلها إليها، فتقوم من نومتها كأنها لم تشبع منها. وإن الكافر إذا وضع في قبره يضيق عليه قبره، حتى تدخل أضلاعه في جوفه، ويرسل عليه حيات كأمثال أعناق البخث فتأكل لحمه حتى لا يذرن على عظمه لحما، ويرسل عليه شياطين صم بكم عمي، ويقال: هو الشيطان الرجيم، ومعهم فطاطيس من حديد، فيضربونه بها حتى لا يسمعوا صوته فيرحمونه، ولا يبصرونه فيرحمونه، وتعرض عليه النار بكرة وعشيا. فهذه أخبار دالة على إثبات عذاب القبر ونعيمه، فإن اعترضوا عليها فقالوا: كيف القول في المصلوب والمحترق والغريق ومن أكلته السباع فتفرقت بلحمه والطير معها فحصل أجزاء متعددة؟

Bagian V01/P145–V01/P146

فيقال لهم إن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر عذاب القبر والمسألة على ما هو معهود وعادة في الخلق أنهم يدفنون في القبور، وإن وجد ميت على هذه الصفة البعيدة النادرة لا يمتنع أن يقال: إن الله يصير روحه إلى الأرض، ثم تضغط وتسئل وتعذب وتنعم، كما أن أرواح الكفار تعذب كل يوم مرتين، غدوة وعشية، حتى تقوم الساعة، ثم تدخل النار مع الأجساد حينئذ، كما قال تعالى: {النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} [غافر: 46]. وإن أرواح الشهداء والمؤمنين في حواصل طيور خضر، تسرح في الجنة، وتأوى إلى قناديل من نور تحت العرش ثم تأتي إلى الأجساد عند النفخة الثانية إلى الأرض للعرض والحساب يوم القيامة. كما روى عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل أثمارها، وتأوى إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم، قالوا: من يبلغ عنا إخواننا أننا أحياء في الجنة نرزق، فلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن الحرب، فقال الله -عز وجل- وهو أصدق القائلين: أنا أبلغهم فأنزل -عز وجل-: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله} [آل عمران: 169 - 170]». فيجوز أن تقع المسألة والعذاب والنعيم ببعض جسد الكافر والمؤمن دون بقية أجزائه ويكون ما فعل بالبعض فعلا بالكل، وقد قيل: إن الله يجمع تلك الأجزاء المتفرقة للضغط والمسألة كما يفعل ذلك في الحشر والمحاسبة. ثم إن الإيمان بالبعث من القبور والنشر عنها واجب، كما قال -عز وجل-: {وإن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور} [الحج: 7]. وكما قال الله -عز وجل-: {كما بدأكم تعودون} [الأعراف: 29]، وقال -جل وعلا-: {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى} [طه: 55]. سيحشرهم ويجمعهم جميعا -جل وعلا-: {لتجزى كل نفس بما تسعى} [طه: 15]، {ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى} [النجم: 31]، وقال فصل في شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في أهل الكبائر -جل جلاله-: {الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم} [الروم: 40]. فالذي قدر على إنشاء الخلق قادر على إعادتهم، وقد أنكرت المعطلة ذلك تبا لهم. (فصل) والإيمان بأن الله تعالى يقبل شفاعة نبينا -صلى الله عليه وسلم- في أهل الكبائر والأوزار واجب. قبل دخول النار عاما للحساب لجميع أمم المؤمنين، وبعد دخولها لأمته خاصة، فيخرجون منها بشفاعته -صلى الله عليه وسلم- وغيره من المؤمنين حتى لا يبقى في النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، ومن قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله مرة واحدة في عمره مخلصا لله -عز وجل- خلاف ما زعمت القدرية من إنكار ذلك. وفي كتاب الله تكذيبهم قال الله -عز وجل-: {فما لنا من شافعين ولا صديق حميم} [الشعراء: 100 - 101]. وقوله -عز وجل-: {فما لنا من شفعاء فيشفعوا لنا ...} [الأعراف: 53] الآية. وقال الله -جل جلاله-: {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} [المدثر: 48]. فقد أثبت الله تعالى في الآخرة شفاعة، وكذلك في السنة. وهو ما روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة أنا ولا فخر، وأنا سيد ولد آدم ولا فخر، وأنا صاحب لواء الحمد ولا فخر، وأنا أول من يدخل الجنة ولا فخر، وأنا آخذ بحلقة باب الجنة، فيؤذن لي فيستقبلني وجه الجبار -عز وجل-، فأخر له ساجدا. فيقول تعالى: يا محمد ارفع رأسك واشفع تشفع وسل تعط، فأرفع رأسي فأقول: يارب أمتي أمتي، فلا أزال أرجع إلى ربي، فيقول لي: اذهب فانظر، فمن وجدت في قلبه مثقال حبة من الإيمان فأخرجه من النار.

Bagian V01/P146–V01/P149

قال -صلى الله عليه وسلم- فأخرج من أمتي أمثال الجبال، ثم يقول لي النبيون: ارجع إلى ربك فاسأله، فأقول قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه». وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي». وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة -إن شاء الله تعالى- لمن مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا». وقال -صلى الله عليه وسلم- في حديث أنيس الأنصاري -رضي الله عنه-: «إني لأشفع يوم القيامة لأكثر مما على وجه الأرض من حجر ومدر». وله -صلى الله عليه وسلم- شفاعة في القيامة عند الميزان وعلى الصراط، وكذلك ما من نبي إلا وله شفاعة. وعن حذيفة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: يقول إبراهيم -عليه السلام- يوم القيامة: يا رباه. فيقول الله -عز وجل-: يا لبيكاه، فيقول: يارب أحرقت بني آدم. فيقول -جل وعلا-: أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال برة أو شعيرة من الإيمان. وكذلك للصديقين والصالحين من كل أمة شفاعة. وقال -صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-: «لكل نبي عطية، وإني اختبأت عطيتي شفاعة لأمتي، وإن الرجل من أمتي ليشفع للقبيلة فيدخلهم الله تعالى الجنة بشفاعته، وإن الرجل ليشفع لفئام من الناس فيدخلهم الله الجنة بشفاعته، وإن الرجل ليشفع لثلاثة نفر، والرجل لاثنين، وإن الرجل ليشفع لرجل». وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث ابن مسعود -رضي الله عنه-: «ليدخل الجنة قوم من المسلمين قد عذبوا في النار برحمة الله تعالى وشفاعة الشافعين». وأيضا في حديث أويس القرني -رحمه الله ورضي عنه- المعروف: «ولله -عز وجل- تفضل وتكرم ورحمة ومنة على من يشاء من أهل النار في إخراجهم من النار بعدما احترقوا وصاروا فحما». (فصل) أهل السنة يعتقدون أن لنبينا -صلى الله عليه وسلم- حوضا في القيامة (فصل) الإيمان بالصراط وعن الحسن عن أنس -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «مازلت أشفع إلى ربي فيشفعني حتى أقول: يارب شفعني فيمن قال: لا إله إلا الله. فيقول -جل وعلا-: هذه ليست لك يا محمد ولا لأحد، هذه لي، وعزتي وجلالي ورحمتي لا أدع في النار واحدا يقول: لا إله إلا الله». (فصل) والإيمان بالصراط على جهنم واجب. وهو جسر ممدود على متن جهنم يأخذ من يشاء الله إلى النار، ويجوز من يشاء ويسقط في جهنم من يشاء. ولهم في تلك الأحوال أنوار على قدر أعمالهم فهم بين ماش وساع وراكب وزحف وسحب. وقد وصفه النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنه ذو كلاليب في خبر فيه طول إلى أن قال -صلى الله عليه وسلم-: «ذو كلاليب مثل شوك السعدان، هل تعرفون شوك السعدان؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلمها إلا الله -عز وجل-، فتخطف الناس، فمنهم موبق بعمله ومنهم المخردل، ثم ينجو المخردل، المرمي المصروع» وقيل ذلك للمنقطع أيضا. وقال -صلى الله عليه وسلم-: «استجيبوا ضحاياكم فإنها مطاياكم على الصراط». وجاء في وصف الصراط عنه -صلى الله عليه وسلم-: «أنه أدق من الشعرة وأحر من الجمرة وأحد من السيف، طوله ثلثمائة سنة من سنى الآخرة، يجوزه الأبرار وتزل عنه الفجار، وقيل طوله ثلاثة آلاف سنة من سنى الآخرة». (فصل) وأهل السنة يعتقدون أن لنبينا -صلى الله عليه وسلم- حوضا في القيامة. يسقى منه المؤمنون، دون الكافرين، ويكون ذلك بعد جواز الصراط قبل دخول الجنة، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا، عرضه مسيرة شهر، ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل، حوله أباريق على عدد نجوم السماء، فيه ميزابان يصبان من الكوثر، أصله في الجنة وفرعه في الوقف.

Pertanyaan