Teftâzânî — Şerhu'l-Makâsıd (Mâtürîdî/Eş'arî kelam)
الأول لأن الكلام في قادرية القديم الذي إليه ينتهي الكل مع أن التالي في كل من الأوليين عين المقدم ولذا عدل عنه وقال وإن شئت قلت أي في تقرير هذا الاستدلال لو كان الباري موجبا بالذات لزم قدم الحادث إذ لو حدث لتوقف على شرط حادث وتسلسل ثم أنه لا يتم إلا بما ذكرنا على ما اعترف به حيث قال واعلم أن هذا الاستدلال يعني على التقريرين لا يتم إلا أن يبين حدوث ما سوى الله تعالى وامتناع قيام حوادث متعاقبة لا نهاية لها بذاته أو يبين في الحادث اليومي انه لا يستند إلى حادث مسبوق بآخر لا إلى نهاية محفوظا بحركة دائمة وذلك لأنه لو لم يبين ما ذكر لم تصح الشرطية الرابعة من التقرير الأول ولم يلزم المحال المذكور في التقرير الثاني لجواز أن تنتهي الحوادث إلى قديم يوجب قديما تستند إليه الحوادث بطريق الاختيار دون الإيجاب فلا يلزم التخلف ولا التسلسل وأن لا يثبت قديم يوجب حادثا بلا واسطة بل يكون كل حادث مسبوقا بآخر من غير بداية كما هو رأيهم في الحركات ولا يكون هذا من التسلسل المسلم استحالته أعني ترتب العلل والمعلولات لا إلى نهاية فلا بد من بيان استحالة النوع الآخر من التسلسل أعني كون كل حادث مسبوقا بآخر لا إلى نهاية ليتم به الاستدلال ( قال ولتعد من الأدلة عدة ) بعد التنبيه على أصل الباب يريد إيراد عدة تقريرات للأصحاب الأول لما ثبت بما سبق في إثبات الصانع وإبطال التسلسل انتهاء الحوادث إلى الواجب لزم كونه قادرا مختارا وإلا فإما أن يوجب حادثا بلا واسطة فيلزم التخلف حيث وجد في الأزل ولم يوجد الحادث أو لا فيلزم أن يكون كل حادث مسبوقا بآخر لا إلى نهاية وقد تبين بطلانه الثاني تأثير الواجب في وجود العالم يجب أن يكون بطريق القدرة والاختيار إذ لو كان بطريق الإيجاب فإما أن يكون بلا وسط أو بوسط قديم فيلزم قدم العالم وقد بين حدوثه وإما بوسط حادث فينتقل الكلام إلى كيفية صدوره ويتسلسل الحوادث وقد بين بطلانه الثالث اختلاف الأجسام بالأوصاف واختصاص كل بما له من اللون والشكل والطعم والرائحة وغير ذلك لا بد أن يكون لمخصص لامتناع التخصص بلا مخصص فذلك المخصص لا يجوز أن يكون نفس الجسمية أو شيئا من لوازمها لكونها مشتركة بين الكل بل أمرا آخر فينقل الكلام إلى اختصاصه بذلك الجسم فإما أن تتسلسل المخصصات وهو محال أو تنتهي إلى قادر مختار بناء على أن نسبة الموجب إلى الكل على السواء وهو المطلوب الرابع لو كان موجد العالم وهو الله تعالى موجبا بالذات لزم من ارتفاع العالم ارتفاعه بمعنى أن يدل ارتفاعه على ارتفاعه لأن العالم حينئذ يكون من لوازم ذاته ومعلوم بالضرورة أن ارتفاع اللازم يدل على ارتفاع الملزوم لكن ارتفاع الواجب محال فتعين أن يكون تأثيره في العالم بطريق القدرة والاختيار دون اللزوم والإيجاب الخامس اختصاص الكواكب والأقطاب بمحالها لو لم يكن بقادر مختار بل بموجب لزم الترجح بلا مرجح لأن نسبة الموجب إلى جميع أجزاء البسيط على السواء السادس فاعل الحيوان وأعضائه على صورها وأشكالها يجب أن يكون قادرا مختارا إذ لو كان طبيعة النطفة أو أمرا خارجا موجبا لزم أن يكون الحيوان على شكل الكرة إن كانت النطفة بسيطة لأن ذلك مقتضى الطبيعة ونسبة الموجب إلى أجزاء البسيط على السوية وعلى شكل كرات مضمومة بعضها إلى البعض إن كانت النطفة مركبة من البسائط بمثل ما ذكر وقد يتمسك في إثبات كون الباري قادرا عالما بالإجماع والنصوص القطعية من الكتاب والسنة وبأن القدرة والعلم والحياة ونحو ذلك صفات كمال وأضدادها من الجهل والعجز والممات سمات نقص يجب تنزيه الله عنها وبأن صانع العالم على ما فيه من لطائف الصنع وكمال الانتظام والأحكام عالم قادر بحكم الضرورة وهذه الوجوه لا تخلو عن محال مناقشة أما لشبه الأول فلما لا يخفى على المتأمل فيها الواقف على قواعد الفلسفة
وأما السابع فلأن مرجع الأدلة السمعية إلى الكتاب ودلالة المعجزات وهل يتم الإقرار بها والإذعان لها قبل التصديق بكون الباري قادرا عالما فيه تردد وتأمل وأما الثامن فلأنه فرع جواز اتصافه بها وكونها كمالات في حقه ووجوب اتصافه بكل كمال ونحو ذلك من المقدمات التي ربما يناقش فيها وأما التاسع فلابتنائه على أن ما يشاهد من أمر السماء والأرض مستند إلى الواجب بلا واسطة لا إلى بعض معلولاته على ما زعم الفلسفي لكن من كان طالبا للحق غير هائم في أودية الضلال ربما يستفيد من هذه الوجوه القطع واليقين بلا احتمال قال تمسك المخالف بوجوه الأول لو كان الباري تعالى فاعلا بالقدرة والاختيار دون الإيجاب فتعلق قدرته بأحد مقدوريه المتساويين بالنظر إلى نفس القدرة دون الآخر إن افتقر إلى مرجح ينقل الكلام إلى تأثيره في ذلك المرجح ولزم التسلسل في المرجحات وإن لم يفتقر لزم انسداد باب إثبات الصانع لأن مبناه على امتناع الترجح بلا مرجح وافتقار وقوع الممكن إلى مؤثر والجواب منع الملازمتين أي لا نسلم أنه لو افتقر تعلق القدرة إلى مرجح لزم التسلسل لجواز أن يكون المرجح هو الإرادة التي تتعلق بأحد المتساويين لذاتها كما في اختيار الجائع أحاد الرغيفين والهارب أحد الطريقين ولا يخفى أن هذا أولى مما قال في المواقف اقتداء بالإمام أن القدرة تتعلق لذاتها ولا نسلم أنه لو لم يفتقر إلى مرجح لزم انسداد باب إثبات الصانع فإن المفضي إلى ذلك جواز ترجح الممكن بلا مرجح بمعنى تحققه بلا مؤثر لا ترجيح القادر أحد مقدوريه بلا مرجح بمعنى تخصيصه بالإيقاع من غير داعية ولا يلزم من جواز هذا جواز ذاك الثاني أن تعلق القدرة والإرادة بإيجاد العالم إن كان أزليا لزم كون العالم أزليا لامتناع التخلف عن تمام العلة وإن كان حادثا ننقل الكلام إلى تعلقهما بأحداث ذلك التعلق وتتسلسل التعلقات الحادثة والجواب منع الملازمتين أما الأول فلجواز أن تتعلق القدرة والإرادة في الأزل بإيجاد العالم فيما لا يزال وأما الثانية فلجواز أن يكون حدوث تعلق القدرة والإرادة لذاتهما من غير افتقار إلى حدوث تعلق آخر على أن التعلقات اعتبارات عقلية ينقطع التسلسل فيها بانقطاع الاعتبار الثالث أن الواجب أن استجمع جميع ما لا بد منه في صدور الأثر عنه وجوديا كان أو عدميا وجب صدور الأثر عنه بحيث لا يتمكن من الترك لامتناع عدم الأثر عند تمام المؤثر فلا يكون مختارا بل موجبا وإن لم يستجمع جميع ما لا بد منه امتنع صدور الأثر ضرورة امتناع وجود الأثر بدون المؤثر وحاصل هذا يوؤل إلى أنه لا فرق بين الموجب والمختار والجواب أنه لو سلم امتناع عدم الأثر عند تمام المؤثر المختار فلا نسلم أن هذا يستلزم كون الفاعل موجبا لا مختارا فإن الوجوب بالاختيار محقق للاختيار لا مناف له لأنه بحيث لو شاء لترك بخلاف الموجب فظهر الفرق الرابع أن الفاعل لو كان قادرا على وجود الشيء لكان قادرا على عدمه لأن نسبة القدرة إلى الطرفين على السواء لكن اللازم باطل لأن العدم الأصلي أزلي ولا شيء من الأزلي بأثر للقادر وأيضا العدم نفي محض لا يصلح متعلقا للقدرة والإرادة لأن معناه التأثير وحيث لا تأثير فلا أثر والجواب أن معنى كون العدم مقدورا أن الفاعل إن شاء لم يفعل أي إن شاء أن لا يوجد الشيء لم يوجده أو إن لم يشأ لم يفعل أي إن لم يشأ أن يوجده لم يوجده ولا نسلم استحالة ذلك وإنما المستحيل هو أنه إن شاء فعل العدم وهذان الوجهان لنفي كون المؤثر قادرا واجبا كان أو غيره وقد ذكرهما في المواقف بطريق السؤال والجواب بعد ما قال احتج الحكماء بوجوه الأول ما ذكرنا أولا ولم يذكره غيره
الخامس أن الفاعل للشيء بطريق القدرة والاختيار إن كان الفعل أولى به من الترك لزم استكماله بالغير وإن لم يكن أولي لزم كون فعله عبثا وكلا الأمرين محال على الواجب والجواب أنا لا نسلم أن الفعل إذا لم يكن أولى به كان عبثا لم لا يكفي في نفي العبث كونه أولى في نفس الأمر أو بالنسبة إلى الغير من غير أن تكون تلك الأولوية أولى بالفاعل وإن سمي مثله عبثا بناء على خلوه عن نفع للفاعل فلا نسلم استحالته على الواجب السادس أن الباري تعالى لو كان قادرا مختارا لزم انقلاب الممتنع ممكنا أو جواز كون الأزلي أثرا للقادر وكلاهما محال وجه اللزوم أن أثره إن كان ممتنعا في الأزل وقد صار ممكنا فيما لا يزال فهو الأمر الأول وإن كان ممكنا وقد أوجده القادر فهو الثاني لأن إمكانه في الأزل مع الاستناد إلى القادر في قوة إمكان استناده إلى القادر مع كونه في الأزل والجواب منع الملازمة الثانية لجواز أن يكون ممكنا في الأزل نظرا إلى ذاته ويمتنع وقوعه في الأزل نظرا إلى وصف استناده إلى القادر كالحادث يمكن في الأزل لذاته ويمتنع مع حدوثه فلا يلزم جواز الاستناد إلى القادر لما هو أزلي بل لما هو ممكن في الأزل بالذات ولا نسلم استحالته
السابع أن أثر الباري تعالى إما واجب الوقوع أو ممتنع الوقوع لأنه إما أن يعلم في الأزل وقوعه فيجب أولا وقوعه فيمتنع وإلا لزم الجهل ولا شيء من الواجب والممتنع بمقدور لزوال مكنة الترك في الأول والفعل في الثاني بل كليهما في كليهما والجواب أنه يعلم وقوعه بقدرته ومثل هذا الوجوب لا ينافي المقدورية بل يحققها قال خاتمة قدرة الله غير متناهية إما بمعنى أنها ليست لها طبيعة امتدادية تنتهي إلى حد ونهاية أو بمعنى أنها لا يطرأ عليها العدم فظاهر لا يحتاج إلى التعرض وإما بمعنى أنها لا تصير بحيث يمتنع تعلقها فلأن ذلك عجز ونقص ولأن كثيرا من مخلوقاته أبدي كنعيم الجنان وذلك بتعاقب جزئيات لا نهاية لها بحسب القوة والإمكان ولأن المقتضي للقادرية هو الذات والمصحح للمقدورية هو الإمكان ولا انقطاع لهما وبهذا استدلوا على شمول قدرة الله تعالى لكل موجود ممكن بمعنى أنه يصح تعلقها به ولما توجه عليه أنه لم لا يجوز اختصاص بعض الممكنات بشرط لتعلق القدرة أو مانع عنه ومجرد المنتضى والمصحح لا يكفي بدون وجود الشرط وعدم المانع أجيب بأنه لا تمايز للممكنات قبل الوجود ليختص البعض بشرائط التعلق وموانعه دون البعض وهذا ضعيف على ما سبق فالأولى التمسك بالنصوص الدالة على شمول قدرته مثل والله على كل شيء قدير ( قال وخالف المجوس ) المنكرون لشمول قدرة الله تعالى طوائف منهم المجوس القائلون بأنه لا يقدر على الشرور حتى خلق الأجسام المؤذية وإنما القادر على ذلك فاعل آخر يسمى عندهم أهرمن لئلا يلزم كون الواحد خيرا وشريرا وقد عرفت ذلك ومنهم النظام وأتباعه القائلون بأنه لا يقدر على خلق الجهل والكذب والظلم وسائر القبائح إذ لو كان خلقها مقدورا له لجاز صدوره عنه واللازم باطل لإفضائه إلى السفه إن كان عالما بقبح ذلك وباستغنائه عنه وإلى الجهل إن لم يكن عالما والجواب لا نسلم قبح شيء بالنسبة إليه تعالى كيف وهو تصرف في ملكه ولو سلم فالقدرة عليه لا تنافي امتناع صدوره عنه نظرا إلى وجود الصارف وعدم الداعي وإن كان ممكنا في نفسه ومنهم عباد وأتباعه القائلون بأنه ليس بقادر على ما علم أنه لا يقع لاستحالة وقوعه قال في المحصل وكذا ما علم أنه يقع لوجوبه والجواب أن مثل هذه الاستحالة والوجوب لا تنافي المقدورية ومنهم أبو القاسم البلخي المعروف بالكعبي وأتباعه القائلون بأنه لا يقدر على مثل مقدور العبد حتى لو حرك جوهر إلى حيز وحركه العبد إلى ذلك الحيز لم تتماثل الحركتان وذلك لأن فعل العبد إما عبث أو سفه أو تواضع بخلاف فعل الرب وفي عبارة المحصل بدل التواضع الطاعة وعبارة المواقف إما طاعة أو معصية أوسفه ليست على ما ينبغي لأن السفه وإن جاز أن يجعل شاملا للعبث فلا خفاء في شموله المعصية أيضا والجواب منع الحصر ككثير من المصالح الدنيوية فإن قيل المشتمل على المصلحة المحضة أو الراجحة طاعة وتواضع قلنا ممنوع بل إذا كان فيه امتثال وتعظيم للغير ولهذا لا يتصف به فعل الرب وإن اشتمل على المصلحة ولو سلم الحصر فالمقدور في نفسه حركات وسكنات وتلحقه هذه الأحوال والاعتبارات بحسب قصد العبد وداعيته ولست من لوازم الماهية فانتفاؤها لا يمنع التماثل ومنهم الجبائي وأتباعه القائلون بأنه لا يقدر على نفس مقدور العبد لأنه لو صح مقدور بين قادرين لصح مخلوق بين خالقين لأنه يجب وقوعه بكل منهما عند تعلق الإرادة لما سبق من وجوب حصول الفعل عند خلوص القدرة والداعي وقد عرفت امتناع اجتماع المؤثرين على أثر واحد والجواب عندنا منع الملازمة بناء على أن قدرة العبد ليست بمؤثرة وسيجيء إن شاء الله ولو سلم فإنما يتم خلوص الداعي والقدرة لو لم يكن تعلق القدرة أو الإرادة للآخر مانعا ولو سلم فيجوز أن يكون واقعا بهما جميعا لا بكل منهما ليلزم المحال وعند أبي الحسين البصري منع بطلان اللازم فإنا إذا فرضنا التصاق جوهر واحد يكفي إنسانين فجذبه أحدهما حال ما دفعه الآخر فإن الحركة الحاصلة فيه مستندة إلى كل منهما وفيه نظر قال وأما شمول قدرته ما مر من الاختلاف كان في شمول قدرة الله تعالى بمعنى كونه قادرا على كل ممكن سواء تعلق به الإرادة والقدرة فوجد أم لا فلم يوجد أصلا أو وجد بقدرة مخلوق وعلى هذا لا يتأتى اختلافات الفلاسفة ومن يجري مجراهم ممن لا يقول بكونه قادرا مختارا وقد يفسر شمول قدرته بأن كل ما يوجد من الممكنات فهو معلول له بالذات أو بالواسطة وهذا مما لا نزاع فيه لأحد من القائلين بوحدة الواجب تعالى وإنما الخلاف في كيفية الاستناد ووجود الوسائط وتفاصيلها وأن كل ممكن إلى أي ممكن يستند حتى ينتهي إلى الواجب وقد يفسر شمول قدرته بأن ما سوى الذات والصفات من الموجودات واقع بقدرته وإرادته ابتداء بحيث لا مؤثرا سواه وهذا مذهب أهل الحق من المتكلمين وقليل ما هم وتمسكوا بوجوه
الأول النصوص الدالة إجمالا على أنه خالق الكل لا خالق سواه وتفصيلا على أنه خالق السموات والأرض والظلمات والنور والموت والحياة وغير ذلك من الجواهر والأعراض الثاني دليل التوارد وهو أنه لو وقع شيء بقدرة الغير وقد عرفت أنه مقدور لله تعالى أيضا فلو فرضنا تعلق الإرادتين به معا فوقوعه إما بإحدى القدرتين فيلزم الترجح بلا مرجح وإما بهما فيلزم توارد العلتين المستقلتين على معلول واحد لأن التقديران كلا منهما مستقل بالإيجاد فلا يجوز أن تكون العلة هي المجموع وهذا بخلاف حركة الجوهر الملتصق يكفي جاذب ودافع فإنه لا دليل على استقلال كل منهما بإيجاد تلك الحركة على الوجه المخصوص نعم يرد عليه أن قدرة الله تعالى أكمل فيقع بها وتضمحل قدرة العبد الثالث دليل التمانع وهو أنه لو وقع شيء بإيجاد الغير وفرضنا تعلق قدرة الله تعالى وإرادته بضد ذلك الشيء في حال إيجاد الغير ذلك الشيء كحركة جسم وسكونه في زمان بعينه فإن وقع الأمر إن جميعا لزم اجتماع الضدين وإن لم يقع شيء منهما لزم عجز الباري تعالى وتخلف المعلول عن تمام العلة وخلو الجسم عن الحركة والسكون وإن وقع أحدهما لزم الترجح بلا مرجح وفيه ما قد عرفت لا يقال معنى كون قدرته أكمل أنها أشمل أي أكثر إيجادا ولا أثر لهذا التفاوت في المقدور المخصوص بل نسبة القدرتين إليه على السواء لأنا نقول بل معناه أنها أقوى وأشد تأثيرا فيترجح على قدرة العبد ويظهر أثرها ( قال وخالفت الفلاسفة ) القول بأنه لا مؤثر في الوجود سوى الله تعالى مذهب البعض من أهل السنة كالأشاعرة ومن يجري مجراهم وخالف فيه أكثر الفرق من المليين وغيرهم فذهبت الفلاسفة إلى أن الصادر عنه بلا واسطة هو العقل الأول وهو مصدر لعقل ونفس وفلك وهكذا يترتب المعلولات مستندا بعضها إلى البعض فالفاعل للأفلاك عقول ولحركاتها نفوس وللحوادث بعض هذه المبادي أو الصور أو القوى بتوسط الحركات ولأفعال المعدنيات صورها النوعية ولأفعال النبات والحيوان نفوسها وبالجملة فأكثر الممكنات عندهم مؤثرات وذهب الصائبون والمنجمون إلى أن كل ما يقع في عالم الكون والفساد من الحوادث والتغيرات مستندة إلى الأفلاك والكواكب بما لها من الأوضاع والحركات والأحوال والاتصالات وغاية متمسكهم في ذلك هو الدوران أعني ترتب هذه الحوادث على هذه الأحوال وجودا وعدما وهو لا يفيد القطع بالعلية لجواز أن تكون شروطا أو معلولات مقارنة أو نحو ذلك كيف وكثيرا ما يظهر التحلف بطريق المعجزات والكرامات كيف ومبنى علومهم على بساطة الأفلاك والكواكب وانتظام حركاتها على نهج واحد وهو ينافي ما ذهبوا إليه من اختلاف أحوال البروج والدرجات وانتسابها إلى الكواكب وغير ذلك من التفاصيل والاختصاصات وبالنظر إلى الدوران زعم الطبيعيون أن حوادث هذا العالم مستندة إلى امتزاج العناصر والقوى والكيفيات الحاصلة بذلك ثم الظاهر أن ما نسب إلى المنجمين والطبيعيون هو مذهب الفلاسفة إلا أنه لما لم يعرف مذهب الفريقين في مبادي الأفلاك والعناصر وإثبات العقول والنفوس وكون الباري موجبا أو مختارا جعل كل منهما فرقة من المخالفين وأما من المسلمين فالمعتزلة أسندوا الشرور والقبائح إلى الشيطان وهو قريب من مذهب القائلين بالنور أو الظلمة وأسندوا الأفعال الاختيارية للإنسان وغيره من الحيوانات إليهم وهو مسألة خلق الأعمال وسيئاتي فإن قيل الفلاسفة والمعتزلة لا يقولون بالقدرة فلا معنى لعدهم من المخالفين في شمولها قلنا المراد بالقدرة ههنا القادرية أي كونه قادرا ولا خلاف للمعتزلة في ذلك وكذا للفلاسفة لكن بمعنى لاينا في الإيجاب على ما قيل إن القادر هو الذي يصح أن يصدر عنه الفعل وأن لا يصدر وهذه الصحة هي القدرة وإنما يترجح أحد الطرفين على الآخر بانضياف وجود الإرادة أو عدمها إلى القدرة وعند اجتماعها يجب حصول الفعل وإرادة الله تعالى علم خاص وعلمه وقدرته أزليان غير زائدين على الذات فلهذا كان العالم قديما والصانع موجبا بالذات والحق أن هذا قول بالقدرة والإرادة لفظا لا معنى قال المبحث الثالث في أنه عالم اتفق عليه جمهور العقلاء والمشهور من استدلال المتكلمين وجهان
الأول أنه فاعل فعلا محكما متقنا وكل من كان كذلك فهو عالم أما الكبرى فبالضرورة وينبه عليه أن من رأى خطوطا مليحة أو سمع ألفاظا فصيحة تنبئ عن معان دقيقة وأغراض صحيحة علم قطعا أن فاعلها عالم وأما الصغرى فلما ثبت من أنه خالق للأفلاك والعناصر ولما فيها من الأعراض والجواهر وأنواع المعادن والنبات وأصناف الحيوانات على اتساق وانتظام وإتقان وإحكام تحار فيه العقول والأفهام ولا تفي بتفاصيلها الدفاتر والأقلام على ما يشهد بذلك علم الهيئة وعلم التشريح وعلم الآثار العلوية والسفلية وعلم الحيوان والنبات مع أن الإنسان لم يؤت من العلم إلا قليلا ولم يجد إلى الكنه سبيلا فكيف إذا رقي إلى عالم الروحانيات من الأرضيات والسمويات وإلى ما يقول به الحكماء من المجردات إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون فإن قيل إن اريد الانتظام والأحكام من كل وجه بمعنى أن هذه الآثار مرتبة ترتيبا لا خلل فيه أصلا وملائمة للمنافع والمصالح المطلوبة منها بحيث لا يتصور ما هو أوفق منه وأصلح فظاهر أنها ليست كذلك بل الدنيا طافحة بالشرور والآفات وإن أريد في الجملة ومن بعض الوجوه محل آثار المؤثرات من غير العقلاء بل كلها كذلك وأيضا قد أسند جمع من العقلاء الحكماء عجائب خلقة الحيوان وتكون تفاصيل الأعضاء إلى قوة عديمة الشعور سموها المصورة فكيف يصح دعوى كون الكبرى ضرورية قلنا المراد اشتمال الأفعال والآثار على لطائف الصنع وبدائع الترتيب وحسن الملائمة للمنافع والمطابقة للمصالح على وجه الكمال وإن اشتمل بالفرض على نوع من الخلل وجاز أن يكون فوقه ما هو أكمل والحكم بأن مثل ذلك لم يصدر إلا عن العالم ضروري سيما إذا تكرر وتكثر وخفاء الضروري على بعض العقلاء جائز وما يقال لم لا يكفي الظن مدفوع بالتكرر والتكثر وبأنه يكفي في إثبات غرضنا التصور الثاني أنه قادر أي فاعل بالقصد والاختيار لما مر ولا يتصور ذلك إلا مع العلم بالمقصود فإن قيل قد يصدر عن الحيوانات العجم بالقصد والاختيار أفعال متقنة محكمة في ترتيب مساكنها وتدبير معايشها كما للنحل والعنكبوت وكثير من الوحوش والطيور على ما هو في كتب مسطور وفيما بين الناس مشهور مع أنها ليست من أولى العلم قلنا لو سلم أن موجد هذه الآثار هو هذه الحيوانات فلم لا يجوز أن يكون فيها من العلم قدر ما يهتدي إلى ذلك يخلقها الله تعالى عالمة بذلك أو يلهمها هذا العلم حين ذلك الفعل ثم المحققون من المتكلمين على أن طريقة القدرة والاختيار أوكد وأوثق من طريقة الإتقان والأحكام لأن عليها سؤالا صعبا وهو أنه لم لا يجوز أن يوجد الباري موجودا تستند إليه تلك الأفعال المتقنة المحكمة ويكون له العلم والقدرة ودفعه بأن إيجاد مثل ذلك الموجود وإيجاد العلم والقدرة يكون أيضا فعلا محكما بل أحكم فيكون فاعله عالما لا يتم إلا ببيان أنه قادر مختار إذ الإيجاب بالذات من غير قصد لا يدل على العلم فيرجع طريق الإتقان إلى طريق القدرة مع أنه كاف في إثبات المطلوب وقد يتمسك في كونه عالما بالأدلة السمعية من الكتاب والسنة والإجماع ويرد عليه أن التصديق بإرسال الرسل وإنزال الكتب يتوقف على التصديق بالعلم والقدرة فيدور وربما يجاب بمنع التوقف فإنه إذا ثبت صدق الرسل بالمعجزات حصل العلم بكل ما أخبروا به وإن لم يخطر بالبال كون المرسل عالما والظاهر أن هذا مكابرة نعم يتجه ذلك في صفة الكلام على ما صرح به الإمام قال وعند الفلاسفة ورد من استدلالهم على علم الباري وجهان
الأول أنه مجرد أي ليس بجسم ولا جسماني لما مر وكل مجرد عاقل أي عالم بالكليات لما وقعت الإشارة إليه في مباحث المجردات من أن التجرد يستلزم التعقل وبيانه أن التجرد يستلزم إمكان المعقولية لأن المجرد بريء عن الشوائب المادية واللواحق الغريبة وكل ما هو كذلك لا يحتاج إلى عمل يعمل به حتى يصير معقولا فإن لم يعقل كان ذلك من جهة القوة العاقلة لا من جهته وإمكان المعقولية يستلزم إمكان المصاحبة بينه وبين العاقل إياه وهذا الإمكان لا يتوقف على حصول المجرد في جوهر العاقل لأن حصوله فيه نفس المصاحبة فيتوقف إمكان المصاحبة على حصول المجرد فيه توقف إمكان الشيء على وجوده المتأخر عنه وهو محال فإذن المجرد سواء وجد في العقل أو في الخارج يلزمه إمكان مصاحبة المعقول ولا معنى للتعقل إلا المصاحبة فإذن كل مجرد يصح أن يعقل غيره وكل ما يصح للمجرد وجب أن يكون بالفعل لبراءته عن أن يحدث فيه ما هو بالقوة لأن ذلك شأن الماديات ولا خفاء في ضعف بعض هذه المقدمات وفي أنه لو صح أن مصاحبة المجرد للمعقولات في الوجود تعقل لها لكفى ذلك في إثبات المطلوب من غير احتياج إلى سائر المقدمات الثاني أنه عالم بذاته لأنه لا معنى لتعقل المجرد ذاته سوى حضور ذاته عند ذاته بمعنى عدم غيبته عنه لاستحالة حصول المثال لكونه اجتماعا للمثلين وهذا القدر وإن كان مبنيا على أصولهم كاف في إثبات كونه عالما في الجملة إلا أنهم حاولوا إثبات علمه بما سواه فقالوا هو عالم بذاته الذي هو مبدأ الممكنات لما ذكرنا والعالم بالمبدأ أعني العلة عالم بذي المبدأ أعني المعلول لأن العلم بالشيء يستلزم العلم بلوازمه والعلية وهي لا تعقل بدون المعلول بل المعلول نفسه وما يتبعه من المعلولات كلها من لوازم الذات واعترض بأن لازم الذات وإن كان بلا وسط في الثبوت لا يجب أن يكون لازما بينا يلزم من تعقل الذات تعقله كتساوي الزوايا الثلاث للقائمتين للمثلث ولو وجب ذلك لزم من العلم بالشيء العلم بجميع لوازمه القريبة والبعيدة لاستمرار الاندفاع من لازم إلى لازم وأجيب بأن الكلام في العلم التام أعني العلم بالشيء بما له في نفسه ولا شك أن علم الباري بذاته كذلك قال وقيل لا يعلم ذاته القائلون بأنه ليس بعالم أصلا تمسكوا بوجهين أحدهما أنه لا يصح علمه بذاته ولا بغيره أما الأول فلأن العلم إضافة أو صفة ذات إضافة وأيا ما كان يقتضي إثنينية وتغايرا بين العالم والمعلوم فلا يعقل في الواحد الحقيقي وأما الثاني فلأنه يوجب كثرة في الذات الأحدي من كل وجه لأن العلم بأحد المعلومين غير العلم بالآخر للقطع بجواز العلم بهذا مع الذهول عن الآخر ولأن العلم صورة مساوية للمعلوم مرتسمة في العالم أو نفس الارتسام ولا خفاء في أن صور الأشياء المختلفة مختلفة فيلزم بحسب كثرة المعلومات كثرة الصور في الذات
وثانيهما أن العلم مغاير للذات لما سبق من الأدلة فيكون ممكنا معلوما له ضرورة امتناع احتياج الواجب في صفاته وكمالاته إلى الغير فيلزم كون الشيء قابلا وفاعلا وهو محال وأجيب عن الوجه الأول أولا بعد تسليم لزوم التغاير على تقدير كون العلم صفة ذات إضافة بأن تغاير الاعتبار كاف كما في علمنا بأنفسنا على ما سبق في بحث العلم لا يقال التغاير الاعتباري إنما هو بالعالمية والمعلومية وهو فرع حصول العلم فلو توقف حصول العلم على التغاير لزم الدور وإنما يرد النقض بعلمنا بأنفسنا لو كانت النفس واحدة من كل وجه كالواجب وهو ممنوع فيجوز كونها عالمة من وجه معلومة من وجه لأنا نقول إنما يلزم الدور لو كان توقف العلم على التغاير توقف سبق واحتياج وهو ممنوع بل غايته أنه لا ينفك عن العلم كما لا ينفك المعلول عن علته والمراد بالنقض أن النفس تعلم ذاته التي هي عالمة لا أن يكون العالم شيئا والمعلوم شيئا آخر وثانيا بأن علمه ليس إلا تعلقا بالمعلوم من غير ارتسام صورة في الذات فلا كثرة إلا في التعلقات والإضافات وتحقيقه على ما ذكر بعض المتأخرين أن حصول الأشياء له حصول للفاعل وذلك بالوجوب وحصول الصور المعقولة لنا حصول للقابل وذلك بالإمكان ومع ذلك فلا تستدعي صورا مغايرة لها فإنك تعقل شيئأ بصورة تتصورها أو تستحضرها فهي صادرة عنك بمشاركة ما من غيرك وهو الشيء الخارجي ومع ذلك فإنك لا تعقل تلك الصورة بغيرها بل كما تعقل ذلك الشيء بها كذلك تعقلها أيضا بنفسها من غير أن تتضاعف الصور فيك وإذا كان حالك مع ما يصدر عنك بمشاركة غيرك بهذه الحال فما ظنك بحال من يعقل ما يصدر عنه لذاته من غير مداخلة الغير فيه ثم ليس كونك محلا لتلك الصورة شرطا في التعقل بدليل أنك تعقل ذاتك بدون ذلك بل المعتبر حصول الصورة لك حالة كانت أو غير حالة والمعلولات الذاتية للعاقل الفاعل لذاته حاصلة له من غير حلول فيه فهو عاقل إياها من غير أن تكون حالة فيه على أن كثرة الصفات في الذات لا يمتنع عندنا بل عند الفلاسفة وأتباعهم وأجيب عن الثاني بمنع استحالة كون الواحد قابلا وفاعلا قال خاتمة علم الله تعالى غير متناه بمعنى أنه لا ينقطع ولا يصير بحيث لا يتعلق بالمعلوم ومحيط بما هو غير متناه كالأعداد والأشكال ونعيم الجنان وشامل لجميع الموجودات والمعدومات الممكنة والممتنعة وجميع الكليات والجزئيات أما سمعا فلمثل قوله تعالى والله بكل شيء عليم عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور يعلم ما تسرون وما تعلنون إلى غير ذلك وأما عقلا فلأن المقتضي للعالمية هو الذات إما بواسطة المعنى أعني العلم على ما هو رأي الصفاتية أو بدونها على ما هو رأي الثقاة وللمعلومية إمكانها ونسبة الذات إلى الكل على السوية فلو اختصت عالميته بالبعض دون البعض لكان لمخصص وهو محال لامتناع احتياج الواجب في صفاته وكمالاته لمنافاته الوجوب والغنى المطلق والمخالفون في شمول علمه منهم من قال يمتنع علمه بعلمه وإلا لزم اتصافه بما لا يتناهى عدده من العلوم وهو محال لأن كل ما هو موجود بالفعل فهو متناه على ما مر مرارا وجه اللزوم أنه لو كان جائزا لكان حاصلا بالفعل لأنه مقتضى ذاته ولأن الخلو عن العلم الجائز عليه جهل ونقص ولأنه لا يتصف بالحوادث وينقل الكلام إلى العلم بهذا العلم وهكذا إلى ما لا يتناهى لا يقال علمه ذاته ولو سلم فالعلم بالعلم نفس العلم لأنا نقول أما امتناع كون العلم نفس الذات فقد سبق وأما امتناع كون العلم بالعلم نفس العلم فلأن الصورة المساوية لأحد المتغايرين تغاير الصورة المساوية للمغاير الآخر ولأن التعلق بهذا يغاير التعلق بذاك والجواب أن العلم صفة واحدة لها تعلقات هي اعتبارات عقلية لا موجودات عينية ليلزم المحال ولا يلزم من كونه اعتبارا عقليا أن لا تكون الذات عالما والشيء معلوما في الواقع لما عرفت من أن انتفاء مبدأ المحمول لا يوجب انتفاء الحمل على أن مغايرة العلم بالشيء للعلم بالعلم إنما هي بحسب الاعتبار فلا يلزم كثرة الأعيان الخارجية فضلا عن لاتناهيها وبهذا يندفع الاستدلال بهذا الإشكال على نفي علمه بذاته بل بشيء من المعلومات وأجاب الإمام بأن هذه أمور غير متناهية لا آخر لها والبرهان إنما قام على مالا أول لها ومنهم من قال لا يجوز علمه بما لا يتناهى أما أولا فلأن كل معلوم يجب كونه ممتازا وهو ظاهر ولا شيء من غير المتناهي بممتاز لأن المتميز عن الشيء منفصل عنه محدود بالضرورة وأما ثانيا فلأنه يلزم صفات غير متناهية هي العلوم لما عرفت من تعدد العلوم بتعدد المعلومات والجواب عن الأول أنا لانم أن كل متميز عن غيره يجب أن يكون متناهيا وأن انفصاله عن الغير يقتضي ذلك كيف ولا معنى للانفصال عن الغير إلا مغايرته له وعن الثاني ما سبق وأجاب الإمام عن الأول بأن المتميز كل واحد منها وهو متناه واعترض بأنه إذا كان غير المتناهي معلوما يجب أن يكون متميزا ولا يفيده تميز كل فرد والجواب أنه لا معنى للعلم بغير المتناهي إلا العلم بآحاده وبهذا يندفع الإشكال على معلومية الكل أي جميع الموجودات والمعدومات بأنه لا شيء بعد الجميع يعقل تميزه عنه وقد يجاب بأن تميز المعلوم إنما هو عند ملاحظة الغير والشعور به فحيث لا غير لا يلزم التميز ولو سلم فيكفي التميز عن الغير الذي هو كل واحد من الآحاد ومنهم من قال يمتنع علمه بالمعدوم لأن كل معلوم متميز ولا شيء من المعلوم بمتميز والجواب منع الصغرى أما إن أريد التميز بحسب الخارج والكبرى إن أريد بحسب الذهن ومن المخالفين من لم يجوز علمه بذاته ومنهم من لم يجوز علمه بغيره تمسكا بالشبهة المذكورة لنفي العلم مطلقا قال والفلاسفة في العلم بالجزئيات المشهور من مذهبهم أنه يمتنع علمه بالجزئيات على وجه كونها جزئيات أي من حيث كونها زمانية يلحقها التغير لأن تغير المعلوم يستلزم تغير العلم وهو على الله محال في ذاته وصفاته وأما من حيث أنها غير متعلقة بزمان فتعقلها تعقل بوجه كلي لا يلحقه التغير فالله يعلم جميع الحوادث الجزئية وأزمنتها الواقعة هي فيها لا من حيث أن بعضها واقع الآن وبعضها في الزمان الماضي وبعضها في الزمان المستقبل ليلزم تغيره بحسب تغير الماضي والحال والمستقبل بل علما ثابتا أبدا لدهر غير داخل تحت الأزمنة مثلا يعلم أن القمر يتحرك كل يوم كذا درجة والشمس كذا درجة فيعلم أنه يحصل لهما مقابلة يوم كذا وينخسف القمر في أول الحمل مثلا وهذا العلم ثابت له حال المقابلة وقبلها أو بعدها ليس في علمه كان وكائن ويكون بل هي حاضرة عنده في أوقاتها أزلا وأبدا وإنما التعلق بالأزمنة في علومنا والحاصل أن تعلق العلم بالشيء الزماني المتغير لا يلزم أن يكون زمانيا ليلزم تغيره وقال الإمام أن اللائق بأصولهم أن الجزئي إن كان متغيرا أو متشكلا يمتنع أن يتعلق به علم الواجب لما يلزم في الأول من تغير العلم وفي الثاني من الافتقار إلى الآلة الجسمانية وذلك كالأجرام الفلكية فإنها متشكلة وإن لم تكن متغيرة في ذواتها وكالصور والأعراض فإنها متغيرة وكالأجرام الكائنة الفاسدة فإنها متغيرة ومتشكلة وأما ما ليس بمتغير ولا متشكل كذات الواجب وذوات المجردات فلا يستحيل بل يجب العلم به على ما يقرره الحكماء من أنه عالم بذاته الذي هو مبدأ للعقل الأول بالذات ولا شك أن كلا منهما جزئي والعمدة في احتجاج الفلاسفة أنه لو علم أن زيدا يدخل الدار غدا فإذا دخل زيد الدار في الغد فإن بقي العلم بحاله بمعنى أنه يعلم أن زيدا يدخل غدا فهو جهل لكونه غير مطابق للواقع وإن زال وحصل العلم بأنه دخل لزم تغير العلم الأول من الوجود إلى العدم والثاني من العدم إلى الوجود وهذا على القديم محال لا يقال كما أن الإعتقاد الغير المطابق جهل فكذا الخلو عن الإعتقاد المطابق بما هو واقع لأنا نقول لو سلم فإذا لم يعلمه على وجه كلي والجواب أن من الجزئيات مالا يتغير كذات الباري وصفاته الحقيقية عند من يثبتها وكذوات العقول فلا يتناولها الدليل وتخصيص الحكم بالبعض على ما يشير إليه كلام الإمام إنما يصح في القواعد الشرعية دون العقلية ولما أمكن التفصي عن هذا بأنه يجوز أن يكون المدعي العام وهو أنه لا يعلم شيئا من المتغيرات أو إن بينوا الامتناع في الجزئيات المتغيرة بهذا الدليل وفي غير المتغيرة بدليل آخر أو أن يقصدوا إبطال كلام الخصم وهو أنه عالم بجميع الجزئيات على وجه الجزئية اقتصر الجمهور في الجواب على منع الملازمة مستندا بأن العلم إما إضافة أو صفة ذات إضافة وتغير الإضافة لا يوجب تغير المضاف كالقديم يتصف بأنه قبل الحادث إذا لم يوجد الحادث ومعه إذا وجد وبعده إذا فني من غير تغير في ذات القديم فعلى تقدير كون العلم إضافة لا يلزم من تغير المعلوم إلا تغير العلم دون الذات وعلى تقدير كونه صفة ذات إضافة لا يلزم تغير العلم فضلا عن الذات وأجاب كثير من المعتزلة وأهل السنة بأن علم الله تعالى بأن الشيء سيحدث هو نفس علمه بأنه حدث للقطع بأن من علم أن زيدا يدخل الدار غدا واستمر على هذا العلم إلى مضي الغد علم بهذا العلم أنه دخل الدار من غير افتقار إلى علم مستأنف فعلى هذا لا تغير في العالمية التي تثبتها المعتزلة والعلم الذي تثبته الصفاتية وهذا بخلاف علم المخلوق فإنه لا يستمر ومرجع هذا الجواب إلى ما سبق من كون العلم أو العالمية غير الإضافة إذ لا شبهة في تغير الإضافة بتغير المضاف إليه ولهذا أوضحوا هذا المدعى بأن العلم لو تغير بتغيرالمعلوم لتكثر بتكثرة ضرورة فيلزم كثرة الصفات بل لاتناهيها بحسب لاتناهي المعلومات وبأن العلم صفة تتجلى بها المعلومات بمنزلة مرآة تنكشف بها الصور فلا يتغير بتغير المعلوم كما لا تتغير المرآة بتغير الصورة وبأنه صفة تعرض لها إضافات وتعلقات بمنزلة إنسان جلس زيد عن يساره ثم قام فجلس عن يمينه فإنه يصير متيامنا لزيد بعدما كان متياسرا له من غير تغير فيه أصلا فظاهر أن هذا لا يتم على القول بكون العلم تعلقا بين العالم والمعلوم على ما يراه جمهور المعتزلة فلهذا رده أبو الحسين البصري بوجوه
أحدها القطع بأن من علم أن زيدا يدخل البلد غدا وجلس مستمرا على هذا الإعتقاد إلى الغد في بيت مظلم بحيث لم يعلم دخول الغد فإنه لا يصير عالما بدخول زيد ولو كان العلم بأنه سيدخل نفس العلم بأنه دخل لوجب أن يحصل هذا العلم في هذه الصورة فإذا لم يحصل لم يكن بل الحق أن العلم بأنه دخل علم ثالث متولد من العلم بأنه سيدخل غدا ومن العلم بوجود الغد وثانيها أن متعلق العلم الأول أنه سيدخل وشرطه عدم الدخول ومتعلق العلم الثاني أنه دخل وشرطه تحقق الدخول فلا خفاء في أن الإضافة إلى أحد المختلفين أو الصورة المطابقة له تغاير الإضافة إلى الآخر أو الصورة المطابقة له وكذا المشروط بأحد المتنافيين يغاير المشروط بالآخر
وثالثها أن كلا من العلمين قد يحصل بدون الآخر كما إذا علم أن زيدا سيقدم البتة لكن عند قدومه لم يعلم أنه قدم وكما إذا علم أنه قدم من غير سابقة علم أنه سيقدم والحق أن العلمين متغايران وأن التغاير في الإضافة أو العالمية لا يقدح في قدم الذات ومن المعتزلة من سلم تغاير العلمين ومنع تغيرهما وقال تعلق عالمية الباري بعدم دخول زيد يوم الجمعة وبدخوله يوم السبت تعلقان مختلفان أزليان لا يتغيران أصلا فإنه في يوم الجمعة يعلم دخوله في السبت وفي السبت يعلم عدم دخوله في الجمعة غاية الأمر أنه يمكن التعبير عن العدم في الحال والوجود في الاستقبال بسيوجد وبعد الوجود لا يمكن وهذا تفاوت وضعي لا يقدح في الحقائق وكذا عالميته بعدم العالم في الأزل لا يتغير بوجود العالم فيما لا يزال فإن قيل الكلام في العلم التصديقي ولا خفاء في أن تعلق عالميته لهذه النسبة وهو أنه يحصل له الدخول يوم السبت وللعالم الوجود فيما لا يزال ولو بقي يوم السبت وفيما لا يزال كان جهلا لانتفاء متعلقه الذي هو النسبة الاستقبالية أجيب بالمنع فإن ذلك التعلق حال عدمه بأنه سيوجد وهذه النسبة بحالها وإنما الجهل هو أن يحصل التعلق حال وجوده بأنه سيوجد وهو غير التعلق الثاني والحاصل أن التعلق بالعدم في حالة معينة والوجود في حالة أخرى باق أزلا وأبدا لا ينقلب جهلا أصلا فقد علم الباري تعالى في الأزل عدم العالم في الأزل ووجوده فيما لا يزال وفناءه بعد ذلك ويوم القيامة ايضا بعلمه كذلك من غير تغير أصلا وهذا الكلام يدفع اعتراض الإمام بأن الباري تعالى إذا أوجد العالم وعلم أنه موجود في الحال فإما أن يبقى علمه في الأزل بأنه معدوم في الحال فيلزم الجهل والجمع بين الاعتقادين المتنافيين وإما أن يزول فيلزم زوال القديم وقد تقرر أن ما ثبت قدمه امتنع عدمه ( قال والتزم ) يعني ذهب أبو الحسين إلى أن علم الباري الجزئيات يتغير بتغيرها ويحدث بعد وقوعها ولا يقدح ذلك في قدم الذات كما هو مذهب جهم بن صفوان وهشام بن الحكم من القدماء وهو أنه في الأزل إنما يعلم الماهيات والحقائق وأما التصديقات أعني الأحكام بأن هذا قد وجد وذاك قد عدم فإنما يحدث فيما لا يزال وكذا تصور الجزئيات الحادثة وبالجملة فذاته توجب العلم بالشيء بشرط وجوده فلا يحصل قبل وجوده ولا يبقى بعد فنائه ولا امتناع في اتصاف الذات بعلوم حادثة هي تعلقات وإضافات ولا في حدوثها مع كونها مستندة إلى القديم بطريق الإيجاب دون الاختيار لكونها مشروطة بشروط حادثة وأما اعتراض الإمام بأن كل صفة تعرض للواجب فذات الواجب إما أن تكفي في ثبوتها أو انتفائها فيلزم دوام ثبوتها أو انتفائها بدوام الذات من غير تغير وإما أن لا تكفي فيتوقف ثبوتها أو انتفاؤها على أمر منفصل والذات لا تنفك عن ثبوت تلك الصفة وانتفائها الموقوف على ذلك الأمر فيلزم توقف الذات عليه لأن الموقوف على الموقوف على الشيء موقوف على ذلك الشيء فيلزم إمكان الواجب لأن الموقوف على الممكن أولى بأن يكون ممكنا ففي غاية الضعف لأن مالا ينفك عن الشيء لا يلزم أن يكون متوقفا عليه كما في وجود زيد مع وجود عمرو أو عدمه إلى غير ذلك مما لا يحصى وقد يستدل على علمه بالجزئيات بأن الخلو عنه جهل ونقص وبأن كل أحد من المطيع والعاصي يلجأ إليه في كشف الملمات ودفع البليات ولولا أنه مما لا تشهد به فطرة جميع العقلاء لما كان كذلك وبأن الجزئيات مستندة إلى الله تعالى ابتداء أو بواسطة وقد اتفق الحكماء على أنه عالم بذاته وأن العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول قال المبحث الرابع اتفق المتكلمون والحكماء وجميع الفرق على إطلاق القول بأنه مريد وشاع ذلك في كلام الله تعالى وكلام الأنبياء عليهم السلام ودل عليه ما ثبت من كونه تعالى فاعلا بالاختيار لأن معناه القصد والإرادة مع ملاحظة ما للطرف الآخر فكان المختار ينظر إلى الطرفين ويميل إلى أحدهما والمريد ينظر إلى الطرف الذي يريده لكن أكثر الخلاف في معنى إرادته فعندنا صفة قديمة زائدة على الذات قائمة به على ما هو شأن سائر الصفات الحقيقية وعند الجبائية صفة زائدة قائمة لا بمحل وعند الكرامية صفة حادثة قائمة بالذات وعند ضرار نفس الذات وعند النجار صفة سلبية هي كون الفاعل ليس بمكره ولا ساه وعند الفلاسفة العلم بالنظام الأكمل وعند الكعبي إرادته لفعله تعالى العلم به ولفعل غيره الأمر به وعند المحققين من المعتزلة هي العلم بما في الفعل من المصلحة تمسك أصحابنا بأن تخصيص بعض الأضداد بالوقوع دون البعض وفي بعض الأوقات دون البعض مع استواء نسبة الذات إلى الكل لا بد أن يكون لصفة شأنها التخصيص لامتناع التخصيص بلا مخصص وامتناع احتياج الواجب في فاعليته إلى أمر منفصل وتلك الصفة هي المسماة بالإرادة وهو معنى واضح عند العقل مغاير للعلم والقدرة وسائر الصفات شأنه التخصيص والترجيح لأحد طرفي المقدور من الفعل والترك على الآخر وينبه على مغايرتها للقدرة أن نسبة القدرة إلى الطرفين على السواء بخلافها وللعلم أن مطلق العلم نسبته إلى الكل على السواء والعلم بما فيه من المصلحة أو بأنه سيوجد في وقت كذا سابق على الإرادة والعلم بوقوعه تابع للوقوع المتأخر عنها وفيه نظر إذ قد لا يسلم الخصم سبق العلم بأنه يوجده في وقت كذا على إرادته ذلك ولا تأخر علمه بوقوعه حالا عن إرادته الوقوع حالا وما يقال أن العلم تابع للوقوع فمعناه أنه يعلم الشيء كما يقع وأن المعلوم هو الأصل في التطابق لأنه مثال وصورة له لا بمعنى تأخره عنه في الخارج البتة والحق أن مغايرة الحالة التي تسميها بالإرادة للعلم والقدرة وسائر الصفات ضرورية ثم قد تبين قدمها وزيادتها على الذات بمثل ما مر في العلم والقدرة وقد يورد ههنا إشكالات
الأول أن نسبة الإرادة أيضا إلى الفعل والترك وإلى جميع الأوقات على السواء إذ لو لم يجز تعلقها بالطرف الآخر وفي الوقت الآخر لزم نفي القدرة والاختيار وإذا كانت على السواء فتعلقها بالفعل دون الترك وفي هذا الوقت دون غيره يفتقر إلى مرجح ومخصص لامتناع وقوع الممكن بلا مرجح كما ذكرتم ويلزم تسلسل الإرادات والجواب أنها إنما تتعلق بالمراد لذاتها من غير افتقار إلى مرجح آخر لأنها صفة شأنها التخصيص والتترجيح ولو للمساوي بل المرجوح وليس هذا من وجود الممكن بلا موجد وترجحه بلا مرجح في شيء فإن قيل فمع تعلق الإرادة لا يبقى التمكن من الترك وينتفي الاختيار قلنا قد مر غير مرة أن الوجوب بالاختيار محض الاختيار الثاني أن الإرادة لا تبقى بعد الإيجاد ضرورة فيلزم زوال القديم وهو محال والجواب أنها صفة قد تتعلق بالفعل وقد تتعلق بالترك فتخصص بما تعلقت به وترجحه وعند وقوع المراد يزول تعلقها الحادث وبهذا يندفع ما يقال أنها لا تكون بدون المراد فيلزم من قدمها قدم المراد فيلزم قدم العالم على أن قدم المراد لا يوجب قدم العالم لأن معناه أن يريد الله تعالى في الأزل إيجاد العالم وإحداثه في وقته ويشكل بإيجاد الزمان إلا أن يجعل أمرا مقدرا لا تحقق له في الأعيان فإن قيل نحن نردد في الأثر الذي هو المراد كالعالم مثلا بأنه إما لازم للإرادة فيلزم قدمه أو لا فيكون مع الإرادة جائز الوجود والعدم فلا تكون الإرادة مرجحة قلنا هو جائز الوجود والعدم بالنظر إلى نفس الإرادة وإما مع تعلقها بالوجود فالوجود مترجح بل لازم وقد تمنع استحالة زوال القديم وهو مدفوع بما سبق من البرهان والاستناد بأنه يعلم في الأزل أن العالم معدوم سيوجد وبعد الإيجاد لا يبقى ذلك التعلق الأزلي مدفوع بما عرفت في المبحث السابق
الثالث أن متعلق إرادته إما أن يكون أولى فيلزم استكماله بالغير أو لا فيلزم العبث والجواب ما مر في بحث قدرته قال وحدوثها يشير إلى نفي مذاهب المبطلين فمنها قول الكرامية أن إرادة الله تعالى حادثة قائمة بذاته وهو فاسد لما مر من استحالة قيام الحوادث بذات الله تعالى ولأن صدور الحادث عن الواجب لا يكون إلا بالاختيار فيتوقف على الإرادة فيلزم الدور أو التسلسل فإن قيل استناد الصفات إلى الذات إنما هو بطريق الإيجاب دون الاختيار فلم لا يجوز أن يكون البعض منها موقوفا على شرط حادث فيكون حادثا قلنا لما يلزم من تعاقب حوادث لا بداية لها وقد بينا استحالته ولأن تلك الشروط إما صفات للباري فيلزم حدوثه لأن ما لا يخلو عن الحادث حادث أو لا فيلزم افتقاره في صفاته وكمالاته إلى الغير ومنها قول أكثر معتزلة البصرة أن إرادته حادثة قائمة بنفسها لا بمحل وبطلانه ضروري فإن ما يقوم بنفسه لا يكون صفة وهذا أولى من أن يقال أن العرض لا يقوم إلا بمحل للإطباق على أن صفات الباري ليست من قبيل الأعراض وفي كلام بعض المعتزلة أن العرض نفسه ليس بضروري بل استدلالي فكيف حكمه الذي هو استحالة قيامه بنفسه وفساده بين ومنها قول الحكماء أن إرادة الله تعالى ويسمونها العناية بالمخلوقات هو تمثل نظام جميع الموجودات من الأزل إلى الأبد في علمه السابق على هذه الموجودات مع الأوقات المترتبة غير المتناهية التي يجب ويليق أن يقع كل موجود منها في واحد من تلك الأوقات قالوا وهذا هو المقتضي لإفاضة ذلك النظام على ذلك الترتيب والتفصيل إذ لا يجوز أن يكون صدوره عن الواجب وعن العقول المجردة بقصد وإرادة ولا بحسب طبيعة ولا على سبيل الاتفاق والجزاف لأن العلل العالية لا تفعل لغرض في الأمور السافلة فقد صرحوا في إثبات هذه العناية بنفي ما نسميه الإرادة وقد عرفت مرادهم بإحاطة علم الله تعالى بالكل وأنها ليست إلا وجود الكل ومنها قول النجار من المعتزلة أن إرادة الله تعالى كونه غير مكره ولا ساه وقول الكعبي وكثير من معتزلة بغداد أن إرادته لفعله هو علمه به أو كونه غير مكره ولا ساه ولفعل غيره هو الأمر به حتى أن مالا يكون مأمورا به لا يكون مرادا له ولا خفاء في أن هذا موافقة للفلاسفة في نفي كون الواجب تعالى مريدا أي فاعلا على سبيل القصد والاختيار ومخالفة للنصوص الدالة على أن إرادته تتعلق بشيء دون شيء وفي وقت دون وقت وأنه قد أمر العباد بما لم يشأه منهم قال الله تعالى يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا إلى غير ذلك مما لا يحصى ولا فرق بين المشيئة والإرادة إلا عند الكرامية حيث جعلوا المشيئة صفة واحدة أزلية تتناول ما يشاء الله بها من حيث تحدث والإرادة حادثة متعددة بعدد المرادات وأما الاعتراض على قول النجار بأنه يوجب كون الجماد مريدا فليس بشيء لأنه إنما يفسر بذلك إرادة الله تعالى وذهب كثير من المعتزلة إلى أن الإرادة ليست سوى الداعي إلى الفعل وهو اختيار ركن الدين الخوارزمي في الشاهد والغائب جميعا وأبي الحسين البصري في الغائب خاصة قالوا وهو العلم أو الإعتقاد أو الظن باشتمال الفعل أو الترك على المصلحة ولما امتنع في حق الباري تعالى الظن والاعتقاد كان الداعي في حقه تعالى هو العلم بالمصلحة واحتجوا بأن الإرادة فعل المريد قطعا واتفاقا يقال فلان يريد هذا ويكره ذاك ولهذا يمدح بها ويذم ويثاب عليها ويعاقب قال الله تعالى يريد ثواب الدنيا والله يريد الآخرة وقال تعالى منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة فهذا الفعل لو كان غير الداعي لكان للفاعل شعور به ضرورة أن الفاعل هو المؤثر في الشيء بالقصد والاختيار وذلك لا يكون إلا بعد الشعور به لكن اللازم باطل لأنا لا نشعر عند الفعل أو الترك بمرجح سوى الداعي الخالص أو المترجح على الصارف والجواب أنه إن أريد بكونها فعلا للمريد مجرد استنادها إليه كما في قولنا فلان يقدر على كذا ويعجز عن كذا فهذا لا يقتضي كونه أثرا صادرا عنه بالقصد والاختيار ليلزم الشعور به وإن أريد أنه أثر له بطريق القصد والاختيار فممنوع ولا يبعد دعوى الاتفاق على نقيض ذلك كيف ولو كانت كذلك لاحتاجت إلى إرادة أخرى وتسلسلت ثم ترتب الثواب والعقاب على الإرادة إنما هو باعتبار ما يلزمها من الأفعال أو تحصيل الدواعي أو نفي الصوارف أو نحو ذلك مما للقصد فيه مدخل وأما المدح والذم على الشيء فلا يقتضيان كونه فعلا اختياريا وهو ظاهر ثم لا نسلم أنه لا شعور لنا بمرجح سوى الداعي بمعنى اعتقاد المصلحة والمنفعة بل نجد من أنفسنا حالة ميلانية منبعثة عن الداعي أو غير منبعثة هي السبب القريب في الترجيح والتخصيص فدعوى كون الإرادة مغايرة للداعي أجدر بأن يكون ضرورية ثم أورد بطريق المعارضة أن الإرادة لو كانت هي الشعور بما في الفعل أو الترك من المصلحة لما وقع الفعل الاختياري بدونه ضرورة واللازم باطل لأن العطشان يشرب أحد القدحين والهارب يسلك أحد الطريقين من غير شعور بمصلحة راجحة في فعل هذا وترك ذاك عند فرض التساوي في نظر العقل وبالجملة فيكون مسمى لفظ الإرادة مغايرا للشعور بالمصلحة في الفعل أو الترك مما لا ينبغي أن يخفى على العاقل العارف بالمعاني والأوضاع نعم لو ادعي في حق الباري تعالى انتفاء مثل هذه الحالة الميلانية والاقتصار على العلم بالمصلحة فذلك بحث آخر ( قال خاتمة ) مذهب أهل الحق أن كل ما أراد الله تعالى فهو كائن وأن كل كائن فهو مراد له وإن لم يكن مرضيا ولا مأمورا به بل منهيا وهذا ما اشتهر من السلف أن ما شاء الله كان ومالم يشأ لم يكن وخالفت المعتزلة في الأصلين ذهابا إلى أنه يريد من الكفار والعصاة الإيمان والطاعة ولا يقع مراده ويقع منهم الكفر والمعاصي ولا يريدها وكذا جميع ما يقع في العالم من الشرور والقبائح وأخرنا الكلام في ذلك إلى بحث الأفعال لما له من زيادة التعلق بمسألة خلق الأعمال ( قال المبحث الخامس ) قد علم بالضرورة من الدين وثبت في الكتاب والسنة بحيث لا يمكن إنكاره ولا تأويله أن الباري تعالى حي سميع بصير وانعقد إجماع أهل الأديان بل جميع العقلاء على ذلك وقد يستدل على الحياة بأنه عالم قادر لما مر وكل عالم قادر حي بالضرورة وعلى السمع والبصر بأن كل حي يصح كونه سميعا بصيرا وكل ما يصح للواجب من الكمالات يثبت بالفعل لبراءته عن أن يكون له ذلك بالقوة والإمكان وعلى الكل بأنها صفات كمال قطعا والخلو عن صفة الكمال في حق من يصح اتصافه بها نقص وهو على الله تعالى محال لما مر وهذا التقرير لا يحتاج إلى بيان أن الممات والصمم والعمى أضداد للحياة والسمع والبصر لا إعدام ملكات وأن من يصح اتصافه بصفة لا يخلو عنها وعن ضدها لكن لا بد من بيان أن الحياة في الغائب أيضا تقتضي صحة السمع والبصر وغاية متشبثهم في ذلك على ما ذكره إمام الحرمين طريق السير والتقسيم فإن الجماد لا يتصف بقبول السمع والبصر وإذا صار حيا يتصف به إن لم يقم به آفات ثم إذا سيرنا صفات الحي لم نجد ما يصحح قبوله للسمع والبصر سوى كونه حيا ولزم القضاء بمثل ذلك في حق الباري تعالى وأوضح من هذا ما أشار إليه الإمام حجة الإسلام أنه لا خفاء في أن المتصف بهذه الصفات أكمل ممن لا يتصف بها فلو لم يتصف الباري بها لزم أن يكون الإنسان بل غيره من الحيوانات أكمل منه وهو باطل قطعا ولا يرد عليه النقض بمثل الماشي والحسن الوجه لأن استحالته في حق الباري تعالى مما يعلم قطعا بخلاف السمع والبصر والغرض من تكثير وجوه الاستدلال في أمثل هذه المقامات زيادة التوثيق والتحقيق وأن الأذهان متفاوتة في القبول والإذعان ربما يحصل للبعض منها الاطمئنان ببعض الوجوه دون البعض أو باجتماع الكل أو عدة منها مع ما في كل واحد من محال المناقشة وأما الاعتراض بأنه لا سبيل إلى استحالة النقص والآفة على الباري تعالى سوى الإجماع المستند حجيته إلى الأدلة السمعية ولا خفاء في ثبوت الإجماع وقيام الأدلة السمعية القطعية على كونه تعالى حيا سميعا بصيرا فأي حاجة إلى سائر المقدمات التي ربما يناقش فيها فجوابه المنع إذ ربما يجزم بذلك من لا يلاحظ الإجماع عليه أو لا يراه حجة أصلا أو يعتقد أنه لا يصح في مثل هذا المطلوب التمسك به وبسائر الأدلة السمعية لكون إنزال الكتب وإرسال الرسل فرع كون الباري حيا سميعا بصيرا وبالجملة لما ثبت كونه حيا سميعا بصيرا ثبت على قاعدة أصحابنا له صفات قديمة هي الحياة والسمع والبصر على ما بينا في العلم والقدرة فإن قيل لو كان السمع والبصر قديمين لزم كون المسموع والمبصر كذلك لامتناع السمع بدون المسموع والإبصار بدون المبصر قلنا ممنوع لجواز أن يكون كل منهما صفة قديمة له تعلقات حادثة كالعلم والقدرة ويمكن أن يجعل هذا شبهة من قبل المخالف بأنه لو كان سميعا بصيرا فإما أن يكون السمع والبصر قديمين فيلزم قدم المسموع والمبصر أو حادثين فيلزم كونه محلا للحوادث وشبهة أخرى وهي أنه لو كان حيا سميعا بصيرا لكان جسما واللازم باطل وجه اللزوم أن الحياة اعتدال نوعي للمزاج الحيواني على ما سبق أو صفة تتبعها مقتضية للحس والحركة الإرادية وقد عرفت أن المزاج من الكيفيات الجسمية وأن السمع والبصر وسائر الإحساسات تأثر للحواس عن المحسوسات أو حالة إدراكية تتبعه وليست الحواس الأقوى جسمانية والجواب أنا لا نسلم كون الحياة والسمع والبصر عبارة عما ذكرتم أو مشروطة به في الشاهد فضلا عن الغائب غاية الأمر أنها في الشاهد تقارن ما ذكرتم ولا حجة على الاشتراك وقد تكلمنا على ذلك فيما سبق ( قال وعلى ما نقل ) المشهور من مذهب الأشاعرة أن كلا من السمع والبصر صفة مغايرة للعلم إلا أن ذلك ليس بلازم على قاعدة الشيخ أبي الحسن في الإحساس من أنه علم بالمحسوس على ما سبق ذكره لجواز أن يكون مرجعهما إلى صفة العلم ويكون السمع علما بالمسموعات والبصر علما بالمبصرات فإن قيل هذا إنما يتم لو كان الكل نوعا واحدا من العلم لا أنواعا مختلفة على ما مر في بحث العلم قلنا يجوز أن يكون له صفة واحدة هي العلم لها تعلقات مختلفة هي الأنواع المختلفة بأن تتعلق بالمبصرات مثلا تارة بحيث تحصل حالة إدراكية تناسب تعقلنا إياه وتارة بحيث تحصل حالة إدراكية تناسب إبصارنا إياه قال وعند الفلاسفة على هذا لا يلزم ثبوت صفة زائدة فضلا عن تعددها وإلى هذا ذهب الكعبي وجماعة من معتزلة بغداد والأكثرون على أن كونه سميعا بصيرا غير كونه عالما واتفق كلهم على نفي الصفة الزائدة على الذات قال خاتمة قال إمام الحرمين رحمه الله الصحيح المقطوع به عندنا وجوب وصف الباري تعالى بأحكام الإدراكات الأخر أعني الإدراك المتعلق بالطعوم والمتعلق بالروائح والمتعلق بالحرارة والبرودة واللين والخشونة إذ كل إدراك يعقبه ضد هو آفة فما دل على وجوب وصفه بحكم السمع والبصر دل على وجوب وصفه بأحكام الإدراكات ثم يتقدس الباري تعالى عن كونه شاما ذائقا لامسا فإن هذه الصفات تنبئ عن الاتصالات يتعالى الرب عنها مع أنها لا تنبئ عن حقائق الإدراكات فإنك تقول شممت تفاحة فلم أدرك ريحها وكذلك اللمس والذوق قال المبحث السادس في أنه متكلم تواتر القول بذلك عن الأنبياء وقد ثبت صدقهم بدلالة المعجزات من غير توقف على إخبار الله تعالى عن صدقهم بطريق التكلم ليلزم الدور وقد يستدل على ذلك بدليل عقلي على قياس ما مر في السمع والبصر وهو أن عدم التكلم ممن يصح اتصافه بالكلام أعني الحي العالم القادر نقص واتصاف بأضداد الكلام وهو على الله تعالى محال وإن نوقش في كونه نقصا سيما إذا كان مع قدرة على الكلام كما في السكوت فلا خفاء في أن المتكلم أكمل من غيره ويمتنع أن يكون المخلوق أكمل من الخالق والاعتراض والجواب ههنا كما مر في السمع والبصر وبالجملة لا خلاف لأرباب الملل والمذاهب في كون الباري تعالى متكلما وإنما الخلاف في معنى كلامه وفي قدمه وحدوثه فعند أهل الحق كلامه ليس من جنس الأصوات والحروف بل صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى منافية للسكوت والآفة كما في الخرس والطفولية هو بها آمر ناه مخبر وغير ذلك يدل عليها بالعبارة أو الكتابة أو الإشارة فإذا عبر عنها بالعربية فقرآن وباليونانية فإنجيل وبالعبرانية فتوراة وبالسريانية فزبور فالاختلاف في العبارات دون المسمى كما إذا ذكر الله تعالى بألسنة متعددة ولغات مختلفة وخالفنا في ذلك جميع الفرق وزعموا أنه لا معنى للكلام إلا المنتظم من الحروف المسموعة الدال على المعاني المقصودة وأن الكلام النفسي غير معقول ثم قالت الحنابلة والخشوية أن تلك الأصوات والحروف مع تواليها وترتب بعضها على البعض ويكون الحرف الثاني من كل كلمة مسبوقا بالحرف المتقدم عليه كانت ثابتة في الأزل قائمة بذات الباري تعالى وتقدس وأن المسموع من أصوات القراء والمرئي من أسطر الكتاب نفس كلام الله تعالى القديم وكفى شاهدا على جهلهم ما نقل عن بعضهم أن الجلدة والغلاف أزليان وعن بعضهم أن الجسم الذي كتب به الفرقان فانتظم حروفا ورقوما هو بعينه كلام الله تعالى وقد صار قديما بعدما كان حادثا ولما رأت الكرامية أن بعض الشر أهون من البعض وأن مخالفة الضرورة أشنع من مخالفة الدليل ذهبوا إلى أن المنتظم من الحروف المسموعة مع حدوثه قائم بذات الله تعالى وأنه قول الله تعالى لا كلامه وإنما كلامه قدرته على التكلم وهو قديم وقوله حادث لا محدث وفرقوا بينهما بأن كل ما له ابتداء إن كان قائما بالذات فهو حادث بالقدرة غير محدث وإن كان مباينا للذات فهو محدث بقوله كن لا بالقدرة والمعتزلة لما قطعوا بأنه المنتظم من الحروف وأنه حادث والحادث لا يقوم بذات الله تعالى ذهبوا إلى أن معنى كونه متكلما أنه خلق الكلام في بعض الأجسام واحترز بعضهم من إطلاق لفظ المخلوق عليه لما فيه من إيهام الخلق والافتراء وجوزه الجمهور ثم المختار عندهم وهو مذهب ابن هاشم ومن تبعه من المتأخرين أنه من جنس الأصوات والحروف ولا يحتمل البقاء حتى إن ما خلق مرقوما في اللوح المحفوظ أو كتب في المصحف لا يكون قرآنا وإنما القرآن ما قرأه القاريء وخلقه الباري من الأصوات المنقطعة والحروف المنتظمة وذهب الجبائي إلى أنه من جنس غير الحروف يسمع عند سماع الأصوات ويوجد بنظم الحروف وبكتابتها ويبقى عند المكتوب والحفظ ويقوم باللوح المحفوظ وبكل مصحف وكل لسان ومع هذا فهو واحد لا يزداد بازدياد المصاحف ولا ينتقص بنقصانها ولا يبطل ببطلانها والحاصل أنه انتظم من المقدمات القطعية والمشهورة قياسان ينتج أحدهما قدم كلام الله تعالى وهو أنه من صفات الله وهي قديمة والآخر حدوثه وهو أنه من جنس الأصوات وهي حادثة فاضطر القوم إلى القدح في أحد القياسين ومنع بعض المقدمات ضرورة امتناع حقية النقيضين فمنعت المعتزلة كونه من صفات الله والكرامية كون كل صفة قديمة والأشاعرة كونه من جنس الأصوات والحروف والخشوية كون المنتظم من الحروف حادثا ولا عبرة بكلام الكرامية والخشوية فبقي النزاع بيننا وبين المعتزلة وهو في التحقيق عائد إلى إثبات كلام النفس ونفيه وأن القرآن هو أو هذا المؤلف من الحروف الذي هو كلام حسي وإلا فلا نزاع لنا في حدوث الكلام الحسي ولا لهم في قدم النفسي لو ثبت وعلى البحث وعلى المناظرة في ثبوت الكلام النفسي وكونه هو القرآن ينبغي أن يحمل ما نقل من مناظرة أبي حنيفة وأبي يوسف ستة أشهر ثم استقر رأيهما على أن من قال بخلق القرآن فهو كافر ( قال لنا ) استدل على قدم كلام الله وكونه نفسيا لاحسيا بوجهين
الأول أن المتكلم من قام به الكلام لا من أوجد الكلام ولو في محل آخر للقطع بأن موجد الحركة في جسم آخر لا يسمى متحركا وأن الله لا يسمى بخلق الأصوات مصوتا وإنا إذا سمعنا قائلا يقول إنا قائم يسميه متكلما وإن لم نعلم أنه الموجد لهذا الكلام بل وإن علمنا أن موجده هو الله كما هو رأي أهل الحق وحينئذ فالكلام القائم بذات الباري لا يجوز أن يكون هو الحسي أعني المنتظم من الحروف المسموعة لأنه حادث ضرورة أن له ابتداء وانتهاء وأن الحرف الثاني من كل كلمة مسبوق بالأول ومشروط بانقضائه وأنه يمتنع اجتماع أجزائه في الوجود وبقاء شيء منها بعد الحصول على ما سبق نبذ من ذلك في بحث الكم والحادث يمتنع قيامه بذات الباري تعالى لما سبق فتعين أن يكون هو المعنى إذ لا ثالث يطلق عليه اسم الكلام وأن يكون قديما لما عرفت فإن اعترض من قبل المعتزلة بأنه لو كان المتكلم من قام به الكلام لما صح إطلاقه حقيقة على المتكلم بالكلام الحسي لأنه لا بقاء له ولا اجتماع لأجزائه حتى يقوم بشيء ولوسلم فإنما يقوم بلسانه لا بذاته وأيضا لما صح قولهم الأمير يتكلم بلسان الوزير والجني يتكلم بلسان المصروع ومن قبل الحنابلة أن المنتظم من الحروف قد لا يكون مترتب الأجزاء بل دفعيا كالقائم بنفس الحافظ وكالحاصل على الورقة من طائع فيه نقش الكلام وإنما لزوم الترتب في التلفظ والقراءة لعدم مساعدة الآلة فالقرآن الذي هو اسم للنظم والمعنى جميعا لا يمتنع أن يكون قديما قائما بذات الباري تعالى أجيب بأن كون المتكلم من قام به الكلام ثابت عرفا ولغة وكون المنتظم من الحروف المسموعة مترتب الأجزاء ممتنع البقاء ثابت ضرورة وما ذكرتم سندا لمنعهما تمويه أما الأول فلأن المعتبر في اسم الفاعل موجود المعنى لا بقاؤه سيما في الأعراض السيالة كالمتحرك والمتكلم ولو سلم فيكفي التلبس ببعض أجزائه ولايشترط القيام بكل جزء من أجزاء المحل كالسامع والباصر والذالق وغير ذلك ومعنى التكلم بلسان الغير إلقاء الكلام إليه مجازا وأما الثاني فلأن الكلام في المنتظم من الحروف المسموعة لا في الصورة المرسومة والخيال أو المخزونة في الحافظة أو المنقوشة بأشكال الكتابة على أن قيام الصوت والحروف بذات الله تعالى وتقدس ليس بمقول وإن كان غير مترتب الأجزاء كحرف واحد مثلا قال وإن من يأمر وينهى
الوجه الثاني أن من يورد صيغة أمرا ونهي أو نداء أو إخبارا واستخبارا وغير ذلك يجد في نفسه ويدور في خلده ولا يختلف باختلاف العبارات بحسب الأوضاع والاصطلاحات ويقصد المتكلم حصولها في نفس السامع ليجري على موجبها هو الذي نسميه كلام النفس وحديثها وربما يعترف به أبو هاشم ويسميه الخواطر ومغايرته للعلم والإرادة سيما في الإخبار والإنشاء الغير الطلبي في غاية الظهور نعم قد يتوهم أن الطلب النفسي هو الإرادة وأن قولنا أريد منك هذا الفعل ولا أطلبه في نفسي أو أطلبه ولا أريده تناقض وسيأتي في فصل الأفعال واستدل القوم على مغايرته للعلم بأن الرجل قد يخبر عما لا يعلمه بل يعلم خلافه وللإرادة بأن السيد قد يأمر العبد بالفعل ويطلبه منه ولا يريده وذلك عند الاعتذار من ضربه بأنه يعصيه ( قال صاحب المواقف لو قالت المعتزلة أنه إرادة فعل يصير سببا لاعتقاد المخاطب علم المتكلم بما أخبر عنه أو إرادته لما أمر به لم يكن بعيد الكنى لم أجده في كلامهم وأنا قد وجدت في كلام الإمام الزاهدي من المعتزلة ما يشعر بذلك حيث قال لا نسلم وجود حقيقة الإخبار والطلب في الصورتين المذكورتين بل إنما هو مجرد إظهار إماراتها وقريب من ذلك ما قال إمام الحرمين في الإرشاد فإن قالوا الذي يجده في نفسه هو إرادة جعل اللفظة الصادرة عنه أمرا على جهة ندب أو إيجاب فهذا باطل لأن اللفظ يتصرم مع أن الطلب بحاله والماضي لا يراد بل يتلهف عليه وبالضرورة يعلم أن ما نجده بعد انقضاء اللفظ ليس تلهفا ولأن اللفظ يكون ترجمة عما في الضمير وبالضرورة يعلم أنها ليست ترجمة عن إرادة جعلها على صفة بل عن الاقتضاء والإيجاب ونحو ذلك ثم شاع فيما بين أهل اللسان إطلاق اسم الكلام والقول على المعنى القائم بالنفس يقولون في نفسي كلام وزورت في نفسي مقالة وقال الأخطل ( إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا )
وفي التنزيل ويقولون في أنفسهم وإذا ثبت أن الباري تعالى متكلم وأنه يمتنع قيام الكلام الحسي بذاته تعين أن يكون هو النفسي فيكون قديما لما مر قال تمسكوا بوجوه الأول أنه علم بالضرورة من دين النبي صلى الله عليه وسلم حتى للعوام والصبيان أن القرآن هو هذا الكلام المؤلف المنتظم من الحروف المسموعة المفتتح بالتحميد المختتم بالاستعاذة وعليه انعقد إجماع السلف وأكثر الخلف الثاني أن ما اشتهر وثبت بالنص والإجماع من خواص القرآن إنما يصدق على هذا المؤلف الحادث لا المعنى القديم وجوابهما أنه لا نزاع في إطلاق اسم القرآن وكلام الله تعالى بطريق الاشتراك أو المجاز المشهور شهرة الحقائق على هذا المؤلف الحادث وهو المتعارف عند العامة والقراء والأصوليين والفقهاء وإليه يرجع الخواص التي هي من صفات الحروف وسماة الحدوث قال وذلك إشارة إلى ما اشتهر من الخواص فالقرآن ذكر لقوله تعالى وهذا ذكر مبارك وقوله وإنه لذكر لك ولقومك والذكر محدث لقوله تعالى وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث وعربي لقوله تعالى إنا جعلناه قرآنا عربيا والعربي هو اللفظ لاشتراك اللغات في المعنى ومنزل على النبي صلى الله عليه وسلم بشهادة النص والإجماع ولا خفاء في امتناع نزول المعنى القديم القائم بذات الله تعالى بخلاف اللفظ فإنه وإن كان عرضا لا يزول عن محله لكن قد ينزل بنزول الجسم الحامل له وقد روى أن الله تعالى أنزل القرآن دفعة إلى سماء الدنيا فحفظته الحفظة أو كتبته الكتبة ثم نزله منها بلسان جبرائيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فشيئا بحسب المصالح فإن قيل المكتوب في المصحف هو الصور والأشكال لا اللفظ ولا المعنى قلنا بل اللفظ لأن الكتابة تصوير اللفظ بحروف هجائه نعم المثبت في المصحف هو الصور والأشكال فإن قيل القديم دائم فيكون مقارنا للتحدي ضرورة فلا يكون ذلك من خواص الحادث قلنا معناه أن يدعو العرب إلى المعارضة والإتيان بالمثل وذلك لا يتصور في الصفة القديمة فإن قيل النسخ كما يكون للفظ يكون للمعنى قلنا نعم لكن يخص الحادث لأن القديم لا يرتفع ولا ينتهي فإن قبل وقوع كلمة كن عقيب إرادة تكوين الأشياء على ما تعطيه كلمة الجزاء وإن دل على حدوثها لكن عموم لفظ شيء من حيث وقوعه في سياق النفي معنى أي ليس قولنا لشيء مما نقصد إيجاده وإحداثه كما في قوله عليه السلام وإنما لكل امرىء ما نوى يقتضي قدمها إذ لو كانت حادثة لكانت واقعة بكلمة كن أخرى سابقة وبتسلسل وإن جعلتم هذا الكلام لا على حقيقته بل مجازا عن سرعة الإيجاد فلا دلالة فيه على حدوث كن قلنا حقيقته إن ليس قولنا لشيء من الأشياء عند تكوينه إلا هذا القول وهو لا يقتضي ثبوت هذا القول لكل شيء ألا ترى أنك إذا قلت ما قولي لأحد من الناس عند إرشاده إلا أن أقول له تعلم لم يدل على أنك تقول تعلم لكل أحد بل على أنك لو قلت في حقه شيئا لم يكن إلا هذا القول قال لا لمجرد أنه دال المشهور في كلام الأصحاب أن ليس أطلاق كلام الله تعالى على هذا المنتظم من الحروف المسموعة إلا بمعنى أنه دال على كلامه القديم حتى لو كان مخترع هذه الألفاظ غير الله تعالى لكان هذا الإطلاق بحاله لكن المرضي عندنا أن له اختصاصا آخر بالله وهو أنه أخبر عنه بأنه أوجد أولا الأشكال في اللوح المحفوظ لقوله تعالى بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ أو الأصوات في لسان الملك لقوله تعالى إنه لقول رسول كريم الآية أو لسان النبي لقوله تعالى نزل به الروح الأمين على قلبك والمنزل على القلب هو المعنى دون اللفظ ثم اختلفوا فقيل هو اسم لهذا المؤلف المخصوص القائم بأول لسان اخترعه الله تعالى فيه حتى إن ما يقرأه كل أحد بكسبه يكون مثله لا عينه والأصح أنه اسم له لا من حيث تعين المحل فيكون واحدا بالنوع ويكون ما يقرأه القاري نفسه لا مثله وهكذا الحكم في كل شعر أو كتاب ينسب إلى مؤلفه وعلى التقديرين فقد يجعل اسما للمجموع بحيث لا يصدق على البعض وقد يجعل اسما لمعنى كلي صادق على المجموع وعلى كل بعض من أبعاضه ولهذا المقام زيادة توضيح في شرح التنقيح وبالجملة ما يقال أن المكتوب في كل مصحف والمقروء بكل لسان كلام الله تعالى فباعتبار الوحدة النوعية ومايقال أنه حكاية عن كلام الله ومماثل له وإنما الكلام هو المخترع في لسان الملك فباعتبار الوحدة الشخصية وما يقال أن كلام الله تعالى ليس قائما بلسان أو قلب ولا حالا في مصحف أو لوح فيراد به الكلام الحقيقي الذي هو الصفة الأزلية ومنعوا من القول بحلول كلامه في لسان أو قلب أو مصحف وأن كان المراد هو اللفظي رعاية للتأدب واحترازا عن ذهاب الوهم إلى الحقيقي الأزلي قال وإجراء هذا جواب آخر لأصحابنا تقريره أن المراد بالمذكور العربي المنزل المقروء المسموع المكتوب إلى آخر الخواص هو المعنى القديم إلا أنه وصف بما هو من صفات الأصوات والحروف الدالة عليه مجازا ووصفا للمدلول بصفة الدال عليه كما يقال سمعت هذا المعنى من فلان وقرأته في بعض الكتب وكتبته بيدي وهذا ما قال أصحابنا أن القراءة حادثة أعني أصوات القاري التي هي من اكتسابه ويؤمر بها تارة إيجابا أو ندبا وينهى عنها حينا وكذا الكتابة أعني حركات الكاتب والأحرف المرسومة وإما المقروء بالقراءة المكتوب في المصاحف المحفوظ في الصدور المسموع بالآذان فقديم ليس حالا في لسان ولا في قلب ولا في مصحف لأن المراد به المعلوم بالقراءة المفهوم من الخطوط ومن الأصوات المسموعة وكذا المنزل إذ معنى الإنزال أن جبرائيل عليه السلام أدرك كلام الله تعالى وهو في مقامه ثم نزل إلى الأرض وأفهم النبي صلى الله عليه وسلم ما فهمه عند سدرة المنتهى من غير نقل لذات الكلام فإن قيل إذا أريد بكلام الله تعالى المنتظم من الحروف المسموعة من غير اعتبار تعين المحل فكل أحد منا يسمع كلام الله تعالى وكذا إذا أريد به المعنى الأزلي وأريد بسماعه فهمه من الأصوات المسموعة فما وجه اختصاص موسى عليه السلام بأنه كليم الله تعالى قلنا فيه أوجه
أحدها وهو اختيار الإمام حجة الإسلام أنه سمع كلامه الأزلي بلا صوت ولا حرف كما ترى في الآخرة ذاته بلا كم وكيف وهذا على مذهب من يجوز تعلق الرؤية والسماع بكل موجود حتى الذات والصفات لكن سماع غير الصوت والحرف لا يكون إلا بطريق خرق العادة وثانيها إنه سمعه بصوت من جميع الجهات على خلاف ما هو العادة وثالثها أنه سمع من جهة لكن بصوت غير مكتسب للعباد على ما هو شان سماعنا وحاصلة أنه أكرم موسى عليه السلام ما فهمه كلامه بصوت تولى بخلقه من غير كسب لأحد من خلقه وإلى هذا ذهب الشيخ أبو منصور الماتريدي والأستاذ أبو إسحق الإسفرائني قال الأستاذ اتفقوا على أنه لا يمكن سماع غير الصوت إلا أن منهم من بت القول بذلك ومنهم من قال لما كان المعنى القائم بالنفس معلوما بواسطة سماع الصوت كان مسموعا فالاختلاف لفظي لا معنوي قال الثالث الوجه الثالث أن كلامه لو كان أزليا لزم الكذب في إخباره لأن الإخبار بطريق المضي كثير في كلام الله تعالى مثل أنا أرسلنا وقال موسى وعصى فرعون إلى غير ذلك وصدقه يقتضي سبق وقوع النسبة ولا يتصور السبق على الأزل فتعين الكذب وهو محال أما أولا فبإجماع العلماء وإما ثانيا فبما تواتر من أخبار الأنبياء عليهم السلام الثابت صدقهم بدلالة المعجزات من غير توقف على ثبوت كلام الله تعالى فضلا عن صدقه وأما ثالثا فلأن الكذب نقص باتفاق العقلاء وهو على الله محال لما فيه من إمارة العجز أو الجهل أو العبث وأما رابعا فلأنه لو اتصف في الأزل بالكذب في خير ما لامتنع صدقه فيه لأن ما ثبت قدمه امتنع عدمه لكنا نعلم بالضرورة أن من علم النسبة لا يمتنع عليه أن يخبر عنها على ما هي عليه وطريق اطراد هذا الوجه في كلامه المنتظم من الحروف المسموعة أنه عبارة عن كلامه الأزلي ومرجع الصدق والكذب إلى المعنى وأما وجه استحالة النقص ففي كلام البعض أنه لا يتم إلا على رأي المعتزلة القائلين بالقبح العقلي قال إمام الحرمين لا يمكن التمسك في تنزيه الرب تعالى عن الكذب بكونه نقصا لأن الكذب عندنا لا يقبح لعينه وقال صاحب التلخيص الحكم بأن الكذب نقص إن كان عقليا كان قولا بحسن الأشياء وقبحها عقلا وإن كان سمعيا لزم الدور وهذا مبني على أن مرجع الأداة السمعية إلى كلام الله تعالى وصدقه وأن تصديقه النبي عليه الصلاة والسلام بالمعجزات إخبار خاص وقد عرفت ما فيه وقال صاحب المواقف لم يظهر لي فرق بين النقض في العقل وبين القبح العقلي بل هو هو بعينه وأنا أتعجب من كلام هؤلاء المحققين الواقفين على محل النزاع في مسألة الحسن والقبح والجواب أن كلامه في الأزل لا يتصف بالماضي والحال والمستقبل لعدم الزمان وإنما يتصف بذلك فيما لا يزال بحسب التعلقات وحدوث الأزمنة والأوقات وتحقيق هذا مع القول بأن الأزلي مدلول اللفظي عسير جدا وكذا القول بأن المتصف بالمضي وغيره إنما هو اللفظ الحادث دون المعنى القديم ( قال الرابع ) تقديره أن كلامه يشتمل على أمر ونهي وإخبار واستخبار ونداء وغير ذلك فلو كان أزليا لزم الأمر بلا مأمور والنهي بلا منهى والإخبار بلا سامع والنداء والاستخبار بلا مخاطب وكل ذلك سفه وعبث لا يجوز أن ينسب إلى الحكيم تعالى وتقدرس وأجيب بوجوه أحدها لعبد الله بن سعيد القطان وهو أن كلامه في الأزل ليس بأمر ولا نهي ولا خبر وغير ذلك وإنما يصير أحد الأقسام فيما لا يزال فإن قيل وجود الجنس من غير أن يكون أحد الأنواع ليس بمعقول وأيضا التغير على القديم محال قلنا هو إرادته أمر واحد يعرض له التنوع بحسب التعلقات الحادثة من غير أن يتغير في نفسه وثانيها إن وجود المخاطب إنما يلزم في الكلام الحسي وإما النفسي فيكفيه وجوده العقلي
وثالثها أن السفه أو العبث إنما يلزم لو خوطب المعدوم وأمر في عدمه وإما على تقدير وجوده بأن يكون طلبا للفعل ممن سيكون فلا كما في طلب الرجل تعلم ولده الذي أخبره صادق بأنه سيولد وكما في خطاب النبي عليه الصلاة والسلام بأوامره ونواهيه كل مكلف بولد إلى يوم القيامة إذ اختصاص خطاباته بأهل عصره وثبوت الحكم فيمن عداهم بطريق القياس بعيد جدا نعم لو قيل خطاب الحاضرين قصدا والغائبين والمعدومين ضمنا وتبعا ليس من السفه في شيء لكان شيئا واعلم أن هذا الجواب هو المشهور بين الجمهور وكلامهم متردد في أن معناه أن المعدوم مأمور في الأزل بأن يمتثل وتأتي بالفعل على تقدير الوجود أو المعدوم ليس بمأمور في الأزل لكن لما استمر الأمر الأزلي إلى زمان وجوده صار بعد الوجود مأمورا ورابعها أن السفه هو أن يخلو عن الحكمة والعاقبة الحميدة ما يتعلق بها والقديم ليس كذلك إذ لا يطلب بثبوته حكمة وغرض وخامسها أن السفه هو الخالي عن الحكمة بالكلية والأمر الأزلي ليس كذلك لترتب الحكمة عليه فيما لا يزال قال الخامس الوجه الخامس والسادس من تمسكات المعتزلة أن الأمر لو كان أزليا لكان التكليف باقيا أبدا حتى في دار الجزاء لأن ما ثبت قدمه امتنع عدمه ولما اختص مكالمة موسى عزم بالطور بل استمر أزلا وأبدا واللازم باطل إجماعا وجوابهما إن الكلام وإن كان أزليا لكن تعلقاته بالأشخاص والأفعال حادثة بإرادة من الله تعالى واختيار فيتعلق الأمر بصلاة زيد مثلا بعد بلوغه وينقطع عند موته ويتعلق الكلام بموسى في الطور على أنك إذا تحققت فالمختص بالطور سماع الكلام وظهوره وبهذا يخرج الجواب عن الوجه السابع وهو أن القديم يستوي نسبته إلى جميع ما يصح تعلقه به كما في العلم والقدرة فيتعلق الأمر والنهي بكل فعل حتى يكون المأمور منهيا وبالعكس واللازم باطل قطع وهذا إلزامي علينا حيث لا نقول بالحسن والقبح لذات الفعل ليمنع صحة تعلق الأمر بما يتعلق به النهي وبالعكس ( قوله خاتمة ) المذهب أن الكلام الأزلي واحد قال عبدالله بن سعيد أنه في الأزل ليس شيئا من الأقسام وإنما يصير أحدها فيما لا يزال وقد عرفت ضعفه وقال الإمام الرازي هو في الأزل خبر ومرجع البواقي إليه لأن الأمر بالشيء إخبار باستحقاق فاعله الثواب وتاركه العقاب والنهي بالعكس وعلى هذا القياس وضعفه ظاهر لأن ذلك لازم الأمر والنهي لا حقيقتهما والأقرب ما ذكره إمام الحرمين وهو أن ثبوت الكلام إنما هو بالسمع دون العقل ولم يرد بالتعدد بل انعقد الإجماع على نفي كلام ثان قديم ولم يمتنع التكلم بالأمر والنهي والخبر وغيرها بكلام واحد فحكمنا بأنه واحد يتعلق بجميع المتعلقات كما في سائر الصفات وإن كانت العقول قاصرة عن إدراك كنه هذا المعنى وإذا تحققت فالأمر كذلك في الذات وجميع الصفات وقد يستدل على وحدة الكلام بأنه لو تعدد لم ينحصر في عدد لأن نسبة الموجب إلى جميع الأعداد على السواء وقد مر ذلك في القدرة ( قال المبحث السابع في صفات اختلف فيها ) يعني اختلف فيها أهل الحق القائلون بالصفات الأزلية زعم بعض الظاهريين أن لا صفة لله تعالى وراء السبعة المذكورة لوجهين الأول أنه لا دليل عليه وكل ما لا دليل عليه يجب نفيه ورد بمنع المقدمتين
وثانيهما أنا مكلفون بكمال المعرفة وذلك بمعرفة الذات وجميع الصفات فلو كانت له صفة أخرى لعرفناها معشر العارفين الكاملين واللازم منتف بالضرورة وبأنه لا طريق إلى معرفة الصفات سوى الاستدلال بالأفعال والتنزيه عن النقائض وهما لا يدلان على صفة اخرى ورد بالمنع بل التكليف بقدر الوسع ولو سلم فما أدريك أن الكاملين لم يعرفوا صفة أخرى ولا نسلم أنه لا طريق سوى ما ذكرتم أليس الشرع طريقا وصراطا قويما مستقيما فمن الصفات المختلف فيها البقاء أثبته الشيخ الأشعري وأشياعه من أهل السنة لأن الواجب باق بالضرورة فلا بد أن يقوم به معنى هو البقاء كما في العالم والقادر لأن البقاء ليس من السلوب والإضافات وهو ظاهر وليس أيضا عبارة عن الوجود بل زائدا عليه لأن الشيء قد يوجد ولا يبقى كالأعراض سيما السيالة وذهب الأكثرون إلى أنه ليس صفة زائدة على الوجود لوجوه أحدها أن المعقول منه استمرار الوجود ولا معنى لذلك سوى الوجود من حيث انتسابه إلى الزمان الثاني بعد الزمان الأول وثانيها أن الواجب لو كان باقيا بالبقاء الذي ليس نفس ذاته لما كان واجب الوجود لذاته لأن ما هو موجود لذاته فهو باق لذاته ضرورة أن ما بالذات لا يزول أبدا وإذا فسر البقاء بصفة بها الوجود في الزمان الثاني كان لزوم المحال أظهر لأنه يؤول إلى أن الواجب موجود في الزمان الثاني لأمر سوى ذاته واعترض صاحب الصحائف بأن اللازم ليس الا افتقار صفة إلى صفة أخرى نشأت من الذات ولا امتناع فيه كالإرادة يتوقف على العلم والعلم على الحياة وليس بشيء لأن الوجود ليس من الذات ولو سلم فافتقاره إلى أمر سوى الذات ينافي الوجوب بالذات وثالثها أن الذات لو كان باقيا بالبقاء لا بنفسه فإن افتقر صفة البقاء إلى الذات لزم الدور لتوقف ثبوت كل في الزمان الثاني على الآخر وإن افتقر الذات إلى البقاء مع استغنائه عنه كان الواجب هو البقاء لا الذات هف وإن لم يفتقر أحدهما إلى الآخر بل اتفق تحققهما معا كما ذكره صاحب المواقف لزم تعدد الواجب لأن كلا من الذات والبقاء يكون مستغنيا عما سواه إذ لو افتقر البقاء إلى شيء لافتقر إلى الذات ضرورة افتقار الكل إليه والمستغنى عن جميع ما سواه واجب قطعا هذا مع أن ما فرض من عدم افتقار البقاء إلى الذات محال لأن افتقار الصفات إلى الذات ضروري ورابعها أن البقاء لو كان صفة أزلية زائدة على الذات قائمة به كانت باقية بالضررة وحينئذ فإن كان لها بقاء ينقل الكلام إليه ويتسلسل وأيضا يلزم قيام المعنى بالمعنى وهو باطل عندكم وإن لم يكن له بقاء كان كعالم بلا علم وقد بين بطلانه فإن قيل هو باق بالبقاء إلا أن بقاء نفسه لا زائد عليه ليتسلسل قلنا فحينئذ يجوز أن يكون الباري تعالى باقيا ببقاء هو نفسه عالما بعلم هو نفسه فلا يثبت زيادة صفة البقاء على ما هو رأي الشيخ ولا زيادة العلم والقدرة وغيرهما على ما هو رأي أهل الحق واعترض على هذا الجواب بأن كون بقاء الباري أو علمه أو قدرته نفس ذاته محال لما مر في إثبات الصفات بخلاف كون بقاء البقاء نفس البقاء كوجود الوجود وقدم القدم وغير ذلك فأورد الأشكال ببقاء الصفات فإن العلم القديم باق بالضرورة وكذلك سائر الصفات مع امتناع أن يكون البقاء نفس العلم والقدرة وغيرهما فيلزم قيام المعنى بالمعنى وثبوت قدماء أخر لم يقل بها أحد وللقوم في التفصي عن هذا الإشكال وجوه الأول لبعض القدماء أنا نقول الذات باق بصفاته ولا نقول الصفات باقية ليلزم المحال وفساده بين لأن كون الصفة الأزلية باقية ضروري
الثاني لبعض الأشاعرة ونسب إلى الشيخ أن العلم باق ببقاء هو نفس العلم وكذا سائر الصفات كما ذكر في البقاء وأوضحه الأستاذ بأنه لما ثبت قدم الصفات ولزم كونها باقية وامتنع الباقي بلا بقاء وكونها باقية ببقاء زائد لاستحالة قيام المعنى بالمعنى ثبت أن كلا منها باقية ببقاء هو نفسها فكان العلم مثلا صفة للذات بها يكون الذات عالما وبقاء لنفسه به يكون هو باقيا وكان بقاء الذات بقاء له وبقاء لنفسه أيضا ولم يكن العلم صفة لنفسه حتى يلزم كونه عالما وهذا كما أن الجسم كائن في المكان بكون يخصه ويزيد عليه ضرورة تحقق الجسم بدون هذا التمكن ثم هذا الكون كائن بكون هو نفسه لا زائد عليه قائم به ولم يكن العلم علما لنفسه حتى يلزم كونه علما ولا بقاءه بقاء للذات ليلزم كونه عالما باقيا بشيء واحد فإن قيل فقد لزم كون الذات عالما بما هو بقاء والعلم باقيا بما هو علم وهو محال قلنا المستحيل أن يكون الشيء عالما بما هو بقاء له وباقيا بما هو علم له وههنا العلم علم للذات وليس بقاء له والبقاء بقاء للعلم وليس علما له فإن قيل إذا جاز كون العلم باقيا ببقاء هو نفسه فلم لم يجز كون الذات عالما بعلم هو نفسه قادرا بقدرة هي نفسه إلى غير ذلك على ما هو رأي المعتزلة قلنا لما سبق في بحث زيادة الصفات من لزوم الفسادات ويرد على هذا الوجه أنه إذا جاز كون بقاء العلم نفسه فلم لا يجوز أن يكون بقاء الذات نفسه ولا تثبت صفة زائدة فإن قيل الأصل زيادة الصفة إلا لمانع وهو ههنا لزوم قيام المعنى بالمعنى ولم يوجد في بقاء الذات قلنا خطابي ومعارض بأن الأصل عدم تكثر القدماء إلا لقاطع الوجه الثالث للأشعري أن الصفات باقية ببقاء هو بقاء الذات وجاز ذلك لعدم المغايرة بين الذات والصفات بخلاف الجوهر مع إعراضه فلذا لم يكن بقاؤه بقاء لها ويرد عليه أن الصفات كما أنها ليست غير الذات فليست عينه أيضا وكما امتنع اتصاف الشيء بصفة قائمة بالغير فكذا بصفة قائمة بما نفس ليس ذلك الشيء وأما الاعتراض بأنه لو كانت الصفات باقية ببقاء الذات لعدم التغاير لكانت عالمة بعلمه قادرة بقدرته إلى غير ذلك فليس بشيء لأن ذلك فرع صحة الاتصاف وقد صح كون العلم مثلا باقيا بخلاف كونه قادرا قال ومنها التكوين اشتهرالقول به عن الشيخ أبي منصور الماتريدي وأتباعه وهم ينسبونه إلى قدمائهم الذين كانوا قبل الشيخ أبي الحسن الأشعري حتى قالوا أن قول أبي جعفر الطحاوي له الربوبية ولا مربوب والخالقية ولا مخلوق إشارة إلى هذا وفسروه بإخراج المعدوم عن العدم إلى الوجود ثم أطنبوا في إثبات أزليته ومغايرته للقدرة وكونه غير المكون وأن أزليته لا يستلزم أزلية المكونات إلا أنهم سكتوا عما هو أصل الباب أعني مغايرته للقدرة من حيث تعلقها بأحد طرفي الفعل والترك واقترانها بإزادته والعمدة في إثباته أن الباري تعالى يكون الأشياء أجماعا وهو بدون صفة التكوين محال كالعام بلا علم ولا بد أن يكون أزلية لامتناع قيام الحوادث بذات الله تعالى ثم اختلف أسماءها بحسب اختلاف الآثار فمن حيث حصول المخلوقات به يسمى تخليقا والأرزاق ترزيقا والصور تصويرا والحياة إحياء والموت إماتة إلى غير ذلك وأجيب بأن ذلك إنما هو في الصفات الحقيقية كالعلم والقدرة ولا نسلم أن التأثير وإلإيجاد كذلك بل هو معنى يعقل من إضافة المؤثر إلى الأثر فلا يكون إلا فيما لا يزال ولا يفتقر إلا إلى صفة القدرة والإرادة وقد يستدل بوجوه أخرى
أحدها أن الباري تعالى تمدح في كلامه الأزلي بأنه الخالق البارىء المصور فلو لم يثبت التخليق والتصوير في الأزل بل فيما لا يزال لكان تمدحا من الله بما ليس فيه وهو محال ولزم اتصافه بصفة الكمال بعد خلوه عنها وهو عليه محال وأجيب بأنه كالتمدح بقوله تعالى يسبح له ما في السماوات والأرض وقوله تعالى وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله أي معبود ولا شك أن ذلك بالفعل إنما يكون فيما لا يزال لا في الأزل والإخبار عن الشيء في الأزل لا يقتضي ثبوته فيه كذكر الأرض والسماء والأنبياء وغير ذلك نعم هو في الأزل بحيث تحصل له هذه التعلقات والإضافات فيما لا يزال لماله من صفات الكمال وثانيها أن الأشاعرة يقولون في قوله تعالى إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون أنه قد جرت العادة الإلهية بأنه يكون الأشياء لأوقاتها بكلمة أزلية هي كلمة كن ولا نعني بصفة التكوين إلا هذا وأجيب بأنه حينئذ يعود إلى صفة الكلام ولا تثبت صفة أخرى على أن الأكثرين يجعلونه مجازا عن سرعة الإيجاد والتكوين بما له من كمال العلم والقدرة والإرادة وثالثها أن التكوين والإيجاد صفة كمال فلو خلا عنها في الأزل لكان نقصا وهو عليه محال وأجيب بأن ذلك إنما هو فيما يصح اتصافه به في الأزل ولا نسلم أن التكوين والإيجاد بالفعل كذلك نعم هو في الأزل قادر عليه ولا كلام فيه ثم عورضت الوجوه المذكورة بوجهين الأول أنه لا يعقل من التكوين إلا الأحداث وإخراج المعدوم من العدم إلى الوجود كما فسره القائلون بالتكوين الأزلي ولا خفاء في أنه إضافة يعتبرها العقل من نسبة المؤثر إلى المؤثر فلا يكون موجودا عينيا ثابتا في الأزل وثانيهما أنه لو كان أزليا لزم أزلية المكونات ضرورة امتناع التأثير بالفعل بدون الأثر فإن قيل المراد بالتكوين صفة أزلية بها تتكون الأشياء لأوقاتها وتخرج من العدم إلى الوجود فيما لا يزال وليست نفس القدرة لأن مقتضى القدرة ومتعلقها إنما هو صحة المقدور وكونه ممكن الوجود ومقتضى التكوين ومتعلقه وجود المكون في وقته على أنه لو أريد بالتكوين نفس الإحداث والإخراج من العدم فأزليته لا تستلزم أزلية المخلوق لأنه لما كان دائما مستمرا إلى زمان وجود المخلوق وترتبه عليه لم يكن هذا من انفكاك الأثر عن المؤثر وتخلف المعلول عن العلة في شيء ولم يكن كالضرب بلا مضروب والكسر بلا مكسور وإنما يلزم ذلك في التكوين الذي يكون من الأعراض التي لا بقاء لها قلنا وما الدليل على أن تلك الصفة غير القدرة المتعلقة بأحد طرفي الفعل والترك المقترنة بإرادته كيف وقد فسروا القدرة بأنها صفة تؤثر على وفق الإرادة أي إنما تؤثر في الفعل ويجب صدور الأثر عنه عند انضمام الإرادة وإما بالنظر إلى نفسها وعدم اقترانها بالإرادة المرجحة لأحد طرفي الفعل والترك فلا تكون إلا جائز التأثير فلهذا لا يلزم وجود جميع المقدورات ولما ذكرنا من أن القدرة جائزة التأثير وإنما يجب بالإرادة قال الإمام الرازي أن الصفة التي يسمونها التكوين يكون تأثيرها أي بالنظر إلى نفسها إما على سبيل الجواز فلا تتميز عن القدرة أو على سبيل الوجوب فلا يكون الواجب مختارا بل موجبا ولا يرد عليه اعتراض صاحب التلخيص بأن الوجوب اللاحق لا ينافي الاختيار لأن معناه أنه تعالى إذا أراد خلق شيء من مقدوراته كان حصول ذلك الشيء منه واجبا لأن هذا هو القسم الأول أعني ما يكون تأثيره بالنظر إلى نفسه على سبيل الجواز قال وما نقل قد اشتهر عن الأشعري أن التأثير نفس الأثر والتكوين نفس المكون وهذا بظاهره فاسد وفساده غني عن التنبيه فضلا عن الدليل والذي يشعر به كلام بعض الأصحاب أن معناه أن لفظ الخلق شائع في المخلوقات بحيث لايفهم منه عند الإطلاق غيره سواء جعلناه حقيقة فيه أو مجازا مشتهرا من الخلق بمعنى المصدر وهذا لا يليق بالمباحث العلمية ويمكن أن يكون معناه أن الشيء إذا أثر في شيء وأوجده بعدما لم يكن مؤثرا فالذي حصل في الخارج هو الأثر لا غير وأما حقيقة الأحداث والإيجاد فاعتبار عقلي لا تحقق له في الأعيان وقد سبق ذلك في الأمور العامة قال ومنها القدم أثبته ابن سعيد صفة بها يكون الباري تعالى قديما وأثبت الرحمة والكرم والرضا صفات وراء الإرادة وليس له على ذلك دليل يعول عليه وأثبت القاضي إدراك الشم والذوق واللمس صفات وراء العلم ( قال ومنها ما ورد به ظاهرالشرع وامتنع حملها على معانيها الحقيقية ) مثل الاستواء في قوله تعالى الرحمن على العرش استوى واليد في قوله تعالى يد الله فوق أيديهم و ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي والوجه في قوله تعالى ويبقى وجه ربك والعين في قوله تعالى ولتصنع على عيني و تجري بأعيننا فعن الشيخ أن كلا منها صفة زائدة وعن الجمهور وهو أحد قولي الشيخ أنها مجازات فالاستواء مجاز عن الاستيلاء أو تمثيل وتصوير بعظمة الله تعالى واليد مجاز عن القدرة والوجه عن الوجود والعين عن البصر فإن قيل بجملة المكونات مخلوقة بقدرة الله تعالى فما وجه تخصيص خلق آدم صلى الله عليه وسلم سيما بلفظ المثنى وما وجه الجمع في قوله بأعيننا أجيب بأنه أريد كمال القدرة وتخصيص آدم تشريف له وتكريم ومعنى تجري بأعيننا أنها تجري بالمكان المحوط بالكلاءة والحفظ والرعاية يقال فلان بمرىء من الملك ومسمع إذا كان بحيث تحوطه عنايته وتكتنفه رعايته وقيل المراد الأعين التي انفجرت من الأرض وهو بعيد وفي كلام المحققين من علماء البيان أن قولنا الاستواء مجاز عن الاستيلاء واليد واليمين عن القدرة والعين عن البصر ونحو ذلك إنما هو لنفي وهم التشبيه والتجسيم بسرعة وإلا فهي تمثيلات وتصويرات للمعاني العقلية بإبرازها في الصور الحسية وقد بينا ذلك في شرح التلخيص