Qur'an&Sunnah

Teftâzânî — Şerhu'l-Makâsıd (Mâtürîdî/Eş'arî kelam)

Bölüm V02/P110–V02/P111

الفصل الرابع في أحواله من أنه هل يرى وهل يمكن العلم بحقيقته وفيه بحثان البحث الأول في رؤيته ذهب أهل السنة إلى أن الله تعالى يجوز أن يرى وأن المؤمنين في الجنة يرونه منزها عن المقابلة والجهة والمكان وخالفهم في ذلك جميع الفرق فإن المشبهة والكرامية إنما يقولون برؤيته في الجهة والمكان لكونه عندهم جسما تعالى عن ذلك ولا نزاع للمخالفين في جواز الانكشاف التام العلمي ولا لنا في امتناع ارتسام صورة من المرئي في العين أو اتصال الشعاع الخارج من العين بالمرئي وحالة إدراكية مستلزمة لذلك وإنما محل النزاع إنا إذا عرفنا الشمس مثلا بحد أو رسم كان نوعا من المعرفة ثم إذا أبصرناها وغمضنا العين كان نوعا آخر فوق الأول ثم إذا فتحنا العين حصل نوع آخر من الإدراك فوق الأولين نسميها الرؤية ولا تتعلق في الدنيا إلا بما هو في جهة ومكان فمثل هذه الحالة الإدراكية هل تصح أن تقع بدون المقابلة والجهة وإن تتعلق بذات الله تعالى منزها عن الجهة والمكان ولم يقتصر الأصحاب على أدلة الوقوع مع أنها تفيد الإمكان أيضا لأنها سمعيات ربما يدفعها الخصم بمنع إمكان المطلوب فاحتاجوا إلى بيان الإمكان أولا والوقوع ثانيا ولم يكتفوا بما يقال الأصل في الشيء سيما فيما ورد به الشرع هو الإمكان ما لم يزد عنه الضرورة والبرهان فمن ادعى الامتناع فعليه البيان لأن هذا إنما يحس في مقام النظر والاستدلال دون المناظرة والاحتجاج فإن قيل المعول عليه من الأدلة الإمكان أيضا سمعي لأن إحدى مقدمتيه وهو أن موسى عليه السلام طلب الرؤية وأن الرؤية علقت على استقرار الجبل إنما يثبت بالنقل دون العقل قلنا نعم لكنه قطعي لا نزاع في إمكانه بل وقوعه لنا من المنقول قوله تعالى حكاية رب أرني أنظر إليك الآية والاستدلال فيها من وجهين أحدهما أنه لو لم تجز الرؤية لم يطلبها موسى عليه السلام واللازم باطل بالنص والإجماع والتواتر وتسليم الخصم وجه اللزوم أنه إن كان عالما بالله تعالى وما يجوز وما لا يجوز كان طلبه الرؤية عبثا واجتراء بمالا يليق بالأنبياء عليهم السلام وإن كان جاهلا لم يصلح أن يكون نبيا كليما وثانيهما أنه علق الرؤية على استقرار الجبل وهو ممكن في نفسه ضرورة والمعلق على الممكن ممكن لأن معنى التعليق إن المعلق يقع على تقرير المعلق عليه والمحال لا يقع على شيء من التقادير واعترضت المعتزلة بوجوه الأول أن موسى عيه السلام لم يطلب الرؤية بل عبر بها عن لازمها الذي هو العلم الضروري الثاني أنه على حذف المضاف والمعنى أرني آية من آياتك أنظر إلى آيتك وكلاهما فاسد لمخالفته الظاهر بلا ضرورة ولعدم مطابقته الجواب أعني قوله لن تراني لأنه نفي لرؤية الله تعالى بإجماع المعتزلة لا للعلم الضروري ولا لرؤية الآية والعلامة كيف وموسى عالم بربه تعالى سمع كلامه وجعل يناجيه ويخاطبه واختص من عنده بآيات كثيرة فما معنى طلب العلم الضروري واندكاك الجبل أعظم آية من آياته فكيف يستقيم نفي رؤية الآية وأيضا الآية إنما هي عند اندكاك الجبل لا استقراره فكيف يصح تعليق رؤيتها بالاستقرار وأيضا الرؤية المقرونة بالنظر الموصول بإلى نص في الرؤية كذا في الإرشاد لإمام الحرمين وما وقع في المواقف من أن الرؤية وإن استعملت للعلم لكنه بعيد جدا إذا وصلت بإلى سهو أو مأول بأن النظر بمعنى الرؤية فوصله وصلها وإلا فليس في الآية وصل الرؤية بإلى الثالث للجاحظ وأتباعه أن موسى عليه السلام إنما سأل الرؤية لأجل قومه حين قالوا أرنا الله جهرة وقالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة وأضاف السؤال إلى نفسه ليمنع فيعلم امتناعها بالنسبة إلى القوم بالطريق الأولى ولهذا قال أفتهلكنا بما فعل السفهاء منا وهذا مع مخالفته الظاهر حيث لم يقل أرهم ينظرون إليك فاسد أما أولا فلأن تجويز الرؤية باطل بل كفر عند أكثر المعتزلة فلا يجوز لموسى تأخير الرد وتقرير الباطل ألا يرى أنهم لما قالوا اجعل لنا إلها كما لهم آلهة رد عليهم من ساعته بقوله إنكم قوم تجهلون

Bölüm V02/P111–V02/P112

وأما ثانيا فلأنه لم يبين لهم الامتناع بل غايته الإخبار بعدم الوقوع وإنما أخذتهم الصاعقة لقصدهم التعنت والإلزام على موسى عليه السلام لا لطلبهم الباطل وأما ثالثا فلأنهم إن كانوا مؤمنين بموسى مصدقين لكلامه كفاهم إخباره بامتناع الرؤية من غير طلب للمحال ومشاهدة لما جرت من الأحوال والأهوال والألم يفد الطلب والجواب لأنهم وإن سمعوا الجواب فهو المخبر بأنه كلام الله تعالى والمعتزلة تحيروا في هذا المقام فزعموا تارة أنهم كانوا مؤمنين لكن لم يعلموا مسألة الرؤية فظنوا جوازها عند سماع الكلام واختار موسى عليه السلام في الرد عليهم طريق السؤال والجواب من الله ليكون أوثق عندهم وأهدى إلى الحق وتارة أنهم لم يكونوا مؤمنين حق الإيمان ولا كافرين بل مستدلين أو فاسقين أو مقلدين فاقترحوا ما اقترحوا وأجيبوا بما أجيبوا وأضاف موسى الرؤية إلى نفسه دونهم لئلا يبقى لهم عذر ولا يقولوا لو سألها لنفسه لرآه لعلو قدره وكل ذلك خبط لأن السائلين القائلين لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة لم يكونوا مؤمنين ولا حاضرين عند سؤال الرؤية ليسمعوا جواب الله وإنما الحاضرون هم السبعون المختارون ولا يتصور منهم عدم تصديق موسى عليه السلام في الأخبار بامتناع الرؤية ولا فائدة للسؤال بحضرتهم على تقدير امتناع الرؤية إلا أن يطلعوا فيحيروا السائلين ولا شك أنهم إذا لم يقبلوه من موسى مع تأيده بالمعجزات فمن السبعين أولى الرابع أنه سأل الرؤية مع علمه بامتناعها لزيادة الطمأنينة بتعاضد دليل العقل والسمع كما في طلب إبراهيم عليه السلام أن يريه كيفية إحياء الموتى ورد بأن هذا لا ينبغي أن يكون بطريق طلب المحال الموهم لجهله بما يعرفه آحاد المعتزلة الخامس أن معرفة الله تعالى لا تتوقف على العلم بمسألة الرؤية فيجوز أن يكون لاشتغاله بسائر العلوم والوظائف الشرعية لم يخطر بباله هذه المسألة حتى سألوها منه فطلب العلم ثم تاب عن تركه طريقة الاستدلال أو خطرت بباله وكان ناظرا فيها طالبا للحق فاجترأ على السؤال لتتبين له جلية الحال وهذا تغيير وتلطيف للعبارة في التعبير عن جهل كليم الله تعالى بما يجوز عليه وبما لا يجوز وقصوره في المعرفة عن حثالة المعتزلة نعوذ بالله من الغباوة والغواية واعلم أن توجيه هذه الاعتراضات على قانون المناظرة أنا لا نسلم أنه طلب الرؤية بل العلم الضروري أو رؤية آية أو علامة ولو سلم فلا نسلم لزوم الجهل أو العبث لجواز أن يكون لغرض إرشاد القوم أو زيادة اطمئنان القلب ولو سلم فلا نسلم استحالة جهل موسى عليه السلام بمثل هذه المسائل فعليك بتطبيق الأجوبة وأما الاعتراض على الوجه الثاني من طريق الاستدلال فمن وجوه

Bölüm V02/P112–V02/P113

أحدها أنا لا نسلم أنه علق الرؤية على استقرار الجبل مطلقا أو حالة السكون ليكون ممكنا بل عقيب النظر بدلالة الفاء وهو حالة تزلزل واندكاك ولا نسلم إمكان الاستقرار حينئذ والجوب أن الاستقرار حالة الحركة أيضا ممكن بأن يحصل بدل الحركة السكون لأن الإمكان الذاتي لا يزول ولهذا صح جعله دكا فإنه لا يقال جعله دكا إلا فيما يجوز أن لا يكون كذا وإنما المحال هو اجتماع الحركة والسكون وهذا كما أن قيام زيد حال قعوده ممكن وبالعكس واجتماعهما محال وما يقال أن الاستقرار مع الحركة محال إن أريد الاجتماع فمسلم لكن ليس هو المعلق عليه وإن أريد المقيد بالمعية فممنوع فإن قيل قد جعلتم الأعم وهو الإمكان الذاتي مستلزما للأخص وهو الاستقبالي قلنا العموم والخصوص بينهما إنما هو بحسب المفهوم دون الوجود لأن الممكن الذاتي ممكن أبدا وقد يقال في الجواب أنه علقها على استقرار الجبل من حيث هو من غير قيد وهو ممكن في نفسه فيرد عليه أنه واقع في الدنيا فيلزم وقوع الرؤية فيها اللهم إلا أن يقال المراد استقرار الجبل من حيث هو لكن في المستقبل وعقيب النظر بدليل الفاء وإن فلا يرد السكون السابق أو اللاحق فإن قيل وجود الشرط لا يستلزم وجود المشروط قلنا ذلك في الشرط بمعنى ما يتوقف عليه الشيء ولا يكون داخلا فيه وأما الشرط التعليقي فمعناه ما يتم به علية العلة وآخر ما يتوقف عليه الشيء وما جعل بمنزلة الملزوم لما علق عليه وثانيها أن ليس القصد ههنا إلى بيان إمكان الرؤية أو امتناعها بل إلى بيان أنها لم تقع لعدم وقوع المعلق عليه ورد بأن المدعى لزوم الإمكان قصد أو لم يقصد وقد ثبت وثلثها أنه لما لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط وهو الرؤية في المستقبل فانتفت أبدا لتساوي الأزمنة فكانت محالا وهذا في غاية الفساد ورابعها أن التعليق بالجائز إنما يدل على الجواز إذا كان القصد إلى وقوع المشروط عند وقوع الشرط وأما إذا كان القصد إلى الإقناط الكلي عن وجود المشروط بشهادة القرائن كما في هذه الآية فلا ورد بأن الآية على الأطماع أدل منها على الإقناط وسيجيء الكلام على القرائن وقد يقال أن في الآية وجهين آخرين من الاستدلال أحدهما أنه قال لن تراني ولم يقل لست بمرئي على ما هو مقتضى المقام لو امتنعت الرؤية وأخطأ السائلون والآخر أنه ليس معنى التجلي للجبل أنه ظهر عليه بعدما كان محجوبا عنه بل أنه خلق فيه الحياة والرؤية فرآه على ماحكى ابن فورك عن الأشعري وضعفهما ظاهر وقال وثالثهما تمسك المتقدمون من أهل السنة في إمكان الرؤية بدليل عقلي تقريره أنا نرى الجواهر والأعراض بحكم الضرورة كالأجسام وكالأضواء والألوان والأكوان وباتفاق الخصوم وإن زعم لبعض منهم في بعض الأعراض أنها أجسام وفي الطول الذي هو جواهر ممتدة أنه عرض ورد بأنه يدرك الطول بمجرد تألف عدة من الجواهر في سمت وإن لم يخطر بالبال شيء من الأعراض وقد يستدل على رؤية القبيلتين بأنا نميز بالبصر بين نوع ونوع من الأجسام كالشجر والحجر ونوع ونوع من الألوان كالسواد والبياض من غير أن يقوم شيء منها بآلة الإبصار وبالجملة لما صحت رؤيتهما وصحة الرؤية أمر يتحقق عند الوجود وينتفي عند العدم لزم أن يكون لها علة لامتناع الترجح بلا مرجح وأن تكون تلك العلة مشتركة بين الجوهر والعرض لما مر من امتناع تعليل الواحد بعلتين وهي إما الوجود وإما الحدوث إذ لا ثالث يصلح للعلية والحدوث أيضا غير صالح لأنه عبارة عن مسبوقية الوجود بالعدم وهو اعتباري محض أو عن الوجود بعد العدم ولا مدخل للعدم فتعين الوجود وهو مما يشترك فيه الواجب لما مر في بحث الوجود فلزم صحة رؤيته وهو المط واعترض عليه بوجوه يندفع أكثرها بما دل عليه كلام إمام الحرمين من أن المراد بالعلة ههنا ما يصلح متعلقا للرؤية لا المؤثر في الصحة على ما فهمه الأكثرون

Bölüm V02/P113–V02/P114

فالاعتراض الأول أن الصحة معناها الإمكان وهو أمر اعتباري لا يفتقر إلى علة موجودة بل يكفيه الحدوث الذي هو أيضا اعتباري ووجه اندفاعه أن ما لا تحقق له في الأعيان لا يصلح متعلقا للرؤية بالضرورة الثاني أنه لا حصر للمشترك بينهما في الحدوث والوجود فإن الإمكان أيضا مشترك فلم لا يجوز أن يكون هو العلة ووجه اندفاعه أن الإمكان اعتباري لا تحقق له في الخارج فلا يمكن تعلق الرؤية به وكيف والمعدوم متصف بالإمكان فيلزم أن يصح رؤيته وهو باطل بالضرورة الثالث أن صحة رؤية الجوهر لا تماثل صحة رؤية العرض إذ لا يسد أحدهما مسد الآخر فلم لا يجوز أن يعلل كل منهما بعلة على الانفراد ولو سلم تماثلهما فالواحد النوعي قد يعلل بعلتين مختلفتين كالحرارة بالشمس والنار فلا يلزم أن يكون له علة مشتركة ووجه اندفاعه أن متعلق الرؤية لا يجوز أن يكون من خصوصيات الجوهرية أو العرضية بل يجب أن يكون مما يشتركان فيه للقطع بأنا قد نرى الشيء وندرك أن له هوية ما من غير أن ندرك كونه جوهرا أو عرضا فضلا عن أن ندرك ما هو زيادة خصوصية لأحدهما ككونه إنسانا أو فرسا سوادا أو خضرة بل ربما نرى زيدا بأن تتعلق رؤية واحدة بهويته من غير تفصيل لما فيه من الجواهر والأعراض ثم قد نفصله إلى ما له من تفاصيل الجواهر والأعراض وقد نغفل عن التفاصيل بحيث لا نعملها عندما سئلنا عنها وإن استقصينا في التأمل فعلم أن ما يتعلق به الرؤية هو الهوية المشتركة لا الخصوصيات التي بها الافتراق وهذا معنى كون علة صحة الرؤية مشتركة بين الجوهر والعرض الرابع أن بعد ثبوت كون الوجود هو العلة وكونه مشتركا بين الجوهر والعرض وبين الواجب لا يلزم من صحة رؤيتهما صحة رؤيته لجواز أن تكون خصوصية الجوهرية أو العرضية شرطا لها أو خصوصية الواجبية مانعا عنها ووجه اندفاعه أن صحة رؤية الشيء الذي له الوجود الذي هو المتعلق للرؤية ضروري بل لا معنى لصحة رؤيته إلا ذلك ثم الشرطية أو المانعية إنما تتصور لتحقق الرؤية لا لصحتها وقد يعترض بوجوه أخر الأول منع اشتراك الوجود بين الواجب وغيره بل وجود كل شيء عين حقيقته ولا خفاء في أن حقيقة الواجب لا تماثل حقيقة الممكن وحقيقة الإنسان لا تماثل حقيقة الفرس وجوابه ما مر في بحث الوجود وغاية الأمر أن الاعتراض يرد على الأشعري إلزاما ما دام كلامه محمولا على ظاهره وأما بعد تحقيق أن الوجود هو كون الشيء له هوية فاشتراكه ضروري الثاني أنه يلزم على ما ذكرتم صحة رؤية كل موجود حتى الأصوات والطعوم والروائح والاعتقادات والقدر والإرادات وأنواع الإدراكات وغير ذلك من الموجودات وبطلانه ضروري والجواب منع بطلانه وإنما لا تتعلق بها الرؤية بناء على جري العادة بأن الله تعالى لا يخلق فينا رؤيتها لا بناء على امتناع ذلك وما ذكره الخصم مجرد استبعاد

Bölüm V02/P114–V02/P116

الثالث نقص الدليل بصحة المخلوقية فإنها مشتركة بين الجوهر والعرض ولا مشترك بينهما يصلح علة لذلك سوى الوجود فيلزم صحة مخلوقية الواجب وهو محال والجواب أنها أمر اعتباري محض لا يقتضي علة إذ ليست مما يتحقق عند الوجود وينتفي عند العدم كصحة الرؤية سلمنا لكن الحدوث يصلح ههنا علة لأن المانع من ذلك في صحة الرؤية إنما هو امتناع تعلق الرؤية بما لا تحقق له في الخارج وأما النقض بصحة الملموسية فقوي والإنصاف أن ضعف هذا الدليل جلي وعلى ما ذكرنا من أن المراد بالعلة ههنا متعلق الرؤية يكون المرئي من كل شيء وجوده وقال الإمام الرازي في نهاية العقول من أصحابنا من التزم أن المرئي هو الوجود فقط وأنا لا نبصر اختلاف المختلقات بل نعلمه بالضرورة وهذه مكابرة لا نرتضيها بل الوجود علة لصحة كون الحقيقة المخصوصة مرئية ( قال وعلى الوقوع ) الإجماع والنص لا خفاء في أن إثبات وقوع الرؤية لا يمكن إلا بالأدلة السمعية وقد احتجوا عليه بالإجماع والنص أما الإجماع فاتفاق الأمة قبل حدوث المخالفين على وقوع الرؤية وكون الآيات والأحاديث الواردة فيها على ظواهرها حتى روى حديث الرؤية أحد وعشرون رجلا من كبار الصحابة رضي الله عنهم وأما النص فمن الكتاب قوله تعالى وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة فإن النظر الموصول بإلى إما بمعنى الرؤية أو ملزوم لها بشهادة النقل عن أئمة اللغة والتتبع لموارد استعماله وإما مجاز عنها لكونه عبارة عن تقليب الحدقة نحو المرئي طلبا لرؤيته وقد تعذر ههنا الحقيقة لامتناع المقابلة والجهة فتعين الرؤية لكونها أقرب المجازات بحيث التحق بالحقائق بشهادة العرف والتقديم لمجرد الاهتمام ورعاية الفاصلة دون الحصر أو للحصر ادعاء بمعنى أن المؤمنين لاستغراقهم في مشاهدة جماله وقصر النظر على عظمة جلاله كأنهم لا يلتفتون إلى ما سواه ولا يرون إلا الله واعترض بأن إلى ههنا ليست حرفا بل اسما بمعنى النعمة واحد الآلاء وناظرة من النظر بمعنى الانتظار كما في قوله تعالى انظرونا نقتبس من نوركم ولو سلم فالموصول بإلى أيضا قد يجيء بمعنى الانتظار كما في قول الشاعر ( وجوه ناظرات يوم بدر إلى الرحمن تأتي بالفلاح ) وقوله ( وشعث ينظرون إلى بلال كما نظر الظماء إلى الغمام ) وقوله ( كل الخلائق ينظرون سجاله نظر الحجيج إلى طلوع هلال ) ولو سلم فالنظر الموصول بإلى ليس بمعنى الرؤية ولا ملزوما لها لاتصافه بما لا يتصف به الرؤية مثل الشدة والازورار والرضى والتجبر والذل والخشوع ولتحققه مع انتفاء الرؤية مثل نظرت إلى الهلال فلم أره قال الله تعالى وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون وجعله مجازا عن الرؤية ليس بأولى من حمله على حذف المضاف أي ناظرة إلى ثواب ربها على ما ذكره علي رضي الله عنه وكثير من المفسرين وبالجملة فلا خفاء في أن ما ذكرنا احتمالات تدفع الاحتجاج بالآية وأجيب بأن سوق الآية لبشارة المؤمنين وبيان أنهم يومئذ في غاية الفرح والسرور والإخبار بانتظارهم النعمة والثواب لا يلائم ذلك بل ربما ينافيه لأن الانتظار موتا أحمر فهو بالغم والحزن والقلق وضيق الصدر أجدر وإن كان مع القطع بالحصول على أن كون إلى اسما بمعنى النعمة لو ثبت في اللغة فلا خفاء في بعده وغرابته وإخلاله بالفهم عند تعلق النظر به ولهذا لم يحمل الآية عليه أحد من أئمة التفسير في القرن الأول والثاني بل أجمعوا على خلافه وكون النظر الموصول بإلى سيما المسند إلى الوجه بمعنى الانتظار مما لم يثبت عن الثقاة ولم يدل عليه الأبيات لجواز أن يحمل على تقليب الحدقة بتأويلات لا يخفى وأما اعتبار حذف المضاف فعدول عن الحقيقة أو المجاز المشهور إلى الحذف الذي لا تظهر فيه قرينة تعين المحذوف وتمام الكلام في الإشكالات الموردة من قبل المعتزلة على الاحتجاج بالآية والتفصي عنها من قبل أهل الحق مذكور في نهاية العقول للإمام الرازي لكن الإنصاف أنه لا يفيد القطع ولا ينفي الاحتمالات ومنه قوله تعالى كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون حقر شأن الكفار وخصهم بكونهم محجوبين فكان المؤمنون غير محجوبين وهو معنى الرؤية والحمل على كونهم محجوبين عن ثوابه وكرامته خلاف الظاهر ومنه قوله تعالى للذين أحسنوا الحسنى وزيادة فسر جمهور أئمة التفسير الحسنى بالجنة والزيادة بالرؤية على ما ورد في الخبر كما سيجيء وهو لا ينافي ما ذكره البعض من أن الحسنى هو الجزاء المستحق والزيادة هي الفضل فإن قيل الرؤية أصل الكرامات وأعظمها فكيف يعبر عنها بالزيادة قلنا للتنبيه على أنها أجل من أن تعد في الحسنات وفي أجزية الأعمال الصالحات والنص من السنة قوله عليه الصلاة والسلام إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته ومنها ما روي عن صهيب أنه قال قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية للذين أحسنوا الحسنى وزيادة قال إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يشتهي أن ينجزكموه قالوا ما هذا الموعد ألم يثقل موازيننا وينضر وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار قال فيرفع الحجاب فينظرون إلى وجه الله عز وجل قال فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر ومنها قوله عليه السلام إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة أكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة وقد صحح هذه الأحاديث من يوثق به من أئمة الحديث إلا أنها آحاد قال تمسك المخالف بوجوه يعني للمعتزلة شبه عقلية وسمعية بعضها يمنع صحة الرؤية وبعضها وقوعها فالعقلية أصولها ثلاثة

Bölüm V02/P116–V02/P118

الأولى شبهة المقابلة وهي أنه لو كان مرئيا لكان مقابلا للرائي حقيقة كما في الرؤية بالذات أو حكما كما في الرؤية بالمرآة والحق أنه لا حاجة إلى هذا التفصيل لأن المرئي بالمرآة هو الصورة المنطبعة فيها المقابلة للرائي حقيقة لا ما له الصورة كالوجه مثلا ويدعون في لزوم المقابلة الضرورة ويفرعون على ذلك وجوها من الاستدلال مثل أنه لو كان مرئيا لكان في جهة وحيز وهو محل ولكان جوهرا أو عرضا لأن المتحيز بالاستقلال جوهر وبالتبعية عرض ولكان إما في البدن أو خارج البدن أو فيهما ولكان في الجنة أو خارج الجنة أو فيهما إذ لا تعقل الرؤية إن لم تكن فيه ولا خارجة لانتفاء المقابلة ولكان المرئي إما كله فيكون محدودا متناهيا أو بعضه فيكون متبعضا متجزيا وهذا بخلاف العلم فإنه إنما يتعلق بالصفات ولا فساد في أن يكون المعلوم كلها أو بعضها ولكان إما على مسافة من الرائي فيكون في حيز وجهة أو لا فيكون في العين أو متصلا بها ولكان رؤية المؤمنين إياه إما دفعة فيكون متصلا بعين كل أحد بتمامه فيتكثر أو لا بتمامه فيتجزأ أو منفصلا عنها فيكون على مسافة وأما على التعاقب مع استوائهم في سلامة الحواس فيلزم الحجاب بالنسبة إلى البعض ولكان رؤيته إما مع رؤية شيء آخر مما في الجنة فيكون على جهة منه ضرورة أن رؤية الشيئين دفعة لا تعقل إلا كذلك وإما لا معها فيكون ما هو باطن في الدارين مرئيا وما هو ظاهر غير مرئي مع شرائط الرؤية وحديث غلبة شعاع أحد المرئيين إنما يصح في الأجسام والجواب أن لزوم المقابلة والجهة ممنوع وإنما الرؤية نوع من الإدراك يخلقه الله متى شاء ولأي شيء شاء ودعوى الضرورة فيما نازع فيه الجم الغفير من العقلاء غير مسموع ولو سلم في الشاهد فلا يلزم في الغائب لأن الرؤيتين مختلفتان إما بالماهية وإما بالهوية لا محالة فيجوز اختلافهما في الشروط واللوازم وهذا هو المراد بالرؤية بلا كيف بمعنى خلوها عن الشرائط والكيفيات المعتبرة في رؤية الأجسام والأعراض لا بمعنى خلو الرؤية أو الرائي أو المرئي عن جميع الحالات والصفات على ما يفهمه أرباب الجهالات فيعترضون بأن الرؤية فعل من أفعال العبد أو كسب من أكسابه فبالضرورة يكون واقعا بصفة من الصفات وكذا المرئي بحاسة العين لا بد أن يكون له كيفية من الكيفيات نعم يتوجه أن يقال نزاعنا إنما هو في هذا النوع من الرؤية لا في الرؤية المخالفة لها بالحقيقة المسماة عندكم بالانكشاف التام وعندنا بالعلم الضروري قال الثاني الشبهة الثانية شبهة الشعاع والانطباع وهي أن الرؤية إما باتصال شعاع العين المرئي وإما بانطباع الشبح من المرئي في حدقة الرائي على اختلاف المذهبين وكلاهما في حق الباري ظاهر الامتناع فتمتنع رؤيته والجواب أن هذا مما نازع فيه الفلاسفة فضلا عن المتكلمين على ما سبق في بحث القوى ولو سلم فإنما هو في الشاهد دون الغائب إما على تقدير اختلاف الرؤيتين بالماهية فظاهر وإما على تقدير اتفاقهما فلجواز أن يقع أفراد الماهية الواحدة بطرق مختلفة ( قال الثالث ) الشبهة الثالثة شبهة الموانع وهي أنه لو جازت رؤيته تعالى لدامت لكل سليم الحاسة في الدنيا والآخرة فيلزم أن نراه الآن وفي الجنة على الدوام والأول منتف بالضرورة والثاني بالإجماع وبالنصوص القاطعة الدالة على اشتغالهم بغير ذلك من اللذات وجه اللزوم أنه يكفي للرؤية في حق الغائب سلامة الحاسة وكون الشيء جائز الرؤية لأن المقابلة وانتفاء الموانع من فرط الصغر أو اللطافة أو القرب أو البعد أو حيلولة الحجاب الكثيف أو الشعاع المناسب لضوء العين إنما يشترط في الشاهد أعني رؤية الأجسام والأعراض فعند تحقق الأمرين لو لم تجب الرؤية لجاز أن تكون بحضرتنا جبال شاهقة لا نراها لأن الله تعالى لم يخلق رؤيتها أو لتوقفها على شرط آخر وهذا قطعي البطلان والجواب أنه إن أريد جواز ذلك في نفسه بمعنى كونه من الأمور الممكنة فليس قطعي البطلان بل قطعي الصحة والشرطية المذكورة ليست لزومية بل اتفاقية بمنزلة قولنا لو لم تجب الرؤية عند تحقق الشرائط لكان العالم ممكنا وإن أريد جوازه عند العقل بمعنى تجويز ثبوت الجبال وعدم جزمه بانتفائها فاللزوم ممنوع فإن انتفاءها من العاديات القطعية الضرورية كعدم جبل من الياقوت وبحر من الزئبق ونحو ذلك مما يخلق الله تعالى العلم الضروري بانتفائها وإن كان ثبوتها من الممكنات دون المحالات وليس الجزم به مبنيا على العلم بأنه تجب الرؤية عند وجود شرائطها لحصوله من غير ملاحظة ذلك بل مع الجهل بذلك سلمنا وجوب الرؤية عند تحقق الشرائط المذكورة في حق الشاهد لكن لا نسلم وجوبها في الغائب عند تحقق الأمرين لجواز أن تكون الرؤيتان مختلفتين في الماهية فتختلفان في اللوازم أو تكون رؤية الخالق مشروطة بزيادة قوة إدراكية في الباصرة لا يخلقها الله إلا في الجنة في بعض الأزمان ثم لا يخفى ضعف ما ذكره بعض المعتزلة من أن العينين أعني الدنيوية والأخروية لما كانتا مثلين لزم تساويهما في الأحكام واللوازم والشروط وأن الشروط والموانع يجب أن تكون منحصرة فيما ذكرنا للدوران القطعي ولأنه إذا قيل أن لنا هناك مرئيا آخر مقرونا بجميع ما ذكر من الشرائط وانتفاء الموانع إلا أنه لا يرى لانتفاء شرط أو تحقق مانع غير ذلك فنحن نقطع ببطلانه واحتج الإمام الرازي على بطلان انحصار الشرائط فيما ذكروه بوجهين

Bölüm V02/P118–V02/P119

أحدهما مبناه على قاعدة المتكلمين أعني تركب الجسم من أجزاء لا تتجزأ أنا نرى الجسم الكبير من البعيد صغيرا وما ذاك إلا لرؤية بعض أجزائه دون البعض مع استواء الكل في الشرائط المذكورة فلولا اختصاص البعض بشرط وارتفاع مانع لما كان كذلك وثانيهما أنا نرى ذرات الغبار عند اجتماعها ولا نراها عند تفرقها مع حصول الشرائط المذكورة في الحالين فعلمنا اختصاصها حالة التفرق بانتفاء شرط أو وجود مانع لا يقال بل ذلك لانتفاء شرط الكثافة وتحقق مانع الصغر لأنا نقول فحينئذ تكون رؤية كل ذرة مشروطة بانضمام الأخرى إليها وهو دور وأجيب عن الأول بمنع التساوي فإن أجزاء الجسم متفاوتة في القرب والبعد من الحدقة فلعل البعض منها تقع في حد البعد المانع من الرؤية بخلاف البعض وعن الثاني بأنه دور معية لا تقدم قال الرابع هذه هي الشبه السمعية وأقواها قوله تعالى لا تدركه الأبصار والتمسك به من وجهين أحدهما أن إدراك البصر عبارة شائعة في الإدراك بالبصر إسنادا إلى الآلة والإدراك بالبصر هو الرؤية بمعنى اتحاد المفهومين أو تلازمهما بشهادة النقل عن أئمة اللغة والتتبع لموارد الاستعمال والقطع بامتناع إثبات أحدهما ونفي الآخر مثل أدركت القمر ببصري وما رأيته والجمع المعرف باللام عند عدم قرينة العهد والبعضية للعموم والاستغراق بإجماع أهل العربية والأصول وأئمة التفسير وبشهادة استعمال الفصحاء وصحة الاستثناء فالله سبحانه قد أخبر بأنه لا يراه أحد في المستقبل فلو رآه المؤمنون في الجنة لزم كذبه وهو محال لا يقال إذا كان الجمع للعموم فدخول النفي عليه يفيد سلب العموم ونفي الشمول على ما هو معنى السلب الجزئي لا عموم السلب وشمول النفي على ما هو معنى السلب الكلي فلا يكون إخبارا بأنه لا يراه أحد بل بأنه لا يراه كل أحد والأمر كذلك لأن الكفار لا يرونه لأنا نقول كما يستعمل لسلب العموم مثل ما قام العبيد كلهم ولم آخذ الدراهم كلها كذلك يستعمل لعموم السلب كقوله تعالى وما الله يريد ظلما للعالمين ولا تطع الكافرين والمنافقين وكذلك صريح كلمة كل مثل لا يفلح كل أحد ولا أقبل كل درهم ومثل والله لا يحب كل مختال فخور ولا تطع كل حلاف مهين وتحقيقه أنه إن اعتبرت النسبة إلى الكل أو لا ثم نفيت فهو لسلب العموم وإن اعتبرت النفي أو لا ثم نسبت إلى الكل فلعموم السلب وكذلك جميع القيود حتى أن الكلام المشتمل على نفي وقيد قد يكون لنفي التقييد وقد يكون لتقييد النفي فمثل ما ضربته تأديبا أي بل إهانة سلب للتعليل والعمل للفعل وما ضربته إكراما له أي تركت ضربه للإكرام تعليل للسلب والعمل للنفي وما جاءني راكبا أي بل ماشيا نفي للكيفية وما حج مستطيعا أي ترك الحج مع الاستطاعة تكييف للنفي وعلى هذا الأصل يبتني أن النكرة في سياق النفي إنما تعم إذا تعلقت بالفعل مثل ما جاءني رجل لا بالنفي مثل قولنا الأمي من لا يحسن من الفاتحة حرفا وأن إسناد الفعل المنفي إلى غير الفاعل والمفعول يكون حقيقة إذا قصد نفي الإسناد مثل ما نام الليل بل صاحبه ومجازا إذا قصد إسناد النفي مثل ما نام ليلي وما صام نهاري وما ربحت تجارته بمعنى سهر وأفطر وخسرت وكذا ما ليلي بنائم وإن كان ظاهره على نفي الإسناد كان المعنى ليلي ساهر وإن متعلق النهي قد يكون قيدا للمنهي مثل لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى وقد يكون قيدا للنهي أي طلب الترك مثل لا تكفر لتدخل اجلنة وإن مثل وما هم بمؤمنين لتأكيد النفي لا لنفي التأكيد وما زيدا ضربت لاختصاص النفي لا لنفي الاختصاص وأغير الله أعبد لاختصاص الإنكار دون العكس وإذا تحقق النفي فالإثبات أيضا كذلك حتى أن الشرط كما يكون سببا لمضمون الجزاء فقد يكون سببا لمضمون الإخبار به والإعلام كقوله تعالى وما بكم من نعمة فمن الله وإن متعلق الأمر كما يكون قيدا للمطلوب فقد يكون قيدا للطلب مثل صل لأنها فريضة وزك لأنك غني وهذا أصل كثير الشعب غزير الفوائد يجب التنبه له والمحافظة عليه ولم يبينه القوم على ما ينبغي فلذا أشرنا إليه إذا تقرر هذا فنقول كون الجمع المعرف باللام في النفي لعموم السلب هو الشائع في الاستعمال حتى لا يوجد مع كثرته في التنزيل إلا بهذا المعنى وهو اللائق بهذا المقام على ما لا يخفى

Bölüm V02/P119–V02/P120

وثانيهما أي ثاني وجهي التمسك بالآية أن نفي إدراكه بالبصر وارد مورد التمدح مدرج في أثناء المدح فيكون نقيضه وهو الإدراك بالبصر نقصا وهو على الله تعالى محال فيدل هذا الوجه على نفي الجواز والجواب أولا أنه لو سلم عموم الإبصار وكون الكلام لعموم السلب لكن لا نسلم عمومه في الأوقات والأحوال فيحمل على نفي الرؤية في الدنيا جمعا بين الأدلة وأورد عليه أولا أن هذا تمدح وما به التمدح يدوم في الدنيا والآخرة ولا يزول ودفع بأن امتناع الزوال إنما هو فيما يرجع إلى الذات والصفات وأما ما يرجع إلى الأفعال فقد يزول بحدوثها والرؤية من هذا القبيل فقد يخلقها الله في العين وقد لا يخلق ثم لو سلم عموم الأوقات فغايته الظهور والرجحان ومثله إنما يعتبر في العمليات دون العلميات وثانيا أنا لا نسلم أن الإدراك بالبصر هو الرؤية أو لازم لها بل هو رؤية مخصوصة وهو أن يكون على وجه الإحاطة بجوانب المرئي إذ حقيقته النيل والوصول مأخوذا من أدركت فلانا إذا لحقته ولهذا يصح رأيت القمر وما أدركه بصري لإحاطة الغيم به ولا يصح أدركه بصري وما رأيته فيكون أخص من الرؤية ملزوما لها بمنزلة الإحاطة من العلم فلا يلزم من نفيه نفيها ولا من كون نفيه مدحا كون الرؤية نقصا واستدلالهم بأن قولنا أدركت القمر ببصري وما رأيته تناقض إنما يفيد ما ذكرنا لا ما ذكروا ونقلهم عن أئمة اللغة افتراء فإن إدراك الحواس مستعار من أدركت فلانا إذا لحقته وقد صار حقيقة عرفية فالرجوع فيه إلى العرف دون اللغة فإن قيل فإذا كان الإدراك ما ذكرتم وهو مستحيل في حق الباري لم يكن لقوله لا تدركه الأبصار فائدة ولا لقوله وهو يدرك الأبصار جهة قلنا أما فائدته فالتمدح بتنزهه عن سمات الحدوث والنقصان من الحدود والنهايات وأما إدراكه الأبصار فعبارة عن رؤية إياها أو علمه بها تعبيرا عن اللازم بالملزوم

Bölüm V02/P120–V02/P123

وثالثا أن المنفي إدراك الأبصار ولا نزاع فيه والمتنازع إدراك المبصرين ولا دلالة على نفيه وهذا ينسب إلى الأشعري وضعفه ظاهر لما أشرنا إليه ولما أن جميع الأشياء كذلك إذ المرئيات منها إنما يدركها المبصرون لا الأبصار فلا تمدح في ذلك بل لا فائدة أصلا اللهم إلا أن يراد أن إدراك الأبصار هو الرؤية بالجارحة على طريق المواجهة والانطباع فيكون نفيه تمدحا وبيانا لتنزه الباري تعالى عن الجهة ولا يستلزم نفي الرؤية بالمعنى المتنازع فيه ( قال بل ربما يلزم جوازها ) إشارة إلى استدلال الأصحاب بالآية على جواز الرؤية وتقرير الظاهريين منهم أن التمدح بنفي الرؤية يستدعي جوازها ليكون ذلك للتمنع والتعذر بحجاب الكبرياء لا لامتناعها كالمعدوم حيث لا يرى ولا مدح له في ذلك واعترض بأن ذلك لعرائه عما هو أصل الممادح والكمالات أعني الوجود وأما الموجود فيتمدح بنفي الرؤية التي هي من صفات الخلق وسمات النقص وإن لم يجز رؤيته وأجيب بأنه لا تمدح في ذلك ايضا لأن كثيرا من الموجودات بهذه المثابة كالأصوات والطعوم والروائح وغيرها فاعترض بأن هذا لا يستقيم على أصلكم حيث جعلتم متعلق الرؤية هو الوجود وجوزتم رؤية كل موجود فأجيب بأن تلك الأعراض وإن كانت جائزة الرؤية إلا أنها مقرونة بإمارات الحدوث وسمات النقص فلم يكن نفي رؤيتها مدحا بخلاف الصانع فإنه علم بالأدلة القاطعة قدمه وكما له وأدرج تمدحه بنفي الرؤية في أثناء كلام ينفي سمات الحدوث والزوال ويشتمل على آيات العظمة والجلال أعني قوله تعالى بديع السماوات والأرض إلى قوله وهو اللطيف الخبير فدل على جواز الرؤية ليصلح نفيها تمدحا وصار الحاصل أن نفي الرؤية عن الموجود الجائز الرؤية الخالي عن سمات النقص بل المقرون بصفات الكمال تمدح له فاعترض بأنه يجب أن لا يزول فلا يرى في الآخرة لأن زوال ما به التمدح نقص وأجيب بأن ذلك إنما هو فيما يرجع إلى الذات وصفاته والتمدح بنفي الرؤية راجع إلى صفات الفعل لأن الرؤية بخلق الله تعالى ونفيها بخلق ضدها والأفعال حادثة يجوز زوالها وزوال الممادح الراجعة إليها إذ لا يحصل بذلك تغير في القديم ولا نقص في الذات ولما لم يستقم هذا على رأي القائلين بقدم التكوين ومغايرته للمكون لم يحسن جعل هذا التمدح راجعا إلى الفعل لأنه لا مدح للشيء في أن لا يخلق الله تعالى في أعين الناس رؤيته بل ضدها لأن كل ما دب ودرج لا يرى إذا لم يخلق الله تعالى رؤيته في الأبصار أجاب بعضهم بأن إدراك البصر هو الإحاطة بجوانب المرئي والوقوف على حدوده ونهاياته والتمدح به إنما يكون على تقدير صحة الرؤية وانتفاء إمارات الحدوث وسمات النقص إذ لا تمدح بنفي الإدراك فيما تمتنع رؤيته التي هي سبب الإدراك كالمعدوم ولا فيما تصح رؤيته لكن عرف حدوثه ونقصه كالأصوات والروائح والطعوم واعلم أن مبنى هذا الاستدلال على أن يكون كل من قوله لا تدركه الأبصار وقوله وهو يدرك الأبصار تمدحا على حدة لا أن يكون المجموع تمدحا واحدا فليتأمل ( قال الخامس ) هذه ثانية الشبه السمعية وتقريرها أن الله تعالى خاطب موسى عليه السلام عند سؤاله الرؤية بقوله لن تراني وكلمة لن للنفي في المستقبل على سبيل التأبيد فيكون نصا في أن موسى عليه السلام لا يراه في الجنة أو على سبيل التأكيد فيكون ظاهرا في ذلك لأن الأصل في مثله عموم الأوقات وإذا لم يره موسى عليه السلام لم يره غيره إجماعا والجواب أن كون كلمة لن للتأبيد لم يثبت ممن يوثق به من أئمة اللغة وكونها للتأكيد وإن ثبت بحيث لا يمنع إلا مكابرة لكن لا نسلم دلالة الكلام على عموم الأوقات لا نصا ولا ظاهرا ولو سلم الظهور فلا عبرة به في العلميات سيما مع ظهور قرينة الخلاف وهو وقوعه جوابا لسؤال الرؤية في الدنيا على أنه لو صرح بالعموم وجب الحمل على الرؤية في الدنيا توفيقا بين الأدلة ( قال السادس قوله تعالى وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء سبقت الآية لنفي أن يراه أحد من البشر حين يكلمه الله تعالى فكيف في غير تلك الحالة ونزلت حين قالوا لمحمد عليه الصلاة والسلام ألا تكلم الله وتنظر إليه كما كلم موسى عليه السلام ونظر إليه فقال لم ينظر إليه موسى وسكت والمعنى ما صح لبشر أن يكلمه الله إلا كلاما خفيا بسرعة في المنام والإلهام أو صوتا من وراء حجاب كما كان لموسى عليه السلام أو على لسان ملك كما هو الشائع الكثير من حال الأنبياء والجواب منع ذلك بل إنما سبقت الآية لبيان أنواع تكليم الله البشر والتكليم وحيا أعم من أن يكون مع الرؤية أو بدونها بل ينبغي أن يحمل على حال الرؤية ليصح جعل قوله أو من وراء حجاب عطفا عليه قسيما له إذ لا معنى له سوى كونه بدون الرؤية تمثيلا بحال من احتجب بحجاب ولو سلم دلالتها على نفي الرؤية ونزولها في ذلك فيحمل على الرؤية في الدنيا جمعا بين الأدلة وجريا على موجب القرينة أعني سبب النزول وقوله وحيا نصب على المصدر و من وراء حجاب صفة لمحذوف أي كلاما من وراء الحجاب أو يرسل عطف على وحيا بإضمار أن والإرسال نوع من الكلام ويجوز أن تكون الثلاثة في موضع الحال قال السابع ) تقريره أن الله حيثما ذكر في كتابه سؤال الرؤية استعظمه استعظاما شديدا واستنكره استنكارا بليغا حتى سماه ظلما وعتوا كقوله تعالى وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا وقوله وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون وقوله يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم فلو جازت رؤيته لما كان كذلك والجواب أن ذلك لتعنتهم وعنادهم على ما يشعر به مساق الكلام لا لطلبهم الرؤية ولهذا عوتبوا على طلب إنزال الملائكة عليهم والكتاب مع أنه من الممكنات وفاقا ولو سلم فلطلبهم الرؤية في الدنيا وعلى طريق الجهة والمقابلة على ما عرفوا من حال الأجسام والأعراض وقوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام تبت إليك وأنا أول المؤمنين معناه التوبة عن الجرأة والإقدام على السؤال بدون الإذن أو عن طلب الرؤية في الدنيا ومعنى الإيمان التصديق بأنه لا يرى في الدنيا وإن كانت ممكنة وما قال به بعض السلف من وقوع الرؤية بالبصر ليلة المعراج فالجمهور على خلافه وقد روي أنه سئل صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك فقال رأيت ربي بفؤادي وإن الرؤية في المنام فقد حكي القول بها عن كثير من السلف قال خاتمة اختلف القائلون برؤية الله تعالى في أنه هل يصح رؤية صفاته فقال الجمهور نعم لاقتضاء دليل الوجود صحة رؤية كل موجود إلا أنه لا دليل على الوقوع وكذا إدراكه بسائر الحواس إذا عللناه بالوجود سيما عند الشيخ حيث يجعل الإحساس هو العلم بالمحسوس لكن لا نزاع في امتناع كونه مشموما مذوقا ملموسا لاختصاص ذلك بالأجسام والأعراض وإنما الكلام في إدراكه بالشم والذوق واللمس من غير اتصال بالحواس وحاصله انه كما أن الشم والذوق واللمس لا يستلزم الإدراك لصحة قولنا شممت التفاح وذقته ولمسته فما أدركت رائحته وطعمه وكيفيته كذلك أنواع الإدراكات الحاصلة عند الشم والذوق واللمس لا يستلزمها بل يمكن أن يحصل بدونها ويتعلق بغير الأجسام والأعراض وإن لم يقم دليل على الوقوع لكنك خبير بحال دليل الوجود وجريانه في سائر الحواس فالأولى الاكتفاء بالرؤية قال المبحث الثاني اختلفوا في العلم بحقيقة الله تعالى للبشر أي في معرفة ذاته بكنه الحقيقة فقال بعدم حصوله كثير من المحققين خلاف لجمهور المتكلمين ثم القائلون بعدم الحصول جوزوه خلافا للفلاسفة احتج الأولون بوجهين

Bölüm V02/P123–V02/P124

أحدهما أن ما يعلم منه البشر هو السلوب والإضافات والأحسن أن يقال هو الوجود بمعنى أنه كائن في الخارج والصفات بمعنى أنه حي عالم قادر ونحو ذلك والسلوب بمعنى أنه واحد أزلي أبدي ليس بجسم ولا عرض وما أشبه ذلك والإضافات بمعنى أنه خالق ورازق ونحوهما وظاهر أن ذلك ليس علما يحققه الذات لا يقال الوجود عين الذات عند كثير من المحققين فالعلم به علم به لأنا نقول قد أشرنا إلى أن معنى العلم بوجوده التصديق بأنه موجود ليس بمعدوم لا تصور وجوده الخاص بحقيقته وكذا الكلام في الصفات وثانيهما أن ذاته المخصوصة جزئي حقيقي يمنع تصوره الشركة فيه ولا شيء مما يعلم منه كذلك ولهذا يفتقر في بيان التوحيد أي نفي الشركة إلى الدليل ولو كان المعلوم منه يمنع الشركة لما كان كذلك وما يقال أن الواجب كلي يمتنع كثرة أفراده فمعناه أن مفهوم الواجب كذلك لا الذات المخصوص الذي يصدق عليه أنه واجب ويرد على الوجهين أنا لا نسلم أن معلوم كل أحد من البشر ما ذكرتم ومن أين لكم الإحاطة بأفراد البشر ومعلوماتهم وقد يقال على الأخير أن من جملة ما علم منه الوحدانية بأدلتها القاطعة ومع اعتبار ذلك لا تتصور الشركة ولا الافتقار إلى بيان التوحيد فيجاب بأن هذا أيضا كلي إذ لا يمتنع فرض صدقه على كثيرين وإن كان المفروض محالا نعم يتوجه أن يقال الكلام في حقيقة الواجب لا في هويته ولهذا ترى القائلين بامتناع المعلومية يجعلون امتناع اكتسابه بالحد والرسم مبنيا على أنه لا تركب فيه وأن الرسم لا يفيد الحقيقة لا على أن الشخص لا يعرف بالحد والرسم والقائلين بحصول المعلومية يقولون أنه لا حقيقة له سوى كونه ذاتا واجب الوجود يجب كونه قادرا عالما حيا سميعا بصيرا إلى غير ذلك من الصفات حتى اجترأ المشايخية من المعتزلة فقالوا إنا نعلم ذاته كما يعلم هو ذاته من غير تفاوت وهذا البحث عند المتكلمين يعرف بمسألة المائية وينسب القول بها إلى ضرار حيث قال أن الله تعالى مائية لا يعلمها إلا هو ولو رؤي لرؤي عليها وفي قدرة الله تعالى أن يخلق في الخلق حاسة سادسة بها يدركون تلك المائية والخاصية وحين رؤي ذلك عن أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه أنكر أصحابه هذه الرواية اشد إنكار وذلك لأن المائية عبارة عن المجانسة حيث يقال ما هو بمعنى أي جنس هو من أجناس الأشياء والله تعالى منزه عن الجنس لأن كل ذي جنس مماثل لجنسه ولما تحته من الأنواع والأفراد فالقول به تشبيه وفسره بعضهم بأن الله تعالى يعلم نفسه بمشاهدة لا بدليل ولا بخبر ونحن نعلمه بدليل وخبر ومن يعلم الشيء بالمشاهدة يعلم منه مالا يعلمه من لا يشاهد وليس هناك شيء هو المائية ليلزم التشبيه وكان أصحابنا يعدلون عن لفظ المائية إلى لفظ الخاصية كما قال القاضي أن خاصيته غير معلومة لنا الآن وهل تعلم بعد رؤيته في الجنة فقد تردد احترازا عن التشبيه قال ثم هو كاف إشارة إلى جواب استدلال القائلين بوقوع العلم بحقيقته تحقيقا بأنا نحكم عليه بكثير من الصفات والتنزيهات والأفعال والحكم على الشيء يستدعي تصوره من حيث أخذ محكوما عليه وصح الحكم عليه فإذا كان الحكم على الحقيقة لزم العلم بالحقيقة وإلزاما بأن قولكم حقيقته غير معلومة اعتراف بكونها معلومة وإلا لم يصح الحكم عليها وأيضا الحكم إما إنها معلومة أو ليست بمعلومة وأيا ما كان يثبت المطلوب وتقرير الجواب أنها معلومة بحسب هذا المفهوم أعني كونها حقيقة الواجب وهذا أيضا من العوارض والوجوه والاعتبارات وكذا مفهوم الذات والماهية والكلام فيما يصدق عليه أنه الحقيقة والذات قال وأما الجواز تمسكت الفلاسفة في امتناع العلم بحقيقته بوجهين

Bölüm V02/P124

أحدهما أن العلم هو ارتسام صورة المعلوم في النفس أي ماهيته الكلية المنتزعة من الوجود العيني بحذف المشخصات بحيث إذا وجدت كانت ذلك الشيء وليست للواجب ماهية كلية معروضة للتشخص على ما تقرر في موضعه ولو فرض ذلك لكان الواجب مقولا على تلك الصور المأخوذة في الأذهان فيصير كثيرا ويبطل التوحيد وأجيب بأنا لا نسلم أن العلم بارتسام الصورة ولو سلم فلا كذلك العلم بالواجب ولا علم الواجب ولو سلم فالمنافي للتوحيد تعدد أفراد الواجب لا الصور المأخوذة منه والمخل بالشخصية إمكان فرض صدق المفهوم على الكثيرين لا صدق الموجود العيني على الصور

Bölüm V02/P124–V02/P126

وثانيهما أن تصور الشيء إما أن يحصل بالبديهة وهو منتف في الواجب وفاقا وإما بالحد وهو إنما يكون للمركب من الجنس والفصل والواجب ليس كذلك وإما بالرسم وهو لا يفيد العلم بالحقيقة والكلام فيه وأجيب بأنا لا نسلم انحصار طرق التصور في ذلك بل قد يحصل بالإلهام أو بخلق الله تعالى العلم الضروري بالكسبيات أو بصيرورة الأشياء مشاهدة للنفس عند مفارقتها البدن كسائر المجردات ولو سلم فالرسم وإن لم يستلزم تصور الحقيقة لكن قد يفضي إليه كما سبق قال الفصل الخامس في أفعاله وفيه مباحث أولها في خلق أفعال العباد بمعنى أنه هل من جملة أفعال الله تعالى خلق الأفعال الاختيارية التي للعباد بل لسائر الأحياء مع الاتفاق على أنها أفعالهم لا أفعاله إذ القائم والقاعد والآكل والشارب وغير ذلك هو الإنسان مثلا وإن كان الفعل مخلوقا لله تعالى فإن الفعل إنما يستند حقيقة إلى من قام به لا إلى من أوجده ألا يرى أن الأبيض مثلا هو الجسم وإن كان البياض بخلق الله وإيجاده ولا عجب في خفاء هذا المعنى على عوام القدرية وجهالهم حتى شنعوا به على أهل الحق في الأسواق وإنما العجب في خفائه على خواصهم وعلمائهم حتى سودوا به الصحائف والأوراق وبهذا يظهر أن تمسكهم بما ورد في الكتاب والسنة من إسناد الأفعال إلى العباد لا يثبت المدعى وهو كون فعل العبد واقعا بقدرته مخلوقا له وتحرير المبحث على ما هو في المواقف أن فعل العبد واقع عندنا بقدرة الله وحدها وعند المعتزلة بقدرة العبد وحدها وعند الأستاذ بمجموع القدرتين على أن يتعلقا جميعا بأصل الفعل وعند القاضي على أن تتعلق قدرة الله تعالى بأصل الفعل وقدرة العبد بكونه طاعة ومعصية وعند الحكماء بقدرة يخلقها الله تعالى في العبد ولا نزاع للمعتزلة في أن قدرة العبد مخلوقة لله تعالى وشاع في كلامهم أنه خالق القوى والقدر فلا يمتاز مذهبهم عن مذهب الحكماء ولا يفيد ما أشار إليه في المواقف من أن المؤثر عندهم قدرة العبد وعند الحكماء مجموع القدرتين على أن تتعلق قدرة الله بقدرة العبد وهي بالفعل وذكر الإمام الرازي وتبعه بعض المعتزلة أن العبد عندهم موجد لأفعاله على سبيل الصحة والاختيار وعند الحكماء على سبيل الإيجاب بمعنى أن الله تعالى يوجب للعبد القدرة والإرادة ثم هما يوجبان وجود المقدور وأنت خبير بأن الصحة إنما هي بالقياس إلى القدرة وأما بالقياس إلى تمام القدرة والإرادة فليس إلا الوجوب وأنه لا ينافي الاختيار ولهذا صرح المحقق في قواعد العقائد أن هذا مذهب المعتزلة والحكماء جميعا نعم أن إيجاد القوى والقدر عند المعتزلة بطريق الاختيار وعند الحكماء بطريق الإيجاب لتمام الاستعداد ثم المشهور فيما بين القوم والمذكور في كتبهم أن مذهب إمام الحرمين أن فعل العبد واقع بقدرته وإرادته كما هو رأي الحكماء وهذا خلاف ما ضربه الإمام فيما وقع إلينا من كتبه قال في الإرشاد اتفق أئمة السلف قبل ظهور البدع والأهواء على أن الخالق هو الله ولا خالق سواه وأن الحوادث كلها حدثت بقدرة الله تعالى من غير فرق بين ما يتعلق قدرة العباد به وبين مالا يتعلق فإن تعلق الصفة بشيء لا يستلزم تأثيرها فيه كالعلم بالمعلوم والإرادة بفعل الغير فالقدرة الحادثة لا تؤثر في مقدورها أصلا واتفقت المعتزلة ومن تابعهم من أهل الزيغ على أن العباد موجدون لأفعالهم مخترعون لها بقدرتهم ثم المتقدمون منهم كانوا يمنعون من تسمية العبد خالقا لقرب عهدهم بإجماع السلف على أنه لا خالق إلا الله واجترأ المتأخرون فسموا العبد خالقا على الحقيقة هذا كلامه ثم أورد أدلة الأصحاب وأجاب عن شبه المعتزلة وبالغ في الرد عليهم وعلى الجبرية وأثبت للعبد كسبا وقدرة مقارنة للفعل غير مؤثرة فيه وأما الأستاذ فإن أراد أن قدرة العبد غير مستقلة بالتأثير وإذا انضمت إليها قدرة الله تعالى صارت مستقلة بالتأثير بتوسط هذه الإعانة على ما قرره البعض فقريب من الحق وإن أراد أن كلا من القدرتين مستقلة بالتأثير فباطل لما سبق وكذا الجبر المطلق وهو أن أفعال الحيوانات بمنزلة حركات الجمادات لا تتعلق بها قدرتها لا إيجادا ولا كسبا وذلك لما نجد من الفرق الضروري بين حركة المرتعش وحركة الماشي فبقي الكلام بين الكسبية والقدرية ولكن لا بد أولا من بيان معنى الكسب دفعا لما يقال أنه اسم بلا مسمى فاكتفى بعض أهل السنة بأنا نعلم بالبرهان أن لا خالق سوى الله تعالى ولا تأثير إلا للقدرة القديمة ونعلم بالضرورة أن القدرة الحادثة للعبد تتعلق ببعض أفعاله كالصعود دون البعض كالسقوط فيسمى أثر تعلق القدرة الحادثة كسبا وإن لم يعرف حقيقته قال الإمام الرازي هي صفة تحصل بقدرة العبد بفعله الحاصل بقدرة الله تعالى فإن الصلاة والقتل مثلا كلاهما حركة ويتمايز أن يكون إحداهما طاعة والأخرى معصية وما به الاشتراك غير ما به التمايز فأصل الحركة بقدرة الله تعالى وخصوصية الوصف بقدرة العبد وهي المسماة بالكسب وقريب من ذلك ما يقال أن أصل الحركة بقدرة الله وتعينها بقدرة العبد وهو الكسب وفيه نظر وقيل الفعل الذي يخلقه الله تعالى في العبد ويخلق معه قدرة للعبد متعلقة به يسمى كسبا للعبد بخلاف ما إذا لم يخلق معه تلك القدرة وقيل إن للعبد قدرة تختلف بها النسب والإضافات فقط كتعيين أحد طرفي الفعل والترك وترجيحه ولا يلزم منها وجود أمر حقيقي فالأمر الإضافي الذي يجب من العبد ولا يجب عند وجود الأثر هو الكسب وهذا ما قالوا هو ما يقع به المقدور بلا صحة انفراد القادرية وما يقع في محل قدرته بخلاف الخلق فإنه ما يقع به المقدور مع صحة انفراد القادرية وما يقع لا في محل قدرته فالكسب لا يوجب وجود المقدور بل يوجب من حيث هو كسب اتصاف الفاعل بذلك المقدور ولهذا يكون مرجعا لاختلاف الإضافات ككون الفعل طاعة أو معصية حسنا أو قبيحا فإن الاتصاف بالقبيح بقصده وإرادته قبيح بخلاف خلق القبيح فإنه لا ينافي المصلحة والعاقبة الحميدة بل ربما يشتمل عليهما وملخص الكلام ما أشار إليه الإمام حجة الإسلام وهو أنه لما بطل الجبر المحض بالضرورة وكون العبد خالقا لأفعاله بالدليل وجب الاقتصاد في الإعتقاد وهو أنها مقدورة بقدرة الله تعالى اختراعا وبقدرة العبد على وجه آخر من التعلق يعبر عنه عندنا بالاكتساب وليس من ضرورة تعلق القدرة بالمقدور أن يكون على وجه الاختراع إذ قدرة الله تعالى في الأزل متعلقة بالعالم من غير اختراع ثم تتعلق به عند الاختراع نوعا آخر من التعلق فحركة العبد باعتبار نسبتها إلى قدرته تسمى كسبا له وباعتبار نسبتها إلى قدرة الله تعالى خلقا فهي خلق للرب ووصف للعبد وكسب له وقدرته خلق للرب ووصف للعبد وليس بكسب له قوله لنا عقليات وسمعيات استدل على كون فعل العبد واقعا بقدرة الله تعالى بوجوه عقلية وسمعية

Bölüm V02/P126–V02/P127

فالأول من الوجوه العقلية أن فعل العبد ممكن وكل ممكن مقدور لله تعالى لما مر في بحث الصفات ففعل العبد مقدور الله تعالى فلو كان مقدورا للعبد أيضا على وجه التأثير لزم اجتماع المؤثرين المستقلين على أثر واحد وقد بين امتناعه في بحث العلل فإن قيل اللازم من شمول قدرته كون فعل العبد مقدورا له بمعنى دخوله تحت قدرته وجواز تأثيرها فيه ووقوعه بها نظرا إلى ذاته لا بمعنى أنه واقع بها ليلزم المحال قلنا جواز وقوعه بها مع وقوعه بقدرة العبد يستلزم جواز المحال وهو محال وفيه نظر ومن تلفيقات الإمام في بيان كون كل ممكن واقعا بقدرة الله تعالى أن الإمكان محوج إلى سبب ولا يجوز أن يكون محوجا إلى سبب لا بعينه لأن غير المعين لا تحقق له في الخارج وما لا تحقق له لا يصلح سببا لوجود شيء فتعين أن يكون محوجا إلى سبب معين ثم الإمكان أمر واحد في جميع الممكنات فلزم افتقارها كلها إلى ذلك السبب والسبب الذي يفتقر إليه جميع الممكنات لا يكون ممكنا بل واجبا ليكون الكل بإيجاده وقد ثبت أنه مختار لا موجب فيكون الكل واقعا بقدرته واختياره وفي بيان كون كل مقدور الله واقعا بقدرته وحده أنه لو لم يقع بقدرة الله تعالى وحده فإما أن يقع بقدرة الغير وحده فيلزم ترجح أحد المتساويين بل ترجح المرجوح لأن التقدير استقلال القدرتين مع أن قدرة الله تعالى أقوى وإما أن يقع بكل من القدرتين فيلزم اجتماع المستقلتين وإما أن لا يقع بشيء منهما وهو أيضا باطل لأن التقدير وقوعه في الجملة ولأن التخلف عن المقتضى لا يكون إلا لمانع وما ذاك إلا الوقوع بالقدرة الثانية فلا ينتفي الوقوع بهما إلا إذا وقع بهما وهو محال وأيضا لو وقع بقدرة الغير لما بقي لله تعالى قدرة على إيجاده لاستحالة إيجاد الموجود فيلزم كون العبد معجزا للرب وهو محال بخلاف ما إذا أوجده الله تعالى بقدرته فإنه يكون تقريرا لقدرته لا تعجيزا قال الثاني الوجه الثاني من الوجوه العقلية أن العبد لو كان موجدا لأفعاله لكان عالما بتفاصيلها واللازم باطل أما الملازمة فلأن الإتيان بالأزيد والأنقص والمخالف ممكن فلا بد لرجحان ذلك النوع وذلك المقدار من مخصص هو القصد إليه ولا يتصور ذلك إلا بعد العلم به ولظهور هذه الملازمة يستنكر الخلق بدون العلم كقوله تعالى ألا يعلم من خلق ويستدل بفاعلية العالم على عالمية الفاعل وأما بطلان اللازم فلوجوه

Bölüm V02/P127–V02/P128

منها أن النائم تصدر عنه أفعال اختيارية لا شعور له بتفاصيل كمياتها وكيفياتها ومنها أن الماشي إنسانا كان أو غيره يقطع مسافة معينة في زمان معين من غير شعور له بتفاصيل الأجزاء والأحياز التي هي بين المبدأ والمنتهى ولا بالآيات التي منها يتألف ذلك الزمان ولا بالسكنات التي يتخللها تكون تلك الحركة إبطاء من حركة الفلك أو بالحد الذي لها من وصف السرعة والبطؤ ومنها أن الناطق يأتي بحروف مخصوصة على نظم مخصوص من غير شعور له بالأعضاء التي هي آلاتها ولا بالهيئات والأوضاع التي تكون لتلك الأعضاء عند الإتيان بتلك الحروف ومنها أن الكاتب يصور الحروف والكلمات بتحريك الأنامل من غير شعور له بما للأنامل من الأجزاء والأعضاء أعني العظام والغضاريف والأعصاب والعضلات والرباطات ولا بتفاصيل حركاتها وأوضاعها التي بها يتأتى تلك الصور والنقوش ( قال الثالث ) لو كان فعل العبد بقدرته واختياره لكان متمكنا من فعله وتركه إذ لو لم تمكن من الترك لزم الجبر وبطل الاختيار لكن اللازم أعني التمكن من الفعل والترك باطل لأن رجحان الفعل على الترك إما أن يتوقف على مرجح أو لا فعلى الثاني يلزم رجحان أحد طرفي الممكن بلا مرجح وينسد باب إثبات الصانع ويكون وقوع الفعل بدلا عن الترك محض الاتفاق من غير اختيار للعبد وعلى الأول إن كان ذلك المرجح من العبد ينقل الكلام إلى صدوره عنه فيلزم التسلسل وهو محال أو الانتهاء إلى مرجح لا يكون منه وإذا كان المرجح ابتداء أو بالآخرة لا من العبد بل من غيره ثبت عدم استقلال العبد بالفعل وعدم تمكنه من الترك لأن الترك لم يجز وقوعه مع التساوي فكيف مع المرجوحية ولأن وجود الممكن مالم ينته رجحانه إلى حد الوجوب لم يتحقق على ما مر ولا يخفى أن هذا إنما يفيد إلزام المعتزلة القائلين باستقلال العبد واستناد الفعل إلى قدرته واختياره من غير جبر ولا يفيد أن العبد ليس بموجد لأفعاله وللمعتزلة ههنا اعتراضات أحدها أن ما ذكرتم استدلال في مقابلة الضرورة فلا يستحق الجواب وذلك لأنا نعلم بالضرورة أن لنا مكنة واختيارا وأنا إن شئنا الفعل فعلنا وإن شئنا الترك تركنا وثانيها أنه جار في فعل الباري فيلزم أن يكون موجبا لا مختارا وذلك لأن جميع مالا بد منه في إيجاد العالم إن كان حاصلا في الأزل لزم قدم العالم وصدوره عن الباري بطريق الوجوب من غير تمكن من الترك لامتناع التخلف عن تمام العلة وإن لم يكن حاصلا ننقل الكلام إلى حدوث الأمر الذي لا بد منه ولا يتسلسل بل ينتهي إلى أمر أزلي يلزم معه المأثر ويعود المحذوف وثالثها أن ترجيح المختار أحد المتساويين جائز كما في طريقي الهارب وقدحي العطشان لأن الإرادة صفة شأنها الترجيح والتخصيص من غير احتياج إلى مرجح وإنما المحال الترجح بلا مرجح ورابعها أن المرجح الذي لا يكون من العبد هو تعلق الإرادة وخلوص الداعي ووجوب الفعل معه لا ينافي الاختيار والتمكن من الفعل والترك بالنظر إلى القدرة وأجيب عن الأول بأن كلامنا في حصول المشية والداعية التي يجب معه الفعل أو الترك ولا خفاء في أنه ليس بمشيئتنا واختيارنا وإليه الإشارة بقوله تعالى وما تشاؤون إلا أن يشاء الله وقوله قل كل من عند الله ولهذا ذهب المحققون إلى أن المآل هو الجبر وإن كان في الحال الاختيار وأن الإنسان مضطر في صورة مختار وعن الثاني بأن للباري تعالى إرادة قديمة متعلقة في الأزل بأن يحدث الفعل في وقته فلا يحتاج إلى مرجح آخر ليلزم التسلسل أو الانتهاء إلى ما ليس باختياره بخلاف إرادة العبد فإنها حادثة يحدث تعلقها بالأفعال شيئا فشيئا ويحتاج إلى دواعي مخصوصة متجددة من عند الله من غير اختيار للعبد فيها

Bölüm V02/P128–V02/P130

وعن الثالث بأنه إلزام على المعتزلة القائلين بوجوب المرجح في الفعل الاختياري لا القائلين بأنه يجوز للقادر ترجيح المساوي بل المرجوح فإن الهارب يتمكن من سلوك أحد الطريقين وإن كان مساويا للآخر أو أصعب منه وفيه نظر للقطع بأن ذلك لا يتصور إلا بداعية لا تكون بمشية العبد بل بمحض خلق الله تعالى وحينئذ يجب الفعل ولا يتمكن العبد من تركه ولا نعني بالانتهاء إلى الجبر والاضطرار سوى هذا وبه يظهر الجواب عن الرابع ( قال الرابع ) قد ثبت أن الله تعالى عالم بالجزئيات ما كان وما سيكون وأنه يستحيل عليه الجهل وكل ما علم الله أنه يقع يجب وقوعه وكل ما علم أنه لا يقع يمتنع وقوعه نظرا إلى تعلق العلم وإن كان ممكنا في نفسه وبالنظر إلى ذاته ولا شيء من الواجب والممتنع باقيا في مكنة العبد بمعنى أنه إن شاء فعله وإن شاء تركه فإن قيل يجوز أن يعلم أن الله تعالى أن فعل العبد يقع بقدرته واختياره فلا يكون خارجا عن مكنته قلنا فيجب أن يقع البتة بقدرته واختياره بحيث لا يتمكن من اختيار الترك وهذا هو المراد بالانتهاء إلى الاضطرار غاية الأمر أن يكون بإيجاده لكن لا على وجه الاستقلال والاختيار التام كما هو مذهب المعتزلة وقد أشرنا إلى أن القصد من بعض الأدلة إلى الإلزام دون الإتمام نعم يرد نقض الدليل بفعل الباري تعالى لجريانه فيه مع الاتفاق على كونه بقدرته واختياره ويمكن دفعه بأن الاختياري ما يكون الفاعل متمكنا من تركه عند إرادة فعله لا بعده وهذا متحقق في فعل الباري لأن إرادته قديمة متعلقة في الأزل بأنه يقع في وقته وجائز أن يتعلق ح بتركه وليس حينئذ سابقة علم ليتحقق الوجوب أو الامتناع إذ لا قبل للأزل فالحاصل أن تعلق العلم والإرادة معا فلا محذور بخلاف إرادة العبد وتقرير الإمام في المطالب العالية هو أنه لما وجب في الأزل وقوع الفعل أو لا وقوعه في وقته لزم أن يكون لهذا الوجوب سبب وليس من العبد لأن الحادث لا يصلح سببا للأزلي بل من الله تعالى وليس هو العلم لأنه تابع للمعلوم لا مستتبع بل القدرة والإرادة إذ بهما التأثير فثبت أن المؤثر في فعل العبد قدرة الله تعالى إما ابتداء أو بوسط وهو المطلوب وهذا ضعيف جدا لكن النقض مندفع عنه قال وأما التمسك كما استدل على وجوب الفعل أو الترك بتعلق العلم فكذا بتعلق الإرادة وتقريره أن فعل العبد إما أن يريد الله تعالى وقوعه فيجب أولا وقوعه فيمتنع فلا يكون باختيار العبد ورد أولا بمنع الحصر لجواز أن لا تتعلق إرادة الله تعالى بشيء من طرفي الفعل والترك وثانيا بمنع وجوب وقوع ما أراده الله تعالى من العبد على ما هو المذهب عندهم كما سيجيء قال الخامس لو كان العبد مستقلا بإيجاد فعله فإذا فرضنا أنه أراد تحريك جسم في وقت وأراد الله تعالى سكونه في ذلك الوقت فإما أن يقع المراد إن جميعا وهو ظاهر الاستحالة أو لا يقع شيء منهما وهو أيضا محال لامتناع خلو الجسم في غير آن الحدوث عن الحركة والسكون ولأن التخلف عن المقتضي لا يكون إلا لمانع ولا مانع لكل من المرادين سوى وقوع الآخر فلو امتنعا جميعا لزم أن يقعا جميعا وهو ظاهر الاستحالة وإما أن يقع أحدهما دون الآخر فيلزم الترجيح بلا مرجح لأن التقدير استقلال كل من القدرتين بالتأثير من غير تفاوت وأجيب بأنه يقع مراد الله تعالى لكون قدرته أقوى إذ المفروض استواءهما في الاستقلال بالتأثير وهو لا ينافي التفاوت في القوة والشدة ودفعه الإمام الرازي بأن المقدور يقبل التجزي ولا يتفاوت بالشدة والضعف فيمتنع أن يكون الاقتدار عليه قابلا لذلك بل يلزم تساوي القدرتين في القوة غاية الأمر أن إحداهما تكون أعم وأشمل وهو لا يوجب كونه أشد وأقوى وعليه منع ظاهر قال وقد يستدل للمتقدمين على كون فعل العبد بقدرة الله دون قدرته وجوه

Bölüm V02/P130–V02/P135

منها أن العبد لو كان قادرا على فعله إيجادا واختراعا لكان قادرا على إعادته واللازم منتف إجماعا وجه اللزوم أن إمكان القدرة منه يستلزم ماهيته لا يختلف باختلاف الأوقات ولهذا يصح الاستدلال على قدرة الله على الإعادة بقدرته على الابتداء كما نطق به التنزيل احتجاجا على منكري الإعادة بالنشأة الأولى والاعتراض بمنع إمكان إعادة المعدوم مستندا بأنه يجوز أن يكون خصوصية البدء شرطا أو خصوصية العود مانعا أو يمنع عدم قدرة العبد على الإعادة ليس بشيء لأن الخصم معترف بالمقدمتين ومنها أنه لو كان قادرا على إيجاد فعله لكان قادرا على إيجاد مثله لأن حكم الأمثال واحد لكنا نقطع بأنه يتعذر علينا أن نفعل الآن مثل ما فعلناه سابقا بلا تفاوت وإن بذلنا الجهد في التدبر والاحتياط ومنها أنه لو كان قادرا على إيجاد فلعله لكان قادرا على إيجاد كل ممكن من الأجسام والأعراض لأن المصحح للمقدورية هو الإمكان أو الحدوث والمقدور هو إعطاء الوجود ولا تفاوت في شيء منها باعتراف الخصم ولا يرد النقض بالقدرة الاكتسابية لأنها إنما تتعلق بالذوات وأحوالها وهي مختلفة ومنها أن من فعل العبد الإيمان والطاعات وكثيرا من الحسنات ومن خلق الله تعالى الأجسام والأعراض والشياطين وكثير من المؤذيات ولا شك أن الأول أحسن من الثاني وأشرف فلو كان العبد خالقا لفعله لكان أحسن وأشرف من الله تعالى خلقا وإصلاحا وإرشادا فإن قيل القدرة على الإيمان أحسن وأوضح وأصلح من الإيمان لتوقفه عليها وهي بخلق الله تعالى قلنا فيلزم أن تكون القدرة على الشر والتمكن منه شرا من الكفر وأقبح منه ومنها أن الأمة مجمعون على صحة تضرع العبد إلى الله تعالى في أن يرزقه الإيمان والطاعة ويجنبه الكفر والمعصية ولولا أن الكل بخلق الله تعالى لما صح ذلك إذ لا وجه لحمله على سؤال الأقدار والتمكين لأنه حاصل أو التقرير والتثبيت لأنه عائد إلى الحصول في الزمان الثاني وذلك عندهم بقدرة العبد ومنها أن الأمة مجمعون على صحة بل وجوب حمد الله وشكره على نعمة الإيمان نفسه ولا يتصور ذلك إلا إذا كان بخلقه وإعطائه وإن كان لكسب العبد مدخل فيه فأما الشكر على مقدماته من الأقدار والتمكين والتوفيق والتعريف ونحو ذلك فشيء آخر فإن قيل لو استحق بخلق الإيمان المدح لا يستحق بخلق الكفر الذم قلنا ممنوع فإن من شأنه استحقاق المدح والشكر بخلق الحسنات وإيصال النعم لا الذم بخلق القبائح وإرسال النقم لأنه المالك فله الأمر كله لا يقبح منه خلق القبيح فإن قيل فعندكم الإيمان مخلوق الله تعالى وعندهم مخلوق العبد وقد ذكر في بعض الفتاوى أن من قال الإيمان مخلوق كفر فما وجهه قلنا وجهه ما أشار إليه أبو المعين النسفي رحمه الله من أن الإيمان ليس كله من الله إلى العبد على ما هو الجبر ولا من العبد إلى الله على ما هو القدر بل من الله التعريف والتوفيق والهداية والإعطاء ومرجعها إلى التكوين وهو غير مخلوق ومن العبد المعرفة والقصد والاهتداء والقبول وهي مخلوقة هذا والأوجه أن يمحى من الكتاب ويثبت ما هو الصواب ثم لا يخفى ما في الوجوه المذكورة من وجوه الضعف والأولى التمسك بالكتاب والسنة وإجماع أهل الحق من الأمة لا بمعنى إثباته في نفسه بمحض الإجماع ليرد أن الحقائق العقلية مثل حدوث العالم وقدم الصانع لا يثبت بالإجماع بل بمعنى أن إجماعهم عليه يدل على أن لهم قاطعا فيه وإن لم نعرفه على التفصيل قال وأما السمعيات فكثيرة جدا فإن قيل التمسك بالكتاب والسنة يتوقف على العلم بصدق كلام الله تعالى وكلام الرسول عليه ودلالة المعجزة وهذا لا يتأتى مع القول بأنه خالق لكل شيء حتى الشرور والقبائح وأنه لا يقبح منه اللبيس والتدليس والكذب وإظهار المعجزة على يد الكاذب ونحو ذلك مما يقدح في وجوب صدق كلامه وثبوت النبوة ودلالة المعجزات قلنا العلم بانتفاء تلك القوادح وإن كانت ممكنة في نفسها من العاديات الملحقة بالضروريات على أن هذا الاحتجاج إنما هو على المعترفين بحجية الكتاب والسنة والمتمسكين بهما في نفي كونه خالقا للشرور والقبائح وأفعال العباد فلو توقف حجيتهما على ذلك كان دورا قال منها ما ورد في معرض التمدح جعل الأدلة السمعية على هذا المطلوب أنواعا باعتبار خصوصيات تكون للبعض منها دون البعض مثل الورود بلفظ الخلق لكل شيء أو لعمل العبد خاصة أو بلفظ الجعل أو الفعل أو بغير ذلك فمن الوارد بلفظ الخلق لكل شيء قوله تعالى لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه تمدحا واستحقاقا للعبادة فلا يصح الحمل على أنه خالق لبعض الأشياء كأفعال نفسه لأن كل حيوان عندكم كذلك بل يحمل على العموم فيدخل فيه أعمال العباد ويخرج القديم بدليل العقل والقطع بأن المتكلم لا يدخل في عموم مثل أكرمت كل من دخل الدار فيكون بمنزلة الاستنثاء فلا يخل بقطعية العام عند من يقول بكونه قطعيا وكذا قوله تعالى أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار تمسكا بالعموم وبأنه إذا جعل كخلقه في موضع المصدر كما هو الظاهر فقد يفيد خلق كل أحد مثل خلقه في الجملة وقوله تعالى ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا تمسكا بالعموم وبأن قوله وخلق كل شيء إزالة لما يتوهم من أن العبيد وإن لم يكونوا شركاء له في الملك على الإطلاق لكنهم يخلقون بعض الأشياء وإلا لكان ذكره بعد نفي الشريك مستدركا قطعا وقوله تعالى إنا كل شيء خلقناه بقدر اي خلقنا كل موجود ممكن من الممكنات بتقدير وقصد أو على مقدار مخصوص مطابق للغرض والمصلحة ولإفادة هذا المعنى كان المختار نصب كل شيء إذ لو رفع لتوهم أن خلقناه صفة وبقدر خبر والمعنى أن كل شيء خلقناه فهو بقدر فلم يفد أن كل شيء مخلوق له بل ربما أفاد أن من الأشياء مالم يخلقه فليس بقدر وبما أشرنا إليه من كون الشيء اسما للموجود أو مقيدا به اندفع ما قيل أنه لا بد من تقييد الشيء بالمخلوق على تقدير النصب أيضا لأنه لم يخلق مالا يتناهى من الممكنات مع وقوع اسم الشيء عليه وحينئذ لا يبقى فرق بين النصب والرفع ولا بين جعل خلقنا خبرا أو صفة على أنه لو سلم التقييد بالمخلوق فالفرق ظاهر لأن الخبر يفيد أن كل مخلوق مخلوق له بخلاف الصفة قال ومنها قوله تعالى والله خلقكم وما تعملون أما إذا كانت ما مصدرية على ما اختاره سيبويه لاستغنائه عن الحذف والإضمار فالأمر ظاهر لأن المعنى وخلق عملكم وأما إذا كانت موصولة على حذف الضمير أي وخلق ما تعملونه بقرينة قوله تعالى أتعبدون ما تنحتون توبيخا لهم على عبادة ما عملوه من الأصنام فلأن كلمة ما عامة يتناول ما يعملونها من الأوضاع والحركات والمعاصي والطاعات وغير ذلك فإن المراد بأفعال العباد المختلف في كونها بخلق العبد أو بخلق الرب هو ما يقع بكسب العبد ويستند إليه مثل الصوم والصلاة والأكل والشرب والقيام والقعود ونحو ذلك مما يسمى الحاصل بالمصدر لا نفس الإيقاع الذي هو من الاعتبارات العقلية ألا يرى إلى مثل يقيمون الصلاة ويفعلون الزكاة يعملون الصالحات والسيئات وهذه النكتة مما غفل عنها الجمهور فبالغوا في نفي كون ما موصولة حتى صرح به الإمام بأن مثل ما تنحتون وما يأفكون في قوله تعالى فإذا هي تلقف ما يأفكون مجاز دفعا للاشتراك وأما اعتراضهم بأن الآية حجة عليكم لا لكم حيث أسند العبادة والنحت والعمل إلى المخاطبين فجهل بالمتنازع قال ومنها قوله تعالى هو الله الخالق هذه الآيات صرح فيها بلفظ الخلق إلا أن في دلالتها على المطلوب نوع احتمال وخفاء فلهذا جعلها نوعا آخر فقوله هو الله الخالق إنما يفيد حصر الخالقية في الله إذا كان الخالق خبرا وهو ضمير الشأن أو ضميرا مبهما يفسره الله وأما إذا كان الخالق صفة فذكرالإمام أنه لما كان الله علما والعلم لا يدل إلا على الذات المخصوصة بمنزلة الإشارة لم يجز أن يكون الحكم عائدا إليه إذ لا معنى لقولنا أن هذا المعين ليس إلا هذا المعين ولزم أن يكون عائدا إلى الوصف على معنى أنه الخالق لا غيره وفيه ضعف لا يخفى على العارف بأساليب الكلام وقوله تعالى وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق احتجاج على علمه تعالى بما في القلوب من الدواعي والصوارف والعقائد والخواطر بكونه خالقا لها على طريق ثبوت اللازم أعني العلم بثبوت ملزومه أعني الخلق وفي أسلوب الكلام إشارة إلى أن كلا من اللزوم وثبوت الملزوم واضح لا ينبغي أن يشك فيه ولهذا يستدل بالآية على نفي كون العبد خالقا لأفعاله على طريق نفي الملزوم أعني خلقه لأفعاله بنفي اللازم أعني علمه بتفاصيلها لكن كون ذوات الصدور من قبيل الأفعال الاختيارية التي فيها النزاع محل بحث وكذا دلالة الآية على كون العلم من لوازم الخلق على الإطلاق بل على تقدير كون الخالق هو اللطيف الخبير فليتأمل وقوله تعالى هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا ينفي خالقا سوى الله على الإطلاق بل بوصف كونه رازقا لنا من السماء والعبد ليس كذلك وأجاب الإمام بأن ملائكة السماء الساعين في إنزال الأمطار رازقون لنا بمعنى التمكين من الانتفاع بأنواع النبات والثمار كما يقال رزق السلطان فلانا فلو كانوا خالقين لأفعالهم لوجد خالق غير الله يرزق من السماء وفيه ضعف وقوله تعالى والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا يتناول المسيح والملائكة وغيرهم من الأحياء الذين يدعونهم الكفار فيجب أن لا يخلقوا شيئا أصلا وقوله تعالى هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه يدل على أن من سوى الله لم يخلق شيئا وإلا لكان للكفار أن يقولوا نحن خلقنا كثيرا من الحركات والأوضاع والهيئات المحسوسة إن أريد بالإرادة الإبصار وإن اريد الإعلام فجميع الأفعال الظاهرة والباطنة لكن مبنى الوجهين على أن لا يكون الموصول إشارة إلى الأصنام خاصة ومن هذا القبيل قوله تعالى ألا له الخلق والأمر خلق لكم ما في الأرض جميعا وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى فإن قيل على الوجوه نحن نجعل العبد موجدا لأفعاله لا خالقا لأن الخلق هو الإيجاد على وجه التقدير العاري عن الخلل وعلى الوجه الذي يقدره وإيجاد العبد ربما يقع على وجه الخلل وعلى خلاف ما قدره قلنا ليس الخلق إلا إيجادا على وجه التقدير أي الإيقاع على قدر مخصوص وفعل العبد ربما يكون كذلك فلو كان هو موجدا له لكان خالقا قال ومنها نحو قوله تعالى حكاية ربنا واجعلنا مسلمين لك فإن جعل المتعدي إلى مفعولين يكون بمعنى التصيير أي تحصيل صفة مكان صفة فإذا وقع مفعوله الثاني من أفعال العباد أفاد أنها بجعل الله وبخلقه والمعتزلة يجعلون أمثال هذا مجازا عن التوفيق ومنح الألطاف أو الخذلان ومنعها أو التمكين والأقدار ونحو ذلك إلا أنها من الكثرة والوضوح بحيث لا مجال لهذا التأويلات عند المنصف قال ومنها مثل فعال لما يريد هذه آيات تدل على أن الله تعالى يفعل كل ما يتعلق به إرادته ومشيئته وهي متعلقة بالإيمان وسائر الطاعات أيضا فيجب أن يكون فاعلها أي موجدها هو الله تعالى وحمل الكلام على أنه يفعل ما يريد فعله عدول عن الظاهر ( قال ومنها كل من عند الله هذه آيات مختلفة الأساليب في إفادة المطلوب فالظاهر من قوله تعالى وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله إن جميع الحسنات والسيئات من الطاعات والمعاصي وغيرها بخلق الله ومشيئته لأن منشأ الاحتياج أعني الإمكان والحدوث مشترك بين الكل بحيث لا ينبغي أن يخفى على العاقل فمالهم لا يفهمون ذلك فعلى هذا يكون قوله بعد ذلك ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك واردا على سبيل الإنكار أي كيف تكون هذه الفرقة أو محمولا على مجردة السببية دون الإيجاد توفيقا بين الكلامين ومن قوله تعالى وما بكم من نعمة فمن الله وقوله تعالى إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون أن الإيمان وجميع الطاعات حاصلة من الله وبتكوينه لكونها نعما لنا ومرادة له ومن قوله تعالى كتب في قلوبهم الإيمان أنه الذي أثبت الإيمان وأوجده في القلوب ومن قوله تعالى وأنه هو أضحك وأبكى أنه يوجد الضحك والبكاء ومن قوله تعالى هو الذي يسيركم في البر والبحر أنه الموجد لسيرنا ومن قوله تعالى ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله أنه الموجد لوقوف الطير في الهواء مع أنه فعل اختياري من الحيوان وأمثال هذه كثيرة جدا رب اشرح لي صدري وما النصر إلا من عند الله ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وتأويلات القدرية عدول عن الظاهر بلا ضرورة لما سيأتي من إبطال أدلتهم القطعية قال ومنها ما تواتر الأحاديث الواردة في باب القضاء والقدر وكون الكائنات بتقدير الله ومشيئته وإن كانت آحادا إلا أنها متواترة المعنى كشجاعة علي رضي الله تعالى عنه وجود حاتم وكلها صحاح بنقل الثقاة مثل البخاري ومسلم وغيرهما وإن وقع في بعضها اختلاف رواية في بعض الألفاظ فمنها ما روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت أبونا وأخرجتنا من الجنة فقال آدم يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده تلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة فحج آدم موسى ومنها ما روى علي رضي تعالى عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله بعثني بالحق ويؤمن بالبعث بعد الموت ويؤمن بالقدر خيره وشره ومنها ما روى ابن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل شيء بقدر حتى العجز والكيس ومنها ما روى حذيفة أنه قال صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى يصنع كل صانع وصنعته ومنها قوله عليه السلام ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه وعن جابر رضي الله تعالى عنه كان النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يقول يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك فقيل له يا رسول الله أتخاف علينا وقد آمنا بك وبما حدثت به فقال إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها هكذا وأشار إلى السبابة والوسطى يحركهما والأحاديث الصحيحة في هذا الباب كثيرة قال وأما المعتزلة القائلون بأن أفعال العباد واقعة بخلقهم وإيجادهم استقلالا افترقوا فرقتين فأبو الحسين البصري وأتباعه ادعوا أن هذا الحكم ضروري مركوز في عقول العقلاء المنصفين الخالين عن تقليد أسلافهم وذكروا في ذلك وجوها على قصد التنبيه أو الاستدلال فإنه ربما يكون الحكم ضروريا والحكم بضروريته استدلاليا

Bölüm V02/P135

الأول أن كل أحد يفرق بالضرورة بين حركاته الاختيارية كالمشي على الأرض والصعود إلى الجبل والاضطرارية كالارتعاش والسقوط من السطح وما ذاك إلا بأن الأولى بقدرته وإيجاده بخلاف الثانية الثاني أن كل أحد يعلم بالضرورة أن تصرفاته واقعة بحسب قصده وداعيته كالإقدام على الأكل والشرب عند اشتداد الجوع والإحجام عنهما إذا علم أن في الطعام والماء سما ولا معنى لموجد الفعل بالاختيار إلا الذي يحدث منه الفعل على وفق دواعيه الثالث أن كل عاقل يعلم بالضرورة حسن مدح من أحسن إليه وذم من أساء ولولا أنه يعلم بالضرورة كونه المحدث لتلك الأفعال لما حكم بذلك كما لا يحكم بحسن المدح والذم على ما ليس من أفعاله ولهذا إذا رمى الاقل يذم الرامي لا الآجرة الرابع أنه يعلم بالضرورة صحة طلب القيام أو المشي من الصحيح البنية لا من الزمن والمقعد بناء على صحة حدوثهما من الأول دون الثاني وإذا كان الفرع ضروريا فالأصل بطريق الأولى الخامس أنه يعلم بالضرورة أنه تصح منه تحريك المدرة دون الجبل ولا معنى لهذا سوى العلم بقدرته على تحريكها دونه ولهذا يقصد الحمار طفر الجدول الضيق دون الواسع

Bölüm V02/P135–V02/P136

السادس أن الطالب العاقل يعلم بالضرورة أنه يطلب ما يحدثه المأمور ولهذا يتلطف في استدعاء ذلك الفعل منه وأنه ينهى عما يكرهه من الأفعال التي يحدثها المنهي وكذا التمني والتعجب وغير ذلك وكل هذا يدل على أن فعل العبد إحداثه الجواب أن هذه الوجوه لا تفيد سوى أن من الأفعال المستندة إلى العبد ما هو متعلق بقدرته وإرادته واقع بحسب قصده وداعيته وهي المسماة بالأفعال الاختيارية وكونها مقدورة للعبد واقعة بكسبه وعلى حسب قصده واختياره وعند صرف قدرته وإرادته وإن كانت مخلوقة لله تعالى كاف في حسن المدح والذم وصحة الطلب والنهي والتمني والتعجب ونحو ذلك ولا يفيد كونها مخلوقة للعبد على ما هو المتنازع فضلا عن أن تفيد العلم الضروري بذلك والعجب من أبي الحسين وهو في غاية الحذاقة كيف اجترأ على هذه الدعوى وهي آية الوقاحة حيث نسب جميع ما سواه من العقلاء إلى السفسطة وإنكار الضرورة أما السمنية والجبرية فظاهر وأما القدرية فلأنهم جعلوا الحكم بكون العبد موجدا لأفعاله نظريا لا ضروريا وذكر الإمام في نهاية العقول أن أبا الحسين لما خالف أصحابه في قولهم القادر على الضدين لا يتوقف لعله لأحدهما دون الآخر على مرجح وذهب إلى أن العلم بتوقف صدور الفعل على الداعي ضروري وأن حصول الفعل عقيب الداعي واجب لزمه من هاتين المقدمتين عدم كون العبد موجدا لفعله وفيه إبطال للأصول التي عليها مدار أمر الاعتزال فخاف من تنبه أصحابه أنه رجع عن مذهبه فليس الأمر عليهم وادعى العلم الضروري بكون العبد موجد الفعلة ثم قال الإمام لا يقال الاعتراف بتوقف صدور الفعل عن القادر على الداعي ووجوب حصوله عند حصوله لا ينافي القول بأن قدرة العبد مؤثرة في وجود الفعل وإنما ينافي استقلاله بالفاعلية وهو إنما ادعى العلم الضروري في الأول لا في الثاني لأنا نقول نحن لا نستدل بالدليل المذكور لأجل بيان أن القدرة الحادثة غير مؤثرة بل لبيان سلب الاستقلال كما هو مذهب الأستاذ وإمام الحرمين فإن كان أبو الحسين قد ساعدنا عليه فمرحبا بالوفاق لكن يلزم منه فساد مذهب الاعتزال بالكلية لأنه لا فرق في العقل بين أن يأمر الله العبد بما يكون فعلا لله تعالى وأن يأمره بفعل يجب حصوله عند فعل الله تعالى ويمتنع حصوله عند عدمه فإن المأمور على كلا التقديرين لا يكون متمكنا من الفعل والترك ولا بين أن يعذب الله العبد على ما أوجده فيه وأن يعذبه على ما يجب حصوله عند حصول ما أحدثه الله فيه ولا بين فاعل القبيح والظلم وفاعل ما يوجب القبيح والظلم فمن اعترف بوجوب حصول الفعل عند حصول الإرادة الحادثة انسد عليه باب الاعتزال فظهر أن أبا الحسين كان من المنكرين لمذهب الاعتزال في هذه المسألة وإن مبالغته في دعوى الضرورة فيها كانت على سبيل التغبية والتلبيس وزعم بعض المتأخرين من المعتزلة أن معنى الوجوب عند خلوص الداعي أنا نعلم أن القادر بفعله مع إمكان الترك كما نعلم أن الله يثيب الأنبياء والأولياء بالجنة ويعاقب الكفار بالنار مع إمكان تركهما ونعلم أن العرب لو قدروا على مثل القرآن مع توفر الدواعي وانتقاء الموانع لأتوا بمثله ولولا وجوب الإتيان بمثله بمعنى الذي ذكرنا لما عرفنا عجزهم لجواز أن يقدروا ولا يأتوا به وفيه نظر لأنه إما أن يلزم مع خلوص الداعي صدور الفعل من القادر بحيث لا يصح منه الترك وإن كان ممكنا في نفسه وبالنظر إلى أصل قدرته وإرادته فيتم ما ذكره الأمام من وجوب الفعل ولزوم الجبر وعدم استقلال قدرته وإرادته فيتم ما ذكره الإمام من وجوب الفعل ولزوم الجبر وعدم استقلال العبد لظهور إن تلك الداعية والإرادة الجازمة ليستا بإرادة العبد وهذا هو المعنى بالجبر الذي يقول به أهل الحق ويلزم أبا الحسين لا الجبر المطلق الذي يقول به المجبرة وبطلانه ضروري وأما أن لا يلزم فلا معنى لتسميته بالوجوب ولا طريق إلى العلم بالصدور بل هو رجم بالغيب لأن المفروض تساوي الأمرين وإنما العلم فرع اعتقاد الوجوب ألا يرى أنه إذا قيل من أين عرفت عجز المتحدين قيل لأنه خلصت دواعيهم فلو قدروا لأتوا به وهذا معنى الوجوب لأنه استدلال بانتقاء اللازم على انتفاء الملزوم ولهذا يستدل بنفي الفعل عند تحقق القدرة على نفي الداعية وجزم الإرادة ( قال ومنهم من احتج عليه ) المتقدمون من المعتزلة على أن العلم بكون العبد موجدا لأفعاله نظري فتمسكوا بوجوه عقلية ونقلية أما العقليات فمرجعها إلى خمسة

Bölüm V02/P136–V02/P138

الأول وهو عمدتهم الكبرى وعروتهم الوثقى أنه لو لم يكن العبد موجدا لأفعاله بالاستقلال لزم فسادات منها بطلان المدح والذم عليها إذ لا معنى للمدح والذم على ما ليس بفعل له ولا واقع بقدرته واختياره ورد بالمنع بل ربما يمدح أو يذم على ما هو محل له كالحسن والقبح واعتدال القامة وإفراط القصر ومنها بطلان التكاليف من الأوامر والنواهي إذ لا معنى للأمر بما لا يكون فعلا للمأمور ولا يدخل في قدرته بل مالا يطيقه لمرض ونحوه حتى أن العقلاء يتعجبون منه وينسبون الآمر إلى الحمق والجنون بمنزلة من يطلب من الإنسان خلق الحيوان والطيران إلى السماء بل من الجماد المشي على الأرض والصعود في الهواء وكذا الثواب والعقاب إذ لا وجه للثواب والعقاب على ما هو بخلق المثيب والمعاقب حتى أن من يعاقب على ما يخلقه كان أشد ضررا على العبد من الشيطان وأحق منه بالذم إذ ليس منه إلا بالوسوسة والتزيين ومنها بطلان فوائد الوعد والوعيد وإرسال الرسل وبعثة الأنبياء وإنزال الكتب من السماء إذ لا يظهر للترغيب والترهيب والحث على تحصيل الكمالات وإزالة الرذائل ونحو ذلك فائدة إلا إذا كان لقدرة العبد وإرادته تأثير في أفعاله ويتولى مباشرتها باستقلاله ومنها بطلان الفرق بين الأفعال التي تطابق العقل والشرع على استحسانها واستحقاقها المدح في العاجل والثواب في الآجل والتي ليست كذلك كالكفر والإيمان وكالإساءة إلى الفقراء والإحسان وكفعل النبي صلى الله عليه وسلم من الهداية والإرشاد وتمهيد قواعد الخيرات وفعل إبليس من الإضلال والإغواء وتزيين الشرور والشهوات وكالتكلم بالتسبيحات والدعوات المترتب عليها الثواب والاستجابة والتكلم بالهذيانات والفحش والهجاء التي لا توارث إلا اللوم والعقاب لأن الكل بخلق الله من غير تأثير للعبد ومنها بطلان الفرق بين الحركات التي تظهر من أعضاء العبد بقدرته وإرادته والتي تظهر منها بقدرة الغير وإرادته كما إذا حرك زيد يد عمرو مثلا مع أن كل أحد يفرق بينهما بالضرورة والجواب عن الكل إنه إنما يرد على المجبرة النافين لقدرة العبد واختياره لا على من يجعل فعله متعلقا بقدرته وإرادته واقعا بكسبه وعقيب عزمه وإن كان بخلق الله تعالى عز وجل ولا على من يجعل قدرته مؤثرة لكن لا بالاستقلال بل بمرجح هو بمحض خلق الله تعالى على أن من الفسادات ما يلزم المعتزلة أيضا كبطلان استقلال العبد بناء على وجوب الفعل وامتناعه لوجود المرجح أو عدمه وتعلق علم الله بوقوعه أولا وقوعه ومنها ما يندفع بطريق آخر فإن المدح والذم قد يكون باعتبار المحلية دون الفاعلية كالمدح والذم بالحسن والقبح وسائر الغرائز وأن الثواب والعقاب أيضا لما كان فعل الله وتصرفا فيما هو حقه لم يتوجه سؤال لميته كما لا يقال لم خلق الإحراق عقيب مس النار وإن التكليف والبعثة والتهديد والوعيد والوعد ونحو ذلك قد يكون دواعي إلى الفعل أو الترك فتخلقه الله تعالى وإن عدم افتراق الفعلين في المخلوقية لله تعالى لا ينافي افتراقهما بوجوه أخر الثاني أن كثيرا من أفعال العباد قبيحة كالظلم والشرك والفسق والقول باتحاذ الولد ونحو ذلك والقبيح لا يخلقه الحكيم لعلمه بقبحه وعلمه بغناه عن خلقه ورد بعد تسليم الحسن والقبح العقليين بأن خلق القبيح ربما تكون له عاقبة حميدة فلا يقبح بخلاف فعله وما يقال أنه لا معنى لفاعل القبيح إلا موجده ومحدثه ليس بشيء فإن الظالم من اتصف بالظلم لا من أوجده في محل آخر

Bölüm V02/P138–V02/P139

الثالث أن فعل العبد في وجوب الوقوع وامتناعه تابع لقصد العبد وداعيته وجودا وعدما وكل ما هو كذلك لا يكون بخلق الغير وإيجاده أما الصغرى فللقطع بأن من اشتد جوعه وعطشه ووجد الطعام والماء بلا صارف يأكل ويشرب البتة ومن علم أن دخول النار محرق ولم يكن له داع إلى دخولها لا يدخلها البتة وأما الكبرى فلأن ما يكون بإيجاد الغير لا يكون في الوجوب والامتناع تابعا لإرادة العبد لجواز أن لا يوجده عند إرادته أو يوجده عند كراهيته ولك أن تنظم القياس هكذا لو كان فعل العبد بإيجاد الله تعالى لم يكن تابعا لإرادة العبد وجوبا وامتناعا لكن اللازم باطل وهكذا لو كان فعل العبد تابعا لإرادته لم يكن بإيجاد الله تعالى لكن الملزوم حق والجواب أن ما ذكرتم في بيان الصغرى لا يفيد الوجوب والامتناع بل الوقوع واللا وقوع في بعض الأفعال ورب فعل يتبع إرادة الغير كما للخدم والعبيد فينتقض الكبرى ولو سلم الوجوب والامتناع فلم لا يجوز أن يكون بتبعية أرادة الله تعالى وقد وافقت إرادة العبد بطريق جري العادة الرابع أن الله تعالى لو كان موجدا لأفعال العباد لكان فاعلا لها لأن معناهما واحد ولو كان فاعلا لها لكان متصفا بها لأنه لا معنى للكافر والظالم مثلا إلا فاعل الكفر والظلم وحينئذ يلزم أن يكون الباري تعالى وتقدس كافرا ظالما فاسقا أكلا شاربا قائما قاعدا إلى غير ذلك من الفواحش التي لا يستطيع العاقل إجراءها على اللسان بل إخطارها بالبال وهذه الشبهة كنا نسمعها من حمقى العوام والسوقية من المعتزلة فنتعجب حتى وجدناها في كتبهم المعتبرة فتحققنا أن التعصب يغطي على العقول وعنده تعمى القلوب التي في الصدور ولا أدري كيف ذهب عليهم إن مثل هذه الأسامي إنما تطلق على من قام به الفعل لا من أوجد الفعل أو لا يرون أن كثيرا من الصفات قد أوجدها الله تعالى في محالها وفاقا ولا تتصف بها إلا المحال نعم إذا ثبت بالدليل أن الموجد هو الله تعالى لزمهم صحة هذه التسمية بناء على أصلهم الفاسد في إطلاق المتكلم على الله تعالى لإيجاده الكلام في بعض الأجسام وكان قول القائل لخصمه مذهبك باطل حجة لكونه كلام الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا هو لجهلهم يوردون مثل هذا الإلزام على أهل الحق ويجعلون قول السني للمعتزلي آذيتني أو طلبتك أو اقبل على وما أشبه ذلك تركا للمذهب ويعتقدون أن إسناد الأفعال إلى العباد مجاز عند أهل السنة وتمادوا في ذلك حتى زعم بعض من يعتقده الشيعة أعلم الناس أن مثل طلعت الشمس مجاز عند أهل السنة قال وأما السمعيات فكثيرة جدا حتى زعموا أنه ما من آية إلا وفيها دلالة على بطلان الجبر وقد بينه الإمام الرازي رحمه الله في سورة الفاتحة ليقاس عليه الباقي وبلغ الأمد الأقصى في التقرير والمعارضة من جانب أهل الحق ثم ضبط دلائلهم السمعية على كثرتها في عدة أنواع الأول الايات الدالة على إسناد الأفعال إلى العباد إسناد الفعل إلى فاعله وهو أكثر من أن يحصى فليبدأ من قوله تعالى الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة إلى قوله تعالى الذي يوسوس في صدور الناس وقد عرفت أن هذا ليس من المتنازع في شيء وزعم الإمام أنه لا محيص عنها إلا بالتزام أن مجموع القدرة والداعي مؤثر في الفعل وخالق ذلك المجموع هو الله تعالى فبهذا الاعتبار صح الإسناد وزال التناقض بينها وبين الأدلة القاطعة على أن الكل بقضاء الله تعالى وقدره الثاني الآيات الواردة في أمر العباد ببعض الأفعال ونهيهم عن البعض ومدحهم على الإيمان والطاعات وذمهم على الكفر والمعاصي ووعدهم الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية وفي قصص الأمم الماضية للإنذار أن يحل بالسامعين ما حل بهم وللاتعاظ والاعتبار بأحوالهم وكل هذا إنما يصح إذا كان للعبد قدرة واختيارا في إحداث الأفعال وقد عرفت الجواب

Sorular