Şîrâzî — el-Mühezzeb (Şâfiî)
وهل يدخل ما تحت الأصابع التي اقتص منها في قصاصها على الوجهين ويجوز أن يأخذ الزائد بالأصلي فإن قطع من له أربع أصابع أصلية وأصبع زائدة كف من له خمس أصابع أصلية فللمجني عليه أن يقتص من الكف لأنه دون حقه ولا شيء له لنقصان الأصبع الزائدة لأن الزائدة كالأصلية في الخلقة وإن كان لكل واحد منهما أصبع زائدة نظرت فإن لم يختلف محلهما أخذ أحدهما بالأخرى لأنهما متساويان وإن ختلف محلهما لم تؤخذ إحداهما بالأخرى لأنهم مختلفان في أصل الخلقة فصل وإن قطع من له يد صحيحة كف رجل له أصبعان شلاوان لم يقتص منه في الكف لأنه يأخذ كاملا بناقص ويجوز أن يقتص في الأصابع الثلاث الصحيحة لأنها مساوية لأصابعه ويأخذ الحكومة في الشلاوين لأنه لا يجد ما يأخذ به ويدخل في حكومة الشلاوين أرش ما تحتهما من الكف وهل يدخل أرش ما تحت الثلاثة في قصاصها على الوجهين فصل ولا تؤخذ يد ذات أظفار بيد لا أظافر لأن اليد بلا أظفار ناقصة فلا تؤخذ بها يد كاملة وتؤخذ يد لا أظفار لها بيد لها أظفار لأنه يأخذ بعض حقه فصل فإن قطع أصبع رجل فتآكل منه الكف وجب القصاص في الأصبع لأنه أتلفه بجناية عمد ولا يجب في الكف لأنه لم يتلفه بجناية عمد لأن العمد فيه أن يباشره بالإتلاف ولم يوجد ذلك ويجب عليه دية ( كل أصبع من ) الأصابع لأنها تلفت بسبب جنايته ويدخل في دية كل أصبع أرش ما تحته من الكف لأن الكف تابع للأصابع في الدية وهل يدخل ما تحت الأصبع التي قتص منها في قصاصها على الوجهين فصل وتؤخذ الأليتان بالأليتين وهما الناتئتان بين الظهر والفخذ وقال بعض أصحابنا لا تؤخذ وهو قول المزني رحمة الله عليه لأنه لحم متصل بلحم فأشبه لحم الفخذ والمذهب الأول لقوله تعالى والجروح قصاص ولأنهما ينتهيان إلى حد فاصل فوجب فيهما القصاص كاليدين فصل ويقطع الذكر بالذكر لقوله تعالى والجروح قصاص ولأنه ينتهي إلى حد فاصل يمكن القصاص فيه من غير حيف فوجب فيه القصاص ويؤخذ بعضه ببعضه وقال أبو إسحق لا يؤخذ بعضه ببعض كما قال في اللسان والمذهب الأول لأنه إذا أمكن القصاص في جميعه أمكن في بعضه ويؤخذ ذكر الفحل بذكر الخصي لأنه كذكر الفحل في الجماع وعدم الإنزال لمعنى في غيره ويقطع الأغلف بالمختون لأنه يزيد على المختون بجلدة يستحق إزالتها بالختان ولا يؤخذ صحيح بأشل لأن الأشل ناقص بالشلل فلا يؤخذ به كامل فصل ويقطع الأنثيان بالأنثين لقوله تعالى والجروح قصاص وقال أهل الخبرة أخذها من غير إتلاف الأخرى فقتصى منه وإن قالوا إنه يؤدي قطعها إلى إتلاف الأخرى لم يقتص منه لأنه يقتص من ( أنثيين بواحدة ) فصل واختلف أصحابنا في الشفرين فمنهم من قال لا قصاص فيهما وهو قول الشيخ أبي حامد الإسفراييني رحمه الله لأنه لحم وليس له مفصل ينتهي إليه فلم يجب فيه القصاص كلحم الفخذ ومنهم من قال يجب فيه القصاص وهو المنصوص في الأم لأنهما لحمان محيطان بالفرج من الجانبين يعرف نتهاؤهما فوجب فيهما القصاص فصل وإن قطع رجل ذكر خنثى مشكل وأنثييه وشفريه وطلب حقه قبل أن يتبين حاله أنه ذكر أو أنثى نظرت فإن طلب القصاص لم يكن له لجواز أن يكون مرأة فلا يجب لها عليه في شيء من ذلك قصاص وإن طلب المال نظرت فإن عفا عن القصاص أعطي أقل حقيه وهو حق مرأة فيعطى دية عن الشفرين وحكومة في الذكر والأنثيين فإن بان أنه مرأة فقد استوفت حقها وإن بان أنه رجل تمم له الباقي من ( دية ) الذكر والأنثيين وحكومة عن الشفرين فإن لم يعف عن القصاص وقف القصاص إلى أن يتبين حاله لأنه يجوز أن يكون مرأة فلا يجب عليه القصاص وأما المال ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنه لا يعطى لأن دفع المال لا يجب مع القود وهو مطالب بالقود فسقطت المطالبة بالمال
والوجه الثاني وهو قول أكثر أصحابنا أنه لا يعطى أقل ما يستحق مع القود لأنه يستحق القود في عضو والمال في غيره فلم يكن دفع المال عفوا عن القود فيعطى حكومة في الشفرين ويوقف القود في الذكر والأنثيين وقال القاضي أبو حامد المروزي في جامعه يعطى دية الشفرين وهذا خطأ لأنه ربما بان أنه رجل فيجب القود في الذكر والأنثيين والحكومة في الشفرين فصل وما وجب فيه القصاص من الأعضاء وجب فيه القصاص وإن ختلف العضوان في الصغر والكبر والطول والقصر والصحة والمرض لأنا لو عتبرنا المساواة في هذه المعاني سقط القصاص في الأعضاء لأنه لا يكاد أن يتفق العضوان في هذه الصفات فسقط عتبارها فصل وما نقسم من الأعضاء إلى يمين ويسار كالعين واليد وغيرهما لم تؤخذ اليمين فيه باليسار ولا اليسار باليمين وما انقسم إلى أعلى وأسفل كالشفة والجفن لم يؤخذ الأعلى بالأسفل ولا الأسفل بالأعلى ولا يؤخذ سن بسن غيرها ولا أصبع بأصبع غيرها ولا أنملة بأنملة غيرها لأنها جوارح مختلفة المنافع والأماكن فلم يؤخذ بعضها ببعض كالعين بالأنف واليد بالرجل وما لا يؤخذ بعضه ببعض مما ذكرناه لا يؤخذ وإن رضي الجاني والمجني عليه وكذلك ما لا يؤخذ من الأعضاء الكاملة بالأعضاء الناقصة كالعين الصحيحة بالقائمة واليد الصحيحة بالشلاء لا يؤخذ وإن رضي الجاني والمجني عليه بأخذها لأن الدماء لا تستباح بالإباحة فصل وإن جنى على رجل جناية يجب فيها القصاص ثم قتله وجب القصاص فيهما لأنهما جنايتان يجب القصاص في كل واحدة منهما ( إذا نفردت ) فوجب القصاص فيهما عند الاجتماع كقطع اليد والرجل فصل وإن قتل أو قطع واحد جماعة أو قطع عضوا من جماعة لم تتداخل حقوقهم لأنها حقوق مقصودة لآدميين فلم تتداخل كالديون فإن قتل أو قطع واحدا بعد واحد قتص منه للأول لأن له مزية بالسبق وإن سقط حق الأول بالعفو قتص للثاني وإن سقط حق الثاني قتص للثالث وعلى هذا وإذا قتص منه لواحد بعينه تعين حق الباقين في الدية لأنه فاتهم القود بغير رضاهم فانتقل حقهم إلى الدية كما لو مات القاتل أو زال طرفه وإن قتلهم أو قطعهم دفعة واحدة أو أشكل الحال أقرع بينهم فمن خرجت له القرعة قتص له لأنه لا مزية لبعضهم على بعض فقدم بالقرعة كما قلنا فيمن أراد السفر ببعض نسائه فإن خرجت القرعة لواحد فعفا عن حقه أعيدت القرعة للباقين لتساويهم وإن ثبت القصاص لواحد منهم بالسبق أو بالقرعة فبدر غيره واقتص صار مستوفيا لحقه وإن أساء في التقدم على من هو أحق منه كما قلنا فيمن قتل مرتدا بغير إذن الإمام أنه يصير مستوفيا لقتل الردة وإن أساء في الإفتيات على الإمام وإن قتل رجل جماعة في المحاربة ففيه وجهان أحدهما أن حكمه حكم ما لو قتلهم في غير المحاربة والثاني أنه يقتل بالجميع لأن قتل المحاربة لحق الله تعالى ولهذا لا يسقط بالعفو فتداخل كحدود الله تعالى فصل وإن قطع يد رجل وقتل آخر قطع للمقطوع ثم قتل للمقتول تقدم القطع أو تأخر لأنا إذا قدمنا القتل سقط حق المقطوع وإذا قدمنا القطع لم يسقط حق المقتول وإذا أمكن الجمع بين الحقين من غير نقص لم يجز إسقاط أحدهما ويخالف إذا قتل ثنين لأنه لا يمكن إبقاء الحقين فقدم السابق وإن قطع أصبعا من يمين رجل ثم قطع يمين آخر قطع الأصبع للأول ثم قطعت اليد للثاني ويدفع إليه أرش الأصبع ويخالف إذا قطع أصبعا من يمين رجل ثم قطع يمين آخر قطع الأصبع للأول ثم قطعت اليد للثاني ويدفع إليه أرش الأصبع ويخالف إذا قطع ثم قتل حيث قلنا إنه يقطع للأول ويقتل للثاني ولا يلزمه لنقصان اليد شيء لأن النفس لا تنقص بنقصان اليد ولهذا يقتل صحيح اليد بمقطوع اليد واليد تنقص بنقصان الأصبع ولهذا لا تقطع اليد الصحيحة بيد ناقصة الأصابع وإن قطع يمين رجل ثم قطع أصبعا من يد رجل آخر قطعت يمينه للأول لأن حقه سابق
ويخالف إذا قتل رجلا ثم قطع يد آخر حيث آخرنا القتل وإن كان سابقا لأن هناك يمكن إبقاء الحقين من غير نقص يدخل على ولي المقتول بقطع اليد وههنا يدخل النقص على صاحب اليد بنقصان الأصبع فصل وإن قتل رجلا وارتد أو قطع يمين رجل وسرق قدم حق الآدمي من القتل والقطع وسقط حق الله تعالى لأن حق الآدمي مبني على التشديد فقدم على أحق الله تعالى باب استيفاء القصاص من ورث المال ورث الدية لما روى الزهري عن سعيد بن المسيب قال كان عمر رضي الله عنه يقول لا ترث المرأة من دية زوجها حتى قال له الضحاك بن قيس كتب إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ورث مرأة أشيم الضبابي من دية زوجها فرجع عمر رضي الله عنه عن ذلك ويقضي من الدية دينه وينفذ منها وصيته وقال أبو ثور لا يقضي منها الدين ولا ينفذ منها الوصية لأنها تجب بعد الموت والمذهب الأول لأنه مال يملكه الوارث من جهته فقضى منه دينه ونفذت منه وصيته كسائر أمواله ومن ورث المال ورث القصاص والدليل عليه ما روى أبو شريح الكعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل وأنا والله عاقله فمن قتل بعده قتيلا فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا الدية وإن قطع مسلم طرف مسلم ثم ارتد ومات في الردة وقلنا بأصح القولين إنه يجب القصاص في طرفه فقد نقل المزني أنه قال يقتص وليه المسلم وقال المزني رحمه الله لا يقتص غير الإمام لأن المسلم لا يرثه فمن أصحابنا من قال لا يقتص غير الإمام كما قال المزني وحمل قول الشافعي رحمة الله عليه على الإمام وقال عامة أصحابنا يقتص المناسب لأن القصد من القصاص التشفي ودرك الغيظ والذي يتشفى هو المناسب ويجوز أن يثبت القصاص لمن لا يرث شيئا كما لو قتل من له وارث وعليه دين محيط بالتركة فإن القصاص للوارث وإن لم يرث شيئا وإن كان الوارث صغيرا أو مجنونا لم يستوف له الولي لأن القصد من القصاص التشفي ودرك الغيظ وذلك لا يحصل بستيفاء الولي ويحبس القاتل إلى أن يبلغ الصغير أو يعقل المجنون لأن فيه حظا للقاتل بألا يقتل وفيه حظا للمولي عليه ليحصل له التشفي فإن أقام القاتل كفيلا ليخلى لم يجز تخليته لأن فيه تغريرا بحق المولي عليه بأن يهرب فيضيع الحق وإن وثب الصبي أو المجنون على القاتل فقتله ففيه وجهان أحدهما أنه يصير مستوفيا لحقه كما لو كانت له وديعة عند رجل فأتلفها والثاني لا يصير مستوفيا لحقه وهو الصحيح لأنه ليس من أهل ستيفاء الحقوق ويخالف الوديعة فإنها لو تلفت من غير فعل برىء منها المودع ولو هلك الجاني من غير فعل لم يبرأ من الجناية وإن كان القصاص بين صغير وكبير لم يجز للكبير أن يستوفي وإن كان بين عاقل ومجنون لم يجز للعاقل أن يستوفي لأنه مشترك بينهما فلا يجوز لأحدهما أن ينفرد به فإن قتل من لا وارث له كان القصاص للمسلمين وستيفاؤه إلى السلطان وإن كان له من يرث منه بعض القصاص كان ستيفاؤه إلى الوارث والسلطان ولا يجوز لأحدهما أن ينفرد به لما ذكرناه فصل وإن قتل رجل وله اثنان من أهل الإستيفاء فبدر أحدهما وقتل القاتل من غير إذن أخيه ففيه قولان أحدهما لا يجب عليه القصاص وهو الصحيح لأن له في قتله حقا فلا يجب عليه القصاص بقتله كما لا يجب الحد على أحد الشريكين في وطء الجارية المشتركة والثاني يجب عليه القصاص لأنه قتص في أكثر من حقه فوجب عليه القصاص كما لو وجب له القصاص في طرفه فقتله ولأن القصاص يجب بقتل بعض النفس إذا عري عن الشبهة ولهذا يجب على كل واحد من الشريكين في القتل وإن كان قاتلا لبعض النفس والنصف الذي لأخيه لا شبهة فيه فوجب القصاص عليه بقتله
وإن عفا أحدهما عن حقه من القصاص ثم قتله الآخر بعد العلم بالعفو نظرت فإن كان بعد حكم الحاكم بسقوط القود عنه وجب عليه القصاص لأنه لم يبق له شبهة وإن كان قبل حكم الحاكم بسقوط القود عنه فإن قلنا يجب عليه القود إذا قتله قبل العفو فلأن يجب عليه إذا قتله بعد العفو أولى وإن قلنا لا يجب عليه قبل العفو ففيما بعد العفو قولان أحدهما يجب عليه لأنه لا حق له في قتله فصار كما لو عفوا ثم قتله أحدهما والثاني لا يجب لأن على مذهب مالك رحمة الله عليه يجب له القود بعد عفو الشريك فيصير ذلك شبهة في سقوط القود فإذا قلنا إنه يجب القصاص على الإبن القاتل وجب دية الأب في تركة قاتله نصفها للأخ الذي لم يقتل ونصفها للأخ القاتل ولورثته بعده وإذا قلنا لا يجب القصاص على الإبن القاتل وجب عليه نصف دية المقتول لأنه قتله وهو يستحق نصف النفس وللأخ الذي لم يقتل نصف الدية وفيمن يجب عليه قولان أحدهما يجب على الإبن القاتل لأن نفس القاتل كانت مستحقة لهما فإذا أتلفها أحدهما لزمه ضمان حق الآخر كما لو كانت لهما وديعة عند رجل فأتلفها أحدهما فعلى هذا إن أبرأ الإبن الذي لم يقتل ورثة قاتل أبيه من نصفه لم يصح إبراؤه لأنه أبرأ من لا حق له عليه وإن أبرأ أخاه صح إبراؤه لأنه أبرأ من عليه الحق والقول الآخر أنه يجب ذلك في تركة قاتل أبيه لأنه قود سقط إلى مال فوجب في تركة القاتل كما لو قتله أجنبي ويخالف الوديعة فإنه لو أتلفها أجنبي وجب حقه عليه والقاتل لو قتله أجنبي لم يجب حقه عليه فعلى هذا لو أبرأ أخاه لم يصح إبراؤه وإن أبرأورثة قاتل أبيه صح إبراؤه ولورثة قاتل الأب مطالبة الإبن القاتل بنصف الدية لأن ذلك حق لهم عليه فلا يسقط ببراءتهم عن الإبن الآخر فصل ولا يجوز ستيفاء القصاص إلا بحضرة السلطان لأنه يفتقر إلى الإجتهاد ولا يؤمن فيه الحيف مع قصد التشفي فإن ستوفاه من غير حضرة السلطان عزره على ذلك ومن أصحابنا من قال لا يعزر لأنه ستوفى حقه والمنصوص أنه يعزز لأنه فتيات على السلطان والمستحب أن يكون بحضرة شاهدين حتى لا ينكر المجني عليه الإستيفاء وعلى السلطان أن يتفقد الآلة التي يستوفي بها القصاص فإن كانت كالة منع من الإستفاء بها لما روى شداد بن أوس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته وإن كانت مسمومة منع من الإستيفاء بها لأنه يفسد البدن ويمنع من غسله فإن عجل وستوفى بآلة كآلة أو بآلة مسمومة عزر فإن طلب من له القصاص أن يستوفي بنفسه فإن كان في الطرف لم يمكن منه لأنه لا يؤمن مع قصد التشفي أن يجني عليه بما لا يمكن تلافيه وإن كان في النفس فإن كان يكمل للإستيفاء بالقوة والمعرفة مكن منه لقوله تعالى ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا ولقوله صلى الله عليه وسلم فمن قتل بعده قتيلا فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا الدية ولأن القصد من القصاص التشفي ودرك الغيظ فمكن منه وإن لم يكمل للإستيفاء أمر بالتوكيل فإن لم يكن من يستوفي بغير عوض ستؤجر من خمس المصالح من يستوفي لأن ذلك من المصالح وإن لم يكن خمس أو كان ولكنه يحتاج إليه لما هو أهم منه وجبت الأجرة على الجاني لأن الحق عليه فكانت أجرة الإستيفاء عليه كالبائع في كيل الطعام المبيع فإن قال الجاني أنا أقتص لك بنفسي ولا أؤدي الأجرة لم يجب تمكينه منه لأن القصاص أن يؤخذ منه مثل ما أخذ ولأن من لزمه إيفاء حق لغيره لم يجز أن يكون هو المستوفي كالبائع في كيل الطعام المبيع
فإن كان القصاص لجماعة وهم من أهل الإستيفاء وتشاحوا أقرع بينهم لأنه لا يجوز جتماعهم على القصاص لأن في ذلك تعذيبا للجاني ولا مزية لبعضهم على بعض فوجب التقديم بالقرعة فصل وإن كان القصاص على مرأة حامل لم يقتص منها حتى تضع لقوله تعالى ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل وفي قتل الحامل إسراف في القتل لأنه يقتل من قتل ومن لم يقتل وروى عمران بن الحصين رضي الله عنه أن مرأة من جهينة أتت النبي صلى الله عليه وسلم وقالت إنها زنت وهي حبلى فدعا النبي صلى الله عليه وسلم وليها فقال أحسن إليها فإذا وضعت فجىء بها فلما أن وضعت جاء بها فأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فرجمت ثم أمرهم فصلوا عليها وإذا وضعت لم تقتل حتى تسقي الولد اللبأ لأنه لا يعيش إلا به وإن لم يكن من يرضعه لم يجز قتلها حتى ترضعه حولين كاملين لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للعامرية ذهبي حتى ترضعيه ولأنه لما أخر القتل لحفظه وهو حمل فلأن يؤخر لحفظه وهو مولود أولى وإن وجد له مرضعة راتبة جاز أن يقتص لأنه يستغني بها عن الأم وإن وجد مرضعات غير رواتب أو وجدت بهيمة يسقى من لبنها فالمستحب لولي الدم أن يقتص حتى ترضعه لأن ختلاف اللبن عليه والتربية بلبن البهيمة يفسد طبعه فإن لم يصبر قتص منها لأن الولد يعيش بالألبان المختلفة وبلبن البهيمة وإن دعت الحمل قال الشافعي رحمة الله عليه لا تحبس حتى يشهد أربع نسوة بالحمل لأن القصاص وجب فلا يؤخر بقولها وقال أكثر أصحابنا تحبس بقولها لأن الحمل وما يدل عليه من الدم وغيره يتعذر إقامة البينة عليه فقبل قولها فيه فصل وإن كان القصاص في الطرف فالمستحب ألا يستوفى إلا بعد ستقرار الجناية بالإندمال أو بالسراية إلى النفس لما روى عمرو بن دينار عن محمد بن طلحة قال طعن رجل رجلا بقرن في رجله فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال أقدني فقال دعه حتى يبرأ فأعادها عليه مرتين أو ثلاثا والنبي صلى الله عليه وسلم يقول حتى يبرأ فأبى فأقاده منه ثم عرج المستقيد فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال برىء صاحبي وعرجت رجلي فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا حق لك فذلك حين نهى أن يستقيد أحد من جرح حتى يبرأ صاحبه فإن ستوفى قبل الأندمال جاز للخبر وهل يجوز أخذ الأرش قبل الإندمال فيه قولان أحدهما يجوز كما يجوز ستيفاء القصاص قبل الإندمال والثاني لا يجوز لأن الأرش لا يستقر قبل الإندمال لأنه قد يسري إلى النفس ويدخل في دية النفس وقد يشاركه غيره في الجناية فينقص بخلاف القصاص فإنه لا يسقط بالسراية ولا تؤثر فيه المشاركة فإذا قلنا يجوز ففي القدر الذي يجوز أخذه وجهان أحدهما يجوز أخذه بالغا ما بلغ لأنه قد وجب في الظاهر فجاز أخذه والثاني وهو قول أبي إسحاق أنه يأخذ أقل الأمرين من أرش الجناية أو دية النفس لأن ما زاد على دية النفس لا يتيقن ستقراره لأنه ربما سقط فعلى هذا إن قطع يديه ورجليه وجب في الظاهر ديتان وربما سرت الجناية إلى النفس فرجع إلى دية فيأحذ دية فإن سرت الجناية إلى النفس فقد أخذ حقه وإن ندملت أخذ دية أخرى فصل وإن قلع سن صغير لم يثغر أو سن كبير قد أثغر وقال أهل الخبرة إنه يرجى أن ينبت إلى مدة لم يقتص منه قبل الإياس من نباته لأنه لا يتحقق الإتلاف فيه قبل الإياس كما لا يتحقق إتلاف الشعر قبل الإياس من نباته فإن مات قبل الإياس لم يجب القصاص لأنه لم يتحقق الإتلاف فلم يقتص مع الشك فصل إذا قتل بالسيف لم يقتص منه إلا بالسيف
لقوله تعالى فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ولأن السيف أرجى الآلات فإذا قتل به وقتص بغيره أخذ فوق حقه لأن حقه في القتل وقد قتل وعذب فإن أحرقه أو غرقه أو رماه بحجر أو رماه من شاهق أو ضربه بخشب أو حبسه ومنعه الطعام والشراب فمات فللولي أن يقتص بذلك لقوله تعالى وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولما روى البراء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه ولأن القصاص موضوع على المماثلة والمماثلة ممكنة بهذه الأسباب فجاز أن يستوفى بها القصاص وله أن يقتص منه بالسيف لأنه قد وجب له القتل والتعذيب فإذا عدل إلى السيف فقد ترك بعض حقه فجاز فإن قتله بالسحر قتل بالسيف لأن عمل السحر محرم فسقط وبقي القتل فقتل بالسيف وإن قتله باللواط أو بسقي الخمر ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبي إسحاق أنه إن قتله بسقي الخمر قتله بسقي الماء وإن قتله باللواط فعل به مثل ما فعله بخشبة لأنه تعذر مثله حقيقة ففعل به ما هو أشبه بفعله والثاني أنه يقتل بالسيف لأنه قتله بما هو محرم في نفسه فاقتص بالسيف كما لو قتله بالسحر وإن ضرب رجلا بالسيف فمات فضرب بالسيف فلم يمت كرر عليه الضرب بالسيف لأن قتله مستحق وليس ههنا ما هو أرجى من السيف فقتل به وإن قتله بمثقل أو رماه من شاهق أو منعه الطعام والشراب مدة ففعل به مثل ذلك فلم يمت ففيه قولان أحدهما يكرر عليه ذلك إلى أن يموت كما قلنا في السيف والثاني أنه يقتل بالسيف لأنه فعل به مثل ما فعل وبقي إزهاق الروح فوجب بالسيف وإن جنى عليه جناية يجب فيها القصاص بأن قطع كفه أو أوضح رأسه فمات فللولي أن يستوفي القصاص بما جنى فيقطع كفه ويوضح رأسه لقوله تعالى والجروح قصاص فإن مات به فقد ستوفى حقه وإن لم يمت قتل بالسيف لأنه لا يمكن أن يقطع منه عضوا آخر ولا أن يوضح في موضع آخر لأنه يصير قطع عضوين بعضو وإيضاح موضحتين بموضحة وإن جنى عليه جناية لا يجب فيها القصاص كالجائفة وقطع اليد من الساعد فمات منه ففيه قولان أحدهما يقتل بالسيف ولا يقتص منه في الجائفة ولا في قطع اليد من الساعد لأنه جناية لا يجب فيها القصاص فلا يستوفى بها القصاص كاللواط والثاني يقتص منه في الجائفة وقطع اليد من الساعد لأنه جهة يجوز القتل بها في غير القصاص فجاز القتل بها في القصاص كالقطع من المفصل وحز الرقبة فإن قتص بالجائفة أو قطع اليد من الساعد فلم يمت قتل بالسيف لأنه لا يمكن أن يجاف جائفة أخرى ولا أن يقطع منه عضوا آخر فتصير جائفتان بجائفة وقطع عضوين بعضو 4 فصل وإن أوضح رأسه بالسيف اقتص منه بحديدة ماضية كالموسى ونحوه ولا يقتص منه بالسيف لأنه لا يؤمن أن يهشم العظم فصل وإن جنى عليه جناية ذهب منها ضوء عينيه نظرت فإن كانت جناية لا يجب فيها القصاص كالهاشمة عولج بما يزيل ضوء العين من كافور يطرح في العين أو حديدة حامية تقرب منها لأنه تعذر ستيفاء القصاص فيه بالهاشمة ولا يقلع الحدقة لأنه قصاص في غير محل الجناية فعدل إلى أسهل ما يمكن كما قلنا في القتل باللواط وإن كانت جناية يمكن فيها القصاص كالموضحة قتص منه فإن ذهب الضوء فقد ستوفى حقه وإن لم يذهب عولج بما يزيل الضوء على ما ذكرناه
وقال الشيخ الإمام ويحتمل عندي أنه لا يقتص منه باللطمة بل يعالج بما يذهب الضوء على ما ذكرناه في الهاشمة والدليل عليه ما روى يحيى بن جعدة أن أعرابيا قدم بجلوبة له إلى المدينة فساومه فيها مولى لعثمان بن عفان رضي الله عنه فنازعه فلطمه ففقأ عينه فقال له عثمان هل لك أن أضعف لك الدية وتعفو عنه فأبى فرفعهما إلى علي فدعا علي رضي الله عنه بمرآة فأحماها ثم وضع القطن على عينه الأخرى ثم أخذ المرآة بكلبتين فأدناها من عينه حتى سال إنسان عينه ولأن اللطم لا يمكن عتبار المماثلة فيه ولهذا لو نفرد من ذهاب الضوء لم يجب فيه القصاص فلا يستوفى به القصاص في الضوء كالهاشمة وإن قلع عين رجل بالأصبع فأراد المجني عليه أن يقتص بالأصبع ففيه وجهان أحدهما أنه يجوز لأنه يأتي على ما تأتي عليه الحديدة مع المماثلة والثاني لا يجوز لأن الحديد أرجى فلا يجوز بغيره فصل وإن وجب له القصاص بالسيف فضربه فأصاب غير الموضع ودعى أنه أخطأ فإن كان يجوز في مثله الخطأ فالقول قوله مع يمينه لان ما يدعيه محتمل وإن كان لا يجوز في مثله الخطأ لم يقبل قوله ولا يسمع فيه يمينه لانه لا يحتمل ما يدعيه وإن أراد أن يعود ويقتص فقد قال في موضع لا يمكن وقال في موضع يمكن ومن أصحابنا من قال هما قولان أحدهما لا يمكن لانه لا يومن مثله في الثاني و الثاني أنه يمكن لان الحق له والظاهر أنه لا يعود إلى مثله ومن أصحابنا من قال إن كان يحسن مكن لان الظاهر أنه لا يعود إلى مثله وإن لم يحسن لم يمكن لانه لا يومن أن يعود إلى مثله وحمل القولين على هذين الحالين وإن وجب له القصاص في موضحة فاستوفى أكثر من حقه أو وجب له القصاص في أنملة فقطع أنملتين فإن كان عامدا وجب عليه القود في الزيادة وإن كان خطأ وجب عليه الأرش كما لو فعل ذلك في غير القصاص وإن ستوفى أكثر من حقه بضطراب الجاني لم يلزمه شيء لانه حصل بفعله فهدر فصل وإن قتص من الطرف بحديدة مسمومة فمات لم يجب عليه القصاص لانه تلف من جائز وغير جائز ويجب نصف الدية لانه هلك من مضمون وغير مضمون فسقط النصف ووجب النصف فصل وإذا وجب له القصاص في يمينه فقال أخرج يمينك فأخرج اليسار من كم اليمين فقطعها فإن قال تعمدت إخراج اليسار وعلمت أنه لا يجوز قطعها عن اليمين لم يجب على القاطع ضمان لانه قطعها ببذله ورضاه وإن قال ظننتها اليمين أو ظننت أنه يجوز قطعها عن اليمين نظرت في المستوفي فإن جهل أنها اليسار لم يجب عليه القصاص لانه موضع شبهة وهل يجب عليه الدية فيه وجهان أحدهما لا تجب عليه لانه قطعها ببذل صاحبها والثاني يجب وهو المذهب لانه بذل على أن يكون عوضا عن اليمين فإذا لم يصح العوض وتلف المعوض وجب له بدله كما لو شترى سلعة بعوض فاسد وتلفت عنده فإن علم أنه اليسار وجب عليه ضمانه وفيما يضمن وجهان أحدهما وهو قول أبي حفص بن الوكيل أنه يضمن بالقود لانه تعمد قطع يد محرمة والثاني وهو المذهب أنه لا يجب القود لانه قطعها ببذل الجاني ورضاه وتلزمه الدية لانه قطع يدا لا يستحقها مع العلم به فإن وجب له القود في اليمين فصالحه على اليسار لم يصح الصلح لان الدماء لا يستباح بالعوض وهل يسقط القصاص في اليمين فيه وجهان أحدهما يسقط لان عدوله إلى اليسار رضا بترك القصاص في اليمين والثاني أنه لا يسقط لانه أخذ اليسار على أن يكون بدلا عن اليمين ولم يسلم البدل فبقي حقه في المبدل فإذا قلنا لا يسقط القصاص فله على المقتص دية اليسار وللمقتص عليه القصاص في اليمين وإن قلنا إنه يسقط القصاص فله دية اليمين وعليه دية اليسار
وإن كان القصاص على مجنون فقال له المجني عليه أخرج يمينك فأخرج يساره فقطعها وجب عليه القصاص إن كان عالما أو الدية إن كان جاهلا لان بذل المجنون لا يصح فصار كما لو بدأ بقطعه فصل إذا قتص في الطرف فسرى إلى نفس الجاني فمات لم يجب ضمان السراية لما روي أن عمر وعليا رضي الله عنهما قالا في الذي يموت من القصاص لا دية له وإن جنى على طرف رجل فقتص منه ثم سرت الجناية إلى نفس المجني عليه ثم سرى القصاص إلى نفس الجاني كانت سراية القصاص إلى نفس الجاني قصاصا عن سراية الجناية إلى نفس المجني عليه لانه لما كانت السراية كالمباشرة في إيجاب القصاص كانت كالمباشرة في ستيفاء القصاص وإن سرى القصاص إلى نفس الجاني ثم سرت الجناية إلى نفس المجني عليه ففيه وجهان أحدهما أن السراية قصاص لانها سراية قصاص فوقعت عن القصاص كما لو سرت الجناية ثم سرى القصاص والثاني وهو الصحيح أن السراية هدر ولا تكون قصاصا لانها سبقت وجوب القصاص فلا يجوز أن تكون قصاصا عما وجب بعدها فعلى هذا يجب في تركة الجاني نصف الدية لانه قد أخذ منه بقدر نصف الدية وبقي النصف فصل من وجب عليه قتل بكفر أو ( ردة ) أو زنا أو قصاص فلتجأ إلى الحرم قتل ولم يمنع الحرم من قتله والدليل عليه قوله عز وجل واقتلوهم حيث وجدتموهم ولانه قتل لا يوجب الحرم ضمانه فلم يمنع منه كقتل الحية والعقرب فصل ومن وجب عليه قصاص في النفس فمات عن مال أو وجب عليه قصاص في الطرف فزال الطرف وله مال ثبت حق المجني عليه في الدية لان ما ضمن بسببين على سبيل البدل إذا تعذر أحدهما ثبت الآخر كذوات الأمثال باب العفو عن القصاص ومن وجب عليه القصاص وهو جائز التصرف فله أن يقتص وله أن يعفو على المال لما روى أبو شريح الكعبي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل وأنا والله عاقله فمن قتل بعده قتيلا فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا الدية فإن عفا مطلقا بنينا على ما يجب بقتل العمد وفيه قولان أحدهما أن موجب قتل العمد القصاص وحده ولا تجب الدية إلا بالأختيار والدليل عليه قوله عز وجل كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد ولان ما ضمن ( بالبدل ) في حق الآدمي ضمن ببدل معين كالمال والقول الثاني أن موجبه أحد الأمرين من القصاص أو الدية والدليل عليه أن له أن يختار ما شاء منهما فكان الواجب أحدهما كالهدي والطعام في جزاء الصيد فإذا قلنا إن الواجب هو القصاص وحده فعفا عن القصاص مطلقا سقط القصاص ولم تجب الدية لانه لا يجب له غير القصاص وقد أسقطه بالعفو وإن قلنا إنه يجب أحد الأمرين فعفا عن القصاص وجبت الدية لان الواجب أحدهما فإذا ترك أحدهما وجب الآخر وإن اختار الدية سقط القصاص وثبت المال ولم يكن له أن يرجع إلى القصاص وإن قال خترت القصاص فهل له أن يرجع إلى الدية فيه وجهان أحدهما له أن يرجع لان القصاص أعلى فجاز أن ينتقل عنه إلى الأدنى والثاني ليس له أن يرجع إلى الدية لانه تركها فلم يرجع إليها كالقصاص فإن جنى عبد على رجل جناية توجب القصاص فشتراه بأرش الجناية سقط القصاص لان عدوله إلى الشراء ختيار للمال وهل يصح الشراء ينظر فيه فإن كانا لا يعرفان عدد الإبل وأسنانها لم يصح الشراء لانه بيع مجهول فإن كانا يعرفان العدد والأسنان ففيه قولان أحدهما لا يصح الشراء لان الجهل بالصفة كالجهل بالعدد والسن كما قلنا في السلم والثاني أنه يصح لانه مال مستقر في الذمة تصح المطالبة به فجاز البيع به كالعوض في القرض فصل فإن كان القصاص لصغير لم يجز للولي أن يعفو
عنه على غير مال لانه تصرف لا حظ للصغير فيه فلا يملكه الولي كهبة ماله وإن أراد أن يعفو على مال فإن كان له مال أو له من ينفق عليه لم يجز العفو لانه يفوت عليه القصاص من غير حاجة وإن لم يكن له مال ولا من ينفق عليه ففيه وجهان أحدهما يجوز العفو على مال لحاجته إلى المال ليحفظ به حياته والثاني لا يجوز وهو المنصوص لانه يستحق النفقة في بيت المال ولا حاجة به إلى العفو عن القصاص وإن كان المقتول لا وارث له غير المسلمين كان الأمر إلى السلطان فإن رأى القصاص قتص وإن رأى العفو على مال عفا لان الحق للمسلمين فوجب على الإمام أن يفعل ما يراه ( من ) المصلحة فإن أراد أن يعفو على غير مال لم يجز لانه تصرف لا حظ فيه للمسلمين فلم يملكه فصل وإن كان القصاص لجماعة فعفا بعضهم سقط حق الباقين من القصاص لما روى زيد بن وهب أن عمر رضي الله عنه أتي برجل قتل رجلا فجاء ورثة المقتول ليقتلوه فقالت أخت المقتول وهي مرأة القاتل قد عفوت عن حقي فقال عمر رضي الله عنه عتق من القتل وروى قتادة رضي الله عنه رفع إليه رجل قتل رجلا فجاء أولاد المقتول وقد عفا أحدهم فقال عمر لابن مسعود رضي الله عنهما وهو إلى جنبه ما تقول فقال إنه قد أحرز من القتل فضرب على كتفه وقال كنيف ملىء علما ولان القصاص مشترك بينهم وهو مما لا يتبعض ومبناه على الإسقاط فإذا أسقط بعضهم حقه سرى إلى الباقي كالعتق في نصيب أحد الشريكين وينتقل حق الباقين إلى الدية لما روى زيد بن وهب قال دخل رجل على مرأته فوجد عندها رجلا فقتلها إخوتها عمر فقال بعض إخوتها قد تصدقت بحقي فقضى لسائرهم بالدية ولانه سقط حق من لم يعف عن القصاص بغير رضاه فثبت له البدل مع وجود المال كما يسقط حق من لم يعتق من الشريكين إلى القيمة فصل وإن وكل من له القصاص من يستوفي له ثم عفا وقتل الوكيل ولم يعلم بالعفو ففيه قولان أحدهما لا يصح العفو لانه عفا في حال لا يقدر الوكيل على تلافي ما وكل فيه فلم يصح العفو كما لو عفا بعد رمى الحربة إلى الجاني والثاني يصح لانه حق له فلا يفتقر عفوه عنه إلى علم غيره كالإبراء من الدين ولا يجب القصاص على الوكيل لانه قتله وهو جاهل بتحريم القتل وأما الدية فعلى القولين إن قلنا إن العفو لا يصح لم تجب الدية كما لا تجب إذا عفا عنه بعد القتل وإن قلنا يصح العفو وجبت الدية على الوكيل لانه قتل محقون الدم ولا يرجع بما غرمه من الدية على الموكل وخرج أبو العباس قولا آخر أنه يرجع عليه لانه غره حين لم يعلمه بالعفو كما قلنا فيمن وطىء أمة غر بحريتها في النكاح وقلنا إن النكاح باطل أنه يلزمه المهر ثم يرجع به على من غره في أحد القولين وهذا خطأ لان الذي غره في النكاح مسىء مفرط فرجع عليه والموكل ههنا محسن في العفو غير مفرط فصل فإن جنى على رجل جناية فعفا المجني عليه عن القصاص فيها ثم سرت الجناية إلى النفس فإن كانت الجناية مما يجب فيها القصاص كقطع الكف والقدم لم يجب القصاص في النفس لان القصاص لا يتبعض فإذا سقط في البعض سقط في الجميع وإن كانت الجناية مما لا قصاص فيها كالجائفة ونحوها وجب القصاص في النفس لانه عفا عن القصاص فيما لا قصاص فيه فلم يعمل فيه العفو فصل وإن قطع أصبع رجل عمدا فعفا المجني عليه عن القصاص والدية ثم اندملت سقط القصاص والدية وقال المزني رحمه الله يسقط القصاص ولا تسقط الدية لانه عفا عن القصاص بعد وجوبه فسقط وعفا عن الدية قبل وجوبها لان الدية لا تجب إلا بالاندمال والعفو وجد قبله فلم تسقط وهذا خطأ لان الدية تجب بالجناية
والدليل عليه أنه لو جنى على طرف عبده ثم باعه ثم ندمل كان أرش الطرف له دون المشتري فدل على أنه وجب بالجناية وإنما تأخرت المطالبة إلى ما بعد الاندمال فصار كما لو عفا عن دين موجل فإن سرت الجناية إلى الكف وندملت سقط القصاص في الأصبع بالعفو ولم يجب في الكف لانه تلف بالسراية والقصاص فيما دون النفس لا يجب بالسراية وسقطت دية الأصبع لانه عفا عنها بعد الوجوب ولا يسقط أرش ما تسري إليه لانه عفا عنه قبل الوجوب وإن سرت الجناية إلى النفس نظرت فإن قال عفوت عن هذه الجناية قودها وديتها وما يحدث منها سقط القود في الأصبع والنفس لانه سقط في الأصبع بالعفو بعد الوجوب وسقط في النفس لانها لا تتبعض وأما الدية فإنه إن كان العفو بلفظ الوصية فهو وصية للقاتل وفيها قولان فإن قلنا لا تصح وجبت دية النفس وإن قلنا تصح وخرجت من الثلث سقطت وإن خرج بعضها سقط ما خرج منها من الثلث ووجب الباقي وإن كان بغير لفظ الوصية فهل هو وصية في الحكم أم لا فيه قولان أحدهما أنه وصية لانه يعتبر من الثلث والثاني أنه ليس بوصية لان الوصية ما تكون بعد الموت وهذا إسقاط في حال الحياة فإذا قلنا إنه وصية فعلى ما ذكرناه من القولين في الوصية للقاتل وإن قلنا إنه ليس بوصية صح العفو عن دية الأصبع لانه عفا عنها بعد الوجوب ولا يصح عما زاد لانه عفا قبل الوجوب فيجب عليه دية النفس إلا أرش أصبع وأما إذا قال عفوت عن هذه الجناية قودها وعقلها ولم يقل وما يحدث منها سقط القود في الجميع لما ذكرناه ولا تسقط دية النفس لانه أبرأ منها قبل الوجوب وأما دية الأصبع فإنه إن كان عفا عنها بلفظ الوصية أو بلفظ العفو وقلنا إنه وصية فهو وصية للقاتل وفيها قولان وإن كان بلفظ العفو وقلنا إنه ليس بوصية فإن خرج من الثلث سقط وإن خرج بعضه سقط منه ما خرج ووجب الباقي لانه إبراء عما وجب فصل فإن جنى جناية يجب فيها القصاص كقطع اليد فعفا عن القصاص وأخذ نصف الدية ثم عاد فقتله فقد ختلف أصحابنعا فيه فذهب أبو سعيد الإصطخري رحمة الله عليه إلى أنه يلزمه القصاص في النفس أو الدية الكاملة إن عفي عن القصاص لان القتل منفرد عن الجناية فلم يدخل حكمه في حكمها فوجب لاجله القصاص أو الدية ومن أصحابنا من قال لا يجب القصاص ويجب نصف الدية لان الجناية والقتل كالجناية الواحدة فإذا سقط القصاص في بعضها سقط في جميعها ويجب نصف الدية لانه وجب كمال الدية وقد أخذ نصفها وبقي له النصف ومنهم من قال يجب له القصاص في النفس وهو الصحيح لان القتل نفرد عن الجناية فعفوه عن الجناية لا يوجب سقوط ما لزمه بالقتل ويجب له نصف الدية لان القتل إذا تعقب الجناية قبل الاندمال صار بمنزلة ما لو سرت إلى النفس ولو سرت وجب فيها الدية وقد أخذ النصف وبقي النصف فصل إذا قطع يد رجل فسرى القطع إلى النفس فامتص في اليد ثم عفي عن النفس على غير مال لم يضمن اليد لانه قطعها في حال لا يضمنها فأشبه إذا قطع يد مرتد فأسلم ولان العفو يرجع إلى ما بقي دون ما ستوفي كما لو قبض من دينه بعضه ثم أبرأه وإن عفي على مال وجب له نصف الدية لانه بالعفو صار حقه في الدية وقد أخذ ما يساوي نصف الدية فوجب له النصف فإن قطع يدي رجل فسرى إلى نفسه فقطع الولي يدي الجاني ثم عفا عن النفس لم يجب له مال لانه لم يجب له أكثر من دية وقد أخذ ما يساوي دية فلم يجب له شيء وإن قطع نصراني يد مسلم فقتص منه في الطرف ثم سرى القطع إلى نفس المسلم فللولي أن يقتله لانه صارت الجناية نفسا
وإن ختار أن يعفو على الدية ففيه وجهان أحدهما أنه يجب عشرة آلاف درهم لان دية المسلم ثنا عشر ألفا وقد أخذ ما يساوي ألفي درهم فوجب الباقي والثاني أنه يجب له نصف ديته وهو ستة آلاف درهم لانه رضي أن يأخذ يدا ناقصة بيد كاملة ديتها ستة آلاف درهم فوجب الباقي وإن قطع يديه فقتص منه ثم سرى لقطع إلى نفس المسلم فللولي أن يقتله لانه صارت الجناية نفسا فإن عفي على الدية أخذ على الوجه الأول ثمانية آلاف درهم لانه أخذ ما يساوي أربعة آلاف درهم وبقي له ثمانية آلاف درهم وعلى الوجه الثاني لا شيء له لانه رضي أن يأخذ نفسه بنفسه فيصير كما لو ستوفى ديته وإن قطعت مرأة يد رجل فقتص منها ثم سرى القطع إلى نفس الرجل فلوليه أن يقتلها لما ذكرناه فإن عفا على مال وجب على الوجه الأول تسعة آلاف درهم لان الذي أخذ يساوي ثلاثة آلاف درهم وبقي تسعة آلاف درهم وعلى الوجه الثاني يجب ستة آلاف لانه رضي أن يأخذ يدها بيده وذلك بقدر نصف ديته وبقي النصف كتاب الديات باب من تجب الدية بقتله وما تجب به الدية من الجنايات تجب الدية بقتل المسلم لقوله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله وتجب بقتل الذمي والمستأمن ومن بيننا وبينهم هدنة لقوله تعالى وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة وتجب بقتل من لم تبلغه الدعوة لانه محقون الدم مع كونه من أهل القتال فكان مضمونا بالقتل كالذمي فصل وإن قطع طرف مسلم ثم ارتد ومات على الردة وقلنا إنه لا يجب القصاص في طرفه أو قلنا يجب فعفي عن القصاص على مال ففيه قولان أحدهما لا تجب دية الطرف لانه تابع للنفس في الدية فإذا لم تجب دية النفس لم تجب دية الطرف والثاني أنه تجب وهو الصحيح لان الجناية أوجبت دية الطرف والردة قطعت سراية الجرح فلا تسقط ما تقدم وجوبه كما لو قطع يد رجل ثم قتل الرجل نفسه فإن جرح مسلما ثم رتد ثم أسلم ومات فإن أقام في الردة زمانا تسري فيه الجناية ففيه قولان أحدهما تجب دية كاملة لان الاعتبار في الدية بحال ستقرار الجناية والدليل عليه أنه لو قطع يديه ورجليه وندملت وجبت له ديتان ولو سرت إلى النفس وجبت دية وهذا مسلم في حال ستقرار الجناية فوجب فيه دية مسلم والثاني يجب نصف الدية لان الجناية في حال الإسلام توجب والسرابة في حال الردة تسقط فوجب النصف كما لو جرحه رجل وجرح نفسه فمات وإن لم يقم في الردة زمانا تسري فيه الجناية وجبت دية مسلم لانه مسلم في حال الجناية وفي حال ( ستقرار الجناية ) ولا تأثير لما مضى في حال الردة فلم يكن له حكم فصل وإن قطع يد مرتد ثم أسلم ومات لم يضمن ومن أصحابنا من قال تجب فيه دية مسلم لانه مسلم في حال ستقرار الجناية فوجبت ديته فصل وإن أرسل سهما على حربي فأصابه وهو مسلم ومات وجبت فيه دية مسلم وقال أبو جعفر الترمذي لا يلزمه شيء لانه وجد السبب من جهته في حال هو مأمور بقتله ولا يمكنه تلافي فعله عند الإسلام فلا يجب ضمانه كما لو جرحه ثم أسلم ومات والمذهب الأول لان الاعتبار بحال الإصابة دون حال الإرسال لان الإرسال سبب والإصابة جناية والاعتبار بحال الجناية لا بحال السبب والدليل عليه أنه لو حفر بئرا في الطريق وهناك حربي فأسلم ووقع فيها ومات ضمنه وإن كان عند السبب حربيا ويخالف إذا جرحه ثم أسلم ومات لان الجناية هناك حصلت وهو غير مضمون وإن أرسل سهما على مسلم فوقع به وهو مرتد فمات لم يضمن لان الجناية حصلت وهو غير مضمون فلم يضمنه كما لو أرسله على حي فوقع به وهو ميت فصل وإن قتل مسلما تترس به الكفار لم يجب القصاص
لانه لا يجوز أن يجب القصاص مع جواز الرمي وأما الدية فقد قال في موضع تجب وقال في موضع إن علمه مسلما وجبت فمن أصحابنا من قال هو على قولين أحدهما أنها تجب لانه ليس من جهته تفريط في الإقامة بين الكفار فلم يسقط ضمانه والثاني أنه لا تجب لان القاتل مضطر إلى رميه ومنهم من قال إن علم أنه مسلم لزمه ضمانه وإن لم يعلم لم يلزمه ضمانه لان مع العلم بإسلامه يلزمه أن يتوقاه ومع الجهل بإسلامه لا يلزمه أن يتوقاه وحمل القولين على هذين الحالين وقال أبو إسحق إن عنيه بالرمي ضمنه وإن لم يعنه لم يضمنه وحمل القولين على هذين الحالين فصل وتجب الدية بقتل الخطإ لقوله عز وجل ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله وتجب بقتل العمد في أحد القولين وبالعفو على الدية في القول الآخر وقد بيناه في الجنايات وتجب بشبه العمد لما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ألا إن في دية الخطإ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل منها أربعون خلفة في بطونها أولادها فإن غرز إبرة في غير مقتل فمات وقلنا إنه لا يجب عليه القصاص ففي الدية وجهان أحدهما أنها تجب لانه قد يفضي إلى القتل والثاني لا تجب لانه لما لم تجب بأقل المثقل وهو الضرب بالقلم والرمي بالحصاة لم تجب بأقل المحدد فصل وتجب على الجماعة إذا شتركوا في القتل وتقسم بينهم على عددهم لانه بدل متلف يتجزأ فقسم بين الجماعة على عددهم كغرامة المال فإن شترك في القتل ثنان وهما من أهل القود فللولي أن يقتص من أحدهما ويأخذ من الآخر نصف الدية وإن كان أحدهما من أهل القود والآخر من أهل الدية فله أن يقتص ممن عليه القود ويأخذ من الآخر نصف الدية فصل وتجب الدية بالأسباب فإن شهد ثنان على رجل بالقتل فقتل بشهادتهما بغير حق ثم رجعا عن الشهادة كان حكمهما في الدية حكم الشريكين لما روي أن شاهدين شهدا عند علي كرم الله وجهه على رجل أنه سرق فقطعه ثم رجعا عن شهادتهما فقال لو أعلم أنكما تعمدتما لقطعت أيديكما وأغرمهما دية يده فصل وإن أكره رجل على قتل رجل فقتله فإن قلنا إنه يجب القود عليهما فللولى أن يقتل من شاء منهما ويأخذ نصف الدية من الآخر لانهما كالشريكين فى القتل إذا كانا من أهل القود وإن قلنا لا يجب القود إلا على المكره الآمر دون المكره فللولى أن يقتل المكره ويأخذ من الآخر نصف الدية لانهما كالشريكين غير أن القصاص يسقط بالشبهة فسقط عنه والدية لا تسقط بالشبهة فوجب عليه نصفها فصل وإن طرح رجلا فى نار يمكنه الخروج منها فلم يخرج حتى مات ففيه قولان أحدهما أنه تجب الدية لان ترك التخلص من الهلاك لا يسقط به ضمان الجناية كما لو جرحه جراحة وقدر المجروح على مداواتها فترك المداواة حتى مات والقول الثانى أنها لا تجب وهو الصحيح لان طرحه فى النار لا يحصل به التلف وإنما يحصل ببقائه فيها باختياره فسقط ضمانه كما لو جرحه جرحا يسيرا لا يخاف منه فوسعه حتى مات وإن طرحه فى ماء يمكنه الخروج منه فلم يخرج حتى مات ففيه طريقان من أصحابنا من قال فيه قولان كالنار ومنهم من قال لا تجب قولا واحدا لان الطرح فى الماء ليس بسبب للهلاك لان الناس يطرحون أنفسهم فى الماء للسباحة وغيرها وإنما حصل الهلاك بمقامه فيه فسقط ضمانه بخلاف النار فصل وإن شد يديه ورجليه وطرحه فى ساحل فزاد الماء وهلك فيه نظرت فإن كانت الزيادة معلومة الوجود كالمد بالبصرة فهو عمد محض ويجب به القصاص لانه قصد تغريقه وإن كان قد يزيد وقد لا يزيد فهو عمد خطأ وتجب به الدية المغلظة فإن كان فى موضع لا يزيد فيه الماء فزاد وهلك فيه خطأ محض وتجب فيه الدية مخففة
وإن شد يديه ورجليه وطرحه فى أرض مسبعة فقتله السبع فهو عمد خطإ وتجب فيه دية مغلظة وإن كان فى أرض غير مسبعة فقتله السبع فهو خطأ محض وتجب فيه دية مخففة فصل وإن سلم صبيا إلى سابح ليعلمه السباحة فغرق ضمنه السابح لانه سلمه إليه ليحتاط فى حفظه فإذا هلك بالتعليم نسب إلى التفريط فضمنه كالمعلم إذا ضرب الصبى فمات وإن سلم البالغ نفسه إلى السابح فغرق لم يضمنه لانه فى يد نفسه فلا ينسب إلى التفريط فى هلاكه إلى غيره فلا يجب ضمانه فصل وإن كان صبى على طرف سطح فصاح رجل ففزع فوقع من السطح ومات ضمنه لان الصياح سبب لوقوعه وإن كان صياحه عليه فهو عمد خطأ وإن لم يكن صياحه عليه فهو خطأ وإن كان بالغ على طرف سطح فسمع الصيحة فى حال غفلته فخر ميتا ففيه وجهان أحدهما أنه كالصبى لان البالغ فى حال غفلته يفزع من الصيحة كما يفزع الصبى والثانى لا يضمن لان معه من الضبط ما لا يقع به مع الغفلة فصل وإن بعث السلطان إلى امرأة ذكرت عنده بسوء ففزعت فألقت جنينا ميتا وجب ضمانه لما روى أن عمر رضى الله عنه أرسل إلى امرأة مغيبة كان يدخل عليها فقالت يا ويلها ما لها ولعمر فبينا هى فهى الطريق إذ فزعت فضربها الطلق فألقت ولدا فصاح الصبى صيحتين ثم مات فاستشار عمر رضى الله عنه أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم فأشار بعضهم أن ليس عليك شيء إنما أنت وال ومؤدب وصمت على رضى الله عنه فأقبل عليه فقال ما تقول يا أبا الحسن فقال إن كانوا قالوا برأيهم فقد أخطأ رأيهم وإن كانوا قالوا فى هواك فلم ينصحوا لك إن ديته عليك لانك أنت أفزعتها فألقت وإن فزعت المرأة فماتت لم تضمن لان ذلك ليس بسبب لهلاكها فى العادة فصل وإن طلب رجل بصيرا بالسيف فوقع فى بئر أو ألقى نفسه من شاهق فمات لم يضمن لان الطلب سبب والإلقاء مباشرة فإذا اجتمعا سقط حكم السبب بالمباشرة ولان الطالب لم يلجئه إلى الوقوع لانه لو أدركه جاز ألا يجنى عليه فصار كما لو جرحه رجل فذبح المجروح نفسه وإن طلب ضريرا فوقع فى بئحر أو من شاهق ومات فإن كان عالما بالشاهق أو بالبئر لم يضمن لانه كالبصير وإن لم يعلم ( وجب ضمانه ) لانه ألجأه إليه فتعلق به الضمان كالشهود إذا شهدوا بالقعتل ثم رجعوا وإن كان المطلوب صبيا أو مجنونا ففيه وجهان بناء على القولين فى عمدهما هل هو عمد أو خطأ فإن قلنا إن عمدهما عمد لم يضمن الطالب الدية وإن قلنا إنه خطأ ضمن وإن طلب رجل رجلا فافترسه سبع فى طريقه نظرت فإن ألجأه الطالب إلى موضع السبع ضمنه كما لو ألقاه عليه وإن لم يلجئه إليه لم يضمنه لانه لم يلجئه إليه وإن انخسف من تحته سقف فسقط ومات ففيه وجهان أحدهما لا يضمن كما لا يضمن إذا افترسه سبع والثانى يضمن لانه ألجأه إلى ما لا يمكنه الاحتراز منه فصل وإن رماه من شاهق فاستقبله رجل بسيف فقده نصفين نظرت فإن كان من شاهق يجوز أن يسلم الواقع منه وجب الضمان على القاطع لان الرامى كالجارح والقاطع كالذابح وإن كان من شاهق لا يسلم الواقع منه ففيه وجهان أحدهما أنه يجب الضمان عليهما لان كل واحد منهما سبب للإتلاف فصار كما لو جرحاه والثاني أن الضمان على القاطع لان ( الرمى ) إنما يكون سببا للتلف إذا وقع المرمى على الأرض وههنا لم يقع على الأرض وصار الرامى صاحب سبب والقاطع مباشرا فوجب الضمان على القاطع فصل إذا زنى بامرأة وهى مكرهة وأحبلها وماتت من الولادة ففيه قولان أحدهما يجب عليه ديتها لانها تلفت بسبب من جهته تعدى به فضمنها والثاني لا يجب لان السبب انقطع حكمه بنفى النسب عنه فصل وإن حفر بئرا فى طريق الناس أو وضع فيه حجرا أو طرح فيه ماء أو قشر بطيخ فهلك به إنسان
وجب الضمان عليه لانه تعدى به فضمن من هلك به كما لو جنى عليه وإن حفر بئرا فى الطريق ووضع آخر حجرا فعثر رجل بالحجر ووقع فى البئر فمات وجب الضمان على واضع الحجر لانه هو الذى ألقاه فى البئر فصار كما لو ألقاه فيها بيده وإن وضع رجل حجرا فى الطريق فدفعه رجل على هذا الحجر فمات وجب الضمان على الدافع لان الدافع مباشر وواضع الحجر صاحب سبب فوجب الضمان على المباشر وإن وضع رجل حجرا فى الطريق ووضع آخر حديدة بقربه فعثر رجل بالحجر ووقع على الحديدة فمات وجب الضمان على واضع الحجر وقال أبو الفياض البصرى إن كانت الحديدة سكينا قاطعة وجب الضمان على واضع السكين دون واضع الحجر لان السكين القاطع موح وإن كانت غير قاطع وجب الضمان علعى واضع الحجر والأول هو الصحيح لان الواضع هو المباشر وإن حفر بئرا فى طلايق لا يستضر به الناس فإن حفرها لنفسه كان حكمه حكم الطريق الذى يستضر الناس بحفر البئر فيه لانه لا يجوز أن يختص بشيء من طريق المسلمين وإن حفرها لمصلحة الناس فإن كان بإذن الإمام فهلك به إنسان لم يضمن لان ما فعله بإذن الإمام للمصلحة جائز فلا يتعلق به الضمان وإن كان بغير إذنه ففيه وجهان أحدهما أنه لا يضمن لانه حفرها لمصلحة المسلمين من غير إضرار فصار كما لو حفرها بإذن الإمام والثانى أنه يضمن لان ما تعلق بمصلحة المسلمين يختص به الإمام فمن افتات عليه فيه كان متعديا فضمن من هلك به وإن بنى مسجدا فى موضع لا ضرر فيه أو علق قنديلا فى مسجد أو فرش فيه حصيرا من غير إذن الإمام فهلك به إنسان فهو كالبئر التى حفرها للمسلمين وإن حفر بئرا فى موات ليتملكها أو لينتفع بها الناس لم يضمن من هلك بها لانه غير متعد فى حفرها وإن كان فى داره بئر قد غطى رأسها أو كلب عقور فدخل رجل داره بغير إذنه فوقع فى البئر فمات أو عقره الكلب فمات لم يضمنه لانه ليس من جهته تفريط فى هلاكه فإن دخلها بإذنه فوقع فى البئر ومات أو عقره الكلب فمات ففى ضمانه قولان كالقولين فيمن قدم طعاما مسموما إلى رجل فأكله فمات وإن قدم صبيا إلى هدف فأصابه سهم فمات ضمنه لان الرامى كالحافر للبئر والذى قدمه كالملقى فيها فكان الضمان عليه وإن ترك على حائط جرة ماء فرمتها الريح على إنسان فمات لم يضمنه لانه وضعها فى ملكه ووقعت من غير فعله وإن بنى حائطا فى ملكه فمال الحائط إلى الطريق ووقع على إنسان فقتله ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبى إسحاق أنه يضمن لانه لما مال إلى الطريق لزمه إزالته فإذا لم يزله صار متعديا بتركه فضمن من هلك به كما لو أوقع حائطا ( مائلا ) إلى الطريق وترك نقضه حتى هلك به إنسان والثانى وهو قول أبى سعيد الإصطخرى أنه لا يضمن وهو المذهب لانه بناه فى ملكه ووقع من غير فعله فأشبه إذا وقع من غير ميل فصل وإن أخرج جناحا إلى الطريق فوقع على إنسان ومات ضمن نصف ديته لان بعضه فى ملكه وبعضه خارج عن ملكه فسقط نصف الدية لما فى ملكه وضمن نصفها للخارج عن ملكه وإن انكسرت خشبة من الخارج فوقعت على إنسان فمات ضمن جميع الدية لانه ( مات و ) هلك بالخارج من ملكه وإن نصب ميزابا فوقع على إنسان فمات به ففيه قولان قال فى القديم لا يضمن لانه مضطر إليه ولا يجد بدا منه بخلاف الجناح وقال فى الجديد يضمن لانه غير مضطر إليه لانه كان يمكنه أن يحفر فى ملكه بئرا يجرى الماء إليها فكان كالجناح فصل وإن كان معه دابة فأتلفت إنسانا أو مالا بيدها أو رجلها أو نابها أو بالت فى الطريق فزلق ببولها إنسان فوقع ومات ضمنه لانها فى يده وتصرفه فكانت جنايتها كجنايته فصل وإن اصطدم فارسان أو رجلان وماتا وجب على كل واحد منهما نصف دية الآخر
وقال المزنى إن استلقى أحدهما فانكب الآخر على وجهه وجب على المكب دية المستلقى وهدر دمه لان الظاهر أن المنكب هو القاتل والمستلقى هو المقتول وهذا خطأ لان كل واحد منهما هلك بفعله وفعل صاحبه فهدر النصف بفعله ووجب النصف بفعل صاحبه كما لو جرح كل واحد منهما نفسه وجرحه صاحبه ووجه قول المزنى لا يصح لانه يجوز أن يكون المستلقى صدم صدمة شديدة فوقع مستلقيا من شدة صدمته وإن ركب صبيان أو أركبهما وليهما واصصدما وماتا فهما كالبالغين وإن أركبهما من لا ولاية له عليهما فاصطدما وماتا وجب على الذى أركبهما دية كل واحد منهما النصف بسبب ما جنى كل واحد من الصبيين على نفسه والنصف بسبب ما جناه الآخر عليه وإن اصطدمت امرأتان حاملان فماتتا ومات جنيناهما كان حكمهما فى ضمانهما حكم الرجلين فأما الحمل فإنه يجب على كل واحدة منهما نصف دية جنينها ونصف دية جنين الأخرى لجنايتهما عليهما فصل وإن وقف رجل فى ملكه أو فى طريق واسع فصدمه رجل فماتا هدر دم الصادم لانه هلك بفعل هو مفرط فيه فسقط ضمانه كما لو دخل دار رجل فيها بئر فوقع فيها وتجب دية المصدوم على عاقلة الصادم لانه قتله بصدمة هو متعد فيها وإن وقف فى طريق ضيق فصدمه رجل وماتا وجب على عاقلة كل واحد منهما دية الآخر لان الصادم قتل الواقف بصدمة هو مفرط فيها والمصدوم قتل الصادم بسبب هو مفرط فيه وهو وقوفه فى الطريق الضيق وإن قعد فى طريق ضيق فعثر به رجل فماتا كان الحكم فيه كالحكم فى الصادم والمصدوم وعقد بيناه فصل فإن اصطدمت سفينتان وهلكتا وما فيهما فإن كان بتفريط من القيمين بأن قصر فى آلتهما أو قدرا على ضبطهما فلم يضبطا أو سيرا فى ريح شديدة لا تسير السفن فى مثلها وإن كانت السفينتان وما فيهما لهما وجب على كل واحد منهما نصف قيمة سفينة صاحبه ونصف قيمة ما فيها ويهدر النصف وإن كانتا لغيرهما وجب على كل واحد منهما نصف قيمة سفينته ونصف قيمة ما فيها ونصف قيمة سفينة صاحبه ونصف قيمة ما فيها لما بيناه فى الفارسين فإن كان فى السفن رجال فهلكوا ضمن عاقله كل واحد منهما نصف ديات ركاب سفينته وركاب سفينة صاحبه فإن قصدا الاصطدام وشهد أهل الخبرة أن مثل هذا يوجب التلف وجب على كل واحد منهما القصاص لركاب سفينته وركاب سفينة صاحبه وإن لم يفرطا ففى الضمان قولان أحدهما يجب كما يجب فى اصطدام الفارسين إذا عجزا عن ضبط الفرسين والثانى لا يجب لانها تلفت من غير تفريط منهما فأشبه إذا تلفت بصاعة واختلف أصحابنا فى موضع القولين فمنهم من قال القولان إذا لم يكن من جهتهما فعل بأن كانت السفن واقفة فجاءت الريح فقلعتها فأما إذا سيرا ثم جاءت لريح فغلبتهما ثم اصطدما وجب الضمان قولا واحدا لان ابتداء السير كان منهما فلزمهما الضمان كالفارسين وقال أبو إسحاق وأبو سعيد القولان فى الحالين وفرقوا بينهما وبين الفارسين بأن الفارس يمكنه ضبط الفرس باللجام والقيم لا يمكنه ضبط السفينة فإن قلنا إنه يجب الضمان كان الحكم فيه كالحكم فيه إذا فرطا إلا فى القصاص فإنه لا يجب مع عدم التفريط وإن قلنا إنه لا يجب الضمان نظرت فإن كانت السفن وما فيها لهما لم يجب على كل واحد منهما ضمان وإن كانت السفن مستأجرة والمتاع الذى فيها أمانة كالوديعة ومال المضاربة لم يضمن لان الجميع أمانة فلا تضمن مع عدم التفريط وإن كانت السفن مستأجرة والمتاع الذى فيها يحمل بأجرة لم يجب ضمان السفن لانها أمانة وأما المال فهو مال فى يد أجير مشترك فإن كان معه صاحبه لم يضمن وإن لم يكن معه صاحبه فعلى القولين فهى الأجير المشترك وإن كان أحدهما مفرطا والآخر غير مفرط كان الحكم فى المفرط ما ذكرناه إذا كانا مفرطين والحكم فى غير المفرط ما ذكرناه إذا غير مفرطين
فصل إذا كان فى السفينة متاع لرجل فثقلت السفينة فقال لصاحب المتاع ألق متاعك فى البحر وعلى ضمانه فألقاء وجب عليه الضمان وقال أبو ثور لا يجب لانه ضمان ما لم يجب وهذا خطأ لان ذلك ليس بضمان لان الضمان يفتقر إلى مضمون عنه وليس ههنا مضمون عنه وإنما هو استدعاء إتلاف بعوض لغرض صحيح فإن قال ألق متاعك وعلى وعلى ركاب السفينة ألف فألقاه لزمه بحصته فإن كانوا عشرة لزمه مائة وإن كانوا خمسة لزمه مائتان لانه جعل الألف على الجميع فلم يلزمه أكثر من الحصة فإن قال أنا ألقيه على أنى وهم ضمناء فألقاه ففيه وجهان أحدهما أنه يجب عليه الحصة لما ذكرناه والثانى يجب عليه ضمان الجميع لانه باشر الإتلاف فصل فإن رمى عشرة أنفس حجرا بالمنجنيق فرجع الحجر وقتل أحدهم سقط من ديته العشر ووجب تسعة أعشار الدية على الباقين لانه مات من فعله وفعلهم فهدر بفعله العشر ووجب الباقى على التسعة فصل وإذا وقع رجل فى بئر ووقع آخر خلفه من غير جذب ولا دفع فإن مات الأول وجبت ديته على الثانى لما روى على بن رباح اللخمى أن بصيرا كان يقود أعمى فوقعا فى بئر فوقع الأعمى فوق البصير فقتله فقضى عمر رضى الله عنه بعقل البصير على الأعمى فكان الأعمى ينشد فى الموسم ( الرجز ) يأيها الناس لقيت منكرا هل يعقل الأعمى الصحيح المبصرا خرا معا كلاهما تكسرا ولان الأول مات بوقوع الثانى عليه فوجبت ديته عليه وإن مات الثانى هدرت ديته لانه لا صنع لغيره فى هلاكه وإن ماتا جميعا وجبت دية الأول على الثانى وهدرت دية الثانى لما ذكرناه فإن جذب الأول الثانى ومات الأول هدرت ديته لانه مات بفعل نفسه وإن مات الثانى وجبت ديته على الأول لانه مات بجذبه وإن وقع الأول ثم وقع الثانى ثم وقع الثالث فإن كان وقوعهم من غير جذب ولا دفع وجبت دية الأول على الثانى والثالث لانه مات بوقوعهما عليه وتجب دية الثانى على الثالث لانه انفرد بالوقوع عليه فانفرد بديته وتهدر دية الثالث لانه مات من وقوعه فإن جذب بعضهم بعضا بأن وقع الأول وجذب الثانى وجذب الثانى الثالث وماتوا وجب للأول نصف الدية على الثانى لانه مات من فعله بجذب الثانى ومن فعل الثانى بجذب الثالث فهدر النصف بفعله ووجب النصف ويجب للثانى نصف الدية على الأول لانه جذبه ويسقط نصفها لانه جذب الثالث ويجب للثالث الدية لانه لا فعل له فى هلاك نفسه وعلى من تجب فيه وجهان أحدهما أنها تجب على الثانى لانه هو الذى جذبه والوجه الثانى أنها تجب على الأول والثانى نصفين لان الثانى جذبه والأول جذب الثانى فاضطره إلى جذب الثالث وكان كل واحد منهما سببا فى هلاكه فوجبت الدية عليهما فصل وإن تجارح رجلان وادعى كل واحد منهما على صاحبه أنه قصد قتله فجرحه دفعا عن نفسه فالقول قول كل واحد منهما مع يمينه أنه ما قصد قتل صاحبه فإذا حلفا وجب على كل واحد منهما ضمان جرحه لان الجرح قد وجد وما يدعيه كل واحد منهما من قصد الدفع عن نفسه لم يثبت فوجب الضمان باب الديات دية الحر المسلم مائة من الإبل لما روى أبو بكر محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات وقرىء على أهل اليمن أن فى النفس مائة من الإبل فإن كانت الدية فى عمد أو شبه عمد وجبت مائة مغلظة أثلاثا ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة
وقال أبو ثور دية شبه العمد أخماسا عشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون ابن لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة لانه لما كانت كدية الخطإ فى التأجيل والحمل على العاقلة كانت كدية الخطإ فى التخميس وهذا خطأ لما روى ابن عمر رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يوم فتح مكة فقال ألا إن دية الخطإ ( شبه ) العمد ( قتيل السوط ) والعصادية مغلظة مائة من الإبل منها أربعون خلفة فى بطونها أولادها وروى مجاهد عن عمر رضى الله عنه أن دية شبه العمد ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة ويخالف الخطأ فإنه لم يقصد القتل ولا الجناية فخفف من كل وجه وفى شبه العمد لم يقصد القتل فجعل كالخطإ فى التأجيل والحمل على العاقلة وقصد الجناية فجعل كالعمد فى التغليظ بالأسنان وهل يعتبر فى الخلفات السن مع الحمل فيه قولان أحدهما لا يعتبر لقوله صلى الله عليه وسلم منها أربعون خلفة فى بطونها أولادها ولم يفرق والثانى يعتبر أن تكون ثنيات فما فوقها لانه أحد أقسام أعداد إبل الدية فاختص بسن كالثلاثين وإن كانت فى قتل الخطإ والقتل فى غير الحرم وفى غير الأشهر الحرم والمقتول غير ذى رحم محرم للقاتل وجبت دية مخففة أخماسا عشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون ابن لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة لما روى أبو عبيدة عن ابن مسعود رضى الله عنه أنه قال فى الخطإ عشرون جذعة وعشرون حقة وعشرون بنت لبون وعشرون ابن لبون وعشرون بنت مخاض وعن سليمان بن يسار أنهم كانوا يقولون دية الخطإ مائة من الإبل عشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون ابن لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة وإن كان القتل فى الحرم أو فى الأشهر الحرم وهى ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب أو كان المقتول ذا رحم محرم للقاتل وجبت دية مغلظة لما روى مجاهد أن عمر رضى الله عنه قضى فيمن قتل فى الحرم أو فى الأشهر الحرم أو محرما بالدية وثلث الدية وروى أبو النجيح عن عثمان رضى الله عنه أنه قضى فى امرأة قتلت فى الحرم فجعل الدية ثمانية آلاف ستة آلاف الدية وألفين للحرم وروى نافع بن جبير أن رجلا قتل فى البلد الحرام فى شهر حرام فقال ابن عباس ديته اثنا عشر ألفا وللشهر الحرام أربعة آلاف وللبلد الحرام أربعة آلاف فكملها عشرين ألفا فإن كان القتل فى المدينة ففيه وجهان أحدهما أنه يغلظ لانها كالحرم فى تحريم الصيد فكذلك فى تغليظ الدية والثانى لا تغلظ لانها لا مزية لها على غيرها فى تحريم القتل بخلاف الحرم واختلف قوله فى عمد الصبى والمجنون فقال فى أحد القولين عمدهما خطأ لانه لو كان عمدا لاوجب القصاص فعلى هذا يجب بعمدهما دية مخففة والثانى أن عمدهما عمد لانه يجوز تأديبهما على القتل فكان عمدهما عمدا كالبالغ العاقل فعلى هذا يجب بعمدهما دية مغلظة وما يجب فيه الدية من الأطراف فهو كالنفس فى الدية المغلظة والدية المخففة لانه كالنفس فى وجوب القصاص والدية فكان كالنفس فى الدية المغلظة والدية المخففة فصل وتجب الدية من الصنف الذى يملكه من تجب عليه الدية من القاتل أو العاقلة كما تجب الزكاة من الصنف الذى يملكه من تجب عليه الزكاة وإن كان عند بعض العاقلة من البخاتى وعند البعض من العراب أخذ من كل واحد منهم من الصنف الذى عنده وإن اجتمع فى ملك كل واحد منهم صنفان ففيه وجهان أحدهما أنه يؤخذ من الصنف الأكثر فإن استويا دفع مما شاء منهما والثانى يؤخذ من كل صنف بقسطه بناء على القولين فيمن وجبت عليه الزكاة وماله أصناف وإن لم يكن عند من تجب عليه الدية إبل وجب من غالب إبل البلد فإن لم يكن فى البلدان وجب من غالب أقرب البلاد إليه كما قلنا فى زكاة الفطر
وإن كانت إبل من تجب عليه الدية مراضا أو عجافا كلف أن يشترى إبلا صحاحا من الصنف الذى عنده لانه بدل متلف من غير جنسه فلا يؤخذ فيها معيب كقيمة الثوب المتلف وإن أراد الجانى دفع العوض عن الإبل مع وجودها لم يجبر الولى على قبوله وإن أراد الولى أخذ العوض عن الإبل مع وجودها لم يجبر الجانى على دفعه لان ما ضمن لحق الآدمى ببدل لم يجز الإجبار فيه على دفع العوض ولا على أخذه مع وجوده كذوات الأمثال وإن تراضيا على العوض جاز لانه بدل متلف فجاز أخذ العوض فيه بالتراضى كالبدل فى سائر المتلفات فصل وإن أعوزت الإبل أو وجدت بأكثر من ثمن المثل ففيه قولان قال فى القديم يجب ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم لما روى عمرو بن حزم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن فى النفس مائة من الإبل وعلى أهل الذهب ألف مثقال وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم وروى ابن عباس رضى الله عنه أن رجلا قتل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل النبى صلى الله عليه وسلم ديته اثنى عشر ألفا فعلى هذا إن كان فى قتل يوجب التغليظ غلظ بثلث الدية لما رويناه عن عمر وعثمان وابن عباس فى تغليظ الدية للحرم وقال فى الجديد تجب قيمة الإبل بالغة ما بلغت لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال كانت قيمة الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانمائة دينار أو ثمانية آلاف درهم وكان ذلك كذلك حتى استخلف عمر رضى الله عنه فقام عمر خطيبا فقال ألا إن الإبل قد غلت قال فقوم على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثنى عشر ألف درهم وعلى أهل البقر مائتى بقرة وعلى أهل الشاء ألفى شاة وعلى أهل الحلل مائتى حلة ولان ما ضمن بنوع من المال وتعذر وجبت قيمته كذوات الأمثال فصل ودية اليهودى والنصرانى ثلث دية المسلم ودية المجوسى ثلثا عشر دية المسلم لما روى سعيد بن المسيب أن عمر رضى الله عنه جعل دية اليهودى والنصرانى أربعة آلاف درهم ودية المجوسى ثمانمائة درهم وأما الوثنى إذا دخل بأمان وعقدت له هدنة فديته ثلثا عشر دية المسلم لانه كافر لا يحل للمسلم مناكحة أهل دينه فكانت ديته ثلثى عشر دية المسلم كالمجوسى وأما من لم تعبلغه الدعوة فإنه إن عرف الدين الذى كان متمسكا به وجبت فيه دية أهل دينه وإن لم يعرف وجبت فيه دية المجوسى لانه متحقق وما زاد مشكوك فيه فلم يجب وقال أبو إسحاق إن كان متمسكا بدين مبدل وجبت فيه دية أهل ذلك الدين وإن كان متمسكا بدين لم يبدل وجبت فيه دية مسلم لانه مولود على الفطرة ولم يظهر منه عناد فكملت ديته كالمسلم والمذهب الأول لانه كافر فلم تكمل ديته كالذمى وإن قطع يد ذمى ثم أسلم ومات وجبت فيه دية مسلم لان الاعتبار فى الدية بحال استقرار الجناية وهو فى حال الاستقرار مسلم وإن جرح مسلم مرتدا فأسلم ومات من الجرح لم يضمن وقال الربيع فيه قول آخر أنه يضمن لان الجرح استقر وهو مسلم قال أصحابنا هذا من كيس الربيع والمذهب الأول لان الجرح وجد فيما استحق إتلافه فلم يضمن سرايته كما لو قطع الإمام يد السارق فمات منه فصل ودية المرأة نصف دية الرجل لانه روى ذلك عن عمر وعثمان وعلى وابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت رضى الله عنهم فصل ودية الجنين الحر غرة عبد أو أمة
لما روى أبو هريرة رضى الله عنه قال اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما فى بطنها فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن دية جنينها غرة عبد أو أمة فقال حمل بن النابغة الهذلى كيف أغرم من لا أكل ولا شرب ولا نطق ولا استهل ومثل ذلك يطل فقال النبى صلى الله عليه وسلم إنما هو من إخوان الكهان من أجل سجعه وإن ضرب بطن امرأة منتفخة البطن فزال الانتفاح أو بطن امرأة تجد حركة فى بطنها فسكنت الحركة لم يجب عليه شيء لانه يمكن أن يكون ريحا فانفشت فلم يجب الضمان مع الشك وإن ضرب بطن امرأة فألقت مضغة لم تظهر فيها صورة الآدمى فشهد أربع نسوة أن فيها صورة الآدمى وجبت فيها الغرة لانهن يدركن من ذلك ما لا يدرك غيرهن وإن ألقت مضغة لم تتصور فشهد أربع نسوة أنه خلق آدمى ولو بقى لتصور فعلى ما بيناه فى كتاب عتق أم الولد وإن ضرب بطن امرأة فألقت يدا أو رجلا أو غيرهما من أجزاء الآدمى وجبت عليه الغرة لانا تيقنا أنه من جنين والظاهر أنه تلف من جناية فوجب ضمانه وإن ألقت رأسين أو أربع أيد لم يجب أكثر من غرة لانه يجوز أن يكون جنينا برأسين أو أربعة أيد فلا يجب ضمان ما زاد على جنين بالشك وإن ضرب بطنها فألقت جنينا فاستهل أو تنفس أو شرب اللبن ومات فى الحال أو بقى متألما إلى أن مات وجبت فيه دية كاملة وقال المزنى إن ألقته لدون ستة أشهر ومات ضمنه بالغرة ولا يلزمه دية كاملة لانه لم يتم له حياة وهذا خطأ لانا تيقنا حياته والظاهر أنه تلف من جنايته فوجب عليه دية كاملة وإن ألقته حيا وجاء آخر وقتله فإن كان فيه حياة مستقرة كان الثانى هو القاتل فى وجوب القصاص والدية الكاملة والأول ضارب فى وجوب التعزير وإن قتله وليس فيه حياة مستقرة فالقاتل هو الأول وتلزمه الدية والثانى ضارب وليس بقاتل لان جنايته لم تصادف حياة مستقرة وإن ضرب بطن امرأة فألقت جنينا وبقى زمانا سالما غير متألم ثم مات لم يضمنه لان الظاهر أنه لم يمت من الضرب ولا يلزمه ضمانه وإن ضربها فألقت جنينا فاختلج ثم سكن وجبت فيه الغرة دون الدية لانه يجوز أن يكون اختلاجه للحياة ويجوز أن يكون بخروجه من مضيق لان اللحم الطري إذا حصل فى مضيق انقبض فإذا خرج منه اختلج فلا تجب فيه الدية الكاملة بالشك فصل ولا يقبل فى الغرة ماله دون سبع سنين لان الغرة هى الخيار ومن له دون سبع سنين ليس من الخيار بل يحتاج إلى من يكفله ولا يقبل الغلام بعد خمس عشرة سنة لانه لا يدخل على النساء ولا الجارية بعد عشرين سنة لانها تتغير وتتقص قيمتها فلم تكن من الخيار ومن أصحابنا من قال يقبل ما لم يطعن فى السن عبدا كان أو أمة ولا يقبل إذا طعن فى السن لانه يستغنى بنفسه قبل أن يطعن فى السن ولا يستغنى إذا طعن فى السن ولا يقبل فيه خصى وإن كثرت قيمته ولا معيب وإن قل عيبه لانه ليس من الخيار ولا يقبل ما إلا يساوى نصف عشر الدية لانه روى ذلك عن زيد بن ثابت رضى الله عنه ولانه لا يمكن إيجاب دية كاملة لانه لم يكمل بالحياة ولا يمكن إسقاط ضمانه لانه خلق بشر فضمن بأقل ما قدر به الأرض وهو نصف عشر الدية لانه قدر به أرش الموضحة ودية السن ولا يجبر على قبول غير الغرة مع وجودها كما لا يقبل فى دية النفس غير الإبل مع وجودها فإن أعوزت الغرة وجب خمس من الإبل لان الإبل هى أصل فى الدية فإن أعوزت وجبت قيمتها فى أحد القولين أو خمسون دينارا أو ستمائة درهم فى القول الآخر
فإن كانت الجناية خطأ وجبت دية مخففة وإن كانت عمدا أو عمد خطإ وجبت دية مغلظة كما قلنا فى الدية الكاملة وإن كان أحد أبويه نصرانيا والآخر مجوسيا وجب فيه نصف عشر دية نصرانى لان فى الضمان إذا وجد فى أحد أبويه ما يوجب وفى الآخر ما يسقط غلب الإيجاب ولهذا لو قتل المحرم صيدا متولدا بين مأكول وغير مأكول وجب عليه الجزاء وإن ضرب بطن امرأة نصرانية حامل بنصرانى ثم أسلمت ثم ألقت جنينا ميتا وجب فيه نصف عشر دية مسلم لان الضمان يعتبر بحال استقرار الجناية والجنين مسلم عند استقرار الجناية فوجب فيه نصف عشر دية مسلم وما يجب فى الجنين يرثه ورثته لانه بدل حر فورث عنه كدية غيره باب أروش الجنايات والجنايات التى توجب الأروش ضربان جروح وأعضاء فأما الجروح فضربان شجاج فى الرأس والوجه وجروح فيما سواهما من البدن فأما الشجاج فهى عشر الحارصة وهى التى تكشط الجلد والدامية وهى التى يخرج منها الدم والباضعة وهى التى تشق اللحم والمتلاحمة وهى التى تنزل فى اللحم والسمحاق وهى التى تسميها أهل البلد الملطاط وهى التي تستوعب اللحم إلى أن تبقى غشاوة رقيقة فوق العظم الموضحة وهى التى تكشف عن العظم والهاشمة وهى التى تهشم العظم والمنقلة وتسمى أيضا المنقولة وهى التى تنقل العظم من مكان إلى مكان والمأمومة وتسمى أيضا الآمة وههى التى تصل إلى أم الرأس وهى جلدة رقيقة تحيط بالدماغ والدامغة وهى التى تصل إلى الدماغ فصل والذى يجب فيه أرش مقدر من هذه الشجاج أربع وهى الموضحة والهاشمة والمنقلة والمأمومة فأما الموضحة فالواجب فيها خمس من الإبل لما روى أبو بكر محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات وفى الموضحة خمس من الإبل ويجب ذلك فى الصغيرة والكبيرة وفى البارزة والمستورة بالشعر لان اسم الموضحة يقع على الجميع وإن أوضح موضحتين بينهما حاجز وجب عليه أرش موضحتين لانهما موضحتان وإن أزال الحاجز بينهما وجب أرش موضحة لانه صار الجميع بفعله موضحة واحدة فصار كما لو أوضح الجميع من غير حاجز وإن تآكل ما بينهما وجب أرش موضحة واحدة لان سراية فعله كفعله وإن أزال المجنى عليه الحاجز وجب على الجانى لرش الموضحتين لان ما وجب بجنايته لا يسقط بفعل غيره وإن جاء آخر فأزال الحاجز وجب على الأول أرش الموضحتين وعلى الآخر أرش موضحة لان فعل أحدهما لا يبنى على الآخر فانفرد كل واحد منهما بحكم جنايته وإن أوضح موضحتين ثم قطع اللحم الذى بينهما فى الباطن وترك الجلد الذى فوقهما ففيه وجهان أحدهما يلزمه أرش موضحتين لانفصالهما فى الظاهر والثانى يلزمه أرش موضحة لاتصالهما فى الباطن وإن شج رأسه شجة واحدة بعضها موضحة وبعضها باضعة لم يلزمه أكثر من أرش موضحة لانه لو أوضح الجميع لم يلزمه أكثر من أرش موضحة فلان لا يلزمه والإيضاح فى البعض أولى وإن أوضح جميع رأسه وقدره عشرون إصبعا ورأس الجانى خمس عشرة إصبعا اقتص فى جميع رأسه وأخذ عن الربع الباقى ربع أرش موضحة وخرج أبو على بن أبى هريرة وجها آخر أنه يأخذ عن الباقى أرش موضحة لان هذا القدر لو انفرد لوجب فيه أرش موضحة وهذا خطأ لانه إذا انفرد كان موضحة فوجب أرشها وههنا هو بعض موضحة فلم يجب فيه إلا ما يخصه فصل ويجب فى الهاشمة عشر من الإبل لما روى قبيصة بن ذؤيب عن زيد بن ثابت أنه قال فى الهاشمة عشر من الإبل وإن ضرب رأسه بمثقل فهشم العظم من غير إيضاح ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبى على بن أبى هريرة أنه تجب فيه الحكومة لانه كسر عظم من غير إيضاح فأوجب الحكومة ككسر عظم الساق