Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî)
{صم} أي هم صم عن الحق لا يقبلونه وإذا لم يقبلوا فكأنهم لم يسمعوا {بكم} خرس عن الحق لا يقولونه أو أنهم لما أبطنوا خلاف ما أظهروا فكأنهم لم ينطقوا بالحق {عمي} أي لا بصائر لهم ومن لا بصيرة له كمن لا بصر له {فهم لا يرجعون} عن الضلالة إلى الحق. {أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير } {أو كصيب} أي كأصحاب صيب وهذا مثل آخر ضربه الله تعالى للمنافقين بمعنى آخر إن شئت مثلهم بالمستوقد وإن شئت بأهل الصيب وقيل 7/ب أو بمعنى الواو يريد وكصيب كقوله تعالى: "أو يزيدون" بمعنى ويزيدون والصيب المطر وكل ما نزل من الأعلى إلى الأسفل فهو صيب =فعيل من صاب يصوب أي نزل من السماء أي من السحاب قيل هي السماء بعينها والسماء كل ما علاك فأظلك وهي من أسماء الأجناس يكون واحدا وجمعا {فيه} أي في الصيب وقيل في السماء أي من السحاب ولذلك ذكره وقيل السماء يذكر ويؤنث قال الله تعالى: "السماء منفطر به" (18-المزمل) وقال "إذا السماء انفطرت" (1-الانفطار) {ظلمات} جمع ظلمة {ورعد} الصوت الذي يسمع من السحاب {وبرق} النار التي تخرج منه. قال علي وابن عباس وأكثر المفسرين رضي الله عنهم: الرعد اسم ملك يسوق السحاب والبرق لمعان سوط من نور يزجر به الملك السحاب. وقيل الصوت زجر السحاب وقيل تسبيح الملك. وقيل الرعد نطق الملك والبرق ضحكه. وقال مجاهد الرعد اسم الملك ويقال لصوته أيضا رعد والبرق مصع ملك يسوق السحاب وقال شهر بن حوشب: الرعد ملك يزجي السحاب فإذا تبددت ضمها فإذا اشتد غضبه طارت من فيه النار فهي الصواعق، وقيل الرعد صوت انحراف الريح بين السحاب والأول أصح. {يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق} جمع صاعقة وهي الصيحة التي يموت من يسمعها أو يغشى عليه. ويقال لكل عذاب مهلك: صاعقة، وقيل الصاعقة قطعة عذاب ينزلها الله تعالى على من يشاء. روي عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع صوت الرعد والصواعق قال: "اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك" . قوله {حذر الموت} أي مخافة الهلاك {والله محيط بالكافرين} أي عالم بهم وقيل جامعهم. وقال مجاهد: يجمعهم فيعذبهم. وقيلك مهلكهم، دليله قوله تعالى "إلا أن يحاط بكم" (66-يوسف) أي تهلكوا جميعا. ويميل أبو عمرو والكسائي الكافرين في محل النصب والخفض ولا يميلان: "أول كافر به" (41-البقرة) . {يكاد البرق} أي يقرب، يقال: كاد يفعل إذا قرب ولم يفعل {يخطف أبصارهم} يختلسها والخطف استلاب بسرعة {كلما} حرف جملة ضم إلى ما الجزاء فصار أداة للتكرار ومعناهما متى ما {أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا} أي وقفوا متحيرين، فالله تعالى شبههم في كفرهم ونفاقهم بقوم كانوا في مفازة في ليلة مظلمة أصابهم مطر فيه ظلمات من صفتها أن الساري {لا يمكنه} المشي فيها، ورعد من صفته أن يضم السامعون أصابعهم إلى آذانهم من هوله، وبرق من صفته أن يقرب من أن يخطف أبصارهم ويعميها من شدة توقده، فهذا مثل ضربه الله للقرآن وصنيع الكافرين والمنافقين معه، فالمطر القرآن لأنه حياة الجنان كما أن المطر حياة الأبدان، والظلمات ما في القرآن من ذكر الكفر والشرك، والرعد ما خوفوا به من الوعيد، وذكر النار والبرق ما فيه من الهدى والبيان والوعد وذكر الجنة.
والكافرون يسدون آذانهم عند قراءة القرآن مخافة ميل القلب إليه لأن الإيمان عندهم كفر والكفر موت {يكاد البرق يخطف أبصارهم} أي القرآن يبهر قلوبهم. وقيل هذا مثل ضربه الله للإسلام فالمطر الإسلام والظلمات ما فيه من البلاء والمحن، والرعد: ما فيه من الوعيد والمخاوف في الآخرة، والبرق ما فيه من الوعد والوعيد {يجعلون أصابعهم في آذانهم} يعني أن المنافقين إذا رأوا في الإسلام بلاء وشدة هربوا حذرا من الهلاك {والله محيط بالكافرين} جامعهم يعني لا ينفعهم هربهم لأن الله تعالى من ورائهم يجمعهم فيعذبهم. يكاد البرق يعني دلائل الإسلام تزعجهم إلى النظر لولا ما سبق لهم من الشقاوة. {كلما أضاء لهم مشوا فيه} يعني أن المنافقين إذا أظهروا كلمة الإيمان آمنوا فإذا ماتوا عادوا إلى الظلمة. وقيل معناه كلما نالوا غنيمة وراحة في الإسلام ثبتوا وقالوا إنا معكم {وإذا أظلم عليهم} يعني رأوا شدة وبلاء تأخروا وقاموا أي وقفوا كما قال الله تعالى "ومن الناس من يعبد الله على حرف" (11-الحج) {ولو شاء الله لذهب بسمعهم} أي بأسماعهم {وأبصارهم} الظاهرة كما ذهب بأسماعهم وأبصارهم الباطنة، وقيل لذهب بما استفادوا من العز والأمان الذي لهم بمنزلة السمع والبصر. {إن الله على كل شيء قدير} قادر. قرأ عامر وحمزة شاء وجاء حيث كان بالإمالة. {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين } قوله تعالى {يا أيها الناس} قال ابن عباس رضي الله عنهما: يا أيها الناس خطاب أهل مكة، ويا أيها الذين آمنوا خطاب أهل المدينة وهو هاهنا عام إلا من حيث إنه لا يدخله الصغار والمجانين. {اعبدوا} وحدوا. قال ابن عباس رضي الله عنهما: كل ما ورد في القرآن من العبادة فمعناها التوحيد {ربكم الذي خلقكم} والخلق: اختراع الشيء على غير مثال سبق {والذين من قبلكم} أي وخلق الذين من قبلكم {لعلكم تتقون} لكي تنجوا من العذاب وقيل معناه كونوا على رجاء التقوى بأن تصيروا في ستر ووقاية من عذاب الله، وحكم الله من ورائكم يفعل ما يشاء كما قال "فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى" (44-طه) أي ادعواه إلى الحق وكونا على رجاء التذكر، وحكم الله من ورائه يفعل ما يشاء، قال سيبويه: لعل وعسى حرفا ترج وهما من الله واجب. {الذي جعل لكم الأرض فراشا} أي بساطا وقيل مناما وقيل وطاء أي ذللها ولم يجعلها حزنة لا يمكن القرار عليها قال البخاري: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن منصور عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل عن عبد الله رضي قال: سألت رسول الله عليه وسلم: أي ذنب أعظم عند الله؟ قال: "أن تجعل لله ندا وهو خلقك" قلت: إن ذلك عظيم. ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك". قلت: ثم أي قال: "أن تزاني حليلة جارك" والجعل هاهنا بمعنى الخلق {والسماء بناء} وسقفا مرفوعا. {وأنزل من السماء} أي من السحاب {ماء} المطر {فأخرج به من الثمرات} ألوان الثمرات وأنواع النبات {رزقا لكم} طعاما لكم وعلفا لدوابكم {فلا تجعلوا لله أندادا} أي أمثالا تعبدونهم كعبادة الله. قال أبو عبيدة: الند الضد وهو من الأضداد والله تعالى بريء من المثل والضد. {وأنتم تعلمون} أنه واحد خالق هذه الأشياء.
{وإن كنتم في ريب} أي {وإن} كنتم في شك، لأن الله تعالى علم أنهم شاكون {مما نزلنا} يعني القرآن {على عبدنا} محمد {فأتوا} أمر تعجيز {بسورة} والسورة قطعة من القرآن معلومة الأول والآخر من أسأرت أي أفضلت، حذفت الهمزة، وقيل: السورة اسم للمنزلة الرفيعة 8/أومنه سور البناء لارتفاعه سميت سورة لأن القارئ ينال بقراءتها منزلة رفيعة حتى يستكمل المنازل باستكماله سور القرآن {من مثله} أي مثل القرآن "ومن" صلة، كقوله تعالى {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} (30-النور) وقيل: الهاء في مثله راجعة إلى محمد صلى الله عليه وسلم يعني: من مثل محمد صلى الله عليه وسلم أمي لا يحسن الخط والكتابة [قال محمود هاهنا من مثله دون سائر السور، لأن من للتبعيض وهذه السورة أول القرآن بعد الفاتحة فأدخل من ليعلم أن التحدي واقع على جميع سور القرآن، ولو أدخل من في سائر السور كان التحدي واقعا على جميع سور القرآن، ولو أدخل في سائر السور كان التحدي واقعا على بعض السور] . {وادعوا شهداءكم} أي واستعينوا بآلهتكم التي تعبدونها {من دون الله} وقال مجاهد: ناسا يشهدون لكم {إن كنتم صادقين} أن محمدا صلى الله عليه وسلم يقوله من تلقاء نفسه فلما تحداهم عجزوا فقال {فإن لم تفعلوا} فيما مضى {ولن تفعلوا} أبدا فيما بقي. وإنما قال ذلك لبيان الإعجاز وأن القرآن كان معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم حيث عجزوا عن الإتيان بمثله. {فاتقوا النار} أي فآمنوا واتقوا بالإيمان النار. {التي وقودها الناس والحجارة} قال ابن عباس وأكثر المفسرين يعني حجارة الكبريت لأنها أكثر التهابا، وقيل: جميع الحجارة وهو دليل على عظمة تلك النار وقيل: أراد بها الأصنام لأن أكثر أصنامهم كانت منحوتة من الحجارة كما قال "إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم" (98-الأنبياء) {أعدت} هيئت {للكافرين} {وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون } قوله تعالى: {وبشر الذين آمنوا} أي أخبر والبشارة كل خبر صدق تتغير به بشرة الوجه، ويستعمل في الخير والشر، وفي الخير أغلب {وعملوا الصالحات} أي الفعلات الصالحات يعني المؤمنين الذين هم من أهل الطاعات قال عثمان بن عفان رضي الله عنه {وعملوا الصالحات} أي أخلصوا الأعمال كما قال "فليعمل عملا صالحا" (110-الكهف) أي خاليا من الرياء. قال معاذ: العمل الصالح الذي فيه أربعة أشياء. العلم، والنية، والصبر، والإخلاص. {أن لهم جنات} جمع الجنة، والجنة البستان الذي فيه أشجار مثمرة، سميت بها لاجتنانها وتسترها بالأشجار. وقال الفراء: الجنة ما فيه النخيل، والفردوس ما فيه الكرم. {تجري من تحتها} أي من تحت أشجارها ومساكنها {الأنهار} أي المياه في الأنهار لأن النهر لا يجري وقيل {من تحتها} أي بأمرهم لقوله تعالى حكاية عن فرعون "وهذه الأنهار تجري من تحتي" (51-الزخرف) أي بأمري والأنهار جمع نهر سمي به لسعته وضيائه. ومنه النهار. وفي الحديث "أنهار الجنة تجري في غير أخدود" {كلما} متى ما {رزقوا} أطعموا {منها} أي من الجنة من ثمرة أي ثمرة و {من} صلة {رزقا} طعاما {قالوا هذا الذي رزقنا من قبل} وقبل رفع على الغاية. قال الله تعالى: "لله الأمر من قبل ومن بعد" (4-الروم) قيل: من قبل في الدنيا وقيل: الثمار في الجنة متشابهة في اللون، مختلفة في الطعم، فإذا رزقوا ثمرة بعد أخرى ظنوا أنها الأولى {وأتوا به} بالرزق {متشابها} قال ابن عباس ومجاهد والربيع: متشابها في الألوان، مختلفا في الطعوم. وقال الحسن وقتادة: متشابها. أي يشبه بعضها بعضا في الجودة، أي كلها خيار لا رذالة فيها. وقال محمد بن كعب: يشبه ثمر الدنيا غير أنها أطيب. وقيل متشابها في الاسم مختلفا في الطعم. قال: ابن عباس رضي الله عنهما: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسامي.
أنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي أنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار أنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي أنا محمد بن كثير أنا سفيان الثوري عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون ولا يبزقون، يلهمون الحمد والتسبيح، كما تلهمون النفس، طعامهم الجشاء، ورشحهم المسك" قوله تعالى {ولهم فيها} في الجنان {أزواج} نساء وجواري يعني من الحور العين {مطهرة} من الغائط، والبول، والحيض، والنفاس، والبصاق، والمخاط والمني، والولد، وكل قذر قال إبراهيم النخعي: في الجنة جماع ما شئت ولا ولد. وقال الحسن: هن عجائزكم الغمص العمش طهرن من قذرات الدنيا. وقيل: مطهرة عن مساوئ الأخلاق {وهم فيها خالدون} دائمون لا يموتون فيها ولا يخرجون منها. أنا أبو عمرو عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أبو حامد أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف الفربري، أنا محمد بن إسماعيل البخاري أنا قتيبة بن سعيد، أنا جرير عن عمارة عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة لا يبولون ولا يتغوطون، ولا يتفلون ولا يمتخطون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك ومجامرهم الألوة وأزواجهم الحور العين، على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم ستون ذراعا في السماء" . أنا عبد الواحد المليحي أنا عبد الرحمن بن أبي شريح أنا أبو القاسم البغوي أنا علي بن الجعد أنا فضيل هو ابن مرزوق عن عطية عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أول زمرة تدخل الجنة يوم القيامة صورة وجوههم مثل صورة القمر ليلة البدر، والزمرة الثانية على لون أحسن الكواكب في السماء لكل رجل منهم زوجتان، على كل زوجة سبعون حلة، يرى مخ سوقهم دون لحومها ودمائها وحللها" . أنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي المروزي أنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني، أنا عبد الرحمن بن أبي شريح أنا عبد الله بن عمر الجوهري أنا أحمد بن علي الكشميهني أنا علي بن حجر أنا إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير المدني عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت على الأرض لأضاءت ما بينهما ولملأت ما بينهما ريحا، ولتاجها على رأسها خير من الدنيا وما فيها" [صحيح أخرجه محمد بن عبد الله بن محمد عن معاوية بن عمر عن أبي إسحاق عن حميد] . أنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني أنا أبو محمد محمد بن علي بن محمد بن شريك الشافعي أنا عبد الله بن محمد بن مسلم أنا أبو بكر الجوربذي أنا أحمد بن الفرج الحمصي أنا عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار أنا محمد بن المهاجر عن الضحاك المعافري عن سليمان بن موسى حدثني كريب أنه سمع أسامة بن زيد يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا هل من مشمر للجنة، وإن الجنة لا خطر لها وهي ورب الكعبة نور يتلألأ وريحانة تهتز، وقصر مشيد ونهر مطرد، وثمرة نضيجة وزوجة حسناء جميلة وحلل كثيرة ومقام أبد في دار 8/ب سليمة وفاكهة خضرة، وحبرة، ونعمة في محلة عالية بهية" قالوا: نعم يا رسول الله نحن المشمرون لها قال: "قولوا إن شاء الله" قال القوم: إن شاء الله وروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أهل الجنة جرد مرد كحل لا يفنى شبابهم ولا تبلى ثيابهم" .
أنا أبو بكر محمد بن عبد الصمد الترابي أنا الحاكم أبو الفضل الحدادي أنا أبو يزيد محمد ابن يحيى بن خالد أنا إسحاق الحنظلي أنا أبو معاوية أنا عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعيد عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن في الجنة لسوقا ليس فيها بيع ولا شراء إلا الصور من الرجال والنساء، فإذا اشتهى الرجل صورة دخل فيها، إن فيها لمجتمع الحور العين ينادين، بصوت لم يسمع الخلائق مثله: نحن الخالدات فلا نبيد أبدا، ونحن الناعمات فلا نبأس أبدا، ونحن الراضيات فلا نسخط أبدا، فطوبى لمن كان لنا وكنا له أو نحن له" ورواه أبو عيسى عن هناد وأحمد بن منيع عن أبي معاوية مرفوعا وقال: هذا حديث غريب. أنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني أنا عبد الغافر بن محمد الفارسي أنا محمد بن عيسى الجلودي أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان أنا مسلم بن الحجاج أنا أبو عثمان سعيد بن عبد الجبار البصري أنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن في الجنة لسوقا يأتونها كل جمعة فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم فيزدادون حسنا وجمالا فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنا وجمالا فيقول لهم أهلهم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا فيقولون وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا" . {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين } قوله تعالى {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها} سبب نزول هذه الآية أن الله تعالى لما ضرب المثل بالذباب والعنكبوت فقال: "إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له" (73-الحج) وقال: "مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا" (41-العنكبوت) قالت اليهود: ما أراد الله بذكر هذه الأشياء الخسيسة ؟ وقيل: قال المشركون: إنا لا نعبد إلها يذكر مثل هذه الأشياء فأنزل الله تعالى {إن الله لا يستحيي} أي لا يترك ولا يمنعه الحياء {أن يضرب مثلا} يذكر شبها، {ما بعوضة} ما: صلة، أي مثلا بالبعوضة، وبعوضة نصب بدل عن المثل. والبعوض صغار البق سميت بعوضة كأنها بعض البق {فما فوقها} يعني الذباب والعنكبوت وقال أبو عبيدة أي فما دونها كما يقال فلان جاهل فيقال وفوق ذلك أي وأجهل {فأما الذين آمنوا} بمحمد والقرآن {فيعلمون أنه} يعني: المثل هو {الحق} الصدق {من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا} أي بهذا المثل فلما حذف الألف واللام نصبه على الحال والقطع ثم أجابهم فقال {يضل به} أي بهذا المثل {كثيرا} الكفار وذلك أنهم يكذبونه فيزدادون ضلالا {ويهدي به} أي بهذا المثل {كثيرا} المؤمنين فيصدقونه، والإضلال: هو الصرف عن الحق إلى الباطل. وقيل: هو الهلاك يقال ضل الماء في اللبن إذا هلك {وما يضل به إلا الفاسقين} الكافرين وأصل الفسق الخروج يقال فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها قال الله تعالى: "ففسق عن أمر ربه" (50-الكهف) أي خرج ثم وصفهم فقال: {الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم }
فقال {الذين ينقضون} يخالفون ويتركون وأصل النقض الكسر {عهد الله} أمر الله الذي عهد إليهم يوم الميثاق بقوله: "ألست بربكم قالوا بلى" (173-الأعراف) وقيل: أراد به العهد الذي أخذه على النبيين وسائر الأمم أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم في قوله: "وإذ أخذ الله ميثاق النبيين" (81-آل عمران) الآية وقيل: أراد به العهد الذي عهد إليهم في التوراة أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ويبينوا نعته {من بعد ميثاقه} توكيده. والميثاق: العهد المؤكد {ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل} يعني الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبجميع الرسل عليهم السلام لأنهم قالوا: نؤمن ببعض ونكفر ببعض وقال المؤمنون "لا نفرق بين أحد من رسله" (285-البقرة) وقيل: أراد به الأرحام {ويفسدون في الأرض} بالمعاصي وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن {أولئك هم الخاسرون} المغبونون، ثم قال لمشركي العرب على وجه التعجب {كيف تكفرون بالله} بعد نصب الدلائل ووضوح البراهين ثم ذكر الدلائل فقال {وكنتم أمواتا} نطفا في أصلاب آبائكم {فأحياكم} في الأرحام والدنيا {ثم يميتكم} عند انقضاء آجالكم {ثم يحييكم} للبعث {ثم إليه ترجعون} أي تردون في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم. قرأ يعقوب "ترجعون" في كل القرآن بفتح الياء والتاء على تسمية الفاعل. قوله تعالى {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} لكي تعتبروا وتستدلوا وقيل لكي تنتفعوا {ثم استوى إلى السماء} قال ابن عباس وأكثر مفسري السلف: أي ارتفع إلى السماء. وقال ابن كيسان والفراء وجماعة من النحويين: أي أقبل على خلق السماء. وقيل: قصد لأنه خلق الأرض أولا ثم عمد إلى خلق السماء {فسواهن سبع سماوات} خلقهن مستويات لا فطور فيها ولا صدع {وهو بكل شيء عليم} قرأ أبو جعفر وأبو عمرو والكسائي وقالون وهو وهي بسكون الهاء إذا كان قبل الهاء واو أو فاء أو لام، زاد الكسائي وقالون: ثم هو وقالون "أن يمل هو" (282-البقرة) . {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون } قوله تعالى {وإذ قال ربك} أي وقال ربك وإذ زائدة وقيل معناه واذكر إذ قال ربك وكذلك كل ما ورد في القرآن من هذا النحو فهذا سبيله وإذ وإذا حرفا توقيت إلا أن إذ للماضي وإذا للمستقبل وقد يوضع أحدهما موضع الآخر قال المبرد: إذا جاء {إذ} مع المستقبل كان معناه ماضيا كقوله تعالى "وإذ يمكر بك الذين" (30-الأنفال) يريد وإذ مكروا وإذا جاء {إذا} مع الماضي كان معناه مستقبلا كقوله: "فإذا جاءت الطامة" (34-النازعات) "إذا جاء نصر الله" (1-النصر) أي يجيء {للملائكة} جمع ملك وأصله مألك من المألكة والألوكة والألوك، وهي: الرسالة فقلبت فقيل ملأك ثم حذفت الهمزة طلبا للخفة لكثرة استعماله ونقلت حركتها إلى اللام فقيل ملك. وأراد بهم الملائكة الذين كانوا في الأرض وذلك أن الله تعالى خلق السماء والأرض وخلق الملائكة والجن فأسكن الملائكة السماء وأسكن الجن الأرض فغبروا فعبدوا دهرا طويلا في الأرض، ثم ظهر فيهم الحسد والبغي فأفسدوا وقتلوا فبعث الله إليهم جندا من الملائكة يقال لهم: الجن، وهم خزان الجنان اشتق لهم من الجنة رأسهم إبليس وكان رئيسهم ومرشدهم وأكثرهم علما فهبطوا إلى الأرض فطردوا الجن إلى شعوب الجبال (وبطون الأودية) وجزائر البحور وسكنوا الأرض وخفف الله عنهم العبادة فأعطى الله إبليس ملك الأرض، وملك السماء الدنيا وخزانة الجنة وكان يعبد الله تارة في الأرض وتارة في السماء وتارة في الجنة فدخله العجب فقال في نفسه: ما أعطاني الله هذا الملك إلا لأني أكرم الملائكة عليه فقال الله تعالى 9/أله ولجنده: {إني جاعل} خالق. {في الأرض خليفة} أي بدلا منكم ورافعكم إلي، فكرهوا ذلك لأنهم كانوا أهون الملائكة عبادة.
والمراد بالخليفة هاهنا آدم سماه خليفة لأنه خلف الجن أي جاء بعدهم وقيل لأنه يخلفه غيره والصحيح أنه خليفة الله في أرضه لإقامة أحكامه وتنفيذ وصاياه {قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها} بالمعاصي. {ويسفك الدماء} بغير حق أي كما فعل بنو الجان فقاسوا الشاهد على الغائب وإلا فهم ما كانوا يعلمون الغيب {ونحن نسبح بحمدك} قال الحسن: نقول سبحان الله وبحمده وهو صلاة الخلق {وصلاة البهائم وغيرهما} سوى الآدميين وعليها يرزقون. أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد أنا محمد بن عيسى أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان أنا مسلم بن الحجاج أنا زهير بن حرب أنا حبان بن هلال أنا وهيب أنا سعيد الجريري عن أبي عبد الله الجسري عن عبادة بن الصامت عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي الكلام أفضل قال: "ما اصطفى الله لملائكته أو لعباده سبحان الله وبحمده" وقيل: ونحن نصلي بأمرك، قال ابن عباس: كل ما في القرآن من التسبيح فالمراد منه الصلاة {ونقدس لك} أي نثني عليك بالقدس والطهارة وقيل: ونطهر أنفسنا لطاعتك وقيل: وننزهك. واللام صلة وقيل: لم يكن هذا من الملائكة على طريق الاعتراض والعجب بالعمل بل على سبيل التعجب وطلب وجه الحكمة فيه {قال} الله {إني أعلم ما لا تعلمون} المصلحة فيه، وقيل: إني أعلم أن في ذريته من يطيعني ويعبدني من الأنبياء والأولياء والعلماء وقيل: إني أعلم أن فيكم من يعصيني وهو إبليس، وقيل إني أعلم أنهم يذنبون وأنا أغفر لهم. قرأ أهل الحجاز والبصرة إني أعلم بفتح الياء وكذلك كل ياء إضافة استقبلها ألف مفتوحة إلا في مواضع معدودة ويفتحون في بعض المواضع عند الألف المضمومة والمكسورة (وعند غير الألف) وبين القراء في تفصيله اختلاف. {وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين } قوله تعالى {وعلم آدم الأسماء كلها} سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض، وقيل: لأنه كان آدم اللون وكنيته أبو محمد وأبو البشر فلما خلقه الله تعالى علمه أسماء الأشياء وذلك أن الملائكة قالوا: لما قال الله تعالى: {إني جاعل في الأرض خليفة} ليخلق ربنا ما شاء فلن يخلق خلقا أكرم عليه منا وإن كان فنحن أعلم منه لأنا خلقنا قبله ورأينا ما لم يره. فأظهر الله تعالى فضله عليهم بالعلم وفيه دليل على أن الأنبياء أفضل من الملائكة وإن كانوا رسلا كما ذهب إليه أهل السنة والجماعة قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: علمه اسم كل شيء حتى القصعة والقصيعة وقيل: اسم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة. وقال الربيع بن أنس: أسماء الملائكة وقيل: أسماء ذريته، وقيل: صنعة كل شيء قال أهل التأويل: إن الله عز وجل علم آدم جميع اللغات ثم تكلم كل واحد من أولاده بلغة فتفرقوا في البلاد واختص كل فرقة منهم بلغة . {ثم عرضهم على الملائكة} إنما قال عرضهم ولم يقل عرضها لأن المسميات إذا جمعت من يعقل وما لا يعقل يكنى عنها بلفظ من يعقل كما يكنى عن الذكور والإناث بلفظ الذكور وقال مقاتل: خلق الله كل شيء الحيوان والجماد ثم عرض تلك الشخوص على الملائكة فالكناية راجعة إلى الشخوص فلذلك قال عرضهم {فقال أنبئوني} أخبروني {بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين} في أني لا أخلق خلقا إلا وكنتم أفضل وأعلم منه فقالت الملائكة إقرارا بالعجز: {قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون }
{قالوا سبحانك} تنزيها لك {لا علم لنا إلا ما علمتنا} معناه فإنك أجل من أن نحيط بشيء من علمك إلا ما علمتنا {إنك أنت العليم} بخلقك {الحكيم} في أمرك والحكيم له معنيان: أحدهما الحاكم وهو القاضي العدل والثاني المحكم للأمر كي لا يتطرق إليه الفساد وأصل الحكمة في اللغة: المنع فهي تمنع صاحبها من الباطل ومنه حكمة الدابة لأنها تمنعها من الاعوجاج فلما ظهر عجزهم {قال} الله تعالى: {يا آدم أنبئهم بأسمائهم} أخبرهم بأسمائهم فسمى آدم كل شيء باسمه وذكر الحكمة التي لأجلها خلق {فلما أنبأهم بأسمائهم قال} الله تعالى {ألم أقل لكم} يا ملائكتي {إني أعلم غيب السماوات والأرض} ما كان منهما وما يكون لأنه قد قال لهم {إني أعلم ما لا تعلمون} (30-البقرة) {وأعلم ما تبدون} قال الحسن وقتادة: يعني قولهم أتجعل فيها من يفسد فيها {وما كنتم تكتمون} قولكم لن يخلق الله خلقا أكرم عليه منا، قال ابن عباس رضي الله عنهما هو أن إبليس مر على جسد آدم وهو ملقى بين مكة والطائف لا روح فيه فقال: لأمر ما خلق هذا ثم دخل في فيه وخرج من دبره وقال: إنه خلق لا يتماسك لأنه أجوف ثم قال للملائكة الذين معه أرأيتم إن فضل هذا عليكم وأمرتم بطاعته ماذا تصنعون؟ قالوا: نطيع أمر ربنا، فقال إبليس في نفسه: والله لئن سلطت عليه لأهلكنه ولئن سلط علي لأعصينه فقال الله تعالى: {وأعلم ما تبدون} يعني ما تبديه الملائكة من الطاعة {وما كنتم تكتمون} يعني إبليس من المعصية. {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم } وقوله تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} قرأ أبو جعفر "للملائكة اسجدوا" بضم التاء على جوار ألف اسجدوا وكذلك قرأ "قل رب احكم بالحق" (112-الأنبياء) بضم الباء وضعفه النحاة جدا ونسبوه إلى الغلط فيه واختلفوا في أن هذا الخطاب مع أي الملائكة فقال بعضهم: مع الذين كانوا سكان الأرض. والأصح: أنه مع جميع الملائكة لقوله تعالى: "فسجد الملائكة كلهم أجمعون" (30-الحجر) وقوله: {اسجدوا} فيه قولان: الأصح أن السجود كان لآدم على الحقيقة، وتضمن معنى الطاعة لله عز وجل بامتثال أمره، وكان ذلك سجود تعظيم وتحية لا سجود عبادة، كسجود إخوة يوسف له في قوله عز وجل "وخروا له سجدا" (100-يوسف) ولم يكن فيه وضع الوجه على الأرض، إنما كان الانحناء، فلما جاء الإسلام أبطل ذلك بالسلام. وقيل: معنى قوله {اسجدوا لآدم} أي إلى آدم فكان آدم قبلة، والسجود لله تعالى، كما جعلت الكعبة قبلة للصلاة والصلاة لله عز وجل. {فسجدوا} يعني: الملائكة {إلا إبليس} وكان اسمه عزازيل بالسريانية، وبالعربية: الحارث، فلما عصى غير اسمه وصورته فقيل: إبليس، لأنه أبلس من رحمة الله تعالى أي يئس. واختلفوا فيه فقال ابن عباس رضي الله عنهما وأكثر المفسرين: كان إبليس من الملائكة، وقال الحسن: كان من الجن ولم يكن من الملائكة لقوله تعالى "إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه" (50-الكهف) فهو أصل الجن كما أن آدم أصل الإنس، ولأنه خلق من النار والملائكة خلقوا من النور، ولأن له ذرية ولا ذرية للملائكة، والأول أصح لأن خطاب السجود كان مع الملائكة، وقوله "كان من الجن" أي من الملائكة الذين هم خزنة الجنة. وقال سعيد بن جبير: من الذين يعملون في الجنة، وقال: قوم من الملائكة الذين يصوغون حلي أهل الجنة، وقيل: إن فرقة من الملائكة خلقوا من النار سموا جنا لاستتارهم عن الأعين، وإبليس كان منهم. والدليل عليه قوله تعالى "وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا" (158-الصافات) وهو قولهم: الملائكة 9/ب بنات الله، ولما أخرجه الله من الملائكة جعل له ذرية.
قوله: {أبى} أي امتنع فلم يسجد {واستكبر} أي تكبر عن السجود {لآدم} {وكان} أي: صار {من الكافرين} وقال أكثر المفسرين: وكان في سابق علم الله من الكافرين الذين وجبت لهم الشقاوة. أنا أبو بكر محمد بن عبد الصمد الترابي أنا ابن الحاكم أبو الفضل محمد بن الحسين الحدادي أنا أبو يزيد محمد بن يحيى بن خالد أنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي أنا جرير ووكيع وأبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي ويقول: يا ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار" قوله تعالى {وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة} وذلك أن آدم لم يكن في الجنة من يجانسه فنام نومة فخلق الله زوجته حواء من قصيراء شقه الأيسر، وسميت حواء لأنها خلقت من حي، خلقها الله عز وجل من غير أن أحس به آدم ولا وجد له ألما، ولو وجد لما عطف رجل على امرأة قط فلما هب من نومه رآها جالسة عند رأسه (كأحسن ما في) خلق الله فقال لها: من أنت؟ قالت زوجتك خلقني الله لك تسكن إلي وأسكن إليك {وكلا منها رغدا} واسعا كثيرا {حيث شئتما} كيف شئتما ومتى شئتما وأين شئتما {ولا تقربا هذه الشجرة} يعني للأكل، وقال بعض العلماء: وقع النهي على جنس من الشجر. وقال آخرون: على شجرة مخصوصة، واختلفوا في تلك الشجرة، قال ابن عباس ومحمد بن كعب ومقاتل: هي السنبلة وقال ابن مسعود: هي شجرة العنب. وقال ابن جريج: شجرة التين، وقال قتادة: شجرة العلم وفيها من كل شيء، وقال علي رضي الله عنه: شجرة الكافور {فتكونا} فتصيرا {من الظالمين} أي الضارين بأنفسكما بالمعصية، وأصل الظلم، وضع الشيء في غير موضعه. {فأزلهما} استزل {الشيطان} آدم وحواء أي دعاهما إلى الزلة: وقرأ حمزة: فأزالهما، أي نحاهما "الشيطان" فيعال من شطن، أي: بعد، سمي به لبعده عن الخير وعن الرحمة، {عنها} عن الجنة {فأخرجهما مما كانا فيه} النعيم، وذلك أن إبليس أراد أن يدخل ليوسوس {إلى} آدم وحواء فمنعته الخزنة فأتى الحية وكانت صديقة لإبليس وكانت من أحسن الدواب، لها أربع قوائم كقوائم البعير، وكانت من خزان الجنة فسألها إبليس أن تدخله فمها فأدخلته ومرت به على الخزنة وهم لا يعلمون فأدخلته الجنة، وقال الحسن: إنما رآهما على باب الجنة لأنهما كانا يخرجان منها وقد كان آدم حين دخل الجنة ورأى ما فيها من النعيم قال: لو أن خلدا، فاغتنم ذلك منه الشيطان فأتاه الشيطان من قبل الخلد فلما دخل الجنة وقف بين يدي آدم وحواء وهما لا يعلمان أنه إبليس فبكى وناح نياحة أحزنتهما، وهو أول من ناح فقالا له: ما يبكيك؟ قال: أبكي عليكما تموتان فتفارقان ما أنتما فيه من النعمة. فوقع ذلك في أنفسهما فاغتما ومضى إبليس ثم أتاهما بعد ذلك وقال: يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد؟ فأبى أن يقبل منه، وقاسمهما بالله إنه لهما لمن الناصحين، فاغترا وما ظنا أن أحدا يحلف بالله كاذبا، فبادرت حواء إلى أكل الشجرة ثم ناولت آدم حتى أكلها. وكان سعيد بن المسيب يحلف بالله ما أكل آدم من الشجرة وهو يعقل ولكن حواء سقته الخمر حتى إذا سكر قادته إليها فأكل .
قال إبراهيم بن أدهم: أورثتنا تلك الأكلة حزنا طويلا. قال ابن عباس وقتادة: قال الله عز وجل لآدم: ألم يكن فيما أبحتك من الجنة مندوحة عن الشجرة؟ قال: بلى يا رب وعزتك، ولكن ما ظننت أن أحدا يحلف بك كاذبا، قال: فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض، ثم لا تنال العيش إلا كدا فأهبطا من الجنة وكانا يأكلان فيها رغدا فعلم صنعة الحديد، وأمر بالحرث فحرث فيها وزرع ثم سقى حتى إذا بلغ حصد ثم داسه ثم ذراه ثم طحنه ثم عجنه ثم خبزه ثم أكله فلم يبلغه حتى بلغ منه ما شاء. قال سعيد بن جبير: عن ابن عباس: إن آدم لما أكل من الشجرة التي نهي عنها قال الله عز وجل: ما حملك على ما صنعت قال يا رب زينته لي حواء قال: فإني أعقبتها أن لا تحمل إلا كرها ولا تضع إلا كرها ودميتها في الشهر مرتين، فرنت حواء عند ذلك فقيل: عليك الرنة وعلى بناتك فلما أكلا {تهافتت} عنهما ثيابهما وبدت سوآتهما وأخرجا من الجنة، فذلك قوله تعالى: {وقلنا اهبطوا} أي انزلوا إلى الأرض يعني آدم وحواء وإبليس والحية، فهبط آدم بسرنديب من أرض الهند على جبل يقال له نود، وحواء بجدة وإبليس بالأيلة والحية بأصفهان {بعضكم لبعض عدو} أراد العداوة التي بين ذرية آدم والحية وبين المؤمنين من ذرية آدم وبين إبليس؛ قال الله تعالى: "إن الشيطان لكما عدو مبين" (22-الأعراف) . أنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو الحسن بن بشران أنا إسماعيل بن محمد الصفار أنا أحمد بن محمد الصفار حدثنا منصور الرمادي أنا عبد الرزاق أنا معمر عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال عكرمة: لا أعلمه إلا رفع الحديث، أنه كان يأمر بقتل الحيات وقال: من تركهن خشية أو مخافة ثائر فليس منا وزاد موسى بن مسلم عن عكرمة في الحديث: ما سالمناهن منذ حاربناهن [وروي أنه نهى عن ذوات البيوت، =روي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن بالمدينة جنا قد أسلموا فإن رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان" ] قوله تعالى: {ولكم في الأرض مستقر} موضع قرار {ومتاع} بلغة ومستمتع {إلى حين} إلى انقضاء آجالكم {فتلقى} تلقى والتلقي: هو قبول عن فطنة وفهم، وقيل: هو التعلم {آدم من ربه كلمات} قراءة العامة: آدم برفع الميم وكلمات بخفض التاء. قرأ ابن كثير: آدم بالنصب، كلمات برفع التاء يعني جاءت الكلمات آدم من ربه، وكانت سبب توبته. واختلفوا في تلك الكلمات قال سعيد بن جبير ومجاهد والحسن: هي قوله "ربنا ظلمنا أنفسنا" الآية. وقال مجاهد ومحمد بن كعب القرظي: هي قوله لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت {التواب الرحيم} . لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب عملت سوءا وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت أرحم الراحمين وقال عبيد بن عمير: هي أن آدم قال يا رب أرأيت ما أتيت أشيء ابتدعته من تلقاء نفسي أم شيء قدرته علي قبل أن تخلقني؟ قال الله تعالى: لا بل شيء قدرته عليك قبل أن أخلقك. قال يا رب فكما قدرته قبل أن تخلقني فاغفر لي . وقيل: هي ثلاثة أشياء الحياء والدعاء والبكاء، قال ابن عباس بكى آدم وحواء على ما فاتهما من نعيم الجنة مائتي سنة، ولم يأكلا ولم يشربا أربعين يوما، ولم يقرب آدم 10/أحواء مائة سنة، وروى المسعودي عن يونس بن خباب وعلقمة بن مرثد قالوا: لو أن دموع جميع أهل الأرض جمعت {لكانت} دموع داود أكثر حيث أصاب الخطيئة ولو أن دموع داود ودموع أهل الأرض جمعت لكانت دموع آدم أكثر حيث أخرجه الله من الجنة قال شهر بن حوشب: بلغني أن آدم لما {هبط} إلى الأرض مكث ثلاثمائة سنة لا يرفع رأسه حياء من الله تعالى قوله: {فتاب عليه} فتجاوز عنه {إنه هو التواب} يقبل توبة عباده {الرحيم} بخلقه.
{قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين } وقوله تعالى: {قلنا اهبطوا منها جميعا} يعني هؤلاء الأربعة. وقيل: الهبوط الأول من الجنة إلى السماء الدنيا والهبوط {الآخر} من السماء الدنيا إلى الأرض {فإما يأتينكم} أي فإن يأتكم يا ذرية آدم {مني هدى} أي رشد وبيان شريعة، وقيل كتاب ورسول {فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} قرأ يعقوب: فلا خوف بالفتح في كل القرآن والآخرون بالضم والتنوين فلا خوف عليهم فيما [يستقبلون هم] {ولا هم يحزنون} على ما خلفوا. وقيل: لا خوف عليهم في الدنيا ولا هم يحزنون في الآخرة {والذين كفروا} (يعني جحدوا) {وكذبوا بآياتنا} بالقرآن {أولئك أصحاب النار} يوم القيامة {هم فيها خالدون} لا يخرجون منها ولا يموتون فيها. قوله تعالى: {يا بني إسرائيل} يا أولاد يعقوب. ومعنى إسرائيل: عبد الله، "وإيل" هو الله تعالى، وقيل صفوة الله، وقرأ أبو جعفر: إسرائيل بغير همز {اذكروا} احفظوا، والذكر: يكون بالقلب ويكون باللسان وقيل: أراد به الشكر، وذكر بلفظ الذكر لأن في الشكر ذكرا وفي الكفران نسيانا، قال الحسن: ذكر النعمة شكرها {نعمتي} أي: نعمي، لفظها واحد ومعناها جمع كقوله تعالى "وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها" (34-إبراهيم) {التي أنعمت عليكم} أي على أجدادكم وأسلافكم. قال قتادة: هي النعم التي خصت بها بنو إسرائيل: من فلق البحر وإنجائهم من فرعون بإغراقه وتظليل الغمام عليهم في التيه، وإنزال المن والسلوى وإنزال التوراة، في نعم كثيرة لا تحصى، وقال غيره: هي جميع النعم التي لله عز وجل على عباده {وأوفوا بعهدي} أي بامتثال أمري {أوف بعهدكم} بالقبول والثواب. قال قتادة ومجاهد: أراد بهذا العهد ما ذكر في سورة المائدة "ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم حفظ اثني عشر نقيبا إلى أن قال -لأكفرن عنكم سيئاتكم" (12-المائدة) فهذا قوله: "أوف بعهدكم". وقال الحسن هو قوله "وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة" (63-البقرة) فهو شريعة التوراة، وقال مقاتل هو قوله "وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله" (83-البقرة) وقال الكلبي: عهد الله إلى بني إسرائيل على لسان موسى: إني باعث من بني إسماعيل نبيا أميا فمن اتبعه وصدق بالنور الذي يأتي به غفرت له ذنبه وأدخلته الجنة وجعلت له أجرين اثنين: وهو قوله: "وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس" (187-آل عمران) يعني أمر محمد صلى الله عليه وسلم. {وإياي فارهبون} فخافوني في نقض العهد. وأثبت يعقوب الياءآت المحذوفة في الخط مثل فارهبوني، فاتقوني، واخشوني، والآخرون يحذفونها على الخط {وآمنوا بما أنزلت} يعني القرآن {مصدقا لما معكم} أي موافقا لما معكم يعني: التوراة، في التوحيد والنبوة والأخبار ونعت النبي صلى الله عليه وسلم، نزلت في كعب بن الأشرف وأصحابه من علماء اليهود ورؤسائهم {ولا تكونوا أول كافر به} أي بالقرآن يريد من أهل الكتاب، لأن قريشا كفرت قبل اليهود بمكة، معناه: ولا تكونوا أول من كفر بالقرآن فيتابعكم اليهود على ذلك فتبوؤا بآثامكم وآثامهم {ولا تشتروا} أي: ولا تستبدلوا {بآياتي} ببيان صفة محمد صلى الله عليه وسلم {ثمنا قليلا} أي عرضا يسيرا من الدنيا وذلك أن رؤساء اليهود وعلماءهم كانت لهم مآكل يصيبونها من سفلتهم وجهالهم يأخذون منهم كل عام شيئا معلوما من زروعهم وضروعهم ونقودهم فخافوا إن هم بينوا صفة محمد صلى الله عليه وسلم وتابعوه أن تفوتهم تلك المآكل فغيروا نعته وكتموا اسمه فاختاروا الدنيا على الآخرة {وإياي فاتقون} فاخشوني
{ولا تلبسوا الحق بالباطل} أي لا تخلطوا، يقال: لبس الثوب يلبس لبسا، ولبس عليه الأمر يلبس لبسا أي خلط. يقول: لا تخلطوا الحق الذي، أنزلت عليكم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم بالباطل الذي تكتبونه بأيديكم من تغيير صفة محمد صلى الله عليه وسلم. والأكثرون على أنه أراد: لا تلبسوا الإسلام باليهودية والنصرانية . وقال مقاتل: إن اليهود أقروا ببعض صفة محمد صلى الله عليه وسلم وكتموا بعضا ليصدقوا في ذلك فقال: ولا تلبسوا الحق الذي تقرون به بالباطل يعني بما تكتمونه، فالحق: بيانهم، والباطل: كتمانهم وتكتموا الحق أي لا تكتموه، يعني: نعت محمد صلى الله عليه وسلم. {وأنتم تعلمون} أنه نبي مرسل {وأقيموا الصلاة} يعني الصلوات الخمس بمواقيتها وحدودها {وآتوا الزكاة} أدوا زكاة أموالكم المفروضة. والزكاة مأخوذة من زكا الزرع إذا نما وكثر. وقيل: من تزكى أي تطهر، وكلا المعنيين موجود في الزكاة، لأن فيها تطهيرا وتنمية للمال {واركعوا مع الراكعين} أي صلوا مع المصلين: محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وذكر بلفظ الركوع لأنه ركن من أركان الصلاة، ولأن صلاة اليهود لم يكن فيها ركوع، فكأنه قال: صلوا صلاة ذات ركوع، قيل: إعادته بعد قوله {وأقيموا الصلاة} لهذا، أي صلوا مع الذين في صلاتهم ركوع، فالأول مطلق في حق الكل، وهذا في حق أقوام مخصوصين. وقيل: هذا حث على إقامة الصلاة جماعة كأنه قال لهم: صلوا مع المصلين الذين سبقوكم بالإيمان. {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون } {أتأمرون الناس بالبر} أي بالطاعة، نزلت في علماء اليهود، وذلك أن الرجل منهم كان يقول لقريبه وحليفه من المسلمين إذا سأله عن أمر محمد صلى الله عليه وسلم: اثبت على دينه فإن أمره حق وقوله صدق. وقيل: هو خطاب لأخبارهم حيث أمروا أتباعهم بالتمسك بالتوراة، ثم خالفوا وغيروا نعت محمد صلى الله عليه وسلم {وتنسون أنفسكم} أي تتركون أنفسكم فلا تتبعونه {وأنتم تتلون الكتاب} تقرءون التوراة فيها نعته وصفته {أفلا تعقلون} أنه حق فتتبعونه؟. والعقل مأخوذ من عقال الدابة، وهو ما يشد به ركبة البعير فيمنعه من الشرود، فكذلك العقل يمنع صاحبه من الكفر والجحود. أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو عمرو بكر بن محمد المزني أنا أبو بكر محمد بن عبد الله حفيد العباس بن حمزة أنا الحسين بن الفضل البجلي أنا عفان أنا حماد بن سلمة أنا علي بن زيد عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "رأيت ليلة أسري بي رجالا تقرض شفاههم بمقاريض من نار قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطباء من أمتك يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب" أخبرنا عبد الواحد 10/ب الميلحي أنا أحمد عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا علي بن عبد الله أنا سفيان عن الأعمش عن أبي وائل قال: قال أسامة رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه (أي تنقطع أمعاؤه) في النار فيدور كما يدور الحمار برحاه فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أي فلان ما شأنك أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه" وقال شعبة عن الأعمش "فيطحن فيها كما يطحن الحمار برحاه" .
{واستعينوا} على ما يستقبلكم من أنواع البلاء وقيل: على طلب الآخرة {بالصبر والصلاة} أراد حبس النفس عن المعاصي. وقيل: أراد: الصبر على أداء الفرائض، وقال مجاهد: الصبر الصوم، ومنه سمي شهر رمضان شهر الصبر، وذلك لأن الصوم يزهده في الدنيا، والصلاة ترغبه في الآخرة، وقيل: الواو بمعنى على، أي: واستعينوا بالصبر على الصلاة، كما قال الله تعالى: "وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها" (132-طه) {وإنها} يقل وإنهما ردا للكناية إلى كل واحد منهما أي وإن كل خصلة منهما. كما قال: "كلتا الجنتين آتت أكلها" (33-الكهف) أي كل واحدة منهما. وقيل: معناه {واستعينوا بالصبر} وإنه لكبير وبالصلاة وإنها لكبيرة، فحذف أحدهما اختصارا، وقال المؤرج رد الكناية إلى الصلاة لأنها أعم كقوله تعالى: "والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها" (34-التوبة) رد الكناية إلى الفضة لأنها أعم. وقيل: رد الكناية إلى الصلاة لأن الصبر داخل فيها. كما قال الله تعالى: "والله ورسوله أحق أن يرضوه" (62-التوبة) ولم يقل يرضوهما لأن رضا الرسول داخل في رضا الله تعالى. وقال الحسين بن الفضل: رد الكناية إلى الاستعانة {لكبيرة} أي: لثقيلة {إلا على الخاشعين} يعني: المؤمنين، وقال الحسن: الخائفين وقيل: المطيعين وقال مقاتل بن حيان: المتواضعين، وأصل الخشوع السكون قال الله تعالى: "وخشعت الأصوات للرحمن" (108-طه) فالخاشع ساكن إلى طاعة الله تعالى. {الذين يظنون} يستيقنون [أنهم مبعوثون وأنهم محاسبون وأنهم راجعون إلى الله تعالى، أي: يصدقون بالبعث، وجعل رجوعهم بعد الموت إلى المحشر رجوعا إليه] . والظن من الأضداد يكون شكا ويقينا وأملا كالرجاء يكون خوفا وأملا وأمنا {أنهم ملاقو ربهم} معاينو {ربهم} في الآخرة وهو رؤية الله تعالى وقيل: المراد من اللقاء الصيرورة إليه {وأنهم إليه راجعون} فيجزيهم بأعمالهم. {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين} أي عالمي زمانكم، وذلك التفضيل وإن كان في حق الآباء، لكن يحصل به الشرف للأبناء {واتقوا يوما} واخشوا عقاب يوم {لا تجزي نفس} لا تقضي نفس {عن نفس شيئا} أي حقا لزمها وقيل: لا تغني، وقيل: لا تكفي شيئا من الشدائد {ولا يقبل منها شفاعة} قرأ ابن كثير ويعقوب بالتاء لتأنيث الشفاعة، وقرأ الباقون بالياء لأن الشفع والشفاعة بمعنى واحد كالوعظ والموعظة، فالتذكير على المعنى، والتأنيث على اللفظ، كقوله تعالى: "قد جاءتكم موعظة من ربكم" (57-يونس) وقال في موضع آخر "فمن جاءه موعظة من ربه" (275-البقرة) أي لا تقبل منها شفاعة إذا كانت كافرة {ولا يؤخذ منها عدل} أي فداء وسمي به لأنه مثل المفدي. والعدل: المثل {ولا هم ينصرون} يمنعون من عذاب الله. {وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون } {وإذ نجيناكم} يعني: أسلافكم وأجدادكم فاعتدها منة عليهم لأنهم نجوا بنجاتهم {من آل فرعون} أتباعه وأهل دينه، وفرعون هو الوليد بن مصعب بن الريان وكان من القبط العماليق وعمر أكثر من أربعمائة سنة {يسومونكم} يكلفونكم ويذيقونكم، {سوء العذاب} أشد العذاب وأسوأه وقيل: يصرفونكم في العذاب مرة هكذا ومرة هكذا كالإبل السائمة في البرية، وذلك أن فرعون جعل بني إسرائيل خدما وخولا وصنفهم في الأعمال فصنف يبنون، وصنف يحرثون ويزرعون، وصنف يخدمونه، ومن لم يكن منهم في عمل وضع عليه الجزية.
وقال وهب: كانوا أصنافا في أعمال فرعون، فذوو القوة ينحتون السواري من الجبال حتى قرحت أعناقهم وأيديهم ودبرت ظهورهم من قطعها ونقلها، وطائفة ينقلون الحجارة، وطائفة يبنون له القصور، وطائفة منهم يضربون اللبن ويطبخون الآجر، وطائفة نجارون وحدادون، والضعفة منهم يضرب عليهم الخراج ضريبة يؤدونها كل يوم، فمن غربت عليه الشمس قبل أن يؤدي ضريبته غلت يمينه إلى عنقه شهرا، والنساء يغزلن الكتان وينسجن، وقيل: تفسيره ذكرما بعده: {يذبحون أبناءكم} مذكور على وجه البدل من قوله -يسومونكم سوء العذاب {ويستحيون نساءكم} يتركونهن أحياء، وذلك أن فرعون رأى في منامه كأن نارا أقبلت من بيت المقدس وأحاطت بمصر وأحرقت كل قبطي فيها ولم تتعرض لبني إسرائيل فهاله ذلك وسأل الكهنة عن رؤياه؟ فقالوا: يولد في بني إسرائيل غلام يكون على يده هلاكك وزوال ملكك، فأمر فرعون بقتل كل غلام يولد في بني إسرائيل وجمع القوابل فقال لهن: لا يسقطن على أيديكن غلام من بني إسرائيل إلا قتل ولا جارية إلا تركت، ووكل بالقوابل، فكن يفعلن ذلك حتى قيل: إنه قتل في بني إسرائيل اثني عشر ألف صبي في طلب موسى. وقال وهب: بلغني أنه ذبح في طلب موسى عليه السلام تسعين ألف وليد. قالوا: وأسرع الموت في =مشيخة بني إسرائيل فدخل رءوس القبط على فرعون وقالوا: إن الموت قد وقع في بني إسرائيل أفتذبح صغارهم ويموت كبارهم فيوشك أن يقع العمل علينا؟ فأمر فرعون أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة، فولد هارون في السنة التي لا يذبحون فيها، وموسى في السنة التي يذبحون فيها. {وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم} قيل: البلاء المحنة، أي في سومهم إياكم سوء العذاب محنة عظيمة، وقيل: البلاء النعمة أي في إنجائي إياكم منهم نعمة عظيمة، فالبلاء يكون بمعنى النعمة وبمعنى الشدة، فالله تعالى قد يختبر على النعمة بالشكر، وعلى الشدة بالصبر وقال: الله تعالى "ونبلوكم بالشر والخير فتنة" (35-الأنبياء) . {وإذ فرقنا بكم البحر} قيل: معناه فرقنا لكم وقيل: فرقنا البحر بدخولكم إياه وسمي البحر بحرا لاتساعه، ومنه قيل للفرس: بحر إذا اتسع في جريه، وذلك أنه لما دنا هلاك فرعون أمر الله تعالى موسى عليه السلام أن يسري ببني إسرائيل من مصر ليلا فأمر موسى قومه أن يسرجوا في بيوتهم إلى الصبح، وأخرج الله تعالى كل ولد زنا في القبط من بني إسرائيل إليهم، وكل ولد زنا في بني إسرائيل 11/أمن القبط إلى القبط حتى رجع كل إلى أبيه، وألقى الله الموت على القبط فمات كل بكر لهم واشتغلوا بدفنهم حتى أصبحوا وطلعت الشمس، وخرج موسى عليه السلام في ستمائة ألف وعشرين ألف مقاتل، لا يعدون ابن العشرين لصغره، ولا ابن الستين لكبره، وكانوا يوم دخلوا مصر مع يعقوب اثنين وسبعين إنسانا ما بين رجل وامرأة. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كان أصحاب موسى ستمائة ألف وسبعين ألفا .
وعن عمرو بن ميمون قال: كانوا ستمائة ألف فلما أرادوا السير ضرب عليهم التيه فلم يدروا أين يذهبون فدعا موسى =مشيخة بني إسرائيل وسألهم عن ذلك فقالوا: إن يوسف عليه السلام لما حضره الموت أخذ على إخوته عهدا أن لا يخرجوا من مصر حتى يخرجوه معهم فلذلك انسد علينا الطريق، فسألهم عن موضع قبره فلم يعلموا فقام موسى ينادي: أنشد الله كل من يعلم أين موضع قبر يوسف عليه السلام ألا أخبرني به؟ ومن لم يعلم به فصمت أذناه عن قولي! وكان يمر بين الرجلين ينادي فلا يسمعان صوته حتى سمعته عجوز لهم فقالت: أرأيتك إن دللتك على قبره أتعطيني كل ما سألتك؟ فأبى عليها وقال: حتى أسأل ربي (فأمره) الله تعالى بإيتائها سؤلها فقالت: إني عجوز كبيرة لا أستطيع المشي فاحملني وأخرجني من مصر، هذا في الدنيا وأما في الآخرة فأسألك أن لا تنزل غرفة من الجنة إلا نزلتها معك قال: نعم قالت: إنه في جوف الماء في النيل فادع الله حتى يحسر عنه الماء، فدعا الله تعالى فحسر عنه الماء، ودعا أن يؤخر طلوع الفجر إلى أن يفرغ من أمر يوسف عليه السلام، فحفر موسى عليه السلام ذلك الموضع واستخرجه في صندوق من مرمر، وحمله حتى دفنه بالشام، ففتح لهم الطريق فساروا وموسى عليه السلام على ساقتهم وهارون على مقدمتهم، ونذر بهم فرعون فجمع قومه وأمرهم أن لا يخرجوا في طلب بني إسرائيل حتى يصيح الديك، فوالله ما صاح ديك تلك الليلة، فخرج فرعون في طلب بني إسرائيل وعلى مقدمته هامان في ألف ألف وسبعمائة ألف، وكان فيهم سبعون ألفا من دهم الخيل سوى سائر الشيات [وقال محمد بن كعب رضي الله عنه: كان في عسكر فرعون مائة ألف حصان أدهم سوى سائر الشيات ] وكان فرعون يكون في الدهم وقيل: كان فرعون في سبعة آلاف ألف، وكان بين يديه مائة ألف ناشب، ومائة ألف أصحاب حراب، ومائة ألف أصحاب الأعمدة، فسارت بنو إسرائيل حتى وصلوا إلى البحر والماء في غاية الزيادة فنظروا فإذا هم بفرعون حين أشرقت الشمس فبقوا متحيرين فقالوا: يا موسى كيف نصنع؟ وأين ما وعدتنا؟ هذا فرعون خلفنا إن أدركنا قتلنا! والبحر أمامنا إن دخلناه غرقنا؟ قال الله تعالى: "فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال موسى كلا إن معي ربي سيهدين" (61-62 الشعراء) . فأوحى الله إليه أن اضرب بعصاك البحر فضربه فلم يطعه فأوحى الله إليه أن كنه فضربه وقال: انفلق يا أبا خالد بإذن الله تعالى، فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، وظهر فيه اثنا عشر طريقا لكل سبط طريق وارتفع الماء بين كل طريقين كالجبل وأرسل الله الريح والشمس على قعر البحر حتى صار يبسا فخاضت بنو إسرائيل البحر، كل سبط في طريق، وعن جانبيهم الماء كالجبل الضخم ولا يرى بعضهم بعضا، فخافوا وقال كل سبط: قد قتل إخواننا فأوحى الله تعالى إلى جبال الماء: أن تشبكي، فصار الماء شبكات كالطبقات يرى بعضهم بعضا ويسمع بعضهم كلام بعض حتى عبروا البحر سالمين فذلك قوله تعالى "وإذ فرقنا بكم البحر". {فأنجيناكم} من آل فرعون والغرق {وأغرقنا آل فرعون} وذلك أن فرعون لما وصل إلى البحر فرآه منغلقا قال لقومه: انظروا إلى البحر انفلق من هيبتي حتى أدرك عبيدي الذين أبقوا ادخلوا البحر فهاب قومه أن يدخلوه وقيل: قالوا له إن كنت ربا فادخل البحر كما دخل موسى، وكان فرعون على حصان أدهم ولم يكن في خيل فرعون فرسى أنثى فجاء جبريل على فرس أنثى وديق فتقدمهم وخاض البحر فلما شم أدهم فرعون ريحها اقتحم البحر في أثرها وهم لا يرونه ولم يملك فرعون من أمره شيئا وهو لا يرى فرس جبريل واقتحمت الخيول جملة خلفه في البحر، وجاء ميكائيل على فرس خلف القوم يشحذهم ويسوقهم حتى لا يشذ رجل منهم ويقول لهم: الحقوا بأصحابكم حتى خاضوا كلهم البحر، وخرج جبريل من
البحر، وهم أولهم بالخروج فأمر الله تعالى البحر أن يأخذهم فالتطم عليهم وغرقهم أجمعين، وكان بين طرفي البحر أربعة فراسخ وهو بحر قلزم، طرف من بحر فارس، قال قتادة: بحر من وراء مصر يقال له إساف، وذلك بمرأى من بني إسرائيل فذلك قوله تعالى: {وأنتم تنظرون} إلى مصارعهم وقيل: إلى إهلاكهم. {وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم } {وإذ واعدنا} من المفاعلة التي تكون من الواحد كقولهم: عافاك الله، وعاقبت اللص، وطارقت النعل. وقال الزجاج: كان من الله الأمر ومن موسى القبول. فلذلك ذكر بلفظ المواعدة، وقرأ أهل البصرة (وإذ وعدنا) من الوعد {موسى} اسم عبري عرب "ومو" بالعبرانية الماء "وشى" الشجرة، سمي به لأنه أخذ من بين الماء والشجر، ثم قلبت الشين المعجمة سينا في العربية {أربعين ليلة} أي انقضاؤها: ثلاثين من ذي القعدة وعشر من ذي الحجة، وقرن التاريخ بالليل دون النهار لأن شهور العرب وضعت على سير القمر، والهلال إنما يهل بالليل وقيل: لأن الظلمة أقدم من الضوء، وخلق الليل قبل النهار، قال الله تعالى: "وآية لهم الليل نسلخ منه النهار" (37-يس) وذلك أن بني إسرائيل لما أمنوا من عدوهم ودخلوا مصر لم يكن لهم كتاب ولا شريعة ينتهون إليهما، فوعد الله موسى أن ينزل عليه التوراة فقال موسى لقومه: إني ذاهب لميقات ربكم آتيكم بكتاب فيه بيان ما تأتون وما تذرون، وواعدهم أربعين ليلة، ثلاثين من ذي القعدة وعشرا من ذي الحجة، واستخلف عليهم أخاه هارون فلما أتى الوعد جاء جبريل على فرس يقال له فرس الحياة لا يصيب شيئا إلا حيي ليذهب بموسى إلى ربه، فلما رآه السامري وكان رجلا صائغا من أهل باجرمى واسمه ميخا -وقال سعيد بن جبير: كان من أهل كرمان، وقال ابن عباس: اسمه موسى بن مظفر وقال قتادة: كان من بني إسرائيل من قبيلة يقال لها سامرة -وكان منافقا أظهر الإسلام، وكان من قوم يعبدون البقر، فلما رأى جبرائيل على ذلك الفرس ورأى مواضع قدم الفرس تخضر في الحال قال: إن لهذا شأنا فأخذ قبضة من تربة حافر فرس جبرائيل عليه السلام. قال عكرمة: ألقي في روعه أنه إذا ألقي في شيء غيره، وكانت بنو إسرائيل قد استعاروا حليا كثيرة من قوم فرعون حين أرادوا الخروج من مصر بعلة عرس لهم، فأهلك الله فرعون وبقيت تلك الحلي في أيدي بني إسرائيل، فلما فصل موسى قال السامري لبني إسرائيل: إن الحلي التي استعرتموها من قوم فرعون غنيمة لا تحل لكم، فاحفروا حفرة وادفنوها فيها حتى يرجع موسى فيرى فيها رأيه. وقال السدي: إن هارون عليه السلام أمرهم أن يلقوها في حفيرة، حتى يرجع موسى ففعلوا، 11/ب فلما اجتمعت الحلي صاغها السامري عجلا في ثلاثة أيام ثم ألقى فيها القبضة التي أخذها من تراب فرس جبرائيل عليه السلام، فخرج عجلا من ذهب مرصعا بالجواهر كأحسن ما يكون، وخار خورة، وقال السدي: كان يخور ويمشي فقال السامري "هذا إلهكم وإله موسى فنسي" (88-طه) أي فتركه هاهنا وخرج يطلبه. وكانت بنو إسرائيل قد أخلفوا الوعد فعدوا اليوم من الليلة يومين فلما مضت عشرون يوما ولم يرجع موسى وقعوا في الفتنة.
وقيل: كان موسى قد وعدهم ثلاثين ليلة ثم زيدت العشرة فكانت فتنتهم في تلك العشرة فلما مضت الثلاثون ولم يرجع موسى ظنوا أنه قد مات ورأوا العجل وسمعوا قول السامري عكف ثمانية آلاف رجل منهم على العجل يعبدونه وقيل: كلهم عبدوه إلا هارون مع اثني عشر ألف رجل، وهذا أصح، وقال الحسن: كلهم عبدوه إلا هارون وحده فذلك قوله تعالى {ثم اتخذتم العجل} أي إلها {من بعده} أظهر ابن كثير وحفص الذال من أخذت واتخذت والآخرون يدغمونها {وأنتم ظالمون} ضارون لأنفسكم بالمعصية واضعون العبادة في غير موضعها {ثم عفونا عنكم} محونا ذنوبكم {من بعد ذلك} بعد عبادتكم العجل {لعلكم تشكرون} لكي تشكروا عفوي عنكم وصنيعي إليكم، قيل: الشكر هو الطاعة بجميع الجوارح في السر والعلانية قال الحسن: شكر النعمة ذكرها قال الله تعالى "وأما بنعمة ربك فحدث" (11-الضحى) قال الفضيل: شكر كل نعمة أن لا يعصى الله بعد تلك النعمة. وقيل: حقيقة الشكر العجز عن الشكر. حكي أن موسى عليه السلام قال: إلهي أنعمت علي النعم السوابغ، وأمرتني بالشكر وإنما شكري إياك نعمة منك، قال الله تعالى: يا موسى تعلمت العلم الذي لا يفوقه شيء من علم، حسبي من عبدي أن يعلم أن ما به من نعمة فهو مني، وقال داود عليه السلام: سبحان من جعل اعتراف العبد بالعجز عن شكره شكرا، كما جعل اعترافه بالعجز عن معرفته معرفة. قوله تعالى: {وإذ آتينا موسى الكتاب} يعني التوراة {والفرقان} قال مجاهد: هو التوراة أيضا ذكرها باسمين، وقال الكسائي: الفرقان نعت الكتاب والواو زائدة، يعني: الكتاب المفرق بين الحلال والحرام، وقال يمان بن ربان: أراد بالفرقان انفراق البحر كما قال "وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم" {لعلكم تهتدون} بالتوراة. {وإذ قال موسى لقومه} الذين عبدوا العجل {يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم} ضررتم بأنفسكم {باتخاذكم العجل} إلها قالوا: فأي شيء نصنع؟ قال: {فتوبوا} فارجعوا {إلى بارئكم} خالقكم قالوا: كيف نتوب؟ قال {فاقتلوا أنفسكم} يعني ليقتل البريء منكم المجرم {ذلكم} أي القتل {خير لكم عند بارئكم} فلما أمرهم موسى بالقتل قالوا: نصبر لأمر الله فجلسوا بالأفنية محتبين وقيل لهم: من مد حبوته أو مد طرفه إلى قاتله أو اتقاه بيد أو رجل فهو ملعون مردودة توبته، وأصلت القوم عليهم الخناجر، فكان الرجل يرى ابنه وأباه وأخاه وقريبه وصديقه وجاره فلم يمكنهم المضي لأمر الله تعالى، قالوا: يا موسى كيف نفعل؟ فأرسل الله تعالى عليهم ضبابة وسحابة سوداء لا يبصر بعضهم بعضا فكانوا يقتلونهم إلى المساء، فلما كثر القتل دعا موسى وهارون عليهما السلام وبكيا وتضرعا وقالا يا رب هلكت بنو إسرائيل، البقية البقية، فكشف الله تعالى السحابة وأمرهم أن يكفوا عن القتل فتكشفت عن ألوف من القتلى. يروى عن علي رضي الله عنه أنه قال: كان عدد القتلى سبعين ألفا فاشتد ذلك على موسى فأوحى الله تعالى إليه: أما يرضيك أن أدخل القاتل والمقتول الجنة، فكان من قتل منهم شهيدا ومن بقي مكفرا عنه ذنوبه، فذلك قوله تعالى {فتاب عليكم} أي ففعلتم ما أمرتم به فتاب عليكم فتجاوز عنكم {إنه هو التواب} القابل التوبة {الرحيم} بخلقه. {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } قوله تعالى: {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} وذلك أن الله تعالى أمر موسى عليه السلام أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، فاختار موسى سبعين رجلا
من قومه من خيارهم، فقال لهم: صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم، ففعلوا، فخرج بهم موسى إلى طور سيناء لميقات ربه، فقالوا لموسى: اطلب لنا نسمع كلام ربنا، فقال لهم: أفعل، فلما دنا موسى إلى طور سيناء من الجبل وقع عليه عمود الغمام وتغشى الجبل كله، فدخل في الغمام وقال للقوم: ادنوا فدنوا حتى دخلوا في الغمام وخروا سجدا، وكان موسى إذا كلمه ربه وقع على وجهه نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه، فضرب دونهم الحجاب وسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه وأسمعهم الله: أني أنا الله لا إله إلا أنا ذو بكة أخرجتكم من أرض مصر بيد شديدة فاعبدوني ولا تعبدوا غيري، فلما فرغ موسى وانكشف الغمام أقبل إليهم فقالوا: له "لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة" معاينة وذلك أن العرب تجعل العلم بالقلب رؤية، فقال جهرة ليعلم أن المراد منه العيان {فأخذتكم الصاعقة} أي الموت، وقيل: نار جاءت من السماء فأحرقتهم {وأنتم تنظرون} أي ينظر بعضكم إلى بعض حين أخذكم الموت. وقيل: تعلمون، والنظر يكون بمعنى العلم، فلما هلكوا جعل موسى يبكي ويتضرع ويقول: ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم؟ "لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا" (155-الأعراف) فلم يزل يناشد ربه حتى أحياهم الله تعالى رجلا بعد رجل بعد ما ماتوا يوما وليلة، ينظر بعضهم إلى بعض، كيف يحيون فذلك قوله تعالى {ثم بعثناكم} أحييناكم، والبعث: إثارة الشيء عن محله يقال: بعثت البعير وبعثت النائم فانبعث {من بعد موتكم} قال قتادة: أحياهم ليستوفوا بقية آجالهم وأرزاقهم ولو ماتوا بآجالهم لم يبعثوا إلى يوم القيامة. {لعلكم تشكرون وظللنا عليكم الغمام} في التيه يقيكم حر الشمس، والغمام من الغم وأصله التغطية والستر سمي السحاب غماما لأنه يغطي وجه الشمس وذلك أنه لم يكن لهم في التيه كن يسترهم فشكوا إلى موسى فأرسل الله تعالى غماما أبيض رقيقا أطيب من غمام المطر، وجعل لهم عمودا من نور يضيء لهم الليل إذ لم يكن لهم قمر {وأنزلنا عليكم المن والسلوى} أي في التيه، والأكثرون على أن المن هو الترنجبين، وقال مجاهد: هو شيء كالصمغ كان يقع على الأشجار طعمه كالشهد، وقال وهب: هو الخبز الرقاق، قال الزجاج: جملة المن ما يمن الله به من غير تعب. أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف 12/أأنا محمد بن إسماعيل أنا أبو نعيم أنا سفيان عن عبد الملك هو ابن عمير عن عمرو بن حريث عن سعيد بن زيد رض الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين" . قالوا فكان هذا المن كل ليلة يقع على أشجارهم مثل الثلج، لكل إنسان منهم صاع، فقالوا: يا موسى قتلنا هذا المن بحلاوته فادع لنا ربك أن يطعمنا اللحم فأنزل الله تعالى عليهم السلوى وهو طائر يشبه السمانى، وقيل هو السمانى بعينه، بعث الله سحابة فمطرت السمانى في عرض ميل وطول رمح في السماء، بعضه على بعض والسلوى: العسل، فكان الله ينزل عليهم المن والسلوى كل صباح من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فيأخذ كل واحد منهم ما يكفيه يوما وليلة وإذا كان يوم الجمعة أخذ كل واحد منهم ما يكفيه ليومين لأنه لم يكن ينزل يوم السبت. {كلوا} أي: وقلنا لهم: كلوا {من طيبات} حلالات {ما رزقناكم} ولا تدخروا لغد، ففعلوا، فقطع الله ذلك عنهم، ودود وفسد ما ادخروا، فقال الله تعالى: {وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} أي وما بخسوا بحقنا، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون باستيجابهم عذابي، وقطع مادة الرزق الذي كان ينزل عليهم بلا مؤنة في الدنيا ولا حساب في العقبى.
أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي أنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان أنا أحمد بن يوسف السلمي أنا عبد الرزاق أنا معمر عن همام بن منبه أنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لولا بنو إسرائيل لم يخبث الطعام ولم يخنز اللحم ، ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر" {وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون } {وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية} سميت القرية قرية لأنها تجمع أهلها، ومنه المقراة: للحوض، لأنها تجمع الماء، قال ابن عباس رضي الله عنهما: هي أريحاء وهي قرية الجبارين كان فيها قوم من بقية عاد يقال لهم العمالقة ورأسهم عوج بن عنق، وقيل: بلقاء، وقال مجاهد: بيت المقدس، وقال الضحاك: هي الرملة والأردن وفلسطين وتدمر، وقال مقاتل: إيليا، وقال ابن كيسان: الشام {فكلوا منها حيث شئتم رغدا} موسعا عليكم {وادخلوا الباب} يعني بابا من أبواب القرية وكان لها سبعة أبواب {سجدا} أي ركعا خضعا منحنين، وقال وهب: فإذا دخلتموه فاسجدوا شكرا لله تعالى {وقولوا حطة} قال قتادة: حط عنا خطايانا، أمروا بالاستغفار، قال ابن عباس: لا إله إلا الله، لأنها تحط الذنوب، ورفعها على تقدير: قولوا مسألتنا حطة {نغفر لكم خطاياكم} الغفر وهو الستر، فالمغفرة تستر الذنوب، وقرأ أهل المدينة و (نافع) بالياء وضمها وفتح الفاء، وقرأها ابن عامر بالتاء وضمها وفتح الفاء، وفي الأعراف قرأ جميعا ويعقوب بالتاء وضمها، وقرأ الآخرون فيهما بنصب النون وكسر الفاء {وسنزيد المحسنين} ثوابا من فضلنا {فبدل} فغير {الذين ظلموا} أنفسهم وقالوا {قولا غير الذي قيل لهم} وذلك أنهم بدلوا قول الحطة بالحنطة، فقالوا بلسانهم: حطانا سمقاثا أي حنطة حمراء، استخفافا بأمر الله تعالى، وقال مجاهد: طؤطئ لهم الباب ليخفضوا رءوسهم فأبوا أن يدخلوها سجدا فدخلوا على أستاههم مخالفة في الفعل كما بدلوا القول وقالوا قولا غير الذي قيل لهم. أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا إسحاق بن نصر أنا عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قيل لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة فبدلوا فدخلوا يزحفون على أستاهم وقالوا حبة في شعرة" {فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء} قيل: أرسل الله عليهم طاعونا فهلك منهم في ساعة واحدة سبعون ألفا {بما كانوا يفسقون} يعصون ويخرجون من أمر الله تعالى. {وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين } {وإذ استسقى موسى} طلب السقيا {لقومه} وذلك أنهم عطشوا في التيه فسألوا موسى أن يستسقي لهم ففعل فأوحى إليه كما قال: {فقلنا اضرب بعصاك} وكانت من آس الجنة، طولها عشرة أذرع على طول موسى عليه السلام ولها شعبتان تتقدان في الظلمة نورا، واسمها عليق حملها، آدم عليه السلام من الجنة فتوارثها الأنبياء حتى وصلت إلى شعيب عليه السلام فأعطاها موسى عليه السلام.
قال مقاتل: اسم العصا بنعته قوله تعالى {الحجر} اختلفوا فيه قال وهب: لم يكن حجرا معينا بل كان موسى يضرب أي حجر كان من عرض الحجارة فينفجر عيونا لكل سبط عين، وكانوا اثني عشر سبطا ثم تسيل كل عين في جدول إلى السبط الذي أمر أن يسقيهم، وقال الآخرون: كان حجرا معينا بدليل أنه عرف بالألف واللام، وقال ابن عباس: كان حجرا خفيفا مربعا على قدر رأس الرجل كان يضعه في مخلاته فإذا احتاجوا إلى الماء وضعه وضربه بعصاه، وقال عطاء: كان للحجر أربعة وجوه لكل وجه ثلاثة أعين لكل سبط عين وقيل: كان الحجر رخاما، وقيل: كان من الكذان فيه اثنتا عشرة حفرة، ينبع من كل حفرة عين ماء عذب، فإذا فرغوا وأراد موسى حمله ضربه بعصاه فيذهب الماء، وكان يسقي كل يوم ستمائة ألف، وقال سعيد بن جبير: هو الحجر الذي وضع موسى ثوبه عليه ليغتسل ففر بثوبه ومر به على ملأ من بني إسرائيل حين رموه بالأدرة فلما وقف أتاه جبرائيل فقال: إن الله تعالى يقول: ارفع هذا الحجر فلي فيه قدرة، ولك فيه معجزة، فرفعه ووضعه في مخلاته، قال عطاء: كان يضربه موسى اثنتي عشرة ضربة فيظهر على موضع كل ضربة مثل ثدي المرأة فيعرق ثم يتفجر الأنهار، ثم تسيل. وأكثر أهل التفسير يقولون: انبجست وانفجرت واحد، وقال أبو عمرو بن العلاء: انبجست عرقت وانفجرت، أي: سالت، فذلك قوله تعالى: {فانفجرت} أي فضرب فانفجرت أي سالت منه {اثنتا عشرة عينا} على عدد الأسباط {قد علم كل أناس مشربهم} موضع شربهم لا يدخل سبط على غيره في شربه {كلوا واشربوا من رزق الله} أي وقلنا لهم كلوا من المن والسلوى، واشربوا من الماء فهذا كله من رزق الله يأتيكم بلا مشقة {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} والعيث: أشد الفساد يقال عثى يعثي عيثا، وعثا يعثو عثوا وعاث يعيث عيثا. {وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } قوله تعالى {وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد} وذلك أنهم أجمعوا وسئموا من أكل المن والسلوى، وإنما قال {على طعام واحد} وهما اثنان لأن العرب تعبر عن الاثنين بلفظ الواحد كما تعبر عن الواحد بلفظ الاثنين، كقوله تعالى 12/ب "يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان" (22-الرحمن) وإنما يخرج من المالح دون العذب وقيل: كانوا يأكلون أحدهما بالآخر فكانا كطعام واحد، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كانوا يعجنون المن بالسلوى فيصيران واحدا {فادع لنا} فاسأل لأجلنا {ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها} قال ابن عباس: والفوم الخبز: وقال عطاء، الحنطة وقال القتيبي رحمه الله تعالى: الحبوب التي تؤكل كلها وقال الكلبي: {وعدسها وبصلها قال} لهم موسى عليه السلام {أتستبدلون الذي هو أدنى} أخس وأردى {بالذي هو خير} أشرف وأفضل وجعل الحنطة أدنى في القيمة وإن كان هي خيرا من المن والسلوى، أو أراد أنها أسهل وجودا على العادة، ويجوز أن يكون الخير راجعا إلى اختيار الله لهم واختيارهم لأنفسهم {اهبطوا مصرا} يعني: فإن أبيتم إلا ذلك فانزلوا مصرا من الأمصار، وقال الضحاك: هو مصر موسى وفرعون، والأول أصح، لأنه لو أراده لم يصرفه {فإن لكم ما سألتم} نبات الأرض {وضربت عليهم} جعلت عليهم وألزموا {الذلة} الذل والهوان قيل: بالجزية، وقال عطاء بن السائب: هو الكستيج والزنار وزي اليهودية {والمسكنة} الفقر، سمي الفقير مسكينا لأن الفقر أسكنه وأقعده عن الحركة، فترى اليهود وإن كانوا مياسير كأنهم فقراء، وقيل: الذلة هي فقر القلب فلا ترى في أهل الملل أذل وأحرص على المال من اليهود.