Qur'an&Sunnah

Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî)

Bölüm V05/P232–V05/P234

أبيه أنه حدثه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا صار أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار جيء بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار. ثم يذبح ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم . أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا أبو اليمان أخبرنا شعيب أخبرنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل أحد الجنة إلا رأى مقعده من النار لو أساء ليزداد شكرا ولا يدخل النار أحد إلا أري مقعده من الجنة لو أحسن ليكون عليه حسرة" . أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداوودي أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى بن الصلت أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي أخبرنا الحسين بن الحسن أخبرنا ابن المبارك أخبرنا يحيى بن عبد الله قال: سمعت أبي قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من أحد يموت إلا ندم"، قالوا: فما ندمه يا رسول الله؟ قال: "إن كان محسنا ندم أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئا ندم أن لا يكون نزع" . قوله عز وجل: {وهم في غفلة} أي: عما يفعل بهم في الآخرة {وهم لا يؤمنون} لا يصدقون. {إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا } قوله عز وجل: {إنا نحن نرث الأرض ومن عليها} أي: نميت سكان الأرض ونهلكهم جميعا، ويبقى الرب وحده فيرثهم، {وإلينا يرجعون} فنجزيهم بأعمالهم. قوله عز وجل: {واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا} "الصديق": الكثير الصدق القائم عليه. وقيل: من صدق الله في وحدانيته وصدق أنبياءه ورسله وصدق بالبعث، وقام بالأوامر فعمل بها، فهو الصديق. و"النبي": العالي في الرتبة بإرسال الله تعالى إياه. {إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا } {إذ قال} إبراهيم {لأبيه} آزر وهو يعبد الأصنام {يا أبت لم تعبد ما لا يسمع} صوتا {ولا يبصر} شيئا {ولا يغني عنك} أي لا يكفيك {شيئا} {يا أبت إني قد جاءني من العلم} بالله والمعرفة {ما لم يأتك فاتبعني} على ديني {أهدك صراطا سويا} مستقيما. {يا أبت لا تعبد الشيطان} لا تطعه فيما يزين لك من الكفر والشرك {إن الشيطان كان للرحمن عصيا} عاصيا "كان" بمعنى الحال أي: هو كذلك. {يا أبت إني أخاف} أي أعلم {أن يمسك} يصيبك {عذاب من الرحمن} أي: إن أقمت على الكفر {فتكون للشيطان وليا} قرينا في النار. {قال} أبوه مجيبا له: {أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته} لئن لم تسكت وترجع عن عيبك آلهتنا وشتمك إياها، {لأرجمنك} قال الكلبي ومقاتل والضحاك: لأشتمنك ولأبعدنك عني بالقول القبيح . قال ابن عباس لأضربنك. وقال عكرمة: لأقتلنك بالحجارة. {واهجرني مليا} قال الكلبي: اجنبني طويلا. وقال مجاهد وعكرمة: حينا. وقال سعيد بن جبير: دهرا وأصل "الحين": المكث، ومنه يقال: فمكثت حينا "والملوان": الليل والنهار. وقال قتادة وعطاء: سالما وقال ابن عباس: اعتزلني سالما لا تصيبك مني معرة، يقال: فلان ملي بأمر كذا: إذا كان كافيا . {قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا }

Bölüm V05/P234–V05/P237

{قال} إبراهيم {سلام عليك} أي سلمت مني لا أصيبك بمكروه، وذلك أنه لم يؤمر بقتاله على كفره. وقيل: هذا سلام هجران ومفارقة. وقيل: سلام بر ولطف وهو جواب الحليم للسفيه. قال الله تعالى: "وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما" (الفرقان:63) . قوله تعالى: {سأستغفر لك ربي} قيل: إنه لما أعياه أمره ووعده أن يراجع الله فيه، فيسأله أن يرزقه التوحيد ويغفر له. معناه: سأسأل الله تعالى لك توبة تنال بها المغفرة. {إنه كان بي حفيا} برا لطيفا. قال الكلبي: عالما يستجيب لي إذا دعوته. قال مجاهد: عودني الإجابة لدعائي. {وأعتزلكم وما تدعون من دون الله} أي: أعتزل ما تعبدون من دون الله. قال مقاتل: كان اعتزاله إياهم أنه فارقهم من "كوثى" فهاجر منها إلى الأرض المقدسة، {وأدعو ربي} أي: أعبد ربي {عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا} أي: عسى أن لا أشقى بدعائه وعبادته، كما تشقون أنتم بعبادة الأصنام. وقيل: عسى أن يجيبني إذا دعوته ولا يخيبني. {فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله} فذهب مهاجرا {وهبنا له} بعد الهجرة {إسحاق ويعقوب} آنسنا وحشته [من فراقهم] وأقررنا عينه، بأولاد كرام على الله عز وجل {وكلا جعلنا نبيا} يعني: إسحاق ويعقوب. {ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا } {وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا } {ووهبنا لهم من رحمتنا} قال الكلبي: المال والولد، وهو قول الأكثرين، قالوا: ما بسط لهم في الدنيا من سعة الرزق. وقيل: الكتاب والنبوة. {وجعلنا لهم لسان صدق عليا} 8/أيعني ثناء حسنا رفيعا في كل أهل الأديان، فكلهم يتولونهم، ويثنون عليهم. قوله عز وجل {واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا} غير مراء أخلص العبادة والطاعة لله عز وجل وقرأ أهل الكوفة " مخلصا " بفتح اللام أي: مختارا اختاره الله عز وجل وقيل: أخلصه الله من الدنس. {وكان رسولا نبيا} {وناديناه من جانب الطور الأيمن} يعني: يمين موسى والطور: جبل بين مصر ومدين. ويقال: اسمه "الزبير" وذلك حين أقبل من مدين ورأى النار فنودي "يا موسى إني أنا الله رب العالمين" (القصص:30) . {وقربناه نجيا} أي" مناجيا، فالنجي المناجي، كما يقال: جليس ونديم. قال ابن عباس: معناه: قربه فكلمه، ومعنى التقريب: إسماعه كلامه. وقيل: رفعه على الحجب حتى سمع صرير القلم . {ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا } {ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا} وذلك حين دعا موسى فقال: "واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي" (طه:29-30) فأجاب الله دعاءه وأرسل هارون، ولذلك سماه هبة له . قوله عز وجل: {واذكر في الكتاب إسماعيل} وهو إسماعيل بن إبراهيم جد النبي صلى الله عليه وسلم {إنه كان صادق الوعد} قال مجاهد: لم يعد شيئا إلا وفى به. وقال مقاتل: وعد رجلا أن يقيم مكانه حتى يرجع إليه الرجل، فأقام إسماعيل مكانه ثلاثة أيام للميعاد حتى رجع إليه الرجل. وقال الكلبي: انتظره حتى حال عليه الحول . {وكان رسولا} إلى جرهم {نبيا} مخبرا عن الله عز وجل. {وكان يأمر أهله} أي: قومه وقيل: أهله وجميع أمته {بالصلاة والزكاة} قال ابن عباس: يريد التي افترضها الله تعالى عليهم، وهي الحنيفية التي افترضت علينا، {وكان عند ربه مرضيا} قائما بطاعته. قيل: رضيه الله عز وجل لنبوته ورسالته. قوله عز وجل {واذكر في الكتاب إدريس} وهو جد أبي نوح واسمه "أخنوخ" سمي إدريس لكثرة درسه الكتب. وكان خياطا وهو أول من خط بالقلم، وأول من خاط الثياب، ولبس المخيط، وكانوا من قبله يلبسون الجلود، وأول من اتخذ السلاح، وقاتل الكفار وأول من نظر في علم النجوم والحساب، {إنه كان صديقا نبيا} {ورفعناه مكانا عليا } {ورفعناه مكانا عليا} قيل: يعني الجنة. وقيل: هي الرفعة بعلو الرتبة في الدنيا. وقيل: هو أنه رفع إلى السماء الرابعة .

Bölüm V05/P237–V05/P239

روى أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى إدريس في السماء الرابعة ليلة المعراج . وكان سبب رفع إدريس [إلى السماء] على ما قاله كعب وغيره: أنه سار ذات يوم في حاجة فأصابه وهج الشمس فقال: يا رب أنا مشيت يوما فكيف بمن يحملها مسيرة خمسمائة عام في يوم واحد! اللهم خفف عنه من ثقلها وحرها فلما أصبح الملك وجد من خفة الشمس وحرها ما لم يعرف فقال يا رب ما الذي قضيت فيه؟ فقال: إن عبدي إدريس سألني أن أخفف عنك حملها وحرها فأجبته، فقال: رب اجعل بيني وبينه خلة، فأذن له حتى أتى إدريس فكان يسأله إدريس فقال له: إني أخبرت أنك أكرم الملائكة وأمكنهم عند ملك الموت، فاشفع لي إليه ليؤخر أجلي فأزداد شكرا وعبادة، فقال الملك: لا يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها، وأنا مكلمه فرفعه إلى السماء ووضعه عند مطلع الشمس، ثم أتى ملك الموت فقال لي حاجة إليك؛ صديق لي من بني آدم تشفع بي إليك لتؤخر أجله، قال: ليس ذلك إلي ولكن إن أحببت أعلمته أجله فيقدم لنفسه قال: نعم فنظر في ديوانه فقال: إنك كلمتني في إنسان ما أراه يموت أبدا، قال: وكيف؟ قال: لا أجده يموت إلا عند مطلع الشمس قال فإني أتيتك وتركته هناك قال: فانطلق فلا أراك تجده إلا وقد مات فوالله ما بقي من أجل إدريس شيء فرجع الملك فوجده ميتا . واختلفوا في أنه حي في السماء أم ميت؟ فقال قوم: هو ميت وقال قوم: هو حي وقالوا: أربعة من الأنبياء في الأحياء اثنان في الأرض: الخضر وإلياس واثنان في السماء: إدريس وعيسى. وقال وهب: كان يرفع لإدريس كل يوم من العبادة مثل ما يرفع لجميع أهل الأرض في زمانه فعجب منه الملائكة واشتاق إليه ملك الموت، فاستأذن ربه عز وجل في زيارته، فأذن له فأتاه في صورة بني آدم وكان إدريس يصوم الدهر فلما كان وقت إفطاره دعاه إلى طعامه فأبى أن يأكل معه، ففعل ذلك ثلاث ليال فأنكره إدريس، فقال له الليلة الثالثة: إني أريد أن أعلم من أنت؟ فقال: أنا ملك الموت استأذنت ربي أن أصحبك، قال: فلي إليك حاجة، قال: وما هي؟ قال: تقبض روحي، فأوحى الله إليه أن اقبض روحه فقبض روحه وردها الله إليه بعد ساعة، قال له ملك الموت: ما في سؤالك من قبض الروح؟ قال لأذوق كرب الموت وغمه لأكون أشد استعدادا له، ثم قال إدريس له: إن لي إليك حاجة أخرى، قال: وما هي؟ قال: ترفعني إلى السماء لأنظر إليها وإلى الجنة والنار، فأذن الله في رفعه، فلما قرب من النار قال لي حاجة أخرى، قال: وما تريد؟ قال: تسأل مالكا حتى يفتح لي أبوابها فأردها ففعل، ثم قال: فما أريتني النار فأرني الجنة. فذهب به إلى الجنة فاستفتح فأوحى الله إليه أن اقبض روحه، فقبض روحه وردها الله إليه بعد ساعة، قال له ملك الموت: ما في ففتحت أبوابها فأدخله الجنة، ثم قال ملك الموت: اخرج لتعود إلى مقرك، فتعلق بشجرة وقال: لا أخرج منها، فبعث الله ملكا حكيما بينهما فقال له الملك: ما لك لا تخرج؟ قال: لأن الله تعالى قال: "كل نفس ذائقة الموت" (آل عمران:185) وقد ذقته، وقال: "وإن منكم إلا واردها" (مريم:71) ، وقد وردتها، وقال: "وما هم منها بمخرجين" (الحجر:48) فلست أخرج، فأوحى الله إلى ملك الموت بإذني دخل الجنة وبأمري لا يخرج فهو حي هناك، ذلك قوله تعالى: {ورفعناه مكانا عليا} . {أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا } {أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم} أي: إدريس ونوحا {وممن حملنا مع نوح} أي: ومن ذرية من حملنا مع نوح في السفينة، يريد إبراهيم؛ لأنه ولد من سام بن نوح {ومن ذرية إبراهيم} يريد إسماعيل وإسحاق ويعقوب.

Bölüm V05/P239–V05/P242

قوله: {وإسرائيل} أي: ومن ذرية إسرائيل وهم موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى. قوله: {وممن هدينا واجتبينا} هؤلاء كانوا ممن أرشدنا واصطفينا {إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا} "سجدا": جمع ساجد "وبكيا": جمع باك أخبر الله أن الأنبياء كانوا إذا سمعوا بآيات الله سجدوا وبكوا. {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا } قوله عز وجل: {فخلف من بعدهم خلف} 8/ب أي: من بعد النبيين المذكورين خلف وهم قوم سوء، "والخلف" -بالفتح-الصالح، وبالجزم الطالح . قال السدي: أراد بهم اليهود ومن لحق بهم. وقال مجاهد وقتادة: هم في هذه الأمة . {أضاعوا الصلاة} تركوا الصلاة المفروضة . وقال ابن مسعود وإبراهيم: أخروها عن وقتها. وقال سعيد بن المسيب: هو أن لا يصلي الظهر حتى يأتي العصر، ولا العصر حتى تغرب الشمس . {واتبعوا الشهوات} أي المعاصي وشرب الخمر، يعني آثروا شهوات أنفسهم على طاعة الله. وقال مجاهد: هؤلاء قوم يظهرون في آخر الزمان ينزو بعضهم على بعض في الأسواق والأزقة. {فسوف يلقون غيا} قال وهب: "الغي" نهر في جهنم بعيد قعره خبيث طعمه. وقال ابن عباس: "الغي" واد في جهنم وإن أودية جهنم لتستعيذ من حره أعد للزاني المصر عليه ولشارب الخمر المدمن عليها ولآكل الربا الذي لا ينزع عنه ولأهل العقوق ولشاهد الزور . وقال عطاء: "الغي": واد في جهنم يسيل قيحا ودما. وقال كعب: هو واد في جهنم أبعدها قعرا، وأشدها حرا في بئر تسمى "الهيم" كلما خبت جهنم فتح الله تلك البئر فيسعر بها جهنم . أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي توبة أخبرنا محمد بن أحمد الحارثي أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي أخبرنا عبد الله بن محمود أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال وأخبرنا عبد الله بن المبارك عن هشيم بن بشير أخبرنا زكريا بن أبي مريم الخزاعي قال: سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: "إن ما بين شفير جهنم إلى قعرها مسيرة سبعين خريفا من حجر يهوي أو قال صخرة تهوي عظمها كعشر عشروات عظام سمان فقال له مولى لعبد الرحمن بن خالد بن الوليد: هل تحت ذلك شيء يا أبا أمامة؟ قال: نعم غي وآثام" . وقال الضحاك: غيا وخسرانا. وقيل: هلاكا. وقيل: عذابا . وقوله: {فسوف يلقون غيا} ليس معناه يرون فقط، بل معناه الاجتماع والملابسة مع الرؤية. {إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا } {إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا} . {جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب} ولم يروها {إنه كان وعده مأتيا} يعني: آتيا مفعول بمعنى فاعل. وقيل: لم يقل آتيا لأن كل من أتاك فقد أتيته والعرب لا تفرق بين قول القائل: أتت علي خمسون سنة وبين قوله: أتيت على خمسين سنة ويقول: وصل إلي الخير ووصلت إلى الخير. وقال ابن جرير: "وعده" أي: موعده وهو الجنة "مأتيا" يأتيه أولياؤه [أهل الجنة] وأهل طاعته . {لا يسمعون فيها} في الجنة {لغوا} باطلا وفحشا وفضولا من الكلام. وقال مقاتل: هو اليمين الكاذبة. {إلا سلاما} استثناء من غير جنسه يعني: بل يسمعون فيها سلاما أي: قولا يسلمون منه "والسلام" اسم جامع للخير لأنه يتضمن السلامة. معناه: أن أهل الجنة لا يسمعون ما يؤثمهم إنما يسمعون ما يسلمهم. وقيل: هو تسليم بعضهم على بعض وتسليم الملائكة عليهم. وقيل: هو تسليم الله عليهم. {ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا} قال أهل التفسير: ليس في الجنة ليل يعرف به البكرة والعشي بل هم في نور أبدا ولكنهم يأتون بأرزاقهم على مقدار طرفي النهار. وقيل: إنهم يعرفون وقت النهار برفع الحجب ووقت الليل بإرخاء الحجب. وقيل: المراد منه رفاهية العيش وسعة الرزق من غير تضييق. وكان الحسن البصري يقول: كانت العرب لا تعرف من العيش أفضل من الرزق بالبكرة والعشي فوصف الله عز وجل جنته بذلك .

Bölüm V05/P242–V05/P244

{تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا } {تلك الجنة التي نورث من عبادنا} أي: نعطي وننزل. وقيل: يورث عباده المؤمنين المساكن التي كانت لأهل النار لو آمنوا {من كان تقيا} أي: المتقين من عباده. قوله عز وجل: {وما نتنزل إلا بأمر ربك} أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا خلاد بن يحيى أخبرنا عمر بن ذر قال: سمعت أبي يحدث عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا جبريل ما يمنعك أن تزورنا" فنزلت: {وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا} الآية. قال: كان هذا الجواب لمحمد صلى الله عليه وسلم" . وقال عكرمة والضحاك وقتادة ومقاتل والكلبي: احتبس جبريل عن النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله قومه عن أصحاب الكهف وذي القرنين والروح فقال: أخبركم غدا ولم يقل: إن شاء الله حتى شق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم ثم نزل بعد أيام فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أبطأت علي حتى ساء ظني واشتقت إليك" فقال له جبريل: إني كنت أشوق ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت وإذا حبست احتبست فأنزل الله: {وما نتنزل إلا بأمر ربك} وأنزل: "والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى" . {له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك} أي: له علم ما بين أيدينا. واختلفوا فيه: فقال سعيد بن جبير وقتادة ومقاتل: {ما بين أيدينا} من أمر الآخرة والثواب والعقاب {وما خلفنا} ما مضى من الدنيا {وما بين ذلك} ما يكون من هذا الوقت إلى قيام الساعة . وقيل {ما بين أيدينا} ما بقي من الدنيا {وما خلفنا} ما مضى منها {وما بين ذلك} أي: ما بين النفختين وبينهما أربعون سنة. وقيل: {ما بين أيدينا} ما بقي من الدنيا {وما خلفنا} ما مضى منها {وما بين ذلك} مدة حياتنا. وقيل: {ما بين أيدينا} بعد أن نموت {وما خلفنا} قبل أن نخلق {وما بين ذلك} مدة الحياة . وقيل: {ما بين أيدينا} الأرض إذا أردنا النزول إليها {وما خلفنا} السماء إذا نزلنا منها {وما بين ذلك} الهواء يريد: أن ذلك كله لله عز وجل فلا نقدر على شيء إلا بأمره. {وما كان ربك نسيا} أي: ناسيا يقول: ما نسيك ربك أي: ما تركك والناسي التارك. {رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا } {رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته} أي: اصبر على أمره ونهيه {هل تعلم له سميا} قال ابن عباس رضي الله عنهما: مثلا . وقال الكلبي: هل تعلم أحدا يسمى "الله" غيره ؟ {ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا } قوله عز وجل: {ويقول الإنسان} يعني: أبي بن خلف الجمحي كان منكرا للبعث قال: {أئذا ما مت لسوف أخرج حيا} قاله استهزاء وتكذيبا للبعث. قال الله عز وجل {أولا يذكر} أي يتذكر ويتفكر وقرأ نافع وابن عامر وعاصم ويعقوب " يذكر " خفيف {الإنسان} يعني: أبي بن خلف {أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا} أي: لا يتفكر هذا الجاحد في بدء خلقه فيستدل به على الإعادة ثم أقسم بنفسه فقال: {فوربك لنحشرنهم} لنجمعنهم في المعاد يعني: المشركين المنكرين للبعث {والشياطين} مع الشياطين وذلك أنه يحشر كل كافر مع شيطانه في سلسلة {ثم لنحضرنهم حول جهنم} قيل في جهنم 9/أ {جثيا} قال ابن عباس رضي الله عنه: جماعات جمع جثوة. وقال الحسن والضحاك: جمع "جاث" أي: جاثين على الركب.

Bölüm V05/P244–V05/P247

قال السدي: قائمين على الركب لضيق المكان. {ثم لننزعن} لنخرجن {من كل شيعة} أي: من كل أمة وأهل دين من الكفار {أيهم أشد على الرحمن عتيا} عتوا، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني جرأة. وقال مجاهد: فجورا، يريد: الأعتى فالأعتى. وقال الكلبي: قائدهم ورأسهم في الشر يريد أنه يقدم في إدخال من هو أكبر جرما وأشد كفرا. في بعض الآثار: أنهم يحشرون جميعا حول جهنم مسلسلين مغلولين ثم يقدم الأكفر فالأكفر. ورفع {أيهم} على معنى: الذي يقال لهم: أيهم أشد على الرحمن عتيا. وقيل: على الاستئناف ثم لننزعن [يعمل في موضع "من كل شيعة"] . {ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا } {ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا} أي: أحق بدخول النار يقال: صلي يصلى صليا، مثل: لقي يلقى لقيا وصلى يصلي صليا، مثل: مضى يمضي مضيا إذا دخل النار وقاسى حرها. قوله عز وجل: {وإن منكم إلا واردها} وما منكم إلا واردها وقيل: القسم فيه مضمر، أي: والله ما منكم من أحد إلا واردها، والورود هو موافاة المكان. واختلفوا في معنى الورود هاهنا، وفيما تنصرف إليه الكناية في قوله: {واردها} قال ابن عباس رضي الله عنهما وهو قول الأكثرين؛ معنى الورود هاهنا هو الدخول والكناية راجعة إلى النار وقالوا: النار يدخلها البر والفاجر ثم ينجي الله المتقين فيخرجهم منها. والدليل على أن الورود هو الدخول: قول الله عز وجل حكاية عن فرعون: "يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار" (هود:98) . وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار أن نافع بن الأزرق مارى ابن عباس رضي الله عنهما في الورود فقال ابن عباس رضي الله عنهما: هو الدخول. وقال نافع: ليس الورود الدخول، فتلا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قوله تعالى: "إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون" (الأنبياء:98) أدخلها هؤلاء أم لا؟ ثم قال: يا نافع أما والله أنت وأنا سنردها وأنا أرجو أن يخرجني الله منها وما أرى الله عز وجل أن يخرجك منها بتكذيبك . وقال قوم: ليس المراد من الورود الدخول، وقالوا النار لا يدخلها مؤمن أبدا لقوله تعالى: "إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها" (الأنبياء:101-102) وقالوا: كل من دخلها لا يخرج منها. والمراد من قوله: {وإن منكم إلا واردها} الحضور والرؤية، لا الدخول كما قال الله تعالى: "ولما ورد ماء مدين" (القصص:23) أراد به الحضور . وقال عكرمة: الآية في الكفار فإنهم يدخلونها ولا يخرجون منها . وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: {وإن منكم إلا واردها} يعني: القيامة والكناية راجعة إليها. والأول أصح وعليه أهل السنة أنهم جميعا يدخلون النار ثم يخرج الله عز وجل منها أهل الإيمان بدليل قوله تعالى: {ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا } {ثم ننجي الذين اتقوا} أي اتقوا الشرك وهم المؤمنون. والنجاة إنما تكون مما دخلت فيه . وقرأ الكسائي ويعقوب: " ننجي " بالتخفيف. والآخرون: بالتشديد. والدليل على هذا: ما أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي أخبرنا عبد الرحيم بن منيب أخبرنا سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فيلج النار إلا تحلة القسم" . وأراد بالقسم قوله: {وإن منكم إلا واردها}

Bölüm V05/P247–V05/P249

أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا مسلم بن إبراهيم أخبرنا هشام أخبرنا قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير" وقال أبان عن قتادة: "من إيمان" مكان "خير". أخبرنا أبو المظفر محمد بن إسماعيل بن علي الشجاعي أخبرنا أبو نصر النعمان بن محمد بن محمود الجرجاني أخبرنا أبو عثمان عمرو بن عبد الله البصري أخبرنا محمد بن عبد الوهاب أخبرنا محمد بن الفضل أبو النعمان أخبرنا سلام بن مسكين أخبرنا أبو الظلال عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أن رجلا في النار ينادي ألف سنة يا حنان يا منان فيقول الله عز وجل لجبريل: اذهب فائتني بعبدي هذا قال: فذهب جبريل فوجد أهل النار منكبين يبكون قال: فرجع فأخبر ربه عز وجل قال اذهب فإنه في موضع كذا وكذا قال: فجاء به قال: يا عبدي كيف وجدت مكانك ومقيلك؟ قال: يا رب شر مكان وشر مقيل قال، ردوا عبدي قال: ما كنت أرجو أن تعيدني إليها إذ أخرجتني منها قال الله تعالى لملائكته دعوا عبدي" . وأما قوله عز وجل: "لا يسمعون حسيسها" (الأنبياء:102) قيل: إن الله عز وجل أخبر عن وقت كونهم في الجنة أنهم لا يسمعون حسيسها فيجوز أن يكونوا قد سمعوا ذلك قبل دخولهم الجنة لأنه لم يقل: لم يسمعوا حسيسها ويجوز أن لا يسمعوا حسيسها عند دخولهم إياها لأن الله عز وجل يجعلها عليهم بردا وسلاما. وقال خالد بن معدان: يقول أهل الجنة ألم يعدنا ربنا أن نرد النار؟ فيقال بلى ولكنكم مررتم بها وهي خامدة . وفي الحديث: تقول النار للمؤمن: "جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي" . وروي عن مجاهد في قوله عز وجل: {وإن منكم إلا واردها} قال: من حم من المسلمين فقد وردها . وفي الخبر: "الحمى كير من جهنم وهي حظ المؤمن من النار" . أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا محمد بن المثنى أخبرنا يحيى عن هشام أخبرني أبي عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء" . {كان على ربك حتما مقضيا} أي: كان ورودكم جهنم حتما لازما {مقضيا} قضاه الله عليكم. {ثم ننجي الذين اتقوا} أي اتقوا الشرك وقرأ الكسائي " ننجي " بالتخفيف والباقون بالتشديد {ونذر الظالمين فيها جثيا} جميعا. وقيل: جاثين على الركب وفيه دليل على أن الكل دخلوها ثم أخرج الله منها المتقين وترك فيها الظالمين وهم المشركون. أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري أخبرني سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد الليثي

Bölüm V05/P249

أن أبا هريرة أخبرهما أن الناس قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: "هل تضارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب" قالوا: لا يا رسول الله قال: "فهل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب" قالوا: لا قال: فإنكم ترونه كذلك يحشر الناس يوم القيامة فيقول: من كان يعبد شيئا فليتبعه فمنهم من يتبع الشمس ومنهم من يتبع القمر ومنهم من يتبع الطواغيت وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله عز وجل فيقول: أنا ربكم فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه فيأتيهم الله فيقول: 9/ب أنا ربكم فيقولون: أنت ربنا فيدعوهم ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل وكلام الرسل يومئذ اللهم سلم سلم وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان هل رأيتم شوك السعدان؟ قالوا: نعم قال: فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله تخطف الناس بأعمالهم فمنهم من يوبق بعمله ومنهم من يجردل ثم ينجو حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار أمر الله الملائكة أن يخرجوا من كان يعبد الله فيخرجونهم ويعرفونهم بآثار السجود وحرم الله على النار أن تأكل أثر السجود فيخرجون من النار فكل ابن آدم تأكله النار إلا أثر السجود فيخرجون من النار قد امتحشوا فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد ويبقى رجل بين الجنة والنار وهو آخر أهل النار دخولا الجنة مقبل بوجهه قبل النار فيقول: يا رب اصرف وجهي عن النار قد قشبني ريحها وأحرقني ذكاؤها فيقول: هل عسيت إن فعلت ذلك بك أن تسأل غير ذلك؟ فيقول: لا وعزتك. فيعطي الله ما شاء الله من عهد وميثاق فيصرف الله وجهه عن النار فإذا أقبل به على الجنة رأى بهجتها سكت ما شاء الله أن يسكت ثم قال: يا رب قدمني عند باب الجنة فيقول الله تبارك وتعالى: أليس قد أعطيت العهود والميثاق أن لا تسأل غير الذي كنت سألت فيقول: يا رب لا أكون أشقى خلقك فيقول: فما عسيت إن أعطيت ذلك أن تسأل غيره؟ فيقول: لا وعزتك لا أسألك غير ذلك فيعطي ربه ما شاء من عهد وميثاق فيقدمه إلى باب الجنة فإذا بلغ بابها فرأى زهرتها وما فيها من النضرة والسرور فسكت ما شاء الله أن يسكت فيقول يا رب أدخلني الجنة فيقول الله تعالى: ويلك يا ابن آدم ما أغدرك أليس قد أعطيت العهود والميثاق أن لا تسأل غير الذي أعطيت؟ فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك فيضحك الله منه ثم يأذن له في دخول الجنة فيقول: تمن فيتمنى حتى إذا انقطع [ص: 251] أمنيته قال الله تعالى: تمن كذا وكذا أقبل يذكره ربه حتى إذا انتهت به الأماني قال الله تعالى: لك ومثله معه. قال أبو سعيد لأبي هريرة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله تعالى لك ذلك وعشرة أمثاله" قال أبو هريرة لم أحفظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قوله: لك ذلك ومثله معه. قال أبو سعيد إني سمعته يقول: "ذلك لك وعشرة أمثاله" . ورواه محمد بن إسماعيل عن محمود بن غيلان أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن عطاء بن يزيد عن أبي هريرة بمعناه وقال: فيأتيهم الله عز وجل في غير الصورة التي يعرفون فيقول: أنا ربكم فيقولون: نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا آتانا ربنا عرفناه فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول: أنا ربكم فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه .

Bölüm V05/P249–V05/P252

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين الحيري أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي أخبرنا محمد بن حماد أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يعذب أناس من أهل التوحيد في النار حتى يكونوا حمما ثم تدركهم الرحمة قال: فيخرون فيطرحون على أبواب الجنة قال: فيرش عليهم أهل الجنة الماء فينبتون كما تنبت القثاء في حمالة السيل ثم يدخلون الجنة" . أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي أخبرنا أبو سعيد الهيثم بن كليب أخبرنا أبو عيسى الترمذي أخبرنا هناد بن السري أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن عبيدة السلماني عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأعرف آخر أهل النار خروجا من النار رجل يخرج منها زحفا فيقال له: انطلق فادخل الجنة قال فيذهب ليدخل الجنة فيجد الناس قد أخذوا المنازل فيرجع فيقول: يا رب قد أخذ الناس المنازل فيقال: أتذكر الزمان الذي كنت فيه؟ فيقول: نعم فيقال له: تمن فيتمنى فيقال له: فإن لك الذي تمنيته وعشرة أضعاف الدنيا قال فيقول: أتسخر بي وأنت الملك؟ قال: فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه" . أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي أخبرنا محمد بن حماد أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن أم مبشر عن حفصة أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأرجو أن لا يدخل النار إن شاء الله أحد شهد بدرا والحديبية" قال: قلت يا رسول الله أليس قد قال الله تعالى: {وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا} قال: أفلم تسمعيه يقول: {ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا} . {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا } قوله عز وجل: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات} واضحات {قال الذين كفروا} يعني: النضر بن الحارث وذويه من قريش {للذين آمنوا} يعني فقراء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكانت فيهم قشافة وفي عيشهم خشونة وفي ثيابهم رثاثة وكان المشركون يرجلون شعورهم ويدهنون رءوسهم ويلبسون حرير ثيابهم فقالوا للمؤمنين: {أي الفريقين خير مقاما} منزلا ومسكنا [وهو موضع الإقامة. وقرأ ابن كثير: " مقاما " بضم الميم أي إقامة] . {وأحسن نديا} أي مجلسا ومثله النادي فأجابهم الله تعالى فقال: {وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا} أي متاعا وأموالا. وقال مقاتل: لباسا وثيابا {ورئيا} قرأ أكثر القراء بالهمز أي: منظرا من "الرؤية" وقرأ ابن عامر وأبو جعفر ونافع غير ورش: "وريا" مشددا بغير همز وله تفسيران: أحدهما هو الأول بطرح الهمز والثاني: من الري الذي هو ضد العطش ومعناه: الارتواء من النعمة فإن المتنعم يظهر فيه ارتواء النعمة والفقير يظهر عليه ذيول الفقر. {قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا ويزيد الله الذين اهتدوا هدى والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا } {أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا }

Bölüm V05/P252–V05/P254

{قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا} هذا أمر بمعنى الخبر معناه: يدعه في طغيانه ويمهله في كفره {حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب} وهو الأسر والقتل في الدنيا {وإما الساعة} يعني: القيامة فيدخلون النار {فسيعلمون} عند ذلك {من هو شر مكانا} منزلا {وأضعف جندا} أقل ناصرا أهم أم المؤمنون؟ لأنهم في النار والمؤمنون في الجنة وهذا رد عليهم في قوله {أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا} قوله عز وجل: {ويزيد الله الذين اهتدوا هدى} أي إيمانا وإيقانا على يقينهم 10/أ {والباقيات الصالحات} الأذكار والأعمال الصالحة التي تبقى لصاحبها {خير عند ربك ثوابا وخير مردا} عاقبة ومرجعا. قوله عز وجل: {أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا} أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عمرو بن حفص أخبرنا أبي أخبرنا الأعمش بن مسلم عن مسروق حدثنا خباب قال: كنت قينا فعملت للعاص بن وائل فاجتمع مالي عنده فأتيته أتقاضاه فقال لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد فقلت: أما والله حتى تموت ثم تبعث فلا قال: وإني لميت ثم مبعوث؟ قلت: نعم قال: فإنه سيكون لي ثم مال وولد فأقضيك فأنزل الله عز وجل: {أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا} . قوله عز وجل: {أطلع الغيب} قال ابن عباس: أنظر في اللوح المحفوظ؟ وقال مجاهد: أعلم علم الغيب حتى يعلم أفي الجنة هو أم لا؟ {أم اتخذ عند الرحمن عهدا} يعني قال لا إله إلا الله وقال قتادة: يعني عملا صالحا قدمه. وقال الكلبي: أعهد إليه أن يدخل الجنة؟ {كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا ونرثه ما يقول ويأتينا فردا واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا } {كلا} رد عليه يعني: لم يفعل ذلك {سنكتب} سنحفظ عليه {ما يقول} [فنجازيه به في الآخرة. وقيل: نأمر به الملائكة حتى يكتبوا ما يقول] . {ونمد له من العذاب مدا} أي: نزيده عذابا فوق العذاب. وقيل: نطيل مدة عذابه. {ونرثه ما يقول} أي ما عنده من المال والولد بإهلاكنا إياه وإبطال ملكه وقوله ما يقول لأنه زعم أن له مالا وولدا "في الآخرة" أي لا نعطيه ونعطي غيره فيكون الإرث راجعا إلى ما تحت القول لا إلى نفس القول. وقيل: معنى قوله: {ونرثه ما يقول} أي: نحفظ ما يقول حتى نجازيه به. {ويأتينا فردا} يوم القيامة بلا مال ولا ولد. قوله عز وجل: {واتخذوا من دون الله آلهة} يعني: مشركي قريش اتخذوا الأصنام آلهة يعبدونها {ليكونوا لهم عزا} أي منعة حتى يكونوا لهم شفعاء يمنعونهم من العذاب. {كلا} أي ليس الأمر كما زعموا {سيكفرون بعبادتهم} أي تجحد الأصنام والآلهة التي كانوا يعبدونها عبادة المشركين ويتبرؤون منهم كما أخبر الله تعالى "تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون" (القصص:63) . {ويكونون عليهم ضدا} أي أعداء لهم وكانوا أولياءهم في الدنيا. وقيل: أعوانا عليهم يكذبونهم ويلعنونهم. قوله عز وجل: {ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين} أي سلطناهم عليهم وذلك حين قال لإبليس: "واستفزز من استطعت منهم بصوتك" الآية (الإسراء-64) } {تؤزهم أزا} تزعجهم إزعاجا من الطاعة إلى المعصية "والأز" "والهز": التحريك أي: تحركهم وتحثهم على المعاصي. {فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا } {فلا تعجل عليهم} أي لا تعجل بطلب عقوبتهم {إنما نعد لهم عدا} قال الكلبي: يعني الليالي والأيام والشهور والأعوام. وقيل: الأنفاس التي يتنفسون بها في الدنيا إلى الأجل الذي أجل لعذابهم. قوله عز وجل {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا} أي: اذكر لهم يا محمد اليوم الذي يجمع فيه من اتقى الله في الدنيا بطاعته إلى الرحمن إلى جنته وفدا أي: جماعات جمع "وافد" مثل: راكب وركب وصاحب وصحب.

Bölüm V05/P254–V05/P257

وقال ابن عباس: ركبانا. وقال أبو هريرة: على الإبل. وقال علي بن أبي طالب: ما يحشرون والله على أرجلهم، ولكن على نوق رحالها الذهب ونجائب سرجها يواقيت إن هموا بها سارت وإن هموا بها طارت . {ونسوق المجرمين} الكافرين {إلى جهنم وردا} أي مشاة. وقيل: عطاشا قد تقطعت أعناقهم من العطش. "والورد" جماعة يردون الماء ولا يرد أحد الماء إلا بعد عطش. {لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا} يعني لا إله إلا الله. وقيل: معناه لا يشفع الشافعون إلا لمن اتخذ عند الرحمن عهدا يعني: المؤمنين كقوله: "لا يشفعون إلا لمن ارتضى" (الأنبياء:28) . وقيل: لا يشفع إلا من شهد أن لا إله إلا الله أي لا يشفع إلا المؤمن . {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا } {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا} يعني اليهود والنصارى ومن زعم أن الملائكة بنات الله. وقرأ حمزة والكسائي " ولدا " بضم الواو وسكون اللام ها هنا وفي الزخرف وسورة نوح ووافق ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب في سورة نوح والباقون بفتح الواو واللام. وهما لغتان مثل: العرب والعرب والعجم والعجم. {لقد جئتم شيئا إدا} قال ابن عباس منكرا. وقال قتادة ومجاهد: عظيما. وقال مقاتل: لقد قلتم قولا عظيما. "والإد" في كلام العرب: أعظم الدواهي . {تكاد السماوات} قرأ نافع " يكاد " بالياء هاهنا وفي حم عسق لتقدم الفعل وقرأ الباقون بالتاء لتأنيث السموات {يتفطرن منه} هاهنا وفي "حمعسق" بالنون من الانفطار أبو عمرو وأبو بكر ويعقوب وافق ابن عامر وحمزة هاهنا لقوله تعالى: "إذا السماء انفطرت" (الانفطار:1) و"السماء منفطر" (المزمل:18) وقرأ الباقون بالتاء من التفطر ومعناهما واحد يقال: انفطر الشيء وتفطر أي تشقق. {وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا} أي: تنكسر كسرا. وقيل: {وتنشق الأرض} أي: تنخسف بهم "والانفطار" في السماء: أن تسقط عليهم {وتخر الجبال هدا} أي تنطبق عليهم. {أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا } {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا } {أن دعوا} أي من أجل أن جعلوا {للرحمن ولدا} قال ابن عباس وكعب: فزعت السموات والأرض والجبال وجميع الخلائق إلا الثقلين وكادت أن تزول وغضبت الملائكة واستعرت جهنم حين قالوا: اتخذ الله ولدا . ثم نفى الله عن نفسه الولد فقال: {وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا} أي ما يليق به اتخاذ الولد ولا يوصف به. {إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن} أي إلا آتيه يوم القيامة {عبدا} ذليلا خاضعا يعني: أن الخلق كلهم عبيده. {لقد أحصاهم وعدهم عدا} أي: عد أنفاسهم وأيامهم وآثارهم فلا يخفى عليه شيء. {وكلهم آتيه يوم القيامة فردا} وحيدا ليس معه من الدنيا شيء. قوله عز وجل: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا} أي: محبة. قال مجاهد: يحبهم الله ويحببهم إلى عباده المؤمنين. أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداوودي أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى بن الصلت أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا أحب الله العبد قال لجبرائيل: قد أحببت فلانا فأحبه فيحبه جبرائيل ثم ينادي في أهل السماء: إن الله عز وجل قد أحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض وإذا أبغض العبد". قال مالك: لا أحسبه إلا قال في البغض مثل ذلك . قال هرم بن حيان: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله عز وجل إلا أقبل الله بقلوب أهل الإيمان إليه حتى يرزقه مودتهم .

Bölüm V05/P257–V05/P263

{فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا } قوله عز وجل: {فإنما يسرناه بلسانك} أي سهلنا القرآن بلسانك يا محمد {لتبشر به المتقين} يعني المؤمنين {وتنذر به قوما لدا} شدادا في الخصومة جمع "الألد". وقال الحسن: صما عن الحق . قال مجاهد: 10/ب "الألد": الظالم الذي لا يستقيم . قال أبو عبيدة: "الألد" الذي لا يقبل الحق ويدعي الباطل. {وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس} هل ترى وقيل هل تجد {منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا} أي صوتا "والركز": الصوت الخفي قال الحسن: بادوا جميعا فلم يبق منهم عين ولا أثر . سورة طه مكية بسم الله الرحمن الرحيم {طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أخبرنا ابن أبي أويس، حدثني أبي عن أبي بكر الهذلي، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أعطيت السورة التي ذكرت فيها البقرة من الذكر الأول، وأعطيت طه والطواسين من ألواح موسى، وأعطيت فواتح القرآن وخواتيم السورة التي ذكرت فيها البقرة من تحت العرش، وأعطيت المفصل نافلة" . {طه} قرأ أبو عمرو بفتح الطاء وكسر الهاء، وبكسرهما حمزة والكسائي وأبو بكر، والباقون بفتحهما. قيل: هو قسم . وقيل: اسم من أسماء الله تعالى . وقال مجاهد، والحسن، وعطاء، والضحاك: معناه يا رجل. وقال قتادة: هو يا رجل بالسريانية. وقال الكلبي: هو يا إنسان بلغة عك . وقال مقاتل بن حيان: معناه طإ الأرض بقدميك، يريد: في التهجد . وقال محمد بن كعب القرظي: أقسم الله عز وجل بطوله وهدايته . قال سعيد بن جبير: الطاء افتتاح اسمه الطاهر، والهاء افتتاح اسمه هاد . وقال الكلبي: لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي بمكة اجتهد في العبادة حتى كان يراوح بين قدميه في الصلاة لطول قيامه، وكان يصلي الليل كله، فأنزل الله هذه الآية وأمره أن يخفف على نفسه فقال: {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} وقيل: لما رأى المشركون اجتهاده في العبادة قالوا ما أنزل عليك القرآن يا محمد إلا لشقائك، فنزلت {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} أي لتتعنى وتتعب، وأصل الشقاء في اللغة العناء. {إلا تذكرة لمن يخشى تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلا الرحمن على العرش استوى له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى } {إلا تذكرة لمن يخشى} [أي لكن أنزلناه عظة لمن يخشى. وقيل: تقديره ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ما أنزلناه إلا تذكرة لمن يخشى] . {تنزيلا} بدل من قوله "تذكرة" {ممن خلق الأرض} أي: من الله الذي خلق الأرض، {والسماوات العلا} يعني: العالية الرفيعة، وهي جمع العليا كقوله: كبرى وكبر، وصغرى وصغر. {الرحمن على العرش استوى} . {له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما} يعني الهواء، {وما تحت الثرى} والثرى هو: التراب الندي. قال الضحاك: يعني ما وراء الثرى من شيء. وقال ابن عباس: إن الأرضين على ظهر النون، والنون على بحر، ورأسه وذنبه يلتقيان تحت العرش، والبحر على صخرة خضراء، خضرة السماء منها، وهي الصخرة التي ذكر الله في قصة لقمان "فتكن في صخرة" والصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى، وما تحت الثرى لا يعلمه إلا الله عز وجل، وذلك الثور فاتح فاه فإذا جعل الله عز وجل البحار بحرا واحدا سالت في جوف ذلك الثور، فإذا وقعت في جوفه يبست . {وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى وهل أتاك حديث موسى } {وإن تجهر بالقول} [أي: تعلن به] {فإنه يعلم السر وأخفى} قال الحسن: "السر": ما أسر الرجل إلى غيره، "وأخفى" من ذلك: ما أسر من نفسه.

Bölüm V05/P263–V05/P265

وعن ابن عباس، وسعيد بن جبير: "السر" ما تسر في نفسك "وأخفى" من السر: ما يلقيه الله عز وجل في قلبك من بعد، ولا تعلم أنك ستحدث به نفسك، لأنك تعلم ما تسر به اليوم ولا تعلم ما تسر به غدا، والله يعلم ما أسررت اليوم وما تسر به غدا. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: "السر": ما أسر ابن آدم في نفسه، "وأخفى" ما خفي عليه مما هو فاعله قبل أن يعلمه. وقال مجاهد: "السر" العمل الذي تسرون من الناس، "وأخفى": الوسوسة. وقيل: "السر": هو العزيمة ["وأخفى": ما يخطر على القلب ولم يعزم عليه. وقال زيد بن أسلم: "يعلم السر] وأخفى": أي يعلم أسرار العباد، وأخفى سره من عباده، فلا يعلمه أحد . ثم وحد نفسه، فقال:. {الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى} قوله عز وجل: {وهل أتاك حديث موسى} أي: قد أتاك، استفهام بمعنى التقرير. {إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى فلما أتاها نودي يا موسى } {إذ رأى نارا} وذلك أن موسى استأذن شعيبا في الرجوع من مدين إلى مصر لزيارة والدته وأخته، فأذن له فخرج بأهله وماله، وكانت أيام الشتاء، وأخذ على غير الطريق مخافة ملوك الشام، وامرأته في سقمها، لا تدري أليلا أم نهارا. فسار في البرية غير عارف بطرقها، فألجأه المسير إلى جانب الطور الغربي الأيمن في ليلة مظلمة مثلجة شديدة البرد، وأخذ امرأته الطلق، فقدح زنده فلم يوره. وقيل: إن موسى كان رجلا غيورا فكان يصحب الرفقة بالليل ويفارقهم بالنهار، لئلا ترى امرأته، فأخطأ مرة الطريق في ليلة مظلمة شاتية، لما أراد الله عز وجل من كرامته، فجعل يقدح الزند فلا يوري، فأبصر نارا من بعيد عن يسار الطريق من جانب الطور، {فقال لأهله امكثوا} أقيموا، قرأ حمزة بضم الهاء هاهنا وفي القصص، {إني آنست} أي: أبصرت، {نارا لعلي آتيكم منها بقبس} شعلة من نار، والقبس قطعة من النار تأخذها في طرف عمود من معظم النار، {أو أجد على النار هدى} أي: أجد عند النار من يدلني على الطريق. {فلما أتاها} رأى شجرة خضراء من أسفلها [إلى أعلاها، أطافت بها نار بيضاء تتقد كأضوإ ما يكون، فلا ضوء النار يغير] خضرة الشجرة، ولا خضرة الشجرة تغير ضوء النار. قال ابن مسعود: كانت الشجرة سمرة خضراء. وقال قتادة، ومقاتل، والكلبي: كانت من العوسج. وقال وهب: كانت من العليق. وقيل: كانت شجرة العناب، روي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما . قال أهل التفسير: لم يكن الذي رآه موسى نارا بل كان نورا، ذكر بلفظ النار لأن موسى حسبه نارا. وقال أكثر المفسرين: إنه نور الرب عز وجل، وهو قول ابن عباس، وعكرمة، وغيرهما. وقال سعيد بن جبير: هي النار بعينها، وهي إحدى حجب الله تعالى، يدل عليه: ما روينا عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حجابه النار لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" . وفي القصة أن موسى أخذ شيئا من الحشيش اليابس وقصد الشجرة وكان كلما دنا نأت منه النار، وإذا نأى دنت، فوقف متحيرا، وسمع تسبيح الملائكة، وألقيت عليه السكينة . {إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى } {نودي يا موسى إني أنا ربك} قرأ أبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو، "أني" بفتح الألف، على معنى: نودي بأني. وقرأ الآخرون بكسر الألف، أي: نودي، فقيل: إني أنا ربك. قال وهب نودي من الشجرة، فقيل: يا موسى، فأجاب سريعا لا يدري من دعاه، فقال: إني أسمع صوتك ولا أرى مكانك فأين أنت؟ 11/أقال: أنا فوقك ومعك، وأمامك وخلفك، وأقرب إليك من نفسك، فعلم أن ذلك لا ينبغي إلا لله، فأيقن به . قوله عز وجل: {فاخلع نعليك} وكان السبب فيه ما روي عن ابن مسعود مرفوعا في قوله: {فاخلع نعليك} قال: كانتا من جلد حمار ميت. ويروى غير مدبوغ .

Bölüm V05/P265–V05/P268

وقال عكرمة ومجاهد: أمر بخلع النعلين ليباشر بقدمه تراب الأرض المقدسة، فيناله بركتها لأنها قدست مرتين، فخلعهما موسى وألقاهما من وراء الوادي . {إنك بالوادي المقدس} أي المطهر، {طوى} وطوى اسم الوادي، وقرأ أهل الكوفة والشام: " طوى " بالتنوين هاهنا وفي سورة النازعات، وقرأ الآخرون بلا تنوين لأنه معدول عن "طاو" فلما كان معدولا عن وجهه كان مصروفا عن إعرابه، مثل عمر، وزفر، وقال الضحاك: "طوى ": واد مستدير عميق مثل الطوي في استدارته. {وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى } {وأنا اخترتك} اصطفيتك برسالاتي، قرأ حمزة: "وأنا " مشددة النون، "اخترناك" على التعظيم. {فاستمع لما يوحى} إليك.:. {إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني} ولا تعبد غيري، {وأقم الصلاة لذكري} قال مجاهد: أقم الصلاة لتذكرني فيها، وقال مجاهد: إذا تركت الصلاة ثم ذكرتها، فأقمها. أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحين أخبرنا أبو عمرو بكر بن محمد المزني، أخبرنا أبو بكر بن محمد بن عبد الله الحفيد، أخبرنا الحسين بن الفضل البجلي، أخبرنا عفان، أخبرنا قتادة عن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك" ثم قال: سمعته يقول بعد ذلك: {وأقم الصلاة لذكري} {إن الساعة آتية أكاد أخفيها} قيل معناه إن الساعة آتية أخفيها. و"أكاد " صلة. وأكثر المفسرين قالوا: معناه: أكاد أخفيها من نفسي، وكذلك في مصحف أبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود: أكاد أخفيها من نفسي فكيف يعلمها مخلوق. وفي بعض القراءات: فكيف أظهرها لكم. وذكر ذلك على عادة العرب إذا بالغوا في كتمان الشيء يقولون: كتمت سرك من نفسي، أي: أخفيته غاية الإخفاء، والله عز اسمه لا يخفى عليه شيء. وقال الأخفش: أكاد: أي أريد، ومعنى الآية: أن الساعة آتية أريد أخفيها. والمعنى في إخفائها التهويل والتخويف، لأنهم إذا لم يعلموا متى تقوم الساعة كانوا على حذر منها كل وقت. وقرأ الحسن بفتح الألف أي أظهرها، يقال: خفيت الشيء: إذا أظهرته، وأخفيته: إذا سترته. قوله تعالى: {لتجزى كل نفس بما تسعى} أي بما تعمل من خير وشر. {فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى وما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى } {فلا يصدنك عنها} فلا يصرفنك عن الإيمان بالساعة، {من لا يؤمن بها واتبع هواه} مراده خالف أمر الله {فتردى} أي: فتهلك. قوله عز وجل: {وما تلك بيمينك يا موسى} سؤال تقرير، والحكمة في هذا السؤال: تنبيهه وتوقيفه على أنها عصا حتى إذا قلبها حية علم أنه معجزة عظيمة. وهذا على عادة العرب، يقول الرجل لغيره: هل تعرف هذا؟ وهو لا يشك أنه يعرفه، ويريد أن ينضم إقراره بلسانه إلى معرفته بقلبه. {قال هي عصاي} قيل: وكانت لها شعبتان، وفي أسفلها سنان، ولها محجن. قال مقاتل: اسمها نبعة. {أتوكأ عليها} أعتمد عليها إذا مشيت وإذا أعييت وعند الوثبة، {وأهش بها على غنمي} أضرب بها الشجرة اليابسة ليسقط ورقها فترعاه الغنم. وقرأ عكرمة " وأهس " بالسين غير المعجمة، أي: أزجر بها الغنم، و"الهس": زجر الغنم. {ولي فيها مآرب أخرى} حاجات ومنافع أخرى، جمع "مأربة" بفتح الراء وضمها، ولم يقل: " أخر " لرءوس الآي. وأراد بالمآرب: ما يستعمل فيه العصا في السفر، وكان يحمل بها الزاد ويشد بها الحبل فيستقي الماء من البئر، ويقتل بها الحيات، ويحارب بها السباع، ويستظل بها إذا قعد وغير ذلك.

Bölüm V05/P268–V05/P270

وروي عن ابن عباس: أن موسى كان يحمل عليها زاده وسقاءه، فجعلت متماشيه وتحدثه، وكان يضرب بها الأرض فيخرج ما يأكل يومه، ويركزها فيخرج الماء، فإذا رفعها ذهب الماء، وإذا اشتهى ثمرة ركزها فتغصنت غصن الشجرة وأورقت وأثمرت، وإذا أراد الاستقاء من البئر أدلاها فطالت على طول البئر وصارت شعبتاها كالدلو حتى يستقي، وكانت تضيء بالليل بمنزلة السراج، وإذا ظهر له عدو كانت تحارب وتناضل عنه . {قال ألقها يا موسى فألقاها فإذا هي حية تسعى } {قال} الله تعالى: {ألقها يا موسى} انبذها، قال وهب: ظن موسى أنه يقول ارفضها. {فألقاها} على وجه الرفض ثم حانت منه نظرة، {فإذا هي حية} صفراء من أعظم ما يكون من الحيات، {تسعى} تمشي بسرعة على بطنها وقال في موضع آخر: "كأنها جآن" (النمل -10) وهي الحية الصغيرة الخفيفة الجسم، وقال في موضع: "ثعبان"، وهو أكبر ما يكون من الحيات. فأما الحية: فإنها تجمع الصغير والكبير والذكر والأنثى. وقيل: "الجآن": عبارة عن ابتداء حالها، فإنها كانت حية على قدر العصا، ثم كانت تتورم وتنتفخ حتى صارت ثعبانا، "والثعبان": عبارة عن انتهاء حالها. وقيل: إنها كانت في عظم الثعبان وسرعة الجان. قال محمد بن إسحاق: نظر موسى فإذا العصا حية من أعظم ما يكون من الحيات صارت شعبتاها شدقين لها، والمحجن عنقا وعرفا، تهتز كالنيازك، وعيناها تتقدان كالنار تمر بالصخرة العظيمة مثل الخلفة من الإبل، فتلقمها وتقصف الشجرة العظيمة بأنيابها، ويسمع لأسنانها صريف عظيم. فلما عاين ذلك موسى ولى مدبرا وهرب، ثم ذكر ربه فوقف استحياء منه، ثم نودي: أن يا موسى أقبل وارجع حيث كنت، فرجع وهو شديد الخوف . {قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى لنريك من آياتنا الكبرى اذهب إلى فرعون إنه طغى قال رب اشرح لي صدري } {قال خذها} بيمينك، {ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى} هيئتها الأولى، أي: نردها عصا كما كانت، وكان على موسى مدرعة من صوف قد خلها بعيدان، فلما قال الله تعالى: خذها، لف طرف المدرعة على يده، فأمره الله تعالى أن يكشف يده فكشف. وذكر بعضهم: أنه لما لف كم المدرعة على يده قال له ملك: أرأيت لو أذن الله بما تحاذره أكانت المدرعة تغني عنك شيئا؟ قال: لا ولكني ضعيف، ومن ضعف خلقت، فكشف عن يده ثم وضعها في فم الحية فإذا هي عصا كما كانت، ويده في شعبتها في الموضع الذي كان يضعها إذا توكأ . قال المفسرون: أراد الله عز وجل أن يري موسى ما أعطاه من الآية التي لا يقدر عليها مخلوق لئلا 11/ب يفزع منها إذا ألقاها عند فرعون. وقوله: {سيرتها الأولى} نصب بحذف "إلى"، يريد: إلى سيرتها الأولى. قوله تعالى: {واضمم يدك إلى جناحك} أي: إبطك، قال مجاهد: تحت عضدك، وجناح الإنسان عضده إلى أصل إبطه. {تخرج بيضاء} نيرة مشرقة، {من غير سوء} من غير عيب والسوء هاهنا بمعنى البرص. قال ابن عباس: كان ليده نور ساطع يضيء بالليل والنهار كضوء الشمس والقمر، {آية أخرى} أي: دلالة أخرى على صدقك سوى العصا. {لنريك من آياتنا الكبرى} ولم يقل الكبر لرءوس الآي. وقيل: فيه إضمار، معناه: لنريك من آياتنا الكبرى، دليله قول ابن عباس: كانت يد موسى أكبر آياته. قال تعالى: {اذهب إلى فرعون إنه طغى} أي: جاوز الحد في العصيان والتمرد، فادعه إلى عبادتي. {قال} موسى: {رب اشرح لي صدري} وسعه للحق، قال ابن عباس: يريد حتى لا أخاف غيرك، وذلك أن موسى كان يخاف فرعون خوفا شديدا لشدة شوكته وكثرة جنوده، وكان يضيق صدرا بما كلف من مقاومة فرعون وحده، فسأل الله أن يوسع قلبه للحق حتى يعلم أن أحدا لا يقدر على مضرته إلا بإذن الله، وإذا علم ذلك لم يخف فرعون وشدة شوكته وكثرة جنوده. {ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري }

Bölüm V05/P270–V05/P272

{ويسر لي أمري} أي: سهل علي ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون. {واحلل عقدة من لساني} وذلك أن موسى كان في حجر فرعون ذات يوم في صغره، فلطم فرعون لطمة وأخذ بلحيته، فقال فرعون لآسية امرأته: إن هذا عدوي وأراد أن يقتله، فقالت آسية: إنه صبي لا يعقل ولا يميز. وفي رواية أن أم موسى لما فطمته ردته، فنشأ موسى في حجر فرعون وامرأته آسية يربيانه، واتخذاه ولدا، فبينما هو يلعب يوما بين يدي فرعون وبيده قضيب يلعب به إذ رفع القضيب فضرب به رأس فرعون، فغضب فرعون وتطير بضربه، حتى هم بقتله، فقالت آسية: أيها الملك إنه صغير لا يعقل فجربه إن شئت، وجاءت بطشتين: في أحدهما الجمر، وفي الآخر الجواهر، فوضعتهما بين يدي موسى فأراد أن يأخذ الجواهر، فأخذ جبريل بيد موسى فوضعها على النار فأخذ جمرة فوضعها في فمه فاحترق لسانه وصارت عليه عقدة . {يفقهوا قولي} يقول: احلل العقدة كي يفقهوا كلامي. {واجعل لي وزيرا} معينا وظهيرا، {من أهلي} والوزير من يوازرك ويعينك ويتحمل عنك بعض ثقل عملك، ثم بين من هو فقال: {هارون أخي} وكان هارون أكبر من موسى بأربع سنين، وكان أفصح منه لسانا وأجمل وأوسم، وأبيض اللون، وكان موسى آدم أقنى جعدا. {اشدد به أزري} قو به ظهري. {وأشركه في أمري} أي: في النبوة وتبليغ الرسالة، وقرأ ابن عامر "أشدد" بفتح الألف "وأشركه " بضمها على الجواب، حكاية عن موسى، أي: أفعل ذلك، وقرأ الآخرون على الدعاء. والمسألة، عطفا على ما تقدم من قوله: {قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري} {كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا قال قد أوتيت سؤلك يا موسى ولقد مننا عليك مرة أخرى } {إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني } {كي نسبحك كثيرا} قال الكلبي: نصلي لك كثيرا. {ونذكرك كثيرا} نحمدك ونثني عليك بما أوليتنا من نعمك. {إنك كنت بنا بصيرا} خبيرا عليما. {قال} الله تعالى: {قد أوتيت} أعطيت، {سؤلك} جميع ما سألته، {يا موسى} {ولقد مننا عليك} أنعمنا عليك، {مرة أخرى} يعني قبل هذه المرة وهي: {إذ أوحينا إلى أمك} وحي إلهام، {ما يوحى} ما يلهم. ثم فسر ذلك الإلهام وعدد نعمه عليه: {أن اقذفيه في التابوت} أي: ألهمناها أن اجعليه في التابوت، {فاقذفيه في اليم} يعني نهر النيل، {فليلقه اليم بالساحل} يعني شاطئ النهر، لفظه أمر ومعناه خبر، مجازه: حتى يلقيه اليم بالساحل: {يأخذه عدو لي وعدو له} يعني فرعون. فاتخذت تابوتا وجعلت فيه قطنا محلوجا ووضعت فيه موسى، وقيرت رأسه وخصاصه -يعني شقوقه -ثم ألقته في النيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون، فبينما فرعون جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذ بتابوت يجيء به الماء، فأمر الغلمان والجواري بإخراجه، فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبي من أصبح الناس وجها، فلما رآه فرعون أحبه بحيث لم يتمالك، فذلك قوله تعالى: {وألقيت عليك محبة مني} قال ابن عباس: أحبه وحببه إلى خلقه: قال عكرمة: ما رآه أحد إلا أحبه. قال قتادة: ملاحة كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلا عشقه. {ولتصنع على عيني} يعني لتربى بمرأى ومنظر مني، قرأ أبو جعفر "ولتصنع ". بالجزم {إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى } {إذ تمشي أختك} واسمها مريم، متعرفة خبره، {فتقول هل أدلكم على من يكفله} ؟ أي على امرأة ترضعه وتضمه إليها؛ وذلك أنه كان لا يقبل ثدي امرأة، فلما قالت ذلك لهم أخته قالوا: نعم، فجاءت بالأم فقبل ثديها، فذلك قوله تعالى: {فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها} بلقائك، {ولا تحزن} أي: لأن يذهب عنها الحزن.

Bölüm V05/P272–V05/P274

{وقتلت نفسا} قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان قتل قبطيا كافرا. قال كعب الأحبار: كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة، {فنجيناك من الغم} أي من غم القتل وكربه، {وفتناك فتونا} قال ابن عباس رضي الله عنه: اختبرناك اختبارا. وقال الضحاك ومقاتل: ابتليناك ابتلاء. وقال مجاهد: أخلصناك إخلاصا. وعن ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: أن الفتون وقوعه في محنة بعد محنة خلصه الله منها، أولها أن أمه حملته في السنة التي كان فرعون يذبح الأطفال، ثم إلقاؤه في البحر في التابوت، ثم منعه الرضاع إلا من ثدي أمه، ثم أخذه بلحية فرعون حتى هم بقتله، ثم تناوله الجمرة بدل الدرة، ثم قتله القبطي، وخروجه إلى مدين خائفا. فكان ابن عباس يقص القصة على سعيد بن جبير، فعلى هذا معنى: {وفتناك} خلصناك من تلك المحن، كما يفتن الذهب بالنار فيخلص من كل خبث فيه "والفتون": مصدر. {فلبثت} فمكثت، أي: فخرجت من مصر فلبثت، {سنين في أهل مدين} يعني ترعى الأغنام عشر سنين، ومدين بلدة شعيب عليه السلام على ثمان مراحل من مصر، هرب إليها موسى. وقال وهب: لبث عند شعيب عليه السلام ثمانيا وعشرين سنة، عشر سنين منها مهر ابنته "صفيرا" بنت شعيب، وثمان عشرة سنة أقام عنده حتى ولد له. {ثم جئت على قدر يا موسى} قال مقاتل: على موعد ولم يكن هذا الموعد مع موسى وإنما كان موعدا في تقدير الله، قال محمد بن كعب: جئت على القدر الذي قدرت أنك تجيء. وقال عبد الرحمن بن كيسان: على رأس أربعين سنة، وهو القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء، وهذا معنى قول أكثر المفسرين، أي على الموعد الذي وعده الله وقدره أنه يوحى إليه بالرسالة، وهو أربعون سنة. {واصطنعتك لنفسي اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى } قوله عز وجل: {واصطنعتك لنفسي} أي اخترتك واصطفيتك لوحيي ورسالتي، يعني لتنصرف على إرادتي 12/أومحبتي، وذلك أن قيامه بأداء الرسالة [تصرف على] إرادة الله ومحبته. قال الزجاج: اخترتك لأمري وجعلتك القائم بحجتي والمخاطب بيني وبين خلقي، كأني الذي أقمت بك عليهم الحجة وخاطبتهم. {اذهب أنت وأخوك بآياتي} بدلائلي، وقال ابن عباس: يعني الآيات التسع التي بعث بها موسى {ولا تنيا} لا تضعفا، وقال السدي: لا تفترا. وقال محمد بن كعب: لا تقصرا {في ذكري} {اذهبا إلى فرعون إنه طغى} قرأ أبو عمرو، وأهل الحجاز: "لنفسي اذهب"، "وذكري اذهبا"، و"إن قومي اتخذوا" (الفرقان -30) ، "من بعدي اسمه" (الصف -6) بفتح الياء فيهن، ووافقهم أبو بكر: "من بعدي اسمه"، وقرأ الباقون بإسكانها. {فقولا له قولا لينا} يقول: دارياه وارفقا معه، قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا تعنفا في قولكما. وقال السدي وعكرمة: كنياه فقولا يا أبا العباس، وقيل: يا أبا الوليد. وقال مقاتل: يعني القول اللين: "هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى" (النازعات -18،19) . وقيل: أمر باللطافة في القول لما له من حق التربية. وقال السدي: القول اللين: أن موسى أتاه ووعده على قبول الإيمان شبابا لا يهرم، وملكا لا ينزع منه إلا بالموت، وتبقى عليه لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته، وإذا مات دخل الجنة، فأعجبه ذلك وكان لا يقطع أمرا دون هامان، وكان غائبا فلما قدم أخبره بالذي دعاه إليه موسى، وقال أردت أن أقبل منه، فقال له هامان: كنت أرى أن لك عقلا ورأيا، أنت رب، تريد أن تكون مربوبا؟ وأنت تعبد تريد أن تعبد؟ فقلبه عن رأيه . وكان هارون يومئذ بمصر، فأمر الله موسى أن يأتي هارون وأوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى، فتلقاه إلى مرحلة، وأخبره بما أوحي إليه . {لعله يتذكر أو يخشى} أي: يتعظ ويخاف فيسلم. فإن قيل: كيف قال: {لعله يتذكر} وقد سبق علمه أنه لا يتذكر ولا يسلم؟. قيل: معناه اذهبا على رجاء منكما وطمع، وقضاء الله وراء أمركما.

Bölüm V05/P274–V05/P277

وقال الحسين بن الفضل: هو ينصرف إلى غير فرعون، مجازه: لعله يتذكر متذكر، ويخشى خاش إذا رأى بري وألطافي بمن خلقته وأنعمت عليه ثم ادعى الربوبية. وقال أبو بكر محمد بن عمر الوراق: "لعل " من الله واجب ولقد تذكر فرعون وخشي حين لم تنفعه الذكرى والخشية، وذلك حين ألجمه الغرق، قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، وأنا من المسلمين. وقرأ رجل عند يحيى بن معاذ هذه الآية: {فقولا له قولا لينا} فبكى يحيى، وقال: إلهي هذا رفقك بمن يقول أنا الإله، فكيف رفقك بمن يقول أنت الإله؟! . {قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى } {قالا} يعني موسى وهارون: {ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا} قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعجل علينا بالقتل والعقوبة، يقال: فرط عليه فلان إذا عجل بمكروه، وفرط منه أمر أي بدر وسبق، {أو أن يطغى} أي يجاوز الحد في الإساءة إلينا. {قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى قال فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } {قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى} قال ابن عباس: أسمع دعاءكما فأجيبه، وأرى ما يراد بكما فأمنعه، لست بغافل عنكما، فلا تهتما. {فأتياه فقولا إنا رسولا ربك} أرسلنا إليك، {فأرسل معنا بني إسرائيل} أي: خل عنهم وأطلقهم من أعمالك، {ولا تعذبهم} لا تتعبهم في العمل. وكان فرعون يستعملهم في الأعمال الشاقة، {قد جئناك بآية من ربك} قال فرعون: وما هي؟ فأخرج يده، لها شعاع كشعاع الشمس، {والسلام على من اتبع الهدى} ليس المراد منه التحية، إنما معناه سلم من عذاب الله من أسلم. {إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى} إنما يعذب الله من كذب بما جئنا به وأعرض عنه. {قال فمن ربكما يا موسى} من إلهكما الذي أرسلكما؟ . {قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} قال الحسن وقتادة: أعطى كل شيء صلاحه، وهداه لما يصلحه. وقال مجاهد: أعطى كل شيء صورته، لم يجعل خلق الإنسان كخلق البهائم، ولا خلق البهائم كخلق الإنسان، ثم هداه إلى منافعه من المطعم والمشرب والمنكح. وقال الضحاك: "أعطى كل شيء خلقه: يعني اليد للبطش، والرجل للمشي، واللسان للنطق، والعين للنظر، والأذن للسمع. وقال سعيد بن جبير: {أعطى كل شيء خلقه} يعني زوج، للإنسان المرأة، وللبعير الناقة، وللحمار الأتان، وللفرس الرمكة. {ثم هدى} أي: ألهمه كيف يأتي الذكر الأنثى . {قال فما بال القرون الأولى } {قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى } {قال} فرعون: {فما بال القرون الأولى} ومعنى "البال": الحال، أي: ما حال القرون الماضية والأمم الخالية، مثل قوم نوح وعاد وثمود فيما تدعونني إليه فإنها كانت تعبد الأوثان وتنكر البعث؟ . {قال} موسى: {علمها عند ربي} أي: أعمالهم محفوظة عند الله يجازي بها. وقيل: إنما رد موسى علم ذلك إلى الله لأنه لم يعلم ذلك، فإن التوراة أنزلت بعد هلاك فرعون وقومه. {في كتاب} يعني: في اللوح المحفوظ، {لا يضل ربي} أي: لا +يخطئ. وقيل: لا يضل عنه شيء ولا يغيب عن شيء، {ولا ينسى} [أي: لا يخطيء] ما كان من أمرهم حتى يجازيهم بأعمالهم. وقيل: لا ينسى أي: لا يترك، فينتقم من الكافر ويجازي المؤمن. {الذي جعل لكم الأرض مهدا} قرأ أهل الكوفة: {مهدا} ها هنا، وفي الزخرف، فيكون مصدرا، أي: فرشا، وقرأ الآخرون: "مهادا "، كقوله تعالى: "ألم نجعل الأرض مهادا" (النبإ: 16) ، أي: فراشا وهو اسم لما يفرش، كالبساط: اسم لما يبسط.

Bölüm V05/P277–V05/P279

{وسلك لكم فيها سبلا} [السلك: إدخال الشيء في الشيء، والمعنى: أدخل في الأرض لأجلكم طرقا تسلكونها] قال ابن عباس: سهل لكم فيها طرقا تسلكونها. {وأنزل من السماء ماء} يعني: المطر. تم الإخبار عن موسى، ثم أخبر الله عن نفسه بقوله: {فأخرجنا به} بذلك الماء {أزواجا} أصنافا، {من نبات شتى} مختلف الألوان والطعوم والمنافع من بين أبيض وأحمر وأخضر وأصفر، فكل صنف منها زوج، فمنها للناس ومنها للدواب. {كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى } {كلوا وارعوا} [أي وارتعوا] {أنعامكم} تقول العرب: رعيت الغنم فرعت، أي: أسيموا أنعامكم ترعى. {إن في ذلك} الذي ذكرت، {لآيات لأولي النهى} لذوي العقول، واحدتها: "نهية سميت نهية لأنها تنهى صاحبها عن القبائح والمعاصي. قال الضحاك: {لأولي النهى} الذين ينتهون عما حرم عليهم. قال قتادة: لذوي الورع. {منها} أي من الأرض، {خلقناكم} يعني أباكم آدم. وقال 12/ب عطاء الخراساني إن الملك ينطلق فيأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه فيذره على النطفة فيخلق الله من التراب ومن النطفة فذلك قوله تعالى: {منها خلقناكم وفيها نعيدكم} أي: عند الموت والدفن، {ومنها نخرجكم تارة أخرى} يوم البعث. {ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى } قوله عز وجل: {ولقد أريناه} يعني فرعون، {آياتنا كلها} يعني: الآيات التسع التي أعطاها الله موسى، {فكذب} بها وزعم أنها سحر، {وأبى} أن يسلم. {قال} يعني فرعون {أجئتنا لتخرجنا من أرضنا} يعني: مصر، {بسحرك يا موسى} أي: تريد أن تغلب على ديارنا فيكون لك الملك وتخرجنا منها. {فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا} أي: فاضرب بيننا أجلا وميقاتا، {لا نخلفه} [قرأ أبو جعفر "لا نخلفه" بجزم، لا نجاوزه] {نحن ولا أنت مكانا سوى} قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة ويعقوب: "سوى " بضم السين، وقرأ الآخرون بكسرها، وهما لغتان مثل: عدى وعدى وطوى وطوى. قال مقاتل وقتادة: مكانا عدلا بيننا وبينك. وعن ابن عباس: نصفا، ومعناه: تستوي مسافة الفريقين إليه. قال مجاهد: منصفا. وقال الكلبي: يعني سوى هذا المكان. {قال موعدكم يوم الزينة} قال مجاهد، وقتادة، ومقاتل، والسدي: كان يوم عيد لهم، يتزينون فيه، ويجتمعون في كل سنة. وقيل: هو يوم النيروز. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: يوم عاشوراء . {وأن يحشر الناس ضحى} أي: وقت الضحوة نهارا جهارا، ليكون أبعد من الريبة. {فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى } {فتولى فرعون فجمع كيده} مكره وحيلته وسحرته، {ثم أتى} الميعاد. {قال لهم موسى} يعني: للسحرة الذين جمعهم فرعون، وكانوا اثنين وسبعين ساحرا، مع كل واحد حبل وعصا. وقيل: كانوا أربعمائة. وقال كعب: كانوا اثني عشر ألفا. وقيل أكثر من ذلك. {ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب} قرأ حمزة والكسائي وحفص: {فيسحتكم} بضم الياء وكسر الحاء، وقرأ الباقون بفتح الياء والحاء وهما لغتان . قال مقاتل والكلبي: فيهلككم. وقال قتادة: فيستأصلكم، {وقد خاب من افترى} {فتنازعوا أمرهم بينهم} أي: تناظروا وتشاوروا، يعني السحرة في أمر موسى سرا من فرعون. قال الكلبي: قالوا سرا: إن غلبنا موسى اتبعناه. وقال محمد بن إسحاق: لما قال لهم موسى: لا تفتروا على الله كذبا، قال بعضهم لبعض: ما هذا بقول ساحر. {وأسروا النجوى} أي المناجاة، يكون مصدرا واسما، ثم {قالوا} وأسر بعضهم إلى بعض يتناجون: {إن هذان لساحران} يعني موسى وهارون. قرأ ابن كثير وحفص: {إن} بتخفيف النون، {هذان} أي ما هذان إلا ساحران، كقوله: "إن نظنك لمن الكاذبين" (الشعراء: 186) ، أي ما نظنك إلا من الكاذبين، ويشدد ابن كثير النون من "هذان".

Bölüm V05/P279–V05/P283

وقرأ أبو عمرو "إن " بتشديد النون " هذين " بالياء على الأصل. وقرأ الآخرون: "إن " بتشديد النون، " هذان " بالألف، واختلفوا فيه: فروى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أنه خطأ من الكاتب . وقال قوم: هذه لغة الحارث بن كعب، وخثعم، وكنانة، فإنهم يجعلون الاثنين في الرفع والنصب والخفض بالألف، يقولون: أتاني الزيدان [ورأيت الزيدان] ومررت بالزيدان، [فلا يتركون] ألف التثنية في شيء منها وكذلك يجعلون كل ياء ساكنة انفتح ما قبلها ألفا، كما في التثنية، يقولون: كسرت يداه وركبت علاه، يعني يديه وعليه. وقال شاعرهم تزود مني بين أذناه ضربة دعته إلى هابي التراب عقيم يريد بين أذنيه. وقال آخر إن أباها وأبا أباها قد بلغا في المجد غايتاها وقيل: تقدير الآية: إنه هذان، فحذف الهاء . وذهب جماعة إلى أن حرف "إن" هاهنا، بمعنى نعم، أي نعم هذان روي أن أعرابيا سأل ابن الزبير شيئا فحرمه، فقال: لعن الله ناقة حملتني إليك، فقال ابن الزبير: إن وصاحبها، أي نعم. وقال الشاعر بكرت علي عواذلي يلحينني وألومهنه ويقلن شيب قد علا ك وقد كبرت فقلت إنه أي: نعم. {يريدان أن يخرجاكم من أرضكم} مصر {بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى} قال ابن عباس: يعني بسراة قومكم وأشرافكم، يقال: هؤلاء طريقة قومهم أي أشرافهم و {المثلى} تأنيث "الأمثل"، وهو الأفضل، حديث الشعبي عن علي، قال: يصرفان وجوه الناس إليهما . قال قتادة: طريقتهم المثلى يومئذ بنو إسرائيل كانوا أكثر القوم عددا وأموالا فقال عدو الله: يريدان أن يذهبا بهم لأنفسهم . وقيل: {بطريقتكم المثلى} أي بسنتكم ودينكم الذي أنتم عليه و {المثلى} نعت الطريقة، تقول العرب: فلان على الطريقة المثلى، يعني: على الهدى المستقيم. {فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى } {قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى فأوجس في نفسه خيفة موسى } {فأجمعوا كيدكم} قرأ أبو عمرو: " فاجمعوا " بوصل الألف وفتح الميم، من الجمع، أي لا تدعوا شيئا من كيدكم إلا جئتم به، بدليل قوله: "فجمع كيده"، وقرأ الآخرون بقطع الألف وكسر الميم. فقد قيل: معناه الجمع أيضا، تقول العرب: أجمعت الشيء وجمعته بمعنى واحد. والصحيح أن معناه العزم والإحكام، أي: اعزموا كلكم على كيده مجتمعين له، ولا تختلفوا فيختل أمركم. {ثم ائتوا صفا} أي جميعا، قاله مقاتل والكلبي، وقال قوم: أي مصطفين مجتمعين ليكون أشد لهيبتكم، وقال أبو عبيدة: الصف المجمع، ويسمى المصلى صفا. معناه: ثم ائتوا المكان الموعود. {وقد أفلح اليوم من استعلى} أي: فاز من غلب. {قالوا} يعني السحرة، {يا موسى إما أن تلقي} عصاك، {وإما أن نكون أول من ألقى} عصاه. {قال} موسى: {بل ألقوا} أنتم أولا {فإذا حبالهم} وفيه إضمار، أي فألقوا فإذا حبالهم {وعصيهم} جمع العصا، {يخيل إليه} قرأ ابن عامر ويعقوب "تخيل" بالتاء ردا إلى الحبال والعصي، وقرأ الآخرون بالياء ردوه إلى الكيد والسحر، {من سحرهم أنها تسعى} وفي القصة أنهم لما ألقوا الحبال والعصي أخذوا أعين الناس، فرأى موسى والقوم كأن الأرض امتلأت حيات، وكانت قد أخذت ميلا من كل جانب ورأوا أنها تسعى . {فأوجس في نفسه خيفة موسى} أي وجد، وقيل: أضمر في نفسه خوفا، واختلفوا في خوفه: قيل: خوف طبع البشرية، وذلك أنه ظن أنها تقصده. وقال مقاتل: خاف على القوم أن يلتبس عليهم الأمر فيشكوا في أمره فلا يتبعوه. {قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا }

Sorular

Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) · 44 · Qur'an & Sunnah