Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
اعلم أنه تعالى لما أمر بطاعة الله وطاعة الرسول بقوله : { بصيرا ياأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } ثم زيف طريقة الذين تحاكموا إلى الطاغوت وصدوا عن الرسول ، ثم أعاد الأمر بطاعة الرسول مرة أخرى فقال : { وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله } ( النساء : 64 ) ثم رغب في تلك الطاعة بقوله : { لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وإذا لاتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما } ( النساء : 66 67 68 ) أكد الأمر بطاعة الله وطاعة الرسول في هذه الآية مرة أخرى فقال : { ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين } إلى آخر الآية وههنا مسائل : المسألة الأولى : ذكروا في سبب النزول وجوها : الأول : روى جمع من المفسرين أن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم قليل الصبر عنه ، فأتاه يوما وقد تغير وجهه ونحل جسمه وعرف الحزن في وجهه ، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حاله ، فقال يا رسول الله ما بي وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت اليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك ، فذكرت الآخرة فخفت أن لا أراك هناك ، لأنى إن أدخلت الجنة فأنت تكون في درجات النبيين وأنا في درجة العبيد فلا أراك ، وإن أنا لم أدخل الجنة فحينئذ لا أراك أبدا ، فنزلت هذه الآية . الثاني : قال السدي : ان ناسا من الانصار قالوا : يا رسول الله إنك تسكن الجنة في أعلاها ، ونحن نشتاق اليك ، فكيف نصنع ؟ فنزلت الآية . الثالث : قال مقاتل : نزلت في رجل من الانصار قال للنبي صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله إذا خرجنا من عندك إلى أهالينا اشتقنا اليك ، فما ينفعنا شيء حتى نرجع اليك ، ثم ذكرت درجتك في الجنة ، فكيف لنا برؤيتك ان دخلنا الجنة ؟ فأنزل الله هذه الآية ، فلما توفي النبي صلى الله عليه وسلم أتى الانصار ولده وهو في حديقة له فأخبره بموت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : اللهم أعمني حتى لا أرى شيئا بعده إلى أن ألقاه ، فعمى مكانه ، فكان يحب النبي حبا شديدا فجعله الله معه في الجنة . الرابع : قال الحسن : ان المؤمنين قالوا للنبي عليه السلام : مالنا منك إلا الدنيا ، فاذا كانت الآخرة رفعت فى الأولى فحزن النبي صلى الله عليه وسلم وحزنوا ، فنزلت هذه الآية . قال المحققون : لا ننكر صحة هذه الروايات إلا أن سبب نزول الآية يجب أن يكون شيئا أعظم من ذلك ، وهو البعث على الطاعة والترغيب فيها ، فانك تعلم أن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ ، فهذه الآية عامة في حق جميع المكلفين ، وهو أن كل من أطاع الله وأطاع الرسول فقد فاز بالدرجات العالية والمراتب الشريفة عند الله تعالى .
المسألة الثانية : ظاهر قوله : { ومن يطع الله والرسول } يوجب الاكتفاء بالطاعة الواحدة . لأن اللفظ الدال على الصفة يكفي في العمل به في جانب الثبوت حصول ذلك المسمى مرة واحدة . قال القاضي : لا بد من حمل هذا على غير ظاهره ، وأن تحمل الطاعة على فعل المأمورات وترك جميع المنهيات ، إذ لو حملناه على الطاعة الواحدة لدخل فيه الفساق والكفار / لأنهم قد يأتون بالطاعة الواحدة . وعندي فيه وجه آخر ، وهو أنه ثبت في أصول الفقه أن الحكم المذكور عقيب الصفة مشعر بكون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف ، إذا ثبت هذا فنقول : قوله : { ومن يطع الله } / أي ومن يطع الله في كونه إلها ، وطاعة الله في كونه إلها هو معرفته والاقرار بجلاله وعزته وكبريائه وصمديته ، فصارت هذه الآية تنبيها على أمرين عظيمين من أحوال المعاد ، فالأول : هو أن منشأ جميع السعادات يوم القيامة إشراق الروح بأنوار معرفة الله ، وكل من كانت هذه الأنوار في قلبه أكثر ، وصفاؤها أقوى ، وبعدها عن التكدر بمحبة عالم الاجسام أتم كان إلى السعادة أقرب وإلى الفوز بالنجاة أوصل . والثاني : انه تعالى ذكر في الآية المتقدمة وعد أهل الطاعة بالأجر العظيم والثواب الجزيل والهداية إلى الصراط المستقيم ، ثم ذكر في هذه الآية وعدهم بكونهم مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، وهذا الذي وقع به في الختم لا بد أن يكون أشرف وأعلى مما قبله ، ومعلوم أنه ليس المراد من كون هؤلاء معهم هو أنهم يكونون في عين تلك الدرجات ، لأن هذا ممتنع ، فلا بد وأن يكون معناه أن الأرواح الناقصة إذا استكملت علائقها مع الأرواح الكاملة في الدنيا لسبب الحب الشديد ، فاذا فارقت هذا العالم ووصلت إلى عالم الآخرة بقيت تلك العلائق الروحانية هناك ، ثم تصير تلك الأرواح الصافية كالمرايا المجلوة المتقابلة ، فكأن هذه المرايا ينعكس الشعاع من بعضها على بعض ، وبسبب هذه الانعكاسات تصير أنوارها في غاية القوة ، فكذا القول في تلك الأرواح فانها لما كانت مجلوة بصقالة المجاهدة عن غبار حب ما سوى الله ، وذلك هو المراد من طاعة الله وطاعة الرسول ، ثم ارتفعت الحجب الجسدانية أشرقت عليها أنوار جلال الله ، ثم انعكست تلك الأنوار من بعضها إلى بعض وصارت الأرواح الناقصة كاملة بسبب تلك العلائق الروحانية ، فهذا الاحتمال خطر بالبال والله أعلم بأسرار كلامه . المسألة الثالثة : ليس المراد بكون من أطاع الله وأطاع الرسول مع النبيين والصديقين ، كون الكل في درجة واحدة ، لأن هذا يقتضي التسوية في الدرجة بين الفاضل والمفضول ، وإنه لا يجوز . بل المراد كونهم في الجنة بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر ، وإن بعد المكان ، لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضا ، وإذا أرادوا الزيارة والتلاقي قدروا عليه ، فهذا هو المراد من هذه المعية . المسألة الرابعة : اعلم أنه تعالى ذكر النبيين ، ثم ذكر أوصافا ثلاثة : الصديقين والشهداء والصالحين ، واتفقوا على أن النبيين مغايرون للصديقين والشهداء والصالحين ، فأما هذه الصفات الثلاثة فقد اختلفوا فيها ، قال بعضهم : هذه الصفات كلها لموصوف واحد ، وهي صفات متداخلة فانه لا يمتنع في الشخص الواحد أن يكون صديقا وشهيدا وصالحا . وقال الآخرون : بل المراد / بكل وصف صنف من الناس ، وهذا الوجه أقرب لأن المعطوف يجب أن يكون مغايرا للمعطوف عليه ، وكما أن النبيين غير من ذكر بعدهم ، فكذلك الصديقون يجب أن يكونوا غير من ذكر بعدهم وكذا القول في سائر الصفات ، ولنبحث عن هذه الصفات الثلاث :
الصفة الأولى : الصديق : وهو اسم لمن عادته الصدق ، ومن غلب على عادته فعل إذا وصف بذلك الفعل قيل فيه فعيل ، كما يقال : سكير وشريب وخمير ، والصدق صفة كريمة فاضلة من صفات المؤمنين ، وكفى الصدق فضيلة أن الايمان ليس إلا التصديق ، وكفى الكذب مذمة أن الكفر ليس إلا التكذيب .
إذا عرفت هذا فنقول : للمفسرين في الصديق وجوه : الأول : أن كل من صدق بكل الدين لا يتخالجه فيه شك فهو صديق ، والدليل عليه قوله تعالى : { والذين ءامنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون } ( الحديد : 19 ) . الثاني : قال قوم : الصديقون أفاضل أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام . الثالث : أن الصديق اسم لمن سبق إلى تصديق الرسول عليه الصلاة والسلام فصار في ذلك قدوة لسائر الناس ، وإذا كان الأمر كذلك كان أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أولى الخلق بهذا الوصف أما بيان انه سبق إلى تصديق الرسول عليه الصلاة والسلام فلأنه قد اشتهرت الرواية عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه قال : ( ما عرضت الاسلام على أحد إلا وله كبوة غير أبي بكر فانه لم يتلعثم ) دل هذا الحديث على أنه صلى الله عليه وسلم لما عرض الاسلام على أبي بكر قبله أبو بكر ولم يتوقف ، فلو قدرنا أن اسلامه تأخر عن إسلام غيره لزم أن يقال : ان النبي صلى الله عليه وسلم قصر حيث أخر عرض الاسلام عليه ، وهذا لا يكون قدحا في أبي بكر ، بل يكون قدحا في الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك كفر ، ولما بطل نسبة هذا التقصير إلى الرسول علمنا أنه صلى الله عليه وسلم ما قصر في عرض الاسلام عليه ، ولما بطل نسبة هذا التقصير إلى الرسول علمنا أنه صلى الله عليه وسلم ما قصر في عرض الاسلام عليه ، والحديث دل على أن أبا بكر لم يتوقف ألبتة ، فحصل من مجموع الأمرين ان أبا بكر رضي الله تعالى عنه أسبق الناس إسلاما ، أما بيان أنه كان قدوة لسائر الناس في ذلك فلأن بتقدير أن يقال : إن إسلام علي كان سابقا على إسلام أبي بكر ، إلا أنه لا يشك عاقل أن عليا ما صار قدوة في ذلك الوقت ، لأن عليا كان في ذلك الوقت صبيا صغيرا ، وكان أيضا في تربية الرسول عليه الصلاة والسلام ، وكان شديد القرب منه بالقرابة ، وأبو بكر ما كان شديد القرب منه بالقرابة وإيمان من هذا شأنه يكون سببا لرغبة سائر الناس في الاسلام . وذلك لأنهم اتفقوا على انه رضي الله تعالى عنه لما آمن جاء بعذ ذلك بمدة قليلة بعثمان بن عفان رضي الله عنه ، وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنهم أجمعين حتى أسلموا ، فكان إسلامه / سببا لاقتداء هؤلاء الأكابر به ، فثبت بمجموع ما ذكرنا أنه رضوان الله عليه كان أسبق الناس إسلاما ، وثبت أن إسلامه صار سببا لاقتداء أفاضل الصحابة في ذلك الاسلام ، فثبت أن أحق الامة بهذه الصفة أبو بكر رضي الله عنه .
إذا عرفت هذا فنقول : هذا الذي ذكرناه يقتضي انه كان أفضل الخلق بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ، وبيانه من وجهين : الأول : أن إسلامه لما كان أسبق من غيره وجب أن يكون ثوابه أكثر ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام : ( من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ) الثاني : أنه بعد أن أسلم جاهد في الله وصار جهاده مفضيا إلى حصول الاسلام لأكابر الصحابة مثل عثمان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعثمان بن مظعون وعلي رضي الله تعالى عنهم ، وجاهد علي يوم أحد ويوم الأحزاب في قتل الكفار ، ولكن جهاد أبي بكر رضي الله عنه أفضى إلى حصول الإسلام لمثل الذين هم أعيان الصحابة ، وجهاد على أفضى إلى قتل الكفار ، ولا شك أن الأول أفضل ، وأيضا فأبو بكر جاهد في أول الإسلام حين كان النبي صلى الله عليه وسلم في غاية الضعف ، وعلي إنما جاهد يوم أحد ويوم الأحزاب ، وكان الاسلام قويا في هذه الأيام ، ومعلوم أن الجهاد وقت الضعف أفضل من الجهاد وقت القوة ، ولهذا المعنى قال تعالى : { لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا } ( الحديد : 10 ) فبين أن نصرة الاسلام وقت ما كان ضعيفا أعظم ثوابا من نصرته وقت ما كان قويا ، فثبت من مجموع ما ذكرنا أن أولى الناس بهذا الوصف هو الصديق ، فلهذا أجمع المسلمون على تسليم هذا اللقب له إلا من لا يلتفت إليه فانه ينكره / ودل تفسير الصديق بما ذكرناه على أنه لا مرتبة بعد النبوة في الفضل والعلم إلا هذا الوصف وهو كون الانسان صديقا ، وكما دل الدليل عليه فقد دل لفظ القرآن عليه ، فانه أينما ذكر الصديق والنبي لم يجعل بينهما واسطة ، فقال في وصف إسماعيل : { إنه كان صادق الوعد } وفي صفة إدريس { إنه كان صديقا نبيا } ( مريم : 56 ) وقال في هذه الآية : { من النبيين والصديقين } يعني انك إن ترقيت من الصديقية وصلت إلى النبوة ، وإن نزلت من النبوة وصلت إلى الصديقية ، ولا متوسط بينهما ، وقال في آية أخرى : { والذى جاء بالصدق وصدق به } ( الزمر : 33 ) فلم يجعل بينهما واسطة ، وكما دلت هذه الدلائل على نفي الواسطة فقد وفق الله هذه الأمة الموصوفة بأنها خير أمة حتى جعلوا الامام بعد الرسول عليه الصلاة والسلام أبا بكر على سبيل الاجماع ، ولما توفي رضوان الله عليه دفنوه إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما ذاك إلا أن الله تعالى رفع الواسطة بين النبيين والصديقين في هذه الآية ، فلا جرم ارتفعت الواسطة بينهما في الوجوه التي عددناها .
/ الصفة الثانية : الشهادة : والكلام في الشهداء قد مر في مواضع من هذا الكتاب ، ولا بأس بأن نعيد البعض فنقول : لا يجوز أن تكون الشهادة مفسرة بكون الانسان مقتول الكافر ، والذي يدل عليه وجوه : الأول : أن هذه الآية دالة على أن مرتبة الشهادة مرتبة عظيمة في الدين ، وكون الانسان مقتول الكافر ليس فيه زيارة شرف ، لأن هذا القتل قد يحصل في الفساق ومن لا منزلة له عند الله . الثاني : أن المؤمنين قد يقولون : اللهم ارزقنا الشهادة ، فلو كانت الشهادة عبارة عن قتل الكافر إياه لكانوا قد طلبوا من الله ذلك القتل وانه غير جائز ، لأن طلب صدور ذلك القتل من الكافر كفر ، فكيف يجوز أن يطلب من الله ما هو كفر ، الثالث : روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : المبطون شهيد والغريق شهيد ، فعلمنا أن الشهادة ليست عبارة عن القتل ، بل نقول : الشهيد فعيل بمعنى الفاعل ، وهو الذي يشهد بصحة دين الله تعالى تارة بالحجة والبيان ، وأخرى بالسيف والسنان ، فالشهداء هم القائمون بالقسط ، وهم الذين ذكرهم الله في قوله : { شهد الله أنه لا إلاه إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط } ويقال للمقتول في سبيل الله شهيد من حيث أنه بذل نفسه في نصرة دين الله ، وشهادته له بأنه هو الحق وما سواه هو الباطل ، واذا كان من شهداء الله بهذا المعنى كان من شهداء الله في الآخرة ، كما قال : { وكذالك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس } ( البقرة : 143 ) . الصفة الثالثة : الصالحون : والصالح هو الذي يكون صالحا في اعتقاده وفي عمله ، فان الجهل فساد في الإعتقاد ، والمعصية فساد في العمل ، واذا عرفت تفسير الصديق والشهيد والصالح ظهر لك ما بين هذه الصفات من التفاوت ، وذلك لأن كل من كان اعتقاده صوابا وكان عمله طاعة وغير معصية فهو صالح ، ثم ان الصالح قد يكون بحيث يشهد لدين الله بأنه هو الحق وأن ما سواه هو الباطل ، وهذه الشهادة تارة تكون بالحجة والدليل وأخرى بالسيف ، وقد لا يكون الصالح موصوفا بكونه قائما بهذه الشهادة ، فثبت أن كل من كان شهيدا كان صالحا ، وليس كل من كان صالحا شهيدا ، فالشهيد أشرف أنواع الصالح ، ثم ان الشهيد قد يكون صديقا وقد لا يكون : ومعنى الصديق الذي كان أسبق إيمانا من غيره ، وكان إيمانه قدوة لغيره ، فثبت أن كل من كان صديقا كان شهيدا ، وليس كل من كان شهيدا كان صديقا ، فثبت أن أفضل الخلق هم الأنبياء عليهم السلام ، وبعدهم الصديقون ، وبعدهم من ليس له درجة إلا محض درجة الشهادة / وبعدهم من ليس له إلا محض درجة الصلاح . فالحاصل أن أكابر الملائكة يأخذون الدين الحق عن الله ، والأنبياء يأخذون عن الملائكة ، كما قال : { ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشآء من عباده } ( النحل : 2 ) والصديقون يأخذونه عن الأنبياء . والشهداء يأخذونه عن الصديقين ، لأنا بينا أن الصديق هو الذي يأخذ في المرة الأولى عن / الأنبياء وصار قدوة لمن بعده ، والصالحون يأخذونه عن الشهداء ، فهذا هو تقرير هذه المراتب وإذا عرفت هذا ظهر لك أنه لا أحد يدخل الجنة إلا وهو داخل في بعض هذه النعوت والصفات . ثم قال تعالى : { وحسن أولئك } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : فيه معنى التعجيب . كأنه قيل : ما أحسن أولئك رفيقا . المسألة الثانية : الرفق في اللغة لين الجانب ولطافة الفعل ، وصاحبه رفيق . هذا معناه في اللغة ثم الصاحب يسمي رفيقا لارتفاق بعضهم ببعض .
المسألة الثالثة : قال الواحدي : إنما وحد الرفيق وهو صفة لجمع ، لأن الرفيق والرسول والبريد تذهب به العرب إلى الواحد والى الجمع قال تعالى : { فقولا إنا رسول رب العالمين } ( الشعراء : 16 ) ولا يجوز أن يقال : حسن أولئك رجلا ، وبالجملة فهذا إنما يجوز في الاسم الذي يكون صفة ، أما إذا كان اسما مصرحا مثل رجل وامرأة لم يجز ، وجوز الزجاج ذلك في الاسم أيضا وزعم أنه مذهب سيبويه ، وقيل : معنى قوله : { وحسن أولئك } أي حسن كل واحد منهم رفيقا ، كما قال : { ثم يخرجكم طفلا } ( غافر : 67 ) . المسألة الرابعة : { رفيقا } نصب على التمييز ، وقيل على الحال : أي حسن واحد منهم رفيقا . المسألة الخامسة : اعلم أنه تعالى بين فيمن أطاع الله ورسوله أنه يكون مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، ثم لم يكترث بذلك ، بل ذكر أنه يكون رفيقا له ، وقد ذكرنا أن الرفيق هو الذي يرتفق به في الحضر والسفر ، فبين أن هؤلاء المطيعين يرتفقون بهم ، وإنما يرتفقون بهم إذا نالوا منهم رفقا وخيرا ، ولقد ذكرنا مرارا كيفية هذا الارتفاق ، وأما على حسب الظاهر فلأن الانسان قد يكون مع غيره ولا يكون رفيقا له ، فأما إذا كان عظيم الشفقة عظيم الاعتناء بشأنه كان رفيقا له ، فبين تعالى أن الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين يكونون له كالرفقاء من شدة محبتهم له وسرورهم برؤيته . ثم قال تعالى : { ذالك الفضل من الله } وفيه مسائل : المسألة الأولى : لا شك أن قوله تعالى : { ذالك } إشارة إلى كل ما تقدم ذكره من وصف الثواب ، فلما حكم على كل ذلك بأنه فضل من الله دل هذا على أن الثواب غير واجب على الله ، ومما يدل عليه من جهة المعقول وجوه : الأول : القدرة على الطاعة إن كانت لا تصلح إلا للطاعة ، فخالق تلك القدرة هو الذي أعطى الطاعة ، فلا يكون فعله موجبا عليه شيئا ، وإن كانت صالحة للمعصية أيضا لم يترجح جانب الطاعة على جانب المعصية إلا بخلق الداعي إلى الداعي ، ويصير مجموع القدرة والداعي موجبا للفعل ، فخالق هذا المجموع هو الذي أعطى الطاعة ، فلا يكون فعله موجبا عليه / شيئا . الثاني : نعم الله على العبد لا تحصى وهي موجبة للطاعة والشكر ، واذا كانت الطاعات تقع في مقابلة النعم السالفة امتنع كونها موجبة للثواب في المستقبل . الثالث : أن الوجوب يستلزم استحقاق الذنب عند الترك ، وهذا الاستحقاق ينافي الالهية ، فيمتنع حصوله في حق الاله تعالى ، فثبت أن ظاهر الآية كما دل على أن الثواب كله فضل من الله تعالى ، فالبراهين العقلية القاطعة دالة على ذلك أيضا ، وقالت المعتزلة : الثواب وإن كان واجبا لكن لا يمتنع إطلاق اسم الفضل عليه ، وذلك أن العبد إنما استحق ذلك الثواب لأن الله تعالى كلفه والتكليف تفضل / ولأنه تعالى هو الذي أعطى العقل والقدرة وأزاح الأعذار والموانع حتى تمكن المكلف من فعل الطاعة ، فصار ذلك بمنزلة من وهب لغيره ثوبا كي ينتفع به ، فاذا باعه وانتفع بثمنه جاز أن يوصف ذلك الثمن بأنه فضل من الواهب فكذا ههنا : المسألة الثانية : قوله : { ذالك الفضل من الله } فيه احتمالان : أحدهما : أن يكون التقدير : ذلك هو الفضل من الله ، ويكون المعنى أن ذلك الثواب لكمال درجته كأنه هو الفضل من الله وأن ما سواه فليس بشيء ، والثاني : أن يكون التقدير : ذلك الفضل هو من الله ، أي ذلك الفضل المذكور ، والثواب المذكور هو من الله لا من غيره ، ولا شك أن الاحتمال الأول أبلغ .
ثم قال تعالى : { وكفى بالله عليما } وله موقع عظيم في توكيد ما تقدم من الترغيب في طاعة الله لأنه تعالى نبه بذلك على أنه يعلم كيفية الطاعة وكيفة الجزاء والتفضل ، وذلك مما يرغب المكلف في كمال الطاعة والاحتراز عن التقصير فيه . ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا } . > 7 ! < < النساء : ( 71 ) يا أيها الذين . . . . . > > واعلم أنه تعالى عاد بعد الترغيب في طاعة الله وطاعة رسوله إلى ذكر الجهاد الذي تقدم ، لانه أشق الطاعات ، ولأنه أعظم الامور التي بها يحصل تقوية الدين فقال : { عليما يأيها الذين ءامنوا خذوا حذركم } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : الحذر والحذر بمعنى واحد ، كالاثر والاثر ، والمثل والمثل ، يقال : أخذ حذره إذا تيقظ واحترز من المخوف ، كأنه جعل الحذر آلته التي يقي بها نفسه ويعصم بها روحه ، والمعنى احذروا واحترزوا من العدو ولا تمكنوه من أنفسكم ، هذا ما ذكره صاحب ( الكشاف ) . وقال الواحدي رحمه الله فيه قولان : أحدهما : المراد بالحذر ههنا السلاح ، والمعنى خذوا سلاحكم ، والسلاح يسمى حذرا ، أي خذوا سلاحكم وتحذروا ، والثاني : أن يكون { خذوا حذركم } بمعنى / احذروا عدوكم لأن هذا الأمر بالحذر يتضمن الامر بأخذ السلاح ، لأن أخذ السلاح هو الحذر من العدو ، فالتأويل أيضا يعود إلى الأول ، فعلى القول الاول الأمر مصرح بأخذ السلاح ، وعلى القول الثاني أخذ السلاح مدلول عليه بفحوى الكلام . المسألة الثانية : لقائل أن يقول : ذلك الذي أمر الله تعالى بالحذر عنه ان كان مقتضى الوجود لم ينفع الحذر ، وان كان مقتضى العدم لا حاجة إلى الحذر ، فعلى التقديرين الامر بالحذر عبث وعنه عليه الصلاة والسلام قال : ( المقدور كائن والهم فضل ) وقيل أيضا : الحذر لا يغني من القدر فنقول : ان صح هذا الكلام بطل القول بالشرائع ، فانه يقال : إن كان الانسان من أهل السعادة في قضاء الله وقدره فلا حاجة إلى الايمان ، وان كان من أهل الشقاوة لم ينفعه الايمان والطاعة ، فهذا يفضي إلى سقوط التكليف بالكلية ، والتحقيق في الجواب أنه لما كان الكل بقدر كان الامر بالحذر أيضا داخلا في القدر ، فكان قول القائل : أي فائدة في الحذر كلاما متناقضا ، لأنه لما كان هذا الحذر مقدرا فأي فائدة في هذا السؤال الطاعن في الحذر . المسألة الثالثة : قوله : { فانفروا } يقال : نفر القوم ينفرون نفرا ونفيرا إذا نهضوا لقتال عدو وخرجوا للحرب ، واستنفر الامام الناس لجهاد العدو فنفروا ينفرون إذا حثهم على النفير ودعاهم اليه ، ومثله قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( وإذا استنفرتم فانفروا ) والنفير اسم للقوم الذين ينفرون ، ومنه يقال : فلان لا في العير ولا في النفير ، وقال أصحاب العربية : أصل هذا الحرف من النفور والنفار وهو الفزع ، يقال نفر اليه إذا فزع اليه ، ونفر منه إذا فزع منه وكرهه ، ومعنى الآية فانفروا إلى قتال عدوكم . المسألة الرابعة : قال جميع أهل اللغة : الثبات جماعات متفرقة واحدها ثبة ، وأصلها من : ثبيت الشيء ، أي جمعته ، ويقال أيضا : ثبيت على الرجل إذا أثنيت عليه ، وتأويله جمع محاسنه ، فقوله : { فانفروا ثبات أو انفروا جميعا } معناه : انفروا إلى العدو إما ثبات ، أي جماعات متفرقة ، سرية بعد سرية ، وإما جميعا ، أي مجتمعين كوكبة واحدة ، وهذا المعنى أراد الشاعر في قوله : طاروا اليه زرافات ووحدانا
ومثله قوله تعالى : { فإن خفتم فرجالا أو ركبانا } ( البقرة : 239 ) أي على أي الحالتين كنتم فصلوا . ! 7 < { وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله على إذ لم أكن معهم شهيدا ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة ياليتنى كنت معهم فأفوز فوزا عظيما } . > 7 < النساء : ( 72 - 73 ) وإن منكم لمن . . . . . > > /وفيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن قوله : { وإن منكم } يجب أن يكون راجعا إلى المؤمنين الذين ذكرهم الله بقوله : { عليما يأيها الذين ءامنوا خذوا حذركم } واختلفوا على قولين : الأول : المراد منه المنافقون كانوا يثبطون الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . فان قيل : قوله : { وإن منكم لمن ليبطئن } تقديره : يا أيها الذين آمنوا إن منكم لمن ليبطئن ، فاذا كان هذا المبطىء منافقا فكيف جعل المنافق قسما من المؤمن في قوله : { وإن منكم } . والجواب من وجوه : الأول : أنه تعالى جعل المنافق من المؤمنين من حيث الجنس والنسب والاختلاط . الثاني : أنه تعالى جعلهم من المؤمنين بحسب الظاهر لأنهم كانوا في الظاهر متشبهين بأهل الايمان . الثالث : كأنه قيل : يا أيها الذين آمنوا في زعمكم ودعواكم كقوله : { وقالوا يأيها الذى نزل عليه الذكر } ( الحجر : 6 ) . القول الثاني : أن هؤلاء المبطئين كانوا ضعفة المؤمنين وهو اختيار جماعة من المفسرين قالوا : والتبطئة بمعنى الابطاء أيضا ، وفائدة هذا التشديد تكرر الفعل منه . وحكى أهل اللغة أن العرب تقول : ما أبطأ بك يا فلان عنا ، وإدخالهم الباء يدل على أنه في نفسه غير متعد ، فعلى هذا معنى الآية أن فيهم من يبطىء عن هذا الغرض ويتثاقل عن هذا الجهاد ، فاذا ظفر المسلمون تمنوا أن يكونوا معهم ليأخذوا الغنيمة ، وان أصابتهم مصيبة سرهم أن كانوا متخلفين . قال : وهؤلاء هم الذين أرادهم الله بقوله : { الكافرين ياأيها الذين ءامنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا فى سبيل الله اثاقلتم إلى الارض } قال : والذي يدل على أن المراد بقوله : { ليبطئن } الابطاء منهم لا تثبيط غيرهم ، ما حكاه تعالى من قولهم : { مودة ياليتنى كنت معهم } عند الغنيمة ، ولو كان المراد منه تثبيط الغير لم يكن لهذا الكلام معنى . وطعن القاضي في هذا القول وقال : انه تعالى حكى عن هؤلاء المبطئين أنهم يقولون عند مصيبة المؤمنين : { قد أنعم الله على إذ لم أكن معهم شهيدا } فيعد قعوده عن القتال نعمة من الله تعالى ، ومثل هذا الكلام / انما يليق بالمنافقين لا بالمؤمنين ، وأيضا لا يليق بالمؤمنين أن يقال لهم : { كأن لم يكن بينكم وبينه } يعني الرسول : { مودة } فثبت أنه لا يمكن حمله على المؤمنين ، وإنما يمكن حمله على المنافقين ، ثم قال : فان حمل على أنه من الابطاء والتثاقل صح في المنافقين ، لأنهم كانوا يتأخرون عن الجهاد ويتثاقلون ولا يسرعون إليه ، وإن حمل على تثبيط الغير صح أيضا فيهم ، فقد كان يثبطون كثيرا من المؤمنين بما يوردون عليهم من أنواع التلبيس ، فكلا الوصفين موجود في المنافقين ، وأكثر المفسرين حمله على تثبيط الغير ، فكأنهم فصلوا بين أبطأ وبطأ ، فجعلوا الأول لازما ، والثاني متعديا ، كما يقال في أحب وحب ، فان الأول لازم والثاني متعد . المسألة الثانية : قال الزجاج : ( من ) في قوله : { لمن ليبطئن } موصولة بالحال للقسم كأن هذا لو كان كلاما لك لقلت إن منكم لمن حلف بالله ليبطئن .
ثم قال تعالى : { فإن أصابتكم مصيبة } يعني من القتل والانهزام وجهد من العيش . يعني لم أكن معهم شهيدا حاضرا حتى يصيبني ما أصابهم من البلاء والشدة { ولئن أصابكم فضل من الله } من ظفر وغنيمة ليقولن : { كأن لم تكن بينكم وبينه مودة ياليتنى ليتنى كنت معهم فأفوز فوزا عظيما } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وحفص عن عاصم { كأن لم تكن } بالتاء المنقطة من فوق يعني المودة ، والباقون بالياء لتقدم الفعل . قال الواحدي : وكلا القراءتين قد جاء به التنزيل . قال : { قد جاءتكم موعظة من ربكم } ( يونس : 57 ) وقال في آية أخرى : { فمن جاءه موعظة من ربه } ( البقرة : 275 ) فالتأنيث هو الأصل والتذكير يحسن إذا كان التأنيث غير حقيقي ، سيما إذا وقع فاصل بين الفعل والفاعل . المسألة الثانية : قرأ الحسن { ليقولن } بضم اللام أعاد الضمير إلى معنى ( من ) لأن قوله : { لمن ليبطئن } في معنى الجماعة ، إلا أن هذه القراءة ضعيفة لأن ( من ) وإن كان جماعة في المعنى لكنه مفرد في اللفظ ، وجانب الافراد قد ترجح في قوله : { قال قد أنعم الله على } ( النساء : 72 ) وفي قوله : { مودة ياليتنى كنت معهم فأفوز فوزا عظيما } . المسألة الثالثة : لقائل أن يقول : لو كان التنزيل هكذا : ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما كان النظم مستقيما حسنا ، فكيف وقع قوله : { كأن لم تكن بينكم وبينه مودة } في البين ؟ وجوابه : أنه اعتراض وقع في البين وهو في غاية الحسن ، بيانه أنه تعالى حكى عن هذا المنافق أنه إذا وقعت للمسلمين نكبة أظهر السرور الشديد بسبب أنه كان متخلفا عنهم ، ولو فازوا بغنيمة / ودولة أظهر الغم الشديد بسبب فوات تلك الغنيمة ، ومثل هذه المعاملة لا يقدم عليها الانسان إلا في حق الأجنبي العدو ، لأن من أحب إنسانا فرح عند فرحه وحزن عند حزنه ، فاما إذا قلبت هذه القضية فذاك إظهار للعداوة . إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : إنه تعالى حكى عن هذا المنافق سروره وقت نكبة المسلمين ، ثم أراد أين يحكي حزنه عند دولة المسلمين بسبب أنه فاته الغنيمة ، فقبل أن يذكر هذا الكلام بتمامه ألقى في البين قوله : { كأن لم تكن بينكم وبينه مودة } والمراد التعجب كأنه تعالى يقول : انظروا إلى ما يقول هذا المنافق كأنه ليس بينكم أنها المؤمنون وبينه مودة ولا مخالطة أصلا ، فهذا هو المراد من الكلام ، وهو وإن كان كلاما واقعا في البين على سبيل الاعتراض إلا أنه في غاية الحسن . ! 7 < { فليقاتل فى سبيل الله الذين يشرون الحيواة الدنيا بالا خرة ومن يقاتل فى سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما } . > 7 ! < < النساء : ( 74 ) فليقاتل في سبيل . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما ذم المبطئين في الجهاد عاد إلى الترغيب فيه فقال : { فليقاتل فى سبيل الله } وللمفسرين في قوله : { يشرون الحيواة الدنيا } وجهان : الأول : أن { يشرون } معناه يبيعون قال ابن مفرغ وشريت بردا ليتني من بعد برد كنت هامه قال : وبرد هو غلامه ، وشربته بمعنى بعته ، وتمنى الموت بعد بيعه ، فكان معنى الآية : فليقاتل في سبيل الله الذين يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة ، وهو كقوله : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم } إلى قوله : { فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم به } .
والقول الثاني : معنى قوله : { يشرون } أي يشرتون قالوا : والمخاطبون بهذا الخطاب هم المنافقون الذين تخلفوا عن أحد ، وتقرير الكلام : فليقاتل الذين يختارون الحياة الدنيا على الآخرة ، وعلى هذا التقدير فلا بد من حذف تقديره : آمنوا ثم قاتلوا لاستحالة حصول الأمر بشرائع الاسلام قبل حصول الاسلام . وعندي في الآية احتمالات أخرى : أحدها : أن الانسان لما أراد أن يبذل هذه الحياة الدنيا في سبيل الله بخلت نفسه بها ، فاشتراها من نفسه بسعادة الآخرة ليقدر على بذلها في سبيل الله بطيبة النفس . وثانيها : أنه تعالى أمر بالقتال مقرونا ببيان فساد ما لأجله يترك الانسان / القتال ، فان من ترك القتال فانما يتركه رغبة في الحياة الدنيا ، وذلك يوجب فوات سعادة الآخرة ، فكأنه قيل له : اشتغل بالقتال واترك ترجيح الفاني على الباقي . وثالثها : كأنه قيل : الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة إنما رجحوا الحياة الدنيا على الآخرة اذا كانت مقرونة بالسعادة والغبطة والكرامة واذا كان كذلك فليقاتلوا ، فانهم بالمقاتلة يفوزون بالغبطة والكرامة في الدنيا ، لأنهم بالمقاتلة يستولون على الأعداء ويفوزون بالأموال ، فهذه وجوه خطرت بالبال والله أعلم بمراده . ثم قال تعالى : { ومن يقاتل فى سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما } والمعنى من يقاتل في سبيل الله فسواء صار مقتولا للكفار أو صار غالبا للكفار فسوف نؤتيه أجرا عظيما ، وهو المنفعة الخالصة الدائمة المقرونة بالتعظيم ، ومعلوم أنه لا واسطة بين هاتين الحالتين ، فاذا كان الأجر حاصلا على كلا التقديرين لم يكن عمل أشرف من الجهاد . وهذا يدل على أن المجاهد لا بد وأن يوطن نفسه على أنه لا بد من أحد أمرين ، إما أن يقتله العدو ، وإما أن يغلب العدو ويقهره ، فانه اذا عزم على ذلك لم يفر عن الخصم ولم يحجم عن المحاربة ، فأما اذا دخل لا على هذا العزم فما أسرع ما يقع في الفرار ، فهذا معنى ما ذكره الله تعالى من التقسيم في قوله : { فيقتل أو يغلب } . ! 7 < { وما لكم لا تقاتلون فى سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنسآء والولدان الذين يقولون ربنآ أخرجنا من هاذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا } . > 7 ! < < النساء : ( 75 ) وما لكم لا . . . . . > > اعمل أن المراد منه إنكاره تعالى لتركهم القتال ، فصار ذلك توكيدا لما تقدم من الأمر بالجهاد وفيه مسائل : المسألة الأولى : قوله : { لكم لا تقاتلون } يدل على أن الجهاد واجب ، ومعناه أنه لا عذر لكم في ترك المقاتلة وقد بلغ حال المستضعفين من الرجال والنساء والولدان من المسلمين إلى ما بلغ في الضعف ، فهذا حث شديد على القتال ، وبيان العلة التي لها صار القتال واجبا ، وهو ما في القتال من / تخليص هؤلاء المؤمنين من أيدي الكفرة ، لأن هذا الجمع إلى الجهاد يجري مجرى فكاك الأسير . المسألة الثانية : قالت المعتزلة قوله : { وما لكم لا تقاتلون فى سبيل الله } انكار عليهم في ترك القتال وبيان أنه لا عذر لهم ألبتة في تركه ، ولو كان فعل العبد بخلق الله لبطل هذا الكلام لأن من أعظم العذر أن الله ما خلقه وما أراده وما قضى به ، وجوابه مذكور . المسألة الثالثة : اتفقوا على أن قوله : { والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان } متصل بما قبله ، وفيه وجهان : أحدهما : أن يكون عطفا على السبيل ، والمعنى : مالكم لا تقاتلون في سبيل الله وفي المستضعفين . والثاني : أن يكون معطوفا على اسم الله عز وجل ، أي في سبيل الله وفي سبيل المستضعفين .
المسألة الرابعة : المراد بالمستضعفين من الرجال والنساء والولدان قوم من المسلمين بقوا بمكة وعجزوا عن الهجرة إلى المدينة ، وكانوا يلقون من كفار مكة أذى شديدا . قال ابن عباس : كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان . المسألة الخامسة : الولدان : جمع الولد ، ونظيره مما جاء على فعل وفعلان ، نحو حزب وحزبان ، وورك ووركان ، كذلك ولد وولدان . قال صاحب ( الكشاف ) : ويجوز أن يراد بالرجال والنساء الاحرار والحرائر ، وبالولدان العبيد والاماء ، لأن العبد والأمة يقال لهما الوليد والوليدة ، وجمعهما الولدان والولائد ، إلا أنه جعل ههنا الولدان جمعا للذكور والاناث تغليبا للذكور على الاناث ، كما يقال آباء وإخوة والله أعلم . المسألة السادسة : إنما ذكر الله الولدان مبالغة في شرح ظلمهم حيث بلغ أذاهم الولدان غير المكلفين إرغاما لآبائهم وأمهاتهم ، ومبغضة لهم بمكانهم ، ولأن المستضعفين كانوا يشركون صبيانهم في دعائهم استنزالا لرحمة الله بدعاء صغارهم الذين لم يذنبوا ، كما وردت السنة باخراجهم في الاستسقاء ، ثم حكى تعالى عن هؤلاء المستضعفين أنهم كانوا يقولون : { ربنا أخرجنا من هاذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا } وفيه مسائل : المسألة الأولى : أجمعوا على أن المراد امن هذه القرية الظالم أهلها مكة ، وكون أهلها موصوفين بالظلم يحتمل أن يكون لأنهم كانوا مشركين قال تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) وأن يكون لأجل أنهم كانوا يؤذون المسلمين ويوصلون إليهم أنواع المكاره . المسألة الثانية : لقائل أن يقول : القرية مؤنثة ، وقوله : { الظالم أهلها } صفة للقرية ولذلك خفض ، / فكان ينبغي أن يقال : الظالمة أهلها ، وجوابه أن النحويين يسمون مثل هذه الصفة الصفة المشبهة باسم الفاعل ، والأصل في هذا الباب : أنك اذا أدخلت الألف واللام في الأخير أجريته على الأول في تذكيره وتأنيثه ، نحو قولك : مررت بامرأة حسنة الزوج كريمة الأب ، ومررت برجل جميل الجارية ، واذا لم تدخل الألف واللام في الأخير حملته على الثاني في تذكيره وتأنيثه كقولك : مررت بامرأة كريم أبوها ، ومن هذا قوله تعالى : { أخرجنا من هاذه القرية الظالم أهلها } ولو أدخلت الألف واللام على الأهل لقلت من هذه القرية الظالمة الأهل ، وإنما جاز أن يكون الظالم نعتا للقرية لأنه صفة للأهل ، والأهل منتسبون إلى القرية ، وهذا القدر كاف في صحة الوصف كقولك مررت برجل قائم أبوه ، فالقيام للأب وقد جعلته وصفا للرجل ، وإنما كان هذا القدر كافيا في صحة الوصف لأن المقصود من الوصف التخصيص والتمييز ، وهذا المقصود حاصل من مثل هذا الوصف والله أعلم . المسألة الثانية : في قوله : { واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا } قولان : فالأول : قال ابن عباس : يريدون اجعل علينا رجلا من المؤمنين يوالينا ويقوم بمصالحنا ويحفظ علينا ديننا وشرعنا ، فأجاب الله تعالى دعاءهم لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما فتح مكة جعل عتاب بن أسيد أميرا لهم ، فكان الولي هو الرسول عليه الصلاة والسلام ، وكان النصير عتاب بن أسيد ، وكان عتاب ينصف الضعيف من القوي والذليل من العزيز . الثاني : المراد : واجعل لنا من لدنك ولاية ونصرة ، والحاصل كن أنت لنا وليا وناصرا . ! 7 < { الذين ءامنوا يقاتلون فى سبيل الله والذين كفروا يقاتلون فى سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا } . > 7 ! < < النساء : ( 76 ) الذين آمنوا يقاتلون . . . . .
> > واعلم أنه تعالى لما بين وجوب الجهاد بين أنه لا عبرة بصورة الجهاد . بل العبرة بالقصد والداعي ، فالمؤمنون يقاتلون لغرض نصرة دين الله وإعلاء كلمته ، والكافرون يقاتلون في سبيل الطاغوت ، وهذه الآية كالدلالة على أن كل من كان غرضه في فعله رضا غير الله فهو في سبيل الطاغوت ، لأنه تعالى لما ذكر هذه القسمة وهي أن القتال إما أن يكون في سبيل الله : أو في سبيل / الطاغوت وجب أن يكون ما سوى الله طاغوتا ، ثم إنه تعالى أمر المقاتلين في سبيل الله بأن يقاتلوا أولياء الشيطان ، وبين أن كيد الشيطان كان ضعيفا ، لأن الله ينصر أولياءه ، والشيطان ينصر أولياءه ولا شك أن نصرة الشيطان لأوليائه أضعف من نصرة الله لأوليائه ، ألا ترى أن أهل الخير والدين يبقى ذكرهم الجميل على وجه الدهر وان كانوا حال حياتهم في غاية الفقر والذلة ، وأما الملوك والجبابرة فاذا ماتوا انقرض أثرهم ولا يبقى في الدنيا رسمهم ولا ظلمهم ، والكيد السعي في فساد الحال على جهة الاحتيال عليه يقال : كاده يكيده إذا سعى في إيقاع الضرر على جهة الحيلة عليه وفائدة إدخال ( كان ) في قوله : { كان ضعيفا } للتأكيد لضعف كيده ، يعني أنه منذ كان كان موصوفا بالضعف والذلة . ! 7 < { ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلواة وءاتوا الزكواة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولاأخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والا خرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا } . > 7 ! < < النساء : ( 77 ) ألم تر إلى . . . . . > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : هذه الآية صفة للمؤمنين أو المنافقين ؟ فيه قولان : الأول : أن الآية نزلت في المؤمنين ، قال الكلبي : نزلت في عبد الرحمن بن عوف والمقداد وقدامة بن مظعون وسعد بن أبي وقاص ، كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يهاجروا إلى المدينة ، ويلقون من المشركين أذى شديدا فيشكون ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون : ائذن لنا في قتالهم ويقول لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : كفوا أيديكم فاني لم أومر بقتالهم ، واشتغلوا باقامة دينكم / من الصلاة والزكاة ، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأمروا بقتالهم في وقعة بدر كرهه بعضهم ، فأنزل الله هذه الآية . واحتج الذاهبون إلى هذا القول بان الذين يحتاج الرسول أن يقول لهم : كفوا عن القتال هم الراغبون في القتال ، والراغبون في القتال هم المؤمنون ، فدل هذا على أن الآية نازلة في حق المؤمنين . ويمكن الجواب عنه بأن المنافقين كانوا يظهرون من أنفسهم انا مؤمنون وانا نريد قتال الكفار ومحاربتهم ، فلما أمر الله بقتالهم الكفار أحجم المنافقون عنه وظهر منهم خلاف ما كانوا يقولونه .
القول الثاني : أن الآية نازلة في حق المنافقين ، واحتج الذاهبون إلى هذا القول بأن الآية مشتملة على أمور تدل على أنها مختصة بالمنافقين . فالأول : أنه تعالى قال في وصفهم : { يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية } ( النساء : 77 ) ومعلوم أن هذا الوصف لا يليق إلا بالمنافق ، لأن المؤمن لا يجوز أن يكون خوفه من الناس أزيد من خوفه من الله تعالى . والثاني : أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا : ربنا لم كتبت علينا القتال ، والاعتراض على الله ليس إلا من صفة الكفار والمنافقين . الثالث : أنه تعالى قال للرسول : { قل متاع الدنيا قليل والاخرة خير لمن اتقى } وهذا الكلام يذكر مع من كانت رغبته في الدنيا أكثر من رغبته في الآخرة ، وذلك من صفات المنافقين . وأجاب القائلون بالقول الأول عن هذه الوجوه بحرف واحد ، وهو أن حب الحياة والنفرة عن القتل من لوازم الطباع ، فالخشية المذكورة في هذه الآية محمولة على هذا المعنى ، وقولهم : { لم كتبت علينا القتال } محمول على التمني لتخفيف التكليف لا على وجه الانكار لايجاب الله تعالى ، وقوله تعالى : { قل متاع الدنيا قليل } مذكور لا لأن القوم كانوا منكرين لذلك ، بل لأجل إسماع الله لهم هذا الكلام مما يهون على القلب أمر هذه الحياة ، فحينئذ يزول من قلبهم نفرة القتال وحب الحياة ويقدمون على الجهاد بقلب قوي ، فهذا ما في تقرير هذين القوين والله أعلم ، والأولى حمل الآية على المنافقين لأنه تعالى ذكر بعد هذه الآية قوله : { وإن تصبهم حسنة يقولوا هاذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هاذه من عندك } ( النساء : 78 ) ولا شك أن من هذا كلام المنافقين ، فاذا كانت هذه الآية معطوفة على الآية التي نحن في تفسيرها ثم المعطوف في المنافقين وجب أن يكون المعطوف عليهم فيهم أيضا . المسألة الثانية : دلت الآية على أن إيجاب الصلاة والزكاة كان مقدما على إيجاب الجهاد ، وهذا هو الترتيب المطابق لما في العقول ، لأن الصلاة عبارة عن التعظيم لأمر الله ، والزكاة عبارة عن الشفقة على خلق الله ، ولا شك أنهما مقدمان على الجهاد . المسألة الثالثة : قوله : { كخشية الله } مصدر مضاف إلى المفعول . / المسألة الرابعة : ظاهر قوله : { أو أشد خشية } يوهم الشك ، وذلك على علام الغيوب محال . وفيه وجوه من التأويل : الأول : المراد منه الابهام على المخاطب ، بمعنى أنهم على إحدى الصفتين من المساواة والشدة ، وذلك لأن كل خوفين فأحدهما بالنسبة إلى الآخر إما أن يكون أنقص أو مساويا أو أزيد فبين تعالى بهذه الآية أن خوفهم من الناس ليس أنقص من خوفهم من الله ، بل بقي إما أن يكون مساويا أو أزيد ، فهذا لا يوجب كونه تعالى شاكا فيه ، بل يوجب إبقاء الابهام في هذين القسمين على المخاطب . الثاني : أن يكون ( أو ) بمعنى الواو ، والتقدير : يخشونهم كخشية الله وأشد خشية ، وليس بين هذين القسمين منافاة ، لأن من هو أشد خشية فمعه من الخشية مثل خشيته من الله وزيادة . الثالث : أن هذا نظير قوله : { وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون } ( الصافات : 147 ) يعني أن من يبصرهم يقول هذا الكلام ، فكذا ههنا والله أعلم . ثم قال تعالى : { وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال } .
واعلم أن هؤلاء القائلين إن كانوا مؤمنين فهم إنما قالوا ذلك لا اعتراضا على الله ، لكن جزعا من الموت وحبا للحياة ، وإن كانوا منافقين فمعلوم أنهم كانوا منكرين لكون الرب تعالى كاتبا للقتال عليهم ، فقالوا ذلك على معنى أنه تعالى كتب القتال عليهم في زعم الرسول عليه الصلاة والسلام وفي دعواه ، ثم قالوا : { لولا أخرتنا إلى أجل قريب } وهذا كالعلة لكراهتهم لايجاب القتال عليهم ، أي هلا تركتنا حتى نموت بآجالنا ، ثم إنه تعالى أجاب عن شبهتهم فقال : { قل متاع الدنيا قليل والاخرة خير لمن اتقى } وإنما قلنا : إن الآخرة خير لوجود : الأول : ان نعم الدنيا قليلة ، ونعم الآخرة كثيرة . والثاني : ان نعم الدنيا منقطعة ونعم الآخرة مؤبدة . والثالث : أن نعم الدنيا مشوبة بالهموم والغموم والمكاره ، ونعم الآخرة صافية عن الكدرات . والرابع : أن نعم الدنيا مشكوكة فان أعظم الناس تنعما لا يعرف أنه كيف يكون عاقبته في اليوم الثاني ، ونعم الآخرة يقينية ، وكل هذه الوجوه تجب رجحان الآخرة على الدنيا ، إلا أن هذه الخيرية إنما تحصل للمؤمنين المتقين ، فلهذا المعنى ذكر تعالى هذا الشرط وهو قوله : { لمن اتقى } وهذا هو المراد من قوله عليه الصلاة والسلام : ( الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ) . ثم قال تعالى : { ولا تظلمون فتيلا } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي : { يظلمون } بالياء على أنه راجع إلى المذكورين في قوله : { الم ترى إلى الذين قيل } والباقون بالتاء على سبيل الخطاب ، ويؤيد التاء قوله : { قل متاع الدنيا قليل } فان قوله : { قل } يفيد الخطاب . / المسألة الثانية : قالت المعتزلة : الآية تدل على أنهم يستحقون على طاعتهم الثواب ، وإلا لما تحقق نفي الظلم ، وتدل على أنه تعالى يصح منه الظلم وإن كنا نقطع بأنه لا يفعل ، وإلا لما صح التمدح به . المسألة الثالثة : قوله : { ولا تظلمون فتيلا } أي لا ينقصون من ثواب أعمالهم مثل فتيل النواة وهو ما تفتله بيدك ثم تلقيه احتقارا . وقد مضى الكلام فيه . ! 7 < { أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم فى بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هاذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هاذه من عندك قل كل من عند الله فما لهاؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا } . > 7 ! < < النساء : ( 78 ) أينما تكونوا يدرككم . . . . . > > والمقصود من هذا الكلام تبكيت من حكى عنهم أنهم عند فرض القتال يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال ، فقال تعالى : { أينما تكونوا يدرككم الموت } فبين تعالى أنه لا خلاص لهم من الموت ، والجهاد موت مستعقب لسعادة الآخرة ، فاذا كان لا بد من الموت ، فبأن يقع على وجه يكون مستعقبا للسعادة الأبدية كان أولى من أن لا يكون كذلك ، ونظير هذه الآية قوله : { قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا } ( الأحزاب : 16 ) والبروج في كلام العرب هي القصور والحصون ، وأصلها في اللغة من الظهور ، يقال : تبرجت المرأة ، إذا أظهرت محاسنها ، والمشيدة المرتفعة ، وقرىء { مشيدة } قال صاحب ( الكشاف ) : من شاد إذا رفعه أو طلاه بالشيد وهو الجص ، وقرأ نعيم بن ميسرة بكسر الياء وصفا لها بفعل فاعلها مجازا ، كما قالوا : قصيدة شاعرة ، وإنما الشاعر قائلها .
قوله تعالى : { وإن تصبهم حسنة يقولوا هاذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هاذه من عندك قل كل من عند } . اعلم أنه تعالى لما حكى عن المنافقين كونهم متثاقلين عن الجهاد خائقين من الموت غير راغبين / في سعادة الآخرة حكى عنهم في هذه الآية خصلة أخرى قبيحة أقبح من الأولى ، وفي النظم وجه آخر ، وهو أن هؤلاء الخائفين من الموت المتثاقلين في الجهاد من عادتهم أنهم إذا جاهدوا وقاتلوا فان أصابوا واحدة وغنيمة راحة قالوا : هذه من عند الله ، وإن أصابهم مكروه قالوا : هذا من شؤم مصاحبة محمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا يدل على غاية حمقهم وجهلهم وشدة عنادهم ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : ذكروا في الحسنة والسيئة وجوها ؛ الأول : قال المفسرون : كانت المدينة مملوءة من النعم وقت مقدم الرسول صلى الله عليه وسلم ، فلما ظهر عناد اليهود ونفاق المنافقين أمسك الله عنهم بعض الامساك كما جرت عادته في جميع الأمم ، قال تعالى : { وما أرسلنا فى قرية من نبى إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء } فعند هذا قال اليهود والمنافقون : ما رأينا أعظم شؤما من هذا الرجل ، نقصت ثمارنا وغلت أسعارنا منذ قدم ، فقوله تعالى : { وإن تصبهم حسنة } يعني الخصب ورخص السعر وتتابع الأمطار قالوا : هذا من عند الله { وإن تصبهم سيئة } جدب وغلاء سعر قالوا هذا من شؤم محمد ، وهذا كقوله تعالى : { فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هاذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه } ( الأعراف : 131 ) وعن قوم صالح : { قالوا اطيرنا بك وبمن معك } . القول الثاني : المراد من الحسنة النصر على الاعداء والغنيمة ، ومن السيئة القتل والهزيمة قال القاضي : والقول الأول هو المعتبر لأن اضافة الخصب والغلاء إلى الله وكثرة النعم وقلتها إلى الله جائزة ، أما إضافة النصر والهزيمة إلى الله فغير جائزة ، لأن السيئة إذا كانت بمعنى الهزيمة والقتل لم يجز إضافتها إلى الله ، وأقول : القول كما قال على مذهبه / أما على مذهبنا فالكل داخل في قضاء الله وقدره . المسألة الثانية : اعلم أن السيئة تقع على البلية والمعصية ، والحسنة على النعمة والطاعة قال تعالى : { وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون } ( الأعراف : 168 ) وقال : { إن الحسنات يذهبن السيئات } ( هود : 114 ) . إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { وإن تصبهم حسنة } يفيد العموم في كل الحسنات ، وكذلك قوله : { وإن تصبهم سيئة } يفيد العموم في كل السيئات ، ثم قال بعد ذلك : { قل كل من عند الله } فهذا تصريح بأن جميع الحسنات والسيئات من الله ، ولما ثبت بما ذكرنا أن الطاعات والمعاصي داخلتان تحت اسم الحسنة والسيئة كانت الآية دالة على أن جميع الطاعات والمعاصي من الله وهو المطلوب . فان قيل : المراد ههنا بالحسنة والسيئة ليس هو الطاعة والمعصية ، ويدل عليه وجوه : الأول : اتفاق الكل على أن هذه الآية نازلة في معنى الخصب والجدب فكانت مختصة بهما . الثاني : أن الحسنة التي يراد بها الخير والطاعة لا يقال فيها أصابتني ، إنما يقال أصبتها ، وليس في كلام العرب / أصابت فلانا حسنة بمعنى عمل خيرا ، أو أصابته سيئة بمعنى عمل معصية ، فعلى هذا لو كان المراد ما ذكرتم لقال ان أصبتم حسنة . الثالث : لفظ الحسنة واقع بالاشتراك على الطاعة وعلى المنفعة ، وههنا أجمع المفسرون على أن المنفعة مرادة ، فيمتنع كون الطاعة مرادة ، ضرورة أنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه معا . فالجواب عن الأول : أنكم تسلمون أن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ .
والجواب عن الثاني : أنه يصح أن يقال : أصابني توفيق من الله وعون من الله ، وأصابه خذلان من الله ، ويكون مراده من ذلك التوفيق والعون تلك الطاعة ، ومن الخذلان تلك المعصية . والجواب عن الثالث : أن كل ما كان منتفعا به فهو حسنة ، فان كان منتفعا به في الآخرة فهو الطاعة ، وإن كان منتفعا به في الدنيا فهو السعادة الحاضرة ، فاسم الحسنة بالنسبة إلى هذين القسمين متواطىء الاشتراك ، فزال السؤال . فثبت أن ظاهر الآية يدل على ما ذكرناه ، ومما يدل على أن المراد ليس إلا ذاك ما ثبت في بدائه العقول أن كل موجود فهو إما واجب لذاته ، وإما ممكن لذاته ، والواجب لذاته واحد وهو الله سبحانه وتعالى ، والممكن لذاته كل ما سواه ، فالممكن لذاته إن استغنى عن المؤثر فسد الاستدلال بجواز العالم وحدوثه على وجود الصانع ، وحينئذ يلزم نفي الصانع ، وإن كان الممكن لذاته محتاجا إلى المؤثر ، فاذا كان كل ما سوى الله ممكنا كان كل ما سوى الله مستندا إلى الله ، وهذا الحكم لا يختلف بأن يكون ذلك الممكن ملكا أو جمادا أو فعلا للحيوان أو صفة للنبات ، فان الحكم لاستناد الممكن لذاته إلى الواجب لذاته لما بينا من كونه ممكنا كان الكل فيه على السوية ، وهذا برهان أوضح وأبين من قرص الشمس على أن الحق ما ذكره تعالى ، وهو قوله : { قل كل من عند الله } . ثم قال تعالى : { فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا } وفيه مسائل : المسألة الأولى : انه لما كان البرهان الدال على أن كل ما سوى الله مستندا إلى الله على الوجه الذي لخصانه في غاية الظهور والجلاء ، قال تعالى : { فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا } وهذا يجري مجرى التعجب من عدم وقوفهم على صحة هذا الكلام مع ظهوره . قالت المعتزلة : بل هذه الآية دالة على صحة قولنا ، لأنه لو كان حصول الفهم والمعرفة بتخليق الله تعالى لم يبق هذا التعجب معنى ألبتة ، لأن السبب في عدم حصول هذه المعرفة هو أنه تعالى ما خلقها وما أوجدها / وذلك يبطل هذا التعجب ، فحصول هذا التعجب يدل على أنه إنما تحصل بايجاد العبد لا بايجاد الله تعالى . واعلم أن هذا الكلام ليس إلا التمسك بطريقة المدح والذم ، وقد ذكرنا أنها معارضة بالعلم . / المسألة الثانية : قالت المعتزلة : أجمع المفسرون على أن المراد من قوله : { لا يكادون يفقهون حديثا } أنهم لا يفقهون هذه الآية المذكورة في هذا الموضع ، وهذا يقتضي وصف القرآن بأنه حديث ، والحديث فعيل بمعنى مفعول ، فيلزم منه أن يكون القرآن محدثا . والجواب : مرادكم بالقرآن ليس إلا هذه العبارات ، ونحن لا ننازع في كونها محدثة . المسألة الثالثة : الفقه : الفهم ، يقال أوتى فلانا فقها ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم لابن عباس : ( فقهه في التأويل ) أي فهمه . ! 7 < { مآ أصابك من حسنة فمن الله ومآ أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا } . > 7 ! < < النساء : ( 79 ) ما أصابك من . . . . .
> > قال أبو علي الجبائي : قد ثبت أن لفظ السيئة تارة يقع على البلية والمحنة ، وتارة يقع على الذنب والمعصية ، ثم إنه تعالى أضاف السيئة إلى نفسه في الآية الأولى بقوله : { قل كل من عند الله } ( النساء : 78 ) وأضافها في هذه الآية إلى العبد بقوله : { وما أصابك من سيئة فمن نفسك } ( النساء : 79 ) فلا بد من التوفيق بين هاتين الآيتين وإزالة التناقض عنهما ، ولما كانت السيئة بمعنى البلاء والشدة مضافة إلى الله وجب أن تكون السيئة بمعنى المعصية مضافة إلى العبد حتى يزول التناقض بين هاتين الآيتين المتجاورتين ، قال : وقد حمل المخالفون أنفسهم على تغيير الآية وقرؤا : { فمن } فغيروا القرآن وسلكوا مثل طريقة الرافضة من ادعاء التغيير في القرآن . فان قيل : فلماذا فصل تعالى بين الحسنة والسيئة في هذه الآية فأضاف الحسنة التي هي الطاعة إلى نفسه دون السيئة وكلاهما فعل العبد عندكم ؟ قلنا : لأن الحسنة وإن كانت من فعل العبد فانما وصل اليها بتسهيله تعالى وألطافه فصحت الاضافة إليه ، وأما السيئة التي هي من فعل العبد فهي غير مضافة إلى الله تعالى لا بأنه تعالى فعلها ولا بأنه أرادها ، ولا بأنه أمر بها ، ولا بأنه رغب فيها ، فلا جرم انقطعت إضافة هذه السيئة من جميع الوجوه إلى الله تعالى . هذا منتهى كلام الرجل في هذا الموضع . / ونحن نقول : هذه الآية دالة على أن الايمان حصل بتخليق الله تعالى ، والقوم لا يقولون به فصاروا محجوجين بالآية . إنما قلنا : إن الآية دالة على ذلك لأن الايمان حسنة ، وكل حسنة فمن الله . إنما قلنا : إن الايمان حسنة ، لأن الحسنة هي الغبطة الخالية عن جميع جهات القبح ، ولا شك أن الايمان كذلك ، فوجب أن يكون حسنة لأنهم اتفقوا على أن قوله : { رحيم ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله } ( فصلت : 33 ) المراد به كلمة الشهادة ، وقيل في قوله : { إن الله يأمر بالعدل والإحسان } ( النحل : 90 ) قيل : هو لا إله إلا الله ، فثبت أن الايمان حسنة ، وإنما قلنا إن كل حسنة من الله لقوله تعالى : { ما أصابك من حسنة فمن الله } ( النساء : 79 ) وقوله : { ما أصابك من حسنة } يفيد العموم في جميع الحسنات ، ثم حكم على كلها بأنها من الله ، فيلزم من هاتين المقدمتين ، أعني أن الايمان حسنة ، وكل حسنة من الله ، القطع بأن الايمان من الله . فان قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد من كون الايمان من الله هو أن الله أقدره عليه وهداه إلى معرفة حسنة ، وإلى معرفة قبح ضده الذي هو الكفر ؟ قلنا : جميع الشرائع مشتركة بالنسبة إلى الايمان والكفر عندكم ، ثم إن العبد باختيار نفسه أوجد الايمان ، ولا مدخل لقدرة الله وإعانته في نفس الايمان ، فكان الايمان منقطعا عن الله في كل الوجوه ، فكان هذا مناقضا لقوله : { ما أصابك من حسنة فمن الله } فثبت بدلالة هذه الآية أن الايمان من الله ، والخصوم لا يقولون به ، فصاروا محجوجين في هذه المسألة ، ثم اذا أردنا أن نبين أن الكفر أيضا من الله .
قلنا فيه وجوه : الأول : أن كل من قال : الايمان من الله قال : الكفر من الله ، فالقول بأن أحدهما من الله دون الآخر مخالف لاجماع الأمة . الثاني : أن العبد لو قدر على تحصيل الكفر فالقدرة الصالحة لايجاد الكفر إما أن تكون صالحة لايجاد الايمان أو لا تكون / فان كانت صالحة لايجاد الايمان فحينئذ يعود القول في أن إيمان العبد منه ، وإن لم تكن صالحة لايجاد الايمان فحينئذ يكون القادر على الشيء غير قادر على ضده ، وذلك عندهم محال ، ولأن على هذا التقدير تكون القدرة موجبة للمقدور ، وذلك يمنع من كونه قادرا عليه ، فثبت أنه لما لم يكن الايمان منه وجب أن لا يكون الكفر منه . الثالث : أنه لما لم يكن العبد موجدا للايمان فبأن لا يكون موجدا للكفر أولى ، وذلك لأن المستقل بايجاد الشيء هو الذي يمكنه تحصيل مراده ، ولا نرى في الدنيا عاقلا إلا ويريد أن يكون الحاصل في قلبه هو الايمان والمعرفة والحق ، وإن أحدا من العقلاء لا يريد أن يكون الحاصل في قلبه هو / الجهل والضلال والاعتقاد الخطأ ، فاذا كان العبد موجدا لأفعال نفسه وهو لا يقصد إلا تحصيل العلم الحق المطابق ، وجب أن لا يحصل في قلبه إلا الحق ، فاذا كان الايمان الذي هو مقصوده ومطلوبه ومراده لم يقطع بايجاده ، فبأن يكون الجهل الذي ما أراده وما قصد تحصيله وكان في غاية النفرة عنه والفرار منه غير واقع بايجاده وتكوينه كان ذلك أولى . والحاصل أن الشبهة في أن الايمان واقع بقدرة العبد أشد من الشبهة في وقوع الكفر بقدرته ، فلما بين تعالى في الايمان أنه من الله ترك ذكر الكفر للوجه الذي ذكرناه ، فهذا جملة الكلام في بيان دلالة هذه الآية على مذهب إمامنا . أما ما احتج الجبائي به على مذهبه من قوله : { وما أصابك من سيئة فمن نفسك } . فالجواب عنه من وجهين : الأول : أنه تعالى قال حكاية عن إبراهيم عليه السلام : { وإذا مرضت فهو يشفين } ( الشعراء : 80 ) أضاف المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله ، فلم يقدح ذلك في كونه تعالى خالقا للمرض والشفاء ، بل إنما فصل بينهما رعاية الأدب ، فكذا ههنا ، فانه يقال : يا مدبر السموات والأرض ، ولا يقال يا مدبر القمل والصبيان والخنافس ، فكذا ههنا . الثاني : أكثر المفسرين قالوا في تفسير قول إبراهيم : { هاذا ربى } أنه ذكر هذا استفهاما على سبيل الانكار ، كأنه قال : أهذا ربي ، فكذا ههنا ، كأنه قيل : الايمان الذي وقع على وفق قصده قد بينا أنه ليس واقعا منه ، بل من الله ، فهذا الكفر ما قصده وما أراده وما رضي به ألبتة ، أفيدخل في العقل أن يقال : إنه وقع به ؟ فانا بينا أن الحسنة في هذه الآية يدخل فيها الايمان ، والسيئة يدخل فيها الكفر ، أما قراءة من قرأ { فمن } فنقول : إن صح أنه قرأ بهذه الآية واحد من الصحابة والتابعين فلا طعن فيه ، وإن لم يصح ذلك فالمراد أن من حمل الآية على أنها وردت على سبيل الاستفهام على وجه الانكار ذكر في تفسير الاستفهام على سبيل الانكار هذا الكلام ، لأنه لما أضاف السيئة اليهم في معرض الاستفهام على سبيل الانكار كان المراد أنها غير مضافة اليهم ، فذكر هذا القائل قوله : { فمن } ( النساء : 79 ) لا على اعتقاد أنه من القرآن ، بل لأجل أنه يجري مجرى التفسير لقولنا : إنه استفهام على سبيل الانكار ، ومما يدل دلالة ظاهرة على أن المراد من هذه الآيات إسناد جميع الأمور إلى الله تعالى ، قوله تعالى بعد هذه الآية : { نفسك وأرسلناك للناس رسولا } يعني ليس لك إلا الرسالة والتبليغ ، وقد فعلت ذلك وما قصرت { وكفى بالله شهيدا } ( النساء : 166 ) على جدك وعدم تقصيرك في أداء الرسالة وتبليغ الوحي ، فأما حصول الهداية فليس إليك بل إلى الله ، ونظيره قوله تعالى : { ليس لك من الامر شىء } وقوله : { إنك لا تهدى من أحببت ولاكن الله يهدى من يشاء } ( القصص : 56 ) فهذا جملة ما خطر بالبال في هذه الآية ، والله أعلم بأسرار كلامه .
/ ثم إنه تعالى أكد هذا الذي قلناه . ! 7 < { من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فمآ أرسلناك عليهم حفيظا } . > 7 ! < < النساء : ( 80 ) من يطع الرسول . . . . . > > والمعنى أن من أطاع الرسول لكونه رسولا مبلغا إلى الخلق أحكام الله فهو في الحقيقة ما أطاع إلا الله ، وذلك في الحقيقة لا يكون إلا بتوفيق الله ، ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا ، فان من أعماه الله عن الرشد وأضله عن الطريق ، فان أحدا من الخلق لا يقدر على إرشاده . واعلم أن من أنار الله قلبه بنور الهداية قطع بأن الأمر كما ذكرنا ، فانك ترى الدليل الواحد تعرضه على شخصين في مجلس واحد ، ثم إن أحدهما يزداد إيمانا على إيمان عند سماعه ، والآخر يزداد كفرا على كفر عند سماعه ، ولو أن المحب لذلك الكلام أراد أن يخرج عن قلبه حب ذلك الكلام واعتقاد صحته لم يقدر عليه ، ولو أن المبغض له أراد أن يخرج عن قلبه بغض ذلك الكلام واعتقاد فساده لم يقدر ، ثم بعد أيام ربما انقلب المحب مبغضا والمبغض محبا ، فمن تأمل للبرهان القاطع الذي ذكرناه في أنه لا بد من إسناد جميع الممكنات إلى واجب الوجود ، ثم اعتبر من نفسه الاستقراء الذي ذكرناه ، ثم لم يقطع بأن الكل بقضاء الله وقدره ، فليجعل واقعته من أدل الدلائل على أنه لا تحصل الهداية إلا بخلق الله من جهة أن مع العلم بمثل هذا الدليل ، ومع العلم بمثل هذا الاستقراء لما لم يحصل في قلبه هذا الإعتقاد ، عرف أنه ليس ذلك إلا بأن الله صده عنه ومنعه منه . بقي في الآية مسائل : المسألة الأولى : قوله : { من يطع الرسول فقد أطاع الله } من أقوى الدلائل على أنه معصوم في جميع الأوامر والنواهي وفي كل ما يبلغه عن الله ، لأنه لو أخطأ في شيء منها لم تكن طاعته طاعة الله وأيضا وجب أن يكون معصوما في جميع أفعاله ، لأنه تعالى أمر بمتابعته في قوله : { فاتبعوه } ( الأنعام : 153 155 ) والمتابعة عبارة عن الاتيان بمثل فعل الغير لأجل أنه فعل ذلك الغير ، فكان الآتي بمثل ذلك الفعل مطيعا لله في قوله : { فاتبعوه } فثبت أن الانقياد له في جميع أقواله وفي جميع أفعاله ، إلا ما خصه الدليل ، طاعة لله وانقياد لحكم الله . المسألة الثانية : قال الشافعي رضي الله عنه في كتاب الرسالة في باب فرض الطاعة للرسول : ان قوله تعالى : { من يطع الرسول فقد أطاع الله } يدل على أن كل تكليف كلف الله به عباده في باب الوضوء والصلاة والزكاة والصوم والحج وسائر الأبواب في القرآن ، ولم يكن ذلك التكليف مبينا في القرآن ، فحينئذ لا سبيل لنا إلى القيام بتلك التكاليف إلا ببيان الرسول ، وإذا كان الأمر كذلك / لزم القول بأن طاعة الرسول عين طاعة الله ، هذا معنى كلام الشافعي . المسألة الثالثة : قوله : { من يطع الرسول فقد أطاع الله } يدل على أنه لا طاعة إلا لله ألبتة ، وذلك لأن طاعة الرسول لكونه رسولا فيما هو فيه رسول لا تكون إلا طاعة لله ، فكانت الآية دالة على أنه لا طاعة لأحد إلا لله . قال مقاتل في هذه الآية : ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : ( من أحبني فقد أحب الله ومن أطاعني فقد أطاع الله ) فقال المنافقون : لقد قارب هذا الرجل الشرك وهو أن ينهي أن نعبد غير الله ، ويريد أن نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى ، فأنزل الله هذه الآية .
Sorular
- Tevhid nedir; Müslümanların Allah'ın birliğine imanı?
- İslam'da imanın altı şartı nedir?
- Müslümanlar peygamberler hakkında neye inanır?
- İslam helal ve haram yiyecekler hakkında ne öğretir?
- Fâtiha Sûresi'nin anlamı nedir?
- Kur'an sabır hakkında ne öğretir?
- Kur'an hayatın amacı hakkında ne der?
- İhlas nedir ve neden önemlidir?