Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Bölüm V11/P127–V11/P128

والجواب : أن مناط التكاليف الظاهرة يجب أن يكون شيئا ظاهرا ، والذي ذكرناه أظهر ، فوجب أن يكون الكعب هو هو . المسألة الأربعون : أثبت جمهور الفقهاء جواز المسح على الخفين . وأطبقت الشيعة والخوارج على إنكاره ، واحتجوا بأن ظاهر قوله تعالى : { وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين } يقتضي إما غسل الرجلين أو مسحهما ، والمسح على الخفين ليس مسحا للرجلين ولا غسلا لهما ، فوجب أن لا يجوز بحكم نص هذه الآية ، ثم قالوا : إن القائلين بجواز المسح على الخفين إنما يعولون على الخبر ، لكن الرجوع إلى القرآن أولى من الرجوع إلى هذا الخبر ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن نسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز ، والثاني : أن هذه الآية في سورة المائدة ، وأجمع المفسرون على أن هذه السورة لا منسوخ فيها ألبتة إلا قوله تعالى : { يأيها الذين ءامنوا لا تحلوا شعائر الله } ( المائدة : 2 ) فإن بعضهم قال : هذه الآية منسوخة ، وإذا كان كذلك امتنع القول بأن وجوب غسل الرجلين منسوخ / والثالث : خبر المسح على الخفين بتقدير أنه كان متقدما على نزول الآية كان خبر الواحد منسوخا بالقرآن ، ولو كان بالعكس كان خبر الواحد ناسخا للقرآن ، ولا شك أن الأول أولى لوجوه : الأول : أن ترجيح القرآن المتواتر على خبر الواحد أولى من العكس ، وثانيها : أن العمل بالآية أقرب إلى الاحتياط ، وثالثها : أنه قد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فاقبلوه وإلا فردوه ) وذلك يقتضي تقديم القرآن على الخبر ، ورابعها : أن قصة معاذ تقتضي تقديم القرآن على الخبر . الوجه الرابع : في بيان ضعف هذا الخبر : أن العلماء اختلفوا فيه ، فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : لأن تقطع قدماي أحب إلي من أن أمسح على الخفين ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : لأن أمسح على جلد حمار أحب إلي من أن أمسح على الخفين ، وأما مالك فإحدى الروايتين عنه أنه أنكر جواز المسح على الخفين ، ولا نزاع أنه كان في علم الحديث كالشمس الطالعة ، فلولا أنه عرف فيه ضعفا وإلا لما قال ذلك ، والرواية الثانية عن مالك أنه ما أباح المسح على الخفين للمقيم ، وأباحه للمسافر مهما شاء من غير تقدير فيه . وأما الشافعي وأبو حنيفة وأكثر الفقهاء فإنهم جوزوه للمسافر ثلاثة أيام بلياليها من وقت الحدث بعد اللبس . وقال الحسن البصري : ابتداؤه من وقت لبس الخفين ، وقال الأوزاعي وأحمد : يعتبر وقت المسح بعد الحدث : قالوا : فهذا الاختلاف الشديد بين الفقهاء يدل على أن الخبر ما بلغ مبلغ الظهور والشهرة ، وإذا كان كذلك وجب القول بأن هذه الأقوال لما تعارضت تساقطت ، وعند ذلك يجب الرجوع إلى ظاهر كتاب الله تعالى . الخامس : أن الحاجة إلى معرفة جواز المسح على الخفين حاجة عامة في حق كل المكلفين ، فلو كان ذلك مشروعا لعرفه الكل ، ولبلغ مبلغ التواتر ، ولما لم يكن الأمر كذلك ظهر ضعفه ، فهذا جملة كلام من أنكر المسح على الخفين .

Bölüm V11/P128–V11/P129

وأما الفقهاء فقالوا : ظهر عن بعض الصحابة القول به ولم يظهر من الباقين إنكار ، فكان ذلك إجماعا من الصحابة ، فهذا أقوى ما يقال فيه . وقال الحسن البصري : حدثني سبعون من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم أنه مسح على الخفين ، وأما إنكار ابن عباس رضي الله عنهما فروي أن عكرمة روى ذلك عنه ، فلما سئل ابن عباس عنه فقال : كذب علي . وقال عطاء : كان ابن عمر يخالف الناس في المسح على الخفين لكنه لم يمت حتى وافقهم ، وأما عائشة رضي الله عنها فروي أن شريح بن هانيء قال : سألتها عن مسح الخفين فقالت : اذهب إلى علي فاسأله فإنه كان مع الرسول صلى الله عليه وسلم في أسفاره ، قال : فسألته فقال امسح ، وهذا يدل على أن عائشة تركت ذلك الإنكار . المسألة الحادية والأربعون : رجل مقطوع اليدين والرجلين سقط عنه هذان الفرضان وبقي عليه غسل الوجه ومسح الرأس . فإن لم يكن معه من يوضئه أو ييممه يسقط عنه ذلك أيضا ، لأن قوله تعالى : { وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين } مشروط بالقدرة عليه لا محالة ، فإذا فاتت القدرة سقط التكليف ، فهذا جملة ما يتعلق من المسائل بآية الوضوء . قوله تعالى : { وإن كنتم جنبا فاطهروا } قال الزجاج : معناه فتطهروا ، إلا أن التاء تدغم في الطاء لأنهما من مكان واحد ، فإذا أدغمت التاء في الطاء سكن أول الكلمة فزيد فيها ألف الوصل ليبتدأ بها . فقيل : اطهروا . واعلم أنه تعالى لما ذكر كيفية الطهارة الصغرى ذكر بعدها كيفية الطهارة الكبرى ، وهي الغسل من الجناية وفيه مسائل : المسألة الأولى : لحصول الجناية سببان : الأول : نزول المني ، قال عليه الصلاة والسلام : ( إنما الماء من الماء ) والثاني : التقاء الختانين ، وقال زيد بن ثابت ومعاذ وأبو سعيد الخدري : لا يجب الغسل إلا عند نزول الماء . لنا قوله عليه الصلاة والسلام : ( إذا التقى الختانان وجب الغسل ) . واعلم أن ختان الرجل هو الموضع الذي يقطع منه جلدة القلفة ، وأمات ختان المرأة فاعلم أن شفريها محيطان بثلاثة أشياء : ثقبة في أسفل الفرج وهو مدخل الذكر ومخرج الحيض والولد ، وثقبة أخرى فوق هذه مثل إحليل الذكر وهي مخرج البول لا غير ، والثالث ، فوق ثقبة البول موضع ختانها ، وهناك جلدة رقيقة قائمة مثل عرف الديك ، وقطع هذه الجلدة هو ختانها ، فإذا غابت الحشفة حاذى ختانها ختانه . المسألة الثانية : قوله { فاطهروا } أمر على الاطلاق بحيث لم يكن مخصوصا بعضو معين دون عضو ، فكان ذلك أمرا بتحصيل الطهارة في كل البدن على الاطلاق ، ولأن الطهارة لما كانت مخصوصة ببعض الأعضاء لا جرم ذكر الله تعالى تلك الأعضاء على التعيين ، فههنا لما لم يذكر شيئا من الأعضاء على التعيين علم أن هذا الأمر أمر بطهارة كل البدن . واعلم أن هذا التطهير هو الاغتسال كما قال في موضع آخر { ولا جنبا إلا عابرى سبيل حتى تغتسلوا } ( النساء : 43 ) . المسألة الثالثة : الدلك غير واجب في الغسل ، وقال مالك رحمه الله : واجب . لنا أن أقوله { فاطهروا } أمر بتطهير البدن ، وتطهير البدن لا يعتبر فيه الدلك بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الاغتسال من الجناية قال : ( أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات خفيفات من الماء فإذا أنا قد طهرت ) أثبت حصول الطهارة بدون الدلك ، فدل على أن التطهير لا يتوقف على الدلك .

Bölüm V11/P129–V11/P130

المسألة الربعة : لا يجوز للجنب مس المصحف . وقال داود : يجوز . لنا قوله { فاطهروا } فدل على أنه ليس بطاهر ، وإلا لكان ذلك أمرا بتطهير الطاهر وإنه غير جائز ، وإذا لم يكن طاهرا لم يجز له مس المصحف لقوله تعالى : { لا يمسه إلا المطهرون } ( الواقعة : 79 ) . المسألة الخامسة : لا يجب تقديم الوضوء على الغسل ، وقال أبو ثور وداود : يجب . لنا أن قوله { فاطهروا } أمر بالتطهير ، والتطهير حاصل بمجرد الاغتسال ، ولا يتوقف على الوضوء بدليل قوله عليه الصلاة والسلام : ( أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات فإذا أنا قد طهرت ) . المسألة السادسة : قال الشافعي رحمه الله : المضمضة والاستنشاق غير واجبين في الغسل ، وقال أبو حنيفة رحمه الله : هما واجبان . حجة الشافعي قوله عليه الصلاة والسلام : ( أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات فإذا أنا قد طهرت ) . وحجة أبي حنيفة الآية والخبر . أما الآية فقوله تعالى : { فاطهروا } وهذا أمر بأن يطهروا أنفسهم ، وتطهير النفس لا يحصل إلا بتطهير جميع أجزاء النفس ، ترك العمل به في الأجزاء الباطنة التي يتعذر تطهيرها ، وداخل الفم والأنف يمكن تطهيرهما ، فوجب بقاؤهما تحت النص ، وأما الخبر فقوله عليه الصلاة والسلام : ( بلوا الشعر وانقوا البشرة ) فإن تحت كل شعرة جنابة ) فقوله ( بلوا الشعر ) يدخل فيه الأنف لأن في داخله شعرا ، وقوله ( وانقوا البشرة ) يدخل فيه جلدة داخل الفم . المسألة الرابعة : شعر الرأس إن كان مفتولا لا مشدودا بعضه ببعض نظر ، فإن كان ذلك يمنع من وصول الماء إلى جلدة الرأس وجب نقضه ، وقال مالك لا يجب ، وإن كان لا يمنع لم يجب وقال النخعي : يجب . لنا أن قوله : { فاطهروا } عبارة عن إيصال الماء إلى جميع أجزاء البدن ، فإن كان شد بعض الشعور بالبعض مانعا منه وجب إزالة ذلك الشد ليزول ذلك المانع ، فإن لم يكن مانعا منه لم يجب إزالته ، لأن ما هو المقصود قد حصل فلا حاجة إليه . المسألة الثامنة : قال الأكثرون : لا ترتيب في الغسل ، وقال إسحاق : تجب البداءة بأعلى البدن لنا أن قوله { فاطهروا } أمر بالتطهير المطلق ، وذلك حاصل بإيصال الماء إلى كل البدن ، فإذا حصل التطهير وجب أن يكون كافيا في الخروج عن العهدة . قوله تعالى : { وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء } ( النساء : 43 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : يجوز للمريض أن يتيمم لقوله تعالى : { وإن كنتم مرضى أو على سفر } ولا يجوز أن يقال : إنه شرط فيه عدم الماء ، لأن عدم الماء يبيح التيمم ، فلا معنى لضمه إلى المرض ، وإنما يرجع قوله { فلم تجدوا ماء } إلى المسافر .

Bölüm V11/P130–V11/P131

المسألة الثانية : المرض على ثلاثة أقسام : أحدها : أن يخاف الضرر والتلف ، فههنا يجوز التيمم بالاتفاق . الثاني : أن لا يخاف الضرر ولا التلف ، فههنا قال الشافعي : لا يجوز التيمم ، وقال مالك وادود يجوز ، وحجتهما أن قوله { وإن كنتم مرضى } يتناول جميع أنواع المرض . الثالث : أن يخاف الزيادة في العلة وبطء المرض ، فههنا يجوز له التيمم على أصح قولي الشافعي رحمه الله . وبه قال مالك وأبو حنيفة رحمهما الله ، والدليل عليه عموم قوله { وإن كنتم مرضى } الرابع : أن يخاف بقاء شين على شيء من أعضائه ، قال في ( الجديد ) : لا يتيمم . قال في ( القديم ) يتيمم وهو الأصح لأنه هو المطابق للآية . المسألة الثالثة : إن كان المرض المانع من استعمال الماء حاصلا في بعض جسده دون بعض ، فقال الشافعي رحمه الله : إنه يغسل ما لا ضرر عليه ثم يتيمم ، وقال أبو حنيفة رحمه الله : إن كان أكثر البدن صحيحا غسل الصحيح دون التيمم ، وإن كان أكثره جريحا يكفيه التيمم . حجة الشافعي رحمه الله الأخذ بالاحتياط ، وحجة أبي حنيفة رحمه الله أن الله تعالى جعل المرض أحد أسباب جواز التيمم ، والمرض إذا كان حالا في بعض أعضائه فهو مريض فكان داخلا تحت الآية . المسألة الرابعة : لو ألصق على موضع التيمم لصوقا يمنع وصول الماء إلى البشرة ولا يخاف من نزع ذلك اللصوق التلف ، قال الشافعي رحمه الله : يلزمه نزع اللصوق عند التيمم حتى يصل التراب إليه ، وقال الأكثرون : لا يجب . حجة الشافعي رعاية الاحتياط ، وحجة الجمهور أن مدار الأمر في التيمم على التخفيف وإزالة الحرج على ما قال تعالى : { وما جعل عليكم فى الدين من حرج } ( الحج : 87 ) فإيجاب نزع للصوق حرج ، فوجب أن لا يجب . المسألة الخامسة : يجوز التيمم في السفر القصير ، وقال بعض المتأخرين من أصحابنا : لا يجوز . لنا أن قوله تعالى : { أو على سفر } مطلق وليس فيه تفصيل أن السفر هل هو طويل أو قصير ، ولقائل أن يقول : أنا إذا قلنا السفر الطويل والقصير سببان للرخصة لكون لفظ السفر مطلقا وجب أن نقول : المرض الخفيف والشديد سببان للرخصة لكون لفظ المرض مطلقا ، ويدل أيضا على أن السفر القصير يبيح التيمم ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه انصرف من قومه فبلغ موضعا مشرفا على المدينة فدخل وقت العصر فطلب الماء للوضوء فلم يجد فجعل يتيمم ، فقال له مولاه : أتتيمم وها هي تنظر إليك جدران المدينة ا فقال : أو أعيش حتى أبلغها ، وتيمم وصلى ، ودخل المدينة والشمس حية بيضاء وما أعاد الصلاة . المسألة السادسة : المسافر إذا كان معه ماء ويخاف الاعطش جاز له أن يتيمم لقوله تعالى في آخر الآية { ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج } ولأن فرض الوضوء سقط عنه إذا أضر بماله ، لدليل أنه إذا لم يجد الماء إلا بثمن كثير لم يجب عليه الوضوء ، فإذا أضر بنفسه كان أولى . المسألة السابعة : إذا كان معه ماء وكان حيوان آخر عطشانا مشرفا على الهلاك يجوز له التيمم لأن ذلك الماء واجب الصرف إلى ذلك الحيوان ، لأن حق الحيوان مقدم على الصلاة ، ألا ترى أنه يجوز له قطع الصلاة عند إشراف صبي أو أعمى على غرق أو حرق ، فإذا كان كذلك كان ذلك الماء كالمعدوم ، فدخل حينئذ تحت قوله { فلم تجدوا ماء فتيمموا } .

Bölüm V11/P131–V11/P132

المسألة الثامنة : إذ لم يكن معه ماء ولكن كان مع غيره ماء ، ولا يمكنه أن يشتري إلا بالغبن الفاحش جاز التيمم له : لأن قوله { وما جعل عليكم فى الدين من حرج } ( الحج : 78 ) رفع عنه تحمل الغبن الفاحش ، وحينئذ يكون كالفاقد للماء فيدخل تحت قوله { فلم تجدوا ماء فتيمموا } وكذا القول إذا كن واجدا لثمن المثل ولم يكن به إليه حاجة ضرورية فهنا يجب شراء الماء . المسألة التاسعة : إذا وهب منه ذلك الماء هل يجوز له التيمم ، قال أصحابنا : يجوز له التيمم ولا يجب عليه قبول ذلك الماء ، لأن المنة في قبول الهبة شاقة ، وأنا أتعجب منهم فإنهم لما جعلوا هذا القدر من الحرج سببا لجواز التيمم فلم لم يجدوا خوف زيادة الألم في المرض سببا لجواز التيمم . المسألة العاشرة : إذا أعير منه الدول والرشاء ، فههنا الأكثرون قالوا : لا يجوز له التيمم ، لأن المنة في هذه الإعارة قليلة ، وكان هذا الإنسان واجدا للماء من غير حرج فلم يجز له التيمم لأن قوله تعالى : { فلم تجدوا ماء فتيمموا } دليل على أنه يشترط لجواز التيمم عدم وجدان الماء . المسألة الحادية عشرة : قوله { أو جاء أحد منكم من الغائط } كناية عن قضاء الحاجة . وأكثر العلماء ألحقوا به كل ما يخرج من السبيلين سواء كان معتادا أو نادرا لدلالة الأحاديث عليه . المسألة الثانية عشرة : قال الشافعي رحمه الله : الاستنجاء واجب إما بالماء وءما بالأحجار وقال أبو حنيفة رحمه الله : غير واجب . حجة الشافعي قوله : فليستنج بثلاثة أحجار ، وحجة أبي حنيفة أنه تعالى قال : { أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا } أوجب عند المجيء من الغائط الوضوء أو التيمم ولم يوجب غسل موضع الحد ، وذلك يدل على أنه غير واحب . المسألة الثالثة عشرة : لمس المرأة ينقض الوضوء عند الشافعي رحمه الله ، ولا ينقض عند أبي حنيفة رحمه الله . المسألة الرابعة عشرة : ظاهر قوله { أو لامستم النساء } يدل على انتقاض وضوء اللامس ، أما انتقاض وضوء الملموس فغير مأخوذ من الآية ، بل ءنما أخذ من الخبر ، أو من القياس الجلي . قوله تعالى : { فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا } وفيه مسائل ، وهي محصورة في نوعين : أحدهما : الكلام في أن الماء المطهر ما هو ؟ والثاني : الكلام في أن التيمم كيف هو ؟ أما النوع الأول ففيه مسائل : المسألة الأولى : الوضوء بلماء المسخن جاز ولا يكره ، وقال مجاهد : يكره . لنا وجهان : الأول : قوله تعالى : { فاغسلوا وجوهكم } والغسل عبارة عن إمرار المء على العضو وقد أتى به فيخرج عن العهدة . الثاني : أنه قال : { فلم تجدوا ماء فتيمموا } علق جواز التيمم بفقدان الماء ، وههنا لم يحصل فقدان الماء ، فوجب أن لا يجوز التيمم . المسألة الاثانية : قال أصحابنا : الماء إذا قصد تشميسه في الإناء كره الوضوء به ، وقال أبو حنيفة وأحمد رحمهما الله : لا يكره . حجة أصحابنا ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من اغتسل بماء مشمس فأصابه وضع فلا يلومن إلا نفسه ) ومن أصحابنا من قال : لا يكره ذلك من جهة الشرع / بل من جهة الطب . وحجة أبي حنيفة رحمه الله أنه أمر بالغسل في قوله { فاغسلوا وجوهكم } وهذا غسل فيكون كافيا ، الثاني أنه واجد للماء فلم يجز له التيمم .

Bölüm V11/P132–V11/P133

المسألة الثالثة : لا يكره الوضوء بما فضل عن وضوء المشرك ، وكذا لا يكره الوضوء بالماء الذي يكون في أواني المشركين . وقال أحمد وإسحاق لا يجوز . لنا أنه أمر بالغسل وقد أتى به ولأنه واجد للماء فلا يتيمم . وروى أنه عليه الصلاة والسلام توضأ من مزادة مشركة ، وتوضأ عمر رضي الله عنه من ماء في جرة نصرانية . المسألة الرابعة : يجوز الوضوء بماء البحر . وقال عبد الله بن عمرو بن العاص لا يجوز . لنا أنه أمر بالغسل وقد أتى به ، ولأن شرط جواز التيمم عدم الماء ، ومن وجد ماء البحر فقد وجد الماء . المسألة الخامسة : قال الشافعي رحمه الله : لا يجوز الوضوء بنبيذ التمر . وقال أبو حنيفة رحمه الله : يجوز ذلك في السفر . حجة الشافعي قوله { فلم تجدوا ماء فتيمموا } أوجب الشارع عند عدم الماء التيمم ، وعند الخصم يجوز له الترك للتيمم بل يجب ، وذلك بأن يتوضأ بنبيذ التمر ، فكان ذلك على خلاف الآية ، فإن تمسكوا بقصة الجن قلنا : قيل إن ذلك كان ماء نبذت فيه تميرات لإزالة الملوحة ، وأيضا فقصة الجن كانت بمكة وسورة المائدة آخر ما نزل من القرآن ، فجعل هذا ناسخا لذلك أولى . المسألة السادسة : ذهب الأوزاعي والأصم إلى أنه يجوز الوضوء والغسل بجميع المائعات الطاهرة ، وقال الأكثرون : لا يجوز . لنا أن عند عدم الماء أوجب الله التيمم ، وتجويز الوضوء بسائر المائعات يبطل ذلك . احتجوا بأن قوله تعالى : { فاغسلوا وجوهكم } أمر بمطلق الغسل ، وإمرار المائع على العضو يسمى غسلا كقول الشاعر : فيا حسنها إذ يغسل الدمع كحلها وإذا كان الغسل اسما للقدر المشترك بين ما يحصل بالماء وبين ما يحصل بسائر المائعات كان قوله { فاغسلوا } إذنا في الوضوء بكل المائعات . قلنا : هذا مطلق ، والدليل الذي ذكرناه مقيد ، وحمل المطلق على المقيد هو الواجب . لمسألة السابعة : قال الشافعي رحمه الله : الماء المتغير بالزعفران تغيرا فاحشا لا يجوز الوضوء به . وقال بو حنيفة رحمه ا يجوز ، حجة الشافعي أن مثل هذا الماء لا يسمى ماء على الإطلاق قواجده غير واجد للكاء ، فوجب أن يجب عليه التيمم ، وحجة أبي حنيفة رحمه الله أو واجده واجد للماء لأن الماء المتغير بالزعفران ماى موصوف بصفة معينة ، فكان أصل الماى موجودا لا محالة ، فواجده يكون واجدا للماء ، فوجب أن لا يجوز التيمم لقوله تعالى { فلم تجدوا ماء فتيمموا } علق جواز التيمم بعدم الماء . المسألة الثامنة : الماء الذي تغير وتعفن بطول المكث طاهر طهور لدليل قوله تعالى : { فلم تجدوا ماء فتيمموا } علق جواز التيمم على عدم الماء وهذا الماء المتعفن ماء ، فوجب أن لا يجوز التيمم عند وجوده . المسألة التاسعة : قال مالك وداود : الماء المتسعمل في الوضوء يبقى طاهرا طهورا ، وهو قول قديم للشافعي رحمه الله ، والقول الجديد للشافعي أنه لم يبق طهورا ولكنه طاهر ، وهو قول محمد بن الحسن . وقال أبو حنيفة رحمه الله في أكثر الروايات أنه نجس . حجة مالك أن جواز التيمم معلق على عدم وجدان الماء . وهو قوله { فلم تجدوا ماء فتيمموا } وواجد الماء المستعمل واجد للماء ، فوجب أن لا يجوز التيمم ، وإذا لم يجز التيمم جاز له التوضوء ، لأنه لا قائل بالفرق . وأيضا قال تعالى : { وأنزلنا من السماء ماء طهورا } ( الفرقان : 48 ) والطهور هو الذي يتكرر منه هذا الفعل كالضحوك والقتول والأكول والشروب ، والتكرار إنما يحصل إذا كان المستعمل في الطهارة يجوز استعماله فيها مرة أخرى .

Bölüm V11/P133–V11/P134

المسألة العاشرة : قال مالك : الماء إذا وقعت فيه نجاسة ولم يتغير الماء بتلك النجاسة بقي طاهرا طهورا سواء كان قليلا أو كثيرا ، وهو قول أكثر الصحابة والتابعين . وقال الشافعي رحمه الله : إن كان أقل من القلتين ينجس . وقال أبو حنيفة : إن كان أقل من عشرة في عشرة ينجس . حجة مالك أن الله جعل في هذه الآية عدم الماء شرطا لجواز لتيمم ، وواجد هذا الماء الذي فيه النزاع واجد للماء ، فوجب أن لا يجوز له التيمم . أقصى ما في الباب أن يقال : هذا المعنى موجود عند صيرورة الماء القليل متغيرا ، إلا أنا نقول : العام حجة في غير محل التخصيص ، وأيضا قوله تعالى : { فاغسلوا وجوهكم } أمر بمطلق الغسل ، ترك العمل به في سائر المائعات وفي الماء القليل الذي تغير بالنجاسة ، فيبقى حجة في الباقي . وقال مالك رحمه الله : ثم تأيد التمسك بهذه الآية بقوله عليه الصلاة والسلام : ( خلق الماى طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه أو لونه ) ولا يعارض هذا بقوله عليه الصلاة والسلام : ( إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا ) لأن القرآن أولى من خبر الواحد ، والمنطوق أولى من المفهوم . المسألة الحادية عشرة : يجوز الوضوء بفضل ماء الجنب . وقال أحمد وإسحاق : لا يجوز بفضل ماء المرأة إذا خلت به ، وهو قول الحسن وسعيد بن المسيب . لنا قوله تعالى : { فلم تجدوا ماء فتيمموا } وواجد هذا الماء فلم يجز له التيمم ، وإذا لم يجز له ذلك جاز له الوضوء لأنه لا قائل بالفرق . المسألة الثانية عشرة : أسار السباع طاهرة مطهرة ، وكذا سؤر الحمار . وقال أبو حنيفة رحمه الله : نجسة . لنا أن واجد هذا السؤر واجد للماء فلم يجز له التيمم ، ولأن قوله { فاغسلوا } يتناول جميع أنواع الماء على ما تقدم تقرير هذين الوجهين . المسألة الثالثة عشرة : الماء إذا بلغ قلتين ووقعت فيه نجاسة مغيرة بقي طاهراف مطهورة عند الشافعي رحنه الله . وقال أبو حنيفة رحمه الله ينجس . لنا أنه واجد للماء فلم يجز له لتيمم ، ولأنه أمر بالغسل وقد أتى به فخرج عن العهدة . المسألة الرابعة عشرة : الماء الذي تفتتت الأوراق فيه ، للناس فيه تفاصيل ، لكن هذه الآية دالة على كونه طاهرا مطهرا ما لم يزل عنه اسم الماء المطلق ، وبالجملة فهذه الآية دالة على أنه كلما بقي اسم الماىء المطلق كان طاهراف مطهورا . النوع الثاني : من المسائل المستخرجة من هذه الآية من مسائل التيمم . المسألة الأولى : قال الشافعي وأبو حنيفة والأكثرون رحمهم الله : لا بد في التيمم من النية ، وقال زفر رحمه الله لا يجب . لنا قوله تعالى : { فتيمموا } والتيمم عبارة عن القصد ، فدل على أنه لا بد من لنية . المسألة الثانية : قال الشافعي وأبو حنيفة : يجب تيمم اليدين إلى المرفقين ، وعن علي وابن عباس إلى الرسغين ، وعن مالك إلى الكوعين ، وعن الزهري إلى الآباط .

Bölüm V11/P134–V11/P136

لنا : اليد اسم لهذا العضو إلى الإبط فقوله { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم } يقتضي المسح إلى الإبن ، تركنا العمل بهذا النص في العضدين لأنا نعلم أن التيمم بدل عن الوضوء . ومبناه على التخفيف بدليل أن الواجب تطهير أعضاء أربعة في الوضوء ، وفي التيمم الواجب تطهير عضوين وتأكد هذا المعنى بقوله تعالى في آية التيمم { ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج } فإذا كان العضدان غير معتبرين في الوضوء فبأن لا يكونا معتبرين في التيمم أولى ، وإذا خرج العضدان عن ظاهر النص بهذا الدليل بقي اليدان إلى المرفقين فيه ، فالحاصل أنه تعالى إنما ترك تقييد التيمم في اليدين بالمرفقين لأنه بدل عن الوضوء ، فتقييده بهما في الوضوء يغني عن ذكر هذا التقييد في التيمم . المسألة الثالثة : يجب استيعاب العضوين في التيمم . ونقل الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه إذا يمم الأكثر جاز . لنا قوله : { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه } والوجه واليد اسم لجملة هذين العضوين ، وذلك لا يحصل إلا بالاستيعاب ، ولقئل أن يقول : قد ذكرتم في قوله تعالى : { وامسحوا برؤوسكم } أن الباء تفيد التبغيض فكذا ههنا . المسألة الرابعة : قال الشافعي رحمه الله : إذا وضع يده على الأرض فما لم يعلق بيده شيء من الغبار لم يجزه ، وهو قول أبي يوسف رحمه لله . وقال أبو حنيفة ومالك رحمهما الله يجزئه . لنا قوله تعالى : { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه } وكلمة { منه } تدل على التمسح بشيء من ذلك التراب كما أن من قال : فلان يمسح من الدن أفاد هذا المعنى ، وقد بالغنا في تقرير هذا في تفسير آية التيمم من سورة النساء والله أعلم . المسألة الخامسة : قال الشافعي رحمه الله : لا يجوز التيمم إلا بالتراب الخالص ، وهو قول أبي يوسف رحمه اا . وقال أبو حنيفة رحمه الله : يجوز بالتراب وبالرمل وبالخزف المدقوق والجص والنورة والزرنيخ . لنا ما روي أن ابن عباس قال : الصعيد هو التراب ، وأيضا التيمم طهارة غير معقولة المعنى ، فوجب الاقتصار فيه على مورد النص ، والنص المفصل إنما ورد في التراب . قال عليه الصلاة والسلام : ( التراب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج ) وقال ( جعلت لي الأرض مسجدا وتربها طهورا ) والله أعلم . المسألة السادسة : لو وقف على مهب الرياح فسفت الرياح التراب عليه فأمر يده عليه أو لم يمر ظاهر مدهب الشافعي رحمه الله أنه لا يكفي . وقال بعض المحققين يكفي ، لأنه لما وصل الغبار إلى أعضائه ثم أمر الغبار على تلك الأعضاء فقد قصد إلى استعمال الصعيد الطيب في أعضائه فكان كافيا . المسألة السابعة : المذهب أنه إذا يممه غيره صح ، وقيل لا يصح لأن قوله { فتيمموا } أمر له بالفعل ولم يوجد . المسألة الثامنة : قال الشافعي رحمه الله : لا يجوز التيمم إلا بعد دخول وقت الصلاة . وقال أبو حنيفة رحمه الله يجوز . لنا قوله تعالى : { يأيها الذين ءامنوا إذا } إلى قوله { فلم تجدوا ماء فتيمموا } والقيام إلى الصلاة إنما يكون بعد دخول وقتها . والمسألة التاسعة : إذا ضرب رجله حتى ارتفع عنه غبار قال أبو حنيفة رحمه الله : يجوز له أن يتيمم ، وقال أبو يوسف رحمه الله لا يجوز . حجة أبي يوسف قوله تعالى : { فتيمموا صعيدا طيبا } والغبار المنفصل عن التراب لا يقال إنه صعيد طيب ، فوجب أن لا يجزى . المسألة العاشرة : لا يجوز التيمم بتراب نجس لقوله تعالى : { فتيمموا صعيدا طيبا } والنجس لا يكون طيبا .

Bölüm V11/P136–V11/P137

المسألة الحادية عشرة : قال الشافعي رحمه الله : المسافر إذا لم يجد الماء بقربه لم يجز له التيمم إلا بعد الطلب عن اليمين واليسار ، وإن كان هناك واد هبط إليه ، وإن كان جبل صعده . وقال أبو حنيفة رحمه الله : إذا غلب على ظنه عدم الماء لم يجب طلبه . لنا قوله تعالى : { فلم تجدوا ماء فتيمموا } جعل عدم وجدان الماء شرطا لجواز التيمم ، وعدم الوجدان مشروط بتقديم الطلب ، فدل هذا على أنه لا بد من تقديم الطلب . المسألة الثانية عشرة : لا يصح الطلب إلا بعد دخول وقت الصلاة ، فإن طلب قبله يلزمه الطلب ثانيا بعد دخول الوقت ، إلا أن يحصل عنده يقين أن الأمر بقي كما كان ولم يتغير . لنا قوله تعالى : { يأيها الذين ءامنوا إذا } إلى قوله { فلم تجدوا ماء فتيمموا } فقوله { يأيها الذين ءامنوا إذا } عبارة عن دخول الوقت / فوجب أن يكون قوله { فلم تجدوا } عبارة عن عدم الوجدان بعد دخول الوقت ، وعدم الوجدان بعد دخول الوقت مشروط بحصول الطلب بعد دخول الوقت ، فعلمنا أنه لا بد من الطلب بعد دخول الوقت . المسألة الثالثة عشرة : لا خلاف في جواز التيمم بدلا عن الوضوء . وأما التيمم بدلا عن الغسل في حق الجنب فعن علي وابن عباس جوازه ، وهو قال أكثر الفقهاء . وعن عمر وابن مسعود أنه لا يجوز . لنا أن قوله : إما أن يكون مختصا بالجماع أو يدخل فيه الجماع ، فوجب جواز التيمم بدلا عن الغسل لقوله { أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا } . المسألة الرابعة عشرة : قال الشافعي رحمه الله : لا يجمع بالتيمم بين فرضين وإن لم يحدث كما في الوضوء . وقال أحمد : يجمع بين الفوائت ولا يجمع بين صلاتي وقتين . حجة الشافعي : قوله تعالى : { يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم } إلى قوله { وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء } . وجه الاستدلال به أن ظاهره يقتضي الأمر بكل وضوء عند كل صلاة إن وجد الماء ، وبالتيمم إن فقد الماء ، ترك العمل به في الوضوء لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيبقى في التيمم على مقتضى ظاهر الآية . المسألة الخامسة عشرة : قال الشافعي رحمه الله : إذا لم يجد الماء في أول الوقت ويتوقع وجدانه في آخر الوقت جاز له التيمم في أول الوقت . وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى : بل يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت . حجة الشافعي : قوله { يأيها الذين ءامنوا إذا } إلى قوله { فلم تجدوا ماء } وقوله { يأيها الذين ءامنوا إذا } ليس المراد منه القيام إلى الصلاة ، بل المراد دخول وقت الصلاة . وهذا يدل على أن عند دخول الوقت إذا لم يجد الماء جاز له التيمم . المسألة السادسة عشرة : إذا وجد الماء بعد التيمم وقبل الشروع في الصلاة بطل تيممه . وقال أبو موسى الأشعري والشعبي : لا يبطل . لنا قوله تعالى : { الخاسرين يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلواة } إلى قوله { فلم تجدوا ماء فتيمموا } شرط عدم وجدان الماء بجواز الشروع في الصلاة بالتيمم ، ومن وجد الماء بعد التيمم وقبل الشروع في الصلاة فقد فاته هذا الشرط فوجب أن لا يجوز له الشروع في الصلاة بذلك التيمم . المسألة السابعة عشرة : لو فرغ من الصلاة ثم وجد الماء لا يلزمه إعادة الصلاة . قال طاوس : يلزمه .

Bölüm V11/P137–V11/P138

لنا قوله تعالى : { الخاسرين يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلواة } إلى قوله { فلم تجدوا ماء فتيمموا } جوز له الشروع في الصلاة بالتيمم عند عدم وجدان الماء ، وقد حصل ذلك ، فوجب أن يكون سببا لخروجه عن عهدة التكليف ، لأن الإتيان بالمأمور به سبب للأجزاء . المسألة الثامنة عشرة : لو وجد الماء في أثناء الصلاة لا يلزمه الخروج منها ، وبه قال مالك وأحمد خلافا لأبي حنيفة والثوري ، وهو اختيار المزني وابن شريح . لنا أن عدم وجدان الماء يقتضي جواز الشروع في الصلاة بحكمم التيمم على ما دلت الآية عليه ، فقد انعقدت عليه صلاته صحيحة ، فإذا وجد الماء في أثناء الصلاة فنقول : ما لم يبطل صلاته لا يصير قادرا على استعمال الماء ، وما لم يصر قادرا على استعمال الماء لا تبطل صلاته ، فيتوقف كل واحد منهما على الآخر ، فيكون دورا وهو باطل . والله أعلم . المسألة التاسعة عشرة : لو نسي الماء في رحله وتيمم وصلى ثم علم وجود الماء لزمه الإعادة على أحد قولي الشافعي رحمه الله / وهو قول أحمد وأبي يوسف ، والقول الثاني أنه لا يلزمه ، وهو قول مالك وأبي حنيفة . حجة القول الثاني أنه عاجز عن الماء لأن عدم الماء كما أنه سبب للعجز عن استعمال الماء ، فكذلك النسيان سبب للعجز ، فثبت أنه عند النسيان عاجز فيه ، فيدخل تحت قوله { فلم تجدوا ماء فتيمموا } وحجة القول الأول أنه غير معذور في ذلك النسيان . المسألة العشرون : إذا ضل رحله في الرحال ففيه الخلاف المذكور ، والأولى أن لا تجب الإعادة . المسألة الحادية والعشرون : إذا نسي كون الماء في رحله ولكنه استقصى في الطلب فلم يجده وتيمم وصلى ثم وجده ، فالأكثرون على أنه تجب الإعادة لأن العذر ضعيف . وقال قوم : لا تجب الإعادة ، لأنه لما استقصى في الطلب صار عاجزا عن استعمال الماء فدخل تحت قوله { فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا . المسألة الثانية والعشرون : لو صلى بالتيمم ثم وجد ماء في بئر بجنبه يمكن استعمال ذلك الماء ، فإن كان قد علمه أولا ثم نسيه فهو كما لو نسي الماء في رحله ، وإن لم يكن عالما بها قط ، فإن كان عليها علامة ظاهرة لزمه الإعادة ، وإن لم يكن عليها علامة فلا إعادة لأنه عاجز عن استعمال الماء ، فدخل تحت قوله { فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا } فهذا جملة الكلام في المسائل الفقهية المستنبطة من هذه الآية ، وهي مائة مسألة ، وقد كتبناها في موضع ما كان معنا شيء من الكتب الفقهية المعتبرة ، وكان القلب مشوشا بسبب استيلاء الكفار على بلاد المسلمين . فنسأل الله تعالى أن يكفينا شرهم ، وأن يجعل كدنا في استنباط أحكام الله من نص الله سببا لرجحان الحسنات على السيآت أنه أعز مأمول وأكرم مسؤول . قوله تعالى : { ما يريد ليجعل عليكم من حرج ولاكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون } وفي الآية مسائل :

Bölüm V11/P138–V11/P139

المسألة الأولى : دلت الآية على أنه تعالى مريد ، وهذا متفق عليه بين الأئمة ، إلا أنهم اختلفوا في تفسير كونه مريدا ، فقال الحسن النجار : أنه مريد بعمنى أنه غير مغلوب ولا مكره ، وعلى هذا التقدير فكونه تعالى { مريدا } صفة سلبية ، ومنهم من قال : إنه صفة ثبوتية ، ثم اختلفوا فقال بعضهم : معنى كونه مريدا لأفعال نفسه أنه دعاه الداعي إلى أيجادها ، ومعنى كونه مريدا لأفعال غيره أنه دعاه الداعي إلى الأمر بها ، وهو قول الجاحظ وأبي قاسم الكعبي وأبي الحسين البصري من المعتزلة . وقال الباقون : كونه مريدا صفة زائدة على العلم ، وهو الذي سميناه بالداعي ، ثم منهم من قال : إنه مريد لذاته ، وهذه هي الرواية الثانية عن الحسن النجار . وقال آخرون : إنه مريد بإرادة ، ثم قال أصحابنا : مريد بإرادة قديمة . قالت المعتزلة البصرية : مريد بإرادة محدثة لا في محله وقالت الكرامية : مريد بإرادة محدثة قائمة بذاته والله أعلم . المسألة الثانية : قالت المعتزلة : دلت الآية على أن تكليف ما لا يطاق لا يوجد لأنه تعالى أخبر أنه ما جعل عليكم في الدين من حرج ، ومعلوم أن تكليف ما لا يطاق أشد أنواع الحرج . قال أصحابنا : لما كان خلاف المعلوم محال الوقوع فقد لزمكم ما ألزمتموه علينا . المسألة الثالثة : اعلم أن هذه الآية أصل كبير معتبر في الشرع ، وهو أن الأصل في المضار أن لا تكون مشروعة ، ويدل عليه هذه الآية فإنه تعالى قال : { ما جعل عليكم فى الدين من حرج } ( الحج : 78 ) ويدل عليه أيضا قوله تعالى : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } ( البقرة : 185 ) ويدل عليه من الأحاديث قوله عليه السلام : ( لا ضرر ولا ضرار في الإسلام ) ويدل عليه أيضا أن دفع الضرر مستحسن في العقول فوجب أن يكون الأمر كذلك في الشرع لقوله عليه السلام : ( ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن ) وأما بيان أن الأصل في المنافع الإباحة فوجوه : أحدها : قوله تعالى : { خلق لكم ما فى الارض جميعا } ( البقرة : 29 ) وثانيها : قوله { أحل لكم الطيبات } ( المائدة : 4 ) وقد بينا أن المراد من الطيبات المستلذات والأشياء التي ينتفع بها ، وإذا ثبت هذان الأصلان فعند هذا قال نفاة القياس : لا حاجة البتة أصلا إلى القياس في الشرع ؛ لأن كل حادثة تقع فحكمها المفصل إن كان مذكورا في الكتاب والسنة فذاك هو المراد وإن لم يكن كذلك ، فإن كان من باب المضار حرمناه بالدلائل الدالة على أن الأصل في المضار الحرمة ، وإن كان من باب المنافع إبحناه بالدلائل الدالة على إباحة المنافع ، وليس لأحد أن يقدح في هذين الأصلين بشيء من الأقسية لأن القياس المعارض لهذين الأصلين يكون قياسا واقعا في مقابلة النص ، وأنه مردود فكان باطلا .

Bölüm V11/P139–V11/P140

المسألة الرابعة : قوله { ولاكن يريد ليطهركم } اختلفوا في تفسير هذا التطهير ، فقال جمهور أهل النظر من أصحاب أبي حنيفة رحمه الله : إن عند خروج الحدث تنجس الأعضاء نجاسة حكمية ، فالمقصود من هذا التطهير إزالة تلك النجاسة الحكمية ، وهذا الكلام عندنا بعيد جدا ، ويدل عليه وجوه : الأول : قوله تعالى : { إنما المشركون نجس } ( التوبة : 28 ) وكلمة { إنما } للحصر ، وهذا يدل على أن المؤمن لا تنجس أعضاؤه البتة . الثاني : قوله عليه السلام : ( المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا ) فهذا الحديث مع تلك الآية كالنص الدال على بطلان ما قالوه . الثالث : أجمعت الأمة على أن بدن المحدث لو كان رطبا فأصابه ثوب لم يتنجس ، ولو حمله إنسان وصلى لم تفسد صلاته ، وذلك بدل على أنه لا نجاسة في أعضاء المحدث . الرابع : أن الحدث لو كان يوجب نجاسة الأعضاء الأربعة ثم كان تطهير الأعضاء الأربعة يوجب طهارة كل الأعضاء لوجب أن لا يختلف ذلك باختلاف الشرائع ، ومعلوم أنه ليس الأمر كذلك . الخامس : أن خروج النلجاسة من موضع كيف يوجب تنجس موضع آخرا السادس : أن قوله { ولاكن يريد ليطهركم } مذكور عقيب التيمم ، ومن المعلوم بالضرورة أن التيمم زيادة في التقدير وإزالة الوضاءة والنظافة ، وأنه لا يزيل شيئا من النجاسات أصلا ، السابع : أن المسح على الخفين قائم مقام غسل الرجلين ، ومعلوم أن هذا المسح لا يزيل شيئا البتة عن الرجلين ، الثامن : أن الذي يراد زواله إن كان من جملة الأجسام فالحس يشهد ببطلان ذلك ، وإن كان من جملة الإعراض فهو محال ، لأن انتقال الأعراض محال ، فثبت بهذه الوجوه أن الذي يقوله هؤلاء الفقهاء بعيد . الوجه الثاني : في تفسير هذا التطهير أن يكون المراد منه طهارة القلب عن صفة التمرد عن طاعة الله تعالى ، وذلك لأن الكفر والمعاصي نجاسة للأرواح ، فإن النجاسة إنما كانت نجاسة لأنها شيء يراد نفيه وإزالته وتبعيده ، والكفر المعاصي كذلك ، فكانت نجاسات روحانية ، وكما أن إزالة النجاسات الجسمانية تسمى طهارة فكذلك إزالة هذه العقائد الفاسدة والأخلاق الباطلة تسمى طهارة ، ولهذا التأويل قال الله تعالى : { إنما المشركون نجس } فجعل رأيهم نجاسة ، وقال { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا } ( الأحزاب : 33 ) فجعل براءتهم عن المعاصي طهارة لهم . وقال في حق عيسى عليه السلام : { إني متوفيك ورافعك إلى ومطهرك من الذين كفروا } ( آل عمران : 55 ) فجعل خلاصه عن طعنهم وعن تصرفهم فيه تطهيرا له . وإذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى لما أمر العبد بإيصال الماء إللى هذه الأعضاء المخصوصة وكانت هذه الأعضاء طاهرة لم يعرف العبد في هذا التكليف فائدة معقولة / فلما انقاد لهذا التكليف كان ذلك الانقياد لمحض إظهار العبودية والانقياد للربوبية ، فكان هذا الانقياد قد أزال عن قلبه آثار التمرد فكان ذلك طهارة ، فهذا هو الوجه الصحيح في تسمية هذه الأعمال طهارة ، وتأكد هذا بالأخبار الكثيرة الواردة في أن المؤمن إذا غسل وجهه خرت خطاياه من وجهه ، وكذا القول في يديه ورأسه ورجائه . واعلم أن هذه القاعدة التي قررناها أصل معتبر في مذهب الشافعي رحمه الله ، وعليه يخرج كثير من المسائل الخلافية في أبواب الطهارة والله أعلم .

Bölüm V11/P140

أما قوله { وليتم نعمته عليكم } ففيه وجهان : الأول : أن الكلام متعلق بما ذكر من أول السورة إلى هنا ، وذلك لأنه تعالى أنعم في أول السورة بإباحة الطيبات من المطاعم والمناكح ، ثم إنه تعالى ذكر بعده كيفية فرض الوضوء فكأنه قال : إنما ذكرت ذلك لتتم النعمة المذكورة أولا وهي نعمة الدنيا ، والنعمة المذكورة ثانيا وهي نعمة الدين . الثاني : أن المراد : وليتم نعمته عليكم أي بالترخص في التيمم والتخفيف في حال السفر والمرض ، فاستدلوا بذلك على أنه تعالى يخفف عنكم يوم القيامة بأن يعفو عن ذنوبكم ويتجاوز عن سيئاتكم . ثم قال تعالى : { لعلكم تشكرون } والكلام في ( لعل ) مذكور في أول سورة البقرة في قوله تعالى : { لعلكم تتقون } ( البقرة : 21 ) والله أعلم ! 7 < { واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذى واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور } . > 7 < المائدة : ( 7 ) واذكروا نعمة الله . . . . . > > إعلم أنه تعالى لما ذكر هذا التكليف أردفه بما يوجب عليهم القبول والانقياد ، وذلك من وجهين : الأول : كثرة نعمة الله عليهم ، وهو المراد من قوله { واذكروا نعمة الله عليكم } ومعلوم أن كثرة النعم توجب على المنعم عليه الاشتغال بخدمة المنعم والانقياد لأوامره ونواهيه وفيه مسألتان : المسألة الأولى : إنما قال { واذكروا نعمة الله عليكم } ولم يقل نعم الله عليكم ، لأنه ليس المقصود منه التأمل في إعداد نعم الله ، بل المقصود منه التأمل في جنس نعم الله لأن هذا الجنيس جنس لا يقدر غير الله عليه ، فمن الذي يقدر على إعطاء نعمة الحياة والصحة والعقل والهداية والصون عن الآفات والإيصال إلى جميع الخيرات في الدنيا والآخرة ، فجنس نعمة الله جنس لا يقدر عليه غير الله ، فقوله تعالى : { واذكروا نعمت الله } المراد التأمل في هذا النوع من حيث أنه ممتاز عن نعمة غيره ، وذلك الامتياز هو أنه لا يقدر عليه غيره ، ومعلوم أن النعمة متى كانت على هذا الوجه كان وجوب الاشتغال بشكرها أتم وأكمل . المسألة الثانية : قوله { واذكروا نعمت الله } مشعر بسبق النسيان ، فكيف يعقل نسيانها مع أنها متواترة متوالية علينا في جميع الساعات والأوقات ، إلا أن الجواب عنه أنها لكثرتها وتعاقبها صارت كالأمر المعتاد ، فصارت غلبة ظهورها وكثرتها سببا لوقوعها في محل النيسان ، ولهذا المعنى قال المحققون : إنه تعالى إنما كان باطنا لكونه ظاهرا ، وهو المراد من قولهم : سبحان من احتجب عن العقول بشدة ظهوره ، واختفى عنها بكمال نوره .

Bölüm V11/P140–V11/P141

السبب الثاني : من الأسباب التي توجب عليهم كونهم منقادين لتكاليف الله تعالى هو الميثاق الذي واثقهم به ، والمواثقة المعاهدة التي قد أحكمت بالعقد على نفسه ، وهذه الآية مشابهة لقوله في أول السورة { عليم يأيها الذين ءامنوا أوفوا بالعقود } ( المائدة : 1 ) وللمفسرين في تفسير هذا الميثاق وحوه : الأول : أن المراد هو المواثيق التي جرت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم في أن يكونوا على السمع والطاعة في المحبوب والمكروه ، مثل مبايعته مع الأنصار في أول الأمر ومبايعته عامة المؤمنين تحت الشجرة وغيرهما ، ثم إنه تعالى أضاف الميثاق الصادر عن الرسول إلى نفسه كما قال : { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله } ( الفتح : 10 ) وقال : { من يطع الرسول فقد أطاع الله } ( النساء : 80 ) ثم إنه تعالى أكد ذلك بأن ذكرهم أنهم التزموا ذلك وقبلوا تلك التكاليف وقالوا سمعنا وأطعنا ، ثم حذرهم من نقض تلك العهود والمواثيق فقال : { واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور } يعني لا تنقضوا تلك العهود ولا تعزموا بقلوبكم على نقضها ، فإنه إن خطر ذلك ببالكم فالله يعلم بذلك وكفى به مجازيا . والثاني : قال ابن عباس رضي الله عنهما : هو الميثاق الذي أخذه الله تعالى على بني إسرائيل حين قالوا آمنا بالتوراة وبكل ما فيها ، فلما كان من جملة ما في التوراة البشارة بمقدم محمد صلى الله عليه وسلم لزمهم الإقرار بمحمد عليه الصلاة والسلام ، والثالث : قال مجاهد والكلبي ومقاتل : هو الميثاق الذي أخذه الله تعالى منهم حين أخرجهم من ظهر آدم عليه السلام وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم . فإن قيل : على هذا القول أن بني آدم لا يذكرون هذا العهد والميثاق فكيف يؤمرون بحفظه ؟ قلنا : لما أخبر الله تعالى بأنه كان ذلك حاصلا حصل القطع بحصوله ، وحينئذ يحسن أن يأمرهم بالوفاء بذلك العهد . الرابع : قال السيد : المراد بالميثاق الدلائل العقلية والشرعية التي نصبها الله تعالى على التوحيد والشرائع ، وهو اختيار أكثر المتكلمين . ! 7 < { ياأيهآ الذين ءامنوا كونوا قوامين لله شهدآء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم علىألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون } . > 7 < المائدة : ( 8 ) يا أيها الذين . . . . . > > قوله تعالى : { الصدور يأيها الذين ءامنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط } هذا أيضا متصل بما قبله ، والمراد حثهم على الانقياد لتكاليف الله تعالى . واعلم أن التكاليف وإن كثرت إلا أنها محصورة في نوعين : التعظيم لأمر الله تعالى ، والشفقة على خلق الله ، فقوله { كونوا قوامين لله } إشارة إلى النوع الأولل وهو التعظيم لأمر الله ، ومعنى القيام لله هو أن يقوم لله بالحق في كل ما يلزمه القيام به من إظهار العبودية وتعظيم الربوبية ، وقوله { شهداء بالقسط } إشارة إلى الشفقة على خلق الله وفيه قولان : الأول : قال عطاء : يقول لا تحاب في شهادتك أهل ودك وقرابتك ، ولا تمنع شهادتك أعداءك وأضدادك . الثاني : قال الزجاج : المعنى تبينون عن دين الله ، لأن الشاهد يبين ما يشهد عليه .

Bölüm V11/P141–V11/P142

ثم قال تعالى : { ولا يجرمنكم شنان قوم على ألا تعدلوا } أي لا يحملنكم بغض قوم على أن لا تعدلوا ، وأراد أن لا تعدلوا فيهم لكنه حذف للعلم ، وفي الآية قولان : الأول : أنها عامة والمعنى لا يحملنكم بغض قوم على أن تجوروا عليهم وتجاوزوا الحد فيهم ، بل اعدلوا فيهم وإن أساءوا إليكم ، وأحسنوا إليهم وإن بالغوا في إيحاشكم ، فهذا خطاب عام ، ومعناه أمر الله تعالى جميع الخلق بأن لا يعاملوا أحدا إلا على سبيل العدل والانصاف ، وترك الميل والظلم والاعتساف ، والثاني : أنها مختصة بالكفار فإنها نزلت في قريش لما صدوا المسلمين عن المسجد الحرام . فإن قيل : فعلى هذا القول كيف يعقل ظلم المشركين مع أن المسلمين أمروا بقتلهم وسبي ذراريهم وأخذ أموالهم ؟ قلنا : يمكن ظلمهم أيضا من وجوه كثيرة : منها أنهم إذا أظهروا الإسلام لا يقبلونه منهم ، ومنها قتل أولادهم الأطفال لاغتمام الآباء ، ومنها إيقاع المثلة بهم ، ومنها نقض عهودهم ، والقول الأول أولى . ثم قال تعالى : { اعدلوا هو أقرب للتقوى } فنهاهم أولا عن أن يحملهم البغضاء على ترك العدل ثم استأنف فصرح لهم بالأمر بالعدل تأكيدا وتشديدا ، ثم ذكر لهم علة الأمر بالعدل وهو قوله { هو أقرب للتقوى } ونظيره قوله { وأن تعفوا أقرب للتقوى } ( البقرة : 237 ) أي هو أقرب للتقوى ، وفيه وجهان ، الأول : هو أقرب إلى الاتقاء من معاصي الله تعالى ، والثاني : هو أقرب إلى الاتقاء من عذاب الله وفيه تنبيه عظيم على وجوب العدل مع الكفار الذين هم أعداء الله تعالى ، فما الظن بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياؤه وأحباؤه . ثم ذكر الكلام الذي يكون وعدا مع المطيعين ووعيدا للمذنبين وهو قوله تعالى : { واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون } يعني أنه عالم بجميع المعلومات فلا يخفى عليه شيء من أوالكم . ! 7 < { وعد الله الذين ءامنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم } . > 7 < المائدة : ( 9 ) وعد الله الذين . . . . . > > ثم ذكر وعد المؤمنين فقال تعاللى : { وعد الله الذين ءامنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم } فالمغفرة إسقاط السيئات كما قال { فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات } ( الفرقان : 70 ) والأجر العظيم إيصال الثواب ، وقوله { لهم مغفرة وأجر عظيم } فيه وجوه : الأول : أنه قال أولا { وعد الله الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } فكأنه قيل : وأي شيء وعدهم ؟ فقال { لهم مغفرة وأجر عظيم } الثاني : التقدير كأنه قال : وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقال لهم مغفرة وأجر عظيم ، والثالث : أجرى قوله { وعد } مجرى قال ، والتقدير : قال الله في الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم ، والرابع : أن يكون { وعد } واقعا على جملة { لهم مغفرة وأجر عظيم } أي وعدهم بهذا المجموع . فإن قيل : لم أخبر عن هذا الوعد مع أنه لو أخبر بالموعود به كان ذلك أقوى ؟

Bölüm V11/P142–V11/P143

قلنا : بل الأخبار عن كون هذا الوعد وعد الله أقوى . وذلك لأنه أضاف هذا الوعد إلى الله تعالى فقال { وعد الله } والإله هو الذي يكون قادرا على جميع المقدورات عالما بجميع المعلومات غنيا عن كل الحاجات ، وهذا يمتنع الخلف في وعده ، لأن دخول الخلف إنما يكون إما للجهل حيث ينسى وعده ، وإما للعجز حيث لا يقدر على الوفاء بوعده ، وإما للبخل حيث يمنعه البخل عن الوفاء بالوعد ، وإما للحاجة ، فإذا كان الإله هو الذي يكون منزها عن كل هذه الوجوه كان دخول الخلف في وعده محالا ، فكان الإخبار عن هذا الوعد أوكد وأقوى من نفس الأخبار عن الموعود به ، وأيضا فلأن هذا الوعد يصل إليه قبل الموت فيفيده السرور عن سكرات الموت فتسهل بسببه تلك الشدائد ، وبعد الموت يسهل عليه بسببه البقاء في ظلمة القبر وفي عرصة القيامة عند مشاهدة تلك الأهوال . ! 7 < { والذين كفروا وكذبوا بأاياتنآ أولئك أصحاب الجحيم } > 7 < المائدة : ( 10 ) والذين كفروا وكذبوا . . . . . > > ثم ذكر بعد ذلك وعيد الكفار فقال : { والذين كفروا وكذبوا بئاياتنا أولائك أصحاب الجحيم } . هذه الآية نص قاطع في أن الخلود ليس إلا للكفار ، لأن قوله { أولائك أصحاب الجحيم } يفيد الحصر ، والمصاحبة تقتضي الملازمة كما يقال : أصحاب الصحراء ، أي الملازمون لها . ! 7 < { ياأيهآ الذين ءامنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون } > 7 < المائدة : ( 11 ) يا أيها الذين . . . . . > > وقوله تعالى : { الجحيم يأيها الذين ءامنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم }وفيه مسائل : المسألة الأولى : في سبب نزول هذه الآية وجهان : الأول : أن المشركين في أول الأمر كانوا غالبين ، والمسلمين كانوا مقهورين مغلوبين ، ولقد كان المشركون أبدا يريدون أيقاع البلاء والقتل والنهب بالمسلمين ، والله تعالى كن يمنعهم عن مطلوبهم إلى أن قوي الإسلام وعظمت شوكة المسلمين فقال تعالى : { اذكروا نعمتى الله عليكم إذ هم قوم } وهو المشركون { أن يبسطوا إليكم أيديهم } بالقتل والنهب والنفي فكف الله تعالى بلطفه ورحمته أيدي الكفار عنكم أيها المسلمون ، ومثل هذا الأنعام العظيم يوجب عليكم أن تتقوا معاصيه ومخالفته . ثم قال تعالى : { واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون } أي كونوا مواظبين على طاعة الله تعالى ، ولا تخافوا أحدا في إقامة طاعات الله تعالى .

Bölüm V11/P143–V11/P144

الوجه الثاني : أن هذه الآية نزلت في واقعة خاصة ثم فيه وجوه : الأول : قال ابن عباس والكلبي ومقاتل : كان النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى بني عامر فقتلوا ببئر معونة إلا ثلاثة نفر : أحدهم عمرو بن امية الضمري ، وانصرف هو وآخر معه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليخبراه خبر القوم ، فلقيا رجلين من بني سليم معهما أمان من النبي صلى الله عليه وسلم فقتلاهما ولم يعلما أن معهما أمانا ، فجاء قومهما يطلبون الدية ، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلى حتى دخلوا على بني النضير ، وقد كانوا عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم على ترك القتال وعلى أن يعينوه في الديات . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : رجل من أصحابي أصاب رجلين معهما أمان مني فلزمني ديتهما ، فأريد أن تعينوني ، فقالوا أجلس حتى نطعمك ونعطيك ما تريد ، ثم خموا بالفتك برسول الله وبأصحابه ، فنزل جبريل وأخبره بذلك ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحال مع أصحابه وخرجوا ، فقال اليهود : إن قدورنا تغلي ، فأعلمهم الرسول أنه قد نزل عليه الوحي بما عزموا عليه . قال عطاء : توامروا على أن يطرحوا عليه رحا أو حجرا ، وقيل : بل ألقوا فأخذه جبريل عليه السلام ، والثاني : قال آخرون : إن الرسول نزل منزلا وتفرق الناس عنه ، وعلق رسول الله صلى الله عليه وسلم سلاحه بشجرة ، فجاء إعرابي وسل سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : من يمنعك مني ؟ فقال لا أحد ، ثم صاح رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه فأخبرهم وأبى أن يعاقبه ، وعلى هذين القولين فالمراد من قوله { اذكروا نعمتى الله عليكم } تذكير نعمة الله عليهم بدفع الشر والمكروه عن نبيهم ، فأنه لو حصل ذلك لكان من أعظم المحن ، والثالث : روي أن المسلمين قاموا ءلى صلاة الظهر بالجماعة وذلك بعسفان ، فلما صلوا ندم المشركون وقالوا ليتنا أوقعنا بهم في أثناء صلاتهم ، فقيل لهم : إن للمسلمين بعدها صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وآبائهم ، يعنون صلاة العصر ، فهموا بأن يوقعوا بهم إذ قامو إليه ، فنزل جبريل عليه السلام بصلاة الخوف . المسألة الثانية : يقال : بسط إليه لسانه إذا شتمه ، وبسط إليه يده إذا بطش به . ومعنى بسط اليد مده إلى المطبوش به ، ألا ترى أن قولهم : فلان بسيط الباع ومديد الباع بمعنى واحد { فكف أيديهم عنكم } أي منعها أن تصل إليكم . ! 7 < { ولقد أخذ الله ميثاق بنىإسراءيل وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا وقال الله إنى معكم لئن أقمتم الصلواة وءاتيتم الزكواة وءامنتم برسلى وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجرى من تحتها الا نهار فمن كفر بعد ذالك منكم فقد ضل سوآء السبيل } > 7 < المائدة : ( 12 ) ولقد أخذ الله . . . . . > > قوله تعالى : { ولقد أخذ الله ميثاق بنى إسراءيل وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا } وفيه مسائل :

Bölüm V11/P144–V11/P145

المسألة الأولى : أعلم أن في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوها : الأول : أنه تعالى خاطب المؤمنين فيما تقدم فقال { واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذى واثقكم به إذ قلتم الله وأطعنا } ( المئدة : 7 ) ثم ذكر الآن أنه أخذ الميثاق من بني إسرائيل لكنهم نقضوه وتركوا الوفاء به ، فلا تكونوا أيها المؤمنون مثل أولئك اليهود في هذا الخلق الذميم لئلا تصيروا مثلهم فيما نزل بهم من اللعن والذلة والمسكنة ، والثاني : أنه لما ذكر قوله { اذكروا نعمتى الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم } ( المائدة : 11 ) وقد ذكرنا في بعض الروايات أن هذه الآية نزلت في اليهود ، وأنهم أرادوا أيقاع الشر برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم ذكر الله تعالى ذلك أتبعه بذكر فضائحهم وبيان أنهم أبدا كانوا مواظبين على نقض العهود والمواثيق ، الثالث : أن الغرض من الآيات المتقدمة ترغيب المكلفين في قبول التكاليف وترك التمرد والعصيان ، فذكر تعالى أنه كلف من كان قبل المسلمين كما كلفهم ليعلموا أن عادة الله في التكليف والالزام غير مخصوصة بهم ، بل هي عادة جارية له مع جميع عباده . المسألة الثانية : قال الزجاج : النقيب فعيل أصله من النقب وهو الثقب الواسع ، يقال فلان نقيب القوم لأنه ينقب عن أحوالهم كما ينقب عن الأسرار ومنه المناقب وهي الفضائل لأنها لا تظهر إلا بالتنقيب عنها ، ونقبت الحائط أي بلغت في النقب إلى آخرة ، ومنه النقبة السراويل بغير رجلين لأنه قد بولغ في فتحها ونقبها ، ويقال : كلب نقيب ، وهو أن ينقب حنجرته لئلا يرتفع صوت نباحه ، وإنما يفعل ذلك البخلاء من العرب لئلا يطرقهم ضيف . إذ عرفت هذا فنقول : النقيب فعيل ، والفعيل يحتمل الفاعل والمفعول ، فإن كان بمعنى الفاعل فهو الناقب عن أحوال القوم المفتش عنها ، وقال أبو مسلم : النقيب ههنا فعيل بمعنى مفعول يعني اختارهم على بهم ، ونظيره أنه يقال للمضروب : ضريب ، وللمقتول قتيل . وقال الأصم : هم المنظور إليهم والمسند إليهم أمور القوم وتدبير مصالحهم . المسألة الثالثة : أن بني إسرائيل كانوا اثنى عشر سبطا ، فاختار الله تعالى من كل سبط رجلا يكون نقيبا لهم وحاكما فيهم . وقال مجاهد والكلبي والسدي : أن النقباء بعثوا إلى مدينة الجبارين الذين أمر موسى عليه السلام بالقتال معهم ليقفوا على أحوالهم ويرجعوا بذلك إلى نبيهم موسى عليه السلام أن يحدثوهم ، فنكثوا الميثاق إلا كالب بن يوفنا من سبط يهوذا ، ويوشع بن نون من سبط إفراثيم بن يوسف ، وهما اللذان قال الله تعالى فيهما { قال رجلان من الذين يخافون } ( المائدة : 23 ) الآية . قوله تعالى : { وقال الله إنى معكم لئن أقمتم الصلواة وءاتيتم أشق وما لهم من الله من واق مثل الجنة التى وعد المتقون تجرى من تحتها الانهار } وفيه مسائل : المسألة الأولى : في الآية حذف ، والتقدير : وقال الله لهم إني معكم ، إلا أنه حذف ذلك لاتصال الكلام بذكرهم . المسألة الثانية : قوله { إنى معكم } خطاب لمن ؟ فيه قولان : الأول : أنه خطاب للنقباء ، أي وقال الله للنقباء إني معكم . والثاني : أنه خطاب لكل بني إسرائيل ، وكلاهما محتمل إلا أن الأول أولى . لأن الضمير يكون عائدا إلى أقرب المذكورات ، وأقرب المذكور هنا النقباء والله أعلم .

Bölüm V11/P145–V11/P147

المسألة الثالثة : أن الكلام قد تم عند قوله { وقال الله إنى معكم } والمعنى إني معكم بالعلم والقدرة فأسمع كلامكم وأرى أفعالكم وأعلم ضمائركم وأقدر على إيصال الجزاء إليكم ، فقوله { إنى معكم } مقدمة معتبرة جدا في الترغيب والترهيب ، ثم لما وضع الله تعالى هذه المقدمة الكلية ذكر بعدها جملة شرطية ، والشرط فيها مركب من أمور خمسة ، وهي قوله { لئن أقمتم الصلواة وءاتيتم الزكواة وءامنتم برسلى وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا } والجزاء هو قوله { لاكفرن عنكم } وذلك إشارة إلى إزالة العقاب . وقوله { لهم جنات تجرى من تحتها الانهار } وهو إشارة إلى إيصال الثواب ، وفي الآية سؤالات : السؤال الأول : لم أخر الإيمان بالرسل عن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مع أنه مقدم عليها ؟ والجواب : أن اليهود كانوا مقرين بأنه لا بد في حصول النجاة من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة إلا أنهم كانوا مصرين على تكذيب بعض الرسلد فذكر بعد إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة أنه لا بد من الإيمان بجميع الرسل حتى يحصل المقصود ، وإلا لم يكن لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تأثير في حصول النجاة بدون الإيمان بجميع الرسل . والسؤال الثاني : ما معنى التعزيز ؟ الجواب : قال الزجاج : العزز في اللغة الرد ، وتأويل عززت فلانا ، أي فعلت به ما يرده عن القبيح ويزجره عنه ، ولهذا قال الأكثرون : معنى قوله { وعزرتموهم } أي نصرتموهم ، وذلك لأن من نصر إنسانا فقد رد عنه أعداءه . قال : ولو كان التعزيز هو التوقير لكان قوله { وتعزروه وتوقروه } ( الفتح : 9 ) تكرارا . والسؤال الثالث : قوله { وأقرضتم الله قرضا حسنا } دخل تحت إيتاء الزكاة ، فما الفائدة في الإعادة ؟ والجواب : المراد بإيتاء الزكاة الواجبات . وبهذا الاقراض الصدقات المندوبة ، وخصها بالذكر تنبيها على شرفها وعلو مرتبتها . قال الفراء : ولو قال : وأقرضتم الله إقراضا حسنا لكان صوابا أيضا إلا أنه قد يقام الإسم مقام المصدر ، ومثله قوله { فتقبلها ربها بقبول حسن } ( آل عمران : 37 ) ولم يقل يتقبل ، وقوله { وأنبتها نباتا حسنا } ولم يقل إنباتا . ثم قال تعالى : { فمن كفر بعد ذالك منكم فقد ضل سواء السبيل } أي أخطأ الطريق المستقيم الذي هو الدين الذي شرعه الله تعالى لهم . فإن قيل : من كفر قبل ذلك أيضا فقد ضل سواء السبيل . قلنا : أجل ، ولكن الضلال بعده أظهر وأعظم لأن الكفر إنما عظم قبحه لعظم النعمة المكفورة ، فإذا زادت النعمة زاد قبح الكفر وبلغ النهاية القصوى . ! 7 < { فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خآئنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين } . > 7 < المائدة : ( 13 ) فبما نقضهم ميثاقهم . . . . . > > ثم قال تعالى : { فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في نقضهم الميثاق وجوه : الأول : بتكذيب الرسل وقتل الأنبياء . الثاني : بكتمانهم صفة محمد صلى الله عليه وسلم . الثالث : مجموع هذه الأمور . المسألة الثانية : في تفسير ( اللعن ) وجوه : الأول : قال عطاء : لعناهم أي أخر جناهم من رحمتنا . الثاني : قال الحسن ومقاتل : مسخناهم حتى صاروا قردة وخنازير . قال ابن عباس ضربنا الجزية عليهم . ثم قال تعالى : { وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه } وفيه مسائل :

Bölüm V11/P147–V11/P148

المسألة الأولى : قرأ حمزة والكساي ( قسية ) بتشديد الياء بغير ألف على وزن فعلية ، والباقون بالألف والتخفيف ، وفي قوله ( قسية ) وجهان : أحدهما : أن تكون القسية بمعنى القاسية إلا أن القسي أبلغ من القاسي ، كما يقال : قادر وقدير ، وعالم وعليم ، وشاهد وشهيد ، فكما أن القدير أبلغ من القادر فكذلك القسي أبلغ من القاسي ، الثاني : أنه مأخوذ من قولهم : درهم قسي على وزن شقي ، أي فاسد رديء . قال صاحب ( الكشاف ) وهو أيضا من القسوة لأن الذهب والفضة الخالصين فيهما لين ، والمغشوش فيه يبس وضلابة ، وقرىء ( قسية ) بكسر القاف للاتباع . المسألة الثانية : قال أصحابنا { وجعلنا قلوبهم قاسية } أي جعلناها نائبة عن قبول الحق منصرفة عن الانقياد للدلائل . وقالت المعتزلة { وجعلنا قلوبهم قاسية } أي أخبرنا عنها بأنها صارت قاسية كما يقال : فلان جعل فلانا فاسقا وعدلا . ثم أنه تعالى ذكر بعض ما هو من نتائج تلك القسوة فقال { يحرفون الكلم عن مواضعه } وهذا التحريف يحتمل التأويل الباطل ، ويحتمل تغيير اللفظ ، وقد بينا فيما تقدم أن الأول أولى لأن الكتاب المنقول بالتواتر لا يتأتى فيه تغيير اللفظ . ثم قال تعالى : { ونسوا حظا مما ذكروا به } قال ابن عباس : تركوا نصيبا مما أمروا به في كتابهم وهو الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم . ثم قال تعالى : { ولا تزال تطلع على خائنة منهم } وفي الخائنة وجهان : الأول : أن الخائنة بمعنى المصدر ، ونظيره كثير ، كالكافية والعافية ، وقال تعالى : { فأهلكوا بالطاغية } ( الحاقة : 5 ) أي بالطغيان . وقال { ليس لوقعتها كاذبة } ( الواقعة : 2 ) أي كذب . وقال : { لا تسمع فيها لاغية } ( الغاشية : 11 ) أي لغوا . وتقول العرب : سمعت راغية الإبل . وثاغية الشاء يعنون رغاءها وثغاءها . وقال الزجاج : ويقال عافاه الله عافية ، والثاني : أن يقال : الخائنة صفة ، والمعنى : تطلع على فرقة خائنة أو نفس خائنة أو على فعلة ذات خيانة . وقيل : أراد الخائن ، والهاء للمبالغة كعلامة ونسابة . قال صاحب ( الكشاف ) وقرىء على خيانة منهم . ثم قال تعالى : { إلا قليلا منهم } وهم الذين آمنوا كعبد الله بن سلام وأصحابه . وقيل : يحتمل أن يكون هذا القليل من الذين بقوا على العهد ولم يخونوا فيه . ثم قال : { فاعف عنهم واصفح } وفيه قولان : الأول : أنه منسوخ بآية السيف ، وذلك لأنه عفو وصفح عن الكفار ، ولا شك أنه منسوخ بآية السيف . والقول الثاني : أنه غير منسوخ وعلى هذا القول ففي الآية وجهان : أحدهما : المعنى فاعف عن مذنبهم ولا تؤاخذهم بما سلف منهم ، والثاني : أنا إذا حملنا القليل عن الكفار منهم الذين بقوا على الكفر فسرنا هذه الآية بأن المراد منها أمر الله رسوله بأن يعفو عنهم ويصفح عن صغائر زلاتهم ما داموا باقين على العهد ، وهو قول أبي مسلم . ثم قال تعالى : { إن الله يحب المحسنين } وفيه وجهان : الأول : قال ابن عباس : إذا عفوت فأنت محسن ، وإذا كنت محسنا فقد أحبك الله . والثاني : أن المراد بهؤلاء المحسنين هم المعنيون بقوله { إلا قليلا منهم } وهم الذين نقضوا عهد الله ، والقول الأول أولى لأن صرف قوله { إن الله يحب المحسنين } على القول الأول إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه هو المأمور في هذه الآية بالعفو والصفح ، وعلى القول الثاني إلى غير الرسول ، ولا شك أن الأول أولى .

Sorular