Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
الأول : لا نسلم أن الولاية المذكورة في الآية غير عامة ، ولا نسلم أن كلمة { إنما } للحصر ، والدليل عليه قوله { إنما مثل الحيواة الدنيا كماء أنزلناه من السماء } ( يونس : 24 ) ولا شك أن الحياة الدنيا لها أمثال أخرى سوى هذا المثل ، وقال { إنما الحيواة الدنيا لعب ولهو } ( محمد : 36 ) ولا شك أن اللعب واللهو قد يحصل في غيرها . الثاني : لا نسلم أن الولاية بمعنى النصرة عامة في كل المؤمنين ، وبيانه أنه تعالى قسم المؤمنين قسمين : أحدهما : الذين جعلهم موليا عليهم وهم المخاطبون بقوله { إنما وليكم الله } والثاني : الأولياء ، وهم المؤمنون الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ، فإذا فسرنا الولاية ههنا بمعنى النصرة كان المعنى أنه تعالى جعل أحد القسمين أنصارا للقسم الثاني . ونصرة القسم الثاني غير حاصلة لجميع المؤمنين ، ولو كان كذلك لزم في القسم الذي هم المنصورون أن يكونوا ناصرين لأنفسهم ، وذلك محال ، فثبت أن نصرة أحد قسمي الأمة غير ثابتة لكل الأمة ، بل مخصوصة بالقسم الثاني من الأمة ، فلم يلزم من كون الولاية المذكورة في هذه الآية خاصة أن لا تكون بمعنى النصرة ، وهذا جواب حسن دقيق لا بد من التأمل فيه . وأما استدلالهم بأن الآية نزلت في حق علي فهو ممنوع ، فقد بينا أن أكثر المفسرين زعموا أنه في حق الأمة ، والمراد أن الله تعالى أمر المسلم أن لا يتخذ الحبيب والناصر إلا من المسلمين ، ومنهم من يقول : إنها نزلت في حق أبي بكر . وأما استدلالهم بأن الآية مختصة بمن أدى الزكاة في الركوع ، وذلك هو علي بن أبي طالب فنقول : هذا أيضا ضعيف من وجوه : الأول : أن الزكاة اسم للواجب لا للمندوب بدليل قوله تعالى { وإذ أخذنا } ( البقرة : 43 ) فلو أنه أدى الزكاة الواجبة في حال كونه في الركوع لكان قد أخر أداء الزكاة الواجب عن أول أوقات الوجوب ، وذلك عند أكثر العلماء معصية ، وأنه لا يجوز إسناده إلى علي عليه السلام ، وحمل الزكاة على الصدقة النافلة خلاف الأصل لما بينا أن قوله { وإذ أخذنا } ظاهرة يدل على أن كل ما كان زكاة فهو واجب . الثاني : هو أن اللائق بعلي عليه السلام أن يكون مستغرق القلب بذكر الله حال ما يكون في الصلاة ، والظاهر أن من كان كذلك فإنه لا يتفرغ لاستماع كلام الغير ولفهمه ، ولهذا قال تعالى : { الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم العالمون خلق الله السماوات والارض } ( آل عمران : 191 ) ومن كان قبله مستغرقا في الفكر كيف يتفرغ لاستماع كلام الغير . الثالث : أن دفع الخاتم في الصلاة للفقير ولم يكن له مال تجب الزكاة فيه ، ولذلك فإنهم يقولون : إنه لما أعطى ثلاثة أقراص نزل فيه سورة { أهل أتى } ( الإنسان : 1 ) وذلك لا يمكن إلا إذا كان فقيرا ، فأما من كان له مال تجب فيه الزكاة يمتنع أن يستحق المدح العظيم المذكور في تلك السورة على إعطاء ثلاثة أقراص ، وإذا لم يكن له مال تجب فيه الزكاة امتنع حمل قوله { ويؤتون الزكواة وهم راكعون } عليه . الوجه الخامس : هب أن المراد بهذه الآية هو علي بن أبي طالب لكنه لم يتم الاستدلال بالآية إلا إذا تم أن المراد بالولي هو المتصرف لا الناصر والمحب ، وقد سبق الكلام فيه .
المسألة الثالثة : أعلم أن الذين يقولون : المراد من قوله { ويؤتون الزكواة وهم راكعون } هو أنهم يؤتون الزكاة حال كونهم راكعين احتجوا بالآية على أن العمل القليل لا يقطع الصلاة ، فإنه دفع الزكاة إلى السائل وهو في الصلاة ، ولا شك أنه نوى إيتاء الزكاة وهو في الصلاة ، فدل ذلك على أن هذه الأعمال لا تقطع الصلاة ، وبقي في الآية سؤالان . السؤال الأول : المذكور في الآية هو الله تعالى ورسوله والمؤمنون ، فلم لم يقل : إنما أولياؤكم ؟ والجواب : أصل الكلام إنما وليكم الله ، فجعلت الولاية لله على طريق الأصالة ، ثم نظم في سلك إثباتها له إثباتها لرسول الله والمؤمنين على سبيل التبع ، ولو قيل : إنما أولياؤكم الله ورسوله والذين آمنوا لم يكن في الكلام أصل وتبع ، وفي قراءة عبد الله : إنما مولاكم الله . السؤال الثاني : { الذين يقيمون } ما محله ؟ الجواب : الرفع على البدل من { الذين كفروا } أو يقال : هم الذين يقيمون ، أو النصب على المدح ، والغرض من ذكره تمييز المؤمن المخلص عمن يدعي الإيمان ويكون منافقا ، لأن ذلك الإخلاص إنما يعرف بكونه مواظبا على الصلاة في حال الركوع ، أي في حال الخضوع والخشوع والإخبات لله تعالى . ! 7 < { ومن يتول الله ورسوله والذين ءامنوا فإن حزب الله هم الغالبون } > 7 ! < < المائدة : ( 56 ) ومن يتول الله . . . . . > > فيه مسألتان : المسألة الأولى : الحزب في اللغة أصحاب الرجل الذين يكونون معه على رأيه ، وهم القوم الذين يجتمعون لأمر حزبهم ، وللمفسرين عبارات . قال الحسن : جند الله ، وقال أبو روق : أولياء الله وقال أبو العالية : شيعة الله ، وقال بعضهم : أنصار الله . وقال الأخفش : حزب الله الذين يدينون بدينه ويطيعونه فينصرهم . المسألة الثانية : قوله { فإن حزب الله هم الغالبون } جملة واقعة موقع خبر المبتدأ ، والعائ ، غير مذكور لكونه معلوما ، والتقدير فهو غالب لكونه من جند الله وأنصاره . ! 7 < { يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أوليآء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين } > 7 ! < < المائدة : ( 57 ) يا أيها الذين . . . . . > > أعلم أنه تعالى نهى في الآية المتقدمة عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياى وساق الكلام في تقريره ، ثم ذكر ههنا النهي العام عن موالاة جميع الكفار وهو هذه الآية ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ أبو عمرون والكسائي { الكفار } بالجر عطفا على قوله { من الذين أوتوا الكتاب } ومن الكفار ، والباقون بالنصب عطفا على قوله { الذين اتخذوا } بتقدير : ولا الكفار . المسألة الثانية : قيل : كان رفاعة بن زيد وسويد بن الحرث أظهر الإيمان ثم نافقا ، وكان رجال من المسلمين يوادونهما ، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية . المسألة الثالثة : هذه الآية تقتضي امتياز أهل الكتاب عن الكفار لأن العطف يقتضي المغايرة ، وقوه { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب } ( البينة : 1 ) صريح في كونهم كفارا ، وطريق التوفيق بينهما أن كفر المشركين أعظم وأغلظ ، فنحن لهذا السبب نخصصهم باسم الكفر . والله أعلم .
المسألة الرابعة : معنى تلاعبهم بالدين واستهزائهم إظهارهم ذلك باللسان مع الإصرار على الكفر في القلب ، ونظيره قوله تعالى في سورة البقرة { وإذا لقوا الذين ءامنوا قالوا ءامنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن } ( البقرة : 14 ) والمعنى أن القوم لما اتخذوا دينكم هزوا وسخرية فلا تتخذوهم أولياء وأنصارا وأحبابا ، فإن ذلك الأمر الخارج عن العقل والمروءة . ! 7 < { وإذا ناديتم إلى الصلواة اتخذوها هزوا ولعبا ذالك بأنهم قوم لا يعقلون } > 7 ! < < المائدة : ( 58 ) وإذا ناديتم إلى . . . . . > > لما حكى في الآية الأولى عنهم أنهم اتخذوا دين المسلمين هزوا ولعبا ذكر ههنا بعض ما يتخذونه من هذا الدين هزوا ولعبا فقال : { مؤمنين وإذا ناديتم إلى الصلواة اتخذوها هزوا ولعبا } وفيه مسائل : المسألة الأولى : الضمير في قوله { اتخذوها } للصلاة أو المناداة . قيل : كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المؤذن بالمدينة يقول : أشهد أن محمدا رسول الله يقول : احرق الكاذب ، فدخلت خادمته بنار ذات ليلة فتطايرت منها شرارة البيت فاحترق البيت واحترق هو وأهله . وقيل : كان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي للصلاة وقام المسلمون إليها ، فقالت اليهود : قاموا لا قاموا ، صلوا لا صلوا على طريق الاستهزاء ، فنزلت الآية . وقيل : كان المنافقون يتضاحكون عند القيام إلى الصلاة تنفيرا للناس عنها . وقيل : قالوا يا محمد لقد أبدعت شيئا لم يسمع فيما مضى ، فإن كنت نبيا فقد خالفت فيما أحدثت جميع الأنبياء ، فمن أين لك صياح كصياح العير ، فأنزل الله هذه الآية . المسألة الثانية : قالوا : دلت الآية على ثبوت الأذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده . المسألة الثالثة : قوله { هزوا ولعبا } أمران ، وذلك لأنهم عند إقامة الصلاة يقولون : هذه الأعمال التي أتينا بها استهزاء بالمسلمين وسخرية منهم ، فإنهم يظنون أنا على دينهم مع أنا لسنا كذلك . ولما اعتقدوا أنه ليس فيها فائدة ومنفعة في الدين والدنيا قالوا إنها لعب . ثم قال تعالى : { ذالك بأنهم قوم لا يعقلون } أي لو كان لهم عقل كامل لعلموا أن تعظيم الخالق المنعم وخدمته مقرونة بغاية التعظيم لا يكون هزوا ولعبا ، بل هو أحسن أعمال العباد وأشرف أفعالهم ، ولذلك قال بعض الحكماء : أشرف الحركات الصلاة ، وأنفع السكنات الصيام . ! 7 < { قل يأهل الكتاب هل تنقمون منآ إلا أن ءامنا بالله ومآ أنزل إلينا ومآ أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون } > 7 ! < < المائدة : ( 59 ) قل يا أهل . . . . . > > أعلم أن وجه النظم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم اتخذوا دين الإسلام هزوا ولعبا قال لهم : ما الذين تنقمون من هذا الدين ، وما الذي تجدون فه مما يوجب اتخاذه هزوا ولعبا وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ الحسن { هل تنقمون } بفتح القاف ، والفصيح كسرها . يقال : نقمت الشيء ونقمته بكسر القاف وفتحها إذا أنكرته ، وللمفسرين عبارات : هل تنقمون منا : هل تعيبون هل تنكرون ، هل تكرهون . قال بعضهم : سمي العقاب نقمة لأنه يجب على ما ينكر من الفعل . وقال آخرون : الكراهة التي يتبعها سخط من الكاره تسمى نقمة ، لأنها تتبعها النقمة التي هي العذاب فعلى القول الأول لفظ النقمة موضوع أولا للمكروه ، ثم سمي العذاب نقمة لكونه مكروها ، وعلى القول الثاني لفظ النقمة موضوع للعذاب ، ثم سمي المنكر والمكروه نقمة لأنه يتبعه العذاب .
المسألة الثانية : معنى الآية أنه يقول لأهل الكتاب : لم اتخذتم هذا الدين هزوا ولعبا ، ثم قال على سبيل التعجب : هل تجدون في هذا الدين إلا الإيمان بالله والإيمان بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ، والإيمان بجميع الأنبياء الذين كانوا قبل محمدا يعني أن هذا ليس مما ينقم ، أما الإيمان بالله فهو رأس جميع الطاعات ، وأما الإيمان بمحمد وبجميع الأنبياء فهو الحق والصدق ؛ لأنه إذا كان الطريق إلى تصديق بعض الأنبياء في ادعاء الرسالة والنبوة هو المعجز ، ثم رأينا أن المعجز حصل على يد محمد عليه الصلاة والسلام وجب الإقرار بكونه رسولا ، فأما الإقرار بالبعض وإنكار البعض فذلك كلام متناقض ، ومذهب باطل ، فثبت أن الذي نحن عليه هو الدين الحق والطريق المستقيم ، فلم تنقموه عليناا قال ابن عباس : إن نفرا من اليهود أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه عمن يؤمن به من الرسل ، فقال : أؤمن بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل إلى قوله ونحن له مسلمون ، فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته وقالوا : والله ما نعلم أهل دين أقل حظا في الدنيا والآخرة منكم ولا دينا شرا من دينكم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية وما بعدها . وأما قوله { وأن أكثركم فاسقون } فالقراءة العامة { ءان } بفتح الألف ، وقرأ نعيم بن ميسرة { ءان } بالكسر ، وفي الآية سؤالات : السؤال الأول : كيف ينقم اليهود على المسلمين مع كون أكثر اليهود فاسقين ؟ والجواب من وجوه : الأول : قوله { وأن أكثركم فاسقون } تخصيص لهم بالفسق ، فيدل على سبيل التعريض أنهم لم يتبعوهم على فسقهم ، فكان المعنى : وما تنقمون منا إلا أن آمنا . وما فسقنا مثلكم ، الثاني : لما ذكر تعالى ما ينقم اليهود عليهم من الإيمان بجميع الرسل وليس ذلك ببما ينعم ذكر في مقابله فسقهم ، وهو مما ينقم ، ومثل هذا حسن في الازدواج . يقول القائل : هل تنقم مني إلا أني عفيف وأنك فاجر ، وأني غني وأنت فقير ، فيحسن ذلك لإتمام المعنى على سبيل المقابلة . والثالث : أن يكون الواو بمعنى ( مع ) أي وما تنقمون منا إلا الإيمان بالله مع أن أكثركم فاسقون ، فإن أحد الخصمين إذا كان موصوفا بالصفات الذميمة واكتسب الثاني شيئا كثيرا من الصفات الحميدة كان اكتسابه للصفات الحميدة مع كون خصمه مكتسبا للصفات الذميمة أشد تأثيرا في وقوع البغض والحسد في قلب الخصم . والرابع : أن يكون على تقدير حذف المضاف ، أي واعتقاد أنكم فاسقون . الخامس : أن يكون التقدير : وما تنقمون منا إلا بأن آمنا بالله وبأن أكثركم فاسقون ، يعني بسبب فسقكم نقمتم الإيمان علينا . السادس : يجوز أن يكون تعليلا معطوفا على تعليل محذوف كأنه قيل : وما تنقمون منا إلا الإيمان لقلة إنصافكم ، ولأجل أن أكثركم فاسقون . السؤال الثاني : اليهود كلهم فساق وكفار ، فلم خص الأكثر بوصف الفسق ؟ والجواب من وجهين : الأول : يعني أن أكثركم إنما يقولون ما يقولون ، ويفعلون ما يفعلون طلبا للرياسة والجاه وأخذ الرشوة والتقرب إلى الملوك ، فأنتم في دينكم فساق لا عدول ، فإن الكافر والمبتدع قد يكون عدل دينه ، وقد يكون فاسق دينه ، ومعلوم أن كلهم ما كانوا كذلك فلذلك خص أكثرهم بهذا الحكم ، والثاني : ذكر أكثرهم لئلا يظن أن من آمن منهم داخل في ذلك . ! 7 < { قل هل أنبئكم بشر من ذالك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولائك شر مكانا وأضل عن سوآء السبيل } . > 7 < المائدة : ( 60 ) قل هل أنبئكم . . . . . > > فيه مسائل :
المساألة الأولى : قوله { من ذالك } إشارة إلى المنقم ، ولا بد من حذف المضاف ، وتقديره : بشر من أهل ذلك ؛ لأنه قال : { من لعنه الله } ولا يقال الملعون شر من ذلك الدين ، بل يقال : إنه شر ممن له ذلك الدين . فإن قيل : فهذا يقتضي كون الموصوفين بذلك الدين محكوما عليهم بالشر ، ومعلوم أنه ليس كذلك . قلنا : إنما خرج الكلام على حسب قولهم واعتقادهم ، فإنهم حكموا بأن اعتقاد ذلك الدين شر ، فقيل لهم : هب أن الأمر كذلك ولكن لعنة الله وغضبه ومسخ الصور شر من ذلك . المسألة الثانية : { مثوبة } نصب على التمييز ، ووزنها مفعلة كقولك : مقولة ومجوزة ، وهو بمعنى المصدر ، وقد جاءت مصادر على مفعول كالمعقول والميسور . فإن قيل : المثوبة مختصة بالإحسان ، فكيف جاءت في الإساءة ؟ قلنا : هذا على طريقة قوله { فبشرهم بعذاب أليم } ( آل عمران : 21 ) وقول الشاعر : تحية بينهم ضرب وجيع المسألة الثالثة : { من } في قوله { من لعنه الله } يحتمل وجهين : الأول : أنه في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، فإنه لما قال : { قل هل أنبئكم بشر من ذالك } فكأن قائلا قال : من ذلك ؟ فقيل : هو من لعنه الله ، ونظيره قوله تعالى : { قل أفأنبئكم بشر من ذالكم النار } ( الحج : 72 ) كأنه قال : هو النار . الثاني : يجوز أن يكون في موضع خفض بدلا من ( شر ) والمعنى أنبئكم بمن لعنه الله . المسألة الرابعة : اعلم أنه تعالى ذكر من صفاتهم أنواعا : أولها : أنه تعالى لعنهم ، وثانيها : أنه غضب عليهم ، وثالثها : أنه جعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت . قال أهل التفسير : عنى بالقردة أصحاب السبت ، وبالخنازير كفار مائدة عيسى . وروي أيضا أن المسخين كانا في أصحاب السبت لأن شبانهم مسخوا قردة ، ومشايخهم مسخوا خنازير . المسألة الخامسة : ذكر صاحب ( الكشاف ) في قوله { وعبد الطاغوت } أنواعا من القرآات : أحدها : قرأ أبي : وعبدوا الطاغوت ، وثانيها : قرأ ابن مسعود : ومن عبدوا ، وثالثها : وعابد الطاغوت عطفا على القردة ، ورابعها : وعابدي ، وخامسها : وعباد ، وسادسها : وعبد ، وسابعها : وعبد ، بوزن حطم ، وثامنها : وعبيد ، وتاسعها : وعبد بضمتين جميع عبيد ، وعاشرها : وعبدة بوزن كفرة ، والحادي عشر : وعبد ، وأصله عبدة ، فحذفت التاء للإضافة ، أو خهو كخدم في جمع خادم ، والثاني عشر : عبد ، والثالث عشر : عباد ، والرابع عشر : وأعبد ، والخامس عشر : وعبد الطاغوت على البناء للمفعول ، وحذف الراجع ، بمعنى وعبد الطاغوت فيهم أو بينهم ، والسادس عشر : وعبد الطاغوت ، بمعنى صار الطاغوت معبودا من دون الله تعالى ، كقولك : أمر إذا صار أميرا ، والسابع عشر : قرأ حمزة : عبد الطاغزت بفتح العين وضم الباء ونصب الدال وجر الطاغوت ، وعابوا هذه القراءة على حمزة ولحنوه ونسبوه إلى ما لا يجوز ذكره ، وقال قوم : إنها ليست بلحن ولا خطأ ، وذكروا فيها وجوها : الأول : أن العبد هو العبد إلا أنهم ضموا الباء للمبالغة ، كقولهم : رجل حذر وفطن للبليغ في الحذر والفطنة ، فتأويل عبد الطاغوت أنه بلغ الغاية في طاعة الشيطان ، وهذا أحسن الوجوه . الثاني : أن العبد ، والعبد لغتان كقوللهم : سبع وسبع . والثالث : أن العبد جمعه عباد ، والعباد جمعه عبد / كثمار وثمر . ثم استثلقوا ضمتين متواليتين فأبدلت الأولى بالفتحة . الرابع : يحتمل أنه أراد أعبد الطاغوت ، فيكون مثل فلس وأفلس ، ثم حذفت الهمزة ونقلت حركتها إلى العين . الخامس : يحتمل أنه أراد : وعبدة الطاغوت كما قريء ، ثم حذف الهاء وضم الباء لئلا يشتبه بالفعل .
المسألة السادسة : قوله { وعبد الطاغوت } قال الفراء : تأويله وجعلل منهم القردة ومن عبد الطاغوت ، فعلى هذا : الموصول محذوف . المسألة السابعة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الكفر بقضاء الله . قالوا : لأن تقدير الآية وجعل الله منهم من عبد الطاغوت ، وإنما يعقل معنى هذا الجعل إذا كان هو الذي جعل فيهم تلك العبادة ، إذ لو كان جعل تلك العبادة منهم لكان الله تعالى ما جعلهم عبدة الطاغوت ، بل كانوا هم الذين جعلوا أنفسهم كذلك ، وذلك على خلاف الآية . قالت المعتزلة : معناه أنه تعالى حكم عليهم بذلك ووصفهم به كقوله { وجعلوا الملئكة الذين هم عباد الرحمان إناثا } ( الزخرف : 19 ) والكلام فيه قد تقدم مرارا . المسألة الثامنة : قيل : الطاغوت العجل ، وقيل : الطاغوت الأحبار ، وكل من أطاع أحدا في معصية الله فقد عبده . ثم قال تعالى : { أولئك شر مكانا } أي أولئك الملعونون الممسوخون شر مكانا من المؤمنين ، وفي لفظ المكان وجهان : الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : لأن مكانهم سقر ، ولا مكان أشد شرا منه . والثاني : أنه أضعف الشر في اللفظ إلى المكان وهو في الحقيقة لأهله ، وهو من باب الكناية كقولهم : فلان طويل النجاد كثير الرماد ، ويرجع حاصله إلى الإشارة إلى الشيء بذكر لوازمه وتوابعه . ثم قال : { وأضل عن سواء السبيل } أي عن قصد السبيل والدين الحق . قال المفسرون : لما نزلت هذه الآية عبر المسلمون أهل الكتاب وقالوا : يا إخوان القردة والخنازير ، فافتضحوا ونكسوا رؤوسهم . ! 7 < { وإذا جآءوكم قالوا ءامنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به والله أعلم بما كانوا يكتمون } . > 7 ! < < المائدة : ( 61 ) وإذا جاؤوكم قالوا . . . . . > > فيه مسائل : المسألة الأولى : قالوا : نزلت هذه الآية في ناس من اليهود كانوا يدخلون على الرسول عليه الصلاة والسلام ويظهرون له الإيمان نفاقا ، فأخبره الله عز وجل بشأنهم وأنهم يخرجون من مجلسك كما دخلوا لم يتعلق بقلبهم شيء من دلائلك وتقريراتك ونصائحك وتذكيراتك . المسألة الثانية : الباء في قوله { دخلوا بالكفر وهم خرجوا به } يفيد بقاء الكفر معهم حالتي الدخول والخروج من غير نقصان ولا تغيير فيه البتة ، كما تقول : دخل زيد بثوبه وخرج به ، أي بقي ثوبه حال الخروج كما كان حال الدخول . المسألة الثالثة : ذكر عند الدخول كلمة { قد } فقال { وقد دخلوا بالكفر } وذكر عند الخروج كلمة { هم } فقال : { وهم قد خرجوا به } قالوا : الفائدة في ذكر كلمة ( قد ) تقريب الماضي من الحال ، والفائدة في ذكر كلمة ( هم ) التأكيد في إضافة الكفر إليهم ، ونفى أن يكون من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فعل ، أي لم يسمعوا منك يا محمد عند جلوسهم معك ما يوجب كفرا د فتكون أنت الذي ألقيتهم في الكفر ، بل هم الذين خرجوا بالكفر باختيار أنفسهم . المسألة الرابعة : قالت المعتزلة : إنه تعالى أضاف الكفر إليهم حالتي الدخول والخروج على سبيل الذم ، وبالغ في تقرير تلك الاضافة بقوله { وهم قد خرجوا به } فدل هذا على أنه من العبد لا من الله . والجواب : المعارضة بالعلم والداعي . ثم قال تعالى : { والله أعلم بما كانوا يكتمون } والغرض منه المبالغة فيما في قلوبهم من الجد والاجتهاد في المكر بالمسلمين والكيد بهم والبغض والعداوة لهم ثم قال تعالى : ! 7 < { وترى كثيرا منهم يسارعون فى الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون } . > 7 !
< < المائدة : ( 62 ) وترى كثيرا منهم . . . . . > > المسارعة في الشيء الشروع فيه بسرعة . قيل : الإثم الكذب ، والعدوان الظلم . وقيل : الإثم ما يختص بهم ، والعدوان ما يتعداهم إلى غيرهم ، وأما أكل السحت فهو أخذ الرسوة ، وقد تقدم الاستقصاء في تفسير السحت ، وفي الآية فوائد : الفائدة الأولى : أنه تعالى قال : { وترى كثيرا منهم } والسبب أن كلهم ما كان يفعل ذلك ، بل كان بعضهم يستحيي فيترك . الفائدة الثانية : أن لفظ المسارعة إنما يستعملل في أكثر الأمر في الخير . قال تعالى : { يسارعون فى الخيرات } ( آل عمران : 114 ) وقال تعالى : { نسارع لهم فى الخيرات } ( المؤمنون : 56 ) فكان اللائق بهذا الموضع لفظ العجلة ، إلا أنه تعالى ذكر لفظ المسارعة لفائدة ، وهي أنهم كانوا يقدمون على هذه المنكرات كأنهم محقون فيه . الفائدة الثالثة : لفظ الاثم يتناول جميع المعاصي والمنهيات ، فلما ذكر الله تعالى بعده العدوان وأكل السحت دل هذا على أن هذين النوعين أعظم أنواع المعصية والإثم ثم قال تعالى : ! 7 < { لولا ينهاهم الربانيون والا حبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون } . > 7 < المائدة : ( 63 ) لولا ينهاهم الربانيون . . . . . > > معنى { لولا } هاهنا التخصيص والتوبيخ ، وهو بمعنى هلا ، والكلام في تفسير الربانيين والأحبار قد تقدم . قال الحسن : الربانيون علماء أهل الإنجيل ، والأحبار علماء أهل التوراة . وقال غيره : كله في اليهود لأنه متصل بذكرهم ، والمعنى أن الله تعالى استبعد من علماء أهل الكتاب أنهم ما نهوا سفلتهم وعوامهم عن المعاصي ، وذلك يدل على أن تارك النهي عن المنكر بمنزلة مرتكبه ، لأنه تعالى ذم الفريقين في هذه الآية على لفظ واحد ، بل نقول : إن ذم تارك النهي عن المنكر بمنزلة مرتكبه ، لأنه تعالى ذم الفريقين في هذه الآية على لفظ واحد ، بل نقول : إن ذم تارك النهي عن المنكر أقوى لأنه تعالى قال في المقدمين على الإثم والعدوان وأكل السحت { لبئس ما كانوا يعملون } ( المائدة : 62 ) وقال في العلماء التاركين للنهي عن المنكر { لبئس ما كانوا يصنعون } والصنع أقوى من العمل لأن العمل إنما يسمى صناعة إذا صار مستقرا راسخا متمكنا ، فجعل جرم العاملين ذنبا غير راسخ ، وذنب التاركين للنهي عن المنكر ذنبا راسخا ، والأمر في الحقيقة كذلك لأن المعصية مرض الروح ، وعلاجه العلم بالله وبصفاته وبأحكامه ، فإذا حصل هذا العلم وما زالت المعصية كان مثل المرض الذي شرب صاحبه الدواء فما زال ، فكما أن هناك يحصل العلم بأن المرض صعب شديد لا يكاد يزول ، فكذلك العالم إذا أقدم على المعصية دل على أن مرض القلب في غاية القوة والشدة ، وعن ابن عباس : هي أشد آية في القرآن ، وعن الضحاك : ما في القرآن آية أخوف عندي منها والله أعلم . ! 7 < { وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشآء وليزيدن كثيرا منهم مآ أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضآء إلى يوم القيامة كلمآ أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون فى الا رض فسادا والله لا يحب المفسدين } . > 7 < المائدة : ( 64 ) وقالت اليهود يد . . . . . > > قوله تعالى : { وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا } . اعلم أن في الآية مسائل :
المسألة الأولى : في هذا الموضع إشكال وهو أن الله تعالى حكى عن اليهود أنهم قالوا ذلك ، ولا شك في أن الله تعالى صادق في كل ما أخبر عنه ، ونرى اليهود مطبقين متفقين على أنا لا نقول ذلك ولا نعتقده البتة ، وأيضا المذهب الذي يحكى عن العقلاء لا بد وأن يكون معلوم البطلان بضرورة العقل ، والقول بأن يد الله مغلولة قول باطل ببديهة العقل ، لأن قولنا ( الله ) اسم لموجود قديم ، وقادر على خلق العالم وإيجاده وتكوينه ، وهذا الموجود يمتنع أن تكون يده مغلولة وقدرته مقيدة وقاصرة ، وإلا فكيف يمكنه مع اللقدرة الناقصة حفظ العالم وتدبيره . إذا ثبت هذا فنقول : حصل الاشكال الشديد في كيفية تصحيح هذا النقل وهذه الرواية فنقول : عندنا فيه وجوه : الأول : لعل القوم إنما قالوا هذا على سبيل الإلزام ، فإنهم لما سمعوا قاوله تعالى : { من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا } ( البقرة : 245 ) قالوا : لو احتاج إلى القرض لكان فقيرا عاجزا ، فلما حكموا بأن الإله الذي يستقرض شيئا من عباده فقير مغلول اليدين ، لا جرم حكى الله عنهم هذا الكلام الثاني : لعل القوم لما رأوا أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم في غاية الشدة والفقر والحاجة قالوا على سبيل السخرية والاستهزاء : إن إله محمد فقير مغلول اليد ، فلما قالوا ذلك حكى الله عنهم هذا الكلام الثالث : قال المفسرون : اليهود كانوا أكثر الناس مالا وثروة ، فلما بعث الله محمدا وكذبوا به ضيق الله عليهم المعيشة فعند ذلك قالت اليهود : يد الله مغلولة ، أي مقبوضة عن العطاء على جهة الصفة بالبخل ، والجاهل إذا وقع في البلاء والشدة والمحنة يقول مثل هذه الألفاظ . الرابع : لعله كان فيهم من كان على مذهب الفلسفة ، وهو أنه تعالى مموجب لذاته ، وأن حدوث الحوادث عنه لا يمكن إلا على نهج واحد وسنن واحد ، وأنهه تعالى غير قادر على إحداث الحوادث على غير الوجوه التي عليها تقع ، فعبروا عن عدم الاقتدار على التغيير والتبديل بغل اليد . الخامس : قال بعضهم : المراد هو قول اليهود : إن الله لا يعذبنا إلا بقدر الأيام التي عبدنا العجل فيها ، إلا أنهم عبروا عن كونه تعالى غير معذب لهم إلا في هذا القدر من الزمان بهذه العبارة الفاسدة ، واستوجبوا اللعن بسبب فساد العبارة وعدم رعاية الأدب ، وهذا قول الحسن فثبت أن هذه الحكاية صحيحة على كل هذه الوجوه والله أعلم . المسألة الثانية : غل اليد وبسطها مجاز مشهور عن البخل والجود ، ومنه قوله تعالى : { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط } ( الإسراء : 29 ) قالوا : والسبب فيه أن اليد آلة لأكثر الأعمال لا سيما لدفع المال ولإنفاقه ، فأطلقوا اسم السبب على المسبب ، وأسندوا الجود والبخل إلى اليد والبنان والكف والأنامل . فقيل للجواد : فياض الكف مبسوط اليد ، وبسط البنان تره الأنامل . ويقال للبخيل : كز الأصابع مقبوض الكف جعد الأنامل . فإن قيل : فلما كان قوله { يد الله مغلولة } المراد منه البخل وجب أن يكون قوله { غلت أيديهم } المراد منه أيضا البخل لتصح المطابقة ، والبخل من الصفات المذمومة التي نهى الله تعالى عنها ، فكيف يجوز أن يدعو عليهم بذلك ؟ قلنا : قوله { يد الله مغلولة } عبارة عن عدم المكنة من البذل والإعطاء ، ثم إن عدم المكنة من الاعطاء تارة يكون لأجلل البخل وتارة يكون لأجل الفقر ، وتارة يكون لأجل العجز ، فكذلك قوله { غلت أيديهم } دعاء عليهم بعدم القدرة والمكنة ؛ سواء حصل ذلك بسبب العجز أو الفقر أو البخل ، وعلى هذا التقدير فإنه يزول الاشكال .
المسألة الثالثة : قوله { غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا } فيه وجهان : الأول : أنه دعاء عليهم ، والمعنى أنه تعالى يعلمنا أن ندعو عليهم بهذا الدعاء كما علمنا الاسثناء في قوله { لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ءامنين } ( الفتح : 27 ) وكما علمنا الدعاء عللى المنافقين في قوله { فزادهم الله مرضا } ( البقرة : 10 ) وعلى أبي لهب في قوله { تبت يدا أبى لهب } ( المسد : 1 ) الثاني : أنه إخبار . قال الحسن : غلت أيديهم في نار جهنم على الحقيقة ، أي شدت إلى أعناقهم جزاء لهم على هذا القول . فإن قيل : فإذا كان هذا الغل إنما حكم به جزاء لهم على هذا القول ، فكان ينبغي أن يقال : فغلت أيديهم . قلنا : حذف العطف وإن كان مضمرا إلا أنه حذف لفائدة ، وهي أنه لما حذف كان قوله { غلت أيديهم } كالكلام المبتدأ به ، وكون الكلام مبتدأ به يزيده قوة ووثاقة ؛ لأن الابتداء بالشيء يدل على شدة الاهتمام به وقوة الاعتناء بتقريره ، ونظير هذا الموضع في حذف فاء التعقيب قوله تعالى : { وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا } ( البقرة : 67 ) ولم يقل : فقالوا أتتخذنا هزوا . وأما قوله { ولعنوا بما قالوا } قال الحسن عذبوا في الدنيا بالجزية وفي الآخرة بالنار . ثم قال تعالى : { بل يداه مبسوطتان } . واعلم أن الكلام في هذه الآية من المهمات ، فإن الآيات الكثيرة من القرآن ناطقة بإثبات اليد ، فتارة المذكور هو اليد من غير بيان العدد . قال تعالى : { يد الله فوق أيديهم } ( الفتح : 10 ) وتارة بإثبات اليدين لله تعالى : منها هذه الآية ، ومنها قوله تعالى لإبليس الملعون { ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى } ( ص : 75 ) وتارة بإثبات الأيدي . قال تعالى : { أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما } ( يس : 71 ) . إذا عرفت هذا فنقول اختلفت الأمة في تفسير يد الله تعالى ، فقالت المجسمة : إنها عضو جسماني كما في حق كل أحد ، واحتجوا عليه بقوله تعالى : { لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم ءاذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون } ( الأعراف : 195 ) وجه الاستدلال أنه تعالى قدح في إلهية الأصنام لأجل أنها ليس لها شيء من هذه الأعضاء ، فلو لم تحصل لله هذه الأعضاء لزم القدح في كونه إلها ، ولما بطل ذلك وجب إثبات هذه الأعضاء له قالوا وأيضا اسم اليد موضوع لهذا العضو ، فحمله على شيء آخر ترك للغة ، وإنه لا يجوز . واعلم أن الكلام في إبطال هذا القول مبني على أنه تعالى ليس بجسم ، والدليل عليه أن الجسم لا ينفك عن الحركة والسكون ، وهما محدثان ، وما لا ينفك عن المحدث فهو محدث / ولأن كل جسم فهو متناه في المقدار ، وكل ما كان متناهيا في المقدار فهو محدث ، ولأن كل جسم فهو مؤلف من الأجزاء ، وكل ما كان كذلك كان قابلا للتركيب والانحلال ، وكل ما كان كذلك افتقر إلى ما يركبه ويؤلفه ، وكل ما كان كذلك فهو محدث ، فثبت بهذه الوجوه أنه يمتنع كونه تعالى جسما ، فيمتنع أن تكون يده عضوا جسمانيا .
وأما جمهور الموحدين فلهم في لفظ اليد قولان : الأول : قول من يقول : القرآن لما دل على إثباب اليد لله تعالى آمنا به ، والعقل لما دل على أنه يمتنع أن تكون يد الله عبارة عن جسم مخصوص وعضو مركب من الأجزاء والأبعاض آمنا به ، فأما أن اليد ما هي وما حقيقتها فقد فوضنا معرفتها إلى الله تعالى ، وهذا هو طريقة السلف . وأما المتكلمون فقالوا : اليد تذكر في اللغة على وجوه : أحدها : الجارحة وهو معلوم ، وثانيها : النعمة ، قوله : لفلان عندي يد أشكره عليها ، وثالثها : القوة قال تعالى { أولى الايدى والابصار } ( ص: 45 ) فسروه بذوي القوى والعقول ، وحكى سيبويه أنهم قالوا : لا يد لك بهذا ، والمعنى سلب كمال القدرة ورابعها : الملك ، يقال : هذه الضيعة في يد فلان ، أي في ملكه . قال تعالى : { الذى بيده عقدة النكاح } ( البقرة : 237 ) أي يملك ذلك ، وخامسها : شدة العناية والاختصاص . قال تعالى : { لما خلقت بيدى } ( ص: 75 ) والمراد تخصيص آدم عليه السلام بهذا التشريف ، فإنه تعالى هو الخالق لجميع المخلوقات . ويقال : يدي لك رهن بالوفاء إذا ضمن له شيئا . إذا عرفت هذا فنقول : اليد في حق الله يمتنع أن تكون بمعنى الجارحة ، وأما سائر المعاني فكلها حاصلة . وههنا قول آخر ، وهو أن أبا الحسن الأشعري رحمه الله زعم في بعض أقواله أن اليد صفة قائمة بذات الله تعالى ، وهي صفة سوى القدرة من شأنها التكوين على سبيل الاصطفاء قال : والذي يدل عليه أنه تعالى جعل وقوع خلق آدم بيديه علة لكرامة آدم واصطفائه ، فلو كانت اليد عبارة عن القدرة لامتنع كونه علة للاصطفاء ، لأن ذلك حاصل في جميع المخلوقات ، فلا بد من إثبات صفة أخرى وراء القدرة يقع بها الخلق والتكوين على سبيل الاصطفاء ، وأكثر العلماء زعموا أن اليد في حق الله تعالى عبارة عن القدرة وعن النعمة . فإن قيل : إن فسرتم اليد في حق الله تعالى بالقدرة فهذا مشكل ؛ لأن قدرة الله تعالى واحدة ونص القرآن ناطق بإثبات اليدين تارة ، وبإثبات الأيدي أخرى ، وإن فسرتموها بالنعمة فنص القرآن ناطق بإثبات اليدين ، ونعم الله غير محدودة كما قال تعالى : { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } ( إبراهيم : 34 ) ( النحل : 18 ) . والجواب : إن اخترنا تفسير اليد بالقدرة كان الجواب عن الاشكال المذكور أن القوم جعلوا قولهم { يد الله مغلولة } كناية عن البخل ، فأجيبوا على وفق كلامهم ، فقيل { بل يداه مبسوطتان } أي ليس الأمر على ما وصفتموه به من البخل ، بل هو جواد على سبيل الكمال . فإن من أعطى بيده أعطى على أكمل الوجوه ، وأما إن اخترنا تفسير اليد بالنعمة كان الجواب عن الاشكال المذكور من وجهين : الأول : أنه نسبة بحسب الجنس ، ثم يدخل تحت كل واحد من الجنسين أنواع لا نهاية لها ، فقيل : نعمتاه نعمة الدين ونعمة الدينا ، أو نعمة الظاهر ونعمة الباطن ، أو نعمة النفع ونعمة الدفع ، أو نعمة الشدة ونعمة الرخاء . الثاني : أن المراد بالنسبة المبالغة في وصف النعمة ، ألا ترى أن قولهم ( لبيك ) معناه إقامة على طاعتك بعد إقامة ، وكذلك ( سعديك ) معناه مساعدة بعد مساعدة ، وليس المراد منه طاعتين ولا مساعدتين . فكذلك الآية : المعنى فيها أن النعمة متظاهرة متتابعة ليست كما ادعى من أنها مقبوضة ممتنعة .
ثم قال تعالى : { ينفق كيف يشاء } أي يرزق ويخلق كيف يشاء ، إن شاء قتر ، وإن شاء وسع . وقال { ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا فى الارض ولاكن ينزل بقدر ما يشاء } ( الشورى : 27 ) وقال { يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } ( الرعد : 26 ) وقال } قل اللهم مالك الملك } إلى قوله { } قل اللهم مالك الملك } إلى قوله { } إلى قوله { وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير } ( آل عمران : 26 ) . واعلم أن هذه الآية رد على المعتزلة ، وذلك لأنهم قالوا : يجب على الله تعالى إعطاء الثواب للمطيع ، ويجب عليه أن لا يعاقبه ، ويجب عليه أن لا يدخل العاصي الجنة ، ويجب عليه عند بعضهم أن يعاقبه ، فهذا المنع والحجر والقيد يجري مجرى الغل ، فهم في الحقيقة قائلون بأن يد الله مغلولة وأما أهل السنة فهم القائلون بأن الملك ملكه ، وليس لأحد عليه استحقاق ، ولا لأحد عليه اعتراض كما قال { قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن فى الارض جميعا } ( المائدة : 17 ) فقوله سبحانه : } بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء } لا يستقيم إلا على المذهب والمقالة ، والحمد لله على الدين القويم والصراط المستقيم . ثم قال تعالى : { } بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء } لا يستقيم إلا على المذهب والمقالة ، والحمد لله على الدين القويم والصراط المستقيم . ثم قال تعالى : { } لا يستقيم إلا على المذهب والمقالة ، والحمد لله على الدين القويم والصراط المستقيم . ثم قال تعالى : { وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : المراد بالكثير علماء اليهود ، يعني ازدادوا عند نزول ما أنزل إليك من ربك من القرآن والحجج شدة في الكفر وغلوا في الانكار ، كما يقال : ما زادتك موعظتي إلا شرا . وقيل : إقامتهم على الكفر زيادة منهم في الكفر . المسألة الثانية : قال أصحابنا : دلت الآية على أنه تعالى لا يراعي مصالح الدين والدنيا لأنه تعالى لما علم أنهم يزدادون عند إنزال تلك الآيات كفرا وضلالا ، فلو كانت أفعاله معللة برعاية المصالح للعباد لامتنع عليه إنزال تلك الآيات ، فلما أنزلها علمنا أنه تعالى لا يراعي مصالح العباد ، ونظيره قوله { فزادتهم رجسا إلى رجسهم } ( التوبة : 125 ) . فإن قالوا : علم الله تعالى من حالهم أنهم سواء أنزلها أو لم ينزلها فإنهم يأتون بتلك الزيادة من الكفر ، فلهذا حسن منه تعالى إنزالها . قلنا : فعلى هذا التقدير لم يكن ذلك الازدياد لأجل إنزال تلك الآيات ، وهذا يقتضي أن تكون إضافة ازدياد اكفر إلى إنزال تلك الآيات باطلا ، وذلك تكذيب لنص القرآن . ثم قال تعالى : { وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة } . واعلم أن اتصال هذه الآية بما قبلها هو أنه تعالى بين أنهم إنما ينكرون نبوته بعد ظهور الدلائل على صحتها لأجل الحسد ولأجل حب الجاه والتبع والمال والسيادة .
ثم إنه تعالى بين أنهم لما رجحوا الدنيا على الآخرة لا جرم أن الله تعالى كما حرمهم سعادة الدين ، فكذلك حرمهم سعادة الدينا ، لأن كل فريق منهم بقي مصرا على مذهبه ومقالته ، يبالغ في نصرته ويطعن في كل ما سواه من المذاهب والمقالات تعظيما لنفسه وترويجا لمذهبه ، فصار ذلك سببا لوقوع الخصومة الشديدة بين فرقهم وطوائفهم ، وانتهى الأمر فيه إلى أن بعضهم يكفر بعضا ويغزو بعضهم بعضا ، وفي قوله { وألقينا بينهم العداوة والبغضاء } قولان : الأول : المراد منه ما بين اليهود والنصارى من العداوة لأنه جرى ذكرهم في قوله { لا تتخذوا اليهود والنصارى } ( المائدة : 51 ) وهو قول الحسن ومجاهد . الثاني : أن المراد وقوع العداوة بين فرق اليهود ، فإن بعضهم جبرية ، وبعضهم قدرية ، وبعضهم موحدة ، وبعضهم مشبهة ، وكذلك بين فرق النصارى : كالملكانية والنسطورية واليعقوبية . فإن قيل : فهذا المعنى حاصل بتمامه بين فرق المسلمين ، فكيف يمكن جعله عيبا على اليهود والنصارى ؟ قلنا : هذه البدع إنما حدثت بعد عصر الصحابة والتابعين ، أما في ذلك الزمان فلم يك شيء من ذلك حاصلا ، فلا جرم حسن من الرسول ومن أصحابه جعل ذلك عيبا على اليهود والنصارى . ثم قال تعالى : { كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله } . وهذا شرح نوع آخر من أنواع المحن عن اليهود ، وهو أنهم كلما هموا بأمر من الأمور رجعوا خائبين خاسرين مقهورين ملعونين كما قال تعالى : { ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا } ( آل عمران : 112 ) قال قتادة : لا تلقى اليهود ببلدة إلا وجدتم من أذل الناس . ثم قال تعالى : { ويسعون فى الارض فسادا } أي ليس يحصل في أمرهم قوة من العزة والمنعة ، إلا أنهم يسعون في الأرض فسادا ، وذلك بأن يخدعوا ضعيفا ، ويستخرجوا نوعا من المكر والكيد على سبيل الخفية . وقيل : إنهم لما خالفوا حكم التوراة سلط عليهم بختنصر ، ثم أفسدوا فسلط عليهم بطرس الرومي ، ثم أفسدوا فسلط عليهم المجوس ، ثم أفسدوا فسلط عليهم المسلمين . ثم قال تعالى : { والله لا يحب المفسدين } وذلك يدل على أن الساعي في الأرض بالفساد ممقوت عند الله تعالى ثم قال تعالى : ! 7 < { ولو أن أهل الكتاب ءامنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولا دخلناهم جنات النعيم } . > 7 ! < < المائدة : ( 65 ) ولو أن أهل . . . . . > > واعلم أنه تعالى لما بالغ في ذمهم وفي تهجين طريقتهم بين أنهم لو آمنوا واتقوا لوجدوا سعادات الآخرة والدنيا ، أما سعادات الآخرة فهي محصورة في نوعين : أحدهما : رفع العقاب ، والثاني : إيصال الثواب ، أما رفع العقاب فهو المراد بقوله { لكفرنا عنهم } وأما إيصال الثواب فهو المراد بقوله { سيئاتهم ولادخلناهم جنات النعيم } . فإن قيل : الإيمان وحده سبب مستقل باقتضاء تكفير السيآت وإعطاء الحسنات ، فلم ضم إليه شرط التقوى ؟ قلنا : المراد كونه آتيا بالإيمان لغرض التقوى والطاعة ، لا لغرض آخر من الأغراض العاجلة مثل ما يفعله المنافقون ثم قال تعالى : ! 7 < { ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ومآ أنزل إليهم من ربهم لاكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم سآء ما يعملون } . > 7 ! < < المائدة : ( 66 ) ولو أنهم أقاموا . . . . .
> > واعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أنهم لو آمنوا لفازوا بسعادات الآخرة ، بين في هذه الآية أيضا أنهم لو آمنوا لفازوا بسعادات الدنيا ووجدوا طيباتها وخيراتها ، وفي إقامة التوراة والإنجيل ثلاثة أوجه : أحدها : أن يعملوا بما فيها من الوفاء بعهود الله فيها ، ومن الاقرار باشتمالها في الدلائل الدالة على بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ، وثانيها : إقامة التوراة إقامة أحكامها وحدودها كما يقال : أقام الصلاة إذا قام بحقوقها ، ولا يقال لمن لم يوف بشرائطها : أنه أقامها . وثالثها : أقاموها نصب أعينهم لئلا يزلوا في شيء من حدودها ، وهذه الوجوه كلها حسنة لكن الأول أحسن . وأما قوله تعالى : { وما أنزل إليهم } ففيه قولان : الأول : أنه القرآن ، والثاني : أنه كتب سائر الأنبياء : مثل كتاب شعياء ومثل كتاب حيقوق ، وكتاب دانيال ، فإن هذه الكتب مملوءة من البشارة بمبعث محمد عليه الصلاة والسلام . وأما قوله تعالى : { لاكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم } فاعلم أن اليهود لما أصروا على تكذيب محمد عليه الصلاة والسلام أصابهم القحط والشدة ، وبلغوا إلى حيث قالوا : { يد الله مغلولة } فالله تعالى بين أنهم لو تركوا ذلك الكفر لانقلب الأمر وحصل الخصب والسعة ، وفي قوله { لاكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم } وجوه : الأول : أن المراد منه المبالفة في شرح السعة والخصب ، لا أن هناك فوقا وتحتا ، والمعنى لأكلوا أكلا متصلا كثيرا ، وهو كما تقول : فلان في الخير من فرقه إلى قدمه ، تريد تكاثف الخير وكثرته عنده . الثاني : أن الأكل من فوق نزول القطر ، ومن تحت الأرجل حصول النبات ، كما قال تعالى في سورة الأعراف { ولو أن أهل القرىءامنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض } ( الأعراف : 96 ) الثالث : الأكل من فوق كثرة الأشجار المثمرة ، ومن تحت الأرجل الزروع المغلة ، والرابع : المراد أن يرزقهم الجنان اليانعة الثمار ، فيجتنون ما تهدل من رؤوس الشجر ، ويلتقطون ما تساقط على الأرض من تحت أرجلهم ، والخامس : يشبه أن يكون هذا إشارة إلى ما جرى على اليهود من بني قريظة وبني النضير من قطع نخيلهم وإفساد زروعهم وإجلائهم عن أوطانهم . ثم قال تعالى : { منهم أمة مقتصدة } معنى الاقتصاد في اللغة الاعتدال في العمل من غير غلو ولا تقصير ، وأصله القصد ، وذلك لأن من عرف مطلوبه فإنه يكون قاصدا له على الطريق المستقيم من غير انحراف ولا اضطراب ، أما من لم يعرف موضع مقصوده فإنه يكون متحيرا ، تارة يذهب يمينا وأخرى يسارا ، فلهذا السبب جعل الاقتصاد عبارة عن العمل المؤدي إلى الغرض ، ثم في هذه الأمة المقتصدة قولان : أحدهما : أن المراد منها الذين آمنوا من أهل الكتاب : كعبدالله بن سلام من اليهود ، والنجاشي من النصارى ، فهم على القصد من دينهم ، وعلى المنهج المستقيم منه ، ولم يميلوا إلى طرفي الافراط والتفريط . والثاني : المراد منها الكفار من أهل الكتاب الذين يكونون عدولا في دينهم ، ولا يكون فيهم عناد شديد ولا غلظة كاملة ، كما قال { ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك } ( آل عمران : 75 ) . ثم قال تعالى : { وكثير منهم ساء ما يعملون } وفيه معنى التعجب كأنه قيل : وكثير منهم ما أسوأ عملهم ، والمراد : منهم الأجلاف المذمومون المبغضون الذين لا يؤثر فيهم الدليل ولا ينجع فيهم القول . ! 7 < { يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدى القوم الكافرين } . > 7 <
المائدة : ( 67 ) يا أيها الرسول . . . . . > > قوله تعالى : { يعملون ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك } أمر الرسول بأن لا ينظر إلى قلة المقتصدين وكثرة الفاسقين ولا يخشى مكروههم فقال { بلغ } أي واصبر على تبليغ ما أنزلته إليك من كشف أسرارهم وفضائح أفعالهم ، فإن الله يعصمك من كيدهم ويصونك من مكرهم . وروى الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله بعثني برسالته فضقت بها ذرعا وعرفت أن الناس يكذبوني واليهود والنصارى وقريش يخوفوني ، فلما أنزل الله هذه الآية زال الخوف بالكلية ) وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أيام إقامته بمكة يجاهر ببعض القرآن ويخفي بعضه إشفاقا على نفسه من تسرع المشركين إليه وإلى أصحابه ، فلما أعز الله الإسلام وأيده بالمؤمنين قال له : { يعملون ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك } أي لا تراقبن أحدا ، ولا تترك شيئا مما أنزل إليك خوفا من أن ينالك مكروه . ثم قال تعالى : { وإن لم تفعل فما بلغت رسالته } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ نافع { رسالاته } في هذه الآية وفي الأنعام { حيث يجعل } ( الأنعام : 124 ) على الجمع ، وفي الأعراف { الناس برسالاتي } ( الأتراف : 144 ) على الواحد ، وقرأ حفص عن عاصم على الضد ، ففي المائدة والأنعام على الواحد ، وفي الأعراف على الجمع ، وقرأ ابن كثير في الجميع على الواحد ، وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم كله على الجمع . حجة من جمع أن الرسل يبعثون بضروب من الرسالات وأحكام مختلفة في الشريعة ، وكل آية أنزلها الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم فهي رسالة ، فحسن لفظ الجمع ، وأما من أفرد فقال : القرآن كله رسالة واحدة ، وأيضا فإن لفظ الواحد قد يدل على الكثرة وإن لم يجمع كقوله { وادعوا ثبورا كثيرا } ( الفرقان : 14 ) فوقع الاسم الواحد على الجمع ، وكذا ههنا لفظ الرسالة وإن كان واحدا إلا أن المراد هو الجمع . المسألة الثانية : لقائل أن يقول : إن قوله { وإن لم تفعل فما بلغت رسالته } معناه فإن لم تبلغ رسالته فما بلغت رسالته ، فأي فائدة في هذا الكلام ؟ أجاب جمهور المفسرين بأن المراد : أنك ءن لم تلغ واحدا منها كنت كمن لم يبلغ شيئا منها ، وهذا الجواب عندي ضعيف ، لأن من أتى بالبعض وترك البعض لو قيل : إنه ترك الكل لكان كذبا ولو قيل أيضا : إن مقدار الجرم في ترك البعض مثل مقدار الجرم في ترك الكل فهو أيضا محال ممتنع ، فسقط هذا الجواب . والأصح عندي أن يقال : إن هذا خرج على قانون قوله : أنا أبو النجم وشعري شعري ومعناه أن شعري قد بلغ في الكمال والفصاحة إلى حيث متى قيل فيه : إنه شعري فقد انتهى مدحه إلى الغاية التي لا يمكن أن يزاد عليها ، فهذا الكلام يفيد المبالغة التامة من هذا الوجه ، فكذا ههنا : فإن لم تبلغ تنبيها على غاية التهديد والوعيد والله أعلم .
المسألة الثالثة : ذكر المفسرون في سبب نزول الآية وجوها : الأول : أنها نزلت في قصة الرجم والقصاص على ما تقدم في قصة اليهود . الثاني : نزلت في عيب اليهود واستهزائهم بالدين والنيبي سكت عنهم ، فنزلت هذه الآية . الثالث : لما نزلت آية التخيير ، وهو قوله { قديرا ياأيها النبى قل لازواجك } ( الأحزاب : 28 ) فلم يعرضها عليهن خوفا من اختيارهن الدينا فنزلت . الرابع : نزلت في أمر زيد وزينب بنت جحش . قالت عائشة رضي الله عنها : من زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من الوحي فقد أعظم الفرية على الله ، والله تعالى يقول : { يعملون ياأيها الرسول بلغ } ولو كتم رسول الله شيئا من الوحي لكتم قوله { وتخفى فى نفسك ما الله مبديه } ( الأحزاب : 37 ) الخامس : نزلت في الجهاد ، فإن المنافقين كانوا يكرهونه ، فكان يمسك أحيانا عن حثهم على الجهاد . السادس : لما نزل قوله تعالى : { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم } ( الأنعام : 108 ) سكت الرسول عن عيب آلهتهم فنزلت الآية وقال { بلغ } يعني معايب آلهتهم ولا تخفها عنهم ، والله يعصمك منهم . السابع : نزلت في حقوق المسلمين ، وذلك لأنه قال في حجة الوداع لما بين الشرائع والمناسك ( هل بلغت ) قالوا نعم ، قال عليه الصلاة والسلام : ( اللهم فاشهد ) الثامن : روي أنه صلى الله عليه وسلم نزل تحت شجرة في بعض أسفاره وعلق سيفه عليها ، فأتاه أعرابي وهو نائم فأخذ سيفه واخترطه وقال : يا محمد من يمنعك مني ؟ فقال ( الله ) فرعدت يد الأعرابي وسقط السيف من يده وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه ، فأنزل الله هذه الآية وبين أنه يعصمه من الناس . التاسع : كان يهاب قريشا واليهود والنصارى ، فأزال الله عن قلبه تلك الهيبة بهذه الآية . العاشر : نزلت الآية في فضل علي بن أبي طالب عليه السلام ، ولما نزلت هذه الآية أخذ بيده وقال : ( من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ) فلقيه عمر رضي الله عنه فقال : هنيئا لك يا ابن طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة ، وهو قول ابن عباس والبراء بن عازب ومحمد بن علي . واعلم أن هذه الروايات وإن كثرت إلا أن الأولى حمله على أنه تعالى آمنه من مكر اليهود والنصارى ، وأمره بإظهار التبليغ من غير مبالاة منه بهم ، وذلك لأن ما قبل هذه الآية بكثير وما بعدها بكثير لما كان كلاما مع اليهود والنصارى امتنع إلقاء هذه الآية الواحدة في البين على وجه تكون أجنبية عما قبلها وما بعدها . المسألة الرابعة : في قوله { والله يعصمك من الناس } سؤال ، وهو أنه كيف يجمع بين ذلك وبين ما روي أنه عليه الصلاة والسلام شج وجهه يوم أحد وكسرت رباعيته ؟ والجواب من وجيهن : أحدهما : أن المراد بعصمه من القتل ، وفين التنبيه على أنه يجب عليه أن يحتمل كل ما دون النفس من أنواع البلاء ، فما أشد تكليف الأنبياء عليهم الصلاة والسلاما وثانيها : أنها نزلت بعد يوم أحد . وأعلم أن المراد من { الناس } ههنا الكفار ، بدليل قوله تعالى : { إن الله لا يهدى القوم الكافرين } ومعناه أنه تعالى لا يمكنهم مما يريدون ، وعن أنس رضي الله عنه : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرسه سعد وحذيفة حتى نزلت هذه الآية ، فأخرج رأسه من قبة أدم وقال : ( انصرفوا يا أيها الناس فقد عصمني الله من الناس ) .
! 7 < { قل يأهل الكتاب لستم على شىء حتى تقيموا التوراة والإنجيل ومآ أنزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم مآ أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين } > 7 ! < < المائدة : ( 68 ) قل يا أهل . . . . . > > وأعلم أنه تعالى لما أمره بالتبليغ سواء طاب للسامع أو ثقل عليه أمر بأن يقول لأهل الكتاب هذا الكلام وإن كان مما يشق عليهم جدا فقال { قل ياأهل أهل الكتاب } من اليهود والنصارى { لستم على شىء } من الدين ولا في أيديكم شيء من الحق والصواب ، كما تقول : هذا ليس بشيء إذا أردت تحقيره وتصغير شأنه . وقوله : { حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا } وهذا مذكور فيما قبل ، والتكرير للتأكيد . ثم قال تعالى : { فلا تأس على القوم الكافرين } وفيه وجهان : الأول : لا تأسف عليهم بسبب زيادة طغيانهم وكفرهم ، فإن ضرر ذلك راجع إليهم لا إليك ولا إلى المؤمنين . الثاني : لا تتأسف بسبب نزول اللعن والعذاب عليهم ، فإنهم من الكافرين المستحقين لذلك ، روى ابن عباس أنه جاء جماعة من اليهود وقالوا : يا محمد ألست تقر أن التوراة حق من الله تعالى ؟ قال بلى ، قالوا : فإنا مؤمنون بها ولا نؤمن بغيرها ، فنزلت هذه الآية . ! 7 < { إن الذين ءامنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من ءامن بالله واليوم الا خر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } > 7 ! < < المائدة : ( 69 ) إن الذين آمنوا . . . . . > > قد تقدم تفسير هذه الآية في سورة البقرة ، وبقي ههنا مسائل : المسألة الأولى : ظاهر الأعراب يقتضي أن يقال : والصائبين ، وهكذا قرأ أبي بن كعب وابن مسعود وابن كثير ، وللنحويين في علة القراءة المشهورة وجوه : الأول : وهو مذهب الخليل وسيبويه ارتفع الصائبون بالابتداء علي نية التأخير ، كأنه قيل : إن الذين رمنوا والذين هادوا والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، والصائبون كذلك ، فحذف خبره ، والفائدة في عدم عطفهم على من قبلهم هو أن الصائبين أشد الفرق المذكورين في هذه الآية ضلالا ، فكأنه قيل : كل هؤلاء الفرق إن آمنوا بالعمل الصالح قبل الله توبتهم وأنزل ذنبهم ، حتى الصائبون فإنهم إن آمنوا كانوا أيضا كذلك . الوجه الثاني : وهو قول الفراء أن كلمة { ءان } ضعيفة في العمل ههنا ، وبيانه من وحوه : الأول : أن كلمة { ءان } إنما تعمل كلونها مشابهة للفعل ، ومعلوم أن المشابهة بين الفعل وبين الحرف ضعيفة . الثاني : أنها وإن كانت تعمل لكن إنما تعلم في اللاسم فقط ، أما الخبر فإنه بقي مرفوعا بكونه خبر المبتدأ ، وليس لهذا الحرف في رفع الخبر تأثير ، وهذا مذهب الكوفيين ، وقد بيناه بلادليل في سورة البقرة في تفسير قوله { إن الذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم } ( البقرة : 6 ) الثالث : أنها ءنما يظهر أثرها في بعض الأسماء ، أما الأسماء التي لا يتغير حالها عند اختلاف العوامل فلا يظهر أثر هذا الحرف فيها ، والأمر ههنا كذلك ، لأن الاسم ههنا هو قوله { الذين } وهذه الكلمة لا يظهر فيها أثر الرفع والنصب والخفض .
إذا ثبت هذا فنقول : إنه إذا كان اسم { ءان } بحيث لا يظهر فيه أثر الإعراب ، فالذي يعطف عليه يجوز النصب على إعمال هذا الحرف ، والرفع على إسقاط عمله ، فلا يجوز أن يقال : إن زيدا وعمرو قائمان لأن زيدا ظهر فيه أثر الإعراب ، لكن إنما يجوز أن يقال : إن هؤلاء وإخوتك يكرموننا ، وإن هذا نفسه شجاع ، وإن قطام وهند عندنا ، والسبب في جواز ذلك أن كلمة { ءان } كانت في الأصل ضعيفة العمل ، وإذا صارت بحيث لا يظهر لها أثر في اسمها صارت في غاية الضعف ، فجاز الرفع بمقتضى الحكم الثابت قبل دخول هذا الحرف عليه ، وهو كونه مبتدأ ، فهذا تقرير قول الفراء ، وهو مذهب حسن وأولى من مذهب البصريين ، لأن الذي قالواه يقتضي أن كلام الله على الترتيب الذي ورد عليه ليس بصحيح ، وإنما تحصل الصحة عند تفكيل هذا النظم ، وأما على قول الفراء فلا حاجة إليه ، فكان ذلك أولى . المسألة الثانية : قال بعض النحويين : لا شك أن كلمة ( إن ) من العوامل الداخلة على المبتدأ والخبر ، وكون المبتدأ مبتدأ والخبر خبرا وصف حقيقي ثابت حال دخول هذا الحرف وقبله ، وكونه مبتدأ يقتضي الرفع . إذا ثبت هذا فنقول : المعطوف على اسم ( إن ) يجوز انتصابه بناء على إعمال هذا الحرف ، ويجوز ارتفاعه أيضا لكونه في الحقيقة مبتدأ محدث عنه ومخبرا عنه . طعن صاحب ( الكشاف ) فيه وقال : إنما يجوز ارتفاعه على العطف على محل ( إن واسمها ) بعد ذكر الخبر ، وتقول : إن زيدا منطلق وعمرا وعمرون بالنصب على اللفظ ، والرفع على موضع ( إن ) واسمها ، لأن الخبر قد تقدم ، وأما قبل ذلك الخبر فهو غير جائز ، لأنا لو رفعناه على محل ( إن واسمها ) لكان العامل في خبرهما هو المبتدأ ، ولو كان كذلك لكان العامل في خبرهما هو الابتداء / لأن الابتداء هو المؤثر في المبتدأ والخبر معا ، وحينئذ يلزم الخبر المتأخر أن يكون مرفوعا بحرف ( إن ) وبمعنى الاتبداء فيجتمع على المرفوع الواحد رافعان مختلفان ، وأنه محال . وأعلم أن هذا الكلام ضعيف ، وبيانه من وجوه : الأول : أن هذه الأشياء التي تسميها االنحويون : رافعة وناصبة ليس معناها أنها كذلك لذواتها أو لأعيانها ، فإن هذا لا يقوله عاقل ، بل المراد أنها معرفات بحسب الوضع والاصطلاح لهذه الحركات ، واجتماع المعرفات الكثيرة على الشيء الواحد غير محال ، ألا ترى أن جميع أجزاء المحدثات دالة على وجود الله تعالى . والوجه الثاني : في ضعف هذا الجواب أنه بناه على أن كلمة ( أن ) مؤثرة في نصب الإسم ورفع الخبر ، والكوفيون ينكرون ذلك ويقولن : لا تأثير لهذا الحرف في رفع الخبر ألبتة ، وقد أحكمنا هذه المسألة في سورة البقرة . والوجه الثالث : وهو أن الأشياء الكثيرة إذا عطف بعضها على البعض فالخبر الواحد لا يكون خبرا عنها ، لأن الخبر عن الشيء عبارة عن تعريف حاله وبيان صفته ، ومن المحال أن يكون حال الشيء وصفته عين حال الآخر وصفته ، لامتناع قيام الصفة الواحدة بالذوات المختلفة . وإذا ثبت هذا ظهر أن الخبر وإن كان في اللفظ واحدا إلا أنه في التقدير متعدد ، وهو لا محالة موجود بحسب التقدير والنية ، وإذا حصل التعدد في الحقيقة لم يمتنع كون البعض مرتفعا بالحرف والبعض بالابتداء ، وبهذا التقدير لم يلزم اجتماع الرافعين على مرفوع واحد . والذي يحقق ذلك أنه سلم أن بعد ذكر الاسم وخبره جاز الرفع والنصب في المعطوف عليه ، ولا شك أن هذا المعطوف إنما جاز ذلك فيه لأنا نضمر له خبرا ، وحكمنا بأن ذلك الخبر المضمر مرتفع بالاتبداء .
وإذا ثبت هذا فنقول : إن قبل ذكر الخبر إذ عطفنا اسما على حكم صريح العقل أنه لا بد من الحكم بتقدير الخبر ، وذلك إنما يحصل بإضمار الأخبار الكثيرة ، وعلى هذا التقدير يسقط ما ذكر من الالتزام والله أعلم . المسألة الثالثة : أنه تعالى لما بين أن أهل الكتاب ليسوا على شيء ما لم يؤمنوا ، بين أن هذا الحكم عام في الكل ، وأنه لا يحصل لأحد فضيلة ولا منقبة إلا إذا آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا ، وذلك لأن الإنسان له قوتان : القوة النظرية ، والقوة العملية ، أما كمال القوة النظرية فليس إلا بأن يعرف الحق ، وأما كمال القوة العملية فليس إلا بأن يعمل الخير ، وأعظم المعارف شرفا معرفة أشرف الموجودات وهو الله سبحانه وتعالى ، وكمال معرفته إنما يحصل بكونه قادرا على الحشر والنشر ، فلا جرم كان أفضل المعارف هو الإيمان بالله واليوم لآخر ، وأفضل الخيرات في الأعمال أمران : المواظبة على الأعمال المشعرة بتعظيم المعبود ، والسعي في إيصال النفع إلى الخلق كما قال عليه الصلاة والسلام : ( التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله ) ثم بين تعالى أن كل من أتى بهذا الإيمان وبهذا العمل فإنه يرد القيامة من غير خوف ولا حزن . والفائدة في ذكرهما أن الخوف يتعلق بالمستقبل ، والحزن بالماضي ، فقال { لا خوف عليهم } بسبب ما يشاهدون من أهوال القيامة { ولا هم يحزنون } بسبب ما فاتهم من طيبات الدنيا لأنهم وجدوا أمورا أعظم أشرف وأطيب مما كانت لهم حاصلة في الدنيا ، ومن كان كذلك فإنه لا يحزن طيبات الدنيا . فإن قيل : كيف يمكن خلو المكلف الذي لا يكون معصوما عن أهوال القيامة ؟ والجواب من وجيهن : الأول : أنه تعالى شرط ذلك بالعمل الصالح ، ولا يكون آتيا بالعمل الصالح إلا إذا كان تاركا لجميع المعاصي ، والثاني : أنه إن حصل خوف فذلك عارض قليل لا يعتد به . المسألة الرابعة : قالت المعتزلة : أنه تعالى شرط عدم الخوف وعدم الحزن بالإيمان والعمل الصالح / والمشروط بشيء عدم عند عدم الشرط ، فلزم أن من لم يأت مع الإيمان بالعمل الصالح فإنه يحصل له الخوف والحزن ، وذلك يمنع من العفو عن صاحب الكبيرة . والجواب : أن صاحب الكبيرة لا يقطع بأن الله يعفو عنه لا محالة ، فكان الخوف والحزن حاصلا قبل إظهار العفو . المسألة الخامسة : أنه تعالى قال في أول الآية { إن الذين ءامنوا } ثم قال في آخر الآية { من ءامن بالله } وفي هذا التكرير فائدتان ، الأولى : أن المنافقين كانوا يزعمون أنهم مؤمنون ، فالفائدة في هذا التكرير إخراجهم عن وعد عدم الخوف وعدم الحزن . الفائدة الثانية : أنه تعالى أطلق لفظ الإيمان ، والإيمان يدخل تحته أقسام ، وأشرفها الإيمان بالله واليوم لآخر ، فكانت الفائدة في الإعادة التنبيه على أن هذين القسمين أشرف أقسام الإيمان ، وقد ذكرنا وجوها كثيرة في قوله { ذلك بأن الذين كفروا } وكلها صالحة لهذا الموضع . المسألة السادسة : لراجع إلى اسم { ءان } محذوف ، والتقدير : من آمن منهم ، إلا أنه حسن الحذف لكونه معلوما ، والله أعلم . ! 7 < { لقد أخذنا ميثاق بنىإسراءيل وأرسلنآ إليهم رسلا كلما جآءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون } > 7 ! < < المائدة : ( 70 ) لقد أخذنا ميثاق . . . . .
> > أعلم أن المقصود بيان عتو بني إسرائيل وشدة تمردهم عن الوفاء بعهد الله ، وهو متعلق بما افتتح الله به السورة ، وهو قوله { أوفوا بالعقود } ( المائدة : 1 ) فقال { لقد أخذنا ميثاق بنى إسراءيل } يعني خلقنا الدلائل وخلقنا العقل الهادي إلى كيفية الاستدلال ، وأرسلنا إليهم رسلا بتعريف الشرائع والأحكام . وقوله { كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم } جملة شرطية وقعت صفة لقوله { رسلا } والراجع محذوف ، والتقدير : كلما جاءهم رسول منهم بما لا تهوى أنفسهم ، أي بما يخالف أهواءهم وما يضاد شهواتهم من مشاق التكليف . وههنا سؤالات : الأول : أي جواب الشرط ؟ فإن قوله { فريقا كذبوا وفريقا يقتلون } لا يصلح أن يكون جوابا لهذا الشرط ، لأن الرسول الواحد لا يكون فريقين . والجواب : أن جواب الشرط محذوف ، وإنما جاز حدفه لأن الكلام المذكور دليل عليه ، والتقدير : كلما جاءهم رسول ناصبوه ، ثم ءنه قيل : فكيف ناصبوه ؟ فقيل : فريقا كذبوا وفريقا يقتلون . وقوله : الرسول الواحد لا يكون فريقين . فنقول : إن قوله { كلما جاءهم رسول } يدل على كثرة الرسل ، فلا جرم جعلهم فريقين . السؤال الثاني : لم ذكر أحد الفعلين ماضيا ، والآخر مضارعا ؟ والجواب : أنه تعالى بين أنهم كيف كانوا يكذبون عيسى وموسى في كل مقام ، وكيف كانوا يتمردون على أوامره وتكاليفه ، وأنه عليه السلام إنما توفى في التيه في قول بعضهم لشؤم تمردهم عن قبول قوله في مقاتلة الجبارين . وأما القتل فهو ما اتفق لهم في حق زكريا ويحيى عليهما السلام ، وكانوا قد قصدوا أيضا قتل عيسى وءن كان الله منعهم عن مرادهم وهم يزعمون أنهم قتلوه ، فذكر التكذيب بلفظ الماضي هنا إشارة إلى معاملتهم مع موسى عليه السلام ، لأنه قد انقضى من ذلك الزمان أدوار كثيرة ، وذكر القتل بلفظ المضارع إشارة إلى معاملتهم مع زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام لكون ذلك الزمان قريبا فكان كالحاضر . السؤال الثالث : ما الفائدة في تقديم المفعول في قوله تعالى : { فريقا كذبوا وفريقا يقتلون } . والجواب : قد عرفت أن التقديم إنما يكون لشدة العناية ، فالتكذيب والقتل وإن كانا منكرين إلا أن تكذيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقتلهم أقبح ، فكان التقديم لهذه الفائدة . ! 7 < { وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم والله بصير بما يعملون } > 7 < المائدة : ( 71 ) وحسبوا ألا تكون . . . . . > > ثم قال تعالى : { وحسبوا أن لا تكونن فتنة } في الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وأبو عمرون { أن لا تكون فتنة } برفع نون ( تكون ) والباقون بالنصب ، وذكر الواحدي لهذا تقريرا حسنا فقال : الأفعال على ثلاثة أضرب : فعل يدل علي ثبات الشيء واستقراره نحو : العلم والتيقن والتبين ، فما كان مثل هذا يقع بعده ( أن ) الثقيلة ولم يقع بعده ( أن ) الخفيفة الناصبة للفعل ، وذلك لأن النثقيلة تدل على ثبات الشيء ، واستقراره ، فإذا كان العلم يدل على الاستقرار والثبات و ( إن ) الثقيلة تفيد هذا المعنى حصلت بينهما موافقة ومجانسة ، ومثاله من القرآن قوله تعالى : { ويعلمون أن الله هو الحق المبين } ( النور : 25 ) { ألم يعلموا أن لله هو يقبل التوبة عن عباده } ( التوبة : 104 ) { ألم يعلم بأن الله يرى } ( العلق : 14 ) والباء زائدة .
والضرب الثاني : فعل يدل على خلاف الثبات والاستقرار ، نحو : أطمع وأخاف وأرجو ، فهذا لا يستعمل فيه إلا الخفيفة الناصبة للفعل ، قال تعالى : { والذين أطمع أن يغفر لى خطيئتى } ( الشعراء : 82 ) { تخافون أن يتخطفكم الناس } ( الأنفال : 26 ) { فخشينا أن يرهقهما } ( الكهف : 80 ) . والضرب الثالث : فعل يحذو مرة إلى هذا القبيل ومرة أخرى إلى ذلك القبيل نحو : حسب وأخواتها ، فتارة تستعمل بمعنى أطمع وأرجو فيما لا يكون ثابتا ومستقرا ، وتارة بمعنى العلم فيما يكو مستقرا . إذا عرفت هذا فنقول : يمكن إجراء الحسبان ههنا بحيث يفيد الثبات والاستقرار ، لأن القوم كانوا جازمين بأنهم لا يقعون بسبب ذلك التكذيب والقتل في الفتنة والعذاب ، ويمكن إجراؤه بحيث لا يفيد هذا الثبات من حيث إنهم كانوا يكذبون ويقتلون بسبب حفظ الجاه والتبع ، فكانوا بقلوبهم عارفين بأن ذلك خطأ ومعصية ، وإذا كان اللفظ محتملا لكل واحد من هذين المعنيين لا جرم ظهر الوجه صحة كل واحدة من هاتين القراءتين ، فمن رفع قوله { أن لا تكون } كان المعنى : أنه لا تكون ، ثم خففت المشددة وجعلت ( لا ) عوضا من حدف الضمير ، فلو قلت : علمت أن يقول : بالرفع لم يحسن حتى تأتي بما يكون عوضا من حذف الضمير : نحو السين وسوف وقد ، كقوله { علم إن } ( المزمل : 20 ) ووجه النصب ظاهر . ثم قال الواحدي : وكلا الوجهين قد جاء به القرآن ، فمثل قراءة من نصب وأوقع بعده الخفيفة قوله { الكاذبين أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا } ( العنكبوت : 4 ) { أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم } ( الجاثية : 21 ) { الم أحسب الناس أن يتركوا } ( العنكبوت : 1 ، 2 ) ومثل قراءة من رفع { أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم } ( الزخرف : 80 ) { أيحسبون أنما نمدهم به } ( المؤمنون : 55 ) { أيحسب الإنسان ألن نجمع } ( القيامة : 3 ) فهذه مخففة من الثقيلة لأن الناصبة للفعل لا يقع بعدها ( لن ) ومثل المذهبين في الظن قوله { تظن أن يفعل } ( القيامة : 25 ) { إن ظنا أن يقيما } ( البقرة : 230 ) ومن الرفع قوله : { وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن } ( الجن : 5 ) { وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا } ( الجن : 7 ) فأن ههنا الخفيفة من الشديدة كقوله { علم أن سيكون } ( المزمل : 20 ) لأن ( أن ) الناصبة للفعل لا تجتمع مع لن ، لأن ( لن ) تفيد التأكيد ، و ( أن ) الناصبة تفيد عدم الثبات كما قررناه . المسألة الثانية : أن باب حسب من الأفعال التي لا بد لها من مفعولين ، إلا أن قوله { أن لا تكون فتنة } جملة قامت مقام مفعولي حسب لأن معناه : وحسبوا الفتنة غير نامزلة بهم . المسألة الثالثة : ذكر المفسرون في ( الفتنة ) وجوها ، وهي محصورة في عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، ثم عذاب الدنيا أقسام : منها القحط ، ومنه الوباء ، ومنها القتل ، ومنها العداوة ، ومنها البغضاء فيما بينهم ، ومنها الادبار والنحوسة ، وكل ذلك قد وقع بهم ، وكل واحد من المفسرين حمل الفتنة على واحد من هذه الوجوه .
Sorular
- Tevhid nedir; Müslümanların Allah'ın birliğine imanı?
- İslam'da imanın altı şartı nedir?
- Müslümanlar peygamberler hakkında neye inanır?
- İslam helal ve haram yiyecekler hakkında ne öğretir?
- Fâtiha Sûresi'nin anlamı nedir?
- Kur'an sabır hakkında ne öğretir?
- Kur'an hayatın amacı hakkında ne der?
- İhlas nedir ve neden önemlidir?