Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
> > اعلم أن هذا نوع آخر من الدليل في بيان أنه يقبح من الإنسان العاقل أن يشتغل بعبادة هذه الأصنام . وتقريره أنه تعالى ذكر في هذه الآية أعضاء أربعة ، وهي الأرجل والأيدي والأعين والآذان ، ولا شك أن هذه الأعضاء إذا حصل في كل واحدة منها ما يليق بها من القوى المحركة والمدركة تكون أفضل منها إذا كانت خالية عن هذه القوى ، فالرجل القادرة على المشي واليد القادرة على البطش أفضل من اليد والرجل الخاليتين عن قوة الحركة والحياة ، والعين الباصرة والأذن السامعة أفضل من العين والأذن الخاليتين عن القوة الباصرة والسامعة ، وعن قوة الحياة ، وإذا ثبت هذا ظهر أن الإنسان أفضل بكثير من هذه الأصنام ، بل لا نسبة لفضيلة الإنسان إلى / فضل هذه الأصنام البتة ، وإذا كان كذلك فكيف يليق بالأفضل الأكمل الأشرف أن يشتغل بعبادة الأخس الأدون الذي لا يحس منه فائدة البتة ، لا في جلب المنفعة ولا في دفع المضرة . هذا هو الوجه في تقرير هذا الدليل الذي ذكره الله تعالى في هذه الآية ، وقد تعلق بعض أغمار المشبهة وجها لهم بهذه الآية في إثبات هذه الأعضاء لله تعالى . فقالوا : إنه تعالى جعل عدم هذه الأعضاء لهذه الأصنام دليلا على عدم إلهيتها ، فلو لم تكن هذه الأعضاء موجودة لله تعالى لكان عدمها دليلا على عدم الإلهية وذلك باطل ، فوجب القول بإثبات هذه الأعضاء لله تعالى . والجواب عنه من وجهين : الوجه الأول : أن المقصود من هذه الآية : بيان أن الإنسان أفضل وأكمل حالا من الصنم ، لأن الإنسان له رجل ماشية ، ويد باطشة ، وعين باصرة ، وأذن سامعة ، والصنم رجله غير ماشية ، ويده غير باطشة ، وعينه غير مبصرة ، وأذنه غير سامعة ، وإذا كان كذلك كان الإنسان أفضل وأكمل حالا من الصنم ، واشتغال الأفضل الأكمل بعبادة الأخس الأدون جهل ، فهذا هو المقصود من ذكر هذا الكلام ، لا ما ذهب إليه وهم هؤلاء الجهال . الوجه الثاني : في الجواب أن المقصود من ذكر هذا الكلام : تقرير الحجة التي ذكرها قبل هذه الآية وهي قوله : { ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون } ( الأعراف : 192 ) يعني كيف تحسن عبادة من لا يقدر على النفع والضرر ، ثم قرر تعالى ذلك بأن هذه الأصنام لم يحصل لها أرجل ماشية ، وأيد باطشة ، وأعين باصرة ، وآذان سامعة ، ومتى كان الأمر كذلك لم تكن قادرة على الإنفاع والإضرار ، فامتنع كونها آلهة . أما إله العالم تعالى وتقدس فهو وإن كان متعاليا عن هذه الجوارح والأعضاء إلا أنه موصوف بكمال القدرة على النفع والضرر وهو موصوف بكمال السمع والبصر فظهر الفرق بين البابين . أما قوله تعالى : { قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون } قال الحسن : إنهم كانوا يخوفون الرسول عليه السلام بآلهتهم ، فقال تعالى : { قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون } ليظهر لكم أنه لا قدرة لها على إيصال المضار إلي بوجه من الوجوه ، وأثبت نافع وأبو عمرو الياء في { كيدوني } والباقون حذفوها ومثله في قوله : { كيدون فلا تنظرون } قال الواحدي ، والقول فيه أن الفواصل تشبه القوافي ، وقد حذفوا هذه الياآت إذا كانت في القوافي كقوله : يلمس الإحلاس في منزله بيديه كاليهودي الممل والذين أثبتوها فلأن الأصل هو الإثبات / ومعنى قوله : { فلا تنظرون } أي لا تمهلوني واعجلوا في كيدي أنتم وشركائكم . ! 7 < { إن وليى الله الذى نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولاأنفسهم ينصرون وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون } . > 7 <
الأعراف : ( 196 - 198 ) إن وليي الله . . . . . > > اعلم أنه لما بين في الآيات المتقدمة أن هذه الأصنام لا قدرة لها على النفع والضر بين بهذه الآية أن الواجب على كل عاقل عبادة الله تعالى ، لأنه هو الذي يتولى تحصيل منافع الدين ومنافع الدنيا أما تحصيل منافع الدين ، فبسبب إنزال الكتاب ، وأما تحصيل منافع الدنيا ، فهو المراد بقوله : { وهو يتولى الصالحين } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال الواحدي رحمه الله : قرأ القراء وليي بثلاث ياآت ، الأولى ياء فعيل وهي ساكنة ، والثانية لام الفعل وهي كسورة ، قد أدغمت الأولى فيها فصار ياء مشددة ، والثالثة ياء الإضافة ، وروي عن أبي عمرو : ولي الله بياء مشددة ، ووجه ذلك أنه حذف الياء التي هي لام فعيل ، كما حذف اللام من قولهم فاماليت به فاله ، ثم أدغمت ياى فعيل في ياء الإضافة ، فقيل ولي الله وهذه الفتحة فتحة ياء الإضافة ، وأما الباقون فأجازوا اجتماع ثلاث ياءات ، والله أعلم . المسألة الثانية : أن وليي الله أي الذي يتولى حفظي ونصرتي هو الله الذي أنزل الكتاب المشتمل على هذه العلوم العظيمة النافعة في الدين ويتولى الصالحين ينصرهم ، فلا تضرهم عداوة من عاداهم ، وفي ذلك يأمن المشركين من أن يضره كيدهم . وسمعت أن عمر بن عبد العزيز ما كان يدخر لأولاده شيئا ، فقيل له فيه فقال : ولدي إما أن يكون من الصالحين أو من المجرمين ، فإن كان من الصالحين فوليه الله ومن كان الله له وليا فلا حاجة له إلى مالي ، وإن كان من المجرمين فقد قال تعالى : { فلن أكون ظهيرا للمجرمين } ( القصص : 17 ) ومن رده الله لم أشتغل بإصلاح مهماته . أما قوله : { والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون } ففيه قولان : القول الأول : أن المراد منه وصف الأصنام بهذه الصفات . / فإن قالوا : فهذه الأشياء قد صارت مذكورة في الآيات المتقدمة فما الفائدة في تكريرها ؟ فنقول : قال الواحدي : إنما أعيد هذا المعنى لأن الأول مذكور على جهة التقريع وهذا مذكور على جهة الفرق بين من تجوز له العبادة ، وبين من لا تجوز ، كأنه قيل : الإله المعبود يجب أن يكون بحيث يتولى الصالحين ، وهذه الأصنام ليست كذلك فلا تكن صالحة للإلهية . والقول الثاني : أن هذه الأحوال المذكورة صفات لهؤلاء المشركين الذين يدعون غير الله ، يعني أن الكفار كانوا يخوفون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال تعالى : إنهم لا يقدرون على شيء . بل إنهم قد بلغوا في الجهل والحماقة إلى أنك لو دعوتهم وأظهرت أعظم أنواع الحجة والبرهان لم يسمعوا بعقولهم ذلك البتة . فإن قيل : لم يتقدم ذكر المشركين ، وإنما تقدم ذكر الأصنام فكيف يصح ما ذكر ؟
قلنا : قد تقدم ذكرهم في قوله تعالى : { قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون } ( الأعراف : 195 ) أما قوله تعالى : { وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون } فإن حملنا هذه الصفات على الأصنام . قلنا : المراد من كونها ناظرة كونها مقابلة بوجهها وجوه القوم من قولهم : جبلان متناظران أي متقابلان ، فإن حملناها على المشركين فالمعنى : أنهم وإن كانوا ينظرون إلى الناس إلا أنهم لشدة إعراضهم عن الحق لم ينتفعوا بذلك النظر والرؤية / فصاروا كأنهم عمي ، وهذه الآية تدل على أن النظر غير الرؤية ، لأنه تعالى أثبت النظر ونفي الرؤية ، وذلك يدل على التغاير ، وأجيب عن هذا الاستدلال فقيل : معناه تحسبهم أنهم ينظرون إليك مع أنهم في الحقيقة لا ينظرون ، أي تظن أنهم ينظرونك مع أنهم لا يبصرونك ، والرؤية بمعنى الحسبان واردة قال تعالى : { وترى الناس سكارى وما هم بسكارى } ( الحج : 2 ) . ! 7 < { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } . > 7 ! < < الأعراف : ( 199 ) خذ العفو وأمر . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن الله هو الذي يتولاه ، وأن الأصنام وعابديها لا يقدرون على الإيذاء والإضرار ، بين في هذه الآية ما هو المنهج القويم والصراط المستقيم في معاملة الناس فقال : { خذ العفو وأمر بالعرف } قال أهل اللغة : العفو الفضل وما أتي من غير كلفة . إذا عرفت هذا فنقول : الحقوق التي تستوفى من الناس وتؤخذ منهم ، إما أن يجوز إدخال المساهلة والمسامحة فيها ، وإما أن لا يجوز . / أما القسم الأول : فهو المراد بقوله : { خذ العفو } ويدخل فيه ترك التشدد في كل ما يتعلق بالحقوق المالية ؛ ويدخل فيه أيضا التخلق مع الناس بالخلق الطيب ، وترك الغلظة والفظاظة كما قال تعالى : { ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك } ( آل عمران : 159 ) ومن هذا الباب أن يدعو الخلق إلى الدين الحق بالرفق واللطف ، كما قال تعالى : { وجادلهم بالتى هى أحسن } ( النحل : 125 ) .
وأما القسم الثاني : وهو الذي لا يجوز دخول المساهلة والمسامحة فيه ، فالحكم فيه أن يأمر بالمعروف ، والعروف ، والعارفة ، والمعروف هو كل أمر عرف أنه لا بد من الإتيان به ، وأن وجوده خير من عدمه ، وذلك لأن في هذا القسم لو اقتصر على الأخذ بالعفو ولم يأمر بالعرف ولم يكشف عن حقيقة الحال ، لكان ذلك سعيا في تغيير الدين وإبطال الحق وأنه لا يجوز ، ثم إنه إذا أمر بالعرف ورغب فيه ونهى عن المنكر ونفر عنه ، فربما أقدم بعض الجاهلين على السفاهة والإيذاء فلهذا السبب قال تعالى في آخر الآية : { وأعرض عن الجاهلين } وقال في آية أخرى : { وإذا مروا باللغو مروا كراما } ( الفرقان : 72 ) وقال : { والذين هم عن اللغو معرضون } ( المؤمنون : 3 ) وقال في صفة أهل الجنة : { لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما } ( الواقعة : 25 ) وإذا أحاط عقلك بهذا التقسيم ، علمت أن هذه الآية مشتملة على مكارم الأخلاق فيما يتعلق بمعاملة الإنسان مع الغير . قال عكرمة : لما نزلت هذه الآية قال عليه السلام : ( يا جبريل ما هذا ؟ قال يا محمد إن ربك يقول هو أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك ) قال أهل العلم : تفسير جبريل مطابق للفظ الآية لأنك لو وصلت من قطعك ، فقد عفوت عنه ، وإذا آتيت من حرمك فقد آتيت بالمعروف ، وإذا عفوت عمن ظلمك فقد أعرضت عن الجاهلين ، وقال جعفر الصادق رضي الله عنه : وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية ، وللمفسرين في تفسير هذه الآية طريق آخر فقالوا : { خذ العفو وأمر بالعرف } أي ما عفا لك من أموالهم ، أي ما أتوك به عفوا فخذه ، ولا تسأل عما وراء ذلك . قالوا : كان هذا قبل فريضة الصدقة فلما نزلت آية وجوب الزكاة صارت هذه الآية منسوخة إلا قوله : { وأمر بالعرف } أي بإظهار الدين الحق ، وتقرير دلائله { وأعرض عن الجاهلين } أي المشركين قالوا : وهذا منسوخ بآية السيف فعلى هذه الطريقة جميع الآية منسوخة إلا قوله : { وأمر بالعرف } . واعلم أن تخصيص قوله : { خذ العفو } بما ذكره تقييد للمطلق من غير دليل ، وأيضا فهذا الكلام إذا حملناه على أداء الزكاة لم يكن إيجاب الزكاة بالمقادير المخصوصة منافيا لذلك ، لأن آخذ الزكاة مأمور بأن لا يأخذ كرائم أموال الناس ولا يشدد الأمر على المزكى فلم يكن إيجاب الزكاة سببا لصيرورة هذه الآية منسوخة . / وأما قوله : { وأعرض عن الجاهلين } فالمقصود منه أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يصبر على سوء أخلاقهم / وأن لا يقابل أقوالهم الركيكة ولا أفعالهم الخسيسة بأمثالها ، وليس فيه دلالة على امتناعه من القتال ، لأنه لا يمتنع أن يؤمر عليه السلام بالإعراض عن الجاهلين مع الأمر بقتال المشركين فإنه ليس من المتناقض أن يقال الشارع لا يقابل سفاهتهم بمثلها ؟ ولكن قاتلهم وإذا كان الجمع بين الأمرين ممكنا فحينئذ لا حاجة إلى التزام النسخ ، إلا أن الظاهرية من المفسرين مشغوفون بتكثير الناسخ والمنسوخ من غير ضرورة ولا حاجة . ! 7 < { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم } . > 7 ! < < الأعراف : ( 200 ) وإما ينزغنك من . . . . . > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال أبو زيد : لما نزل قوله تعالى : { وأعرض عن الجاهلين } ( الأعراف : 199 ) قال النبي صلى الله عليه وسلم : كيف يا رب والغضب ؟ فنزل قوله : { وإما ينزغنك } .
المسألة الثانية : اعلم أن نزغ الشيطان ، عبارة عن وساوسه ونخسه في القلب بما يسول للإنسان من المعاصي ، عن أبي زيد نزغت بين القوم إذا أفسدت ما بينهم ، وقيل النزغ الازعاج ، وأكثر ما يكون عند الغضب ، وأصله الازعاج بالحركة إلى الشر ، وتقرير الكلام أنه تعالى لما أمره بالعرف فعند ذلك ربما يهيج سفيه ويظهر السفاهة فعند ذلك أمره تعالى بالسكوت عن مقابلته فقال : { وأعرض عن الجاهلين } ولما كان من المعلوم أن عند إقدام السفيه على السفاهة يهيج الغضب والغيظ ولا يبقى الإنسان على حالة السلامة وعند تلك الحالة يجد الشيطان مجالا في حمل ذلك الإنسان على ما لا ينبغي ، لا جرم بين تعالى ما يجري مجرى العلاج لهذا الغرض فقال : { فاستعذ بالله } والكلام في تفسير الاستعاذة قد سبق في أول الكتاب على الاستقصاء . المسألة الثالثة : احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء بهذه الآية وقالوا : لولا أنه يجوز من الرسول الإقدام على المعصية أو الذنب ، وإلا لم يقل له { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله } والجواب عنه من وجوه : الأول : أن حاصل هذا الكلام أنه تعالى قال له : إن حصل في قلبك من الشيطان نزغ ، كما أنه تعالى قال : { لئن أشركت ليحبطن عملك } ( الزمر : 65 ) ولم يدل ذلك على أنه أشرك . وقال : { لو كان فيهما الهة إلا الله لفسدتا } ( الأنبياء : 22 ) ولم يدل ذلك على أنه حصل فيهما آلهة . الثاني : هب أنا سلمنا أن الشيطان يوسوس للرسول عليه السلام ، إلا أن هذا لا يقدح في عصمته ، إنما القادح / في عصمته لو قبل الرسول وسوسته ، والآية لا تدل على ذلك . عن الشعبي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما من إنسان إلا ومعه شيطان ) قالوا : وأنت يا رسول الله قال : وأنا ولكنه أسلم بعون الله ، فلقد أتاني فأخذت بحلقه ، ولولا دعوة سليمان لأصبح في المسجد طريحا ، وهذا كالدلالة على أن الشيطان يوسوس إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقال تعالى : { وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته } ( الحج : 52 ) الثالث : هب أنا سلمنا أن الشيطان يوسوس . وأنه عليه الصلاة والسلام يقبل أثر وسوسته ، إلا أنا نخص هذه الحالة بترك الأفضل والأولى . قال عليه الصلاة والسلام : ( وإنه ليغان على قلبي وإني لا أستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة ) . المسألة الرابعة : الاستعاذة بالله عند هذه الحالة أن يتذكر المرء عظيم نعم الله عليه وشديد عقابه فيدعوه كل واحد من هذين الأمرين إلى الإعراض عن مقتضى الطبع والإقبال على أمر الشرع . المسألة الخامسة : هذا الخطاب وإن خص الله به الرسول إلا أنه تأديب عام لجميع المكلفين لأن الاستعاذة بالله على السبيل الذي ذكرناه لطف مانع من تأثير وساوس الشيطان ، ولذلك قال تعالى : { فإذا قرأت القرءان فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم إنه ليس له سلطان على الذين ءامنوا وعلى ربهم يتوكلون } ( النحل : 97 ، 98 ) إذا ثبت بالنص أن لهذه الاستعاذة أثرا في دفع نزع الشيطان / وجبت المواظبة عليه في أكثر الأحوال . المسألة السادسة : قوله : { إنه سميع عليم } يدل على أن الاستعاذة باللسان لا تفيد إلا إذا حضر في القلب العلم بمعنى الاستعاذة ، فكأنه تعالى قال : اذكر لفظ الاستعاذة بلسانك فإني سميع واستحضر معاني الاستعاذة بعقلك وقلبك فإني عليم بما في ضميرك ، وفي الحقيقة القول اللساني بدون المعارف القلبية عديم الفائدة والأثر .
! 7 < { إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون وإخوانهم يمدونهم فى الغى ثم لا يقصرون } . > 7 < الأعراف : ( 201 - 202 ) إن الذين اتقوا . . . . . > > في الآية مسائل : / المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى بين في الآية الأولى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد ينزغه الشيطان وبين أن علاج هذه الحالة الاستعاذة بالله ، ثم بين في هذه الآية أن حال المتقين يزيد على حال الرسول في هذا الباب ، لأن الرسول لا يحصل له من الشيطان إلا النزغ الذي هو كالابتداء في الوسوسة ، وجوز في المتقين ما يزيد عليه وهو أن يمسهم طائف من الشيطان ، وهذا المس يكون لامحالة أبلغ من النزغ . المسألة الثانية : قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي { طيف } بغير ألف ، والباقون { مسهم طئف } بالألف . قال الواحدي رحمه الله : اختلفوا في الطيف فقيل إنه مصد ، وقال أبو زيد يقال : طاف يطوف طوفا وطوافا إذا أقبل وأدبر . وأطاف يطيف إطافة إذا جعل يستدير بالقوم ويأتيهم من نواحيهم ، وطاف الخيال يطيف طيفا إذا ألم في المنام . قال ابن الأنباري : وجائز أن يكون طيف أصله طيف . إلا أنهم استثقلوا التشديد ، فحذفوا إحدى الياءين وأبقوا ياء ساكنة ، فعلى القول الأول هو مصدر ، وعلى ما قاله ابن الأنباري هو من باب هين وهين وميت وميت ، ويشهد لصحة قول ابن الأنباري قراءة سعيد بن جبير { إذا مسهم } بالتشديد . هذا هو الأصل في الطيف ، ثم سمى الجنون والغضب والوسوسة طيفا ، لأنه لمة من لمة الشيطان تشبه لمة الخيال . قال الأزهري : الطيف في كلام العرب الجنون ، ثم قيل للغضب طيف ، لأن الغضبان يشبه المجنون . وأما الطائف فيجوز أن يكون بمعنى الطيف ، مثل العافية والعاقبة ونحو ذلك مما جاء المصدر فيه على فاعل وفاعلة . قال الفراء في هذه الآية : الطائف والطيف سواء ، وهو ما كان كالخيال الذي يلم بالإنسان ، ومنهم من قال : الطيف كالخطرة والطائف كالخاطر . المسألة الثالثة : اعلم أن الغضب إنما يهيج بالإنسان إذا استقبح من المغضوب عليه عملا من الأعمال ، ثم اعتقد في نفسه كونه قادرا ، واعتقد في المغضوب عليه كونه عاجزا عن الدفع ، فعند حصول هذه الاعتقادات الثلاثة إذا كان واقعا في ظلمات عالم الأجسام فيغتروا بظواهر الأمور ، فأما إذا انكشف له نور من عالم الغيب زالت هذه الاعتقادات الثلاثة من جهات كثيرة . أما الإعتقاد الأول : وهو استقباح ذلك الفعل من المغضوب عليه ، فإذا انكشف له أنه إنما أقدم على ذلك العمل ، لأنه تعالى خلق فيه داعية جازمة راسخة ، ومتى خلق الله فيه تلك الداعية امتنع منه أن لا يقدم على ذلك العمل ، فإذا تجلى هذا المعنى زال الغضب ، وأيضا فقد يخطر ببال الإنسان أن الله تعالى علم منه هذه الحالة ، ومتى كان كذلك فلا سبيل له إلى تركها ، فعند ذلك يفر غضبه ، وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام : ( من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب ) / وأما الإعتقاد الثاني والثالث : وهو اعتقاده في نفسه كونه قادرا ، وكون المغضوب عليه عاجزا ، فهذان الاعتقادان أيضا فاسدان من وجوه : أحدها : أنه يعتقد أنه كم أساء في العمل ، والله كان قادرا عليه ، وهو كان أسيرا في قبضة قدرة الله تعالى ، ثم إنه تجاوز عنه . وثانيها : أن المغضوب عليه كما أنه عاجز في يد الغضبان ، فكذلك الغضبان عاجز بالنسبة إلى قدرة الله . وثالثها : أن يتذكر الغضبان ما أمره الله به من ترك إمضاء الغضب والرجوع إلى ترك الإيذاء والإيحاش . ورابعها : أن يتذكر أنه إذا أمضى الغضب وانتقم كان شريكا للسباع المؤذية والحياة القاتلة / وإن ترك الانتقام واختار العفو كان شريكا لأكابر الأنبياء والأولياء . وخامسها : أن يتذكر أنه ربما انقلب ذلك الضعيف قويا قادرا عليه ، فحينئذ ينتقم منه على أسوأ الوجوه ، أما إذا عفا كان ذلك إحسانا منه إليه ، وبالجملة فالمراد من قوله تعالى : { اتقوا إذا مسهم طئف من الشيطان تذكروا } ما ذكرناه من الاعتقادات الثلاثة ، والمراد من قوله : { تذكروا } ما ذكرناه من الوجوه التي تفيد ضعف تلك الاعتقادات وقوله : { فإذا هم مبصرون } معناه أنه إذا حضرت هذه التذكرات في عقولهم ، ففي الحال يزول مس طائف الشيطان ، ويحصل الاستبصار والانكشاف والتجلي ويحصل الخلاص من وسوسة الشيطان .
المسألة الرابعة : قوله : { فإذا هم مبصرون } معنى { إذا } ههنا للمفاجأة ، كقولك خرجت فإذا زيد وإذا في قوله : { إذا مسهم } يستدعي جزاء ، كقولك آتيك إذا احمر البسر . أما قوله تعالى : { وإخوانهم يمدونهم فى الغى } ففيه مسائل : المسألة الأولى : اختلفوا في أن الكناية في قوله : { وإخوانهم } إلى ماذا تعود على قولين . القول الأول : وهو الأظهر أن المعنى : وإخوان الشياطين يمدون الشياطين في الغي ، وذلك لأن شياطين الأنس إخوان لشياطين الجن ، فشياطين الإنس يغوون الناس ، فيكون ذلك إمدادا منهم لشياطين الجن على الإغواء والأضلال . والقول الثاني : أن إخوان الشياطين هم الناس الذين ليسوا بمتقين ، فإن الشياطين يكونون مددا لهم فيه ، والقولان مبنيان على أن لكل كافر أخا من الشياطين . المسألة الثانية : تفسير الإمداد تقوية تلك الوسوسة والإقامة عليها وشغل النفس عن الوقوف على قبائحها ومعايبها . المسألة الثالثة : قرأ نافع { يمدونهم } ( بضم الياء وكسر الميم من الإمداد ، والباقون { يمدونهم } بفتح الياء وضم الميم ، وهما لغتان مد يمد وأمد يمد ، وقيل مد معناه جذب ، وأمد معناه من الإمداد . / قال الواحدي ، عامة ما جاء في التنزيل مما يحمد ويستحب أمددت على أفعلت ، كقوله : { أنما نمدهم به من مال وبنين } ( المؤمنون : 55 ) { وأمددناهم بفاكهة } ( الطور : 22 ) وقوله : { أتمدونن بمال } ( النمل : 36 ) وما كان بخلافه فإنه يجيء على مددت قال : { ويمدهم في طغيانهم يعمهون } ( البقرة : 15 ) قراءة العامة وهي فتح الياء ومن ضم الياء استعمل ما هو الخير لضده كقوله : { فبشرهم بعذاب أليم } ( الإنشقاق : 24 ) وقوله : { ثم لا يقصرون } ( الأعراف : 202 ) قال الليث : الإقصار الكف عن الشيء قال أبو زيد : أقصر فلان عن الشر يقصر إقصارا إذا كف عنه وانتهى قال ابن عباس : ثم لا يقصرون عن الضلال والإضلال ، أما الغاوي ففي الضلال وأما المغوي ففي الإضلال . ! 7 < { وإذا لم تأتهم بأاية قالوا لولا اجتبيتها قل إنمآ أتبع ما يوحى إلى من ربى هاذا بصآئر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } . > 7 ! < < الأعراف : ( 203 ) وإذا لم تأتهم . . . . .
> > اعلم أنه تعالى : لما بين في الآية الأولى أن شياطين الجن والأنس لا يقصرون في الإغواء والإضلال بين في هذه الآية نوعا من أنواع الإغواء والإضلال وهو أنهم كانوا يطلبون آيات معينة ومعجزات مخصوصة على سبيل التعنت كقوله : { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا } ( الإسراء : 90 ) ثم أعاد : أنه عليه الصلاة والسلام ما كان يأتيهم ، فعند ذلك قالوا : { لولا اجتبيتها } قال الفراء : تقول العرب اجتبيت الكلام واختلقته وارتجلته إذا افتعلته من قبل نفسك ، والمعنى لولا تقولتها وافتعلتها وجئت بها من عند نفسك لأنهم كانوا يقولون : { إن هاذا إلا إفك } ( سبأ : 43 ) أو يقال هلا اقترحتها على إلهك ومعبودك إن كنت صادقا في أن الله يقبل دعاءك ويجيب التماسك وعند هذا أمر رسوله أن يذكر الجواب الشافي ، وهو قوله : { اجتبيتها قل إنما أتبع ما يوحى إلى من ربى } ومعناه ليس لي أن أقترح على ربي في أمر من الأمور ، وإنما أنتظر الوحي فكل شيء أكرمني به قلته ، وإلا فالواجب السكوت وترك الاقتراح ، ثم بين أن عدم الإتيان بتلك المعجزات التي اقترحها لا يقدح في الغرض ، لأن ظهور القرآن على وفق دعواه معجزة بالغة باهرة ، فإذا ظهرت هذه المعجزة الواحدة كانت كافية في تصحيح النبوة ، فكان طلب الزيادة من باب التعنت ، فذكر في وصف القرآن ألفاظا ثلاثة : أولها : قوله : { هاذا بصائر من ربكم } أصل البصيرة الأبصار ، ولما كان القرآن سببا لبصائر العقول في دلائل التوحيد والنبوة والمعاد ، أطلق عليه لفظ البصيرة ، تسمية للسبب باسم المسبب . وثانيها : قوله : { وهدى } والفرق بين هذه المرتبة وما قبلها أن الناس في معارف / التوحيد والنبوة والمعاد قسمان : أحدهما : الذين بلغوا في هذه المعارف إلى حيث صاروا كالمشاهدين لها وهم أصحاب عين اليقين . والثاني : الذين ما بلغوا إلى ذلك الحد إلا أنهم وصلوا إلى درجات المستدلين : وهم أصحاب علم اليقين ، فالقرآن في حق الأولين وهم السابقون بصائر ، وفي حق القسم الثاني وهم المقتصدون هدى ، وفي حق عامة المؤمنين رحمة ، ولما كانت الفرق الثلاث من المؤمنين لا جرم قال : { لقوم يؤمنون } . ! 7 < { وإذا قرىء القرءان فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون } . > 7 < الأعراف : ( 204 ) وإذا قرئ القرآن . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما عظم شأن القرآن بقوله : { هاذا بصائر من ربكم } ( الأعراف : 203 ) أردفه بقوله : { وإذا قرىء القرءان فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : الإنصات السكوت والاستماع ، يقال : نصت ، وأنصت ، وانتصت ، بمعنى واحد . المسألة الثانية : لا شك أن قوله : { فاستمعوا له وأنصتوا } أمره ، وظاهر الأمر للوجوب ، فمقتضاه أن يكون الاستماع والسكوت واجبا ، وللناس فيه أقوال . القول الأول : وهو قول الحسن وقول أهل الظاهر أنا نجري هذه الآية على عمومها ففي أي موضع قرأ الإنسان القرآن وجب على كل أحد استماعه والسكوت ، فعلى هذا القول يجب الإنصات لعابري الطريق ، ومعلمي الصبيان . والقول الثاني : أنها نزلت في تحريم الكلام في الصلاة . قال أبو هريرة رضي الله عنه : كانوا يتكلمون في الصلاة فنزلت هذه الآية ، وأمروا بالإنصات ، وقال قتادة : كان الرجل يأتي وهم في الصلاة فيسألهم ، كم صليتم وكم بقي ؟ وكانوا يتكلمون في الصلاة بحوائجهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .
والقول الثالث : أن الآية نزلت في ترك الجهر بالقراءة وراء الإمام . قال ابن عباس قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة المكتوبة وقرأ أصحابه وراءه رافعين أصواتهم ، فخلطوا عليه ، فنزلت هذه الآية وهو قول أبي حنيفة وأصحابه . والقول الرابع : أنها نزلت في السكوت عند الخطبة ، وهذا قول سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وهذا القول منقول عن الشافعي رحمه الله ، وكثير من الناس قد استبعد هذا القول ، وقال اللفظ / عام وكيف يجوز قصره على هذه الصورة الواحدة . وأقول هذا القول في غاية البعد لأن لفظة إذا تفيد الارتباط ، ولا تفيد التكرار ، والدليل عليه أن الرجل إذا قال لامرأته إذا دخلت الدار فأنت طالق ، فدخلت الدار مرة واحدة طلقت طلقة واحدة ، فإذا دخلت الدار ثانيا لم تطلق بالاتفاق لأن كلمة { إذا } لا تفيد التكرار . إذا ثبت هذا فنقول : قوله : { وإذا قرىء القرءان فاستمعوا له وأنصتوا } لا يفيد إلا وجوب الإنصات مرة واحدة ، فلما أوجبنا الاستماع عند قراءة القرآن في الخطبة ، فقد وفينا بموجب اللفظ ولم يبق في اللفظ دلالة على ما وراء هذه الصورة ، سلمنا أن اللفظ يفيد العموم إلا أنا نقول بموجب الآية ، وذلك لأن عند الشافعي رحمه الله : يسكت الإمام ، وحينئذ يقرأ المأموم الفاتحة في حال سكتة الإمام كما قال أبو سلمة للإمام سكتتان ، فاغتنم القراءة في أيهما شئت ، وهذا السؤال أورده الواحدي في ( البسيط ) . ولقائل أن يقول : سكوت الإمام إما أن نقول : إنه من الواجبات أو ليس من الواجبات والأول باطل بالإجماع والثاني يقتضي أن يجوز له أن لا يسكت . فبتقدير : أن لا يسكت يلزم أن تحصل قراءة المأموم مع قراءة الإمام ، وذلك يفضي إلى ترك الاستماع ، وإلى ترك السكوت عند قراءة الإمام ، وذلك على خلاف النص ، وأيضا فهذا السكوت ليس له حد محدود ومقدار مخصوص والسكتة للمأمومين مختلفة بالثقل والخفة ، فربما لا يتمكن المأموم من إتمام قراءة الفاتحة في مقدار سكوت الإمام ، وحينئذ يلزم المحذور المذكور ، وأيضا فالإمام إنما يبقى ساكتا ليتمكن المأموم من إتمام القراءة ، وحينئذ ينقلب الإمام مأموما ، والمأموم إماما ، لأن الإمام في هذا السكوت يصير كالتابع للمأموم ، وذلك غير جائز ، فثبت أن هذا السؤال الذي أورده الواحدي غير جائز ، وذكر الواحدي سؤالا ثانيا على التمسك بالآية . فقال : إن الإنصات هو ترك الجهر والعرب تسمي تارك الجهر منصتا ، وإن كان يقرأ في نفسه إذا لم يسمع أحدا . ولقائل أن يقول : إنه تعالى أمره أولا بالاستماع واشتغاله بالقراءة يمنعه من الاستماع ، لأن السماع غير ، والاستماع غير ، فالاستماع عبارة عن كونه بحيث يحيط بذلك الكلام المسموع على الوجه الكامل ، قال تعالى لموسى عليه السلام : { وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى } طه : 13 ) والمراد ما ذكرناه ، وإذا ثبت هذا وظهر أن الاشتغال بالقراءة مما يمنع من الاستماع علمنا أن الأمر بالاستماع يفيد النهي عن القراءة . السؤال الثالث : وهو المعتمد أن نقول : الفقهاء أجمعوا على أنه يجوز تخصيص عموم القرآن / بخبر الواحد فهب أن عموم قوله تعالى : { وإذا قرىء القرءان فاستمعوا له وأنصتوا } يوجب سكوت المأموم عند قراءة الإمام ، إلا أن قوله عليه الصلاة والسلام : ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ) وقوله : ( لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ) أخص من ذلك العموم ، وثبت أن تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لازم فوجب المصير إلى تخصيص عموم هذه الآية بهذا الخبر ، وهذا السؤال حسن .
والسؤال الرابع : أن نقول : مذهب مالك وهو القول القديم للشافعي أنه لا يجوز للمأموم أن يقرأ الفاتحة في الصلوات الجهرية ، عملا بمقتضى هذا النص ، ويجب عليه القراءة في الصلوات السرية ، لأن هذه الآية لا دلالة فيها على هذه الحالة ، وهذا أيضا سؤال حسن ، وفي الآية قول خامس وهو أن قوله تعالى : { وإذا قرىء القرءان فاستمعوا له وأنصتوا } خطاب مع الكفار في ابتداء التبليغ وليس خطابا مع المسلمين ، وهذا قول حسن مناسب وتقريره أن الله تعالى حكى قبل هذه الآية أن أقواما من الكفار يطلبون آيات مخصوصة ومعجزات مخصوصة ، فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يأتيهم بها قالوا لولا اجتبيتها ، فأمر الله رسوله أن يقول جوابا عن كلامهم إنه ليس لي أن أقترح على ربي ، وليس لي إلا أن أنتظر الوحي ، ثم بين تعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ترك الإتيان بتلك المعجزات التي اقترحوها في صحة النبوة ، لأن القرآن معجزة تامة كافية في إثبات النبوة وعبر الله تعالى عن هذا المعنى بقوله : { هاذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } ( الأعراف : 203 ) فلو قلنا إن قوله تعالى : { وإذا قرىء القرءان فاستمعوا له وأنصتوا } المراد منه قراءة المأموم خلف الإمام لم يحصل بين هذه الآية وبين ما قبلها تعلق بوجه من الوجوه ، وانقطع النظم ، وحصل فساد الترتيب ، وذلك لا يليق بكلام الله تعالى ، فوجب أن يكون المراد منه شيئا آخر سوى هذا الوجه وتقريره أنه لما ادعى كون القرآن بصائر وهدى ورحمة ، من حيث إنه معجزة دالة على صدق محمد عليه الصلاة والسلام ، وكونه كذلك لا يظهر إلا بشرط مخصوص ، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام إذا قرأ القرآن على أولئك الكفار استمعوا له وأنصتوا حتى يقفوا على فصاحته ، ويحيطوا بما فيه من العلوم الكثيرة ، فحينئذ يظهر لهم كونه معجزا دالا على صدق محمد صلى الله عليه وسلم ، فيستعينوا بهذا القرآن على طلب سائر المعجزات ، ويظهر لهم صدق قوله في صفة القرآن : إنه بصائر وهدى ورحمة فثبت أنا إذا حملنا الآية على هذا الوجه استقام النظم وحصل الترتيب الحسن المفيد ، ولو حملنا الآية على منع المأموم من القراءة خلف الإمام فسد النظم واختل الترتيب ، فثبت أن حمله على ما ذكرناه أولى ، وإذا ثبت هذا ظهر أن قوله : { وإذا قرىء القرءان فاستمعوا له } خطاب مع الكفار عند قراءة الرسول عليهم القرآن في معرض الاحتجاج / بكونه معجزا على صدق نبوته / وعند هذا يسقط استدلال الخصوم بهذه الآية من كل الوجوه ، ومما يقوى أن حمل الآية على ما ذكرناه أولى ، وجوه : الوجه الأول : أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم قالوا : { لا تسمعوا لهاذا القرءان والغوا فيه لعلكم تغلبون } ( فصلت : 26 ) فلما حكى عنهم ذلك ناسب أن يأمرهم بالاستماع والسكوت ، حتى يمكنهم الوقوف على ما في القرآن من الوجوه الكثيرة البالغة إلى حد الإعجاز . والوجه الثاني : أنه تعالى قال قبل هذه الآية : { هاذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } فحكم تعالى بكون هذا القرآن رحمة للمؤمنين على سبيل القطع والجزم .
ثم قال : { وإذا قرىء القرءان فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون } ولو كان المخاطبون بقوله : { فاستمعوا له وأنصتوا } هم المؤمنون لما قال : { لعلكم ترحمون } لأنه جزم تعالى قبل هذه الآية بكون القرآن رحمة للمؤمنين قطعا فكيف يقول بعده من غير فصل لعل استماع القرآن يكون رحمة للمؤمنين ؟ أما إذا قلنا : إن المخاطبين بقوله : { فاستمعوا له وأنصتوا } هم الكافرون ، صح حينئذ قوله : { لعلكم ترحمون } لأن المعنى ؛ فاستمعوا له وأنصتوا فلعلكم تطلعون على ما فيه من دلائل الإعجاز ، فتؤمنوا بالرسول فتصيروا مرحومين ، فثبت أنا لو حملناه على ما قلناه حسن قوله : { لعلكم ترحمون } ولو قلنا إن الخطاب خطاب مع المؤمنين لم يحسن ذكر لفظ ( لعل ) فيه . فثبت أن حمل الآية على التأويل الذي ذكرناه أولى ، وحينئذ يسقط استدلال الخصم به من كل الوجوه ، لأنا بينا بالدليل أن هذا الخطاب ما يتناول المؤمنين ، وإنما تناول الكفار في أول زمان تبليغ الوحي والدعوة . ! 7 < { واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والا صال ولا تكن من الغافلين } . > 7 ! < < الأعراف : ( 205 ) واذكر ربك في . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما قال : { وإذا قرىء القرءان فاستمعوا له وأنصتوا } ( الأعراف : 204 ) اعلم أن قارئا يقرأ القرآن بصوت عال حتى يمكنهم استماع القرآن ، ومعلوم أن ذلك القارىء ليس إلا الرسول عليه السلام ، فكانت هذه الآية جارية مجرى أمر الله محمدا صلى الله عليه وسلم بأن يقرأ القرآن على القوم بصوت عال رفيع ، وإنما أمره بذلك ليحصل المقصود من تبليغ الوحي والرسالة ، ثم إنه / تعالى أردف ذلك الأمر ، بأن أمره في هذه الآية بأن يذكر ربه في نفسه ، والفائدة فيه : أن انتفاع الإنسان بالذكر إنما يكمل إذا وقع الذكر بهذه الصفة ، لأنه بهذا الشرط أقرب إلى الأخلاص والتضرع . المسألة الثانية : أنه تعالى أمر رسوله بالذكر مقيدا بقيود . القيد الأول : { واذكر ربك في نفسك } والمراد بذكر الله في نفسه كونه عارفا بمعاني الأذكار التي يقولها بلسانه مستحضرا لصفات الكمال والعز والعلو والجلال والعظمة ، وذلك لأن الذكر باللسان إذا كان عاريا عن الذكر بالقلب كان عديم الفائدة . ألا ترى أن الفقهاء أجمعوا على أن الرجل إذا قال : بعت واشتريت مع أنه لا يعرف معاني هذه الألفاظ ولا يفهم منها شيئا ، فإنه لا ينعقد البيع والشراء ، فكذا ههنا ويتفرع على ما ذكرنا أحكام : الحكم الأول سمعت أن بعض الأكابر من أصحاب القلوب كان إذا أراد أن يأمر واحدا من المريدين بالخلوة والذكر ، أمره بالخلوة والتصفية أربعين يوما ، ثم عند استكمال هذه المدة وحصول التصفية التامة ، يقرأ عليه الأسماء التسعة والتسعين ، ويقول لذلك المريد اعتبر حال قلبك عند سماع هذه الأسماء ، فكل اسم وجدت قلبه عند سماعه قوي تأثره وعظم شوقه ، فاعرف أن الله إنما يفتح أبواب المكاشفات عليك بواسطة المواظبة على ذكر ذلك الاسم بعينه ، وهذا طريق حسن لطيف في هذا الباب . الحكم الثاني قال المتكلمون : هذه الآية تدل على إثبات كلام النفس لأنه تعالى لما أمر رسوله بأن يذكر ربه في نفسه وجب الاعتراف بحصول الذكر النفساني ولا معنى لكلام النفس إلا ذلك . فإن قالوا : لم لا يجوز أن يكون المراد من الذكر النفساني العلم والمعرفة ؟
قلنا : هذا باطل لأن الإنسان لا قدرة له على تحصيل العلم بالشيء ابتداء لأنه إما أن يطلبه حال حصوله أو حال عدم حصوله . والأول باطل لأنه يقتضي تحصيل الحاصل وهو محال . والثاني باطل لأن ما لا يكون متصورا ، كان الذهن غافلا عنه والغافل عن الشيء يمتنع كونه طالبا له فثبت أنه لا قدرة للإنسان على تحصيل التصورات ، فامتنع ورود الأمر به ، والآية دالة على ورود الأمر بالذكر النفساني ، فوجب أن يكون الذكر النفساني معنى مغايرا للمعرفة والعلم والتصور ، وذلك هو المطلوب . / الحكم الثالث أنه تعالى قال : { واذكر ربك في نفسك } ولم يقل : واذكر إلهك ولا سائر الأسماء ، وإنما سماه في هذا المقام باسم كونه ربا ، وأضاف نفسه إليه ، وكل ذلك يدل على نهاية الرحمة والتقريب والفضل والإحسان ، والمقصود منه ، أن يصير العبد فرحا مبتهجا عند سماع هذا الاسم ، لأن لفظ الرب مشعر بالتربية والفضل ، وعند سماع هذا الاسم يتذكر العبد أقسام نعم الله عليه ، وبالحقيقة لا يصل عقله إلى أقل أقسامها ، كما قال تعالى : { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } ( إبراهيم : 34 ) فعند انكشاف هذا المقام في القلب يقوى الرجاء ، فإذا سمع بعد ذلك قوله : { تضرعا وخيفة } عظم الخوف ، وحينئذ تحصل في القلب موجبات الرجاء وموجبات الخوف ، وعنده يكمل الإيمان على ما قال عليه السلام : ( لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا ) إلا أن هنا دقيقة ، وهي أن سماع لفظ الرب يوجب الرجاء وسماع لفظ التضرع والخيفة يوجب الخوف ، فلما وقع الابتداء بما يوجب الرجاء ، علمنا أن جانب الرجاء أقوى . القيد الثاني : من القيود المعتبرة في الذكر حصول التضرع ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : { تضرعا } وهذا القيد معتبر ، ويدل عليه القرآن ، والمعقول . أما القرآن فقوله في سورة الأنعام { قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية } ( الأنعام : 63 ) وأما المعقول : فلأن كمال حال الإنسان إنما يحصل بانكشاف أمرين : أحدهما : عزة الربوبية ، وهذا المقصود ، إنما يتم بقوله : { واذكر ربك في نفسك } الثاني : بمشاهدة ذلة العبودية وذلك إنما يكمل بقوله : { تضرعا } فالانتقال من الذكر إلى التضرع يشبه النزول من المعراج ، والانتقال من التضرع إلى الذكر يشبه الصعود ، وبهما يتم معراج الأرواح القدسية وههنا بحث وهو أن معرفة الله من لوازمها التضرع ، والخوف ، والذكر القلبي يمتنع انفكاكه عن التضرع والخوف ، فما الفائدة في اعتبار هذا التضرع والخوف ؟ وأجيب عنه بأن المعرفة لا يلزمها التضرع والخوف على الإطلاق ، لأنه ربما استحكم في عقل الإنسان أنه تعالى لا يعاقب أحدا لأن ذلك العقاب إيذاء للغير ، ولا فائدة للحق فيه . وإذا كان كذلك لا يعذب فإذا اعتقد هذا ، لم يكمل التضرع والخوف . فلهذا السبب نص الله تعالى على أنه لا بد منه وأجيب عنه بأن الخوف على قسمين : الأول : خوف العقاب ، وهو مقام المبتدين . والثاني : خوف الجلال وهو مقام المحققين ، وهذا الخوف ممتنع الزوال وكل من كان أعرف بجلال الله كان هذا الخوف في قلبه أكمل ، وأجيب عن هذا الجواب بأن لأصحاب المكاشفات مقامين : مكاشفة الجمال ، ومكاشفة / الجلال ، فإذا كشفوا بالجمال عاشوا ، وإذا كوشفوا بالجلال طاشوا ، ولا بد في مقام الذكر من رعاية الجانبين .
القيد الثالث : قوله : { وخيفة } وفي قراءة أخرى { وخفية } وقال الزجاج : أصلها ( خوفة ) فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها ، أقول هذا الخوف يقع على وجوه : أحدها : خوف التقصير في الأعمال . وثانيها : خوف الخاتمة . والمحققون خوفهم من السابقة ، لأنه إنما يظهر في الخاتمة ما سبق الحكم به في الفاتحة ، ولذلك كان عليه السلام يقول : ( جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة ) . وثالثها : خوف أني كيف أقابل نعمة الله التي لا حصر لها ولا حد بطاعاتي الناقصة وأذكاري القاصرة ؟ وكان الشيخ أبو بكر الواسطي يقول : الشكر شرك ، فسألوني عن هذه الكلمة فقلت : لعل المراد والله أعلم أن من حاول مقابلة وجوه إحسان الله بشكره فقد أشرك . لأن على هذا التقدير يصير كأن العبد يقول : منك النعمة ومني الشكر ، ولا شك أن هذا شرك ، فأما إذا أتى بالشكر مع خوف التقصير ومع الاعتراف بالذل والخضوع ، فهناك يشم فيه رائحة العبودية . وأما القراءة الثانية : وهو قوله : { وخفية } فالإخفاء في حق المبتدين يراد لصون الطاعات عن شوائب الرياء والسمعة ، وفي حق المنتهين المقربين منشؤه الغيرة ، وذلك لأن المحبة إذا استكملت أوجبت الغيرة ، فإذا كمل هذا التوغل وحصل الفناء ، وقع الذكر في حين الإخفاء بناء على قوله عليه السلام : ( من عرف الله كل لسانه ) . القيد الرابع : قوله : { ودون الجهر من القول } والمراد منه أن يقع ذلك الذكر بحيث يكون متوسطا بين الجهر والمخافتة كما قال تعالى : { ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذالك سبيلا } ( الإسراء : 110 ) وقال عن زكريا عليه السلام : { إذ نادى ربه نداء خفيا } ( مريم : 3 ) قال ابن عباس : وتفسير قوله : { ودون الجهر من القول } المعنى أن يذكر ربه على وجه يسمع نفسه ، فإن المراد حصول الذكر اللساني ، والذكر اللساني إذا كان بحيث يسمع نفسه ، فإنه يتأثر الخيال من ذلك الذكر ، وتأثر الخيال يوجب قوة في الذكر القلبي الروحاني ، ولا يزال يتقوى كل واحد من هذه الأركان الثلاثة ، وتنعكس أنوار هذه الأذكار من بعضها إلى بعض ، وتصير هذه الانعكاسات سببا لمزيد القوة والجلاء والانكشاف والترقي من حضيض ظلمات عالم الأجسام إلى أنوار مدبر النور والظلام . والقيد الخامس : قوله : { بالغدو والاصال } وههنا مسائل : المسألة الأولى : في لفظ ( الغدو ) قولان : القول الأول : أنه مصدر يقال غدوت أغدو غدوا غدوا ، ومنه قوله تعالى : { غدوها شهر } ( سبأ : 12 ) / أي غدوها للسير ، ثم سمى وقت الغدو غدوا ، كما يقال : دنا الصباح أي وقته ، ودنا المساء أي وقته . القول الثاني : أن يكون الغدو جمع غدوة ، قال الليث : الغدو جمع مثل الغدوات وواحد الغدوات غدوة ، وأما { الآصال } فقال الفراء : واحدها أصل وواحد الأصل الأصيل . قال يقال جئناهم مؤصلين أي عند الآصال ، ويقال الأصيل مأخوذ من الأصل واليوم بليلته ، إنما يبتدأ بالشروع من أول الليل وآخر نهار كل يوم متصل بأول ليل اليوم الثاني ، فسمى آخر النهار أصيلا ، لكونه ملاصقا لما هو الأصل لليوم الثاني .
المسألة الثانية : خص الغدو والآصال بهذا الذكر ، والحكمة فيه أن عند الغدوة انقلب الإنسان من النوم الذي هو كالموت إلى اليقظة التي هي كالحياة ، والعالم انقلب من الظلمة التي هي طبيعة عدمية إلى النور الذي هو طبيعة وجودية . وأما عند الآصال فالأمر بالضد لأن الإنسان ينقلب فيه من الحياة إلى الموت ، والعالم ينقلب فيه من النور الخالص إلى الظلمة الخالصة ، وفي هذين الوقتين يحصل هذان النوعان من التغيير العجيب القوي القاهر ولا يقدر على مثل هذا التغيير إلا الإله الموصوف بالحكمة الباهرة والقدرة الغير المتناهية ، فلهذه الحكمة العجيبة خص الله تعالى هذين الوقتين بالأمر بالذكر . ومن الناس من قال : ذكر هذين الوقتين والمراد مداومة الذكر والمواظبة عليه بقدر الإمكان . عن ابن عباس أنه قال في قوله : { الالباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم } ( الأعراف : 191 ) لو حصل لابن آدم حالة رابعة سوى هذه الأحوال لأمر الله بالذكر عندها والمراد منه أنه تعالى أمر بالذكر على الدوام . والقيد السادس : قوله تعالى : { ولا تكن من الغافلين } والمعنى أن قوله : { بالغدو والاصال } دل على أنه يجب أن يكون الذكر حاصلا في كل الأوقات وقوله : { ولا تكن من الغافلين } يدل على أن الذكر القلبي يجب أن يكون دائما ، وأن لا يغفل الإنسان لحظة واحدة عن استحضار جلال الله وكبريائه بقدر الطاقة البشرية والقوة الإنسانية ، وتحقيق القول ، أن بين الروح وبين البدن علاقة عجيبة ، لأن كل أثر حصل في جوهر الروح نزل منه أثر إلى البدن ، وكل حالة حصلت في البدن صعدت منها نتائج إلى الروح ، ألا ترى أن الإنسان إذا تخيل الشيء الحامض ضرس سنه ، وإذا تخيل حالة مكروهة وغضب سخن بدنه ، فهذه آثار تنزل من الروح إلى البدن ، وأيضا إذا واظب الإنسان على عمل من الأعمال وكرر مرات وكرات حصلت ملكة قوية راسخة في جوهر النفس فهذه آثار صعدت من البدن إلى النفس . إذا عرفت هذا فنقول : إذا حضر الذكر اللساني بحيث يسمع نفسه / حصل أثر من ذلك الذكر / اللساني في الخيال ، ثم يصعد من ذلك الأثر الخيالي مزيد أنوار وجلايا إلى جوهر الروح ، ثم تنعكس من تلك الإشراقات الروحانية آثار زائدة إلى اللسان ومنه إلى الخيال ، ثم مرة أخرى إلى العقل ، ولا يزال تنعكس هذه الأنوار من هذه المرايا بعضها إلى بعض ، ويتقوى بعضها بعض ويستكمل بعضها ببعض ، ولما كان لا نهاية لتزايد أنوار المراتب ، لا جرم لا نهاية لسفر العارفين في هذه المقامات العالية القدسية وذلك بحر لا ساحل له ، ومطلوب لا نهاية له . واعلم أن قوله تعالى : { واذكر ربك في نفسك } وإن كان ظاهره خطابا مع النبي عليه السلام ، إلا أنه عام في حق كل المكلفين ولكل أحد درجة مخصوصة ومرتبة معينة بحسب استعداد جوهر نفسه الناطقة كما قال في صفة الملائكة : { وما منا إلا له مقام معلوم } ( الصافات : 164 ) . ! 7 < { إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون } . > 7 ! < < الأعراف : ( 206 ) إن الذين عند . . . . . > > وفيه مسائل :
المسألة الأولى : لما رغب الله رسوله في الذكر وفي المواظبة عليه ذكر عقيبه ما يقوي دواعيه في ذلك فقال : { إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته } والمعنى : أن الملائكة مع نهاية شرفهم وغاية طهارتهم وعصمتهم وبراءتهم عن بواعث الشهوة والغضب ، وحوادث الحقد والحسد ، لما كانوا مواظبين على العبودية والسجود والخضوع والخشوع ، فالإنسان مع كونه مبتلى بظلمات عالم الجسمانيات ومستعدا للذات البشرية والبواعث الإنسانية أولى بالمواظبة على الطاعة ، ولهذا السبب قال عيسى عليه السلام : { وجعلنى مباركا أين ما كنت وأوصانى } ( مرين : 31 ) وقال لمحمد عليه السلام : { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } ( الحجر : 99 ) . المسألة الثانية : المشبهة تمسكوا بقوله : { إن الذين عند ربك } وقالوا لفظ { عند } مشعر بالمكان والجهة . وجوابه أنا ذكرنا البراهين الكثيرة العقلية والنقلية في هذه السورة عند تفسير قوله : { ثم استوى على العرش } ( الأعراف : 54 يونس : 3 ) على أنه يمتنع كونه تعالى حاصلا في المكان والجهة . وإذا ثبت هذا فنقول : وجب المصير إلى التأويل في هذه الآية وبيانه من وجوه : / الوجه الأول : أنه تعالى قال : { وهو معكم } ولا شك أن هذه المعية بالفضل والرحمة لا بالجهة فكذا ههنا ، وأيضا جاء في الأخبار الربانية أنه تعالى قال : ( أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي ) ولا خلاف أن هذه العندية ليست لأجل المكان والجهة ، فكذا ههنا . والوجه الثاني : إن المراد القرب بالشرف . يقال : للوزير قربة عظيمة من الأمير ، وليس المراد منه القرب بالجهة ، لأن البواب والفراش يكون أقرب إلى الملك في الجهة والحيز والمكان من الوزير ، فعلمنا أن القرب المعتبر هو القرب بالشرف لا القرب بالجهة . والوجه الثالث : أن هذا تشريف للملائكة بإضافتهم إلى الله من حيث إنه أسكنهم في المكان الذي كرمه وشرفه وجعله منزل الأنوار ومصعد الأرواح والطاعات والكرامات . والوجه الرابع : إنما قال تعالى في صفة الملائكة : { الذين عند ربك } لأنهم رسل الله إلى الخلق كما يقال : إن عند الخليفة جيشا عظيما ، وإن كانوا متفرقين في البلد ، فكذا ههنا . والله أعلم . المسألة الثانية : تمسك أبو بكر الأصم رحمه الله بهذه الآية في إثبات أن الملائكة أفضل من البشر ، لأنه تعالى لما أمر رسوله بالعبادة والذكر قال : { إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته } والمعنى فأنت أولى وأحق بالعبادة ، وهذا الكلام إنما يصح لو كانت الملائكة أفضل منه . المسألة الرابعة : ذكر من طاعاتهم أولا كونهم يسبحون ، وقد عرفت أن التسبيح عبارة عن تنزيه الله تعالى من كل سوء ، وذلك يرجع إلى المعارف والعلوم ، ثم لما ذكر التسبيح أردفه بذكر السجود ، وذلك يرجع إلى أعمال الجوارح ، وهذا الترتيب يدل على أن الأصل في الطاعة والعبودية أعمال القلوب ، ويتفرع عليها أعمال الجوارح . وأيضا قوله : { وله يسجدون } يفيد الحصر ومعناه : أنهم لا يسجدون لغير الله . فإن قيل : فكيف الجمع بينه وبين قوله تعالى : { فسجد الملائكة كلهم أجمعون } ( الحجر : 30 ص : 73 ) والمراد أنهم سجدوا لآدم ؟ والجواب : قال الشيخ الغزالي : الذين سجدوا لآدم ملائكة الأرض . فأما عظماء ملائكة السموات فلا . وقيل أيضا : إن قوله : { وله يسجدون } يفيدون أنهم ما سجدوا لغير الله ، فهذا يفيد العموم . وقوله : فسجدوا لآدم خاص ، والخاص مقدم على العام .
/ واعلم أن الآيات الدالة على كون الملائكة مستغرقين في العبودية كثيرة ، كقوله تعالى حكاية عنهم : { وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون } ( الصافات : 165 ، 166 ) وقوله : { وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم } ( الزمر : 75 ) والله أعلم . < > 1 ( سورة الأنفال ) 1 < > مدنية إلا من آية : 30 إلى غاية 36 فمكية وآياتها 75 نزلت بعد البقرة ! 7 < { يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين } . > 7 < الأنفال : ( 1 ) يسألونك عن الأنفال . . . . . > > اعلم أن قوله : { ويسئلونك عن الانفال } يقتضي البحث عن خمسة أشياء ، السائل والمسؤول وحقيقة النفل ، وكون ذلك السؤال عن أي الأحكام كان ، وإن المفسرين بأي شيء فسروا الأنفال . أما البحث الأول : فهو أن السائلين من كانوا ؟ فنقول إن قوله : { يسألونك عن الانفال } إخبار عمن لم يسبق ذكرهم وحسن ذلك ههنا ، لأن حالة النزول كان السائل عن هذا السؤال معلوما معينا فانصرف هذا اللفظ إليهم ، ولا شك أنهم كانوا أقواما لهم تعلق بالغنائم والأنفال وهم أقوام من الصحابة . / وأما البحث الثاني : وهو أن المسؤول من كان ؟ فلا شك أنه هو النبي صلى الله عليه وسلم . وأما البحث الثالث : وهو أن الأنفال ما هي فنقول : قال الزهري : النفل والنافلة ما كان زيادة على الأصل ، وسميت الغنائم أنفالا ، لأن المسلمين فضلوا بها على سائر الأمم الذين لم تحل لهم الغنائم ، وصلاة التطوع نافلة لأنها زيادة على الفرض الذي هو الأصل . وقال تعالى : { ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة } ( الأنبياء : 72 ) أي زيادة على ما سأل . وأما البحث الرابع : وهو أن السؤال عن أي أحكام الأنفال كان ؟ فنقول : فيه وجهان : الأول : لفظ السؤال ، وإن كان مبهما إلا أن تعيين الجواب يدل على أن السؤال كان واقعا عن ذلك المعين ، ونظيره قوله تعالى : { ويسئلونك عن المحيض } ( البقرة : 222 ) { فى الدنيا والاخرة } ( البقرة : 220 ) فعلم منه أنه سؤال عن حكم من أحكام المحيض واليتامى ، وذلك الحكم غير معين ، إلا أن الجواب كان معينا لأنه تعالى قال في المحيض : { قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض } ( البقرة : 222 ) فدل هذا الجواب على أن ذلك السؤال كان سؤالا عن مخالطة النساء في المحيض . وقال في اليتامى : { قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم } ( البقرة : 220 ) فدل هذا الجواب المعين على أن ذلك السؤال المعين كان واقعا عن التصرف في مالهم ومخالطتهم في المواكلة . وأيضا قال تعالى : { ويسئلونك عن الروح } ( الإسراء : 85 ) وليس فيه ما يدل على أن ذلك السؤال عن أي الأحكام إلا أنه تعالى قال في الجواب : { قل الروح من أمر ربى } فدل هذا الجواب على أن ذلك السؤال كان عن كون الروح محدثا أو قديما ، فكذا ههنا لما قال في جواب السؤال عن الأنفال : { قل الانفال لله والرسول } دل هذا على أنهم سألوه عن الأنفال كيف مصرفها ومن المستحق لها .
والقول الثاني : أن قوله : { يسألونك عن الانفال } أي من الأنفال ، والمراد من هذا السؤال : الاستعطاء على ما روي في الخبر ، أنهم كانوا يقولون يا رسول الله أعطني كذا أعطني كذا ، ولا يبعد إقامة عن مقام من هذا قول عكرمة . وقرأ عبد الله { يسألونك الانفال } . والبحث الخامس : وهو شرح أقوال المفسرين في المراد بالأنفال . فنقول : إن الأنفال التي سألوا عنها يقتضي أن يكون قد وقع بينهم التنازع والتنافس فيها ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن قوله : { قل الانفال لله والرسول } يدل على أن المقصود من ذكر منع القوم عن المخاصمة والمنازعة . وثانيها : قوله : { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } يدل على أنهم إنما سألوا عن ذلك بعد أن وقعت الخصومة بينهم . وثالثها : أن قوله : { وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين } يدل على ذلك . إذا عرفت هذا فنقول : يحتمل أن يكون المراد من هذه الأنفال الغنائم ، وهي الأموال المأخوذة من الكفار قهرا ؛ ويحتمل أن يكون المراد غيرها . / أما الأول : ففيه وجوه : أحدها : أنه صلى الله عليه وسلم قسم ما غنموه يوم بدر على من حضر وعلى أقوام لم يحضروا أيضا ، وهم ثلاثة من المهاجرين وخمسة من الأنصار ، فأما المهاجرون فأحدهم عثمان فإنه عليه السلام تركه على ابنته لأنها كانت مريضة ، وطلحة وسعيد بن زيد . فإنه عليه السلام كان قد بعثهما للتجسس عن خبر العير وخرجا في طريق الشام ، وأما الخمسة من الأنصار ، فأحدهم أبو لبابة مروان بن عبد المنذر ، خلفه النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة ، وعاصم خلفه على العالية ، والحرث بن حاطب : رده من الروحاء إلى عمرو بن عوف لشيء بلغه عنه ، والحرث بن الصمة أصابته علة بالروحاء ، وخوات بن جبير ، فهؤلاء لم يحضروا ، وضرب النبي صلى الله عليه وسلم لهم في تلك الغنائم بسهم ، فوقه من غيرهم فيه منازعة . فنزلت هذه الآية بسببها ، وثانيها : روى أن يوم بدر الشبان قتلوا وأسروا والأشياخ وقفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المصاف ، فقال الشبان : الغنائم لنا لأنا قتلنا وهزمنا ، وقال الأشياخ : كنا ردأ لكم ولو انهزمتهم لانحزتم إلينا ، فلا تذهبوا بالغنائم دوننا ، فوقعت المخاصمة بهذا السبب . فنزلت الآية . وثالثها : قال الزجاج : الأنفال الغنائم . وإنما سألوا عنها لأنها كانت حراما على من كان قبلهم ، وهذا الوجه ضعيف لأن على هذا التقدير يكون المقصود من هذا السؤال طلب حكم الله تعالى فقط ، وقد بينا بالدليل أن هذا السؤال كان مسبوقا بالمنازعة والمخاصمة .
وأما الاحتمال الثاني : وهو أن يكون المراد من الأنفال شيئا سوى الغنائم ، فعلى هذا التقدير في تفسير الأنفال أيضا وجوه : أحدها : قال ابن عباس في بعض الروايات : المراد من الأنفال ما شذ عن المشركين إلى المسلمين من غير قتال ، من دابة أو عبد أو متاع ، فهو إلى النبي صلى الله عليه وسلم يضعه حيث يشاء ، وثانيها : الأنفال الخمس الذي يجعله الله لأهل الخمس ، وهو قول مجاهد ، قال : فالقوم إنما سألوا عن الخمس . فنزلت الآية ، وثالثها : أن الأنفال هي السلب وهو الذي يدفع إلى الغازي زائدا على سهمه من الغنم ، ترغيبا له في القتال ، كما إذا قال الإمام : ( من قتل قتيلا فله سلبه ) أو قال لسرية ما أصبتم فهو لكم ، أو يقول فلكم نصفه أو ثلثه أو ربعه ، ولا يخمس النفل ، وعن سعد بن أبي وقاص أنه قال : قتل أخي عمير يوم بدر فقتلت به سعد بن العاصي وأخذت سيفه فأعجبني فجئت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت إن الله تعالى قد شفى صدري من المشركين فهب لي هذا السيف . فقال : ( ليس هذا لي ولا لك أطرحه في الموضع الذي وضعت فيه الغنائم ) فطرحته وبي ما يعلمه الله من قتل أخي وأخذ سلبي ، فما جاوزت إلا قليلا حتى جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أنزلت سورة الأنفال فقال : يا سعد ( إنك سألتني السيف وليس لي وإنه قد / صار لي فخذه ) قال القاضي : وكل هذه الوجوه تحتمله الآية ، وليس فيها دليل على ترجيح بعضها على بعض . وإن صح في الأخبار ما يدل على التعين قضى به ، وإلا فالكل محتمل ، وكما أن كل واحد منها جائز ، فكذلك إرادة الجميع جائزة فإنه لا تناقض بينها ، والأقرب أن يكون المراد بذلك ماله عليه السلام أن ينفل غيره من جملة الغنيمة قبل حصولها وبعد حصولها ، لأنه يسوغ له تحريضا على الجهاد وتقوية للنفوس كنحو ما كان ينفل واحدا في ابتداء المحاربة . ليبالغ في الحرب . أو عند الرجعة . أو يعطيه سلب القاتل / أو يرضخ لبعض الحاضرين ، وينفله من الخمس الذي كان عليه السلام يختص به . وعلى هذا التقدير فيكون قوله : { قل الانفال لله والرسول } المراد الأمر الزائد على ما كان مستحقا للمجاهدين . أما قوله تعالى : { قل الانفال لله والرسول } ففيه بحثان : البحث الأول : المراد منه أن حكمها مختص بالله والرسول يأمره الله بقسمتها على ما تقتضيه حكمته ، وليس الأمر في قسمتها مفوضا إلى رأي أحد . البحث الثاني : قال مجاهد وعكرمة والسدي : إنها منسوخة بقوله فإن لله خمسه وللرسول ، وذلك لأن قوله : { قل الانفال لله والرسول } يقتضي أن تكون الغنائم كلها للرسول ، فنسخها الله بآيات الخمس وهو قول ابن عباس في بعض الروايات ، وأجيب عنه من وجوه : الأول : أن قوله : { قل الانفال لله والرسول } معناه أن الحكم فيها لله وللرسول . وهذا المعنى باق فلا يمكن أن يصير منسوخا ، ثم إنه تعالى حكم بأن يكون أربعة أخماسها ملكا للغانمين . الثاني : أن آية الخمس . تدل على كون الغنيمة ملكا للغانمين ، والأنفال ههنا مفسرة لا بالغنائم ، بل بالسلب . وإنما ينفله الرسول عليه السلام لبعض الناس لمصلحة من المصالح . ثم قال تعالى : { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } وفيه بحثان : البحث الأول : معناه فاتقوا عقاب الله ولا تقدموا على معصية الله ، واتركوا المنازعة والمخاصمة بسبب هذه الأحوال . وارضوا بما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم .
البحث الثاني : في قوله : { وأصلحوا ذات بينكم } أي وأصلحوا ذات بينكم من الأقوال ، ولما كانت الأقوال واقعة في البين ، قيل لها ذات البين ، كما أن الأسرار لما كانت مضمرة في الصدور قيل لها ذات الصدور . ثم قال : { وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين } والمعنى أنه تعالى نهاهم عن مخالفة حكم الرسول بقوله : { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } ثم أكد ذلك بأن أمرهم بطاعة الرسول بقوله : { وأطيعوا الله ورسوله } ثم بالغ في هذا التأكيد فقال : { إن كنتم مؤمنين } والمراد أن الإيمان الذي دعاكم الرسول إليه ورغبتم فيه لا يتم حصوله إلا بالتزام هذه الطاعة ، فاحذروا الخروج عنها ، واحتج من قال : ترك الطاعة يوجب زوال الإيمان بهذه الآية ، وتقريره أن المعلق بكلمة إن على الشيء عدم عند عدم ذلك الشيء ، وههنا الإيمان معلق على الطاعة بكلمة { ءان } فيلزم عدم الإيمان عند عدم الطاعة وتمام هذه المسألة مذكور في قوله تعالى : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } ( النساء : 31 ) والله أعلم . ! 7 < { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم ءاياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلواة ومما رزقناهم ينفقون أولائك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم } . > 7 < الأنفال : ( 2 - 4 ) إنما المؤمنون الذين . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما قال : { وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين } واقتضى ذلك كون الإيمان مستلزما للطاعة ، شرح ذلك في هذه الآية مزيد شرح وتفصيل ، وبين أن الإيمان لا يحصل إلا عند حصول هذه الطاعات فقال : { إنما المؤمنون } الآية . واعلم أن هذه الآية تدل على أن الإيمان لا يحصل إلا عند حصول أمور خمسة : الأول : قوله : { الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } قال الواحدي يقال : وجل يوجل وجلا ، فهو وجل ، وأوجل إذا خاف . قال الشاعر : لعمرك ما أدري وإني لأوجل على أينا تعدو المنية أول والمراد أن المؤمن إنما يكون مؤمنا إذا كان خائفا من الله ، ونظيره قوله تعالى : { تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم } ( الزمر : 23 ) وقوله : { الذين هم من خشية ربهم مشفقون } ( المؤمنون : 57 ) وقوله : { الذين هم فى صلاتهم خاشعون } ( المؤمنون : 2 ) وقال أصحاب الحقائق : الخوف على قسمين : خوف العقاب ، وخوف العظمة والجلال . أما خوف العقاب فهو للعصاة . وأما خوف الجلال والعظمة فهو لا يزول عن قلب أحد من المخلوقين ، سواء كان ملكا مقربا أو نبيا مرسلا ، وذلك لأنه تعالى غني لذاته عن كل الموجودات / وما سواه من الموجودات فمحتاجون إليه ، والمحتاج إذا حضر عند الملك الغني يهابه ويخافه ، وليست تلك الهيبة من العقاب ، بل مجرد علمه بكونه غنيا عنه ، وكونه محتاجا إليه يوجب تلك المهابة ، وذلك الخوف . إذا عرفت هذا فنقول : إن كان المراد من الوجل القسم الأول ، فذلك لا يحصل من مجرد ذكر الله ، وإنما يحصل من ذكر عقاب الله . وهذا هو اللائق بهذا الموضع ، لأن المقصود من هذه الآية إلزام أصحاب بدر طاعة الله وطاعة الرسول في قسمة الأنفال ، وأما إن كان المراد من الوجل القسم الثاني ، فذلك لازم من مجرد ذكر الله ، ولا حاجة في الآية إلى الإضمار .
فإن قيل : إنه تعالى قال ههنا { وجلت قلوبهم } وقال في آية أخرى : { الذين ءامنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله } ( الرعد : 28 ) فكيف الجمع بينهما ؟ وأيضا قال في آية أخرى : { ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله } ( الزمر : 23 ) قلنا : الاطمئنان إنما يكون عن ثلج اليقين ، وشرح الصدر بمعرفة التوحيد ، والوجل إنما يكون من خوف العقوبة ، ولا منافاة بين هاتين الحالتين ، بل نقول : هذان الوصفان اجتمعا في آية واحدة ، وهي قوله تعالى : { تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله } ( الزمر : 23 ) والمعنى : تقشعر الجلود من خوف عذاب الله ، ثم تلين جلودهم وقلوبهم عند رجاء ثواب الله . الصفة الثانية : قوله تعالى : { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله } وهو قكلوه : { وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هاذه إيمانا } ( التوبة : 124 ) ثم فيه مسائل : المسألة الأولى : زيادة الإيمان الذي هو التصديق على وجهين : الوجه الأول : وهو الذي عليه عامة أهل العلم على ما حكاه الواحدي رحمه الله : أن كل من كانت الدلائل عنده أكثر وأقوى كان أزيد إيمانا ، لأن عند حصول كثرة الدلائل وقوتها يزول الشك ويقوى اليقين ، وإليه الإشارة بقوله عليه السلام : ( لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح ) يريد أن معرفته بالله أقوى . ولقائل أن يقول : المراد من هذه الزيادة : إما قوة الدليل أو كثرة الدلائل . أما قوة الدليل فباطل ، وذلك لأن كل دليل فهو مركب لا محالة من مقدمات ، وتلك المقدمات إما أن يكون مجزوما بها جزما مانعا من النقيض أو لا يكون فإن كان الجزم المانع من النقيض حاصلا في كل المقدمات ، امتنع كون بعض الدلائل أقوى من بعض على هذا التفسير ، لأن الجزم المانع من النقيض لا يقبل التفاوت ، وأما إن كان الجزم المانع من النقيض غير حاصل إما في الكل أو في البعض فذلك لا يكون دليلا ، بل أمارة ، والنتيجة الحاصلة منها لا تكون علما بل ظنا ، فثبت بما ذكرنا أن حصول التفاوت في / الدلائل بسبب القوة محال ، وأما حصول التفاوت بسبب كثرة الدلائل فالأمر كذلك ، لأن الجزم الحاصل بسبب الدليل الواحد ، إن كان مانعا من النقيض فيمتنع أن يصير أقوى عند اجتماع الدلائل الكثيرة ، وإن كان غير مانع من النقيض لم يكن دليلا ، بل كان أمارة ولم تكن النتيجة معلومة بل مظنونة ، فثبت أن هذا التأويل ضعيف . واعلم أنه يمكن أن يقال : المراد من هذه الزيادة الدوام وعدم الدوام ، وذلك لأن بعض المستدلين لا يكون مستحضرا للدليل والمدلول إلا لحظة واحدة ، ومنهم من يكون مداوما لتلك الحالة وبين هذين الطرفين أوساط مختلفة ، ومراتب متفاوتة ، وهو المراد من الزيادة .
Sorular
- Tevhid nedir; Müslümanların Allah'ın birliğine imanı?
- İslam'da imanın altı şartı nedir?
- Müslümanlar peygamberler hakkında neye inanır?
- İslam helal ve haram yiyecekler hakkında ne öğretir?
- Fâtiha Sûresi'nin anlamı nedir?
- Kur'an sabır hakkında ne öğretir?
- Kur'an hayatın amacı hakkında ne der?
- İhlas nedir ve neden önemlidir?