Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Bölüm V16/P174–V16/P175

المسألة الأولى : أنه تعالى أمر المؤمنين بالكون مع الصادقين ، ومتى وجب الكون مع الصادقين فلا بد من وجود الصادقين في كل وقت ، وذلك يمنع من إطباق الكل على الباطل ، ومتى امتنع إطباق الكل على الباطل ، وجب إذا أطبقوا على شيء أن يكونوا محقين . فهذا يدل على أن إجماع الأمة حجة . فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : المراد بقوله : { كونوا مع الصادقين } أي كونوا على طريقة الصادقين ، كما أن الرجل إذا قال لولده : كن مع الصالحين ، لا يفيد إلا ذلك سلمنا ذلك ، لكن نقول : إن هذا الأمر كان موجودا في زمان الرسول فقط ، فكان هذا أمرا بالكون مع الرسول ، فلا يدل على وجود صادق في سائر الأزمنة سلمنا ذلك ، لكن لم لا يجوز أن يكون الصادق هو المعصوم الذي يمتنع خلو زمان التكليف عنه كما تقوله الشيعة ؟ والجواب عن الأول : أن قوله : { كونوا مع الصادقين } أمر بموافقة الصادقين ، ونهى عن مفارقتهم ، وذلك مشروط بوجود الصادقين وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، فدلت هذه / الآية على وجود الصادقين . وقوله : إنه محمول على أن يكونوا على طريقة الصادقين . فنقول : إنه عدول عن الظاهر من غير دليل . قوله : هذا الأمر مختص بزمان الرسول عليه الصلاة والسلام . قلنا : هذا باطل لوجوه : الأول : أنه ثبت بالتواتر الظاهر من دين محمد عليه الصلاة والسلام أن التكاليف المذكورة في القرآن متوجهة على المكلفين إلى قيام القيامة ، فكان الأمر في هذا التكليف كذلك . والثاني : أن الصيغة تتناول الأوقات كلها بدليل صحة الاستثناء . والثالث : لما لم يكن الوقت المعين مذكورا في لفظ الآية لم يكن حمل الآية على البعض أولى من حمله على الباقي ، فأما أن لا يحمل على شيء من الأوقات فيفضي إلى التعطيل وهو باطل ، أو على الكل وهو المطلوب ، والرابع : وهو أن قوله : { الذين ءامنوا اتقوا الله حق } أمر لهم بالتقوى ، وهذا الأمر إنما يتناول من يصح منه أن لا يكون متقيا ، وإنما يكون كذلك لو كان جائز الخطأ ، فكانت الآية دالة على أن من كان جائز الخطأ وجب كونه مقتديا بمن كان واجب العصمة ، وهم الذين حكم الله تعالى بكونهم صادقين ، فهذا يدل على أنه واجب على جائز الخطأ كونه مع المعصوم عن الخطأ حتى يكون المعصوم عن الخطأ مانعا لجائز الخطأ عن الخطأ ، وهذا المعنى قائم في جميع الأزمان ، فوجب حصوله في كل الأزمان . قوله : لم لا يجوز أن يكون المراد هو كون المؤمن مع المعصوم الموجود في كل زمان ؟ قلنا : نحن نعترف بأنه لا بد من معصوم في كل زمان ، إلا أنا نقول : ذلك المعصوم هو مجموع الأمة ، وأنتم تقولون : ذلك المعصوم واحد منهم ، فنقول : هذا الثاني باطل ، لأنه تعالى أوجب على كل واحد من المؤمنين أن يكون مع الصادقين ، وإنما يمكنه ذلك لو كان عالما بأن ذلك الصادق من هو لا الجاهل بأنه من هو ، فلو كان مأمورا بالكون معه كان ذلك تكليف ما لا يطاق ، وأنه لا يجوز ، لكنا لا نعلم إنسانا معينا موصوفا بوصف العصمة ، والعلم بأنا لا نعلم هذا الإنسان حاصل بالضرورة / فثبت أن قوله : { وكونوا مع الصادقين } ليس أمرا بالكون مع شخص معين ، ولما بطل هذا بقي أن المراد منه الكون مع مجموع الأمة ، وذلك يدل على أن قول مجموع الأمة حق وصواب ولا معنى لقولنا الإجماع إلا ذلك .

Bölüm V16/P175–V16/P176

المسألة الثانية : الآية دالة على فضل الصدق وكمال درجته ، والذي يؤيده من الوجوه الدالة على أن الأمر كذلك وجوه : الأول : روي أن واحدا جاء إلى النبي عليه السلام وقال : إني رجل أريد أن أومن بك إلا أني أحب الخمر والزنا والسرقة والكذب ، والناس يقولون إنك تحرم هذه الأشياء ولا طاقة لي على تركها بأسرها ، فإن قنعت مني بترك واحد منها آمنت بك ، فقال عليه السلام / ( اترك الكذب ) فقبل ذلك ثم أسلم ، فلما خرج من عند النبي عليه السلام عرضوا عليه الخمر ، فقال : إن شربت وسألني الرسول عن شربها وكذبت فقد نقضت العهد ، وإن صدقت أقام الحد علي فتركها ثم عرضوا عليه الزنا ، فجاء ذلك الخاطر فتركه ، وكذا في السرقة ، فعاد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ما أحسن ما فعلت ، لما منعتني عن الكذب انسدت أبواب المعاصي علي ، وتاب عن الكل . الثاني : روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : عليكم بالصدق فإنه يقرب إلى البر والبر يقرب إلى الجنة ، وإن العبد ليصدق فيكتب عند الله صديقا وإياكم والكذب ، فإن الكذب يقرب إلى الفجور . والفجور يقرب إلى النار ، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا ، ألا ترى أنه يقال صدقت وبررت وكذبت وفجرت ، الثالث : قيل في قوله تعالى حكاية عن إبليس : { فبعزتك لاغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين } ( ص: 82 ، 83 ) إن إبليس إنما ذكر هذا الاستثناء ، لأنه لو لم يذكره لصار كاذبا في ادعاء إغواء الكل ، فكأنه استنكف عن الكذب فذكر هذا الاستثناء ، وإذا كان الكذب شيئا يستنكف منه إبليس ، فالمسلم أولى أن يستنكف منه . الرابع : من فضائل الصدق أن الإيمان منه لا من سائر الطاعات ، ومن معايب الكذب أن الكفر منه لا من سائر الذنوب ، واختلف الناس في أن المقتضي لقبحه ما هو ؟ فقال أصحابنا : المقتضي بقبحه هو كونه مخلا لمصالح العالم ومصالح النفس ، وقالت المعتزلة : المقتضى لقبحه هو كونه كذبا ودليلنا قوله تعالى : { رحيم ياأيها الذين ءامنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيببوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } ( الحجرات : 6 ) يعني لا تقبلوا قول الفاسق فربما كان كذبا ، فيتولد عن قبول ذلك الكذب فعل تصيرون نادمين عليه ، وذلك يدل على أنه تعالى إنما أوجب رد ما يجوز كونه كذبا لاحتمال كونه مفضيا إلى ما يضاد المصالح ، فوجب أن يكون المقتضى لقبح الكذب إفضاءه إلى المفاسد ، واحتج القاضي على قوله بأن من دفع إلى طلب منفعة أو دفع مضرة وأمكنه الوصول إلى ذلك بأن يكذب وبأن يصدق فقد علم ببديهة العقل أنه لا يجوز أن يعدل عن الصدق إلى الكذب ، ولو أمكنه أن يصل إلى ذلك بصدقين لجاز أن يعدل من أحدهما إلى الآخر ، فلو كان الكذب يحسن لمنفعة أو إزالة مضرة لكان حاله حال الصدق .

Bölüm V16/P176

ولما لم يكن كذلك علم أنه لا يكون إلا قبيحا ، ولأنه لو جاز أن يحسن لوجب أن يجوز أن يأمر الله تعالى به إذا كان مصلحة ، وذلك يؤدي إلى أن لا يوثق بأخباره ، هذا ما ذكره في التفسير فيقال له في الجواب عن الأول إن الإنسان لما تقرر عنده من أول عمره تقبيح الكذب لأجل كونه مخلا لمصالح العالم صار ذلك نصب عينه وصورة خياله فتلك الصورة النادرة إذا اتفقت للحكم عليها حكمت العادة الراسخة عليها بالقبح ، فلو فرضتم كون الإنسان خاليا عن هذه العادة وفرضتم / استواء الصدق والكذب في الإفضاء إلى المطلوب / فعلى هذا التقدير لا نسلم حصول الترجيح ، ويقال له في الجواب عن الحجة الثانية ، إنكم تثبتون امتناع الكذب على الله تعالى بكونه قبيحا لكونه كذبا ، فلو أثبتم هذا المعنى بامتناع صدوره عن الله لزم الدور وهو باطل .

Bölüm V16/P176–V16/P177

! 7 < { ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الا عراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذالك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة فى سبيل الله ولا يطأون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون } . > 7 < التوبة : ( 120 - 121 ) ما كان لأهل . . . . . > > اعلم أن الله تعالى لما أمر بقوله : { وكونوا مع الصادقين } بوجوب الكون في موافقة الرسول عليه السلام في جميع الغزوات والمشاهد ، أكد ذلك فنهى في هذه الآية عن التخلف عنه . فقال : { ما كان لاهل المدينة ومن حولهم من الاعراب أن يتخلفوا عن رسول الله } والأعراب الذين كانوا حول المدينة مزينة ، وجهينة ، وأشجع ، وأسلم ، وغفار ، هكذا قاله ابن عباس . وقيل : بل هذا يتناول جميع الأعراب الذين كانوا حول المدينة فإن اللفظ عام ، والتخصيص تحكم ، وعلى القولين فليس لهم أن يتخلفوا عن رسول الله ، ولا يطلبوا لأنفسهم الحفظ والدعة حال ما يكون رسول الله في الحر والمشقة ، وقوله : { ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه } يقال : رغبت بنفسي عن هذا الأمر أي توقفت عنه / وتركته ، وأنا أرغب بفلان عن هذا أي أبخل به عليه ولا أتركه . والمعنى : ليس لهم أن يكرهوا لأنفسهم ما يرضاه الرسول عليه الصلاة والسلام لنفسه . واعلم أن ظاهر هذه الألفاظ وجوب الجهاد على كل هؤلاء إلا أنا نقول : المرضى والضعفاء والعاجزون مخصوصون بدليل العقل وأيضا بقوله تعالى : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } ( البقرة : 286 ) وأيضا بقوله : { ليس على الاعمى حرج } ( النور : 61 الفتح : 17 ) الآية وأما أن الجهاد غير واجب على كل أحد بعينه ، فقد دل الإجماع عليه فيكون مخصوصا من هذا العموم وبقي ما وراء هاتين الصورتين داخلا تحت هذا العموم . واعلم أنه تعالى لما منع من التخلف بين أنه لا يصيبهم في ذلك السفر نوع من أنواع المشقة إلا وهو يوجب الثواب العظيم عند الله تعالى ثم إنه ذكر أمورا خمسة : أولها : قوله : { ذالك بأنهم لا يصيبهم ظمأ } وهو شدة العطش يقال ظمىء فلان إذا اشتد عطشه . وثانيها : قوله : { ولا نصب } ومعناه الإعياء والتعب . وثالثها : { ولا مخمصة فى سبيل الله } يريد مجاعة شديدة يظهر بها ضمور البطن ومنه يقال : فلان خميص البطن . ورابعها : قوله : { ولا معه أشداء على الكفار } أي ولا يضع الإنسان قدمه ولا يضع فرسه حافره ، ولا يضع بعيره خفه بحيث يصير ذلك سببا لغيظ الكفار قال ابن الأعرابي : يقال غاظه وغيظه وأغاظه بمعنى واحد ، أي أغضبه . وخامسها : قوله : { ولا ينالون من عدو نيلا } أي أسرا وقتلا وهزيمة قليلا كان أو كثيرا { إلا كتب لهم به عمل صالح } أي إلا كان ذلك قربة لهم عند الله ونقول دلت هذه الآية على أن من قصد طاعة الله كان قيامه وقعوده ومشيته وحركته وسكونه كلها حسنات مكتوبة عند الله . وكذا القول في طرف المعصية فما أعظم بركة الطاعة وما أعظم شؤم المعصية ، واختلفوا فقال قتادة : هذا الحكم من خواص رسول الله إذا غزا بنفسه فليس لأحد أن يتخلف عنه إلا بعذر . وقال ابن زيد : هذا حين كان المسلمون قليلين فلما كثروا نسخها الله تعالى بقوله : { وما كان المؤمنون لينفروا كافة } ( التوبة : 122 ) وقال عطية ما كان لهم أن يتخلفوا عن رسول الله إذا دعاهم وأمرهم وهذا هو الصحيح ، لأنه تتعين الإجابة والطاعة لرسول الله إذا أمر وكذلك غيره من الولاة والأئمة إذا ندبوا وعينوا لأنا لو سوغنا للمندوب أن يتقاعد لم يختص بذلك بعض دون بعض ولأدى ذلك إلى تعطيل الجهاد .

Bölüm V16/P177–V16/P178

ثم قال : { ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة } يريد تمرة فما فوقها وعلاقة سوط فما فوقها ولا يقطعون واديا ، والوداي كل مفرج بين جبال وآكام يكون مسلكا للسيل ، والجمع الأودية إلا كتب الله لهم ذلك الإنفاق وذلك المسير . ثم قال : { ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون } وفيه وجهان : الأول : أن الأحسن من / صفة فعلهم ، وفيها الواجب والمندوب والمباح والله تعالى يجزيهم على الأحسن ، وهو الواجب والمندوب ، دون المباح . والثاني : أن الأحسن صفة للجزاء ، أي يجزيهم جزاء هو أحسن من أعمالهم وأجل وأفضل ، وهو الثواب . ! 7 < { وما كان المؤمنون لينفروا كآفة فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } . > 7 < التوبة : ( 122 ) وما كان المؤمنون . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه يمكن أن يقال : هذه الآية من بقية أحكام الجهاد ، ويمكن أن يقال : إنها كلام مبتدأ لا تعلق لها بالجهاد . أما الاحتمال الأول : نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه عليه السلام كان إذا خرج إلى الغزو لم يتخلف عنه إلا منافق أو صاحب عذر . فلما بالغ الله سبحانه في عيوب المنافقين في غزوة تبوك قال المؤمنون : والله لا نتخلف عن شيء من الغزوات مع الرسول عليه السلام ولا عن سرية . فلما قدم الرسول عليه السلام المدينة ، وأرسل السرايا إلى الكفار ، نفر المسلمون جميعا إلى الغزو وتركوه وحده بالمدينة ، فنزلت هذه الآية . والمعنى : أنه لا يجوز للمؤمنين أن ينفروا بكليتهم إلى الغزو والجهاد ، بل يجب أن يصيروا طائفتين . تبقى طائفة في خدمة الرسول ، وتنفر طائفة أخرى إلى الغزو ، وذلك لأن الإسلام في ذلك الوقت كان محتاجا إلى الغزو والجهاد وقهر الكفار ، وأيضا كانت التكاليف تحدث والشرائع تنزل ، وكان بالمسلمين حاجة إلى من يكون مقيما بحضرة الرسول عليه السلام فيتعلم تلك الشرائع ، ويحفظ تلك التكاليف ويبلغها إلى الغائبين . فثبت أن في ذلك الوقت كان الواجب انقسام أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قسمين ، أحد القسمين ينفرون إلى الغزو والجهاد ، والثاني : يكونون مقيمين بحضرة الرسول ، فالطائفة النافرة إلى الغزو يكونون نائبين عن المقيمين في الغزو ، والطائفة المقيمة يكونون نائبين عن النافرين ، في التفقه ، وبهذا الطريق يتم أمر الدين بهاتين الطائفتين . إذا عرفت هذا فنقول على هذا القول احتمالان : أحدهما : أن تكون الطائفة المقيمة هم الذين / يتفقهون في الدين بسبب أنهم لما لازموا خدمة الرسول عليه الصلاة والسلام وشاهدوا الوحي والتنزيل فكلما نزل تكليف وحدث شرع عرفوه وضبطوه ، فإذا رجعت الطائفة النافرة من الغزو إليهم ، فالطائفة المقيمة ينذرونهم ما تعلموه من التكاليف والشرائع ، وبهذا التقرير فلا بد في الآية من إضمار ، والتقدير : فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ، وأقامت طائفة ليتفقه المقيمون في الدين ولينذروا قومهم ، يعني النافرين إلى الغزو إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون معاصي الله تعالى عند ذلك التعلم .

Bölüm V16/P178–V16/P179

والاحتمال الثاني : هو أن يقال : التفقه صفة للطائفة النافرة وهذا قول الحسن . ومعنى الآية فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة حتى تصير هذه الطائفة النافرة فقهاء في الدين ، وذلك التفقه المراد منه أنهم يشاهدون ظهور المسلمين على المشركين ، وأن العدد القليل منهم يغلبون العالم من المشركين ، فحينئذ يعلمون أن ذلك بسبب أن الله تعالى خصهم بالنصرة والتأييد وأنه تعالى يريد إعلاء دين محمد عليه السلام وتقوية شريعته ، فإذا رجعوا من ذلك النفر إلى قومهم من الكفار أنذروهم بما شاهدوا من دلائل النصر والفتح والظفر لعلهم يحذرون ، فيتركوا الكفر والشك والنفاق ، فهذا القول أيضا محتمل ، وطعن القاضي في هذا القول : قال لأن هذا الحس لا يعد فقها في الدين ، ويمكن أن يجاب عنه بأنهم إذا شاهدوا أن القوم القليل الذين ليس لهم سلاح ولا زاد يغلبون الجمع العظيم من الكفار الذين كثر زادهم وسلاحهم ، وقويت شوكتهم ، فحينئذ انتبهوا لما هو المقصود وهو أن هذا الأمر من الله تعالى وليس من البشر . إذ لو كان من البشر لما غلب القليل الكثير / ولما بقي هذا الدين في التزايد والتصاعد كل يوم ، فالتنبه لفهم هذه الدقائق واللطائف لا شك أنه تفقه . وأما الاحتمال الثالث : وهو أن يقال هذه الآية ليست من بقايا أحكام الجهاد ، بل هو حكم مبتدأ مستقل بنفسه ، وتقريره أن يقال إنه تعالى لما بين في هذه السورة أمر الهجرة ، ثم أمر الجهاد ، وهما عبادتان بالسفر ، بين أيضا عبادة التفقه من جهة الرسول عليه السلام وله تعلق بالسفر . فقال : وما كان المؤمنون لينفروا كافة إلى حضرة الرسول ليتفقهوا في الدين بل ذلك غير واجب وغير جائز ، وليس حاله كحال الجهاد معه الذي يجب أن يخرج فيه كل من لا عذر له . ثم قال : { فلولا نفر من كل فرقة منهم } يعني من الفرق الساكنين في البلاد ، طائفة إلى حضرة الرسول ليتفقهوا في ا لدين ، وليعرفوا الحلال والحرام ، ويعودوا إلى أوطانهم ، فينذروا ويحذروا قومهم لكي يرجعوا عن كفرهم ، وعلى هذا التقدير يكون المراد وجوب الخروج إلى حضرة الرسول للتفقه والتعلم . / فإن قيل : أفتدل الآية على وجوب الخروج للتفقه في كل زمان ؟ قلنا : متى عجز عن التفقه إلا بالسفر وجب عليه السفر ، وفي زمان الرسول عليه السلام كان الأمر كذلك ، لأن الشريعة ما كانت مستقرة ، بل كان يحدث كل يوم تكليف جديد وشرع حادث . أما في زماننا فقد صارت الشريعة مستقرة ، فإذا أمكنه تحصيل العلم في الوطن لم يكن السفر واجبا إلا أنه لما كان لفظ الآية دليلا على السفر لا جرم رأينا أن العلم المبارك المنتفع به لا يحصل إلا في السفر .

Bölüm V16/P179–V16/P180

المسألة الثانية : في تفسير الألفاظ المذكورة في هذه الآية ( لولا ) إذا دخل على الفعل كان بمعنى التحضيض مثل هلا ، وإنما جاز أن يكون لولا بمعنى هلا ، لأن هلا كلمتان هل وهو استفهام وعرض ، لأنك إذا قلت للرجل هل تأكل ؟ هل تدخل ؟ فكأنك عرضت ذلك عليه ، و ( لا ) وهو جحد ، فهلا مركب من أمرين : العرض ، والجحد . فإذا قلت : هلا فعلت كذا ؟ فكأنك قلت : هل فعلت . ثم قلت معه : ( لا ) أي ما فعلته ، ففيه تنبيه على وجوب الفعل ، وتنبيه على أنه حصل الإخلال بهذا الواجب ، وهكذا الكلام في ( لولا ) لأنك إذا قلت : لولا دخلت علي ، ولولا أكلت عندي . فمعناه أيضا عرض وإخبار عن سرورك به ، لو فعل ، وهكذا الكلام في ( لوما ) ومنه قوله : { ما تأتينا بالملئكة } ( الحجر : 7 ) فثبت أن لولا وهلا ولوما ألفاظ متقاربة ، والمقصود من الكل الترغيب والتحضيض فقوله : { فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة } أي فهلا فعلوا ذلك . المسألة الثالثة : هذه الآية حجة قوية لمن يرى أن خبر الواحد حجة ، وقد أطنبنا في تقريره في كتاب ( المحصول من الأصول ) ، والذي نقوله ههنا أن كل ثلاثة ؛ فرقة . وقد أوجب الله تعالى أن يخرج من كل فرقة طائفة ، والخارج من الثلاثة يكون اثنين أو واحدا ، فوجب أن يكون الطائفة إما اثنين وإما واحدا ، ثم إنه تعالى أوجب العمل بأخبارهم لأن قوله : { ولينذروا قومهم } عبارة عن أخبارهم . وقوله : { لعلهم يحذرون } إيجاب على قومهم أن يعلموا بأخبارهم ، وذلك يقتضي أن يكون خبر الواحد أو الاثنين حجة في الشرع . قال القاضي : هذه الآية لا تدل على وجوب العمل بخبر الواحد ، لأن الطائفة قد تكون جماعة يقع بخبرها الحجة ، ولأن قوله : { ولينذروا قومهم } يصح وإن لم يجب القبول كما أن الشاهد الواحد يلزمه الشهادة ، وإن لم يلزم القبول ، ولأن الإنذار يتضمن التخويف ، وهذا القدر لا يقتضي وجوب العمل به . والجواب : أما قوله : { الطائفة } قد تكون جماعة ، فجوابه : أنا بينا أن كل ثلاثة فرقة ، فلما أوجب الله تعالى أن يخرج من كل فرقة طائفة لزم كون الطائفة ، إما اثنين أو واحدا ، وذلك / يبطل كون الطائفة جماعة يحصل العلم بخبرهم . فإن قالوا : إنه تعالى أوجب العمل بقول أولئك الطوائف ولعلهم بلغوا في الكثرة إلى حيث يحصل العلم بقولهم . قلنا : إنه تعالى أوجب على كل طائفة أن يرجعوا إلى قومهم وذلك يقتضي رجوع كل طائفة إلى قوم خاص ، ثم إنه تعالى أوجب العلم بقول تلك الطائفة وذلك يفيد المطلوب . وأما قوله : { الدين ولينذروا قومهم } يصح وإن لم يجب القبول . فنقول إنا لا نتمسك في وجوب العمل بخبر الواحد بقوله : { ولينذروا } بل بقوله : { لعلهم يحذرون } ترغيب منه تعالى في الحذر ، بناء على أن ذلك الإنذار يقتضي إيجاب العمل على وفق ذلك الإنذار ، وبهذا الجواب خرج الجواب عن سؤاله الثالث وهو قوله : الإنذار يتضمن التخويف ، وهذا القدر لا يقتضي وجوب العمل به .

Bölüm V16/P180–V16/P181

المسألة الرابعة : دلت الآية على أنه يجب أن يكون المقصود من التفقه والتعلم دعوة الخلق إلى الحق ، وإرشادهم إلى الدين القويم والصراط المستقيم ، لأن الآية تدل على أنه تعالى أمرهم بالتفقه في الدين ، لأجل أنهم إذا رجعوا إلى قومهم أنذروهم بالدين الحق ، وأولئك يحذرون الجهل والمعصية ويرغبون في قبول الدين . فكل من تفقه وتعلم لهذا الغرض كان على المنهج القويم والصراط المستقيم ، ومن عدل عنه وطلب الدنيا بالدين كان من الأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا . ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين } . > 7 ! < < التوبة : ( 123 ) يا أيها الذين . . . . . > > اعلم أنه نقل عن الحسن أنه قال : هذه الآية نزلت قبل الأمر بقتال المشركين كافة ، ثم إنها صارت منسوخة بقوله : { قاتلوا المشركين كافة } ( التوبة : 36 ) وأما المحققون فإنهم أنكروا هذا النسخ وقالوا : إنه تعالى لما أمر بقتال المشركين كافة أرشدهم في ذلك الباب إلى الطريق الأصوب الأصلح ، وهو أن يبتدؤا من الأقرب فالأقرب ، منتقلا إلى الأبعد فالأبعد . ألا ترى أن أمر الدعوة وقع على هذا الترتيب قال تعالى : { وأنذر عشيرتك الاقربين } ( الشعراء : 214 ) وأمر الغزوات وقع على هذا الترتيب لأنه عليه السلام / حارب قومه ، ثم انتقل منهم إلى غزو سائر العرب ثم انتقل منهم إلى غزو الشام ، والصحابة رضي الله عنهم لما فرغوا من أمر الشأم دخلوا العراق . وإنما قلنا : إن الابتداء بالغزو من المواضع القريبة أولى لوجوه : الأول : أن مقابلة الكل دفعة واحدة متعذرة ، ولما تساوى الكل في وجوب القتال لما فيهم من الكفر والمحاربة وامتنع الجمع ، وجب الترجيح ، والقرب مرجح ظاهر كما في الدعوة ، وكما في سائر المهمات ، ألا ترى أن في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الابتداء بالحاضر أولى من الذهاب إلى البلاد البعيدة لهذا المهم ، فوجب الابتداء بالأقرب . والثاني : أن الابتداء بالأقرب أولى لأن النفقات فيه أقل ، والحاجة إلى الدواب والآلات والأدوات أقل . الثالث : أن الفرقة المجاهدة إذا تجاوزوا من الأقرب إلى الأبعد فقد عرضوا الذراري للفتنة . الرابع : أن المجاورين لدار الإسلام إما أن يكونوا أقوياء أو ضعفاء ، فإن كانوا أقوياء كان تعرضهم لدار الإسلام أشد وأكثر من تعرض الكفار المتباعدين ، والشر الأقوى الأكثر أولى بالدفع ، وإن كانوا ضعفاء كان استيلاء المسلمين عليهم أسهل ، وحصول عز الإسلام لسبب انكسارهم أقرب وأيسر ، فكان الابتداء بهم أولى . الخامس : أن وقوف الإنسان على حال من يقرب منه أسهل من وقوفه على حال من يبعد منه ، وإذا كان كذلك كان اقتدار المسلمين على مقاتلة الأقربين أسهل لعلمهم بكيفية أحوالهم وبمقادير أسلحتهم وعدد عساكرهم . السادس : أن دار الإسلام واسعة ، فإذا اشتغل أهل كل بلد بقتال من يقرب منهم من الكفار كانت المؤنة أسهل ، وحصول المقصود أيسر . السابع : أنه إذا اجتمع واجبان وكان أحدهما أيسر حصولا وجب تقديمه ، والقرب سبب السهولة ، فوجب الابتداء بالأقرب . الثامن : أنا بينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدأ في الدعوة بالأقرب فالأقرب ، وفي الغزو بالأقرب فالأقرب ، وفي جميع المهمات كذلك . فإن الأعرابي لما جلس على المائدة وكان يمد يده إلى الجوانب البعيدة من تلك المائدة قال عليه السلام له : ( كل مما يليك ) فدلت هذه الوجوه على أن الابتداء بالأقرب فالأقرب واجب . فإن قيل : ربما كان التخطي من الأقرب إلى الأبعد أصلح ، لأن الأبعد يقع في قلبه أنه إنما جاوز الأقرب لأنه لا يقيم له وزنا .

Bölüm V16/P181–V16/P182

قلنا : ذاك احتمال واحد ، وما ذكرنا احتمالات كثيرة ، ومصالح الدنيا مبنية على ترجيح ما هو أكثر مصلحة على ما هو الأقل ، وهذا الذي قلناه إنما قلناه إذا تعذر الجمع بين مقاتلة الأقرب والأبعد ، أما إذا أمكن الجمع بين الكل ، فلا كلام في أن الأولى هو الجمع ، فثبت أن هذه الآية غير منسوخة ألبتة . / وأما قوله تعالى : { وليجدوا فيكم غلظة } قال الزجاج : فيها ثلاث لغات ، فتح الغين وضمها وكسرها . قال صاحب ( الكشاف ) : الغلظة بالكسر الشدة العظيمة ، والغلظة كالضغطة ، والغلظة كالسخطة ، وهذه الآية تدل على الأمر بالتغليظ عليهم ، ونظيره قوله تعالى : { واغلظ عليهم } ( التوبة : 73 ) وقوله : { ولا تهنوا } ( آل عمران : 139 النساء : 104 ) وقوله في صفحة الصحابة رضي الله عنهم : { أعزة على الكافرين } ( المائدة : 54 ) وقوله : { أشداء على الكفار } ( الفتح : 29 ) وللمفسرين عبارات في تفسير الغلظة ، قيل شجاعة وقيل شدة وقيل غيظا . واعلم أن الغلظة ضد الرقة ، وهي الشدة في إحلال النقمة ، والفائدة فيها أنها أقوى تأثيرا في الزجر والمنع عن القبيح ، ثم إن الأمر في هذا الباب لا يكون مطردا ، بل قد يحتاج تارة إلى الرفق واللطف وأخرى إلى العنف ، ولهذا السبب قال : { وليجدوا فيكم غلظة } تنبيها على أنه لا يجوز الاقتصار على الغلظة ألبتة فإنه ينفر ويوجب تفرق القوم ، فقوله : { وليجدوا فيكم غلظة } يدل على تقليل الغلظة ، كأنه قيل لا بد وأن يكونوا بحيث لو فتشوا على أخلاقكم وطبائعكم لوجدوا فيكم غلظة ، وهذا الكلام إنما يصح فيمن أكثر أحواله الرحمة والرأفة ، ومع ذلك فلا يخلو عن نوع غلظة . واعلم أن هذه الغلظة إنما تعتبر فيما يتصل بالدعوة إلى الدين . وذلك إما بإقامة الحجة والبينة ، وإما بالقتال والجهاد ، فإما أن يحصل هذا التغليظ فيما يتصل بالبيع والشراء والمجالسة والمؤاكلة فلا . ثم قال : { واعلموا أن الله مع المتقين } والمراد أن يكون إقدامه على الجهاد والقتال بسبب تقوى الله لا بسبب طلب المال والجاه ، فإذا رآه قبل الإسلام أحجم عن قتاله ، وإذا رآه مال إلى قبوله الجزية تركه ، وإذا كثر العدو أخذ الغنائم على وفق حكم الله تعالى . ! 7 < { وإذا مآ أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هاذه إيمانا فأما الذين ءامنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين فى قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون } . > 7 < التوبة : ( 124 - 125 ) وإذا ما أنزلت . . . . . > >

Bölüm V16/P182–V16/P183

اعلم أنه تعالى لما ذكر مخازي المنافقين وذكر أعمالهم القبيحة فقال : وإذا ما أنزلت سورة ، فمن المنافقين من يقول أيكم زادته هذه إيمانا ؟ واختلفوا فقال بعضهم : يقول بعض المنافقين لبعض ، ومقصودهم تثبيتهم قومهم على النفاق ، وقال آخرون : بل يقولونه لأقوام من المسلمين ، وغرضهم صرفهم عن الإيمان . وقال آخرون : بل ذكروه على وجه الهزؤ ، والكل محتمل . ولا يمكن حمله على الكل ، لأن حكاية الحال لا تفيد العموم . ثم إنه تعالى أجاب فقال إنه حصل للمؤمنين بسبب نزول هذه السورة أمران ، وحصل للكافرين أيضا أمران . أما الذي حصل للمؤمنين : فالأول : هو أنها تزيدهم إيمانا إذ لا بد عند نزولها من أن يقروا بها ويعترفوا بأنها حق من عند الله ، والكلام في زيادة الإيمان ونقصانه قد ذكرناه في أول سورة الأنفال بالاستقصاء . والثاني : ما يحصل لهم من الاستبشار . فمنهم من حمله على ثواب الآخرة ، ومنهم من حمله على ما يحصل في الدنيا من النصر والظفر ، ومنهم من حمله على الفرح والسرور الحاصل بسبب تلك التكاليف الزائدة من حيث إنه يتوسل به إلى مزيد في الثواب ، ثم جمع للمنافقين أمرين مقابلين للأمرين المذكورين في المؤمنين ، فقال : { وأما الذين فى قلوبهم مرض } يعني المنافقين { فزادتهم رجسا إلى رجسهم } والمراد من الرجس إما العقائد الباطلة أو الأخلاق المذمومة ، فإن كان الأول كان المعنى أنهم كانوا مكذبين بالسور النازلة قبل ذلك ، والآن صاروا مكذبين بهذه السورة الجديدة ، فقد انضم كفر إلى كفر ، وإن كال الثاني كان المراد أنهم كانوا في الحسد والعداوة واستنباط وجوه المكر والكيد ، والآن ازدادت تلك الأخلاق الذميمة بسبب نزول هذه السورة الجديدة . والأمر الثاني : أنهم يموتون على كفرهم ، فتكون هذه الحالة كالأمر المضاد للاستبشار الذي حصل في المؤمنين ، وهذه الحالة أسوأ وأقبح من الحالة الأولى ، وذلك لأن الحالة الأولى عبارة عن ازدياد الرجاسة ، وهذه الحالة عبارة عن مداومة الكفر وموتهم عليه . واحتج أصحابنا بقوله : { فزادتهم رجسا إلى رجسهم } على أنه تعالى قد يصد عن الإيمان ويصرف عنه ، قالوا : إنه تعالى كان عالما بأن سماع هذه السورة يورث حصول الحسد والحقد في قلوبهم ، وأن حصول ذلك الحسد يورث مزيد الكفر في قلوبهم ، أجابوا وقالوا نزول تلك السورة لا يوجب ذلك الكفر الزائد ، بدليل أن الآخرين سمعوا تلك السورة وازدادوا إيمانا . فثبت أن تلك الرجاسة هم فعلوها من قبل أنفسهم . قلنا : لا ندعي أن استماع هذه السورة سبب مستقل بترجيح جانب الكفر على جانب الإيمان ، بل نقول استماع هذه السورة للنفس المخصوصة والموصوفة بالخلق المعين والعادة المعينة . يوجب / الكفر . والدليل عليه أن الإنسان الحسود لو أراد إزالة خلق الحسد عن نفسه ، يمكنه أن يترك الأفعال المشعرة بالحسد ، وأما الحالة القلبية المسماة بالحسد ، فلا يمكنه إزالتها عن نفسه ، وكذا القول في جميع الأخلاق فأصل القدرة غير ، والفعل غير ، والخلق غير ، فإن أصل القدرة حاصل للكل أما الأخلاق فالناس فيها متفاوتون . والحاصل أن النفس الطاهرة النقية عن حب الدنيا الموصوفة باستيلاء حب الله تعالى والآخرة إذا سمعت السورة صار سماعها موجبا لازدياد رغبته في الآخرة ونفرته عن الدنيا / وأما النفس الحريصة على الدنيا المتهالكة على لذاتها الراغبة في طيباتها الغافلة عن حب الله تعالى والآخرة ، إذا سمعت هذه السورة المشتملة على الجهاد وتعريض النفس للقتل والمال للنهب ازداد كفرا على كفره . فثبت أن إنزال هذه السورة في حق هذا الكافر موجب لأن يزيد رجسا على رجس ، فكان إنزالها سببا في تقوية الكفر على قلب الكافر وذلك يدل على ما ذكرنا أنه تعالى قد يصد الإنسان ويمنعه عن الإيمان والرشد ويلقيه في الغي والكفر .

Bölüm V16/P183–V16/P184

بقي في الآية مباحث : الأول : ما في قوله : { وإذا ما أنزلت سورة } صلة مؤكدة . الثاني : الاستبشار استدعاء البشارة ، لأنه كلما تذكر تلك النعمة حصلت البشرة ، فهو بواسطة تجديد ذلك التذكر يطلب تجديد البشارة . الثالث : قوله : { وأما الذين فى قلوبهم مرض } يدل على أن الروح لها مرض ، فمرضها الكفر والأخلاق الذميمة ، وصحتها العلم والأخلاق الفاضلة . والله أعلم . ! 7 < { أولا يرون أنهم يفتنون فى كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون } . > 7 ! < < التوبة : ( 126 ) أو لا يرون . . . . . > > اعلم أن الله تعالى لما بين أن الذين في قلوبهم مرض يموتون وهم كافرون ، وذلك يدل على عذاب الآخرة ، بين أنهم لا يتخلصون في كل عام مرة أو مرتين عن عذاب الدنيا وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ حمزة { أو لا ترون } بالتاء على الخطاب للمؤمنين ، والباقون بالياء خبرا عن المنافقين ، فعلى قراءة المخاطبة ، كان المعنى أن المؤمنين نبهوا على إعراض المنافقين عن النظر والتدبر ، ومن قرأ على المغايبة ، كان المعنى تقريع المنافقين بالإعراض عن الاعتبار بما يحدث في حقهم من الأمور الموجبة للاعتبار . المسألة الثانية : قال الواحدي رحمه الله : قوله : { أو لا يرون } هذه ألف الاستفهام دخلت على / واو العطف ، فهو متصل بذكر المنافقين ، وهو خطاب على سبيل التنبيه قال سيبويه عن الخليل في قوله : { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء } المعنى : أنه أنزل الله من السماء ماء فكان كذا وكذا . المسألة الثالثة : ذكروا في هذه الفتنة وجوها : الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما يمتحنون بالمرض في كل عام مرة أو مرتين ، ثم لا يتوبون من ذلك النفاق ولا يتعظون بذلك المرض ، كما يتعظ بذلك المؤمن إذا مرض ، فإنه عند ذلك يتذكر ذنوبه وموقفه بين يدي الله ، فيزيده ذلك إيمانا وخوفا من الله ، فيصير ذلك سببا لاستحقاقه لمزيد الرحمة والرضوان من عند الله . الثاني : قال مجاهد : { يفتنون } بالقحط والجوع . الثالث : قال قتادة : يفتنون بالغزو والجهاد فإنه تعالى أمر بالغزو والجهاد فهم إن تخلفوا وقعوا في ألسنة الناس باللعن والخزي والذكر القبيح ، وإن ذهبوا إلى الغزو مع كونهم كافرين كانوا قد عرضوا أنفسهم للقتل وأموالهم للنهب من غير فائدة . الرابع : قال مقاتل : يفضحهم رسول الله بإظهار نفاقهم وكفرهم قيل : إنهم كانوا يجتمعون على ذكر الرسول بالطعن فكان جبريل عليه السلام ينزل عليه ويخبره بما قالوه فيه ، فكان يذكر تلك الحادثة لهم ويوبخهم عليها ، ويعظهم فما كانوا يتعظون ، ولا ينزجرون . ! 7 < { وإذا مآ أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون } . > 7 ! < < التوبة : ( 127 ) وإذا ما أنزلت . . . . .

Bölüm V16/P184–V16/P185

> > اعلم أن هذا نوع آخر من مخازي المنافقين ، وهو أنه كلما نزلت سورة مشتملة على ذكر المنافقين وشرح فضائحهم ، وسمعوها تأذوا من سماعها ، ونظر بعضهم إلى بعض نظرا مخصوصا دالا على الطعن في تلك السورة والاستهزاء بها وتحقير شأنها ، ويحتمل أن لا يكون ذلك مختصا بالسورة المشتملة على فضائح المنافقين بل كانوا يستخفون بالقرآن ، فكلما سمعوا سورة استهزؤوا بها وطعنوا فيها ، وأخذوا في التغامز والتضاحك على سبيل الطعن والهزء ، ثم قال بعضهم لبعض : هل يراكم من أحد ؟ أي لو رآكم من أحد ؟ وهذا فيه وجوه : الأول : أن ذلك النظر دال على ما في الباطن من الإنكار الشديد والنفرة التامة ، فخافوا أن يرى أحد من المسلمين ذلك النظر وتلك الأحوال الدالة على النفاق والكفر ، فعند ذلك قالوا : { هل يراكم من أحد } أي لو رآكم أحد على هذا النظر وهذا الشكل لضركم / جدا ؟ والثاني : أنهم كانوا إذا سمعوا تلك السورة تأذوا من سماعها ، فأرادوا الخروج من المسجد ، فقال بعضهم لبعض : { هل يراكم من أحد } يعني إن رأوكم فلا تخرجوا ، إن كان ما رآكم أحد فاخرجوا من المسجد ، لتتخلصوا عن هذا الإيذاء . والثالث : { هل يراكم من أحد } يمكنكم أن تقولوا نحبه ، فوجب علينا الخروج من المسجد . قال تعالى : { ثم انصرفوا } يحتمل أن يكون المراد نفس هربهم من مكان الوحي واستماع القرآن ، ويجوز أن يراد به ، ثم انصرفوا عن استماع القرآن إلى الطعن فيه وإن ثبتوا في مكانهم . فإن قيل : ما التفاوت بين هذه الآية وبين الآية المتقدمة وهي قوله : { وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هاذه إيمانا } . قلنا : في تلك الآية حكى عنهم أنهم ذكروا قولهم : { أيكم زادته هاذه إيمانا } وفي هذه الآية حكى عنهم أنهم اكتفوا بنظر بعضهم إلى بعض على سبيل الهزؤ ، وطلبوا الفرار . ثم قال تعالى : { صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون } واحتج أصحابنا به على أنه تعالى صرفهم عن الإيمان وصدهم عنه وهو صحيح فيه ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : عن كل رشد وخير وهدى ، وقال الحسن : صرف الله قلوبهم وطبع عليها بكفرهم ، وقال الزجاج : أضلهم الله تعالى ، قالت المعتزلة : لو كان تعالى هو الذي صرفهم عن الإيمان فكيف قال : { أنى يصرفون } وكيف عاقبهم على الانصراف عن الإيمان ؟ قال القاضي : ظاهر الآية يدل على أن هذا الصرف عقوبة لهم على انصرافهم ، والصرف عن الإيمان لا يكون عقوبة ، لأنه لو كان كذلك ، لكان كما يجوز أن يأمر أنبياءه بإقامة الحدود ، يجوز أن يأمرهم بصرف الناس عن الإيمان . وتجويز ذلك يؤدي أن لا يوثق بما جاء به الرسول . ثم قال : هذا الصرف يحتمل وجهين : أحدهما : أنه تعالى صرف قلوبهم بما أورثهم من الغم والكيد . الثاني : صرفهم عن الألطاف التي يختص بها من آمن واهتدى .

Bölüm V16/P185–V16/P186

والجواب : أن هذه الوجوه التي ذكرها القاضي ظاهر أنها متكلفة جدا ، وأما الوجه الصحيح الذي يشهد بصحته كل عقل سليم ، هو أن الفعل يتوقف على حصول الداعي ، وإلا لزم رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح ، وهو محال . وحصول ذلك الداعي ليس من العبد وإلا لزم التسلسل ، بل هومن الله تعالى . فالعبد إنما يقدم على الكفر إذا حصل في قلبه داعي الكفر ، وذلك الحصول من الله تعالى ، وإذا حصل ذلك الداعي انصرف ذلك القلب من جانب الإيمان إلى الكفر / فهذا هو المراد من صرف القلب وهو كلام مقرر ببرهان قطعي وهو منطبق على هذا / النص ، فبلغ في الوضوح إلى أعلى الغايات ، ومما بقي من مباحث الآية ما نقل عن محمد بن إسحاق أنه قال : لا تقولوا انصرفنا من الصلاة ، فإن قوما انصرفوا صرف الله قلوبهم ، لكن قولوا قد قضينا الصلاة ، وكان المقصود منه التفاؤل بترك هذه اللفظة الواردة فيما لا ينبغي ، والترغيب في تلك اللفظة الواردة في الخير ، فإنه تعالى قال : { فإذا قضيت الصلواة فانتشروا فى الارض وابتغوا من فضل الله } ( الجمعة : 10 ) . ! 7 < { لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم } . > 7 ! < < التوبة : ( 128 ) لقد جاءكم رسول . . . . . > > فيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما أمر رسوله عليه السلام أن يبلغ في هذه السورة إلى الخلق تكاليف شاقة شديدة صعبة يعسر تحملها ، إلا لمن خصه الله تعالى بوجوه التوفيق والكرامة ، ختم السورة بما يوجب سهولة تحمل تلك التكاليف ، وهو أن هذا الرسول منكم ، فكل ما يحصل له من العز والشرف في الدنيا فهو عائد إليكم . وأيضا فإنه بحال يشق عليه ضرركم وتعظم رغبته في إيصال خير الدنيا والآخرة إليكم ، فهو كالطبيب المشفق والأب الرحيم في حقكم ، والطبيب المشفق ربما أقدم على علاجات صعبة يعسر تحملها ، والأب الرحيم ربما أقدم على تأديبات شاقة ، إلا أنه لما عرف أن الطبيب حاذق ، وأن الأب مشفق ، صارت تلك المعالجات المؤلمة متحملة ، وصارت تلك التأديبات جارية مجرى الإحسان . فكذا ههنا لما عرفتم أنه رسول حق من عند الله ، فاقبلوا منه هذه التكاليف الشاقة لتفوزوا بكل خير ، ثم قال للرسول عليه السلام : فإن لم يقبلوها بل أعرضوا عنها وتولوا فاتركهم ولا تلتفت إليهم وعول على الله وارجع في جميع أمورك إلى الله { فقل حسبى الله لا إلاه إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم } ( التوبة : 129 ) وهذه الخاتمة لهذه السورة جاءت في غاية الحسن ونهاية الكمال . المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى وصف الرسول في هذه الآية بخمسة أنواع من الصفات :

Bölüm V16/P186–V16/P187

/ الصفة الأولى : قوله : { من أنفسكم } وفي تفسيره وجوه : الأول : يريد أنه بشر مثلكم كقوله : { أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم } ( يونس : 2 ) وقوله : { إنما أنا بشر مثلكم } ( فصلت : 6 ) والمقصود أنه لو كان من جنس الملائكة لصعب الأمر بسببه على الناس ، على ما مر تقريره في سورة الأنعام . والثاني : { من أنفسكم } أي من العرب قال ابن عباس : ليس في العرب قبيلة إلا وقد ولدت النبي عليه السلام بسبب الجدات ، مضرها وربيعها ويمانيها ، فالمضريون والربيعيون هم العدنانية ، واليمانيون هم القحطانية ونظيره قوله تعالى : { لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم } ( آل عمران : 164 ) والمقصود منه ترغيب العرب في نصرته ، والقيام بخدمته ، كأنه قيل لهم : كل ما يحصل له من الدولة والرفعة في الدنيا فهو سبب لعزكم ولفخركم ، لأنه منكم ومن نسبكم . والثالث : { من أنفسكم } خطاب لأهل الحرم ، وذلك لأن العرب كانوا يسمون أهل الحرم أهل الله وخاصته ، وكانوا يخدمونهم ويقومون بإصلاح مهماتهم فكأنه قيل للعرب : كنتم قبل مقدمه مجدين مجتهدين في خدمة أسلافه وآبائه ، فلم تتكاسلون في خدمته مع أنه لا نسبة له في الشرف والرفعة إلى أسلافه ؟ والقول الرابع : أن المقصود من ذكر هذه الصفة التنبيه على طهارته ، كأنه قيل : هو من عشيرتكم تعرفونه بالصدق والأمانة والعفاف والصيانة ، وتعرفون كونه حريصا على دفع الآفات عنكم وإيصال الخيرات إليكم ، وإرسال من هذه حالته وصفته يكون من أعظم نعم الله عليكم . وقرىء { من أنفسكم } أي من أشرفكم وأفضلكم ، وقيل : هي قراءة رسول الله وفاطمة وعائشة رضي الله عنهما . الصفة الثانية : قوله تعالى : { عزيز عليه ما عنتم } اعلم أن العزيز هو الغالب الشديد ، والعزة هي الغلبة والشدة . فإذا وصلت مشقة إلى الإنسان عرف أنه كان عاجزا عن دفعها إذ لو قدر على دفعها لما قصر في ذلك الدفع / فحيث لم يدفعها ، علم أنه كان عاجزا عن دفعها ، وأنها كانت غالبة على الإنسان . فلهذا السبب إذا اشتد على الإنسان شيء قال : عز علي هذا ، وأما العنت فيقال : عنت الرجل يعنت عنتا إذا وقع في مشقة وشدة لا يمكنه الخروج منها ، ومنه قوله تعالى : { ذلك لمن خشى العنت منكم } ( النساء : 25 ) وقوله : { ولو شاء الله لاعنتكم } ( البقرة : 220 ) وقال الفراء : { ما } في قوله : { ما عنتم } في موضع رفع ، والمعنى : عزيز عليه عنتكم ، أي يشق عليه مكروهكم ، وأولى المكاره بالدفع مكروه عقاب الله تعالى ، وهو إنما أرسل ليدفع هذا المكروه . والصفة الثالثة : قوله : { حريص عليكم } والحرص يمتنع أن يكون متعلقا بذواتهم ، بل المراد حريص على إيصال الخيرات إليكم في الدنيا والآخرة . / واعلم أن على هذا التقدير يكون قوله : { عزيز عليه ما عنتم } معناه : شديدة معزته عن وصول شيء من آفات الدنيا والآخرة إليكم ، وبهذا التقدير لا يحصل التكرار . قال الفراء : الحريص الشحيح ، ومعناه : أنه شحيح عليكم أن تدخلوا النار ، وهذا بعيد ، لأنه يوجب الخلو عن الفائدة . والصفة الرابعة والخامسة : قوله : { بالمؤمنين رءوف رحيم } قال ابن عباس رضي الله عنهما : سماه الله تعالى باسمين من أسمائه . بقي ههنا سؤالان : السؤال الأول : كيف يكون كذلك ، وقد كلفهم في هذه السورة بأنواع من التكاليف الشاقة التي لا يقدر على تحملها إلا الموفق من عند الله تعالى ؟

Bölüm V16/P187–V16/P188

قلنا : قد ضربنا لهذا المعنى مثل الطبيب الحاذق والأب المشفق ، والمعنى : أنه إنما فعل بهم ذلك ليتخلصوا من العقاب المؤبد ، ويفوزوا بالثواب المؤبد . السؤال الثاني : لما قال : { عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم } فهذا النسق يوجب أن يقال : رؤوف رحيم بالمؤمنين ، فلم ترك هذا النسق وقال : { بالمؤمنين رءوف رحيم } . الجواب : أن قوله : { بالمؤمنين رءوف رحيم } يفيد الحصر بمعنى أنه لا رأفة ولا رحمة له إلا بالمؤمنين . فأما الكافرون فليس له عليهم رأفة ورحمة ، وهذا كالمتمم لقدر ما ورد في هذه السورة من التغليظ كأنه يقول : إني وإن بالغت في هذه السورة في التغليظ إلا أن ذلك التغليط على الكافرين والمنافقين . وأما رحمتي ورأفتي فمخصوصة بالمؤمنين فقط ، فلهذه الدقيقة عدل على ذلك النسق . ! 7 < { فإن تولوا فقل حسبى الله لاإلاه إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم } . > 7 ! < < التوبة : ( 129 ) فإن تولوا فقل . . . . . > > أما قوله : { فإن تولوا } يريد المشركين والمنافقين . ثم قيل : { تولوا } أي أعرضوا عنك . وقيل : تولوا عن طاعة الله تعالى وتصديق الرسول عليه الصلاة والسلام . وقيل : تولوا عن قبول التكاليف الشاقة المذكورة في هذه السورة ، وقيل : تولوا عن نصرتك في الجهاد . واعلم أن / المقصود من هذه الآية بيان أن الكفار لو أعرضوا ولم يقبلوا هذه التكاليف ، لم يدخل في قلب الرسول حزن ولا أسف ، لأن الله حسبه وكافيه في نصره على الأعداء ، وفي إيصاله إلى مقامات الآلاء والنعماء { لا إلاه إلا هو } وإذا كان لا إله إلا هو وجب أن يكون لا مبدىء لشيء من الممكنات ولا محدث لشيء من المحدثات إلا هو ، وإذا كان هو الذي أرسلني بهذه الرسالة ، وأمرني بهذا التبليغ كانت النصرة عليه والمعونة مرتقبة منه . ثم قال : { عليه توكلت } وهو يفيد الحصر أي لا أتوكل إلا عليه وهو رب العرش العظيم ، والسبب في تخصيصه بالذكر أنه كلما كانت الآثار أعظم وأكرم ، كان ظهور جلالة المؤثر في العقل والخاطر أعظم ، ولما كان أعظم الأجسام هو العرض كان المقصود من ذكره تعظيم جلال الله سبحانه . فإن قالوا : العرش غير محسوس فلا يعرف وجوده إلا بعد ثبوت الشريعة فكيف يمكن ذكره في معرض شرح عظمة الله تعالى ؟ قلنا : وجود العرش أمر مشهور والكفار سمعوه من اليهود و النصارى ، ولا يبعد أيضا أنهم كانوا قد سمعوه من أسلافهم ومن الناس من قرأ قوله : { العظيم } بالرفع ليكون صفة للرب سبحانه . قال أبو بكر : وهذه القراءة أعجب ، لأن جعل العظيم صفة لله تعالى أولى من جعله صفة للعرش ، وأيضا فإن جعلناه صفة للعرش ، كان المراد من كونه عظيما كبر جرمه وعظم حجمه واتساع جوانبه على ما هو مذكور في الأخبار ، وإن جعلناه صفة لله سبحانه ، كان المراد من العظمة وجوب الوجود والتقديس عن الحجمية والأجزاء والأبعاض ، وكمال العلم والقدرة ، وكونه منزها عن أن يتمثل في الأوهام أو تصل إليه الأفهام . وقال الحسن : هاتان الآيتان آخر ما أنزل الله من القرآن ، وما أنزل بعدهما قرآن . وقال أبي بن كعب : أحدث القرآن عهد بالله عز وجل هاتان الآيتان ، وهو قول سعيد بن جبير ، ومنهم من يقول : آخر ما أنزل من القرآن قوله تعالى : { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله } ( البقرة : 281 ) .

Bölüm V16/P188–V17/P003

ونقل عن حذيفة أنه قال : أنتم تسمون هذه السورة بالتوبة ، وهي سورة العذاب ما تركتم أحدا إلا نالت منه ، والله ما تقرؤن ربعها . اعلم أن هذه الرواية يجب تكذيبها ، لأنا لو جوزنا ذلك لكان ذلك دليلا على تطرق الزيادة / والنقصان إلى القرآن ، وذلك يخرجه عن كونه حجة ، ولا خفاء أن القول به باطل ، والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده . وهذا آخر تفسير هذه السورة ولله الحمد والشكر . فرغ المؤلف رحمه الله من تفسيرها في يوم الجمعة الرابع عشر من رمضان سنة إحدى وستمائة والحمد لله وحده والصلاة على سيدنا محمد وآله وصحبه أجميعن . < > 1 ( سورة يونس ) 1 < > مكية / عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن هذه السورة مكية إلا قوله : { ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين } فإنها مدنية نزلت في اليهود . ! 7 < { الر تلك ءايات الكتاب الحكيم } . > 7 ! < < يونس : ( 1 ) الر تلك آيات . . . . . > > قوله جل جلاله { الر } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ نافع وابن كثير وعاصم { الر } بفتح الراء على التفخيم ، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ويحيى عن أبي بكر : بكسر الراء على الإمالة . وروي عن نافع وابن عامر وحماد عن عاصم ، بين الفتح والكسر ، واعلم أن كلها لغات صحيحة . قال الواحدي : الأصل ترك الإمالة في هذه الكلمات نحو ما ولا ، لأن ألفاتها ليست منقلبة عن الياء ، وأما من أمال فلأن هذه الألفاظ أسماء للحروف المخصوصة ، فقصد بذكر الإمالة التنبيه على أنها أسماء لا حروف . المسألة الثانية : اتفقوا على أن قوله { الر } وحده ليس آية ، واتفقوا على أن قوله { طه } وحده آية . والفرق أن قوله : { الر } لا يشاكل مقاطع الآي التي بعده بخلاف قوله : { طه } فإنه يشاكل مقاطع الآي التي بعده . / المسألة الثالثة : الكلام المستقصى في تفسير هذا النوع من الكلمات قد تقدم في أول سورة البقرة إلا أنا نذكر ههنا أيضا بعض ما قيل . قال ابن عباس { الر } معناه أنا الله أرى . وقيل أنا الرب لا رب غيري . وقيل { الر } و { حم } و { ن } اسم الرحمن . قوله تعالى : { تلك ءايات الكتاب الحكيم } فيه مسألتان : المسألة الأولى : قوله : { تلك } يحتمل أن يكون إشارة إلى ما في هذه السورة من الآيات ، ويحتمل أن يكون إشارة إلى ما تقدم هذه السورة من آيات القرآن ، وأيضا فالكتاب الحكيم يحتمل أن يكون المراد منه هو القرآن ، ويحتمل أن يكون المراد منه غير القرآن ، وهو الكتاب المخزون المكنون عند الله تعالى الذي منه نسخ كل كتاب ، كما قال تعالى : { إنه لقرءان كريم فى كتاب مكنون } ( الواقعة : 77 ، 78 ) وقال تعالى : { بل هو قرءان مجيد فى لوح محفوظ } ( البروج : 22 ) وقال : { وإنه فى أم الكتاب لدينا لعلى حكيم } ( الزخرف : 4 ) وقال : { يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب } ( الرعد : 39 ) . وإذا عرفت ما ذكرنا من الاحتمالات تحصل ههنا حينئذ وجوه أربعة من الاحتمالات :

Bölüm V17/P003–V17/P004

الاحتمال الأول : أن يقال : المراد من لفظة { تلك } الإشارة إلى الآيات الموجودة في هذه السورة ، فكان التقدير تلك الآيات هي آيات الكتاب الحكيم الذي هو القرآن ، وذلك لأنه تعالى وعد رسوله عليه الصلاة والسلام أن ينزل عليه كتابا لا يمحوه الماء ، ولا يغيره كرور الدهر ، فالتقدير أن تلك الآيات الحاصلة في سورة { الر } هي آيات ذلك الكتاب المحكم الذي لا يمحوه الماء . الاحتمال الثاني : أن يقال : المراد أن تلك الآيات الموجودة في هذه السورة هي آيات الكتاب المخزون المكنون عند الله . واعلم أن على هذين القولين تكون الإشارة بقولنا : { تلك } إلى آيات هذه السورة وفيه إشكال ، وهو أن { تلك } يشار بها إلى الغائب ، وآيات هذه السورة حاضرة ، فكيف يحسن أن يشار إليه بلفظ { تلك } . واعلم أن هذا السؤال قد سبق مع جوابه في تفسير قوله تعالى : { الم ذالك الكتاب } ( البقرة : 1 / 2 ) . الاحتمال الثالث والرابع : أن يقال : لفظ { تلك } إشارة إلى ما تقدم هذه السورة من آيات القرآن ، والمراد بها : هي آيات القرآن الحكيم ، والمراد أنها هي آيات ذلك الكتاب المكنون المخزون عند الله تعالى ، وفي الآية قولان آخران : أحدهما : أن يكون المراد من { الكتاب الحكيم } التوراة والإنجيل ، والتقدير : أن الآيات المذكورة في هذه السورة هي الآيات المذكورة في التوراة والإنجيل ، والمعنى : أن القصص المذكورة في هذه السورة موافقة للقصص المذكورة في التوراة / والإنجيل / مع أن محمدا عليه الصلاة والسلام ما كان عالما بالتوراة والإنجيل ، فحصل هذه الموافقة لا يمكن إلا إذا خص الله تعالى محمدا بإنزال الوحي عليه . والثاني : وهو قول أبي مسلم : أن قوله : { الر } إشارة إلى حروف التهجي ، فقوله : { الر تلك ءايات الكتاب } يعني هذه الحروف هي الأشياء التي جعلت وعلامات لهذا الكتاب الذي آيات به وقع التحدي . فلولا امتياز هذا الكتاب عن كلام الناس بالوصف المعجز ، وإلا لكان اختصاصه بهذا النظم ، دون سائر الناس القادرين على التلفظ بهذه الحروف محالا . المسألة الثانية : في وصف الكتاب بكونه حكيما وجوه : الأول : أن الحكيم هو ذو الحكمة بمعنى اشتمال الكتاب على الحكمة . الثاني : أن يكون المراد وصف الكلام بصفة من تكلم به . قال الأعشى : وغريبة تأتي الملوك حكيمة قد قلتها ليقال من ذا قالها الثالث : قال الأكثرون { الحكيم } بمعنى الحاكم ، فعيل بمعنى فاعل دليله قوله تعالى : { وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس } ( البقرة : 213 ) فالقرآن كالحاكم في الاعتقادات لتميز حقها عن باطلها ، وفي الأفعال لتميز صوابها عن خطئها ، وكالحاكم على أن محمدا صادق في دعوى النبوة ، لأن المعجزة الكبرى لرسولنا عليه الصلاة والسلام ، ليست إلا القرآن الرابع : أن { الحكيم } بمعنى المحكم . والأحكام معناه المنع من الفساد ، فيكون المراد منه أنه لا يمحوه الماء ، ولا تحرقه النار ، ولا تغيره الدهور . أو المراد منه براءته عن الكذب والتناقض . الخامس : قال الحسن : وصف الكتاب بالحكيم ، لأنه تعالى حكم فيه بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ، وحكم فيه بالجنة لمن أطاعه وبالنار لمن عصاه ، فعلى هذا { الحكيم } يكون معناه المحكوم فيه . السادس : أن { الحكيم } في أصل اللغة : عبارة عن الذي يفعل الحكمة والصواب ، فكان وصف القرآن به مجازا ، ووجه المجاز هو أنه يدل على الحكمة والصواب ، فمن حيث أنه يدل على هذه المعاني صار كأنه هو الحكيم في نفسه .

Bölüm V17/P004

! 7 < { أكان للناس عجبا أن أوحينآ إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين ءامنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هاذا لساحر مبين } . > 7 ! / < < يونس : ( 2 ) أكان للناس عجبا . . . . . > > في الآية مسائل :

Bölüm V17/P004–V17/P005

المسألة الأولى : أن كفار قريش تعجبوا من تخصيص الله تعالى محمدا بالرسالة والوحي ، فأنكر الله تعالى عليهم ذلك التعجب . أما بيان كون الكفار تعجبوا من هذا التخصيص فمن وجوه : الأول : قوله تعالى : { أجعل الالهة إلاها واحدا إن هاذا لشىء عجاب وانطلق الملا منهم أن امشوا واصبروا علىءالهتكم إن هاذا لشىء يراد } ( ص : 5 و 6 ) وإذا بلغوا في الجهالة إلى أن تعجبوا من كون الإله تعالى واحدا ، لم يبعد أيضا أن يتعجبوا من تخصيص الله تعالى محمدا بالوحي والرسالة ا والثاني : أن أهل مكة كانوا يقولون : إن الله تعالى ما وجد رسولا إلى خلقه إلا يتيم أبي طالبا والثالث : أنهم قالوا : { لولا نزل هاذا القرءان على رجل من القريتين عظيم } ( الزخرف : 31 ) وبالجملة فهذا التعجب يحتمل وجهين : أحدهما : أن يتعجبوا من أن يجعل الله بشرا رسولا ، كما حكي عن الكفار أنهم قالوا : { أبعث الله بشرا رسولا } ( الإسراء : 94 ) والثاني : أن لا يتعجبوا من ذلك بل يتعجبوا من تخصيص محمد عليه الصلاة والسلام بالوحي والنبوة مع كونه فقيرا يتيما ، فهذا بيان أن الكفار تعجبوا من ذلك . وأما بيان أن الله تعالى أنكر عليهم هذا التعجب فهو قوله في هذه الآية : { أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم } فإن قوله : { أكان للناس عجبا } لفظه لفظ الاستفهام ، ومعناه الإنكار ، لأن يكون ذلك عجبا . وإنما وجب إنكار هذا التعجب لوجوه : الأول : أنه تعالى مالك الخلق وملك لهم والمالك والملك هو الذي له الأمر والنهي والإذن والمنع . ولا بد من إيصال تلك التكاليف إلى أولئك المكلفين بواسطة بعض العباد . وإذا كان الأمر كذلك كان إرسال الرسول أمرا غير ممتنع ، بل كان مجوزا في العقول . الثاني : أنه تعالى خلق الخلق للاشتغال بالعبودية كما قال : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ( الذاريات : 56 ) وقال : { إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه } ( الإنسان : 2 ) وقال : { قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى } ( الأعلى : 14 ، 15 ) ثم إنه تعالى أكمل عقولهم ومكنهم من الخير والشر ، ثم علم تعالى أن عباده لا يشتغلون بما كلفوا به ، إلا إذا أرسل إليهم رسولا ومنبها . فعند هذا يجب وجوب الفضل والكرم والرحمة أن يرسل إليهم ذلك الرسول ، وإذا كان ذلك واجبا فكيف يتعجب منه . الثالث : أن إرسال الرسل أمر ما أخلى الله تعالى شيئا من أزمنة وجود المكلفين منه ، كما قال : { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحى إليهم } ( يوسف : 109 ) فكيف يتعجب منه مع أنه قد سبقه النظير ، ويؤكده قوله تعالى : { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه } الأعراف : 59 ) وسائر قصص الأنبياء عليهم السلام . الرابع : أنه تعالى إنما أرسل إليهم رجلا عرفوا نسبه وعرفوا كونه أمينا بعيدا عن أنواع التهم والأكاذيب ملازما للصدق والعفاف .

Bölüm V17/P005

ثم إنه كان أميا لم يخالط أهل الأديان ، وما قرأ كتابا أصلا ألبتة ، ثم إنه مع ذلك يتلو عليهم أقاصيصهم ويخبرهم عن وقائعهم ، وذلك يدل على كونه / صادقا مصدقا من عند الله / ويزيل التعجب ، وهو من قوله : { هو الذى بعث فى الاميين رسولا منهم } ( الجمعة : 2 ) وقال : { وما كنت تتلوا منه قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك } ( العنكبوت : 48 ) الخامس : أن مثل هذا التعجب كان موجودا عند بعثة كل رسول ، كما في قوله : { وإلى عاد أخاهم هودا } ( لأعراف : 65 ) { وإلى ثمود أخاهم صالحا } ( الأعراف : 73 ) إلى قوله : { عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم } ( الأعراف : 63 ) السادس : أن هذا التعجب إما أن يكون من إرسال الله تعالى رسولا من البشر ، أو سلموا أنه لا تعجب في ذلك ، وإنما تعجبوا من تخصيص الله تعالى محمدا عليه الصلاة والسلام بالوحي والرسالة .

Sorular