Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Bölüm V19/P112–V19/P113

! 7 < { وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال } > 7 < إبراهيم : ( 46 ) وقد مكروا مكرهم . . . . . > > / اعلم أنه تعالى لما ذكر صفة عقابهم أتبعها بذكر كيفية مكرهم فقال : { وقد مكروا مكرهم } وفيه مسائل : المسألة الأولى : اختلفوا في أن الضمير في قوله : { وقد مكروا } إلى ماذا يعود ؟ على وجوه : الأول : أن يكون الضمير عائدا إلى الذين سكنوا في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وهذا القول الصحيح لأن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات . والثاني : أن يكون المراد به قوم محمد صلى الله عليه وسلم والدليل عليه قوله : { وأنذر الناس } ( إبراهيم : 45 ) يا محمد وقد مكر قومك مكرهم وذلك المكر هو الذي ذكره الله تعالى في قوله : { وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك } ( الأنفال : 30 ) وقوله : { مكرهم } أي مكرهم العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم . الثالث : أن المراد من هذا المكر ما نقل أن نمروذ حاول الصعود إلى السماء فاتخذ لنفسه تابوتا وربط قوائمه الأربع بأربعة نسور ، وكان قد جوعها ورفع فوق الجوانب الأربعة من التابوت عصيا أربعا وعلق على كل واحدة منهن قطعة لحم ثم إنه جلس مع حاجبه في ذلك التابوت فلما أبصرت النسور تلك اللحوم تصاعدت في جو الهواء ثلاثة أيام وغابت الدنيا عن عين نمروذ ورأى السماء بحالها فنكس تلك العصي التي علق عليها اللحم فسفلت النسور وهبطت إلى الأرض ، فهذا هو المراد من مكرهم . قال القاضي : وهذا بعيد جدا لأن الخطر فيه عظيم ولا يكاد العاقل يقدم عليه وما جاء فيه خبر صحيح معتمد ولا حجة في تأويل الآية ألبتة . المسألة الثانية : قوله : { وعند الله مكرهم } فيه وجهان : الأول : أن يكون المكر مضافا إلى الفاعل كالأول . والمعنى : ومكتوب عند الله مكرهم فهو يجازيهم عليه بمكر هو أعظم منه . والثاني : أن يكون المكر مضافا إلى المفعول ، والمعنى : وعند الله مكرهم الذي يمكر بهم وهو عذابهم الذي يستحقونه يأتيهم به من حيث لا يشعرون ولا يحتسبون . أما قوله تعالى : { وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال } فاعلم أنه قرأ الكسائي وحده { لتزول } بفتح اللام الأولى ورفع اللام الأخرى منه ، والباقون بكسر الأولى ونصب الثانية . أما القراءة الأولى : فمعناها أن مكرهم كان معدا لأن تزول منه الجبال ، وليس المقصود من هذا الكلام الإخبار عن وقوعه ، بل التعظيم والتهويل وهو كقوله : { تكاد السماوات الكتاب منه } ( مريم : 90 ) .

Bölüm V19/P113–V19/P114

وأما القراءة الثانية : فالمعنى : أن لفظ ( إن ) في قوله ؛ { وإن كان مكرهم } بمعنى ( ما ) واللام المكسورة بعدها يعني بها الجحد ومن سبيلها نصب الفعل المستقبل . والنحويون يسمونها لام الجحد ومثله قوله تعالى : { وما كان الله ليطلعكم على الغيب } ( آل عمران : 179 ) . { ما كان الله ليذر المؤمنين } ( آل عمران : 179 ) والجبال ههنا مثل لأمر النبي صلى الله عليه وسلم ولأمر دين الإسلام وإعلامه ودلالته على معنى أن ثبوتها كثبوت الجبال الراسية / لأن الله تعالى وعد نبيه إظهار دينه على كل الأديان . ويدل على صحة هذا المعنى قوله تعالى بعد هذه الآية : { فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله } ( إبراهيم : 47 ) أي قد وعدك الظهور عليهم والغلبة لهم . والمعنى : وما كان مكرهم لتزول منه الجبال ، أي وكان مكرهم أوهن وأضعف من أن تزول منه الجبال الراسيات التي هي دين محمد صلى الله عليه وسلم / ودلائل شريعته ، وقرأ علي وعمرو : { إن كان مكرهم } . ! 7 < { فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام } > 7 ! < < إبراهيم : ( 47 ) فلا تحسبن الله . . . . . > > اعلم أنه تعالى قال في الآية الأولى : { ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون } ( إبراهيم : 42 ) وقال في هذه الآية : { فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله } والمقصود منه التنبيه على أنه تعالى لو لم يقم القيامة ولم ينتقم للمظلومين من الظالمين ، لزم إما كونه غافلا وإما كونه مخلفا في الوعد ، ولما تقرر في العقول السليمة أن كل ذلك محال كان القول بأنه لا يقيم القيامة باطلا وقوله : { مخلف وعده رسله } يعني قوله : { إنا لننصر رسلنا } ( غافر : 51 ) وقوله : { كتب الله لاغلبن أنا ورسلى } ( المجادلة : 21 ) . فإن قيل : هلا قيل مخلف رسله وعده ، ولم قدم المفعول الثاني على الأول ؟ قلنا : ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلا ، إن الله لا يخلف الميعاد ، ثم قال : { رسله } ليدل به على أنه تعالى لما لم يخلف وعده أحدا وليس من شأنه إخلاف المواعيد فكيف يخلفه رسله الذين هم خيرته وصفوته ، وقرىء : { مخلف وعده رسله } بجر الرسل ونصب الوعد ، والتقدير : مخلف رسله وعده ، وهذه القراءة في الضعف ، كمن قرأ قتل أولادهم شركائهم ثم قال : { إن الله عزيزا } أي غالب لا يماكر ذو انتقام لأوليائه . ! 7 < { يوم تبدل الا رض غير الا رض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار وترى المجرمين يومئذ مقرنين فى الا صفاد سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار ليجزى الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب هاذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إلاه واحد وليذكر أولوا الألباب } > 7 < إبراهيم : ( 48 - 52 ) يوم تبدل الأرض . . . . . > > اعلم أن الله تعالى لما قال : { عزيز ذو انتقام } بين وقت انتقامه فقال : { يوم تبدل الارض غير الارض } وعظم من حال ذلك اليوم ، لأنه لا أمر أعظم من العقول والنفوس من تغيير السموات والأرض وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : ذكر الزجاج في نصب يوم وجهين ، إما على الظرف لانتقام أو على البدل من قوله : { يوم يأتيهم العذاب } .

Bölüm V19/P114–V19/P115

المسألة الثانية : اعلم أن التبديل يحتمل وجهين : أحدهما : أن تكون الذات باقية وتتبدل صفتها بصفة أخرى . والثاني : أن تفنى الذات الأولى وتحدث ذات أخرى ، والدليل على أن ذكر لفظ التبدل لإرادة التغير في الصفة جائز ، أنه يقال بدلت الحلقة خاتما إذا أذبتها وسويتها خاتما فنقلتها من شكل إلى شكل ، ومنه قوله تعالى : { فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات } ( الفرقان : 70 ) ويقال : بدلت قميصي جبة أي نقلت العين من صفة إلى صفة أخرى ، ويقال : تبدل زيد إذا تغيرت أحواله ، وأما ذكر لفظ التبديل عند وقوع التبدل في الذوات فكقولك بدلت الدراهم دنانير ، ومنه قوله : { بدلناهم جلودا غيرها } ( النساء : 56 ) وقوله : { بدلناهم بجناتهم جنتين } ( سبأ : 16 ) إذا عرفت أن اللفظ محتمل لكل واحد من هذين المفهومين ففي الآية قولان : القول الأول : أن المراد تبديل الصفة لا تبديل الذات . قال ابن عباس رضي الله عنهما : هي تلك الأرض إلا أنها تغيرت في صفاتها ، فتسير عن الأرض جبالها وتفجر بحارها وتسوى ، فلا يرى فيها عوج ولا أمت . وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( يبدل الله الأرض غير الأرض فيبسطها ويمدها مد الأديم العاكظي فلا ترى فيها عوجا ولا أمتا ) وقوله : { والسموات } أي تبدل السموات غير السموات ، وهو كقوله عليه السلام : ( لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده ) والمعنى : ولا ذو عهد في عهده بكافر ، وتبديل السموات بانتثار كواكبها وانفطارها ، وتكوير شمسها ، وخسوف قمرها ، وكونها أبوابا ، وأنها تارة تكون كالمهل وتارة تكون كالدهان . / والقول الثاني : أن المراد تبديل الذات . قال ابن مسعود : تبدل بأرض كالفضة البيضاء النقية لم يسفك عليها دم ولم تعمل عليها خطيئة ، فهذا شرح هذين القولين ، ومن الناس من رجح القول الأول قال لأن قوله : { انتقام يوم تبدل الارض } المراد هذه الأرض ، والتبدل صفة مضافة إليها ، وعند حصول الصفة لا بد وأن يكون الموصوف موجودا ، فلما كان الموصوف بالتبدل هو هذه الأرض وجب كون هذه الأرض باقية عند حصول ذلك التبدل ، ولا يمكن أن تكون هذه الأرض باقية مع صفاتها عند حصول ذلك التبدل ، وإلا لامتنع حصول التبدل ، فوجب أن يكون الباقي هو الذات . فثبت أن هذه الآية تقتضي كون الذات باقية ، والقائلون بهذا القول هم الذين يقولون : إن عند قيام القيامة لا يعدم الله الذوات والأجسام ، وإنما يعدم صفاتها وأحوالها . واعلم أنه لا يبعد أن يقال : المراد من تبديل الأرض والسموات هو أنه تعالى يجعل الأرض جهنم / ويجعل السموات الجنة ، والدليل عليه قوله تعالى : { كلا إن كتاب الابرار لفى عليين } ( المطففين : 18 ) وقوله : { كلا إن كتاب الفجار لفى سجين } ( المطففين : 7 ) والله أعلم . أما قوله تعالى : { وبرزوا لله الواحد القهار } فنقول أما البروز لله فقد فسرناه في قوله تعالى : { وبرزوا لله جميعا } وإنما ذكر الواحد القهار ههنا ، لأن الملك إذا كان لمالك واحد غلاب لا يغالب قهار لا يقهر فلا مستغاث لأحد إلى غيره فكال الأمر في غاية الصعوبة ، ونظيره قوله : { لمن الملك اليوم لله الواحد القهار } ( غافر : 16 ) ولما وصف نفسه سبحانه بكونه قهارا بين عجزهم وذلتهم ، فقال : { وترى المجرمين يومئذ } . واعلم أنه تعالى ذكر في صفات عجزهم وذلتهم أمورا :

Bölüm V19/P115–V19/P116

فالصفة الأولى : كونهم مقرنين في الأصفاد . يقال : قرنت الشيء بالشيء إذا شددته به ووصلته . والقرآن اسم للحبل الذي يشد به شيئان . وجاء ههنا على التكثير لكثرة أولئك القوم والأصفاد جمع صفد وهو القيد . إذا عرفت هذا فنقول : في قوله : { مقرنين } ثلاثة أوجه : أحدها : قال الكلبي : مقرنين كل كافر مع شيطان في غل ، وقال عطاء : هو معنى قوله : { وإذا النفوس زوجت } ( التكوير : 70 ) أي قرنت فيقرن الله تعالى نفوس المؤمنين بالحور العين ، ونفوس الكافرين بقرنائهم من الشياطين ، وأقول حظ البحث العقلي منه أن الإنسان إذا فارق الدنيا ، فإما أن يكون قد راض نفسه وهذبها ودعاها إلى معرفة الله تعالى وطاعته ومحبته ، أو ما فعل ذلك ، بل تركها متوغلة في اللذات الجسدانية مقبلة على الأحوال الوهمية والخيالية ، فإن كان الأول فتلك النفس تفارق مع تلك الجهة بالحضرة الإلهية ، والسعادة / بالعناية الصمدانية ، وإن كان الثاني فتلك النفس تفارق مع الأسف والحزن والبلاء الشديد ، بسبب الميل إلى عالم الجسم ، وهذا هو المراد بقوله : { وإذا النفوس زوجت } وشيطان النفس الكافرة هي الملكات الباطلة ، والحوادث الفاسدة ، وهو المراد من قول عطاء : إن كل كافر مع شيطانه يكون مقرونا في الأصفاد . والقول الثاني : في تفسير قوله : { مقرنين فى الاصفاد } هو قرن بعض الكفار ببعض ، والمراد أن تلك النفوس الشقية والأرواح المكدرة الظلمانية ، لكونها متجانسة متشاكلة ينضم بعضها إلى بعض ، وتنادي ظلمة كل واحدة منها إلى الأخرى ، فانحدار كل واحدة منها إلى الأخرى في تلك الظلمات ، والخسارات هي المراد بقوله : { مقرنين فى الاصفاد } . والقول الثالث : قال زيد بن أرقم : قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال ، وحظ العقل من ذلك أن الملكات الحاصلة في جوهر النفس إنما تحصل بتكرير الأفعال الصادرة من الجوارح والأعضاء ، فإذا كانت تلك الملكات ظلمانية كدرة ، صارت في المثال كأن أيديها وأرجلها قرنت وغلت في رقابها . وأما قوله : { فى الاصفاد } ففيه وجهان : أحدها : أن يكون ذلك متعلقا بمقرنين ، والمعنى : يقربون بالأصفاد . والثاني : أن لا يكون متعلقا به ، والمعنى : أنهم مقرنون مقيدون ، وحظ العقل معلوم مما سلفت الإشارة إليه .

Bölüm V19/P116–V19/P117

الصفة الثانية : قوله تعالى : { سرابيلهم من قطران } السرابيل جمع سربال وهو القميص ، والقطران فيه ثلاث لغات : قطران وقطران وقطرن ، بفتح القاف وكسرها مع سكون الطاء وبفتح القاف وكسر الطاء ، وهو شيء يتحلب من شجر يسمى الأبهل فيطبخ ويطلى به الإبل الجرب فيحرق الجرب بحرارته وحدته ، وقد تصل حرارته إلى داخل الجوف ، ومن شأنه أن يتسارع فيه اشتعال النار ، وهو أسود اللون منتن الريح فتطلى به جلود أهل النار حتى يصير ذلك الطلي كالسرابيل / وهي القمص فيحصل بسببها أربعة أنواع من العذاب ، لذع القطران وحرقته ، وإسراع النار في جلودهم واللون الوحش ونتن الريح ، وأيضا التفاوت بين قطران القيامة وقطران الدنيا كالتفاوت بين النارين ، وأقول حظ العقل من هذا أن جوهر الروح جوهر مشرق لامع من عالم القدس وغيبة الجلال ، وهذا البدن جار مجرى السربال والقميص له ، وكل ما يحصل للنفس من الآلام والغموم ، فإنما يحصل بسبب هذا البدن ، فلهذا البدن لذع وحرقة في جوهر النفس ، لأن الشهوة والحرص والغضب إنما تتسارع إلى جوهر الروح بسببه ، وكونه للكثافة والكدورة والظلمة هو الذي يخفي لمعان الروح وضوءه وهو سبب لحصول النتن والعفونة ، فتشبه هذا الجسد بسرابيل من القطران والقطر ، وقرأ / بعضهم { من قطران } والقطر النحاس أو الصفر المذاب والآني المتناهي حره . قال أبو بكر بن الأنباري : وتلك النار لا تبطل ذلك القطران ولا تفنيه كما لا تهلك النار أجسادهم والأغلال التي كانت عليهم . الصفة الثالثة : قوله تعالى : { وتغشى وجوههم النار } ونظيره قوله تعالى : { أفمن يتقى بوجهه سوء العذاب يوم القيامة } ( الزمر : 24 ) وقوله : { يوم يسحبون فى النار على وجوههم } ( القمر : 48 ) . واعلم أن موضع المعرفة والنكرة والعلم والجهل هو القلب ، وموضع الفكر والوهم والخيال هو الرأس . وأثر هذه الأحوال إنما تظهر في الوجه ، فلهذا السبب خص الله تعالى هذين العضوين بظهور آثار العقاب فيهما فقال في القلب : { نار الله الموقدة التى تطلع على الافئدة } ( الهمزة : 6 ، 7 ) وقال في الوجه : { وتغشى وجوههم النار } بمعنى تتغشى ، ولما ذكر تعالى هذه الصفات الثلاثة قال : { ليجزى الله كل نفس ما كسبت } قال الواحدي : المراد منه أنفس الكفار لأن ما سبق ذكره لا يليق أن يكون جزاء لأهل الإيمان ، وأقول يمكن إجراء اللفظ على عمومه ، لأن لفظ الآية يدل على أنه تعالى يجزي كل شخص بما يليق بعمله وكسبه ولما كان كسب هؤلاء الكفار الكفر والمعصية ، كان جزاؤهم هو هذا العقاب المذكور ، ولما كان كسب المؤمنين الأيمان والطاعة ، كان اللائق بهم هو الثواب وأيضا أنه تعالى لما عاقب المجرمين بجرمهم فلأن يثيب المطيعين على طاعتهم كان أولى . ثم قال تعالى : { إن الله سريع الحساب } والمراد أنه تعالى لا يظلمهم ولا يزيد على عقابهم الذي يستحقونه . وحظ العقل منه أن الأخلاق الظلمانية هي المبادي لحصول الآلام الروحانية وحصول تلك الأخلاق في النفس على قدر صدور تلك الأعمال منهم في الحياة الدنيا ، فإن الملكات النفسانية إنما تحصل في جوهر النفس بسبب الأفعال المتكررة ، وعلى هذا التقدير فتلك الآلام تتفاوت بحسب تلك الأفعال في كثرتها وقلتها وشدتها وضعفها وذلك يشبه الحساب .

Bölüm V19/P117–V19/P119

ثم قال تعالى : { هاذا بلاغ للناس } أي هذا التذكير والموعظة بلاغ للناس ، أي كفاية في الموعظة ثم اختلفوا فقيل : إن قوله هذا إشارة إلى كل القرآن ، وقيل : بل إشارة إلى كل هذه السورة ، وقيل : بل إشارة إلى المذكور من قوله : { ولا تحسبن } إلى قوله : { سريع الحساب } وأما قوله : { ولينذروا به } فهو معطوف على محذوف أي لينتصحوا : { ولينذروا به } أي بهذا البلاغ . ثم قال : { وليعلموا أنما هو إلاه واحد وليذكر أولوا الالباب } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قد ذكرنا في هذا الكتاب مرارا أن النفس الإنسانية لها شعبتان : القوة النظرية وكمال حالها في معرفة الموجودات بأقسامها وأجناسها وأنواعها حتى تصير النفس كالمرآة / التي يتجلى فيها قدس الملكوت ويظهر فيها جلال اللاهوت ورئيس هذه المعارف والجلاء / معرفة توحيد الله بحسب ذاته وصفاته وأفعاله . والشعبة الثانية ؛ القوة العملية وسعادتها في أن تصير موصوفة بالأخلاق الفاضلة التي تصير مبادي لصدور الأفعال الكاملة عنها ، ورئيس سعادات هذه القوة طاعة الله وخدمته . إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { وليعلموا أنما هو إلاه واحد } إشارة إلى ما يجري مجرى الرئيس لكمال حال القوة النظرية وقوله : { وليذكر أولوا الالباب } إشارة إلى ما يجري مجرى الرئيس لكمال حال القوة العملية فإن الفائدة في هذا التذكر ، إنما هو الإعراض عن الأعمال الباطلة والإقبال على الأعمال الصالحة ، وهذه الخاتمة كالدليل القاطع في أنه لا سعادة للإنسان إلا من هاتين الجهتين . المسألة الثانية : هذه الآيات مشعرة بأن التذكير بهذه المواعظ والنصائح يوجب الوقوف على التوحيد والإقبال على العمل الصالح ، والوجه فيه أن المرء إذا سمع هذه التخويفات والتحذيرات عظم خوفه واشتغل بالنظر والتأمل ، فوصل إلى معرفة التوحيد والنبوة واشتغل بالأعمال الصالحة . المسألة الثالثة : قال القاضي : أول هذه السورة وآخرها يدل على أن العبد مستقل بفعله ، إن شاء أطاع وإن شاء عصى ، أما أول هذه السورة فهو قوله تعالى : { لتخرج الناس من الظلمات إلى النور } ( إبراهيم : 1 ) فإنا قد ذكرنا هناك أن هذا يدل على أن المقصود من إنزال الكتاب إرشاد الخلق كلهم إلى الدين والتقوى ومنعهم عن الكفر والمعصية ، وأما آخر السورة فلأن قوله : { وليذكر أولوا الالباب } يدل على أنه تعالى إنما أنزل هذه السورة ، وإنما ذكر هذه النصائح والمواعظ لأجل أن ينتفع الخلق بها فيصيروا مؤمنين مطيعين ويتركوا الكفر والمعصية ، فظهر أن أول هذه السورة وآخرها متطابقان في إفادة هذا المعنى . واعلم أن الجواب المستقصى عنه مذكور في أول السورة فلا فائدة في الإعادة . المسألة الرابعة : هذه الآية دالة على أنه لا فضيلة للإنسان ولا منقبة له إلا بسبب عقله ، لأنه تعالى بين أنه إنما أنزل هذه الكتب ، وإنما بعث الرسل لتذكير أولى الألباب ، فلولا الشرف العظيم والمرتبة العالية لأولى الألباب لما كان الأمر كذلك . < > 1 ( سورة الحجر ) 1 < > مكية ، إلا آية : 87 ، فمدنية وآياتها : 99 ، نزلت بعد سورة يوسف بسم الله الرحمن الرحيم ! 7 < { الر تلك ءايات الكتاب وقرءان مبين ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الا مل فسوف يعلمون } > 7 < الحجر : ( 1 - 3 ) الر تلك آيات . . . . . > > /اعلم أن قوله : { تلك } إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات . والمراد بالكتاب والقرآن المبين الكتاب الذي وعد الله تعالى به محمدا صلى الله عليه وسلم وتنكير القرآن للتفخيم ، والمعنى : تلك الآيات آيات ذلك الكتاب الكامل في كونه كتابا وفي كونه قرآنا مفيدا للبيان .

Bölüm V19/P119–V19/P120

أما قوله : { ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ نافع وعاصم { ربما } خفيفة الباء والباقون مشددة قال أبو حاتم : أهل الحجاز يخففون ربما ، وقيس وبكر يثقلونها ، وأقول في هذه اللفظة لغات ، وذلك لأن الراء من / رب وردت مضمومة ومفتوحة ، أما إذا كانت مضمومة فالباء قد وردت مشددة ومخففة وساكنة وعلى كل التقديرات تارة مع حرف ما ، وتارة بدونها وأيضا تارة مع التاء وتارة بدونها وأنشدوا : أسمى ما يدريك أن رب فتية باكرت لذتهم بأذكر مسرع ورب بتسكين الباء وأنشدوا بيت الهذلي : أزهير أن يشب القذال فإنني رب هيضل مرس كففت بهيضل والهيضل جماعة متسلحة ، وأيضا هذه الكلمة قد تجيء حالتي تشديد الباء وتخفيفها مع حرف ( ما ) كقولك : ربما وربما وتارة مع التاء ، وحرف ( ما ) كقولك : ربتما وربتما هذا كله إذا كانت الراء من رب مضمونة وقد تكون مفتوحة ، فيقال : رب وربما وربتما حكاه قطرب قال أبو علي : من الحروف ما دخل عليه حرف التأنيث ، نحو : ثم وثمت ، ورب وربت ، ولا ولات ، فهذه اللغات بأسرها رواها الواحدي في ( البسيط ) . المسألة الثانية : رب حرف جر عند سيبويه ، ويلحقها ( ما ) على وجهين : أحدهما : أن تكون نكرة بمعنى شيء ، وذلك كقوله : رب ما تكره النفوس من الأم ر له فرجة كحل العقال فما في هذا البيت اسم والدليل عليه عود الضمير إليه من الصفة ، فإن المعنى رب شيء تكرهه النفوس وإذا عاد الضمير إليه كان اسما ولم يكن حرفا ، كما أن قوله تعالى : { أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين } ( المؤمنون : 55 ) لما عاد الضمير إليه علمنا بذلك أنه اسم ، ومما يدل على أن ( ماء ) قد يكون اسما إذا وقعت بعد رب وقوع من بعدها في قول الشاعر : يا رب من ينقص أزوادنا رحن على نقصانه واغتدين فكما دخلت رب على كلمة ( من ) وكانت نكرة ، فكذلك تدخل على كلمة ( ما ) فهذا ضرب والضرب الآخر أن تدخل ما كافة كما في هذه الآية والنحويون يسمون ما هذه الكافة يريدون أنها بدخلوها كفت الحرف عن العمل الذي كان له ، وإذا حصل هذا الكف فحينئذ تتهيأ للدخول على ما لم تكن تدخل عليه ، ألا ترى أن رب إنما تدخل على الإسم المفرد نحو رب رجل يقول ذاك ولا تدخل على الفعل ، فلما دخلت ( ما ) عليها هيأتها للدخول على الفعل كهذه الآية ، والله أعلم . المسألة الثالثة : اتفقوا على أن رب موضوعة للتقليل ، وهي في التقليل نظيرة كم في التكثير / فإذا قال الرجل : ربما زارنا فلان ، دل ربما على تقليله الزيارة . قال الزجاج : ومن قال إن رب يعني بها الكثرة ، فهو ضد ما يعرفه أهل اللغة ، وعلى هذا التقدير : فههنا سؤال ، وهو أن تمني / الكافر الإسلام مقطوع به ، وكلما رب تفيد الظن ، وأيضا أن ذلك التمني يكثر ويتصل ، فلا يليق به لفظة { ربما } مع أنها تفيد التقليل . والجواب عنه من وجوه : الوجه الأول : أن من عادة العرب أنهم إذا أرادوا التكثير ذكروا لفظا وضع للتقليل ، وإذا أرادوا اليقين ذكروا لفظا وضع للشك ، والمقصود منه : إظهار التوقع والاستغناء عن التصريح بالغرض ، فيقولون : ربما ندمت على ما فعلت ، ولعلك تندم على فعلك ، وإن كان العلم حاصلا بكثرة الندم ووجوده بغير شك ، ومنه قول القائل : قد أترك القرن مصفرا أنامله

Bölüm V19/P120–V19/P121

والوجه الثاني : في الجواب أن هذا التقليل أبلغ في التهديد ، ومعناه : أنه يكفيك قليل الندم في كونه زاجرا عن هذا الفعل فكيف كثيره ؟ والوجه الثالث : في الجواب أن يشغلهم العذاب عن تمني ذاك إلا في القليل . المسألة الرابعة : اتفقوا على أن كلمة ( رب ) مختصة بالدخول على الماضي كما يقال : ربما قصدني عبد الله ، ولا يكاد يستعمل المستقبل بعدها . وقال بعضهم : ليس الأمر كذلك والدليل عليه قول الشاعر : ربما تكره النفوس من الأمر وهذا الاستدلال ضعيف ، لأنا بينا أن كلمة ( رب ) في هذا البيت داخلة على الإسم وكلامنا في أنها إذا دخلت على الفعل وجب كون ذلك الفعل ماضيا ، فأين أحدهما من الآخر ؟ إلا أني أقول قول هؤلاء الأدباء إنه لا يجوز دخول هذه الكلمة على الفعل المستقبل لا يمكن تصحيحه بالدليل العقلي ، وإنما الرجوع فيه إلى النقل والاستعمال ، ولو أنهم وجدوا بيتا مشتملا على هذا الاستعمال لقالوا إنه جائز صحيح وكلام الله أقوى وأجل وأشرف ، فلم لم يتمسكوا بوروده في هذه الآية على جوازه وصحته . ثم نقول إن الأدباء أجابوا عن هذا السؤال من وجهين : الأول : قالوا : إن المترقب في أخبار الله تعالى بمنزلة الماضي المقطوع به في تحققه ، فكأنه قيل : ربما ودوا . الثاني : أن كلمة ( ما ) في قوله : { ربما يود الذين كفروا } اسم و { يود } صفة له ، والتقدير : رب شيء يوده الذين كفروا . قال الزجاج : ومن زعم أن الآية على إضمار كان وتقديره ربما يود الذين كفروا فقد خرج بذلك عن قول سيبويه ألا ترى أن كان لا تضمر عنده ولم يجز عبد الله المقبول وأنت تريد كان عبد الله المقبول . المسألة الخامسة : في تفسير الآية وجوه على مذهب المفسرين فإن كل أحد حمل قوله : / { ربما يود الذين كفروا } على محمل آخر ، والأصح ما قاله الزجاج فإنه قال : الكافر كلما رأى حالا من أحوال العذاب ورأى حالا من أحوال المسلم ود لو كان مسلما ، وهذا الوجه هو الأصح . وأما المتقدمون فقد ذكروا وجوها . قال الضحاك : المراد منه ما يكون عند الموت ، فإن الكافر إذا شاهد علامات العقاب ود لو كان مسلما . وقيل : إن هذه الحالة تحصل إذا اسودت وجوههم ، وقيل : بل عند دخولهم النار ونزول العذاب ، فإنهم يقولون : { أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل } ( إبراهيم : 44 ) وروى أبو موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا كان يوم القيامة واجتمع أهل النار في النار ومعهم من شاء من أهل القبلة قال الكفار لهم : ألستم مسلمين ؟ قالوا بلى ، قالوا : فما أغنى عنكم إسلامكم ، وقد صرتم معنا في النار ، فيتفضل الله تعالى بفضل رحمته ، فيأمر بإخراج كل من كان من أهل القبلة من النار ، فيخرجون منها ، فحينئذ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ) وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية . وعلى هذا القول أكثر المفسرين ، وروى مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ما يزال الله يرحم المؤمنين ، ويخرجهم من النار ، ويدخلهم الجنة بشفاعة الأنبياء والملائكة ، حتى أنه تعالى في آخر الأمر يقول : من كان من المسلمين فليدخل الجنة . قال : فههنالك يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين . قال القاضي : هذه الروايات مبنية على أنه تعالى يخرج أصحاب الكبائر من النار ، وعلى أن شفاعة الرسول مقبولة في إسقاط العقاب ، وهذان الأصلان عنده مردودان ، فعند هذا حمل هذا الخبر على وجه يطابق قوله ويوافق مذهبه وهو أنه تعالى يؤخر إدخال طائفة من المؤمنين الجنة بحيث يغلب على ظن هؤلاء الكفرة أنه تعالى لا يدخلهم الجنة ، ثم إنه تعالى يدخلهم الجنة فيزداد غم الكفرة وحسرتهم وهناك يودون لو كانوا مسلمين ، قال فبهذه الطريق تصحح هذه الأخبار والله أعلم .

Bölüm V19/P121–V19/P123

فإن قيل : إذا كان أهل القيامة قد يتمنون أمثال هذه الأحوال وجب أن يتمنى المؤمن الذي يقل ثوابه درجة المؤمن الذي يكثر ثوابه ، والمتمني لما لم يجده يكون في الغصة وتألم القلب وهذا يقضي أن يكون أكثر المؤمنين في الغصة وتألم القلب . قلنا : أحوال أهل الآخرة لا تقاس بأحوال أهل الدنيا ، فالله سبحانه أرضى كل أحد بما فيه ونزع عن قلوبهم طلب الزيادات كما قال : { ونزعنا ما فى صدورهم من غل } ( الحجر : 47 ) والله أعلم . أما قوله تعالى : { ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الامل فسوف يعلمون } ففيه مسائل : المسألة الأولى : المعنى : دع الكفار يأخذوا حظوظهم من دنياهم فتلك أخلاقهم ولا خلاق لهم في الآخرة وقوله : { ويلههم الامل } يقال : لهيت عن الشيء الهى لهيا ، وجاء في الحديث أن ابن / الزبير كان إذا سمع صوت الرعد لهى عن حديثه . قال الكسائي والأصمعي : كل شيء تركته فقد لهيت عنه وأنشد : صرمت حبالك فاله عنها زينب ولقد أطلت عتابها لو تعتب فقوله فاله عنها أي اتركها وأعرض عنها . قال المفسرون : شغلهم الأمل عند الأخذ بحظهم عن الإيمان والطاعة فسوف يعلمون . المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذة الآية على أنه تعالى قد يصد عن الإيمان ويفعل بالمكلف ما يكون له مفسدة في الدين ، والدليل عليه أنه تعالى قال لرسوله : { ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الامل } فحكم بأن إقبالهم على التمتع واستغراقهم في طول الأمل يلهيهم عن الإيمان والطاعة ثم إنه تعالى أذن لهم فيها ، وذلك يدل على المقصود . قالت المعتزلة : ليس هذا إذنا وتجويزا بل هذا تهديد ووعيد . قلنا ؛ ظاهر قوله : { ذرهم } إذن أقصى ما في الباب أنه تعالى نبه على أن إقبالهم على هذه الأعمال يضرهم في دينهم ، وهذا عين ما ذكرناه من أنه تعالى أذن في شيء مع أنه نص على كون ذلك الشيء مفسدة لهم في الدين . المسألة الثالثة : دلت الآية على أن إيثار التلذذ والتنعم وما يؤدي إليه طول الأمل ليس من أخلاق المؤمنين ، وعن بعضهم التمرغ في الدنيا من أخلاق الهالكين ، والأخبار في ذم الأمل كثيرة فمنها ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( يهرم ابن آدم ويشب فيه اثنان : الحرص على المال وطول الأمل ) وعنه صلى الله عليه وسلم أنه نقط ثلاث وقال : ( هذا ابن آدم ، وهذا الأمل ، وهذا الأجل ، ودون الأمل تسع وتسعون منية فإن أخذته إحداهن ، وإلا فالهرم من ورائه ) وعن علي عليه السلام أنه قال : إنما أخشى عليكم اثنين : طول الأمل واتباع الهوى ، فإن طول الأمل ينسي الآخرة ، واتباع الهوى يصد عن الحق . والله أعلم . ! 7 < { ومآ أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون } > 7 < الحجر : ( 4 - 5 ) وما أهلكنا من . . . . . > > / وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما توعد من قبل من كذب الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله : { ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الامل فسوف يعلمون } أتبعه بما يؤكد الزجر وهو قوله تعالى : { ومآ أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم } في الهلاك والعذاب وإنما يقع فيه التقديم والتأخير فالذين تقدموا كان وقت هلاكهم في الكتاب معجلا ، والذين تأخروا كان وقت هلاكهم في الكتاب مؤخرا وذلك نهاية في الزجر والتحذير .

Bölüm V19/P123–V19/P124

المسألة الثانية : قال قوم المراد بهذا الهلاك عذاب الاستئصال الذي كان الله ينزله بالمكذبين المعاندين كما بينه في قوم نوح وقوم هود وغيرهم ، وقال آخرون : المراد بهذا الهلاك الموت . قال القاضي : والأقرب ما تقدم ، لأنه في الزجر أبلغ ، فبين تعالى أن هذا الإمهال لا ينبغي أن يغتر به العاقل لأن العذاب مدخر ، فإن لكل أمة وقتا معينا في نزول العذاب لا يتقدم ولا يتأخر وقال قوم آخرون : المراد بهذا الهلاك مجموع الأمرين وهو نزول عذاب الاستئصال ونزول الموت ، لأن كل واحد منهما يشارك الآخر في كونه هلاكا ، فوجب حمل اللفظ على القدر المشترك الذي يدخل فيه القسمان معا . المسألة الثالثة : قال الفراء : لو لم تكن الواو مذكورة في قوله : { ولها كتاب } كان صوابا كما في آية أخرى وهي قوله : { وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون } ( الشعراء : 208 ) وهو كما تقول : ما رأيت أحدا إلا وعليه ثياب وإن شئت قلت : إلا عليه ثياب . أما قوله : { ما تسبق من أمة أجلها وما يستخرون } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قال الواحدي : من في قوله : { من أمة } زائدة مؤكدة كقولك : ما جاءني من أحد ، وقال آخرون : إنها ليست بزائدة لأنها تفيد التبعيض أي هذا الحكم لم يحصل في بعض من أبعاض هذه الحقيقة فيكون ذلك في إفادة عموم النفي آكد . المسألة الثانية : قال صاحب ( النظم ) معنى سبق إذا كان واقعا على شخص كان معناه أنه جاز وخلف كقولك سبق زيد عمرا ، أي جازه وخلفه وراءه ، ومعناه أنه قصر عنه وما بلغه ، وإذا كان واقعا على زمان كان بالعكس في ذلك ، كقولك : سبق فلان عام كذا معناه مضى قبل إتيانه ولم يبلغه فقوله : { ما تسبق من أمة أجلها وما يستخرون } معناه أنه لا يحصل ذلك الأجل قبل ذلك الوقت ولا بعده ، بل إنما يحصل في ذلك الوقت بعينه ، والسبب فيه أن اختصاص كل حادث بوقته المعين دون الوقت الذي قبله أو بعده ليس على سبيل الاتفاق الواقع ، لا عن مرجح ولا عن مخصص فإن / رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح محال ، وإنما اختص حدوثه بذلك الوقت المعين لأن إله العالم خصصه به بعينه ، وإذا كان كذلك ، فقدرة الإله وإرادته اقتضتا ذلك التخصيص ، وعلمه وحكمته تعلقا بذلك الاختصاص بعينه ، ولما كان تغير صفات الله تعالى أعني القدرة والإرادة والعلم والحكمة ممتنعا كان تغير ذلك الاختصاص ممتنعا . إذا عرفت هذا فنقول : هذا الدليل بعينه قائم في أفعال العباد أعني أن الصادر من زيد هو الإيمان والطاعة ومن عمرو هو الكفر والمعصية فوجب أن يمتنع دخول التغير فيهما . فإن قالوا : هذا إنما يلزم لو كان المقتضي لحدوث الكفر والإيمان من زيد وعمرو هو قدرة الله تعالى ومشيئته . أما إذا قلنا : المقتضى لذلك هو قدرة زيد وعمرو ومشيئتهما سقط ذلك . قلنا : قدرة زيد وعمرو مشيئتهما إن كانتا موجبتين لذلك الفعل المعين فخالق تلك القدرة والمشيئة الموجبتين لذلك الفعل هو الذي قدر ذلك الفعل بعينه فيعود الإلزام ، وإن لم تكونا موجبتين لذلك الفعل بل كانتا صالحتين له ولضده ، كان رجحان أحد الطرفين على الآخر لم يكن لمرجح ، فقد عاد الأمر إلى أنه حصل ذلك الاختصاص لا لمخصص وهو باطل ، وإن كان لمخصص فذلك المخصص إن كان هو العبد عاد البحث ولزم التسلسل ، وإن كان هو الله تعالى فحينئذ يعود البحث إلى أن فعل العبد إنما تعين وتقدر بتخصيص الله تعالى ، وحينئذ لا يعود الإلزام .

Bölüm V19/P124–V19/P125

المسألة الثالثة : دلت الآية على أن كل من مات أو قتل فإنما مات بأجله ، وأن من قال : يجوز بأن يموت قبل أجله فمخطىء . فإن قالوا : هذا الاستدلال إنما يتم إذا حملنا قوله : { ومآ أهلكنا } على الموت أما إذا حملناه على عذاب الاستئصال فكيف يلزم . قلنا : قوله : { ومآ أهلكنا } إما أن يدخل تحته الموت أو لا يدخل ، فإن دخل الاستدلال ظاهر لازم وإن لم يدخل فنقول : إن ما لأجله وجب في عذاب الاستئصال أن لا يتقدم ولا يتأخر عن وقته المعين قائم في الموت ، فوجب أن يكون الحكم ههنا كذلك ، والله أعم . ! 7 < { وقالوا ياأيها الذى نزل عليه الذكر إنك لمجنون لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } > 7 < الحجر : ( 6 - 9 ) وقالوا يا أيها . . . . . > > /اعلم أنه تعالى لما بالغ في تهديد الكفار ذكر بعده شبههم في إنكار نبوته . فالشبهة الأولى : أنهم كانوا يحكمون عليه بالجنون ، وفيه احتمالات : الأول : أنه عليه السلام كان يظهر عليه عند نزول الوحي حالة شبيهة بالغشي فظنوا أنها جنون ، والدليل عليه قوله : { ويقولون إنه لمجنون وما هو إلا ذكر للعالمين } ( القلم : 51 ، 52 ) وأيضا قوله : { أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة } ( الأعراف : 184 ) . والثاني : أنم كانوا يستبعدون كونه رسولا حقا من عند الله تعالى ، فالرجل إذا سمع كلاما مستبعدا من غيره فربما قال له هذا جنون وأنت مجنون لبعد ما يذكره من طريقة العقل ، وقوله : { إنك لمجنون } في هذه الآية يحتمل الوجهين . أما قوله : { وقالوا يأيها الذى نزل عليه الذكر إنك لمجنون } ففيه وجهان : الأول : أنهم ذكروه على سبيل الاستهزاء كما قال فرعون : { إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون } ( الشعراء : 27 ) وكما قال قوم شعيب : { إنك لانت الحليم الرشيد } ( هود : 87 ) وكما قال تعالى : { فبشرهم بعذاب أليم } ( آل عمران : 21 ) لأن البشارة بالعذاب ممتنعة . والثاني : { وقالوا يأيها الذى نزل عليه الذكر } في زعمه واعتقاده ، وعند أصحابه وأتباعه . ثم حكى عنهم أنهم قالوا في تقرير شبههم : { لو ما تأتينا بالملئكة إن كنت من الصادقين } وفيه مسألتان :

Bölüm V19/P125–V19/P126

المسألة الأولى : المراد لو كنت صادقا في ادعاء النبوة لأتيتنا بالملائكة يشهدون عندنا بصدقك فيما تدعيه من الرسالة ، لأن المرسل الحكيم إذا حاول تحصيل أمر ، وله طريق يفضي إلى تحصيل ذلك المقصود قطعا ، وطريق آخر قد يفضي وقد لا يفضي ، ويكون في محل الشكوك والشبهات ، فإن كان ذلك الحكيم أراد تحصيل ذلك المقصود ، فإنه يحاول تحصيله بالطريق الأول لا بالطريق الثاني ، وإنزال الملائكة الذين يصدقونك ، ويقررون قولك طريق يفضي إلى حصول هذا المقصود قطعا ، والطريق الذي تقرر به صحة نبوتك طريق في محل الشكوك والشبهات ، فلو كنت صادقا في ادعاء النبوة لوجب في حكمة الله تعالى إنزال الملائكة الذين يصرحون بتصديقك وحيث لم تفعل ذلك علمنا أنك لست من النبوة في شيء ، فهذا تقرير هذه الشبهة ، ونظيرها قوله تعالى في سورة الأنعام : { وقالوا لولا أنزل عليك ملك ولو أنزلنا ملكا لقضى الامر } ( الأنعام : 8 ) وفيه احتمال آخر : وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخوفهم بنزول العذاب إن لم يؤمنوا به ، فالقوم طالبوه بنزول العذاب وقالوا له : { لو ما تأتينا بالملئكة } الذين ينزلون عليك ينزلون علينا بذلك العذاب / الموعود ، وهذا هو المراد بقوله تعالى : { ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب } ( العنكبوت : 53 ) ثم إنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة بقوله : { ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين } فنقول : إن كان المراد من قولهم : { لو ما تأتينا بالملئكة } هو الوجه الأول / كان تقرير هذا الجواب أن إنزال الملائكة لا يكون إلا بالحق وعند حصول الفائدة ، وقد علم الله تعالى من حال هؤلاء الكفار أنه لو أنزل عليهم الملائكة لبقوا مصرين على كفرهم ، وعلى هذا التقرير فيصير إنزالهم عبثا باطلا ، ولا يكون حقا ، فلهذا السبب ما أنزلهم الله تعالى ، وقال المفسرون : المراد بالحق ههنا الموت ، والمعنى : أنهم لا ينزلون إلا بالموت ، وإلا بعذاب الاستئصال ، ولم يبق بعد نزولهم إنظار ولا إمهال ، ونحن لا نريد عذاب الاستئصال بهذه الأمة ، فلهذا السبب ما أنزلنا الملائكة ، وأما إن كان المراد من قوله تعالى : { لو ما تأتينا بالملئكة } استعجالهم في نزول العذاب الذي كان الرسول عليه السلام يتوعدهم به ، فتقرير الجواب أن الملائكة لا تنزل إلا بعذاب الاستئصال ، وحكمنا في أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن لا نفعل بهم ذلك ، وأن نمهلهم لما علمنا من إيمان بعضهم ، ومن إيمان أولاد الباقين . المسألة الثانية : قال الفراء والزجاج : لولا ولو ما لغتان : معناهما : هلا ويستعملان في الخبر والاستفهام ، فالخبر مثل قولك لولا أنت لفعلت كذا ، ومنه قوله تعالى : { لولا أنتم لكنا مؤمنين } ( سبأ : 31 ) والاستفهام كقولهم : { لولا أنزل عليه ملك } ( الأنعام : 8 ) وكهذه الآية . وقال الفراء : لو ما الميم فيه بدل عن اللام في لولا ، ومثله استولى على الشيء واستومى عليه ، وحكى الأصمعي : خاللته وخالمته إذا صادقته ، وهو خلى وخلمي أي صديقي . المسألة الثالثة : قوله : { ما ننزل الملائكة إلا بالحق } قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم : { ما ننزل } بالنون وبكسر الزاي والتشديد ، والملائكة بالنصب لوقوع الإنزال عليها . والمنزل هو الله تعالى ، وقرأ أبو بكر عن عاصم : { ما تنزل } عن فعل ما لم يسمى فاعله ، والملائكة بالرفع . والباقون : ما تنزل الملائكة على إسناد فعل النزول إلى الملائكة والله أعلم .

Bölüm V19/P126

المسألة الرابعة : قوله : { وما كانوا إذا منظرين } يعني : لو نزلت الملائكة لم ينظروا أي يمهلوا فإن التكليف يزول عند نزول الملائكة . قال صاحب ( النظم ) : لفظ اذن مركبة من كلمتين : من إذا وهو اسم بمنزلة حين ألا ترى أنك تقول : أتيتك إذ جئتني أي حين جئتني . ثم ضم إليها أن ، فصار إذ أن . ثم استثقلوا الهمزة ، فحذفوها فصار إذن ، ومجيء لفظة إذن دليل على اضمار فعل بعدها والتقدير : وما كانوا منظرين إذ كان ما طلبوا وهذا تأويل حسن . / ثم قال تعالى : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } وفيه مسائل : المسألة الأولى : أن القوم إنما قالوا : { وقالوا يأيها الذى نزل عليه الذكر } ( الحجر : 6 ) لأجل أنهم سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : ( إن الله تعالى نزل الذكر علي ) ثم إنه تعالى حقق قوله في هذه الآية فقال : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } . فأما قوله : { إنا نحن نزلنا الذكر } فهذه الصيغة وإن كانت للجمع إلا أن هذا من كلام الملوك عند إظهار التعظيم فإن الواحد منهم إذا فعل فعلا أو قال قولا قال : إنا فعلنا كذا وقلنا كذا فكذا ههنا . المسألة الثانية : الضمير في قوله : { له لحافظون } إلى ماذا يعود ؟ فيه قولان : القول الأول : أنه عائد إلى الذكر يعني : وإنا نحفظ ذلك الذكر من التحريف والزيادة والنقصان ، ونظيره قوله تعالى في صفة القرآن : { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه } ( فصلت : 42 ) وقال : { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } ( النساء : 82 ) . فإن قيل : فلم اشتغلت الصحابة بجمع القرآن في المصحف وقد وعد الله تعالى بحفظه وما حفظه الله فلا خوف عليه . والجواب : أن جمعهم للقرآن كان من أسباب حفظ الله تعالى إياه فإنه تعالى لما أن حفظه قيضهم لذلك قال أصحابنا : وفي هذه الآية دلالة قوية على كون التسمية آية من أول كل سورة لأن الله تعالى قد وعد بحفظ القرآن ، والحفظ لا معنى له إلا أن يبقى مصونا من الزيادة والنقصان ، فلو لم تكن التسمية من القرآن لما كان القرآن مصونا عن التغيير ، ولما كان محفوظا عن الزيادة ولو جاز أن يظن بالصحابة أنهم زادوا لجاز أيضا أن يظن بهم النقصان ، وذلك يوجب خروج القرآن عن كونه حجة . والقول الثاني : أن الكناية في قوله : { له } راجعة إلى محمد صلى الله عليه وسلم والمعنى وإنا لمحمد لحافظون وهو قول الفراء ، وقوى ابن الأنباري هذا القول فقال : لما ذكر الله الإنزال والمنزل دل ذلك على المنزل عليه فحسنت الكناية عنه ، لكونه أمرا معلوما كما في قوله تعالى : { إنا أنزلناه فى ليلة القدر } ( القدر : 1 ) فإن هذه الكناية عائدة إلى القرآن مع أنه لم يتقدم ذكره وإنما حسنت الكناية للسبب المعلوم فكذا ههنا ، إلا أن القول الأول أرجح القولين وأحسنهما مشابهة لظاهر التنزيل والله أعلم .

Bölüm V19/P126–V19/P128

المسألة الثالثة : إذا قلنا الكناية عائدة إلى القرآن فاختلفوا في أنه تعالى كيف يحفظ القرآن قال بعضهم : حفظه بأن جعله معجزا مباينا لكلام البشر فعجز الخلق عن الزيادة فيه والنقصان عنه لأنهم لو زادوا فيه أو نقصوا عنه لتغير نظم القرآن فيظهر لكل العقلاء أن هذا ليس من القرآن فصار كونه معجزا كإحاطة السور بالمدينة لأنه يحصنها ويحفظها ، وقال آخرون : إنه تعالى صانه / وحفظه من أن يقدر أحد من الخلق على معارضته ، وقال آخرون : أعجز الخلق عن إبطاله وإفساده بأن قيض جماعة يحفظونه ويدرسونه ويشهرونه فيما بين الخلق إلى آخر بقاء التكليف ، وقال آخرون : المراد بالحفظ هو أن أحدا لو حاول تغييره بحرف أو نقطة لقال له أهل الدنيا : هذا كذب وتغيير لكلام الله تعالى حتى أن الشيخ المهيب لو اتفق له لحن أو هفوة في حرف من كتاب الله تعالى لقال له كل الصبيان : أخطأت أيها الشيخ وصوابه كذا وكذا ، فهذا هو المراد من قوله : { وإنا له لحافظون } . واعلم أنه لم يتفق لشيء من الكتب مثل هذا الحفظ ، فإنه لا كتاب إلا وقد دخله التصحيف والتحريف والتغيير ، إما في الكثير منه أو في القليل ، وبقاء هذا الكتاب مصونا عن جميع جهات التحريف مع أن دواعي الملحدة واليهود والنصارى متوفرة على إبطاله وإفساده من أعظم المعجزات وأيضا أخبر الله تعالى عن بقائه محفوظا عن التغيير والتحريف ، وانقضى الآن قريبا من ستمائة سنة فكان هذا إخبارا عن الغيب ، فكان ذلك أيضا معجزا قاهرا . المسألة الرابعة : احتج القاضي بقوله : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } على فساد قول بعض الإمامية في أن القرآن قد دخله التغيير والزيادة والنقصان قال : لأنه لو كان الأمر كذلك لما بقي القرآن محفوظا ، وهذا الاستدلال ضعيف ، لأنه يجري مجرى إثبات الشيء بنفسه ، فالإمامية الذين يقولون إن القرآن قد دخله التغيير والزيادة والنقصان ، لعلهم يقولون إن هذه الآية من جملة الزوائد التي ألحقت بالقرآن ، فثبت أن إثبات هذا المطلوب بهذه الآية يجري مجرى إثبات الشيء نفسه وأنه باطل والله أعلم . ! 7 < { ولقد أرسلنا من قبلك فى شيع الا ولين وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون كذلك نسلكه فى قلوب المجرمين لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين } > 7 < الحجر : ( 10 - 13 ) ولقد أرسلنا من . . . . . > > اعلم أن القوم لما أساؤوا في الأدب وخاطبوه بالسفاهة وقالوا : إنك لمجنون ، فالله تعالى ذكر / أن عادة هؤلاء الجهال مع جميع الأنبياء هكذا كانت . ولك أسوة في الصبر على سفاهتهم وجهالتهم بجميع الأنبياء عليهم السلام ، فهذا هو الكلام في نظم الآية وفيه مسائل : المسألة الأولى : في الآية محذوف والتقدير : ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلا أنه حذف ذكر الرسل لدلالة الإرسال عليه . وقوله : { فى شيع الاولين } أي في أمم الأولين وأتباعهم . قال الفراء : الشيع الأتباع واحدهم شيعة وشيعة الرجل أتباعه ، والشيعة الأمة سموا بذلك ، لأن بعضهم شايع بعضا وشاكله ، وذكرنا الكلام في هذا الحرف عند قوله : { أو يلبسكم شيعا } ( الأنعام : 65 ) قال الفراء : وقوله : { فى شيع الاولين } من إضافة الصفة إلى الموصوف كقوله : { لحق اليقين } ( الحاقة : 51 ) وقوله : { بجانب الغربى } ( القصص : 44 ) وقوله : { وذلك دين القيمة } ( البينة : 5 ) أما قوله : { وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به } أي عادة هؤلاء الجهال مع جميع الأنبياء والرسل ذلك الاستهزاء بهم كما فعلوا بك ذكره تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم .

Bölüm V19/P128–V19/P129

واعلم أن السبب الذي يحمل هؤلاء الجهال على هذه العادة الخبيثة أمور . الأول : أنهم يستثقلون التزام الطاعات والعبادات والاحتراز عن الطيبات واللذات . والثاني : أن الرسول يدعوهم إلى ترك ما ألفوه من أديانهم الخبيثة ومذاهبهم الباطلة ، وذلك شاق شديد على الطباع . والثالث : أن الرسول متبوع مخدوم والأقوام يجب عليهم طاعته وخدمته وذلك أيضا في غاية المشقة . والرابع : أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد يكون فقيرا ولا يكون له أعوان وأنصار ولا مال ولا جاه فالمتنعمون والرؤساء يثقل عليهم خدمة من يكون بهذه الصفة . والخامس : خذلان الله لهم وإلقاء دواعي الكفر والجهل في قلوبهم ، وهذا هو السبب الأصلي ؛ فلهذه الأسباب وما يشبهها تقع الجهال والضلال مع أكابر الأنبياء عليهم السلام في هذه الأعمال القبيحة والأفعال المنكرة . أما قوله تعالى : { يستهزئون كذلك نسلكه فى قلوب المجرمين } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : السلك إدخال الشيء في الشيء كإدخال الخيط في المخيط والرمح في المطعون ، وقيل : في قوله : { ما سلككم فى سفر } ( المدثر : 42 ) أي أدخلكم في جهنم . وذكر أبو عبيدة وأبو عبيد : سلكته وأسلكته بمعنى واحد . المسألة الثانية ؛ احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى يخلق الباطل في قلوب الكفار ، فقالوا : قوله { كذلك نسلكه } أي كذلك نسلك الباطل والضلال في قلوب المجرمين ، قالت المعتزلة : لم يجر للضلال والكفر ذكر فيما قبل هذا اللفظ ، فلا يمكن أن يكون الضمير عائدا إليه لا يقال : إنه تعالى قال : { وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون } وقوله : { يستهزئون } يدل على الاستهزاء ، فالضمير في قوله : { كذلك نسلكه } عائد إليه ، والاستهزاء بالأنبياء كفر وضلال ، / فثبت صحة قولنا المراد من قوله : { كذلك نسلكه فى قلوب المجرمين } هو أنه كذلك نسلك الكفر والضلال والاستهزاء بأنبياء الله تعالى ورسله في قلوب المجرمين / لأنا نقول : إن كان الضمير في قوله : { كذلك نسلكه } عائدا إلى الاستهزاء وجب أن يكون الضمير في قوله : { لا يؤمنون به } عائدا أيضا إلى الاستهزاء لأنهما ضميران تعاقبا وتلاصقا ، فوجب عودهما إلى شيء واحد فوجب أن لا يكونوا مؤمنين بذلك الاستهزاء ، وذلك يوجب التناقض ، لأن الكافر لا بد وأن يكون مؤمنا بكفره ، والذي لا يكون كذلك هو المسلم العالم ببطلان الكفر فلا يصدق به ، وأيضا فلو كان تعالى هو الذي يسلك الكفر في قلب الكافر ويخلقه فيه فما أحد أولى بالعذر من هؤلاء الكفار ، ولكان على هذا التقدير يمتنع أن يذمهم في الدنيا وأن يعاقبهم في الآخرة عليه ، فثبت أنه لا يمكن حمل هذه الآية على هذ الوجه فنقول : التأويل الصحيح أن الضمير في قوله تعالى : { كذلك نسلكه } عائد إلى الذكر الذي هو القرآن فإنه تعالى قال قبل هذه الآية : { إنا نحن نزلنا الذكر } وقال بعده : { كذلك نسلكه } أي هكذا نسلك القرآن في قلوب المجرمين ، والمراد من هذا السلك هو أنه تعالى يسمعهم هذا القرآن ويخلق في قلوبهم حفظ هذا القرآن ويخلق فيها العلم بمعانيه وبين أنهم لجهلهم وإصرارهم لا يؤمنون به مع هذه الأحوال عنادا وجهلا ، فكان هذا موجبا للحوق الذم الشديد بهم ، ويدل على صحة هذا التأويل وجهان : الأول : أن الضمير في قوله : { لا يؤمنون به } عائد إلى القرآن بالإجماع فوجب أن يكون الضمير في قوله : { كذلك نسلكه } عائدا إليه أيضا لأنهما ضميران متعاقبان فيجب عودهما إلى شيء واحد . والثاني : أن قوله : { كذالك } معناه : مثل ما عملنا كذا وكذا نعمل هذا السلك فيكون هذا تشبيها لهذا السلك بعمل آخر ذكره الله تعالى قبل هذه الآية من أعمال نفسه ، ولم يجر لعمل من أعمال الله ذكر في سابقة هذه الآية إلا قوله : { إنا نحن نزلنا الذكر } فوجب أن يكون هذا معطوفا عليه ومشبها به ، ومتى كان الأمر كذلك كان الضمير في قوله : { نسلكه } عائدا إلى الذكر وهذا تمام تقرير كلام القوم .

Bölüm V19/P129–V19/P130

والجواب : لا يجوز أن يكون الضمير في قوله : { نسلكه } عائدا على الذكر ، ويدل عليه وجوه : الوجه الأول : أن قوله : { كذلك نسلكه } مذكور بحرف النون ، والمراد منه إظهار نهاية التعظيم والجلالة ، ومثل هذا التعظيم إنما يحسن ذكره إذا فعل فعلا يظهر له أثر قوي كامل بحيث صار المنازع والمدافع له مغلوبا مقهورا . فأما إذا فعل فعلا ولم يظهر له أثر ألبتة ، صار المنازع والمدافع غالبا قاهرا ، فإن ذكر اللفظ المشعر بنهاية العظمة والجلالة يكون مستقبحا في هذا المقام ، والأمر ههنا كذلك لأنه تعالى سلك أسماع القرآن وتحفيظه وتعليمه في قلب الكافر لأجل أن يؤمن به ، ثم إنه / لم يلتفت إليه ولم يؤمن به فصار فعل الله تعالى كالهدر الضائع ، وصار الكافر والشيطان كالغالب الدافع ، وإذا كان كذلك كان ذكر النون المشعر بالعظمة والجلالة في قوله : { نسلكه } غير لائق بهذا المقام ، فثبت بهذا التأويل الذي ذكروه فاسد . والوجه الثاني : أنه لو كان المراد ما ذكروه لوجب أن يقال : { كذلك نسلكه فى قلوب المجرمين } ولا يؤمنون به ، أي ومع هذا السعي العظيم في تحصيل إيمانهم لا يمؤمنون أما ما لم يذكر الواو فعلمنا أن قوله : { لا يؤمنون به } كالتفسير ، والبيان لقوله : { نسلكه فى قلوب المجرمين } وهذا إنما يصح إذا كان المراد أنا نسلك الكفر والضلال في قلوبهم . والوجه الثالث : أن قوله : { إنا نحن نزلنا الذكر } ( الحجر : 9 ) بعيد ، وقوله : { يستهزئون } قريب ، وعود الضمير إلى أقرب المذكورات هو الواجب . أما قوله : لو كان الضمير في قوله : { نسلكه } عائدا إلى الاستهزاء لكان في قوله ؛ { لا يؤمنون به } عائدا إليه ، وحينئذ يلزم التناقض . قلنا : الجواب عنه من وجوه : الوجه الأول : أن مقضتى الدليل عود الضمير إلى أقرب المذكورات ، ولا مانع من اعتبار هذا الدليل في الضمير الأول وحصل المانع من اعتباره في الضمير الثاني فلا جرم قلنا : الضمير الأول عائد إلى الاستهزاء ، والضمير الثاني عائد إلى الذكر ، وتفريق الضمائر المتعاقبة على الأشياء المختلفة ليس بقليل في القرآن ، أليس أن الجبائي والكعبي والقاضي قالوا في قوله تعالى : { هو الذى خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما فلما ءاتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما ءاتاهما فتعالى الله عما يشركون } ( الأعراف : 189 ، 190 ) فقالوا هذه الضمائر من أول الآية إلى قوله : { جعلا له شركاء } عائدة إلى آدم وحواء ، وأما في قوله : { جعلا له شركاء فيما ءاتاهما فتعالى الله عما يشركون } عائدة إلى غيرهما ، فهذا ما اتفقوا عليه في تفاسيرهم ، وإذا ثبت هذا ظهر أنه لا يلزم من تعاقب الضمائر عودها إلى شيء واحد بل الأمر فيه موقوف على الدليل فكذا ههنا والله أعلم . والوجه الثاني : في الجواب قال بعض الأدباء من أصحابنا قوله : { لا يؤمنون به } تفسير للكناية في قوله : { نسلكه } والتقدير : كذلك نسلك في قلوب المجرمين أن لا يؤمنوا به والمعنى نجعل في قلوبهم أن لا يؤمنوا به . والوجه الثالث : وهو أنا بينا بالبراهين العقلية القاهرة أن حصول الإيمان والكفر يمتنع أن يكون بالعبد ، وذلك لأن كل أحد إنما يريد الإيمان والصدق ، والعلم والحق ، وأن أحدا / لا يقصد تحصيل الكفر والجهل والكذب فلما كان كل أحد لا يقصد إلا الإيمان والحق ثم إنه لايحصل ذلك ، وإنما يحصل الكفر والباطل ، علمنا أن حصول ذلك الكفر ليس منه .

Bölüm V19/P130–V19/P131

فإن قالوا : إنما حصل ذلك الكفر لأنه ظن أنه هو الإيمان : فنقول : فعلى هذا التقدير إنما رضي بتحصيل ذلك الجهل لأجل جهل آخر سابق عليه فينقل الكلام إلى ذلك الجهل السابق فإن كان ذلك لأجل جهل آخر لزم التسلسل وهو محال ، وإلا وجب انتهاء كل الجهالات إلى جهل أول سابق حصل في قلبه لا بتحصيله بل بتخليق الله تعالى ، وذلك هو الذي قلناه : أن المراد من قوله : { كذلك نسلكه فى قلوب المجرمين لا يؤمنون } والمعنى : نجعل في قلوبهم أن لا يؤمنوا به ، وهو أنه تعالى يخلق الكفر والضلال فيها ، وأيضا قدماء المفسرين مثل ابن عباس وتلامذته أطبقوا على تفسير هذه الآية بأنه تعالى يخلق الكفر والضلال فيها ، والتأويل الذي ذكره المعتزلة تأويل مستحدث لم يقل به أحد من المتقدمين ، فكان مردودا ، وروى القاضي عن عكرمة أن المراد كذلك نسلك القسوة في قلوب المجرمين ، ثم قال القاضي : إن القسوة لا تحصل إلا من قبل الكافر بأن يستمر على كفره ويعاند ، فلا يصح إضافته إلى الله تعالى ، فيقال للقاضي : إن هذا يجري مجرى المكابرة ، وذلك لأن الكافر يجد من نفسه نفرة شديدة عن قبول قول الرسول ونبوة عظيمة عنه حتى أنه كلما رآه تغير لونه واصفر وجهه ، وربما ارتعدت أعضاؤه ولا يقدر على الالتفات إليه والاصغاء لقوله ، فحصول هذه الأحوال في قلبه أمر اضطراري لا يمكنه دفعها عن نفسه ، فكيف يقال : إنها حصلت بفعله واختياره ؟ فإن قالوا : إنه يمكنه ترك هذه الأحوال ، والرجوع إلى الانقياد والقبول فنقول هذا مغالطة محضة ، لأنك إن أردت أنه مع حصول هذه النفرة الشديدة في القلب / والنبوة العظيمة في النفس يمكنه أن يعود إلى الإنقياد والقبول والطاعة والرضا فهذا مكابرة ، وإن أردت أن عند زوال هذه الأحوال النفسانية يمكنه العود إلى القبول والتسليم فهذا حق ، إلا أنه لا يمكنه إزالة هذه الدواعي والصوارف عن القلب فإنه إن كان الفاعل لها هو الإنسان لافتقر في تحصيل هذه الدواعي والصوارف إلى دواعي سابقة عليها ولزم الذهاب إلى ما لا نهاية له وذلك محال ، وإن كان الفاعل لها هو الله تعالى فحينئذ يصح أنه تعالى هو الذي يسلك هذه الدواعي والصوارف في القلوب وذلك عين ما ذكرناه والله أعلم . أما قوله تعالى : { وقد خلت سنة الاولين } ففيه قولان : الأول : أنه تهديد لكفار مكة يقول قد مضت سنة الله بإهلاك من كذب الرسل في القرون الماضية . الثاني : وهو قول الزجاج : وقد / مضت سنة الله في الأولين بأن يسلك الكفر والضلال في قلوبهم ، وهذا أليق بظاهر اللفظ . ! 7 < { ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون } > 7 < الحجر : ( 14 - 15 ) ولو فتحنا عليهم . . . . . > > اعلم أن هذا الكلام هو المذكور في سورة الأنعام في قوله : { ولو نزلنا عليك كتابا فى قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هاذا إلا سحر مبين } ( الأنعام : 7 ) والحاصل : أن القوم لما طلبوا نزول ملائكة يصرحون بتصديق الرسول عليه السلام في كونه رسولا من عند الله تعالى بين الله تعالى في هذه الآية أن بتقدير أن يحصل هذا المعنى لقال الذين كفروا هذا من باب السحر وهؤلاء الذين يظن أنا نراهم فنحن في الحقيقة لا نراهم . والحاصل : أنه لما علم الله تعالى أنه لا فائدة في نزول الملائكة فلهذا السبب ما أنزلهم .

Bölüm V19/P131–V19/P132

فإن قيل : كيف يجوز من الجماعة العظيمة أن يصيروا شاكرين في وجود ما يشاهدونه بالعين السليمة في النهار الواضح ، ولو جاز حصول الشك في ذلك كانت السفسطة لازمة ، ولا يبقى حينئذ اعتماد على الحس والمشاهدة . أجاب القاضي عنه : بأنه تعالى ما وصفهم بالشك فيما يبصرون ، وإنما وصفهم بأنهم يقولون هذا القول ، وقد يجوز أن يقدم الإنسان على الكذب على سبيل العناد والمكابرة ، ثم سأل نفسه وقال : أفيصح من الجمع العظيم أن يظهروا الشك في المشاهدات . وأجاب بأنه يصح ذلك إذا جمعهم عليه غرض صحيح معتبر من مواطأة على دفع حجة أو غلبة خصم ، وأيضا فهذه الحكاية إنما وقعت عن قوم مخصومين ، سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم إنزال الملائكة ، وهذا السؤال ما كان إلا من رؤساء القوم ، وكانوا قليلي العدد ، وإقدام العدد القليل على ما يجري مجرى المكابرة جائز . المسألة الثانية : قوله تعالى : { فظلوا فيه يعرجون } يقال : ظل فلان نهاره يفعل كذا إذا فعله بالنهار ولا تقول العرب ظل يظل إلا لكل عمل عمل بالنهار ، كما لا يقولون بات يبيت إلا بالليل ، والمصدر الظلول ، وقوله : { فيه يعرجون } يقال : عرج يعرج عروجا ، ومنه المعارج ، وهي المصاعد التي يصعد فيها ، وللمفسرين في هذه الآية قولان : / القول الأول : أن قوله : { فظلوا فيه يعرجون } من صفة المشركين . قال ابن عباس رضي الله عنهما : لو ظل المشركون يصعدون في تلك المعارج وينظرون إلى ملكوت الله تعالى وقدرته وسلطانه ، وإلى عبادة الملائكة الذين هم من خشيته مشفقون لشكوا في تلك الرؤية وبقوا مصرين على كفرهم وجهلهم كما جحدوا سائر المعجزات من انشقاق القمر وما خص به النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن المعجز الذي لا يستطيع الجن والإنس أن يأتوا بمثله . القول الثاني : أن هذه العروج للملائكة ، والمعنى : أنه تعالى لو جعل هؤلاء الكفار بحيث يروا أبوابا من السماء مفتوحة وتصعد منها الملائكة وتنزل لصرفوا ذلك عن وجهه ، ولقالوا : إن السحرة سحرونا وجعلونا بحيث نشاهد هذه الأباطيل التي لا حقيقة لها وقوله : { لقالوا إنما سكرت أبصارنا } فيه مسألتان : المسألة الأولى : قرأ ابن كثير { سكرت } بالتخفيف ، والباقون مشددة الكاف قال الواحدي سكرت غشيت وسددت بالسحر هذا قول أهل اللغة قالوا : وأصله من السكر وهو سد الشق لئلا ينفجر الماء ، فكأن هذه الأبصار منعت من النظر كما يمنع السكر الماء من الجري ، والتشديد يوجب زيادة وتكثيرا وقال أبو عمرو بن العلاء : هو مأخوذ من سكر الشراب يعني أن الأبصار حارت ووقع بها من فساد النظر مثل ما يقع بالرجل السكران من تغير العقل فإذا كان هذا معنى التخفيف فسكرت بالتشديد يراد به وقوع هذا الأمر مرة بعد أخرى / وقال أبو عبيدة : { سكرت أبصارنا } أي غشيت أبصارنا فوجب سكونها وبطلانها ، وعلى هذا القول أصله من السكون يقال : سكرت الريح سكرا إذا سكنت وسكر الحر يسكر وليلة ساكرة لا ريح فيها وقال أوس : جذلت على ليلة ساهرة فليست بطلق ولا ساكره ويقال : سكرت عينه سكرا إذا تحيرت وسكنت عن النظر وعلى هذا معنى سكرت أبصارنا ، أي سكنت عن النظر وهذا القول اختيار الزجاج . وقال أبو علي الفارسي : سكرت صارت بحيث لا ينفذ نورها ولا تدرك الأشياء على حقائقها ، وكان معنى السكر قطع الشيء عن سننه الجاري ، فمن ذلك تسكير الماء وهو رده عن سننه في الجرية ، والسكر في الشراب هو أن ينقطع عما كان عليه من المضاء في حال الصحو فلا ينفذ رأيه على حد نفاذه في الصحو ، فهذه أقوال أربعة في تفسير { سكرت } وهي في الحقيقة متقاربة ، والله أعلم .

Bölüm V19/P132–V19/P133

المسألة الثانية : قال الجبائي : من جوز قدرة السحرة على أن يأخذوا بأعين الناس حتى يروهم الشيء على خلاف ما هو عليه لم يصح إيمانه بالأنبياء والرسل ، وذلك لأنهم إذا جوزوا ذلك فلعل / هذا الذي يرى أنه محمد بن عبد الله ليس هو ذلك الرجل وإنما هو شيطان ، ولعل هذه المعجزات التي نشاهدها ليس لها حقائق ، بل هي تكون من باب الآراء الباطلة من ذلك الساحر ، وإذا حصل هذا التجويز بطل الكل . والله أعلم . ! 7 < { ولقد جعلنا فى السماء بروجا وزيناها للناظرين وحفظناها من كل شيطان رجيم إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين } > 7 < الحجر : ( 16 - 18 ) ولقد جعلنا في . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهة منكري النبوة ، وكان قد ثبت أن القول بالنبوة مفرع على القول بالتوحيد أتبعه تعالى بدلائل التوحيد . ولما كانت دلائل التوحيد منها سماوية ، ومنها أرضية ، بدأ منها بذكر الدلائل السماوية ، فقال : { ولقد جعلنا فى السماء بروجا وزيناها للناظرين } قال الليث : البرج واحد من بروج الفلك ، والبروج جمع وهي اثنا عشر برجا ، ونظيره قوله تعالى : { تبارك الذى جعل فى السماء بروجا } ( الفرقان : 61 ) وقال : { والسماء ذات البروج } ( البروج : 1 ) ووجه دلالتها على وجود الصانع المختار ، هو أن طبائع هذه البروج مختلفة على ما هو متفق عليه بين أرباب الأحكام ، وإذا كان الأمر كذلك فالفلك مركب من هذه الأجزاء المختلفة في الماهية والأبعاض المختلفة في الحقيقة ، وكل مركب فلا بد له من مركب يركب تلك الأجزاء والأبعاض بحسب الاختيار والحكمة ، فثبت أن كون السماء مركبة من البروج يدل على وجود الفاعل المختار ، وهو المطلوب ، وأما قوله : { وزيناها للناظرين وحفظناها من كل شيطان رجيم إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين } فقد استقصينا الكلام فيه في سورة الملك في تفسير قوله تعالى : { ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين } ( الملك : 5 ) فلا نعيد ههنا إلا القدر الذي لا بد منه قوله : { وزيناها } أي بالشمس والقمر والنجوم { للناظرين } أي للمعتبرين بها والمستدلين بها على توحيد صانعها وقوله : { وحفظناها من كل شيطان رجيم } . فإن قيل : ما معنى وحفظناها من كل شيطان رجيم ، والشيطان لا قدرة له على هدم السماء فأي حاجة إلى حفظ السماء منه .

Bölüm V19/P133–V19/P134

قلنا : لما منعه من القرب منها ، فقد حفظ السماء من مقاربة الشيطان فحفظ الله السماء منهم كما قد / يحفظ منازلنا عن متجسس يخشى منه الفساد ثم نقول : معنى الرجم في اللغة الرمي بالحجارة . ثم قيل للقتيل رجم تشبيها له بالرجم بالحجارة ، والرجم أيضا السب والشتم لأنه رمي بالقول القبيح ومنه قوله : { لارجمنك } أي لأسبنك ، والرجم اسم لكل ما يرمى به ، ومنه قوله : { وجعلناها رجوما للشياطين } ( الملك : 5 ) أي مرامي لهم ، والرجم القول بالظن ، ومنه قوله : { رجما بالغيب } ( الكهف : 22 ) لأنه يرميه بذلك الظن والرجم أيضا اللعن والطرد ، وقوله الشيطان الرجيم ، قد فسروه بكل هذه الوجوه . قال ابن عباس رضي الله عنهما : كانت الشياطين لا تحجب عن السموات ، فكانوا يدخلونها ويسمعون أخبار الغيوب من الملائكة فيلقونها إلى الكهنة ، فلما ولد عيسى عليه السلام منعوا من ثلاثة سموات ، فلما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم منعوا من السموات كلها ، فكل واحد منهم إذا أراد استراق السمع رمى بشهاب . وقوله : { إلا من استرق السمع } لا يمكن حمل لفظة { إلا } ههنا على الاستثناء ، بدليل أن إقدامهم على استراق السمع لا يخرج السماء من أن تكون محفوظة منهم إلا أنهم ممنوعون من دخولها ، وإنما يحاولون القرب منها ، فلا يصح أن يكون استثناء على التحقيق ، فوجب أن يكون معناه : لكن من استرق السمع . قال الزجاج : موضع { من } نصب على هذا التقدير . قال : وجائز أن يكون في موضع خفض ، والتقدير : إلا ممن . قال ابن عباس : في قوله : { إلا من استرق السمع } يريد الخطفة اليسيرة ، وذلك لأن المارد من الشياطين يعلو فيرمى بالشهاب فيحرقه ولا يقتله ، ومنهم من يحيله فيصير غولا يضل الناس في البراري . وقوله : { فأتبعه } ذكرنا معناه في سورة الأعراف في قصة بلعم بن باعورا في قوله : { فأتبعه الشيطان } ( الأعراف : 175 ) معناه لحقه ، والشهاب شعلة نار ساطع ، ثم يسمى الكواكب شهابا ، والسنان شهابا لأجل أنهما لما فيهما من البريق يشبهان النار . واعلم أن في هذا الموضع أبحاثا دقيقة ذكرناها في سورة الملك وفي سورة الجن ، ونذكر منها ههنا إشكالا واحدا ، وهو أن لقائل أن يقول : إذا جوزتم في الجملة أن يصعد الشيطان إلى السموات ويختلط بالملائكة ويسمع أخبار الغيوب عنهم ، ثم إنها تنزل وتلقي تلك الغيوب على الكهنة فعلى هذا التقدير وجب أن يخرج الأخبار عن المغيبات عن كونه معجزا لأن كل غيب يخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم قام فيه هذا الاحتمال وحينئذ يخرج عن كونه معجزا دليلا على الصدق ، لا يقال إن الله تعالى أخبر أنهم عجزوا عن ذلك بعد مولد النبي صلى الله عليه وسلم لأنا نقول هذا العجز لا يمكن إثباته إلا بعد القطع بكون محمد رسولا وكون القرآن حقا ، والقطع بهذا لا يمكن إلا بواسطة المعجز ، وكون الإخبار عن الغيب معجزا لا يثبت إلا بعد إبطال هذا الاحتمال وحينئذ يلزم الدور وهو باطل محال ، ويمكن أن يجاب عنه بأنا نثبت كون محمد صلى الله عليه وسلم / رسولا بسائر المعجزات ، ثم بعد العلم بنبوته نقطع بأن الله تعالى أعجز الشياطين عن تلقف الغيب بهذا الطريق ، وعند ذلك يصير الإخبار عن الغيوب معجز ، وبهذا الطريق يندفع الدور . والله أعلم . ! 7 < { والا رض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شىء موزون وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين } > 7 < الحجر : ( 19 - 20 ) والأرض مددناها وألقينا . . . . . > >

Sorular

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb · 184 · Qur'an & Sunnah