Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
/ السؤال العاشر : لم قرن الناس بالحجارة وجعلت الحجارة معهم وقودا ؟ الجواب : لأنهم قرنوا بها أنفسهم في الدنيا حيث نحتوها أصناما وجعلوها للهأندادا وعبدوها من دونه قال تعالى : { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم } ( الأنبياء : 98 ) وهذه الآية مفسرة لها فقوله : { إنكم وما تعبدون من دون الله } في معنى الناس والحجارة وحصب جهنم في معنى وقودها ولما اعتقد الكفار في حجارتهم المعبودة من دون الله أنها الشفعاء والشهداء الذين يستشفعون بهم ويستدفعون المضار عن أنفسهم تمسكا بهم ، وجعلها الله عذابهم فقرنهم بها محماة في نار جهنم إبلاغا وإغرابا في تحسرهم ، ونحوه ما يفعله بالكافرين الذين جعلوا ذهبهم وفضتهم عدة وذخيرة فشحوا بها ومنعوها من الحقوق حيث يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباهم وجنوبهم وظهورهم ، وقيل هي حجارة الكبريت ، وهو تخصيص بغير دليل ، بل فيه ما يدل على فساده ، وذلك لأن الغرض ههنا تعظيم صفة هذه النار والإيقاد بحجارة الكبريت أمر معتاد فلا يدل الإيقاد بها على قوة النار ، أما لو حملناه على سائر الأحجار دل ذلك على عظم أمر النار فإن سائر الأحجار تطفأ بها النيران فكأنه قال تلك النيران بلغت لقوتها أن تتعلق في أول أمرها بالحجارة التي هي مطفئة لنيران الدنيا ، أما قوله : { أعدت للكافرين } فإنه يدل على أن هذه النار الموصوفة معدة للكافرين ، وليس فيه ما يدل على أن هناك نيرانا أخرى غير موصوفة بهذه الصفات معدة لفساق أهل الصلاة . الكلام في المعاد ! 7 < { وبشر الذين ءامنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هاذا الذى رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيهآ أزواج مطهرة وهم فيها خالدون } . > 7 ! < < البقرة : ( 25 ) وبشر الذين آمنوا . . . . . > > اعلم أنه سبحانه وتعالى لما تكلم في التوحيد والنبوة تكلم بعدهما في المعاد وبين عقاب الكافر وثواب المطيع ومن عادة الله تعالى أنه إذا ذكر آية في الوعيد أن يعقبها بآية في الوعد وههنا مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن مسألة الحشر والنشر من المسائل المعتبرة في صحة الدين والبحث / عن هذه المسألة إما أن يقع عن إمكانها أو عن وقوعها ، أما الإمكان فيجوز إثباته تارة بالعقل ، وبالنقل أخرى ، وأما الوقوع فلا سبيل إليه إلا بالنقل ، وإن الله ذكر هاتين المسألتين في كتابه وبين الحق فيهما من وجوه : الوجه الأول : أن كثيرا ما حكى عن المنكرين إنكار الحشر والنشر ، ثم إنه تعالى حكم بأنه واقع كائن من غير ذكر الدليل فيه ، وإنما جاز ذلك لأن كل ما لا يتوقف صحة نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم عليه أمكن إثباته بالدليل النقلي ، وهذه المسألة كذلك فجاز إثباتها بالنقل ، مثاله ما حكم ههنا بالنار للكفار ، والجنة للأبرار ، وما أقام عليه دليلا بل اكتفى بالدعوى ، وأما في إثبات الصانع وإثبات النبوة فلم يكتف فيه بالدعوى بل ذكر فيه الدليل ، وسبب الفرق ما ذكرناه وقال في سورة النحل : { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى عليه حقا ولاكن أكثر الناس لا يعلمون } ( النحل : 38 ) وقال في سورة التغابن : { زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربى لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم } ( التغابن : 7 ) . الوجه الثاني : أنه تعالى أثبت إمكان الحشر والنشر بناء على أنه تعالى قادر على أمور تشبه الحشر والنشر ، وقد قرر الله تعالى هذه الطريقة على وجوه ، فأجمعها ما جاء في سورة الواقعة فإنه تعالى ذكر فيها حكاية عن أصحاب الشمال أنهم كانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون ، فأجابهم الله تعالى بقوله : { قل إن الاولين والاخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم } ( الواققعة : 49 ) ثم إنه تعالى احتج على إمكانه بأمور أربعة : أولها : قوله : { أفرءيتم ما تمنون تخلقونه أم نحن الخالقون نحن } ( الواقعة : 58 ) وجه الاستدلال بذلك أن المني إنما يحصل من فضلة الهضم الرابع وهو كالطل المنبث في آفاق أطراف الأعضاء ولهذا تشترك الأعضاء في الالتذاذ بالوقاع بحصول الانحلال عنها كلها ، ثم إن الله تعالى سلط قوة الشهوة على البقية حتى أنها تجمع تلك الأجزاء الطلية ، فالحاصل أن تلك الأجزاء كانت متفرقة جدا ، أولا في أطراف العالم ، ثم أنه تعالى جمعها في بدن ذلك الحيوان ، ثم إنها كانت متفرقة في أطراف بدن ذلك الحيوان فجمعها الله سبحانه وتعالى في أوعية المني ، ثم إنه تعالى أخرجها ماء دافقا إلى قرار الرحم فإذا كانت هذه الأجزاء متفرقة فجمعها وكون منها ذلك الشخص ، فإذا افترقت بالموت مرة أخرى فكيف يمتنع عليه جمعها مرة أخرى ؟ فهذا تقرير هذه الحجة ، وإن الله تعالى ذكرها في مواضع من كتابه ، منها في سورة الحج : { السعير ياأيها الناس إن كنتم فى ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب } إلى قوله : { وترى الارض هامدة } ثم قال : { ذالك بأن الله هو الحق وأنه يحى الموتى وأنه على كل شىء قدير وأن الساعة ءاتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من فى القبور } ( الحج : 6 ، 7 ) وقال في سورة قد أفلح المؤمنون بعد ذكر مراتب الخلقة : { ثم إنكم بعد ذالك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون } ( المؤمنون : 15 ، 16 ) وقال في سورة لا أقسم : { ألم يك نطفة من منى يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى } ( القيامة : 37 ، 38 ) وقال في سورة الطارق : { فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق يخرج } إلى قوله : { إنه على رجعه لقادر } ( الطارق : 5 8 ) .
وثانيها : قوله : { أفرءيتم ما تحرثون تزرعونه أم } إلى قوله : { بل نحن محرومون } ( الواقعة : 67 ) وجه الاستدلال به أن الحب وأقسامه / من مطول مشقوق وغير مشقوق ، كالأرز والشعير ، ومدور ومثلث ومربع ، وغير ذلك على اختلاف أشكاله إذا وقع في الأرض الندية واستولى عليه الماء والتراب ، فالنظر العقلي يقتضي أن يتعفن ويفسد ، لأن أحدهما يكفي في حصول العفونة ، ففيهما جميعا أولى ، ثم إنه لا يفسد بل يبقى محفوظا ، ثم إذا ازدادت الرطوبة تنفلق الحبة فلقتين فيخرج منها ورقتان ، وأما المطول فيظهر في رأسه ثقب وتظهر الورقة الطويلة كما في الزرع ، وأما النوى فما فيه من الصلابة العظيمة التي بسببها يعجز عن فلقه أكثر الناس إذا وقع في الأرض الندية ينفلق بإذن الله ، ونواة التمر تنفلق من نقرة على ظهرها ويصير مجموع النواة من نصفين يخرج من أحد النصفين الجزء الصاعد ، ومن الثاني الجزء الهابط ، أما الصاعد فيصعد ، وأما الهابط فيغوص في أعماق الأرض ، والحاصل أنه يخرج من النواة الصغيرة شجرتان : إحداهما : خفيف صاعد ، والأخرى ثقيل هابط مع اتحاد العنصر واتحاد طبع النواة والماء والهواء والتربة أفلا يدل ذلك على قدرة كاملة وحكمة شاملة فهذا القادر كيف يعجز عن جمع الأجزاء وتركيب الأعضاء . ونظيره قوله تعالى في الحج : { وترى الارض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت } ( الحج : 5 ) وثالثها : قوله تعالى : { أفرءيتم الماء الذى تشربون أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون لو } ( الواقعة : 68 ، 69 ) وتقديره أن الماء جسم ثقيل بالطبع ، وإصعاد الثقيل أمر على خلاف الطبع ، فلا بد من قادر قاهر يقهر الطبع ويبطل الخاصية ويصعد ما من شأنه الهبوط والنزول . وثانيها : أن تلك الذرات المائية اجتمعت بعد تفرقها . وثالثها : تسييرها بالرياح ورابعها : إنزالها في مظان الحاجة والأرض الجرز ، وكل ذلك يدل على جواز الحشر . أما صعود الثقيل فلأنه قلب الطبيعة ، فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يظهر الحياة والرطوبة من حساوة التراب والماء ؟ والثاني : لما قدر على جمع تلك الذرات المائية بعد تفرقها فلم لا يجوز جمع الأجزاء الترابية بعد تفرقها ؟ والثالث : تسيير الرياح فإذا قدر على تحريك الرياح التي تضم بعض تلك الأجزاء المتجانسة إلى بعض فلم لا يجوز ههنا ؟ والرابع : أنه تعالى أنشأ السحاب لحاجة الناس إليه فههنا الحاجة إلى إنشاء المكلفين مرة أخرى ليصلوا إلى ما استحقوه من الثواب والعقاب أولى واعلم أن الله تعالى عبر عن هذه الدلالة في موضع آخر من كتابه فقال في الأعراف لما ذكر دلالة التوحيد : { إن ربكم الله الذى } إلى قوله : { قريب من المحسنين } ( الأعراف : 56 ) ثم ذكر دليل الحشر فقال : { وهو الذى يرسل الرياح } إلى قوله : { كذالك نخرج الموتى لعلكم تذكرون } ( الأعراف : 57 ) ورابعها : قوله : { أفرءيتم النار التى تورون أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون نحن } وجه الاستدلال أن النار صاعدة والشجرة هابطة ، وأيضا النار لطيفة ، والشجرة كثيفة . وأيضا النار نورانية والشجرة ظلمانية ، والنار حارة يابسة والشجرة باردة رطبة ، فإذا أمسك الله تعالى في داخل تلك الشجرة الأجزاء النورانية النارية فقد جمع بقدرته بين هذه الأشياء المتنافرة ، فإذا لم يعجز عن ذلك فكيف يعجز عن تركيب الحيوانات وتأليفها ؟ والله تعالى ذكر هذه الدلالة في سورة يس فقال : { الذى جعل لكم من الشجر الاخضر نارا } ( يس : 58 ) .
/ واعلم أنه تعالى ذكر في هذه السورة أمر الماء والنار وذكر في النمل أمر الهواء بقوله : { أمن يهديكم فى ظلمات البر والبحر } إلى قوله : { من الله الخلق ثم يعيده } ( النمل : 64 ) وذكر الأرض في الحج في قوله : { وترى الارض هامدة } ( الحج : 5 ) فكأنه سبحانه وتعالى بين أن العناصر الأربعة على جميع أحوالها شاهدة بإمكان الحشر والنشر . النوع الثاني : من الدلائل الدالة على إمكان الحشر : هو أنه تعالى يقول : لما كنت قادرا على الإيجاد أولا فلأن أكون قادرا على الإعادة أولى . وهذه الدلالة تقريرها في العقل ظاهر ، وأنه تعالى ذكرها في مواضع من كتابه ، منها في البقرة : { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون } ( البقرة : 28 ) ومنها قوله في سبحان الذي : { وقالوا أءذا كنا عظاما ورفاتا أءنا لمبعوثون خلقا جديدا قل كونوا حجارة } ( الإسراء : 49 ، 50 ) إلى قوله : { قل الذى فطركم أول مرة } ومنها في العنكبوت : { أو لم يروا كيف يبدىء الله الخلق ثم يعيده } ( العنكبوت : 19 ) ومنها قوله في الروم : { وهو الذى يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الاعلى } ( الروم : 27 ) ومنها في يس : { قل يحييها الذى أنشأها أول مرة } ( يس : 79 ) ، النوع الثالث : الاستدلال باقتداره على السموات على اقتداره على الحشر . وذلك في آيات منها في سورة سبحان : { أو لم يروا أن الله الذى خلق السماوات والارض قادر على أن يخلق مثلهم } ( الأسراء : 99 ) وقال في يس : { أو ليس الذى خلق السماوات والارض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم } ( يس : 81 ) وقال في الأحقاف : { أو لم يروا أن الله الذى خلق السماوات والارض ولم يعى بخلقهن بقادر على أن يحى الموتى بلى إنه على كل شىء قدير } ( الأحقاف : 33 ) ومنها في سورة ق: { أءذا متنا وكنا ترابا } إلى قوله : { رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذالك الخروج } ( ق: 11 ) ثم قال : { أفعيينا بالخلق الاول بل هم فى لبس من خلق جديد } ( ق: 15 ) النوع الرابع : الاستدلال على وقوع الحشر بأنه لا بد من إثابة المحسن وتعذيب العاصي وتمييز أحدهما من الآخر بآيات ، منها في يونس { إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزى الذين ءامنوا وعملوا الصالحات بالقسط } ( يونس : 4 ) ومنها في طاه : { إن الساعة ءاتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى } ( طه : 15 ) ومنها في ص: { وما خلقنا السماء والارض وما بينهما باطلا ذالك ظن الذين كفروا فويل الذين كفروا من النار أم نجعل الذين ءامنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين فى الارض أم نجعل المتقين كالفجار } ( ص: 27 ، 28 ) النوع الخامس : الاستدلال بإحياء الموتى في الدنيا على صحة الحشر والنشر فمنها خلقه آدم عليه الصلاة والسلام ابتداء ومنها قصة البقرة وهي قوله : { فقلنا اضربوه ببعضها كذالك يحى الله الموتى } ( البقرة : 73 ) ومنها قصة إبراهيم عليه السلام { رب أرنى كيف تحى الموتى } ( البقرة : 26 ) ومنها قوله : { أو كالذى مر على قرية وهى خاوية على عروشها } ( البقرة : 259 ) ومنها قصة يحيى وعيسى عليهما السلام فإنه تعالى استدل على إمكانهما بعين ما استدل به على جواز الحشر حيث قال : { وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا } ( مريم : 9 ) ومنها في قصة أصحاب الكهف ولذلك قال : { ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها } ( الكهف : 21 ) ومنها قصة أيوب عليه السلام وهي قوله : { فاستجبنا له } يدل على / أنه تعالى أحياهم بعد أن ماتوا ومنها ما أظهر الله تعالى على يد عيسى عليه السلام من إحياء الموتى حيث قال : { ويحى الموتى } ( الحج : 6 ) وقال : { وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذنى فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذنى } ( المائدة : 110 ) ومنها قوله : { أو لا يذكر إلإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا } ( مريم : 67 ) فهذا هو الإشارة إلى أصول الدلائل التي ذكرها الله تعالى في كتابه على صحة القول بالحشر ، وسيأتي الاستقصاء في تفسير كل آية من هذه الآيات عند الوصول إليها إن شاء الله تعالى ، ثم إنه تعالى نص في القرآن على أن منكر الحشر والنشر كافر ، والدليل عليه قوله : { ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هاذه أبدا وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربى لاجدن خيرا منها منقلبا قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذى خلقك من تراب } ووجه إلزام الكفر أن دخول هذا الشيء في الوجود ممكن الوجود في نفسه ، إذ لو كان ممتنع الوجود لما وجد في المرة الأولى فحيث وجد في المرة الأولى علمنا أنه ممكن الوجود في ذاته ، فلو لم يصح ذلك من الله تعالى لدل ذلك إما على عجزه حيث لم يقدر على إيجاد ما هو جائز الوجود في نفسه ، أو على جهله حيث تعذر عليه تمييز أجزاء بدن كل واحد من المكلفين عن أجزاء بدن المكلف الآخر ، ومع القول بالعجز والجهل لا يصح إثبات النبوة فكان ذلك موجبا للكفر قطعا والله أعلم .
المسألة الثانية : هذه الآيات صريحة في كون الجنة والنار مخلوقتين ، أما النار فلأنه تعالى قال في صفتها : { أعدت للكافرين } فهذا صريحة في أنها مخلوقة وأما الجنة فلأنه تعالى قال في آية أخرى : { أعدت للمتقين } ولأنه تعالى قال ههنا : { وبشر الذين ءامنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجرى من تحتها الانهار } وهذا إخبار عن وقوع هذا الملك وحصوله وحصول الملك في الحال يقتضي حصول المملوك في الحال فدل على أن الجنة والنار مخلوقتان . المسألة الثالثة : اعلم أن مجامع اللذات إما المسكن أو المطعم أو المنكح فوصف الله تعالى المسكن بقوله : { جنات تجرى من تحتها الانهار } والمطعم بقوله : { كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هاذا الذى رزقنا من قبل } والمنكح بقوله : { ولهم فيها أزواج مطهرة } ثم إن هذه الأشياء إذا حصلت وقارنها خوف الزوال كان التنعم منغصا فبين تعالى أن هذا الخوف زائل عنهم فقال : { وهم فيها خالدون } فصارت الآية دالة على كمال التنعم والسرر . ولنتكلم الآن في ألفاظ الآية . أما قوله تعالى : { وبشر الذين ءامنوا } ففيه سؤالات : الأول : علام عطف هذا الأمر ؟ والجواب من وجوه : أحدها : أنه ليس الذي اعتمد بالعطف هو الأمر حتى يطلب له مشاكل من أمر أو نهي يعطف عليه . إنما المعتمد بالعطف هو جملة وصف ثواب المؤمنين فهي معطوفة على جملة وصف عقاب الكافرين كما تقول : زيد يعاقب بالقيد والضرب ، وبشر عمرا بالعفو والإطلاق . وثانيها : أنه معطوف على قوله : { فاتقوا } كما تقول يا بني تميم احذروا عقوبة ما جنيتم / وبشر يا فلان بني أسد بإحساني إليهم . وثالثها : قرأ زيد بن علي { وبشر } على لفظ المبني للمفعول عطفا على أعدت . السؤال الثاني : من المأمور بقوله وبشر ؟ والجواب يجوز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يكون كل أحد كما قال عليه الصلاة والسلام : ( بشر المشائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة ) لم يأمر بذلك واحد بعينه ، وإنما كل أحد مأمور به ، وهذا الوجه أحسن وأجزل ، لأنه يؤذن بأن هذا الأمر لعظمته وفخامته حقيق بأن يبشر به كل من قدر على البشارة به . السؤال الثالث : ما البشارة ؟ الجواب : أنها الخبر الذي يظهر السرور ، ولهذا قال الفقهاء إذا قال لعبيده : أيكم بشرني بقدوم فلان فهو حر فبشروه فرادى عتق أولهم ، لأنه هو الذي أفاد خبره السرور ولو قال مكان بشرني أخبرني عتقوا جميعا لأنهم جميعا أخبروه ، ومنه البشرة لظاهر الجلد ، وتباشير الصبح ما ظهر من أوائل ضوئه ، وأما { فبشرهم بعذاب أليم } فمن الكلام الذي يقصد به الاستهزاء الزائد في غيظ المستهزأ به كما يقول الرجل لعدوه أبشر بقتل ذريتك ونهب مالك . أما قوله : { الذين ءامنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجرى من تحتها الانهار } ففيه مسائل : المسألة الأولى : هذه الآية تدل على أن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان لأنه لما ذكر الإيمان ثم عطف عليه العمل الصالح وجب التغاير وإلا لزم التكرار وهو خلاف الأصل .
المسألة الثانية : من الناس من أجرى هذه الآية على ظاهرها فقال : كل من أتى بالإيمان والأعمال الصالحة فله الجنة . فإذا قيل له ما قولك فيمن أتى بالإيمان والأعمال الصالحة ثم كفر قال إن هذا ممتنع لأن فعل الإيمان والطاعة ، يوجب استحقاق الثواب الدائم ، وفعل الكفر استحقاق العقاب الدائم ، والجمع بينهما محال ، والقول أيضا بالتحابط محال فلم يبق إلا أن يقال هذا الفرض الذي فرضتموه ممتنع ، وإنما قلنا إن القول بالتحابط محال لوجوه : أحدها : أن الاستحقاقين إما أن يتضادا أو لا يتضادا فإن تضادا كان طريان الطارىء مشروطا بزوال الباقي ، فلو كان زوال الباقي معللا بطريان الطارىء لزم الدور وهو محال . وثانيها : أن المنافاة حاصلة من الجانبين فليس زوال الباقي لطريان الطارىء أولى من اندفاع الطارىء بقيام الباقي ، فإما أن يوجدا معا وهو محال أو يتدافعا فحينئذ يبطل القول بالمحابطة ، وثالثها : أن الاستحقاقين إما أن يتساويا أو كان المقدم أكثر أو أقل ، فإن تعادلا مثل أن يقال كان قد حصل استحقاق عشرة أجزاء من الثواب فطرأ استحقاق عشرة أجزاء من العقاب فنقول : استحقاق كل واحد من أجزاء العقاب مستقل بإزالة كل واحد من أجزاء استحقاق الثواب . وإذا كان كذلك لم يكن تأثير هذا الجزء في إزالة هذا الجزء أولى من تأثيره في إزالة ذلك الجزء ومن تأثير جزء آخر في إزالته فأما أن يكون كل واحد من هذه الأجزاء الطارئة مؤثرا في إزالة كل واحد من الأجزاء المتقدمة فيلزم أن يكون لكل واحد من العلل معلولات كثيرة ولكل واحد من المعلولات علل كثيرة / مستقلة ، وكل ذلك محال ، وإما أن يختص كل واحد من الأجزاء الطارئة بواحد من الباقي من غير مخصص فذلك محال لامتناع ترجح أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح ، وأما إن كان المقدم أكثر فالطارىء لا يزيل إلا بعض أجزاء الباقي ، فلم يكن بعض أجزاء الباقي أن يزول به أولى من سائر الأجزاء فأما أن يزول الكل وهو محال ، لأن الزائل لا يزول إلا بالناقص . أو يتعين البعض للزوال من غير مخصص ، وهو محال ، أو لا يزول شيء منها وهو المطلوب ، وأيضا فهذا الطارىء إذا أزال بعض أجزاء الباقي فإما أن يبقى الطارىء ، أو يزول . أما القول ببقاء الطارىء فلم يقل به أحد من العقلاء . وأما القول بزواله فباطل ، لأنه إما أن يكون تأثير كل واحد منهما في إزالة الآخر معا أو على الترتيب ، والأول باطل لأن المزيل لا بد وأن يكون موجودا حال الإزالة ، فلو وجد الزوالان معا لوجد المزيلان معا ، فيلزم أن يوجدا حال ما عدما وهو محال وإن كان على الترتيب فالمغلوب يستحيل أن ينقلب غالبا ، وأما إن كان المتقدم أقل فأما أن يكون المؤثر في زواله بعض أجزاء الطارىء ، وذلك محال لأن جميع أجزائه صالح للإزالة ، واختصاص البعض بذلك ترجيح من غير مرجح وهو محال ، وإما أن يصير الكل مؤثرا في الإزالة فيلزم أن يجتمع على المعلول الواحد علل مستقلة وذلك محال ، فقد ثبت بهذه الوجوه العقلية فساد القول بالإحباط ، وعند هذا تعين في الجواب قولان : الأول : قول من اعتبر الموافاة ، وهو أن شرط حصول الإيمان أن لا يموت على الكفر فلو مات على الكفر علمنا أن ما أتى به أولا كان كفرا وهذا قول ظاهر السقوط ، الثاني : أن العبد لا يستحق على الطاعة ثوابا ولا على المعصية عقابا استحقاقا عقليا واجبا ، وهو قول أهل السنة واختيارنا ، وبه يحصل الخلاص من هذه الظلمات .
المسألة الثالثة : احتج المعتزلة على أن الطاعة توجب الثواب فإن في حال ما بشرهم بأن لهم جنات لم يحصل ذلك لهم على طريق الوقوع ، ولما لم يمكن حمل الآية عليه وجب حملها على استحقاق الوقوع لأنه يجوز التعبير بالوقوع عن استحقاق الوقوع مجازا .
المسألة الرابعة : الجنة : البستان من النخل والشجر المتكاتف المظلل بالتفاف أغصانه والتركيب دائر على معنى الستر وكأنها لتكاثفها وتظليلها سميت بالجنة التي هي المرة من مصدر جنه إذا ستره كأنها سترة واحدة لفرط التفافها وسميت دار الثواب جنة لما فيها من الجنان ، فإن قيل لم نكرت الجنات وعرفت الأنهار ؟ الجواب : أما الأول فلأن الجنة اسم لدار الثواب كلها وهي مشتملة على جنات كثيرة مرتبة مراتب على حسب استحقاقات العاملين لكل طبقة منهم جنات من تلك الجنات ، وأما تعريف الأنهار فالمراد به الجنس كما يقال لفلان بستان فيه الماء الجاري والتين والعنب يشير إلى الأجناس التي في علم المخاطب ، أو يشار باللام إلى الأنهار المذكورة في قوله : { فيها أنهار من ماء غير ءاسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه } ( محمد : 15 ) وأما قوله : { كلما رزقوا } فهذا لا يخلو إما أن يكون صفة ثانية لجنات . أو خبر مبتدأ محذوف ، أو جملة مستأنفة لأنه لما / قيل : إن لهم جنات لم يخل قلب السامع أن يقع فيه أن ثمار تلك الجنات أشباه ثمار الدنيا أم لا ؟ وههنا سؤالات : السؤال الأول : ما وقع من ثمرة ؟ الجواب فيه وجهان : الأول : هو كقولك كلما أكلت من بستانك من الرمان شيئا حمدتك فموقع من ثمرة موقع قولك من الرمان فمن الأولى والثانية كلتاهما لابتداء الغاية ، لأن الرزق قد ابتدأ من الجنات والرزق من الجنات قد ابتدأ من ثمرة وليس المراد بالثمرة التفاحة الواحدة أو الرمانة الفردة على هذا التفسير ، وإنما المراد النوع من أنواع الثمار . الثاني : وهو أن يكون من ثمرة بيانا على منهاج قولك رأيت منك أسدا تريد أنت أسد ، وعلى هذا يصح أن يراد بالثمرة النوع من الثمرة أو الحبة الواحدة . السؤال الثاني : كيف يصح أن يقولوا هذا الذي رزقنا الآن هو الذي رزقنا من قبل ، الجواب : لما اتحد في الماهية وإن تغاير بالعدد صح أن يقال هذا هو ذاك أي بحسب الماهية فإن الوحدة النوعية لا تنافيها الكثرة بالشخص ولذلك إذا اشتدت مشابهة الابن بالأب قالوا إنه الأب . السؤال الثالث : الآية تدل على أنهم شبهوا رزقهم الذي يأتيهم في الجنة برزق آخر جاءهم قبل ذلك ، فالمشبه به أهو من أرزاق الدنيا ، أم من أرزاق الجنة ؟ والجواب فيه وجهان : الأول : أنه من أرزاق الدنيا ، ويدل عليه وجهان : الأول : أن الإنسان بالمألوف آنس وإلى المعهود أميل ، فإذا رأى ما لم يألفه نفر عنه طبعه ثم إذا ظفر بشيء من جنس ما سلف له به عهد ثم وجده أشرف مما ألفه أولا عظم ابتهاجه وفرحه به ، فأهل الجنة إذ أبصروا الرمانة في الدنيا ثم أبصروها في الآخرة ووجدوا رمانة الجنة أطيب وأشرف من رمانة الدنيا كان فرحهم بها أشد من فرحهم بشيء مما شاهدوه في الدنيا ، والدليل الثاني : أن قوله : { كلما رزقوا منها } يتناول جميع المرات فيتناول المرة الأولى فلهم في المرة الأولى من أرزاق الجنة شيء لا بد وأن يقولوا هذا الذي رزقنا من قبل ، ولا يكون قبل المرة الأولى شيء من أرزاق الجنة حتى يشبه ذلك به فوجب حمله على أرزاق الدنيا ، القول الثاني : أن المشبه به رزق الجنة أيضا والمراد تشابه أرزاقهم ثم اختلفوا فيما حصلت المشابهة فيه على وجهين : الأول : المراد تساوي ثوابهم في كل الأوقات في القدر والدرجة حتى لا يزيد ولا ينقص .
الثاني : المراد تشابهها في المنظر فيكون الثاني كأنه الأول على ما روي عن الحسن ثم هؤلاء مختلفون فمنهم من يقول الاشتباه كما يقع في المنظر يقع في المطعم ، فإن الرجل إذا التذ بشيء وأعجب به لا تتعلق به نفسه إلا بمثله ، فإذا جاء ما يشبه الأول من كل الوجوه كان ذلك نهاية اللذة ومنهم من يقول إنه وإن حصل الاشتباه في اللون لكنها تكون مختلفة في الطعم ، قال الحسن يؤتى أحدهم بالصحفة فيأكل منها ثم يؤتى بالأخرى فيقول هذا الذي أتينا به من قبل ، فيقول الملك كل فاللون واحد والطعم مختلف ، وفي الآية قول ثالث على لسان أهل المعرفة ، وهو أن كمال السعادة ليس إلا في معرفة ذات الله تعالى : ومعرفة صفاته ومعرفة أفعاله من الملائكة الكروبية والملائكة الروحانية وطبقات لأرواح وعالم السموات وبالجملة يجب أن يصير روح الإنسان / كالمرآة المحاذية لعالم القدس ثم إن هذه المعارف تحصل في الدنيا ولا يحصل بها كمال الالتذاذ والابتهاج ، لما أن العلائق البدنية تعوق عن ظهور تلك السعادات واللذات ، فإذا زال هذا العائق حصلت السعادة العظيمة والغبطة الكبرى ، فالحاصل أن كل سعادة روحانية يجدها الإنسان بعد الموت فإنه يقول هذه هي التي كانت حاصلة لي حين كنت في الدنيا وذلك إشارة إلى أن الكمالات النفسانية الحاصلة في الآخرة هي التي كانت حاصلة في الدنيا إلا أنها في الدنيا ما أفادت اللذة والبهجة والسرورة وفي الآخرة أفادت هذه الأشياء لزوال العائق . أما قوله : { وأتوا به متشابها } ففيه سؤالان : السؤال الأول : إلام يرجح الضمير في قوله : { وأتوا به } ؟ الجواب : إن قلنا المشبه به هو رزق الدنيا فإلى الشيء المرزوق في الدنيا والآخرة يعني أتوا بذلك النوع متشابها يشبه الحاصل منه في الآخرة ما كان حاصلا منه في الدنيا ، وإن قلنا المشبه به هو رزق الجنة أيضا ، فإلى الشيء المرزوق في الجنة ، يعني أتوا بذلك النوع في الجنة بحيث يشبه بعضه بعضا . السؤال الثاني : كيف موقع قوله : { وأتوا به متشابها } من نظم الكلام ؟ والجاب : أن الله تعالى لما حكى عن أهل الجنة ادعاء تشابه الأرزاق في قوله : { قالوا هاذا الذى رزقنا من قبل } فالله تعالى صدقهم في تلك الدعوة بقوله : { وأتوا به متشابها } أما قوله : { ولهم فيها أزواج مطهرة } فالمراد طهارة أبدانهن من الحيض والاستحاضة وجميع الأقذار وطهارة أزواجهن من جميع الخصال الذميمة ، ولا سيما ما يختص بالنساء ، وإنما حملنا اللفظ على الكل لاشتراك القسمين في قدر مشترك ، قال أهل الإشارة . وهذا يدل على أنه لا بد من التنبه لمسائل . أحدها : أن المرأة إذا حاضت فالله تعالى منعك عن مباشرتها قال الله تعالى : { قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض } ( البقرة : 222 ) فإذا منعك عن مقاربتها لما عليها من النجاسة التي هي معذورة فيها فإذا كانت الأزواج اللواتي في الجنة مطهرات فلأن يمنعك عنهن حال كونك ملوثا بنجاسات المعاصي مع أنك غير معذور فيها كان أولى . وثانيها : أن من قضى شهوته من الحلال فإنه يمنع الدخول في المسجد الذي يدخل فيه كل بر وفاجر ، فمن قضى شهوته من الحرام كيف يمكن من دخول الجنة التي لا يسكنها إلا المطهرون ولذلك فإن آدم لما أتى بالزلة أخرج منها . وثالثها : من كان على ثوبه ذرة من النجاسة لا تصح صلاته عند الشافعي رضي الله عنه ، فمن كان على قلبه من نجاسات المعاصي أعظم من الدنيا كيف تقبل صلاته وههنا سؤالان : الأول : هلا جاءت الصفة مجموعة كالموصوف ؟ الجواب : هما لغتان فصيحتان يقال النساء فعلن والنساء فعلت . ومنه بيت الحماسة :
فوإذا العذارى بالدخان تقنعت واستعملت نصب القدور فملت والمعنى وجماعة أزواج مطهرة ، وقرأ زيد بن علي : مطهرات وقرأ عبيد بن عمير : مطهرة يعني متطهرة . السؤال الثاني : هلا قيل طاهرة ؟ الجواب : في المطهرة إشعار بأن مطهرا طهرهن وليس ذلك إلا الله تعالى ، وذلك يفيد فخامة أمر أهل الثواب كأنه قيل إن الله تعالى هو الذي زينهن / لأهل الثواب . أما قوله : { وهم فيها خالدون } فقالت المعتزلة الخلد ههنا هو الثبات اللازم والبقاء الدائم الذي لا ينقطع واحتجوا عليه بالآية والشعر ، أما الآية فقوله : { وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإين مت فهم الخالدون } ( الأنبياء : 34 ) فنفي الخلد عن البشر مع أنه تعالى أعطى بعضهم العمر الطويل ، والمنفي غير المثبت ، فالخلد هو البقاء الدائم وأما الشعر فقول امرىء القيس : فوهل يعمن إلا سعيد مخلد قليل هموم ما يبيت بأوجال وقال أصحابنا : الخلد هو الثبات الطويل سواء دام أو لم يدم واحتجوا فيه بالآية والعرف أما الآية فقوله تعالى : { خالدين فيها أبدا } ولو كان التأبيد داخلا في مفهوم الخلد لكان ذلك تكرارا وأما العرف فيقال حبس فلان فلانا حبسا مخلدا ولأنه يكتب في صكوك الأوقاف وقف فلان وقفا مخلدا فهذا هو الكلام في أن هذا اللفظ هل يدل على دوام الثواب أم لا ؟ وقال آخرون العقل يدل على دوامه لأنه لو لم يجب دوامه لجوزوا انقطاعه فكان خوف الانقطاع ينغص عليهم تلك النعمة لأن النعمة كلما كانت أعظم كان خوف انقطاعها أعظم وقعا في القلب وذلك يقتضي أن لا ينفك أهل الثواب البتة من الغم والحسرة والله تعالى أعلم . ! 7 < { إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين ءامنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذآ أراد الله بهاذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الا رض أولئك هم الخاسرون } . > 7 < البقرة : ( 26 - 27 ) إن الله لا . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين بالدليل كون القرآن معجزا أورد ههنا شبهة أوردها الكفار قدحا في ذلك وأجاب عنها وتقرير الشبهة أنه جاء في القرآن ذكر النحل والذباب والعنكبوت والنمل وهذه الأشياء لا يليق ذكرها بكلام الفصحاء فاشتمال القرآن عليها يقدح في فصاحته فضلا عن / كونه معجزا ، فأجاب الله تعالى عنه بأن صغر هذه الأشياء لا يقدح في الفصاحة إذا كان ذكرها مشتملا على حكم بالغة ، فهذا هو الإشارة إلى كيفية تعلق هذه الآية بما قبلها ثم في هذه الآية مسائل :
المسألة الأولى : عن ابن عباس أنه لما نزل : { المصير يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له } ( الحج : 73 ) فطعن في أصنامهم ثم شبه عبادتها ببيت العنكبوت قالت اليهود أي قدر للذباب والعنكبوت حتى يضرب الله المثل بهما فنزلت هذه الآية . والقول الثاني : أن المنافقين طعنوا في ضرب الأمثال بالنار والظلمات والرعد والبرق في قوله : { مثلهم كمثل الذى استوقد نارا } والقول الثالث : أن هذا الطعن كان من المشركين قال القفال : الكل محتمل ههنا ، أما اليهود فلأنه قيل في آخر الآية : { وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه } وهذا صفة اليهود ، لأن الخطاب بالوفاء وبالعهد فيما بعد إنما هو لبني إسرائيل وأما الكفار والمنافقون فقد ذكروا في سورة المدثر { وليقول الذين فى قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهاذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدى من يشاء } الآية فأما الذين في قلوبهم مرض هم المنافقون ، والذين كفروا يحتمل المشركين لأن السورة مكية فقد جمع الفريقان ههنا . إذا ثبت هذا فنقول . احتمال الكل ههنا قائم لأن الكافرين والمنافقين واليهود كانوا متوافقين في إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد مضى من أول السورة إلى هذا الموضع ذكر اليهود ، وذكر المنافقين ، وذكر المشركين . وكلهم من الذين كفروا ثم قال القفال : وقد يجوز أن ينزل ذلك ابتداء من غير سبب لأن معناه في نفسه مفيد . المسألة الثانية : اعلم أن الحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به ويذم واشتقاقه من الحياة يقال حيي الرجل كما يقول نسي وخشي وشظي الفرس إذا اعتلت هذه الأعضاء . جعل الحيي لما يعتريه الانكسار والتغير منكسر القوة منغص الحياة ، كما قالوا فلان هلك حياء من كذا ، ومات حياء ، ورأيت الهلاك في وجهه من شدة الحياء ، وذاب حياء ، وإذا ثبت هذا استحال الحياء على الله تعالى لأنه تغير يلحق البدن ، وذلك لا يعقل إلا في حق الجسم ، ولكنه وارد في الأحاديث . روى سلمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إن الله تعالى حيي كريم يستحيي إذا رفع العبد إليه يديه أن يردهما صفرا حتى يضع فيهما خيرا ) وإذا كان كذلك وجب تأويله وفيه وجهان : الأول : وهو القانون في أمثال هذه الأشياء ؛ أن كل صفة ثبتت للعبد مما يختص بالأجسام فإذا وصف الله تعالى بذلك فذلك محمول على نهايات الأعراض لا على بدايات الأعراض مثاله أن الحياء حالة تحصل للإنسان لكن لها مبدأ ومنتهى / أما المبدأ فهو التغير الجسماني الذي يلحق الإنسان من خوف أن ينسب إلى القبيح ، وأما النهاية فهو أن يترك الإنسان ذلك الفعل ، فإذا ورد الحياء في حق الله تعالى فليس المراد منه ذلك الخوف الذي هو مبدأ الحياء ومقدمته ، بل ترك الفعل الذي هو منتهاه وغايته ، وكذلك الغضب له ، علامة ومقدمة وهي غليان دم القلب ، وشهوة الانتقام وله غاية وهو إنزال العقاب بالمغضوب عليه ، فإذا وصفنا الله تعالى / بالغضب فليس المراد ذلك المبدأ أعني شهوة الانتقام وغليان دم القلب ، بل المراد تلك النهاية وهو أنزل العقاب ، فهذا هو القانون الكلي في هذا الباب . الثاني : يجوز أن تقع هذه العبارة في كلام الكفرة فقالوا أما يستحي رب محمد أن يضرب مثلا بالذباب والعنكبوت ، فجاء هذا الكلام على سبيل إطباق الجواب على السؤال ، وهذا فن بديع من الكلام ، ثم قال القاضي ما لا يجوز على الله من هذا الجنس إثباتا فيجب أن لا يطلق على طريق النفي أيضا عليه ، وإنما يقال إنه لا يوصف به فأما أن يقال لا يستحي ويطلق عليه ذلك فمحال ، لأنه يوهم نفي ما يجوز عليه وما ذكره الله تعالى من كتابه في قوله : { لا تأخذه سنة ولا نوم } وقوله : { لم يلد ولم يولد } فهو بصورة النفي وليس بنفي على الحقيقة وكذلك قوله : { ما اتخذ الله من ولد } وكذلك قولك : { وهو يطعم ولا يطعم } وليس كل ما ورد في القرآن إطلاقه جائزا أن يطلق في المخاطبة فلا يجوز أن يطلق ذلك إلا مع بيان أن ذلك محال ، ولقائل أن يقول : لا شك في أن هذه الصفات منفية عن الله سبحانه فكان الإخبار عن انتفائها صدقا فوجب أن يجوز . بقي أن يقال إن الإخبار عن انتفائها يدل على صحتها عليه فنقول : هذه الدلالة ممنوعة وذلك لأن تخصيص هذا النفي بالذكر لا يدل على ثبوت غيره بل لو قرن باللفظ ما يدل على انتفاء الصحة أيضا كان ذلك أحسن من حيث أنه يكون مبالغة في البيان وليس إذا كان غيره أحسن أن يكون ذلك قبيحا .
المسألة الثالثة : اعلم أن ضرب الأمثال من الأمور المستحسنة في العقول ويدل عليه وجوه : أحدها : إطباق العرب والعجم على ذلك أما العرب فذلك مشهور عندهم وقد تمثلوا بأحقر الأشياء ، فقالوا في التمثيل بالذرة : أجمع من ذرة ، وأضبط من ذرة ، وأخفى من الذرة وفي التمثيل بالذباب : أجرأ من الذباب ، وأخطأ من الذباب ، وأطيش من الذباب ، وأشبه من الذباب بالذباب ، وألح من الذباب . وفي التمثيل بالقراد ، أسمع من قراد ، وأصغر من قراد . وأعلق من قراد . وأغم من قراد ، وأدب من قراد ، وقالوا في الجراد : أطير من جرادة ، وأحطم من جرادة ، وأفسد من جرادة . وأصفى من لعاب الجراد ، وفي الفراشة : أضعف من فراشة ، وأطيش من فراشة ، وأجهل من فراشة ، وفي البعوضة . أضعف من بعوضة ، وأعز من مخ البعوضة ، وكلفني مخ البعوضة ، في مثل تكليف ما لا يطاق : وأما العجم فيدل عليه ( كتاب كليلة ودمنة ) وأمثاله ، وفي بعضها : قالت البعوضة ، وقد وقعت على نخلة عالية وأرادت أن تطير عنها ؛ يا هذه استمسكي فإني أريد أن أطير ، فقالت النخلة : والله ما شعرت بوقوعك فكيف أشعر بطيرانك ، وثانيها : أنه ضرب الأمثال في إنجيل عيسى عليه السلام بالأشياء المستحقرة ، قال : مثل ملكوت السماء كمثل رجل زرع في قريته حنطة جيدة نقية ، فلما نام الناس جاء عدوه فزرع الزوان بين الحنطة ، فلما نبت الزرع وأثمر العشب غلب عليه الزوان ، فقال عبيد الزراع ؛ يا سيدنا أليس حنطة جيدة نقية زرعت في قريتك ؟ قال : بلى ، قالوا : فمن أين هذا الزوان ؟ قال : لعلكم إن ذهبتم أن تقلعوا الزوان فتقلعوا معه الحنطة فدعوهما يتربيان / جميعا حتى الحصاد فأمر الحصادين أن يلتقطوا الزوان من الحنطة وأن يربطوه حزما ثم يحرقوه بالنار ويجمعوا الحنطة إلى الخزائن . وأفسر لكم ذلك الرجل الذي زرع الحنطة الجيدة هو أبو البشر ، والقرية هي العالم ، والحنطة الجيدة النقية هو نحن أبناء الملكوت الذي يعملون بطاعة الله تعالى ، والعدو الذي زرع الزوان هو إبليس ، والزوان هو المعاصي التي يزرعها إبليس وأصحابه ، والحصادون هم الملائكة يتركون الناس حتى تدنوا آجالهم فيحصدون أهل الخير إلى ملكوت الله ، وأهل الشر إلى الهاوية وكما أن الزوان يلتقط ويحرق بالنار كذلك رسل الله وملائكته يلتقطون من ملكوته المتكاسلين ، وجميع عمال الأثم فيلقونهم في أتون الهاوية فيكون هنا لك البكاء ، وصريف الأسنان ، ويكون الأبرار هنالك في ملكوت ربهم ، من كانت له أذن تسمع فليسمع ، وأضرب لكم مثلا آخر يشبه ملكوت السماء : لو أن رجلا أخذ حبة من خردل وهي أصغر الحبوب وزرعها في قريته ، فلما نبتت عظمت حتى صارت كأعظم شجرة من البقول وجاء طير من السماء فعشش في فروعها فكذلك الهدى من دعا إليه ضاعف الله أجره وعظمه ورفع ذكره ، ونجى من اقتدى به ، وقال : لا تكونوا كمنخل يخرج منه الدقيق الطيب ويمسك النخالة ، وكذلك أنتم تخرج الحكمة من أفواهكم وتبقون الغل في صدوركم ، وقال : قلوبكم كالحصاة التي لا تنضجها النار ولا يلينها الماء ولا تنسفها الرياح ، وقال لا تدخروا ذخائركم حيث السوس والأرضة فتفسدها ، ولا في البرية حيث السموم واللصوص فتحرقها السموم وتسرقها اللصوص ولكن ادخروا ذخائركم عند الله وقال : نحفر فنجد دواب عليها لباسها وهناك رزقها وهن لا يزرعن ولا يحصدن ومنهن من هو في جوف الحجر الأصم أو في جوف العود ، من يأتيهن بلباسهن وأرزاقهن إلا الله ؟
أفلا تعقلون ، وقال : لا تثيروا الزنابير فتلدغكم ولا تخاطبوا السفهاء فيشتموكم ، فظهر أن الله تعالى ضرب الأمثال بهذه الأشياء الحقيرة وأما العقل فلأن من طبع الخيال المحاكاة والتشبه فإذا ذكر المعنى وحده أدركه العقل ولكن مع منازعة الخيال ، وإذا ذكر معه الشبه أدركه العقل مع معاونة الخيال ، ولا شك أن الثاني يكون أكمل وأيضا فنحن نرى أن الإنسان يذكر معنى ولا يلوح له كما ينبغي فإذا ذكر المثال اتضح وصار مبينا مكشوفا ، وإن كان التمثيل يفيد زيادة البيان والوضوح ، وجب ذكره في الكتاب الذي لا يراد منه إلا الإيضاح والبيان ، أما قولهم : ضرب الأمثال بهذه الأشياء الحقيرة لا يليق بالله تعالى ، قلنا هذا جهل ، لأنه تعالى هو الذي خلق الصغير والكبير وحكمه في كل ما خلق وبرأ عام لأنه قد أحكم جميعه ، وليس الصغير أخف عليه من الكبير والعظيم أصعب من الصغير ، وإذا كان الكل بمنزلة واحدة لم يكن الكبير أولى أن يضربه مثلا لعباده من الصغير بل المعتبر فيه ما يليق بالقصة ، فإذا كان الأليق بها الذباب والعنكبوت يضرب المثل بهما لا بالفيل والجمل ، فإذا أراد تعالى أن يقبح عبادتهم الأصنام وعدولهم عن عبادة الرحمن صلح أن يضرب المثل / بالذباب ، ليبين أن قدر مضرتها لا يندفع بهذه الأصنام ، ويضرب المثل لبيت العنكبوت ليبين أن عبادتها أوهن وأضعف من ذلك وفي مثل ذلك كل ما كان المضروب به المثل أضعف كان المثل أقوى وأوضح .
المسألة الرابعة : قال الأصم : ( ما ) في قوله مثلا ماصلة زائدة كقوله : { فبما رحمة من الله } وقال أبو مسلم معاذ الله أن يكون في القرآن زيادة ولغو والأصح قول أبي مسلم لأن الله تعالى وصف القرآن بكونه هدى وبيانا وكونه لغوا ينافي ذلك ، وفي بعوضة قراءتان : إحداهما : النصب وفي لفظة ما على هذه القراءة وجهان : الأول : أنها مبنية وهي التي إذا قرنت باسم نكرة أبهمته إبهاما وزادته شيوعا وبعدا عن الخصوصية . بيانه أن الرجل إذا قال لصاحبه أعطني كتابا أنظر فيه فأعطاه بعض الكتب صح له أن يقول أردت كتابا آخر ولم أرد هذا ولو قاله مع ما لم يصح له ذلك لأن تقدير الكلام أعطني كتابا أي كتاب كان . الثاني : أنها نكرة قام تفسيرها باسم الجنس مقام الصفة ، أما على قراءة الرفع ففيها وجهان : الأول : أنها موصولة صلتها الجملة لأن التقدير هو بعوضة فحذف المبتدأ كما حذف في ( تماما على الذي أحسن ) . الثاني : أن تكون استفهامية فإنه لما قال : { إن لله لا يستحى أن يضرب مثلا } كأنه قال بعده ما بعوضة فما فوقها حتى يضرب المثل به ، بل له أن يمثل بما هو أقل من ذلك كثيرا كما يقال فلان لا يبالي بما وهب ، ما دينار وديناران ، أي يهب ما هو أكثر من ذلك بكثير . المسألة الخامسة : قال صاحب ( الكشاف ) : ضرب المثل اعتماده وتكوينه من ضرب اللبن وضرب الخاتم . المسألة السادسة : انتصب بعوضة بأنه عطف بيان لمثلا أو مفعول ليضرب ومثلا حال من النكرة مقدم عليه أو ثاني مفعولين ليضرب مضمنا معنى يجعل ، وهذا إذا كانت ما صلة أو إبهامية ، فإن كانت مفسرة ببعوضة فهي تابعة لما هي تفسير له ، والمفسر والمفسر معا لمجموعهما عطف بيان أو مفعول ، ومثلا حال مقدمة ، وأما رفعها فبكونها خبر مبتدأ ، أما إذا كانت ما موصولة أو موصوفة أو استفهامية فأمرها ظاهر ، فإذا كانت إبهامية فهي على الجواب كأن فائلا قال ما هو فقيل بعوضة . المسألة السابعة : قال صاحب ( الكشاف ) : اشتقاق البعوض من البعض وهو القطع كالبضع والعضب يقال بعضه البعوض ومنه بعض الشيء لأنه قطعة منه والبعوض في أصله صفة على فعول كالقطوع فغلبت اسميته ، وعن بعضهم اشتقاقه من بعض الشيء سمي به لقلة جرمه وصغره ولأن بعض الشيء قليل بالقياس إلى كله ، والوجه القوي هو الأول ، قال وهو من عجائب خلق الله تعالى فإنه صغير جدا وخرطومه في غاية الصغر ثم إنه مع ذلك مجوف ثم ذلك الخرطوم مع فرط صغره وكونه جوفا يغوص في جلد الفيل والجاموس على ثخانته كما يضرب الرجل إصبعه في الخبيص ، / وذلك لما ركب الله في رأس خرطومه من السم .
المسألة الثامنة : في قوله : { فما فوقها } وجهان : أحدهما : أن يكون المراد فما هو أعظم منها في الجثة كالذباب والعنكبوت والحمار والكلب ، فإن القوم أنكروا تمثيل الله تعالى بكل هذه الأشياء . والثاني : أراد بما فوقها في الصغر أي بما هو أصغر منها والمحققون مالوا إلى هذا القول لوجوه : أحدها : أن المقصد من هذا التمثيل تحقير الأوثان ، وكلما كان المشبه به أشد حقارة كان المقصود في هذا الباب أكمل حصولا . وثانيها : أن الغرض ههنا بيان أن الله تعالى لا يمتنع من التمثيل بالشيء الحقير ، وفي مثل هذا الموضع يجب أن يكون المذكور ثانيا أشد حقارة من الأول يقال إن فلانا يتحمل الذل في اكتساب الدينار ، وفي اكتساب ما فوقه ، يعني في القلة لأن تحمل الذل في اكتساب أقل من الدينار أشد من تحمله في اكتساب الدينار . وثالثها : أن الشيء كلما كان أصغر كان الاطلاع على أسراره أصعب ، فإذا كان في نهاية الصغر لم يحط به إلا علم الله تعالى ، فكان التمثيل به أقوى في الدلالة على كمال الحكمة من التمثيل بالشيء الكبير ، واحتج الأولون بوجهين : الأول : بأن لفظ ( فوق ) يدل على العلو ، فإذا قيل هذا فوق ذاك ، فإنما معناه أنه أكبر منه ويروى أن رجلا مدح عليا رضي الله عنه والرجل متهم فيه ، فقال علي : أنا دون ما تقول وفوق ما في نفسك ، أراد بهذا أعلى مما في نفسك . الثاني : كيف يضرب المثل بما دون البعوضة وهي النهاية في الصغر ؟ والجواب عن الأول : أن كل شيء كان ثبوت صفة فيه أقوى من ثبوتها في شيء آخر كان ذلك الأقوى فوق الأضعف في تلك الصفة يقال إن فلانا فوق فلان في اللؤم والدناءة . أي هو أكثر لؤما ودناءة منه ، وكذا إذا قيل هذا فوق ذلك في الصغر وجب أن يكون أكثر صغرا منه ، والجواب عن الثاني أن جناح البعوضة أقل منها وقد ضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلا للدنيا . المسألة التاسعة : ( أما ) حرف فيه معنى الشرط ، ولذلك يجاب بالفاء وهذا يفيد التأكيد تقول زيد ذاهب فإذا قصدت توكيد ذلك وأنه لا محالة ذاهب قلت أما زيد فذاهب ، إذا ثبت هذا فنقول : إيراد الجملتين مصدرتين به أحماد عظيم لأمر المؤمنين وا عتداد بعلمهم أنه الحق وذم عظيم للكافرين على ما قالوه وذكروه . المسألة العاشرة : ( الحق ) الثابت الذي لا يسوغ إنكاره يقال حق الأمر إذا ثبت ووجب وحقت كلمة ربك ، وثوب محقق محكم النسج . المسألة الحادية عشرة : ( ماذا ) فيه وجهان أن يكون ذا اسما موصولا بمعنى الذي فيكون كلمتين وأن يكون ذا مركبة مع ما مجعولين اسما واحدا فيكون كلمة واحدة فهو على الوجهين : الأول : مرفوع المحل على الابتداء وخبره ذا مع صلته ، وعلى الثاني : منصوب المحل في حكم ما وحده كما لو قلت ما أراد الله .
/ المسألة الثانية عشرة : الإرادة ماهية يجدها العاقل من نفسه ويدرك التفرقة ا لبديهية بينها وبين علمه وقدرته وألمه ولذته . وإذا كان الأمر كذلك لم يكن تصور ماهيتها محتاجا إلى التعريف ، وقال المتكلمون إنها صفة تقتضي رجحان أحد طرفي الجائز على الآخر لا في الوقوع بل في الإيقاع ، واحترزنا بهذا القيد الأخير عن القدرة ، واختلفوا في كونه تعالى مريدا مع اتفاق المسلمين على إطلاق هذا اللفظ على الله تعالى فقال النجارية إنه معنى سلبي ومعناه أنه غير مغلوب ولا مستكره ، ومنهم من قال إنه أمر ثبوتي وهؤلاء اختلفوا فقال الجاحظ والكعبي وأبو الحسن البصري : معناه علمه تعالى باشتماله الفعل على المصلحة أو المفسدة ، ويسمون هذا العلم بالداعي أو الصارف ، وقال أصحابنا وأبو علي وأبو هاشم وأتباعهما إنه صفة زائدة على العلم ثم القسمة في تلك الصفة إما أن تكون ذاتية وهو القول الثاني للنجارية ، وإما أن تكون معنوية ، وذلك المعنى إما أن يكون قديما وهو قول الأشعرية أو محدثا وذلك المحدث إما أن يكون قائما بالله تعالى ، وهو قول الكرامية ، أو قائما بجسم آخر وهذا القول لم يقل به أحد ، أو يكون موجودا لا في محل ، وهو قول أبي علي وأبي هاشم وأتباعهما . المسألة الثالثة عشرة : الضمير في ( أنه الحق ) للمثل أو لأن يضرب ، وفي قولهم ماذا أراد الله بهذا استحقار كما قالت عائشة رضي الله عنها في عبد الله بن عمرو بن العاص : يا عجبا لابن عمرو هذا . المسألة الرابعة عشرة : ( مثلا ) نصب على التمييز كقولك لمن أجاب بجواب غث ماذا أردت بهذا جوابا ؟ ولمن حمل سلاحا رديئا كيف تنتفع بهذا سلاحا ؟ أو على الحال كقوله : { هاذه ناقة الله لكم ءاية } . المسألة الخامسة عشرة : اعلم أن الله سبحانه وتعالى لما حكي عنهم كفرهم واستحقارهم كلام الله بقوله : { ماذا أراد الله بهاذا مثلا } أجاب عنه بقوله : { يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا } ونريد أن نتكلم ههنا في الهداية والإضلال ليكون هذا الموضع كالأصل الذي يرجع إليه في كل ما يجيء في هذا المعنى من الآيات فنتكلم أولا في الإضلال فنقول : إن الهمزة تارة تجيء لنقل الفعل من غير المتعدي إلى التعدي كقولك خرج فإنه غير متعد ، فإذا قلت أخرج فقد جعلته معتديا وقد تجيء لنقل الفعل من المتعدي إلى غير المتعدي كقولك كببته فأكب ، وقد تجيء لمجرد الوجدان . حكي عن عمرو بن معد يكرب أنه قال لبني سليم : قاتلناكم فما أجبناكم ، وهاجيناكم فما أفحمناكم ، وسألناكم فما أبخلناكم . أي فما وجدناكم جبناء ولا مفحمين ولا بخلاء . ويقال أتيت أرض فلان فأعمرتها أي وجدتها عامرة قال المخبل : فتمنى حصين أن يسود خزاعة فأمسى حصين قد أذل وأقهرا
أي وجد ذليلا مقهورا / ولقائل أن يقول لم لا يجوز أن يقال الهمزة لا تفيد إلا نقل الفعل / من غير المتعدي إلى المتعدي فأما قوله : كببته فأكب ، فلعل المراد كببته فأكب نفسه على وجهه فيكون قد ذكر الفعل مع حذف المفعولين وهذا ليس بعزيز . وأما قوله . قاتلناكم فما أجبناكم ، فالمراد ما أثر قتالنا في صيرورتكم جبناء . وما أثر هجاؤنا لكم في صيرورتكم مفحمين ، وكذا القول في البواقي ، وهذا القول الذي قلناه أولى دفعا للاشتراك . إذا ثبت هذا فنقول قولنا : أضله الله لا يمكن حمله إلا على وجهين : أحدهما : أنه صيره ضالا ، والثاني : أنه وحده ضالا أما التقدير الأول وهو أنه صيره ضالا فليس في اللفظ دلالة على أنه تعالى صيره ضالا عما ذا وفيه وجهان : أحدهما : أنه صيره ضالا عن الدين . والثاني : أنه صيره ضالا عن الجنة ، أما الأول وهو أنه تعالى صيره ضالا عن الدين فاعلم أن معنى الإضلال عن الدين في اللغة هو الدعاء إلى ترك الدين وتقبيحه في عينه وهذا هو الإضلال الذي أضافه الله تعالى إلى إبليس فقال : { إنه عدو مضل مبين } ( القصص : 15 ) وقال : { ولاضلنهم ولامنينهم } ( النساء : 119 ) و { قال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا } ( فصلت : 29 ) وقال : { فزين لهم الشيطن أعمالهم فصدهم عن السبيل } ( النمل : 24 العنبكوت : 38 ) ) ، وقال الشيطان إلى قوله : { وما كان لى عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لى } ( إبراهيم : 22 ) وأيضا أضاف الله تعالى هذا الإضلال إلى فرعون فقال : { وأضل فرعون قومه وما هدى } واعلم أن الأمة مجمعة على أن الإضلال بهذا المعنى لا يجوز على الله تعالى لأنه تعالى ما دعا إلى الكفر وما رغب فيه بل نهى عنه وزجر وتوعد بالعقاب عليه ، وإذا كان المعنى الأصلي للإضلال في اللغة ليس إلا هذا وهذا المعنى منفي بالإجماع ثبت انعقاد الإجماع على أنه لا يجوز إجراء هذا اللفظ على ظاهره . وعند هذا افتقر أهل الجبر والقدر إلى التأويل أما أهل الجبر فقد حملوه على أنه تعالى خلق الضلال والكفر فيهم وصدهم عن الإيمان وحال بينهم وبينه ، وربما قالوا هذا هو حقيقة اللفظ في أصل اللغة ، لأن الإضلال عبارة عن جعل الشيء ضالا كما أن الإخراج والإدخال عبارة عن جعل الشيء خارجا وداخلا ، وقالت المعتزلة هذا التأويل غير جائز لا بحسب الأوضاع اللغوية ولا بحسب الدلائل العقلية ، أما الأوضاع اللغوية فبيانه من وجوه : أحدها : أنه لا يصح من طريق اللغة أن يقال لمن منع غيره من سلوك الطريق كرها وجبرا أنه أضله بل يقال منعه منه وصرفه عنه وإنما يقولون إنه أضله عن الطريق إذا لبس عليه وأورد من الشبهة ما يلبس عليه الطريق فلا يهتدي له ، وثانيها : أنه تعالى وصف إبليس وفرعون بكونهما مضللين ، مع أن فرعون وإبليس ما كان خالقين للضلال في قلوب المستجيبين لهما بالاتفاق ، وأما عند الجبرية فلأن العبد لا يقدر على الإيجاد ، وأما عند القدرية فلأن العبد لا يقدر على هذا النوع من الإيجاد ، فلما حصل اسم المضل حقيقة مع نفي الخالقية بالاتفاق ، علمنا أن اسم المضل غير موضوع في اللغة لخالق الضلال : وثالثها : أن الإضلال في مقابلة الهداية فكما صح أن يقال هديته فما اهتدى وجب صحة أن يقال أضللته فما ضل ، وإذا كان كذلك استحال حمل الإضلال على خلق الضلال ، وأما بحسب الدلائل العقلية / فمن وجوه : أحدها : أنه تعالى لو خلق الضلال في العبد ثم كلفه بالإيمان لكان قد كلفه بالجمع بين الضدين وهو سفه وظلم ، وقال تعالى : { وما ربك بظلام للعبيد } ( فصلت : 46 ) وقال : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } ( البقرة : 286 ) وقال : { وما جعل عليكم فى الدين من حرج } ( االحج : 78 ) وثانيها : لو كان تعالى خالقا للجهل وملبسا على المكلفين لما كان مبينا لما كلف العبد به ، وقد أجمعت الأمة على كونه تعالى مبينا ، وثالثها : أنه تعالى لو خلق فيهم الضلال وصدهم عن الإيمان لم يكن لإنزال الكتب عليهم وبعثة الرسل إليهم فائدة لأن الشيء الذي لا يكون ممكن الحصول كان السعي في تحصيله عبثا وسفها .
ورابعها : أنه على مضادة كبيرة من الآيات نحو قوله : { فما لهم لا يؤمنون } ( الانشقاق : 20 ) { فما لهم عن التذكرة معرضين } ( المدثر : 49 ) ، { وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا } ( الإسراء : 94 ) فبين أنه لا مانع لهم من الإيمان البتة . وإنما امتنعوا لأجل إنكارهم بعثة الرسل من البشر وقال : { وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم } ( الكهف : 55 ) وقال : { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم } ( لبقرة : 28 ) وقال : { إنى تصرفون } وقال : { إنى تؤفكون } فلو كان الله تعالى قد أضلهم عن الدين وصرفهم عن الإيمان لكانت هذه الآيات باطلة . وخامسها : أنه تعالى ذم إبليس وحزبه ومن سلك سبيله في إضلال الناس عن الدين وصرفهم عن الحق وأمر عباده ورسوله بالاستعاذة منهم بقوله تعالى : { قل أعوذ برب الناس } إلى قوله : { من شر الوسواس } و { قل أعوذ برب الفلق } ، { وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين } ( المؤمنين : 97 ) ، { فإذا قرأت القرءان فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم } ( النحل : 98 ) فلو كان الله تعالى يضل عباده عن الدين كما تضل الشياطين لاستحق من المذمة مثل ما استحقوه ولوجب الاستعاذة منه كما وجب منهم ، ولوجب أن يتخذوه عدوا من حيث أضل أكثر خلقه كما وجب اتخاذ إبليس عدوا لأجل ذلك ، قالوا بل خصيصية الله تعالى في ذلك أكثر إذ تضليل إبليس سواء وجوده وعدمه فيما يرجع إلى حصول الضلال بخلاف تضليل الله فإنه هو المؤثر في الضلال فيلزم من هذا تنزيه إبليس عن جميع القبائح وإحالتها كلها على الله تعالى فيكون الذم منقطعا بالكلية عن إبليس وعائدا إلى الله سبحانه وتعالى عن قول الظالمين . وسادسها : أنه تعالى أضاف الإضلال عن الدين إلى غيره وذمهم لأجل ذلك ، فقال : { وأضل فرعون قومه وما هدى } ( طه : 79 ) ، { وأضلهم السامرى } ( طه : 85 ) ، { وإن تطع أكثر من فى الارض يضلوك عن سبيل الله } ( الأنعام : 116 ) ، { إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب } ( ص: 26 ) وقوله تعالى حاكيا عن إبليس : { ولاضلنهم ولامنينهم ولامرنهم } ( النساء : 119 ) فهؤلاء إما أن يكونوا قد أضلوا غيرهم عن الدين في الحقيقة أو يكون الله هو الذي أضلهم أو حصل الإضلال بالله وبهم على سبيل الشركة فإن كان الله تعالى قد أضلهم عن الدين دون هؤلاء فهو سبحانه وتعالى قد تقول عليهم إذ قد رماهم بدأبه وعابهم بما فيه وذمهم بما لم يفعلوه ، والله متعال عن ذلك وإن كان الله تعالى مشاركا لهم في ذلك فكيف يجوز أن يذمهم على فعل هو شريك فيه ومساو لهم فيه وإذا فسد الوجهان صح أن لا يضاف خلق الضلال إلى الله / تعالى . وسابعها : أنه تعالى ذكر أكثر الآيات التي فيها ذكر الضلال منسوبا إلى العصاة على ما قال : { وما يضل به إلا الفاسقين } ( البقرة : 26 ) . { ويضل الله الظالمين } ( إبراهيم : 27 ) ، { إن الله لا يهدى القوم الكافرين } ( المائدة : 67 ) ، { كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب } ( غافر : 34 ) ، { كذلك يضل الله من هو مسرف كذاب } ( غافر : 28 ) فلو كان المراد بالضلال المضاف إليه تعالى هو ما هم فيه كان كذلك إثباتا للثابت وهذا محال .
وثامنها : أنه تعالى نفى إلهية الأشياء التي كانوا يعبدونها من حيث أنهم لا يهدون إلى الحق قال : { أفمن يهدى إلى الحق أحق أن يتبع أمن من لا يهدى إلا أن يهدى } ( يونس : 35 ) فنفي ربوبية تلك الأشياء من حيث أنها لا تهدي وأوجب ربوبية نفسه من حيث أنه سبحانه وتعالى يهدي فلو كان سبحانه وتعالى يضل عن الحق لكان قد ساواهم في الضلال وفيما لأجله نهى عن اتباعهم ، بل كان قد أربى عليهم ، لأن الأوثان كما أنها لا تهدي فهي لا تضل ، وهو سبحانه وتعالى مع أنه إله يهدي فهو يضل . وتاسعها : أنه تعالى يذكر هذا الضلال جزاء لهم على سوء صنيعهم وعقوبة عليه ، فلو كان المراد ما هم عليه من الضلال كان ذلك عقوبة وتهديدا بأمرهم له ملابسون ، وعليه مقبولون ، وبه ملتذون ومغتبطون ، ولو جاز ذلك لجازت العقوبة بالزنا على الزنا وبشرب الخمر على شرب الخمر ، وهذا لا يجوز . وعاشرها : أن قوله تعالى : { وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه } ( البقرة : 26 ، 27 ) صريح في أنه تعالى إنما يفعل به هذا الإضلال بعد أن صار هو من الفاسقين الناقضين لعهد الله باختيار نفسه ، فدل ذلك على أن هذا الإضلال الذي يحصل بعد صيرورته فاسقا وناقضا للعهد مغاير لفسقه ونقضه ، وحادي عاشرها : أنه تعالى فسر الإضلال المنسوب إليه في كتابه ، إما بكونه ابتلاء وامتحانا ، أو بكونه عقوبة ونكالا ، فقال في الابتلاء : { وما جعلنا أصحاب النار إلا ملئكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا } أي امتحانا إلى أن قال : { كذلك يضل الله من يشاء ويهدى من يشاء } ( المدثر : 31 ) فبين أن إضلاله للعبد يكون على هذا الوجه من إنزاله آية متشابهة أو فعلا متشابها لا يعرف حقيقة الغرض فيه ؛ والضال به هو الذي لا يقف على المقصود ولا يتفكر في وجه الحكمة فيه بل يتمسك بالشبهات في تقرير المجمل الباطل كما قال تعالى : { فأما الذين فى قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله } ( آل عمران : 7 ) وأما العقوبة والنكال فكقوله : { إذ الاغلال فى أعناقهم والسلاسل يسحبون } ( غافر : 71 ) إلى أن قال : { كذلك يضل الله الكافرين } فبين أن إضلاله لا يعدوا أحد هذين الوجهين وإذا كان الإضلال مفسرا بأحد هذين الوجهين وجب أن لا يكون مفسرا بغيرهما دفعا للاشتراك ، فثبت أنه لا يجوز حمل الإضلال على خلق الكفر والضلال وإذا ثبت ذلك فنقول بينا أن الإضلال في أصل اللغة الدعاء إلى الباطل والترغيب فيه والسعي في إخفاء مقابحه وذلك لا يجوز على الله تعالى فوجب المصير إلى التأويل ، والتأويل الذي ذهبت الجبرية إليه قد أبطلناه فوجب المصير إلى وجوه أخر من التأويلات .
أحدها : أن الرجل إذا ضل باختياره عند حصول شيء من غير أن يكون ذلك الشيء أثر في إضلاله فيقال لذلك الشيء إنه أضله قال تعالى في / حق الأصنام { رب إنهن أضللن كثيرا من الناس } ( إبراهيم : 36 ) أي ضلوا بهن ، وقال : { ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيرا } ( نوح : 23 ، 24 ) أي ضل كثير من الناس بهم وقال : { وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا } ( المائدة : 64 ) وقال : { فلم يزدهم دعائى إلا فرارا } ( نوح : 6 ) أي لم يزدادوا بدعائي لهم إلا فرارا وقال : { فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكرى } ( المؤمنون : 110 ) وهم لم ينسوهم في الحقيقة بل كانوا يذكرونهم الله ويدعوهنم إليه ولكن لما كان اشتغالهم بالسخرية منهم سببا لنسيانهم أضيف الإنساء إليهم وقال في براءة : { وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هاذه إيمانا فأما الذين ءامنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما } ( التوبة : 124 ، 125 ) فأخبر سبحانه أن نزول السورة المشتملة على الشرائع يعرف أحوالهم فمنهم من يصلح عليها فيزداد بها إيمانا ، ومنهم من يفسد عليها فيزداد بها كفرا ، فإذن أضيفت الزيادة في الإيمان والزيادة في الكفر إلى السورة ، إذ كانوا إنما صلحوا عند نزولها وفسدوا كذلك أيضا ، فكذا أضيف الهدى والإضلال إلى الله تعالى إذا كان إحداثهما عند ضربه تعالى الأمثال لهم وقال في سورة المدثر : { وما جعلنا أصحاب النار إلا ملئكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين } ( لمدثر : 31 ) فأخبر تعالى أن ذكره لعدة خزنة النار امتحان منه لعباده ليتميز المخلص من المرتاب فآلت العاقبة إلى أن صلح عليها المؤمنون وفسد الكافرون وأضاف زيادة الإيمان وضدها إلى الممتحنين فقال ليزداد وليقول ثم قال بعد قوله : { ماذا أراد الله بهاذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدى من يشاء } ( المدثر : 31 ) فأضاف إلى نفسه إضلالهم وهداهم بعد أن أضاف إليهم الأمرين معا ، فبين تعالى أن الإضلال مفسر بهذا الامتحان ويقال في العرف أيضا . أمرضني الحب أي مرضت به : ويقال قد أفسدت فلانة فلانا وهي لم تعلم به ، وقال الشاعر :
Sorular
- Tevhid nedir; Müslümanların Allah'ın birliğine imanı?
- İslam'da imanın altı şartı nedir?
- Müslümanlar peygamberler hakkında neye inanır?
- İslam helal ve haram yiyecekler hakkında ne öğretir?
- Fâtiha Sûresi'nin anlamı nedir?
- Kur'an sabır hakkında ne öğretir?
- Kur'an hayatın amacı hakkında ne der?
- İhlas nedir ve neden önemlidir?