Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
والوجه الثالث : أن القوم وإن كانوا مقرين بألسنتهم بإثبات إله العالم إلا أنهم ما كانوا عالمين بكمال قدرته . ولذلك فإنهم استبعدوا كونه تعالى قادرا على الحشر والنشر فكان المراد ذلك . وأيضا فإنه تعالى قال لمحمد صلى الله عليه وسلم : { قل لو كان معه ءالهة كما تقولون إذا لابتغوا إلى ذى العرش سبيلا } فهم ما كانوا عالمين بهذا الدليل فلما ذكر هذا الدليل قال : { تسبح له السماوات السبع والارض ومن فيهن } فتسبيح السموات والأرض ومن فيهن يشهد بصحة هذا الدليل وقوته وأنتم لا تفقهون هذا الدليل ولا تعرفونه ، بل نقول : إن القوم كانوا غافلين عن أكثر دلائل التوحيد والعدل ، والنبوة والمعاد ، فكان المراد من قوله : { ولاكن لا تفقهون تسبيحهم } ذلك ومما يدل على أن الأمر كما ذكرناه قوله : { إنه كان حليما غفورا } فذكر الحليم والغفور ههنا يدل على أن كونهم بحيث لا يفقهون ذلك التسبيح جرم عظيم صدر عنهم وهذا إنما يكون جرما إذا كان المراد من ذلك التسبيح كونها دالة على كمال قدرة الله تعالى وحكمته ، ثم إنهم لغفلتهم وجهلهم ما عرفوا وجه دلالة تلك الدلائل . أما لو حملنا هذا التسبيح على أن هذه الجمادات تسبح الله بأقوالها وألفاظها لم يكن عدم الفقه لتلك التسبيحات جرما ولا ذنبا ، وإذا لم يكن ذلك جرما ولا ذنبا لم يكن قوله : { إنه كان حليما غفورا } لائقا بهذا الموضع ، فهذا وجه قوي في نصرة القول الذي اخترناه . واعلم أن القائلين بأن هذه الجمادات والحيوانات تسبح الله بألفاظها أضافوا إلى كل حيوان نوعا آخر من التسبيح . وقالوا : إنها إذا ذبحت لم تسبح مع أنهم يقولون إن الجمادات تسبح الله ، فإذا كان كونه جمادا لا يمنع من كونه مسبحا ، فكيف صار ذبح الحيوان مانعا له من التسبيح ، وقالوا أيضا : إن غصن الشجرة إذا كسر لم يسبح ، وإذا كان كونه جمادا لم يمنع من كونه مسبحا فكسره كيف يمنع من ذلك ، فعلم أن هذه الكلمات ضعيفة والله أعلم . المسألة الثانية : قوله : { تسبح له السماوات السبع والارض ومن فيهن } تصريح بإضافة التسبيح / إلى السموات والأرض وإلى المكلفين الحاصلين فيهن وقد دللنا على أن التسبيح المضاف إلى الجمادات ليس إلا بمعنى الدلالة على تنزيه الله تعالى وإطلاق لفظ التسبيح على هذا المعنى مجاز ، وأما التسبيح الصادر عن المكلفين وهو قولهم : سبحان الله ، فهذا حقيقة ، فيلزم أن يكون قوله : { تسبح } لفظا واحدا قد استعمل في الحقيقة والمجاز معا ، وأنه باطل على ما ثبت دليله في أصول الفقه ، فالأولى أن يحمل هذا التسبيح على الوجه المجازي في حق الجمادات لا في حق العقلاء لئلا يلزم ذلك المحذور والله أعلم . ! 7 < { وإذا قرأت القرءان جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالا خرة حجابا مستورا وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفىءاذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك فى القرءان وحده ولوا على أدبارهم نفورا نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا انظر كيف ضربوا لك الا مثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا } > 7 < الإسراء : ( 45 - 48 ) وإذا قرأت القرآن . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما تكلم في الآية المتقدمة في المسائل الإلهية تكلم في هذه الآية فيما يتعلق بتقرير النبوة . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في قوله : { وإذا قرأت القرءان } قولان :
القول الأول : أن هذه الآية نزلت في قوم كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن على الناس . روي أنه عليه الصلاة والسلام كان كلما قرأ القرآن قام عن يمينه رجلان / ، وعن يساره آخران من ولد قصي يصفقون ويصفرون ويخلطون عليه بالأشعار ، وعن أسماء أنه صلى الله عليه وسلم كان جالسا ومعه أبو بكر إذ أقبلت امرأة أبي لهب ومعها فهر تريد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تقول : مذمما أتينا ودينه قلينا وأمره عصينا فقال أبو بكر : يا رسول الله معها فهر أخشاها عليك ، فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية فجاءت فما رأت رسول الله عليه الصلاة والسلام وقالت : إن قريشا قد علمت أني ابنة سيدها وأن صاحبك هجاني فقال أبو بكر : لا ورب هذا البيت ما هجاك . وروى ابن عباس : أن أبا سفيان والنضر بن الحرث وأبا جهل وغيرهم كانوا يجالسون النبي صلى الله عليه وسلم ويستمعون إلى حديثه ، فقال النضر يوما : ما أدري ما يقول محمد غير أني أرى شفتيه تتحرك بشيء . وقال أبو سفيان : أني لأرى بعض ما يقوله حقا ، وقال أبو جهل : هو مجنون . وقال أبو لهب هو كاهن . وقال حويطب بن عبد العزى هو شاعر ، فنزلت هذه الآية ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد تلاوة القرآن قرأ قبلها ثلاثة آيات وهي قوله في سورة الكهف : { ومن أظلم ممن ذكر بئايات ربه فأعرض عنها ونسى ما } ( الكهف : 57 ) وفي النحل : { أولئك الذين طبع الله على قلوبهم } ( النحل : 108 ) وفي حم الجاثية : { أفرأيت من اتخذ إلاهه هواه } ( الجاثية : 23 ) إلى آخر الآية فكان الله تعالى يحجبه ببركات هذه الآيات عن عيون المشركين ، وهو المراد من قوله تعالى : { جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالاخرة حجابا مستورا } وفيه سؤال : وهو أنه كان يجب أن يقال حجابا ساترا . والجواب عنه من وجوه : الوجه الأول : أن ذلك الحجاب حجاب يخلقه الله تعالى في عيونهم بحيث يمنعهم ذلك الحجاب عن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم وذلك الحجاب شيء لا يراه فكان مستورا من هذا الوجه ، احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة قولهم في أنه يجوز أن تكون الحاسة سليمة ويكون المرئي حاضرا مع أنه لا يراه ذلك الإنسان لأجل أن الله تعالى خلق في عينيه مانعا يمنعه عن رؤيته بهذه الآية قالوا : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان حاضرا وكانت حواس الكفار سليمة ، ثم إنهم ما كانوا يرونه ، وأخبر الله تعالى أن ذلك إنما كان لأجل أنه جعل بينه وبينهم حجابا مستورا / والحجاب المستور لا معنى له إلا المعنى الذي خلقه الله تعالى في عيونهم ، وكان ذلك المعنى مانعا لهم من أن يروه ويبصروه . والوجه الثاني : في الجواب أنه كما يجوز أن يقال لابن وتامر بمعنى ذو لبن وذو تمر فكذلك / لا يبعد أن يقال مستورا معناه ذو ستر والدليل عليه قوله مرطوب أي ذو رطوبة ولا يقال رطيبة ويقال مكان مهول أي فيه هول ولا يقال : هلت المكان بمعنى جعلت فيه الهول ، ويقال : جارية مغنوجة ذات غنج ولا يقال غنجتها . والوجه الثالث : في الجواب قال الأخفش : المستور ههنا بمعنى الساتر ، فإن الفاعل قد يجيء بلفظ المفعول كما يقال : إنك لمشؤم علينا وميمون وإنما هو شائم ويامن ، لأنه من قولهم شأمهم ويمنهم ، هذا قول الأخفش : وتابعه عليه قوم ، إلا أن كثيرا منهم طعن في هذا القول ، والحق هو الجواب الأول .
القول الثاني : أن معنى الحجاب الطبع الذي على قلوبهم والطبع والمنع الذي منعهم عن أن يدركوا لطائف القرآن ومحاسنه وفوائده ، فالمراد من الحجاب المستور ذلك الطبع الذي خلقه الله في قلوبهم . ثم قال تعالى : { وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفىءاذانهم وقرا } وهذه الآية مذكورة بعينها في سورة الأنعام وذكرنا استدلال أصحابنا بها وذكرنا سؤالات المعتزلة ولا بأس بإعادة بعضها قال الأصحاب : دلت هذه الآية على أنه تعالى جعل قلوبهم في الأكنة . والأكنة جمع كنان وهو ما ستر الشيء مثل كنان النبل وقوله : { أن يفقهوه } أي لئلا يفقهوه . وجعل في آذانهم وقرا . ومعلوم أنهم كانوا عقلاء سامعين فاهمين ، فعلمنا أن المراد منعهم عن الإيمان ومنعهم عن سماع القرآن بحيث لا يقفون على أسراره ولا يفهمون دقائقه وحقائقه . قالت المعتزلة : ليس المراد من الآية ما ذكرتم بل المراد منه وجوه أخرى . الأول : قال الجبائي : كانوا يطلبون موضعه في الليالي لينتهوا إليه ويؤذونه ، ويستدلون على مبيته باستماع قراءته فأمنه الله تعالى من شرهم ، وذكر له أنه جعل بينه وبينهم حجابا لا يمكنهم الوصول إليه معه ، وبين أنه جعل في قلوبهم ما يشغلهم عن فهم القرآن وفي آذانهم ما يمنع من سماع صوته ، ويجوز أن يكون ذلك مرضا شاغلا يمنعهم من المصير إليه والتفرغ له ، لا أنه حصل هناك كن للقلب ووقر في الأذن . الثاني : قال الكعبي : إن القوم لشدة امتناعهم عن قبول دلائل محمد صلى الله عليه وسلم صاروا كأنه حصل بينهم وبين تلك الدلائل حجاب مانع وساتر ، وإنما نسب الله تعالى ذلك الحجاب إلى نفسه لأنه لما خلاهم مع أنفسهم ، وما منعهم عن ذلك الأعراض صارت تلك التخلية كأنها هي السبب لوقوعهم في تلك الحالة ، وهذا مثل أن السيد إذا لم يراقب أحوال عبده فإذا ساءت سيرته فالسيد يقول : أنا الذي ألقيتك في هذه الحالة بسبب أني خليتك مع رأيك وما راقبت أحوالك . الثالث : قال القفال : إنه تعالى لما خذلهم بمعنى أنه لم يفعل / الألطاف الداعية لهم إلى الإيمان صح أن يقال : إنه فعل الحجاب السائر . واعلم أن هذه الوجوه مع كلمات أخرى ذكرناها في سورة الأنعام وأجبنا عنها ، فلا فائدة في الإعادة . ثم قال تعالى : { وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفىءاذانهم وقرا وإذا } واعلم أن المراد أن القوم كانوا عند استماع القرآن على حالتين ، لأنهم إذا سمعوا من القرآن ما ليس فيه ذكر الله تعالى بقوا مبهوتين متحيرين لا يفهمون منه شيئا ، وإذا سمعوا آية فيها ذكر الله تعالى وذم الشرك بالله ولوا نفورا وتركوا ذلك المجلس ، وذكر الزجاج في قوله : { ولوا على أدبارهم نفورا } وجهين : الأول : المصدر والمعنى ولوا نافرين نفورا ، والثاني : أن يكون نفورا جمع نافر مثل شهود وشاهد وركوع وراكع وسجود وساجد وقعود وقاعد .
ثم قال تعالى : { نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك } أي نحن أعلم بالوجه الذي يستمعون به وهو الهزؤ والتكذيب . و { به } في موضع الحال ، كما تقول : مستمعين بالهزؤ و { إذ يستمعون } نصب بأعلم أي أعلم وقت استماعهم بما به يستمعون { وإذا هم نجوى } أي وبما يتناجون به إذ هم ذو نجوى : { إذ يقول الظالمون } بدل من قوله : { وإذ هم نجوى إن تتبعون إلا رجلا مسحورا } وفيه مباحث : الأول : قال المفسرون : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا أن يتخذ طعاما ويدعو إليه أشراف قريش من المشركين ، ففعل علي عليه السلام ذلك ودخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأ عليهم القرآن ودعاهم إلى التوحيد وقال : قولوا لا إله إلا الله حتى تطيعكم العرب وتدين لكم العجم فأبوا عليه ذلك ، وكانوا عند استماعهم من النبي صلى الله عليه وسلم القرآن والدعوة إلى الله تعالى يقولون : بينهم متناجين هو ساحر وهو مسحور وما أشبه ذلك من القول ، فأخبر الله تعالى نبيه بأنهم يقولون : { إن تتبعون إلا رجلا مسحورا } . فإن قيل : إنهم لم يتبعوا رسول الله فكيف يصح أن يقولوا : { إن تتبعون إلا رجلا مسحورا } . قلنا : معناه أنكم إن اتبعتموه فقد اتبعتم رجلا مسحورا ، والمسحور الذي قد سحر فاختلط عليه عقله وزال عن حد الاستواء . هذا هو القول الصحيح ، وقال بعضهم : المسحور هو الذي أفسد . يقال : طعام مسحور إذا أفسد عمله وأرض مسحورة أصابها من المطر أكثر مما ينبغي فأفسدها . قال أبو عبيدة : يريد بشرا ذا سحر أي ذارئة . قال ابن قتيبة : ولا أدري ما الذي حمله على هذا التفسير المستكره مع أن السلف فسروه بالوجوه الواضحة ، وقال مجاهد : { مسحورا } أي مخدوعا لأن السحر حيلة وخديعة ، وذلك لأن المشركين كانوا يقولون : إن محمدا يتعلم من بعض الناس هذه الكلمات / وأولئك الناس يخدعونه بهذه الكلمات وهذه الحكايات ، فلذلك قالوا : إنه مسحور أي مخدوع ، وأيضا كانوا يقولون : إن الشيطان يتخيل له فيظن أنه ملك فقالوا : إنه مخدوع من قبل الشيطان . ثم قال : { انظر كيف ضربوا لك الامثال } أي كل أحد شبهك بشيء آخر ، فقالوا : إنه كاهن وساحر وشاعر ومعلم ومجنون ، فضلوا عن الحق والطريق المستقيم فلا يستطيعون سبيلا إلى الهدى والحق . ! 7 < { وقالوا أءذا كنا عظاما ورفاتا أءنا لمبعوثون خلقا جديدا قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر فى صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذى فطركم أول مرة فسينغضون إليك رؤوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا } > 7 < الإسراء : ( 49 - 52 ) وقالوا أئذا كنا . . . . . > >
اعلم أنه تعالى لما تكلم أولا في الإلهيات ثم أتبعه بذكر شبهاتهم في النبوات ، ذكر في هذه الآية شبهات القوم في إنكار المعاد والبعث والقيامة ، وقد ذكرنا كثيرا أن مدار القرآن على المسائل الأربعة وهي : الإلهيات والنبوات والمعاد والقضاء والقدر ، وأيضا أن القوم وصفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكونه مسحورا فاسد العقل ، فذكروا من جملة ما يدل على فساد عقله أنه يدعي أن الإنسان بعدما يصير عظاما ورفاتا فإنه يعود حيا عاقلا كما كان ، فذكروا هذا الكلام رواية عنه لتقرير كونه مختل العقل . قال الواحدي رحمه الله : الرفت كسر الشيء بيدك ، تقول : رفته أرفته بالكسر كما يرفت المدر والعظم البالي ، والرفات الأجزاء المتفتتة من كل شيء يكسر . يقال : رفت عظام الجزور رفتا إذا كسرها ، ويقال للتبن : الرفت لأنه دقاق الزرع . قال الأخفش : رفت رفتا ، / فهو مرفوت نحو حطم حطما فهو محطوم والرفات والحطام الاسم ، كالجذاد والرضاض والفتات ، فهذا ما يتعلق باللغة . أما تقرير شبهة القوم : فهي أن الإنسان إذا مات جفت أعضاؤه وتناثرت وتفرقت في حوالي العالم فاختلط بتلك الأجزاء سائر أجزاء العالم . أما الأجزاء المائية في البدن فتختلط بمياه العالم ، وأما الأجزاء الترابية فتختلط بتراب العالم ، وأما الأجزاء الهوائية فتختلط بهواء العالم ، وأما الأجزاء النارية فتختلط بنار العالم وإذا صار الأمر كذلك فكيف يعقل اجتماعها بأعيانها مرة أخرى . وكيف يعقل عود الحياة إليها بأعيانها مرة أخرى ، فهذا هو تقرير الشبهة . والجواب عنها : أن هذا الإشكال لا يتم إلا بالقدح في كمال علم الله وفي كمال قدرته . أما إذا سلما كونه تعالى عالما بجميع الجزئيات فحينئذ هذه الأجزاء وإن اختلطت بأجزاء العالم إلا أنها متمايزة في علم الله تعالى ولما سلمنا كونه تعالى قادرا على كل الممكنات كان قادرا على إعادة التأليف والتركيب والحياة والعقل إلى تلك الأجزاء بأعيانها ، فثبت أنا متى سلمنا كمال علم الله وكمال قدرته زالت هذه الشبهة بالكلية . أما قوله تعالى : { قل كونوا حجارة أو حديدا } فالمعنى أن القوم استبعدوا أن يردهم إلى حال الحياة بعد أن صاروا عظاما ورفاتا . وهي وإن كانت صفة منافية لقبول الحياة بحسب الظاهر لكن قدروا انتهاء هذه الأجسام بعد الموت إلى صفة أخرى أشد منافاة لقبول الحياة من كونها عظاما ورفاتا مثل أن تصير حجارة أو حديدا ، فإن المنافاة بين الحجرية والحديدية وبين قبول الحياة أشد من المنافاة بين العظمية وبين قبول الحياة ، وذلك أن العظم قد كان جزءا من بدن الحي . أما الحجارة والحديد فما كانا البتة موصوفين بالحياة ، فبتقدير أن تصير أبدان الناس موصوفة بصفة الحجرية والحديدية بعد الموت ، فإن الله تعالى يعيد الحياة إليها ويجعلها حيا عاقلا كما كان ، والدليل على صحة ذلك أن تلك الأجسام قابلة للحياة والعقل إذ لو لم يكن هذا القبول حاصلا لما حصل العقل والحياة لها في أول الأمر . وإله العالم عالم بجميع الجزئيات فلا تشتبه عليه أجزاء بدن زيد المطيع بأجزاء بدن عمر والعاصي . وقادر على كل الممكنات ، وإذا ثبت أن عود الحياة إلى تلك الأجزاء ممكن في نفسه وثبت أن إله العالم عالم بجميع المعلومات قادر على كل الممكنات ، كان عود الحياة إلى تلك الأجزاء ممكنا قطعا ، سواء صارت عظاما ورفاتا أو صارت شيئا أبعد من العظم في قبول الحياة وهي أن تصير حجارة أو حديدا ، فهذا تقرير هذا الكلام بالدليل العقلي القاطع ، وقوله : { كونوا حجارة أو حديدا } ليس المراد منه الأمر بل المراد أنكم لو كنتم كذلك لما أعجزتم الله تعالى عن الإعادة ، وذلك كقول القائل للرجل : أتطمع في وأنا فلان فيقول : كن من شئت كن ابن الخليفة ، فسأطلب منك حقي .
/ فإن قيل : ما المراد بقوله : { أو خلقا } . قلنا : المراد أن كون الحجر والحديد قابلا للحياة أمر مستبعد ، فقيل لهم : فافرضوا شيئا آخر أبعد عن قبول الحياة من الحجر والحديد بحيث يستبعد عقلكم كونه قابلا للحياة وعلى هذا الوجه فلا حاجة إلى أن يتعين ذلك الشيء ، لأن المراد أن أبدان الناس وإن انتهت بعد موتها إلى أي صفة فرضت وأي حالة قدرت وإن كانت في غاية البعد عن قبول الحياة فإن الله تعالى قادر على إعادة الحياة إليها ، وإذا كان المراد من الآية هذا المعنى فلا حاجة إلى تعيين ذلك الشيء ، وقال ابن عباس : المراد منه الموت ، يعني لو صارت أبدانكم نفس الموت فإن الله تعالى يعيد الحياة إليها ، واعلم أن هذا الكلام إنما يحسن ذكره على سبيل المبالغة مثل أن يقال : لو كنت عين الحياة فالله يميتك ولو كنت عين الغنى فإن الله يفقرك ، فهذا قد ذكر على سبيل المبالغة ، أما في نفس الأمر فهذا محال ، لأن أبدان الناس أجسام والموت عرض والجسم لا ينقلب عرضا ثم بتقدير أن ينقلب عرضا فالموت لا يقبل الحياة لأن أحد الضدين يمتنع اتصافه بالضد الآخر ، وقال مجاهد : يعني السماء والأرض . ثم قال : { فسيقولون من يعيدنا قل الذى فطركم أول مرة } والمعنى أنه لما قال لهم : كونوا حجارة أو حديدا أو شيئا أبعد في قبول الحياة من هذين الشيئين فإن إعادة الحياة إليه ممكنة فعند ذلك قالوا : من هذا الذي يقدر على إعادة الحياة إليه ، قال تعالى قل يا محمد : الذي فطركم أول مرة يعني أن القول بصحة الإعادة فرع على تسليم أن خالق الحيوانات هو الله تعالى . فإذا ثبت ذلك فنقول : إن تلك الأجسام قابلة للحياة والعقل وإله العالم قادر لذاته عالم لذاته فلا يبطل علمه وقدرته ألبتة ، فالقادر على الابتداء يجب أن يبقى قادرا على الإعادة ، وهذا كلام تام وبرهان قوي . ثم قال تعالى : { فسينغضون إليك } قال الفراء يقال : أنغض فلان رأسه ينغضه إنغاضا إذا حركه إلى فوق وإلى أسفل وسمي الظليم نغضا لأنه يحرك رأسه ، وقال أبو الهيثم : يقال للرجل إذا أخبر بشيء فحرك رأسه إنكارا له قد أنغض رأسه فقوله : { فسينغضون إليك } يعني يحركونها على سبيل التكذيب والاستبعاد . ثم قال تعالى : { رؤوسهم ويقولون متى هو } واعلم أن هذا السؤال فاسد لأنهم حكموا بامتناع الحشر والنشر بناء على الشبهة التي حكيناها ، ثم إن الله تعالى بين بالبرهان الباهر كونه ممكنا في نفسه ، فقولهم متى هو كلام لا تعلق له بالبحث الأول ، فإنه لما ثبت بالدليل العقلي كونه ممكن الوجود في نفسه وجب الاعتراف بامكانه ، فأما أنه متى يوجد فذاك لا يمكن إثباته من طريق العقل ، بل إنما يمكن إثباته بالدلائل السمعية فإن أخبر الله تعالى عن ذلك الوقت المعين عرف / وإلا فلا سبيل إلى معرفته . واعلم أنه تعالى بين في القرآن أنه لا يطلع أحدا من الخلق على وقته المعين ، فقال : { إن الله عنده علم الساعة } ( لقمان : 34 ) وقال : { إنما علمها عند ربي } ( الأعراف : 187 ) وقال : { إن الساعة ءاتية أكاد أخفيها } ( طه : 15 ) فلا جرم . قال تعالى : { قل عسى أن يكون قريبا } قال المفسرون عسى من الله واجب معناه أنه قريب . فإن قالوا : كيف يكون قريبا وقد انقرض ستمائة سنة ولم يظهر ؟
قلنا : إذا كان ما مضى أكثر مما بقي كان الباقي قريبا قليلا ، ثم قال تعالى : { يوم يدعوكم } وفيه قولان : الأول : أنه خطاب مع الكفار بدليل أن ما قبل هذه الآية كله خطاب مع الكفار ، ثم نقول انتصب يوما على البدل من قوله قريبا ، والمعنى عسى أن يكون البعث يوم يدعوكم أي بالنداء الذي يسمعكم وهو النفحة الأخيرة كما قال : { يوم يناد المناد من مكان قريب } ( ق : 41 ) يقال : إن إسرافيل ينادي أيتها الأجساد البالية والعظام النخرة والأجزاء المتفرقة عودي كما كنت بقدرة الله تعالى وبإذنه وتكوينه ، وقال تعالى : { يوم يدعو الداع إلى شىء نكر } ( القمر : 6 ) وقوله : { فتستجيبون بحمده } أي تجيبون والاستجابة موافقة الداعي فيما دعا إليه وهي الإجابة إلا أن الاستجابة تقتضي طلب الموافقة فهي أوكد من الإجابة ، وقوله : { بحمده } قال سعيد بن جبير : يخرجون من قبورهم وينفضون التراب عن رؤسهم ويقولون : سبحانك وبحمدك ، فهو قوله : { فتستجيبون بحمده } وقال قتادة بمعرفته وطاعته ، وتوجيه هذا القول أنهم لما أجابوا بالتسبيح والتحميد كان ذلك معرفة منهم وطاعة ولكنهم لا ينفعهم ذلك في ذلك اليوم . فلهذا قال المفسرون : حمدوا حين لا ينفعهم الحمد ، وقال أهل المعاني : تستجيبون بحمده . أي تستجيبون حامدين كما يقال : جاء بغضبه أي جاء غضبان وركب الأمير بسيفه أي وسيفه معه وقال صاحب ( الكشاف ) : بحمده حال منهم أي حامدين ، وهذا مبالغة في انقيادهم للبعث كقولك لمن تأمره بعمل يشق عليه ستأتي به وأنت حامد شاكر ، أي ستنتهي إلى حالة تحمد الله وتشكره على أن اكتفي منك بذلك العمل وهذا يذكر في معرض التهديد . ثم قال : { وتظنون إن لبثتم إلا قليلا } قال ابن عباس يريد بين النفختين الأولى والثانية فإنه يزال عنهم العذاب في ذلك الوقت ، والدليل عليه قوله في سورة يس : { من بعثنا من مرقدنا } ( يس : 52 ) فظنهم بأن هذا لبث قليل عائد إلى لبثهم فيما بين النفختين ، وقال الحسن : معناه تقريب وقت البعث فكأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل فهذا يرجع إلى استقلال مدة اللبث في الدنيا وقيل المراد استقلال لبثهم في عرصة القيامة ؛ لأنه لما كانت عاقبة أمرهم الدخول في النار استقصروا مدة لبثهم في برزخ القيامة . / القول الثاني : أن الكلام مع الكفار تم عند قوله : { عسى أن يكون قريبا } وأما قوله : { يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده } فهو خطاب مع المؤمنين لا مع الكافرين لأن هذا الكلام هو اللائق بالمؤمنين لأنهم يستجيبون لله بحمده ، ويحمدونه على إحسانه إليهم ، والقول الأول هو المشهور ، والثاني ظاهر الاحتمال . ! 7 < { وقل لعبادى يقولوا التى هى أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم ومآ أرسلناك عليهم وكيلا وربك أعلم بمن فى السماوات والا رض ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وءاتينا داوود زبورا } > 7 < الإسراء : ( 53 - 55 ) وقل لعبادي يقولوا . . . . . > > اعلم أن قوله : { قل لعبادى } فيه قولان : القول الأول : أن المراد به المؤمنون ، وذلك لأن لفظ العباد في أكثر آيات القرآن مختص بالمؤمنين قال تعالى : { فبشر عباد الذين يستمعون القول } ( الزمر : 17 ، 18 ) وقال : { فادخلى فى عبادى } ( الفجر : 29 ) وقال : { عينا يشرب بها عباد الله } ( الإنسان : 6 ) .
إذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى لما ذكر الحجة اليقينية في إبطال الشرك وهو قوله : { لو كان معه ءالهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذى العرش سبيلا } ( الإسراء : 42 ) وذكر الحجة اليقينية في صحة المعاد وهو قوله : { قل الذى فطركم أول مرة } ( الإسراء : 51 ) قال في هذه الآية وقل يا محمد لعبادي إذا أردتم إيراد الحجة على المخالفين فاذكروا تلك الدلائل بالطريق الأحسن . وهو أن لا يكون ذكر الحجة مخلوطا بالشتم والسب ، ونظير هذه الآية قوله : { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة } ( النحل : 125 ) وقوله : { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن } ( العنكبوت : 46 ) وذلك لأن ذكر الحجة لو اختلط به شيء من السب والشتم لقابلوكم بمثله كما قال : { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم } ( الأنعام : 108 ) ويزداد الغضب وتتكامل النفرة ويمتنع حصول المقصود ، أما إذا وقع الاقتصار على ذكر الحجة بالطريق الأحسن / الخالي عن الشتم والإيذاء أثر في القلب تأثيرا شديدا فهذا هو المراد من قوله : { وقل لعبادى يقولوا التى هى أحسن } ثم إنه تعالى نبه على وجه المنفعة في هذا الطريق فقال : { إن الشيطان ينزغ بينهم } جامعا للفريقين أي متى صارت الحجة مرة ممزوجة بالبذاءة صارت سببا لثوران الفتنة . ثم قال : { إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا } والمعنى : أن العداوة الحاصلة بين الشيطان وبين الإنسان عداوة قديمة قال تعالى حكاية عنه : { ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم } ( الأعراف : 17 ) وقال : { كمثل الشيطان إذا قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إنى برىء منك إنى أخاف الله رب العالمين } ( الحشر : 16 ) وقال : { وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم } ( الأنفال : 48 ) وقال : { لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم } إلى قوله : { إني برىء منكم } ( الأنفال : 48 ) . ثم قال تعالى : { ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم } واعلم أنا إنما نتكلم الآن على تقدير أن قوله تعالى : { قل لعبادى } المراد به المؤمنون ، وعلى هذا التقدير فقوله : { ربكم أعلم بكم } خطاب مع المؤمنين / والمعنى : إن يشأ يرحمكم ، والمراد بتلك الرحمة الإنجاء من كفار مكة وأذاهم أو إن يشأ يعذبكم بتسليطهم عليكم . ثم قال : { وما أرسلناك } يا محمد { عليهم وكيلا } أي حافظا وكفيلا فاشتغل أنت بالدعوة ولا شيء عليك من كفرهم فإن شاء الله هدايتهم هداهم ، وإلا فلا .
والقول الثاني : أن المراد من قوله : { وقل لعبادى } الكفار ، وذلك لأن المقصود من هذه الآيات الدعوة ، فلا يبعد في مثل هذا الموضع أن يخاطبوا بالخطاب الحسن ليصير ذلك سببا لجذب قلوبهم وميل طباعهم إلى قبول الدين الحق ، فكأنه تعالى قال : يا محمد قل لعبادي الذين أقروا بكونهم عبادا لي يقولوا التي هي أحسن . وذلك لأنا قبل النظر في الدلائل والبينات نعلم بالضرورة أن وصف الله تعالى بالتوحيد والبراءة عن الشركاء والأضداد أحسن من إثبات الشركاء والأضداد ، ووصفه بالقدرة على الحشر والنشر بعد الموت أحسن من وصفه بالعجز عن ذلك ، وعرفهم أنه لا ينبغي لهم أن يصروا على تلك المذاهب الباطلة تعصبا للأسلاف ، لأن الحامل على مثل هذا التعصب هو الشيطان ، والشيطان عدو ، فلا ينبغي أن يلتفت إلى قوله ثم قال لهم : { ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم } بأن يوفقكم للإيمان والهداية والمعرفة . وإن يشأ يمتكم ، على الكفر فيعذبكم ، إلا أن تلك المشيئة غائبة عنكم فاجتهدوا أنتم في طلب الدين الحق ، ولا تصروا على الباطل والجهل لئلا تصيروا محرومين عن السعادات الأبدية والخيرات السرمدية ، ثم قال لمحمد صلى الله عليه وسلم : { وما أرسلناك عليهم وكيلا } أي لا تشدد الأمر عليهم ولا تغلظ لهم في القول ، والمقصود من كل هذه الكلمات : إظهار اللين والرفق لهم عند الدعوة فإن ذلك هو الذي يؤثر في القلب ويفيد حصول المقصود . / ثم قال : { وربك أعلم بمن فى السماوات والارض } والمعنى أنه لما قال قبل ذلك : { ربكم أعلم بكم } قال بعده : { ربك أعلم بمن فى السماوات والارض } بمعنى أن علمه غير مقصور عليكم ولا على أحوالكم بل علمه متعلق بجميع الموجودات والمعدومات ومتعلق بجميع ذوات الأرضين والسموات فيعلم حال كل واحد ويعلم ما يليق به من المصالح والمفاسد ، فلهذا السبب فضل بعض النبيين على بعض وآتى موسى التوراة وداود الزبور وعيسى الإنجيل ، فلم يبعد أيضا أن يؤتي محمدا القرآن ولم يبعد أن يفضله على جميع الخلق . فإن قيل : ما السبب في تخصيص داود عليه الصلاة والسلام في هذا المقام بالذكر 0 . قلنا : فيه وجوه : الوجه الأول : أنه تعالى ذكر أنه فضل بعض النبيين على بعض . ثم قال : { وءاتينا داوود زبورا } يعني أن داود كان ملكا عظيما ، ثم إنه تعالى لم يذكر ما آتاه من الملك وذكر ما آتاه من الكتاب ، تنبيها على أن التفضيل الذي ذكره قبل ذلك ، المراد منه التفضيل بالعلم والدين لا بالمال . والوجه الثاني : أن السبب في تخصيصه بالدكر أنه تعالى كتب في الزبور أن محمدا خاتم النبيين وأن أمته خير الأمم قال تعالى : { ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر أن الارض يرثها عبادى الصالحون } ( الأنبياء : 105 ) وهم محمد وأمته . فإن قيل : هل عرف كما في فقوله : { ولقد كتبنا في الزبور 5 . قلنا : التنكير ههنا يدل على تعظيم حاله ، لأن الزبور عبارة عن المزبور فكان معناه الكتاب فكان معنى التنكير أنه كامل في كونه كتابا . والوجه الثالث : أن السبب فيه أن كفار قريش ما كانوا أهل نظر وجدل بل كانوا يرجعون إلى اليهود في استخراج الشبهات واليهود كانوا يقولون : إنه لا نبي بعد موسى ولا كتاب بعد التوراة بنقض الله تعالى عليهم كلامهم بإنزال الزبور على داود ، وقرأ حمزة : { زبورا } بضم الزاي ، وذكرنا وجه ذلك في آخر سورة ( النساء : 163 ) .
! 7 < { قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولائك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا } > 7 < الإسراء : ( 56 - 57 ) قل ادعوا الذين . . . . . > > اعلم أن المقصود من هذه الآية الرد على المشركين وقد ذكرنا أن المشركين كانوا يقولون ليس لنا أهلية أن نشتغل بعبادة الله تعالى فنحن نعبد بعض المقربين من عباد الله وهم الملائكة ، ثم إنهم اتخذوا لذلك الملك الذي عبدوه تمثالا وصورة واشتغلوا بعبادته على هذا التأويل والله تعالى احتج على بطلان قولهم في هذه الآية فقال : { قل ادعوا الذين زعمتم من دونه } وليس المراد الأصنام لأنه تعالى قال في صفتهم : { أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة } وابتغاء الوسيلة إلى الله تعالى لا يليق بالأصنام ألبتة . إذا ثبت هذا فنقول : إن قوما عبدوا الملائكة فنزلت هذه الآية فيهم ، وقيل : إنها نزلت في الذين عبدوا المسيح وعزيرا ، وقيل : إن قوما عبدوا نفرا من الجن فأسلم النفر من الجن ، وبقي أولئك الناس متمسكين بعبادتهم فنزلت هذه الآية ، قال ابن عباس : كل موضع في كتاب الله تعالى ورد فيه لفظ زعم فهو كذب ، ثم إنه تعالى احتج على فساد مذهب هؤلاء أن الإله المعبود هو الذي يقدر على إزالة الضرر ، وإيصال المنفعة ، وهذه الأشياء التي يعبدونها وهي الملائكة والجن والمسيح وعزير لا يقدرون على كشف الضر ولا على تحصيل النفع ، فوجب القطع بأنها ليست آلهة . ولقائل أن يقول : هذا الدليل إنما يتم إذا دللتم على أن الملائكة لا قدرة لها على كشف الضر ولا على تحصيل النفع فما الدليل على أن الأمر كذلك حتى يتم دليلكم ؟ فإن قلتم : لأنا نرى أن أولئك الكفار كانوا يتضرعون إليها فلا تحصل الإجابة . قلنا : معارضة لذلك قد نرى أيضا أن المسلمين يتضرعون إلى الله تعالى فلا تحصل الإجابة ، والمسلمون يقولون : إن القدر الحاصل من كشف الضر وتحصيل النفع إنما يحصل من الله تعالى لا من الملائكة ، وأولئك الكفار يقولون إنه يحصل من الملائكة لا من الله تعالى ، وعلى هذا التقدير فالدليل غير تام . والجواب : أن الدليل تام كامل ، وذلك لأن الكفار كانوا مقرين بأن الملائكة / عباد الله وخالق الملائكة ، وخالق العالم لا بد وأن يكون أقدر من الملائكة ، وأقوى منهم ، وأكمل حالا منهم . وإذا ثبت هذا فنقول : كمال قدرة الله تعالى معلوم متفق عليه ، وكمال قدرة الملائكة غير معلوم ولا متفق عليه ، بل المتفق عليه أن قدرتهم بالنسبة إلى قدرة الله تعالى قليلة حقيرة ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون الاشتغال بعبادة الله تعالى أولى من الاشتغال بعبادة الملائكة ، لأن كون الله مستحقا للعبادة معلوم ، وكون الملائكة كذلك مجهول والأخذ بالمعلوم أولى ، وأما أصحابنا المتكلمون من أهل السنة والجماعة فلهم في هذا الباب طريقة أخرى وهو أنهم يقيمون بالحجة العقلية على أنه لا موجد إلا الله تعالى ولا مخرج لشيء من العدم إلى الوجود إلا الله تعالى . وإذا ثبت هذا ثبت أنه لا ضار ولا نافع إلا الله تعالى ، فوجب القطع بأنه لا معبود إلا الله تعالى ، وهذه الطريقة لا تتم للمعتزلة لأنهم لما ججوزوا كون العبد موجدا لأفعاله امتنع عليهم الاستدلال على أن الملائكة لا قدرة لها على الإحياء والإماتة وخلق الجسم . وإذا عجزوا عن ذلك لم يتم لهم هذا الدليل فهذا هو ذكر الدليل القاطع على صحة قوله : { لا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا } والتحويل عبارة عن النقل من حال إلى حال ومكان إلى مكان يقال : حوله فتحول .
ثم قال تعالى : { أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة } وفيه قولان : الأول : قال الفراء قوله : { يدعون } فعل الآدميين العابدين . وقوله : { يبتغون } فعل المعبودين ومعناه أولئك المعبودين يبتغون إلى ربهم الوسيلة ، فإنه لا نزاع أن الملائكة يرجعون إلى الله في طلب المنافع ودفع المضار ويرجون رحمته ويخافون عذابه وإذا كان كذلك كانوا موصوفين بالعجز والحاجة ، والله تعالى أغنى الأغنياء فكان الاشتغال بعبادته أولى . فإن قالوا : لا نسلم أن الملائكة محتاجون إلى رحمة الله وخائفون من عذابه ، فنقول : هؤلاء الملائكة إما أن يقال : إنها واجبة الوجود لذواتها ، أو يقال : ممكنة الوجود لذواتها ، والأول باطل لأن جميع الكفار كانوا معترفين بأن الملائكة عباد الله ومحتاجون إليه ، وأما الثاني فهو يوجب القول بكون الملائكة محتاجين في ذواتها وفي كمالاتها إلى الله تعالى ، فكان الاشتغال بعبادة الله أولى من الاشتغال بعبادة الملائكة . والقول الثاني : أن قوله : { أولئك الذين يدعون } هم الأنبياء الذين ذكرهم الله تعالى بقوله : { ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض } ( الإسراء : 55 ) وتعلق هذا الكلام بما سبق هو أن الذين عظمت منزلتهم وهم الأنبياء لا يعبدون إلا الله تعالى ولا يبتغون الوسيلة إلا إليه ، فأنتم بالاقتداء بهم حق فلا تعبدوا غبر الله تعالى / واحتج القائلون بهذا القول على صحته بأن قالوا : الملائكة لا يعصون الله فلا يخافون عذابه ، فثبت أن هذا غير لائق بالملائكة وإنما هو لائق بالأنبياء . قلنا : الملائكة يخافون عذاب الله لو أقدموا على الذنب والدليل عليه قوله تعالى : { ومن يقل منهم إنى إلاه من دونه فذالك نجزيه جهنم } ( الأنبياء : 29 ) . أما قوله : { إن عذاب ربك كان محذورا } فالمراد أن من حقه أن يحذر ، فإن لم يحذره بعض الناس لجهله فهو لا يخرج من كونه بحيث يجب الحذر عنه . ! 7 < { وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذالك فى الكتاب مسطورا } > 7 < الإسراء : ( 58 ) وإن من قرية . . . . . > > واعلم أنه تعالى لما قال : { إن عذاب ربك كان محذورا } ( الإسراء : 57 ) بين أن كل قرية مع أهلها فلا بد وأن يرجع حالها إلى أحد أمرين : إما الإهلاك وإما التعذيب قال مقاتل : أما الصالحة فبالموت ، وأما الطالحة فبالعذاب ، وقيل : المراد من قوله : { وإن من قرية } قرى الكفار ، ولا بد أن تكون عاقبتها أحد أمرين : إما الاستئصال بالكلية وهو المراد من الإهلاك أو بعذاب شديد دون ذلك من قتل كبرائهم وتسليط المسلمين عليهم بالسبي واغتنام الأموال وأخذ الجزية ، ثم بين تعالى أن هذا الحكم حكم مجزوم به واقع فقال : { كان ذالك فى الكتاب مسطورا } ومعناه ظاهر . ! 7 < { وما منعنآ أن نرسل بالا يات إلا أن كذب بها الا ولون وءاتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالا يات إلا تخويفا وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرءيا التى أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة فى القرءان ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا } > 7 < الإسراء : ( 59 - 60 ) وما منعنا أن . . . . . > >
اعلم تعالى أنه لما ذكر الدليل على فساد قول المشركين وأتبعه بالوعيد أتبعه بذكر مسألة النبوة ، وذلك لأن كفار قريش اقترحوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إظهار معجزات عظيمة قاهرة كما حكى الله عنهم أنهم قالوا : { لولا يأتينا بئاية } ( طه : 133 ) { كما أرسل الاولون } ( الأنبياء : 5 ) وقال آخرون : المراد ما طلبوه بقولهم : { لن نؤمن ذالك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا } ( الإسراء : 90 ) وعن سعيد بن جبير أن القوم قالوا : إنك تزعم أنه كان قبلك أنبياء فمنهم : من سخرت له الريح ومنهم من كان يحيي الموتى فأتنا بشي من هذه المعجزات فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله : { وما منعنا أن نرسل بالايات إلا أن كذب بها الاولون } وفي تفسير هذا الجواب وجوه : الوجه الأول : المعنى أنه تعالى لو أظهر تلك المعجزات القاهرة ثم لم يؤمنوا بها بل بقوا مصرين على كفرهم فحينئذ يصيرون مستحقين لعذاب الاستئصال ، لكن إنزال عذاب الاستئصال على هذه الأمة غير جائز ، لأن الله تعالى أعلم أن فيهم من سيؤمن أو يؤمن أولادهم ، فلهذا السبب ما أجابهم الله تعالى إلى مطلوبهم وما أظهر تلك المعجزات القاهرة . روى ابن عباس أن أهل مكة سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا وأن يزيل لهم الجبال حتى يزرعوا تلك الأراضي ، فطلب الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك من الله تعالى فقال الله تعالى : إن شئت فعلت ذلك لكن بشرط أنهم إن كفروا أهلكتهم ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( لا أريد ذلك بل تتأنى بهم ) فنزلت هذه الآية . الوجه الثاني : في تفسير هذا الجواب أنا لا نظهر هذه المعجزات لأن آباءكم الذين رأوها لم يؤمنوا بها وأنتم مقلدون لهم ، فلو رأيتموها أنتم لم تؤمنوا بها أيضا . الوجه الثالث : أن الأولين شاهدوا هذه المعجزات وكذبوا بها ، فعلم الله منكم أيضا أنكم لو شاهدتموها لكذبتم فكان إظهارها عبثا ، والعبث لا يفعله الحكيم . ثم قال تعالى : 6 وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها } وفيه أبحاث : البحث الأول : المعنى أن الآية التي التمسوها هي مثل آية ثمود ، وقد آتيناها ثمود واضحة بينة ثم كفروا بها فاستحقوا عذاب الاستئصال فكيف يتمناها هؤلاء على سبيل الاقتراح والتحكم على الله تعالى . البحث الثاني : قوله تعالى : { } وفيه أبحاث : البحث الأول : المعنى أن الآية التي التمسوها هي مثل آية ثمود ، وقد آتيناها ثمود واضحة بينة ثم كفروا بها فاستحقوا عذاب الاستئصال فكيف يتمناها هؤلاء على سبيل الاقتراح والتحكم على الله تعالى . البحث الثاني : قوله تعالى : { مبصرة } وفيه وجهان : الأول : قال الفراء : { مبصرة } أي مضيئة . قال تعالى : { والنهار مبصرا } ( يونس : 67 ) أي مضيئا . والثاني : { مبصرة } أي ذات أبصار أي فيها أبصار لمن تأملها يبصر بها رشده ويستدل بها على صدق ذلك الرسول . / البحث الثالث : قوله : { فظلموا بها } أي ظلموا أنفسهم بتكذيبهم بها ، وقال ابن قتيبة : { ظلموا بها } أي جحدوا بأنها من الله تعالى . ثم قال تعالى : { وما نرسل بالايات إلا تخويفا } قيل : لا آية إلا وتتضمن التخويف بها عند التكذيب إما من العذاب المعجل أو من عذاب الآخرة . فإن قيل : المقصود الأعظم من إظهار الآيات أن يستدل بها على صدق المدعي فكيف حصر المقصود من إظهارها في التخويف .
قلنا : المقصود أن مدعي النبوة إذا أظهر الآية فإذا سمع الخلق أنه أظهر آية فهم لا يعلمون أن تلك الآية معجزة أو مخوفة ، إلا أنهم يجوزون كونها معجزة ، وبتقدير أن تكون معجزة فلو لم يتفكروا فيها ولم يستدلوا بها على الصدق لاستحقوا العقاب الشديد ، فهذا هو الخوف الذي يحملهم على التفكر والتأمل في تلك المعجزات ، فالمراد من قوله : { وما نرسل بالايات إلا تخويفا } هذا الذي ذكرناه ، والله أعلم . واعلم أن القوم لما طالبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمعجزات القاهرة ، وأجاب الله تعالى بأن إظهارها ليس بمصلحة صار ذلك سببا لجرأة أولئك الكفار بالطعن فيه وأن يقولوا له : لو كنت رسولا حقا من عند الله تعالى لأتيت بهذه المعجزات التي اقترحناها منك ، كما أتى بها موسى وغيره من الأنبياء ، فعند هذا قوى الله قلبه وبين له أنه تعالى ينصره ويؤيده فقال : { وإذا قلنا لك إن ربك أحاط بالناس } وفيه قولان : القول الأول : المعنى أن حكمته وقدرته محيطة بالناس فهم في قبضته وقدرته ، ومتى كان الأمر كذلك فهم لا يقدرون على أمر من الأمور إلا بقضائه وقدره ، والمقصود كأنه تعالى يقول له : ننصرك ونقويك حتى تبلغ رسالتنا وتظهر ديننا . قال الحسن : حال بينهم وبين أن يقتلوه كما قال تعالى : { والله يعصمك من الناس } ( المائدة : 67 ) . والقول الثاني : أن المراد بالناس أهل مكة وإحاطة الله بهم هو أنه تعالى يفتحها للمؤمنين فكان المعنى : وإذ بشرناك بأن الله أحاط بأهل مكة بمعنى أنه يغلبهم ويقهرهم ويظهر دولتك عليهم ، ونظيره قوله تعالى : { سيهزم الجمع ويولون الدبر } ( القمر : 45 ) وقال : { قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون } ( آل عمران : 12 ) إلى قوله : { أحاط بالناس } لما كان كل ما يخبر الله عن وقوعه فهو واجب الوقوع ، فكان من هذا الاعتبار كالواقع فلا جرم قال : { أحاط بالناس } وروي أنه لما تزاحف الفريقان يوم بدر ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش مع أبي بكر كان يدعو ويقول : ( أللهم إني أسألك عهدك ووعدك لي ) ثم خرج / وعليه الدرع يحرض الناس ويقول : { سيهزم الجمع ويولون الدبر } . ثم قال تعالى : { وما جعلنا الرءيا التى أريناك إلا فتنة للناس } وفي هذه الرؤيا أقوال : القول الأول : أن الله أرى محمدا في المنام مصارع كفار قريش فحين ورد ماء بدر قال : ( والله كأني أنظر إلى مصارع القوم ) ثم أخذ يقول : ( هذا مصرع فلان هذا مصرع فلان ) فلما سمعت قريش ذلك جعلوا رؤياه سخرية ، وكانوا يستعجلون بما وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم . والقول الثاني : أن المراد رؤياه التي رآها أنه يدخل مكة وأخبر بذلك أصحابه ، فلما منع عن البيت الحرام عام الحديبية كان ذلك فتنة لبعض القوم ، وقال عمر لأبي بكر أليس قد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا ندخل البيت ونطوف به ، فقال أبو بكر إنه لم يخبر أنا نفعل ذلك في هذه السنة فسنفعل ذلك في سنة أخرى ، فلما جاء العام المقبل دخلها ، وأنزل الله تعالى : { لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق } ( الفتح : 27 ) اعترضوا على هذين القولين فقالوا : هذه السورة مكية ، وهاتان الواقعتان مدنيتان ، وهذا السؤال ضعيف لأن هاتين الواقعتين مدنيتان أما رؤيتهما في المنام فلا يبعد حصولها في مكة .
والقول الثالث : قال سعيد بن المسيب رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني أمية ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك ، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء والإشكال المذكور عائد فيه لأن هذه الآية مكية وما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة منبر ، ويمكن أن يجاب عنه بأنه لا يبعد أن يرى بمكة أن له بالمدينة منبرا يتداوله بنو أمية . والقول الرابع : وهو الأصح وهو قول أكثر المفسرين أن المراد بها ما أراه الله تعالى ليلة الإسراء ، واختلفوا في معنى هذه الرؤيا فقال الأكثرون : لا فرق بين الرؤية والرؤيا في اللغة ، يقال رأيت بعيني رؤية ورؤيا ، وقال الأقلون : هذا يدل على أن قصة الإسراء إنما حصلت في المنام ، وهذا القول ضعيف باطل على ما قررناه في أول هذه السورة ، وقوله : { إلا فتنة للناس } معناه : أنه عليه الصلاة والسلام لما ذكر لهم قصة الإسراء كذبوه وكفر به كثير ممن كان آمن به وازداد المخلصون إيمانا فلهذا السبب كان امتحانا . ثم قال تعالى : { والشجرة الملعونة فى القرءان } وهذا على التقديم والتأخير ، والتقدير : وما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس وقيل المعنى : والشجرة الملعونة في القرآن كذلك . واختلفوا في هذه الشجرة ، فالأكثرون قالوا : إنها شجرة الزقوم المذكورة في القرآن في قوله : { إن شجرة الزقوم طعام الاثيم } ( الدخان : 43 ، 44 ) وكانت هذه الفتنة في ذكر هذه الشجرة من وجهين : الأول : / أن أبا جهل قال : زعم صاحبكم بأن نار جهنم تحرق الحجر حيث قال : { وقودها الناس والحجارة } ( التحريم : 6 ) ثم يقول : بأن في النار شجرا والنار تأكل الشجر فكيف تولد فيها الشجر . والثاني : قال ابن الزبعري ما نعلم الزقوم إلا التمر والزبد فتزقموا منه ، فأنزل الله تعالى حين عجبوا أن يكون في النار شجر : { إنا جعلناك فتنة للظالمين } ( الصافات : 63 ) الآيات . فإن قيل : ليس في القرآن لعن هذه الشجرة . قلنا : فيه وجوه : الأول : المراد لعن الكفار الذين يأكلونها . الثاني : العرب تقول لكل طعام مكروه ضار إنه ملعون . والثالث : أن اللعن في أصل اللغة هو التبعيد فلما كانت هذه الشجرة الملعونة في القرآن مبعدة عن جميع صفات الخير سميت ملعونة . القول الثاني : قال ابن عباس رضي الله عنهما : الشجرة بنو أمية يعني الحكم بن أبي العاص قال ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام أن ولد مروان يتداولون منبره فقص رؤياه على أبي بكر وعمر وقد خلا في بيته معهما فلما تفرقوا سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم يخبر برؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتد ذلك عليه ، واتهم عمر في إفشاء سره ، ثم ظهر أن الحكم كان يتسمع إليهم فنفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال الواحدي : هذه القصة كانت بالمدينة ، والسورة مكية فيبعد هذا التفسير إلا أن يقال : هذه الآية مدنية ولم يقل به أحد ، ومما يؤكد هذا التأويل قول عائشة لمروان لعن الله أباك وأنت في صلبه فأنت بعض من لعنه الله . والقول الثالث : أن الشجرة الملعونة في القرآن هي اليهود لقوله تعالى : { لعن الذين كفروا } ( المائدة : 78 ) . فإن قال قائل : إن القوم لما طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم الإتيان بالمعجزات القاهرة فأجاب أنه لا مصلحة في إظهارها لأنها لو ظهرت ولم تؤمنوا نزل الله عليكم عذاب الاستئصال / وذلك غير جائز وأي تعلق لهذا الكلام بذكر الرؤيا التي صارت فتنة للناس وبذكر الشجرة التي صارت فتنة للناس .
قلنا : التقدير كأنه قيل : إنهم لما طلبوا هذه المعجزات ثم إنك لم تظهرها صار عدم ظهورها شبهة لهم في أنك لست بصادق في دعوى النبوة إلا أن وقوع هذه الشبهة لا يوهن أمرك ولا يصير سببا لضعف حالك ألا ترى أن ذكر تلك الرؤيا صار سببا لوقوع الشبهة العظيمة في القلوب ثم إن قوة تلك الشبهات ما أوجبت ضعفا في أمرك ولا فتورا في اجتماع المحقين عليك فكذلك هذه الشبهة الحاصلة بسبب عدم ظهور هذه المعجزات لا توجب فتورا في حالك ، ولا ضعفا في أمرك ، والله أعلم . / ثم قال تعالى : { ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا } والمقصود منه ذكر سبب آخر في أنه تعالى ما أظهر المعجزات التي اقترحوها ، وذلك لأن هؤلاء خوفوا بمخاوف الدنيا والآخرة وبشجرة الزقوم فما زادهم هذا التخويف إلا طغيانا كبيرا ، وذلك يدل على قسوة قلوبهم وتماديهم في الغي والطغيان ، وإذا كان الأمر كذلك فبتقدير أن يظهر الله لهم تلك المعجزات التي اقترحوها لم ينتفعوا بها ولا يزدادون إلا تماديا في الجهل والعناد ، وإذا كان كذلك ، وجب في الحكمة أن لا يظهر الله لهم ما اقترحوه من الآيات والمعجزات والله أعلم . ! 7 < { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أءسجد لمن خلقت طينا قال أرءيتك هاذا الذى كرمت على لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزآؤكم جزاء موفورا } > 7 < الإسراء : ( 61 - 63 ) وإذ قلنا للملائكة . . . . . > > فيه مسائل : المسألة الأولى : ي كيفية النظم وجوه : الأول : اعلم أنه تعالى لما ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في محنة عظيمة من قومه وأهل زمانه ، بين أن حال الأنبياء مع أهل زمانهم كذلك . ألا ترى أن أول الأولياء هو آدم ، ثم إنه كان في محنة شديدة من إبليس . الثاني : أن القوم إنما نازعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاندوه واقترحوا عليه الاقتراحات الباطلة لأمرين الكبر والحسد ، أما الكبر فلأن تكبرهم كان يمنعهم من الانقياد ، وأما الحسد فلأنهم كانوا يحسدونه على ما آتاه الله من النبوة والدرجة العالية ، فبين تعالى أن هذا الكبر والحسد هما اللذان حملا إبليس على الخروج من الإيمان والدخول في الكفر ، فهذه بلية قديمة ومحنة عظيمة للخلق . والثالث : أنه تعالى لما وصفهم بقوله { فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا } [ الإسراء : 60 ] بين ما هو السبب لحصول هذا الطغيان وهو قول إبليس { لأحتنكن ذريته إلا قليلا } فلأجل هذا المقصود ذكر الله تعالى قصة إبليس وآدم ، فهذا هو الكلام في كيفية النظم . المسألة الثانية : اعلم أنه هذه القصة قد ذكرها الله تعالى في سور سبعة ، وهي : البقرة والأعراف والحجر وهذه السورة والكهف وطه وص والكلام المستقصى فيها قد تقدم في البقرة الأعراف والحجر فلا فائدة في الإعادة ولا بأس بتعديد بعض المسائل : المسألة الأولى : اختلفوا في أن المأمورين بالسجود لآدم أهم جميع الملائكة أم ملائكة الأرض على التخصيص ؟ فظاهر لفظ الملائكة بفبد العموم إلا أن قوله تعالى في آخر سورة الأعراف في صفة ملائكة السموات { وله يسجدون } [ الأعراف : 206 ] يوجب خروج ملائكة السموات من هذا العموم . المسألة الثانية : أن المراد من هذه السجدة وضع الجبهة على الأرض أو التحية ، وعلى التقدير الأول فآدم كان هو المسجود له أو يقال كان المسجود له هو الله تعالى وآدم كان قبلة للسجود ؟ المسألة الثالثة : إن إبليس هل هو من الملائكة أم لا ؟ وإن لم يكن من الملائكة فأمر الملائكة بالسجود كيف يتناوله ؟
المسألة الرابعة : هل كان إبليس كافرا من أول الأمر أو يقال إنما كفر في ذلك الوقت ؟ المسالة الخامسة : الملائكة سجدوا لآدم من أول ما كملت حياته أو بعد ذلك ؟ االمسألة السادسة : شبهة إبليس في الامتناع من السجود أهو قوله { أأسجد لمن خلقت طينا } أو غيره ؟ المسألة السابعة : دلت هذه الآيات على أن إبليس كان عارفا بربه ، إلا أنه وقع في الكفر بسبب الكبر والحسد ، ومنهم من أنكر وقال ما عرف الله البتة . المسألة الثامنة : ما سبب حكمة إمهال إبليس وتسليطه على الخلق بالوسوسة ؟ ولنرجع إلى التفسير فنقول : إنه تعالى حكة في هذه الآية عن إبليس نوعا واحدا من العمل ونوعين من القول ، أما العمل فهو أنه لم يسجد لآدم وهو المراد من قوله { فسجدوا إلا إبليس } وأما النوعان من القول : فأولهما قوله { أأسجد لمن خلقت طينا } وهذا استفهام بمعنى الإنكار معناه أن أصلي أشرف من أصله فوجب أن أكون أنا أشرف منه ، والأشرف يقبح في العقول أمره بخدمة الأدنى . والنوع الثاني من كلامه : قوله { أرأيتك هذا الذي كرمت علي } قال الزجاج : قوله { أرأيت } معناه أخبرني ، وقد استقصينا [ البحث ] في تفسير هذه الكلمة في سورة الأنعام . وقوله { هذا الذي كرمت علي } فيه وجوه : الأول : معناه : أخبرني عن هذا الذي فضلته علي لم فضلته علي وأنا خير منه ؟ ثم اختصر الكلام لكونه مفهوما . الثاني : يمكن أن يقال خذا مبتدأ محذوف منه حرف الاستفهام ، والذي مع صلته خبر ، تقديره أخبرني أهذا الذي كرمته علي ! وذلك على وجه محذوف منه حرف الاستفهام ، والذي مع صلته خبر ، تقديره أخبرني أهذا الذي كرمته علي ! أغنى عن تكراره . والوجه الثالث : أن يكون هذا مفعول أرأيت لأن الكاف جاءت لمجرد الخطاب لا محل لها ، كأنه قال على وجه التعجب والإنكار أبصرت أو علمت هذا الذي كرمت علي ، بمعنى لو أبصرته أو علمته لكان يجب أن لا تكرمه علي ، هذا هو حقيقة هذه الكلمة . ثم قال تعالى حكاية [ عنه ] { لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا } وفيه مباحث : البحث الأول : قرأ ابن كثير { لئن أخرتني إلى يوم القيامة } بإثبات الياء في الوصل والوقف ، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بالحذف نافع وأبو عمرو بإثباته في الوصل دون الوقف . البحث الثاني : في الاحتناك قولان : أحدهما : أنه عبارة عن الأخذ بالكلية ، يقال : احتنك فلان ما عند فلان من مال إذا استقصاه وأخذه بالكلية ، واحتنك الجراد الزرع إذا أكله بالكلية . والثاني : أنه من قول العرب حنك الدابة يحنكها ، إذا جعل في حنكها الأسفل حبلا يقودها به ، وقال أبو مسلم : الأحتناك افتعال من الحنك كأنهم يملكهم كما يملك الفارس فرسه بلجامه ، فعلى القول الأول معنى الآية لأستأصلنهم بالإغواء . وعلى القول الثاني لأقودنهم إلى المعاصي كما تقاد الدابة بحبلها .
البحث الثالث : قوله { إلا قليلا } هم الذين ذكرهم الله تعالى في قوله { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } [ البقرة : 30 ] فإن قيل كيف ظن إبليس هذا الظن الصادق بذرية آدم ؟ قلنا فيه وجوه : الأول : أنه سمع الملائكة يقولون { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } [ البقرة : 30 ] فعرف هذه الأحوال . الثاني : أنه وسوس إلى آدم فلم يجد له عزما فقال الظاهر أن أولاده يكونون مثله في ضعف العزم . الثالث : أنه عرف أنه مركب من قوة بهيمية شهوانية ، وقوة سبعية غضبية ، وقوة وهمية شيطانية ، وقوة عقلية ملكية ، وعرف أن القوى الثلاث أعني الشهوانية والغضبية والوهمية تكون هي المستولية في أول الخلقة ، ثم إن القوة العقلية إنما تكمل في آخر الأمر ، ومتى كان الأمر كذلك كان ما ذكره إبليس لازما . واعلم أنه تعالى لما حكى عن إبليس ذلك حكى عن نفسه أنه تعالى قال له اذهب ، وهذا ليس من الذهاب الذي هو نقيض المجيء وإنما معناه امض لشأنك الذي اخترته ، والمقصود التخلية وتفويض الأمر إليه . ثم قال { فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا } ونظيره قول موسى عليه الصلاة والسلام { فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس } [ طه : 97 ] فإن قيل أليس الأولى أن يقال : فإن جهنم جزاؤهم جزاء موفورا ، ليكون هذا الضمير راجعا إلى قوله { فمن تبعك } ؟ . قلنا فيه وجوه : الأول : التقدير فإن جهنم جزاؤهم وجزاؤكم ثم غلب المخاطب على الغائب فقيل جزاؤكم . والثاني : يجوز أن يكون هذا الخطاب مع الغائبين على طريقة الالتفات . والثالث : أنه صلى الله عليه وسلم قال < < من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة > > فكل معصية توجد فيحصل لإبليس مثل وزر ذلك العامل . فلما كان إبليس هو الأصل في كل المعاصي صار المخاطب بالوعيد هو إبليس ، ثم قال { جزاء موفورا } وهذه اللفظة قد تجيء متعديا ولازما ، أما المتعدي فيقال : وفرته أفره وفرا [ و ] وفرة فهو موفور [ و ] موفر ، قال زهير ومن يجعل المعروف من دون عرضه يفره ومن لا يتق الشتم يشتم واللازم كقوله : وفر المال يفر وفورا فهو وافر ، فعلى التقدير الأول : يكون المعنى جزاء موفورا موفرا ، وعلى الثاني : يكون المعنى جزاء موفورا وافرا ، وانتصب قوله { جزاء } على المصدر . قوله تعالى ! 7 < { واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ، إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا } > 7 < الإسراء : ( 64 - 65 ) واستفزز من استطعت . . . . . > >
اعلم أن إبليس لما طلب من الله الإمهال إلى يوم القيامة لأجل أن يحتنك ذرية آدم فالله تعالى ذكر أشياء . أولها : قوله : { اذهب } ومعناه : أمهلتك هذه المدة . وثانيها : قوله تعالى : { واستفزز من استطعت منهم } يقال أفزه الخوف واستفزه أي أزعجه واستخفه ، / وصوته دعاؤه إلى معصية الله تعالى ، وقيل : أراد بصوتك الغناء واللهو واللعب ، ومعنى صيغة الأمر هنا التهديد كما يقال : اجهد جهدك فسترى ما ينزل بك . وثالثها : { بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك } في قوله : { وأجلب } وجوه . الأول : قال الفراء : إنه من الجلبة وهو الصياح وربما قالوا الجلب كما قالوا الغلبة والغلب والشفقة والشفق ، وقال الليث وأبو عبيدة أجلبوا وجلبوا من الصياح . الثاني : قال الزجاج في فعل وأفعل ، أجلب على العدو إجلابا إذا جمع عليه الخيول . الثالث : قال ابن السكيت يقال هم يجلبون عليه بمعنى أنهم يعينون عليه . والرابع : روى ثعلب عن ابن الأعرابي أجلب الرجل على الرجل إذا توعده الشر وجمع عليه الجمع ، فقوله : وأجلب عليهم معناه على قول الفراء صح عليهم بخيلك ورجلك ، وعلى قول الزجاج : أجمع عليهم كل ما تقدر عليه من مكايدك وتكون الباء في قوله : بخيلك زائدة على هذا القول ، وعلى قول ابن السكيت معناه أعن عليهم بخيلك ورجلك ومفعول الإجلاب على هذا القول محذوف كأنه يستعين على إغوائهم بخيله ورجله ، وهذا أيضا يقرب من قول ابن الأعرابي ، واختلفوا في تفسير الخيل والرجل ، فروى أبو الضحى عن ابن عباس أنه قال : ( كل راكب أو راجل في معصية الله تعالى فهو من خيل إبليس وجنوده ) ، ويدخل فيه كل راكب وماش في معصية الله تعالى ، فعلى هذا التقدير خيله ورجله كل من شاركه في الدعاء إلى المعصية . والقول الثاني : يحتمل أن يكون لإبليس جند من الشياطين بعضهم راكب وبعضهم راجل . والقول الثالث : أن المراد منه ضرب المثل كما تقول للرجل المجد في الأمر جئتنا بخيلك ورجلك وهذا الوجه أقرب ، والخيل تقع على الفرسان . قال عليه الصلاة والسلام : ( يا خيل الله اركبي ) وقد تقع على الأفراس خاصة ، والمراد ههنا الأول والرجل جمع راجل كما قالوا تاجر وتجر وصاحب وصحب وراكب وركب ، وروى حفص عن عاصم ورجلك بكسر الجيم وغيره بالضم ، قال أبو زيد يقال رجل ورجل بمعنى واحد ومثله حدث وحدث وندس وندس ، قال ابن الأنباري : أخبرنا ثعلب عن الفراء قال : يقال رجل ورجل ورجلان بمعنى واحد . والنوع الرابع : من الأشياء التي ذكرها الله تعالى لإبليس قوله : { وشاركهم فى الاموال والاولاد } نقول : أما المشاركة في الأموال فهي عبارة عن كل تصرف قبيح في المال سواء كان ذلك القبيح بسبب أخذه من غير حقه أو وضعه في غير حقه ويدخل فيه الربا والغصب والسرقة والمعاملات الفاسدة ، وهكذا قاله القاضي وهو ضبط حسن / وأما المفسرون فقد ذكروا وجوها قال قتادة : المشاركة في الأموال هي أن جعلوا بحيرة وسائبة ، وقال عكرمة هي عبارة عن تبتيكهم آذان الأنعام ، وقيل هي أن جعلوا من أموالهم شيئا لغير / الله تعالى كما قال تعالى : { فقالوا هاذا لله بزعمهم وهاذا لشركائنا } ( الأنعام : 136 ) والأصوب ما قاله القاضي ، وأما المشاركة في الأولاد فذكروا فيه وجوها . أحدها : أنها الدعاء إلى الزنا ، وزيف الأصم ذلك بأن قال إنه لا ذم على الولد ، ويمكن أن يجاب عنه بأن المراد وشاركهم في طريق تحصيل الولد وذلك بالدعاء إلى الزنا . وثانيها : أن يسموا أولادهم بعبد اللات وعبد العزى . وثالثها : أن يرغبوا أولادهم في الأديان الباطلة كاليهودية والنصرانية وغيرهما .
ورابعها : إقدامهم على قتل الأولاد ووأدهم . وخامسها : ترغيبهم في حفظ الأشعار المشتملة على الفحش وترغيبهم في القتل والقتال والحرف الخبيثة الخسيسة والضابط أن يقال إن كل تصرف من المرء في ولده على وجه يؤدي إلى ارتكاب منكر أو قبيح فهو داخل فيه .
والنوع الخامس : من الأشياء التي ذكرها الله تعالى لإبليس في هذه الآية قوله : { وعدهم } . واعلم أنه لما كان مقصود الشيطان الترغيب في الإعتقاد الباطل والعمل الباطل والتنفير عن الإعتقاد الحق والعمل الحق ، ومعلوم أن الترغيب في الشيء لا يمكن إلا بأن يقرر عنده أنه لا ضرر البتة في فعله ومع ذلك فإنه يفيد المنافع العظيمة ، والتنفير عن الشيء لا يمكن إلا بأن يقرر عنده أنه لا فائدة في فعله ، ومع ذلك فيفيد المضار العظيمة ، إذا ثبت هذا فنقول : إن الشيطان إذا دعا إلى المعصية فلا بد وأن يقرر أولا أنه لا مضرة في فعله البتة ، وذلك إنما يمكن إذا قال لا معاد ولا جنة ولا نار ، ولا حياة بعد هذه الحياة ، فبهذا الطريق يقرر عنده أنه لا مضرة البتة في فعل هذه المعاصي ، وإذا فرغ عن هذا المقام قرر عنده أن هذا الفعل يفيد أنواعا من اللذة والسرور ولا حياة للإنسان في هذه الدنيا إلا به ، فتفويتها غبن وخسران كما قال الشاعر : خذوا بنصيب من سرور ولذة فكل وإن طال المدى يتصرم فهذا هو طريق الدعوة إلى المعصية ، وأما طريق التنفير عن الطاعة فهو أن يقرر أولا عنده أنه لا فائدة فيه وتقريره من وجهين . الأول : أن يقول لا جنة ولا نار ولا ثواب ولا عذاب . والثاني : أن هذه العبادات لا فائدة فيها للعابد والمعبود فكانت عبثا محضا فبهذين الطريقين يقرر الشيطان عند الإنسان أنه لا فائدة فيها ، وإذا فرغ عن هذا المقام قال إنها توجب التعب والمحنة وذلك أعظم المضار ، فهذه مجامع تلبيس الشيطان ، فقوله : { وعدهم } يتناول كل هذه الأقسام ، قال المفسرون قوله : { وعدهم } أي بأنه لا جنة ولا نار ، وقال آخرون : { وعدهم } بتسويف التوبة ، وقال آخرون { وعدهم } بالأماني الباطلة مثل قوله لآدم : { ما نهاكما ربكما عن هاذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين } ( الأعراف : 20 ) وقال آخرون : وعدهم بشفاعة الأصنام عند الله تعالى وبالأنساب الشريفة وإيثار العاجل على الآجل ، وبالجملة فهذه الأقسام كثيرة وكلها داخلة في الضبط الذي ذكرناه وإن أردت الاستقصاء في هذا الباب فطالع كتاب ذم الغرور من كتاب إحياء علوم الدين للشيخ الغزالي حتى يحيط عقلك بمجامع تلبيس إبليس ، واعلم أن الله تعالى لما قال : { وعدهم } أردفه بما يكون زاجرا عن قبول وعده فقال : { وما يعدهم الشيطان إلا غرورا } والسبب فيه أنه إنما يدعو إلى أحد أمور ثلاثة قضاء الشهوة وإمضاء الغضب وطلب الرياسة وعلو الدرجة / ولا يدعو البتة إلى معرفة الله تعالى ولا إلى خدمته ، وتلك الأشياء الثلاثة معنوية من وجوه كثيرة . أحدها : أنها في الحقيقة ليست لذات بل هي خلاص عن الآلام . وثانيها : وإن كانت لذات لكنها لذات خسيسة مشترك فيها بين الكلاب والديدان والخنافس وغيرها . وثالثها : أنها سريعة الذهاب والانقضاء والانقراض . ورابعها : أنها لا تحصل إلا بمتاعب كثيرة ومشاق عظيمة . وخامسها : أن لذات البطن والفرج لا تتم إلا بمزاولة رطوبات عفنة مستقذرة . وسادسها : أنها غير باقية بل يتبعها الموت والهرم والفقر والحسرة على الفوت والخوف من الموت . فلما كانت هذه المطالب وإن كانت لذيذة بحسب الظاهر إلا أنها ممزوجة بهذه الآفات العظيمة والمخالفات الجسيمة ، كان الترغيب فيها تغريرا ، ولهذا المعنى قال تعالى : { وما يعدهم الشيطان إلا غرورا } . واعلم أنه تعالى لما قال له افعل ما تقدر عليه فقال تعالى : { إن عبادى ليس لك عليهم سلطان } وفيه قولان :
Sorular
- Tevhid nedir; Müslümanların Allah'ın birliğine imanı?
- İslam'da imanın altı şartı nedir?
- Müslümanlar peygamberler hakkında neye inanır?
- İslam helal ve haram yiyecekler hakkında ne öğretir?
- Fâtiha Sûresi'nin anlamı nedir?
- Kur'an sabır hakkında ne öğretir?
- Kur'an hayatın amacı hakkında ne der?
- İhlas nedir ve neden önemlidir?