Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Bölüm V22/P048–V22/P049

وثانيها : قالت المعتزلة : إنه سبحانه وتعالى إذا كلف عباده وجب عليه أن يلطف بهم ومن جملة الألطاف ما لا يعلم إلا سمعا فلو لم يصطنعه بالرسالة لبقي في عهدة الواجب فصار موسى عليه السلام كالنائب عن ربه في أداء ما وجب على الله تعالى ، فصح أن يقول : واصطنعتك لنفسي ، قال القفال واصطنعتك أصله من قولهم اصطنع فلان فلانا إذا أحسن إليه حتى يضاف إليه فيقال : هذا صنيع فلان وجريح فلان وقوله لنفسي : أي لأصرفك في أوامري لئلا تشتغل بغير ما أمرتك به وهو إقامة حجتي وتبليغ رسالتي وأن تكون في حركاتك وسكناتك لي لا لنفسك ولا لغيرك ، واعلم أنه سبحانه وتعالى لما عدد عليه المنن الثمانية في مقابلة تلك الالتماسات الثمانية رتب على ذكر ذلك أمرا ونهيا ، أما الأمر فهو أنه سبحانه وتعالى أعاد الأمر بالأول فقال : { اذهب أنت وأخوك بئاياتى } واعلم أنه سبحانه وتعالى لما قال : { واصطنعتك لنفسى } عقبه بذكر ماله اصطنعه وهو الإبلاغ والأداء ثم ههنا مسائل :

Bölüm V22/P049

المسألة الأولى : الباء ههنا بمعنى مع وذلك لأنهما لو ذهبا إليه بدون آية معهما لم يلزمه الإيمان وذلك من أقوى الدلائل على فساد التقليد .

Bölüm V22/P049–V22/P050

المسألة الثانية : اختلفوا في الآيات المذكورة ههنا على ثلاثة أقوال : أحدها : أنها اليد والعصا لأنهما اللذان جرى ذكرهما في هذا الموضع وفي سائر المواضع التي اقتص الله تعالى فيها / حديث موسى عليه السلام فإنه تعالى لم يذكر في شيء منها أنه عليه السلام قد أوتي قبل مجيئه إلى فرعون ولا بعد مجيئه حتى لقي فرعون فالتمس منه آية غير هاتين الآيتين قال تعالى عنه : { قال فأت ما أنت إلا بشر مثلنا فألقى عصاه فإذا هى ثعبان مبين ونزع يده فإذا هى بيضاء للناظرين } ( الشعراء : 31 33 ) وقال : { فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه } ( القصص : 32 ) فإذا قيل لهؤلاء كيف يطلق لفظ الجمع على الاثنين أجابوا بوجوه : الأول : أن العصا ما كانت آية واحدة بل كانت آيات فإن انقلاب العصا حيوانا آية ثم إنها في أول الأمر كانت صغيرة لقوله تعالى : { تهتز كأنها جان } ( النمل : 10 ) ثم كانت تعظم وهذه آية أخرى ، ثم كانت تصير ثعبانا وهذه آية أخرى . ثم إن موسى عليه السلام كان يدخل يده في فيها فما كانت تضر موسى عليه السلام فهذه آية أخرى ثم كانت تنقلب خشبة فهذه آية أخرى ، وكذلك اليد فإن بياضها آية وشعاعها آية أخرى ثم زوالهما بعد حصولهما آية أخرى فصح أنهما كانتا آيات كثيرة لا آيتان . الثاني : هب أن العصا أمر واحد لكن فيها آيات كثيرة لأن انقلابها حية يدل على وجود إله قادر على الكل عالم بالكل حكيم ويدل على نبوة موسى عليه السلام ويدل على جواز الحشر حيث انقلب الجماد حيوانا فهذه آيات كثيرة ولذلك قال : { إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا } إلى قوله : { فيه ءايات بينات مقام إبراهيم } ( آل عمران : 96 ، 97 ) فإذا وصف الشيء الواحد بأن فيه آيات فالشيئان أولى بذلك . الثالث : من الناس من قال : أقل الجمع إثنان على ما عرفت في أصول الفقه . القول الثاني : أن قوله : { اذهبا بآياتي } معناه أني أمدكما بآياتي وأظهر على أيديكما من الآيات ما تزاح به العلل من فرعون وقومه فاذهبا فإن آياتي معكما كما يقال اذهب فإن جندي معك أي أني أمدك بهم متى احتجت . القول الثالث : أن الله تعالى آتاه العصا واليد وحل عقدة لسانه وذلك أيضا معجز فكانت الآيات ثلاثة هذا هو شرح الأمر أما النهي فهو قوله تعالى : { ولا تنيا فى ذكرى } الوني الفتور والتقصير وقرىء ولا تنيا بكسر حرف المضارعة للاتباع ثم قيل فيه أقوال : أحدها : المعنى لا تنيا بل اتخذا ذكرى آلة لتحصيل المقاصد واعتقدا أن أمرا من الأمور لا يتمشى لأحد إلا بذكري والحكمة فيه أن من ذكر جلال الله استحقر غيره فلا يخاف أحدا ولأن من ذكر جلال الله تقوى روحه بذلك الذكر فلا يضعف في المقصود ، ولأن ذاكر الله تعالى لا بد وأن يكون ذاكرا لإحسانه وذاكر إحسانه لا يفتر في أداء أوامره . وثانيها : المراد بالذكر تبليغ الرسالة فإن الذكر يقع على كل العبادات وتبليغ الرسالة من أعظمها فكان جديرا بأن يطلق عليه اسم الذكر . وثالثها : قوله : { ولا تنيا فى ذكرى } عند فرعون وكيفية الذكر هو أن يذكرا لفرعون وقومه أن الله تعالى لا يرضى منهم بالكفر ويذكرا لهم أمر الثواب والعقاب والترغيب والترهيب . ورابعها : أن يذكرا لفرعون آلاء الله ونعماءه وأنواع إحسانه إليه ثم قال بعد ذلك : { اذهبا إلى فرعون إنه طغى } وفيه سؤالان : الأول : ما الفائدة في ذلك بعد قوله : { اذهب أنت وأخوك بئاياتى } قال القفال فيه وجهان .

Bölüm V22/P050

أحدهما : أن قوله : { اذهب أنت وأخوك بئاياتى } يحتمل أن يكون كل واحد منهما / مأمورا بالذهاب على الانفراد فقيل مرة أخرى اذهبا ليعرفا أن المراد منه أن يشتغلا بذلك جميعا لا أن ينفرد به هرون دون موسى . والثاني : أن قوله : { اذهب أنت وأخوك بئاياتى } أمر بالذهاب إلى كل الناس من بني إسرائيل وقوم فرعون ، ثم إن قوله : { اذهبا إلى فرعون } أمر بالذهاب إلى فرعون وحده .

Bölüm V22/P050–V22/P051

السؤال الثاني : قوله : { اذهبا إلى فرعون } خطاب مع موسى وهارون عليهما السلام وهذا مشكل لأن هارون عليه السلام لم يكن حاضرا هناك وكذلك في قوله تعالى : { قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى } ( طه : 45 ) أجاب القفال عنه من وجوه . أحدها : أن الكلام كان مع موسى عليه السلام وحده إلا أنه كان متبوع هارون فجعل الخطاب معه خطابا مع هارون وكلام هارون على سبيل التقدير فالخطاب في تلك الحالة وإن كان مع موسى عليه السلام وحده إلا أنه تعالى أضافه إليهما كما في قوله : { وإذ قتلتم نفسا } ( البقرة : 72 ) وقوله : { لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل } ( المنافقون : 8 ) وحكي أن القائل هو عبد الله بن أبي وحده . وثانيها : يحتمل أن الله تعالى لما قال : { قد أوتيت سؤلك ياموسى موسى } سكت حتى لقي أخاه ، ثم إن الله تعالى خاطبهما بقوله : { اذهبا إلى فرعون } . وثالثها : أنه حكى أنه في مصحف ابن مسعود وحفصة : { قال ربنا إننا نخاف } أي قال موسى : أنا وأخي نخاف فرعون أما قوله تعالى : { فقولا له قولا لينا } ففيه سؤالان : السؤال الأول : لم أمر الله تعالى موسى عليه السلام باللين مع الكافر الجاحد . الجواب لوجهين : الأول : أنه عليه السلام كان قد رباه فرعون فأمره أن يخاطبه بالرفق رعاية لتلك الحقوق وهذا تنبيه على نهاية تعظيم حق الأبوين . الثاني : أن من عادة الجبابرة إذا غلظ لهم في الوعظ أن يزدادوا عتوا وتكبرا ، والمقصود من البعثة حصول النفع لا حصول زيادة الضرر فلهذا أمر الله تعالى بالرفق . السؤال الثاني : كيف كان ذلك الكلام اللين . الجواب : ذكروا فيه وجوها . أحدها : ما حكى الله تعالى بعضه فقال : { هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى } ( النازعات : 18 ، 19 ) وذكر أيضا في هذه السورة بعض ذلك فقال : { فأتياه فقولا إنا رسولا ربك } ( طه : 47 ) إلى قوله : { والسلام على من اتبع الهدى } ( طه : 47 ) . وثانيها : أن تعداه شبابا لا يهرم بعده وملكا لا ينزع منه إلا بالموت وأن يبقى له لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته . وثالثها : كنياه وهو من ذوي الكنى الثلاث أبو العباس وأبو الوليد وأبو مرة . ورابعها : حكى عن عمرو بن دينار قال : بلغني أن فرعون عمر أربعمائة سنة وتسع سنين فقال له موسى عليه السلام : إن أطعتني عمرت مثل ما عمرت فإذا مت فلك الجنة واعترضوا على هذه الوجوه الثلاثة الأخيرة . أما الأول : فقيل لو حصلت له هذه الأمور الثلاثة في هذه المدة الطويلة لصار ذلك كالإلجاء إلى معرفة الله تعالى وذلك لا يصح مع التكليف . وأما الثاني : فلأن خطابه بالكنية أمر سهل فلا يجوز أن يجعل ذلك هو المقصود من قوله : { فقولا له قولا لينا } / بل يجوز أن يكون ذلك من جملة المراد . وأما الثالث : فالاعتراض عليه كما في الأول أما قوله تعالى : { لعله يتذكر أو يخشى } فاعلم أنه ليس المراد أنه تعالى كان شاكا في ذلك لأن ذلك محال عليه تعالى وإنما المراد : فقولا له قولا لينا ، على أن تكونا راجيين لأن يتذكر هو أو يخشى . واعلم أن أحوال القلب ثلاثة . أحدها : الإصرار على الحق . وثانيها : الإصرار على الباطل . وثالثها : التوقف في الأمرين ، وأن فرعون كان مصرا على الباطل وهذا القسم أردأ الأقسام فقال تعالى : { فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى } فيرجع من إنكاره إلى الإقرار بالحق وإن لم ينتقل من الإنكار إلى الإقرار لكنه يحصل في قلبه الخوف فيترك الإنكار وإن كان لا ينتقل إلى الإقرار فإن هذا خير من الإصرار على الإنكار واعلم أن هذا التكليف لا يعلم سره إلا الله تعالى لأنه تعالى لما علم أنه لا يؤمن قط كان إيمانه ضدا لذلك العلم الذي يمتنع زواله فيكون سبحانه عالما بامتناع ذلك الإيمان وإذا كان عالما بذلك فكيف أمر موسى عليه السلام بذلك الرفق وكيف بالغ في ذلك الأمر بتلطيف دعوته إلى الله تعالى مع علمه استحالة حصول ذلك منه ؟ ثم هب أن المعتزلة ينازعون في هذا الامتناع من غير أن يذكروا شبهة قادحة في هذا السؤال ولكنهم سلموا أنه كان عالما بأنه لايحصل ذلك الإيمان وسلموا أن فرعون لا يستفيد ببعثة موسى عليه السلام إلا استحقاق العقاب والرحيم الكريم كيف يليق به أن يدفع سكينا إلى من علم قطعا أنه يمزق بها بطن نفسه ثم يقول : إني ما أردت بدفع السكين إليه إلا الإحسان إليه ؟ يا أخى العقول قاصرة عن معرفة هذه الأسرار ولا سبيل فيها إلا التسليم وترك الاعتراض والسكوت بالقلب واللسان ، ويروى عن كعب أنه قال : والذي يحلف به كعب إنه لمكتوب في التوراة : فقولا له قولا لينا وسأقسي قلبه فلا يؤمن .

Bölüm V22/P051–V22/P052

! 7 < { قالا ربنآ إننا نخاف أن يفرط علينآ أو أن يطغى قال لا تخافآ إننى معكمآ أسمع وأرى فأتياه فقولاإنا رسولا ربك فأرسل معنا بنىإسراءيل ولا تعذبهم قد جئناك بأاية من ربك والسلام على من اتبع الهدى إنا قد أوحى إلينآ أن العذاب على من كذب وتولى } > 7 ! < < طه : ( 45 - 48 ) قالا ربنا إننا . . . . . > > اعلم أن قوله : { قالا ربنا إننا نخاف } فيه أسئلة : / السؤال الأول : قوله : { قالا ربنا } يدل على أن المتكلم بذلك موسى وهرون عليهما السلام وهرون لم يكن حاضرا هذا المقال فكيف ذلك وجوابه قد تقدم . السؤال الثاني : أن موسى عليه السلام قال : { رب اشرح لى صدرى } ( طه : 25 ) فأجابه الله تعالى بقوله : { قد أوتيت سؤلك ياموسى موسى } ( طه : 36 ) وهذا يدل على أنه قد انشرح صدره وتيسر أمره فكيف قال بعده : { إننا نخاف } فإن حصول الخوف يمنع من حصول شرح الصدر . والجواب : أن شرح الصدر عبارة عن تقويته على ضبط تلك الأوامر والنواحي وحفظ تلك الشرائع على وجه لا يتطرق إليه السهو والتحريف وذلك شيء آخر غير زوال الخوف . السؤال الثالث : أما علم موسى وهرون وقد حملهما الله تعالى الرسالة أنه تعالى يؤمنهما من القتل الذي هو مقطعة عن الأداء . الجواب : قد أمنا ذلك وإن جوزا أن ينالهما السوء من قبل تمام الأداء أو بعده وأيضا فإنهما استظهرا بأن سألا ربهما ما يزيد في ثبات قلبهما على دعائه وذلك بأن ينضاف الدليل النقلي إلى العقلي زيادة في الطمأنينة كما قال : { ولاكن ليطمئن قلبى } ( البقرة : 260 ) .

Bölüm V22/P052–V22/P053

السؤال الرابع : لما تكرر الأمر من الله تعالى بالذهاب فعدم الذهاب والتعلل بالخوف هل يدل على المعصية . الجواب : لو اقتضى الأمر الفور لكان ذلك من أقوى الدلائل على المعصية لا سيما وقد أكثر الله تعالى من أنواع التشريف وتقوية القلب وإزالة الغم ولكن ليس الأمر على الفور فزال السؤال وهذا من أقوى الدلائل على أن الأمر لا يقتضي الفور إذا ضممت إليه ما يدل على أن المعصية غير جائزة على الرسل أما قوله تعالى : { أن يفرط علينا أو أن يطغى } فاعلم أن في : { أن يفرط } وجوها . أحدها : فرط سبق وتقدم ومنه الفارط الذي يتقدم الواردة وفرس فرط يسبق الخيل والمعنى نخاف أن يعجل علينا بالعقوبة . وثانيها : أنه مأخوذ من أفرط غيره إذا حمله على العجلة فكان موسى وهارون عليهما السلام خافا من أن يحمله حامل على المعاجلة بالعقوبة وذلك الحامل هو إما الشيطان أو إدعاؤه للربوبية أو حبه للرياسة أو قومه وهم القبط المتمردون الذين حكى الله تعالى عنهم : { قال الملا من قومه } ( الأعراف : 60 ) . وثالثها : يفرط من الإفراط في الأذية أما قوله : { أو أن يطغى } فالمعنى يطغى بالتخطي إلى أن يقول فيك ما لا ينبغي لجراءته عليك واعلم أن من أمر بشيء فحاول دفعه بأعذار يذكرها فلا بد وأن يختم كلامه بما هو الأقوى وهذا كما أن الهدهد ختم عذره بقوله : { وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله } ( النمل : 24 ) فكذا ههنا بدأ موسى بقوله : { أن يفرط علينا } وختم بقوله : { أو أن يطغى } لما أن طغيانه في حق الله تعالى أعظم من إفراطه في حق موسى وهارون عليهما السلام . أما قوله : { قال لا تخافا إننى معكما أسمع وأرى } فالمراد لا تخافا مما عرض في قلبكما من الإفراط والطغيان لأن ذلك هو المفهوم من الكلام يبين ذلك أنه تعالى لم يؤمنهما من الرد ولا من التكذيب بالآيات ومعارضة السحرة أما قوله : { إننى معكما } فهو عبارة عن الحراسة والحفظ وعلى هذا الوجه يقال : الله معك على وجه الدعاء وأكد ذلك بقوله : { أسمع وأرى } فإن من يكون مع الغير وناصرا له وحافظا / يجوز أن لا يعلم كل ما يناله وإنما يحرسه فيما يعلم فبين سبحانه وتعالى أنه معهما بالحفظ والعلم في جميع ما ينالهما وذلك هو النهاية في إزالة الخوف قال القفال قوله : { أسمع وأرى } يحتمل أن يكون مقابلا لقوله : { أن يفرط علينا أو أن يطغى } والمعنى : { يفرط علينا } بأن لا يسمع منا : { أو أن يطغى } بأن يقتلنا فقال الله تعالى : { إننى معكما } أسمع كلامه معكما فأسخره للاستماع منكما وأرى أفعاله فلا أتركه حتى يفعل بكما ما تكرهانه ، واعلم أن هذه الآية تدل على أن كونه تعالى سميعا وبصيرا صفتان زائدتان على العلم لأن قوله : { إننى معكما } دل على العلم فقوله : { أسمع وأرى } لو دل على العلم لكان ذلك تكريرا وهو خلاف الأصل ثم إنه سبحانه أعاد ذلك التكليف فقال : { فأتياه } لأنه سبحانه وتعالى قال في المرة الأولى : { لنريك من ءاياتنا الكبرى اذهب إلى فرعون } ( طه : 23 ، 24 ) وفي الثانية : { اذهب أنت وأخوك } وفي الثالثة : { قال اذهبا إلى فرعون } ( طه : 43 ) وفي الرابعة قال ههنا فأتياه فإن قيل إنه تعالى أمرهما في المرة الثانية بأن يقولا له : { قولا لينا } ( طه : 44 ) وفي هذه المرة الرابعة أمرهما : { ءان يقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بنى إسراءيل } وفيه تغليظ من وجوه : أحدها : أن قوله : { إنا رسولا ربك } فيه أبحاث :

Bölüm V22/P053

البحث الأول : انقياده إليهما والتزامه لطاعتهما وذلك يعظم على الملك المتبوع . البحث الثاني : قوله : { فأرسل معنا بنى إسراءيل } فيه إدخال النقص على ملكه لأنه كان محتاجا إليهم فيما يريده من الأعمال من بناء أو غيره . البحث الثالث : قوله : { ولا تعذبهم } . البحث الرابع : قوله : { قد جئناك بئاية من ربك بك } فما الفائدة في التليين أولا والتغليظ ثانيا ؟ قلنا : لأن الإنسان إذا ظهر لجاجه فلا بد له من التغليظ فإن قيل : أليس كان من الواجب أن يقولا إنا رسولا ربك قد جئناك بآية فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم ، لأن ذكر المعجز مقرونا بادعاء الرسالة أولى من تأخيره عنه ؟ قلنا : بل هذا أولى من تأخيره عنه لأنهم ذكروا مجموع الدعاوى ثم استدلوا على ذلك المجموع بالمعجزة ، أما قوله : { قد جئناك بئاية من ربك } ففيه سؤال وهو أنه تعالى أعطاه آيتين وهما العصا واليد ثم قال : { اذهب أنت وأخوك بئاياتى } ( طه : 42 ) وذلك يدل على ثلاث آيات وقال ههنا : { جئناك بئاية } وهذا يدل على أنها كانت واحدة فكيف الجمع ؟ أجاب القفال بأن معنى الآية الإشارة إلى جنس الآيات كأنه قال : قد جئناك ببيان من عند الله ثم يجوز أن يكون ذلك حجة واحدة أو حججا كثيرة ، وأما قوله : { والسلام على من اتبع الهدى } فقال بعضهم هو من قول الله تعالى لهما كأنه قال : فقولا إنا رسولا ربك ، وقولا له : والسلام على من اتبع الهدى ، وقال آخرون بل كلام الله تعالى قد تم عند قوله : { قد جئناك بئاية من ربك } فقوله بعد ذلك : { والسلام على من اتبع الهدى } وعد من قبلهما لمن آمن وصدق بالسلامة له من عقوبات الدنيا والآخرة ، والسلام بمعنى السلامة كما يقال رضاع ورضاعة واللام وعلى ههنا بمعنى واحد كما قال / { لهم اللعنة ولهم سوء الدار } ( الرعد : 25 ) على معنى عليهم وقال تعالى : { من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها } ( فصلت : 46 ) وفي موضع آخر : { إن أحسنتم أحسنتم لانفسكم وإن أسأتم فلها } ( الإسراء : 7 ) ، أما قوله : { إنا قد أوحى إلينا أن العذاب على من كذب وتولى } ( طه : 48 ) فاعلم أن هذه الآية من أقوى الدلائل على أن عقاب المؤمن لا يدوم وذلك لأن الألف واللام في قوله : { العذاب } تفيد الاستغراق أو تفيد الماهية وعلى التقديرين يقتضي انحصار هذا الجنس فيمن كذب وتولى فوجب في غير المكذب المتولي أن لا يحصل هذا الجنس أصلا ، وظاهر هذه الآية يقتضي القطع بأنه لا يعاقب أحدا من المؤمنين بترك العمل به في بعض الأوقات فوجب أن يبقى على أصله في نفي الدوام لأن العقاب المتناهي إذا حصل بعده السلامة مدة غير متناهية صار ذلك العقاب كأنه لا عقاب فلذلك يحسن مع حصول ذلك القدر أن يقال : إنه لا عقاب ، وأيضا فقوله : { والسلام على من اتبع الهدى } ، وقد فسرنا السلام بالسلامة فظاهره يقتضي حصول السلامة لكل من اتبع الهدى ، والعارف بالله قد اتبع الهدى فوجب أن يكون صاحب السلامة . ! 7 < { قال فمن ربكما ياموسى قال ربنا الذىأعطى كل شىء خلقه ثم هدى قال فما بال القرون الا ولى قال علمها عند ربى فى كتاب لا يضل ربى ولا ينسى الذى جعل لكم الا رض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السمآء مآء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى كلوا وارعوا أنعامكم إن فى ذالك لأيات لا ولى النهى منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى } > 7 <

Bölüm V22/P053–V22/P055

طه : ( 49 - 55 ) قال فمن ربكما . . . . . > > اعلم أنهما عليهما السلام لما قالا : إنا رسولا ربك قال لهما : فمن ربكما يا موسى ، فيه مسائل : المسألة الأولى : أن فرعون كان شديد القوة عظيم الغلبة كثير العسكر ثم إن موسى عليه / السلام لما دعاه إلى الله تعالى لم يشتغل معه بالبطش والإيذاء بل خرج معه في المناظرة لما أنه لو شرع أولا في الإيذاء لنسب إلى الجهل والسفاهة فاستنكف من ذلك وشرع أولا في المناظرة وذلك يدل على أن السفاهة من غير الحجة شيء ما كان يرتضيه فرعون مع كمال جهله وكفره فكيف يليق ذلك بمن يدعي الإسلام والعلم ثم إن فرعون لما سأل موسى عليه السلام عن ذلك قبل موسى ذلك السؤال واشتغل بإقامة الدلالة على وجود الصانع وذلك يدل على فساد التقليد ويدل أيضا على فساد قول التعليمية الذين يقولون نستفيد معرفة الإله من قول الرسول لأن موسى عليه السلام اعترف ههنا بأن معرفة الله تعالى يجب أن تكون مقدمة على معرفة الرسول وتدل على فساد قول الحشوية الذين يقولون نستفيد معرفة الله والدين من الكتاب والسنة . المسألة الثانية : تدل الآية على أنه يجوز حكاية كلام المبطل لأنه تعالى حكى كلام فرعون في إنكاره الإله وحكى شبهات منكري النبوة وشبهات منكري الحشر ، إلا أنه يجب أنك متى أوردت السؤال فاقرنه بالجواب لئلا يبقى الشك كما فعل الله تعالى في هذه المواضع . المسألة الثالثة : دلت الآية على أن المحق يجب عليه استماع كلام المبطل والجواب عنه من غير إيذاء ولا إيحاش كما فعل موسى عليه السلام بفرعون ههنا وكما أمر الله تعالى رسوله في قوله : { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة } ( النحل : 125 ) وقال : { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله } ( التوبة : 6 ) . المسألة الرابعة : اختلف الناس في أن فرعون هل كان عارفا بالله تعالى فقيل إنه كان عارفا إلا أنه كان يظهر الإنكار تكبرا وتجبرا وزورا وبهتانا ، واحتجوا عليه بستة أوجه . أحدها : قوله : { لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والارض } ( الإسراء : 102 ) فمتى نصبت التاء في علمت كان ذلك خطابا من موسى عليه السلام مع فرعون فدل ذلك على أن فرعون كان عالما بذلك وكذا قوله تعالى : { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا } ( النمل : 14 ) . وثانيها : أنه كان عاقلا وإلا لم يجز تكليفه وكل من كان عاقلا قد علم بالضرورة أنه وجد بعد العدم وكل من كان كذلك افتقر إلى مدبر وهذان العلمان الضروريان يستلزمان العلم بوجود المدبر . وثالثها : قول موسى عليه السلام ههنا : { ربنا الذى أعطى كل شىء خلقه ثم هدى } وكلمة الذي تقتضي وصف المعرفة بجملة معلومة فلا بد وأن تكون هذه الجملة قد كانت معلومة له . ورابعها : قوله في سورة القصص في صفة فرعون وقومه وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون فذلك يدل على أنهم كانوا عالمين بالمبدأ إلا أنهم كانوا منكرين للمعاد . وخامسها : أن ملك فرعون لم يتجاوز القبط ولم يبلغ الشام ولما هرب موسى عليه السلام إلى مدين قال له شعيب : { لا تخف نجوت من القوم الظالمين } ( القصص : 25 ) فمع هذا كيف يعتقد أنه إله العالم ؟ وسادسها : أنه لما قال : { وما رب العالمين } قال موسى عليه السلام : { رب السماوات والارض وما بينهما } ( الشعراء : 24 ) قال : { إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون } ( الشعراء : 27 ) يعني أنا أطلب منه الماهية وهو يشرح الوصف / فهو لم ينازع موسى في الوجود بل طلب منه الماهية فدل هذا على اعترافه بأصل الوجود ، ومن الناس من قال إنه كان جاهلا بربه واتفقوا على أن العاقل لا يجوز أن يعتقد في نفسه أنه خالق هذه السموات والأرضين والشمس والقمر وأنه خالق نفسه لأنه يعلم بالضرورة عجزه عنها ويعلم بالضرورة أنها كانت موجودة قبله فيحصل العلم الضروري بأنه ليس موجودا لها ولا خالقا لها ، واختلفوا في كيفية جهله بالله تعالى فيحتمل أنه كان دهريا نافيا للمؤثر أصلا ، ويحتمل أنه كان فلسفيا قائلا بالعلة لموجبه ، ويحتمل أنه كان من عبدة الكواكب ، ويحتمل أنه كان من الحلولية المجسمة . وأما ادعاؤه الربوبية لنفسه فبمعنى أنه يجب عليهم طاعته والانقياد له وعدم الاشتغال بطاعة غيره .

Bölüm V22/P055

المسألة الخامسة : أنه سبحانه حكى عنه في هذه السورة أنه قال : { فمن ربكما ياموسى موسى } وقال في سورة الشعراء : { وما رب العالمين } فالسؤال ههنا بمن وهو عن الكيفية وفي سورة الشعراء بما وهو عن الماهية وهما سؤالان مختلفان والواقعة واحدة والأقرب أن يقال سؤال من كان مقدما على سؤال ما لأنه كان يقول إني أنا الله والرب فقال فمن ربكما فلما أقام موسى الدلالة على الوجود وعرف أنه لا يمكنه أن يقاومه في هذا المقام لظهوره وجلائه عدل إلى المقام الثاني وهو طلب الماهية وهذا أيضا مما ينبه على أنه كان عالما بالله لأنه ترك المنازعة في هذا المقام لعلمه بغاية ظهوره وشرع في المقام الصعب لأن العلم بماهية الله تعالى غير حاصل للبشر . المسألة السادسة : إنما قال : { فمن ربكما } ولم يقل فمن إلهكما لأنه أثبت نفسه ربا في قوله : { ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين } ( الشعراء : 18 ) فذكر ذلك على سبيل التعجب كأنه قال له أنا ربك فلم تدعى ربا آخر وهذا الكلام شبيه بكلام نمروذ لأن إبراهيم عليه السلام لما قال : { ربي الذى يحى ويميت } ( البقرة : 258 ) قال نمروذ له : { ألم تر إلى } ( البقرة : 258 ) ولم يكن الإحياء والإماتة التي ذكرهما إبراهيم عليه السلام هما الذي عارضه بهما نمروذ إلا في اللفظ فكذا ههنا لما ادعى موسى ربوبية الله تعالى ذكر فرعون هذا الكلام ومراده أني أنا الرب لأني ربيتك ومعلوم أن الربوبية التي ادعاها موسى لله سبحانه وتعالى غير هذه الربوبية في المعنى وأنه لا مشاركة بينهما إلا في اللفظ .

Bölüm V22/P055–V22/P056

المسألة السابعة : اعلم أن موسى عليه السلام استدل على إثبات الصانع بأحوال المخلوقات وهو قوله : { ربنا الذى أعطى كل شىء خلقه ثم هدى } وهذه الدلالة هي التي ذكرها الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم في قوله : { سبح اسم ربك الاعلى الذى خلق فسوى والذى قدر فهدى } ( الأعلى : 1 3 ) قال إبراهيم عليه السلام : { فإنهم عدو لى إلا رب العالمين الذى خلقنى فهو يهدين } وإن موسى عليه السلام في أكثر الأمور يعول على دلائل إبراهيم عليه السلام وسيأتي تقرير ذلك في سورة الشعراء إن شاء الله تعالى واعلم أنه يشبه أن يكون الخلق عبارة عن تركيب القوالب والأبدان والهداية عبارة عن إبداع القوى المدركة والمحركة في تلك الأجسام وعلى هذا التقدير يكون الخلق مقدما على الهداية ولذلك قال : { فإذا سويته ونفخت فيه من روحى } ( الحجر : 29 ) فالتسوية راجعة إلى القالب ونفخ الروح إشارة / إلى إبداع القوى وقال : { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين } ( المؤمنون : 12 ) إلى أن قال : { ثم خلقنا النطفة علقة } ( المؤمنون : 14 ) فظهر أن الخلق مقدم على الهداية ، والشروع في بيان عجائب حكمة الله تعالى في الخلق والهداية شروع في بحر لا ساحل له . ولنذكر منه أمثلة قريبة إلى الأفهام . أحدها : أن الطبيعي يقول : الثقيل هابط والخفيف صاعد وأشد الأشياء ثقلا الأرض ثم الماء وأشدها خفة النار ثم الهواء فلذلك وجب أن تكون النار أعلى العنصريات والأرض أسفلها ، ثم إنه سبحانه قلب هذا الترتيب في خلقة الإنسان فجعل أعلى الأشياء منه العظم والشعر وهما أيبس ما في البدن وهما بمنزلة الأرض ثم جعل تحته الدماغ الذي هو بمنزلة الماء وجعل تحته النفس الذي هو بمنزلة الهواء وجعل تحته الحرارة الغريزية التي في القلب التي هي بمنزلة النار فجعل مكان الأرض من البدن الأعلى وجعل مكان النار من البدن الأسفل ليعرف أن ذلك بتدبير القادر الحكيم الرحيم لا باقتضاء العلة والطبيعة . وثانيها : إنك إذا نظرت إلى عجائب النحل في تركيب البيوت المسدسة وعجائب أحوال البق والبعوض في اهتدائها إلى مصالح أنفسها لعرفت أن ذلك لا يمكن إلا بالهام مدبر عالم بجميع المعلومات . وثالثها : أنه تعالى هو الذي أنعم على الخلائق بما به قوامهم من المطعوم والمشروب والملبوس والمنكوح ثم هداهم إلى كيفية الانتفاع بها ويستخرجون الحديد من الجبال واللآلى من البحار ويركبون الأدوية والدرياقات النافعة ويجمعون بين الأشياء المختلفة فيستخرجون لذات الأطعمة فثبت أنه سبحانه هو الذي خلق كل الأشياء ثم أعطاهم العقول التي بها يتوصلون إلى كيفية الانتفاع بها ، وهذا غير مختص بالإنسان بل عام في جميع الحيوانات فأعطى الإنسان إنسانة والحمار حمارة والبعير ناقة ثم هداه لها ليدوم التناسل وهدى الأولاد لثدي الأمهات ، بل هذا غير مختص بالحيوانات بل هو حاصل في أعضائها فإنه خلق اليد على تركيب خاص وأودع فيها قوة الأخذ وخلق الرجل على تركيب خاص وأودع فيها قوة المشي وكذا العين والأذن وجميع الأعضاء ثم ربط البعض بالبعض على وجوه يحصل من ارتباطها مجموع واحد ، وهو الإنسان .

Bölüm V22/P056–V22/P057

وإنما دلت هذه الأشياء على وجود الصانع سبحانه لأن اتصاف كل جسم من هذه الأجسام بتلك الصفة أعني التركيب والقوة والهداية ، إما أن يكون واجبا أو جائزا والأول باطل لأنا نشاهد تلك الأجسام بعد الموت منفكة عن تلك التراكيب والقوى فدل على أن ذلك جائز ، والجائز لا بد له من مرجح وليس ذلك المرجح هو الإنسان ولا أبواه لأن فعل ذلك يستدعي قدرة عليه وعلما بما فيه من المصالح والمفاسد ، والأمران نائيان عن الإنسان لأنه بعد كمال عقله يعجز عن تغيير شعرة واحدة ، وبعد البحث الشديد عن كتب التشريح لايعرف من منافع الأعضاء ومصالحها إلا القدر القليل فلا بد أن يكون المتولي لتدبيرها وترتيبها موجودا آخر وذلك الموجود لا يجوز أن يكون جسما لأن الأجسام متساوية في الجسمية فاختصاص ذلك الجسم بتلك المؤثرية لا بد وأن يكون جائزا وإن كان جائزا افتقر إلى سبب آخر والدور والتسلسل محالان ، فلا بد من الانتهاء في سلسلة الحاجة / إلى موجود مؤثر ومدبر ليس بجسم ولا جسماني ثم تأثير ذلك المؤثر إما أن يكون بالذات أو بالاختيار ، والأول محال لأن الموجب لا يميز مثلا عن مثل وهذه الأجسام متساوية في الجسمية فلم اختص بعضها بالصورة الفلكية وبعضها بالصورة العنصرية وبعضها بالنباتية وبعضها بالحيوانية ؟ فثبت أن المؤثر والمدبر قادر والقادر لا يمكنه مثل هذه الأفعال العجيبة إلا إذا كان عالما / ثم إن هذا المدبر الذي ليس بجسم ولا جسماني لا بد وأن يكون واجب الوجود في ذاته وفي صفاته وإلا لافتقر إلى مدبر آخر ويلزم التسلسل وهو محال ، وإذا كان واجب الوجود في قادريته وعالميته والواجب لذاته لا يتخصص ببعض الممكنات دون البعض وجب ( أن ) يكون عالما بكل ما صح أن يكون معلوما وقادرا على كل ما صح أن يكون مقدورا فظهر بهذه الدلالة التي تمسك بها موسى عليه السلام ونبه على تقريرها استناد العالم إلى مدبر ليس بجسم ولا جسماني وهو واجب الوجود في ذاته وفي صفاته عالم بكل المعلومات قادر على كل المقدورات وذلك هو الله سبحانه وتعالى .

Bölüm V22/P057

المسألة الثامنة : أن فرعون خاطب الاثنين بقوله : { فمن ربكما } ثم وجه النداء إلى أحدهما وهو موسى عليه السلام لأنه الأصل في النبوة وهرون وزيره وتابعه ، وإما لأن فرعون كان لخبثه يعلم الرتة التي في لسان موسى عليه السلام فأراد استنطاقه دون أخيه لما عرف من فصاحته والرتة التي في لسان موسى عليه السلام ويدل عليه قوله : { أم أنا خير من هاذا الذى هو مهين ولا يكاد يبين } ( الزخرف : 52 ) . المسألة التاسعة : في قوله : { الذى أعطى كل شىء خلقه ثم هدى } وجهان : أحدهما : التقديم والتأخير أي أعطى خلقه كل شيء يحتاجون إليه ويرتفقون به . وثانيهما : أن يكون المراد من الخلق الشكل والصورة المطابقة للمنفعة فكأنه سبحانه قال : أعطى كل شيء الشكل الذي يطابق منفعته ومصلحته ، وقرىء خلقه صفة للمضاف أو المضاف إليه ، والمعنى أن كل شيء خلقه الله لم يخله من إعطائه وإنعامه ، وأما قوله تعالى : { قال فما بال القرون الاولى } فاعلم أن في ارتباط هذا الكلام بما قبله وجوها . أحدها : أن موسى عليه السلام لما قرر على فرعون أمر المبدأ والمعاد قال فرعون : إن كان إثبات المبدأ في هذا الحد من الظهور : { فما بال القرون الاولى } ما أثبتوه وتركوه ؟ فكان موسى عليه السلام لما استدل بالدلالة القاطعة على إثبات الصانع قدح فرعون في تلك الدلالة بقوله إن كان الأمر في قوة هذه الدلالة على ما ذكرت وجب على أهل القرون الماضية أن لا يكونوا غافلين عنها فعارض الحجة بالتقليد . وثانيها : أن موسى عليه السلام هدد بالعذاب أولا في قوله : { إنا قد أوحى إلينا أن العذاب على من كذب وتولى } ( طه : 48 ) فقال فرعون : { فما بال القرون الاولى } فإنها كذبت ثم إنهم ما عذبوا ؟ وثالثها : وهو الأظهر أن فرعون لما قال : { فمن ربكما ياموسى موسى } فذكر موسى عليه السلام دليلا ظاهرا وبرهانا باهرا على هذا المطلوب / فقال : { ربنا الذى أعطى كل شىء خلقه ثم هدى } فخاف فرعون أن يريد في تقرير تلك الحجة فيظهر للناس صدقه وفساد طريق فرعون فأراد أن يصرفه عن ذلك الكلام وأن يشغله بالحكايات فقال : { فما بال القرون الاولى } فلم يلتفت موسى عليه السلام إلى ذلك الحديث بل قال : { علمها عند ربى فى كتاب } ولا يتعلق غرضي بأحوالهم فلا أشتغل بها ، ثم عاد إلى تتميم كلامه الأول وإيراد الدلائل الباهرة على الوحدانية فقال : { الذى خلق لكم الارض مهدا وسلك لكم فيها سبلا } وهذا الوجه هو المعتمد في صحة هذا النظم ، ثم ههنا مسائل :

Bölüm V22/P057–V22/P058

المسألة الأولى : اختلفوا في قوله : { علمها عند ربى فى كتاب } فإن العلم الذي يكون عند الرب كيف يكون في الكتاب ؟ وتحقيقه هو أن علم الله تعالى صفته وصفة الشيء قائمة به ، فأما أن تكون صفة الشيء حاصلة في كتاب فذاك غير معقول فذكروا فيه وجهين : الأول : معناه أنه سبحانه أثبت تلك الأحكام في كتاب عنده لكون ما كتبه فيه يظهر للملائكة فيكون ذلك زيادة لهم في الاستدلال على أنه تعالى عالم بكل المعلومات منزه عن السهو والغفلة ، ولقائل أن يقول قوله : { فى كتاب } يوهم احتياجه سبحانه وتعالى في ذلك العلم إلى ذلك الكتاب وهذا وإن كان غير واجب لا محالة ولكنه لا أقل من أنه يوهمه في أول الأمر لا سيما للكافر فكيف يحسن ذكره مع معاند مثل فرعون في وقت الدعوة ؟ الوجه الثاني : أن تفسير ذلك بأن بقاء تلك المعلومات في علمه سبحانه كبقاء المكتوب في الكتاب فيكون الغرض من هذا الكلام تأكيد القول بأن أسرارها معلومة لله تعالى بحيث لا يزول شيء منها عن علمه ، وهذا التفسير مؤكد بقوله بعد ذلك : { لا يضل ربى ولا ينسى } . المسألة الثانية : اختلفوا في قوله : { لا يضل ربى ولا ينسى } فقال بعضهم معنى اللفظين واحد أي لا يذهب عليه شيء ولا يخفى عليه وهذا قول مجاهد والأكثرون على الفرق بينهما ، ثم ذكروا وجوها . أحدها : وهو الأحسن ما قاله القفال لا يضل عن الأشياء ومعرفتها وما علم من ذلك لم ينسه فاللفظ الأول إشارة إلى كونه عالما بكل المعلومات واللفظ الثاني وهو قوله : ولا ينسى دليل على بقاء ذلك العلم أبد الآباد وهو إشارة إلى نفي التغير . وثانيها : قال مقاتل : لا يخطىء ذلك الكتاب ربي ولا ينسى ما فيه . وثالثها : قال الحسن لا يخطىء وقت البعث ولا ينساه . ورابعها : قال أبو عمرو أصل الضلال الغيبوبة والمعنى لا يغيب عن شيء ولا يغيب عنه شيء . وخامسها : قال ابن جرير لا يخطىء في التدبير فيعتقد في غير الصواب كونه صوابا وإذا عرفه لا ينساه وهذه الوجوه متقاربة والتحقيق هو الأول . المسألة الثالثة : أنه لما سأله عن الإله وقال : { فمن ربكما ياموسى موسى } وكان ذلك مما سبيله الإستدلال أجاب بما هو الصواب بأوجز عبارة وأحسن معنى ، ولما سأله عن شأن القرون الأولى وكان ذلك مما سبيله الإخبار ولم يأته في ذلك خبر وكله إلى عالم الغيوب ، واعلم أن موسى عليه السلام / لما ذكر الدلالة الأولى وهي دلالة عامة تتناول جميع المخلوقات من الإنسان وسائر الحيوانات وأنواع النبات والجمادات ذكر بعد ذلك دلائل خاصة وهي ثلاثة . أولها : قوله تعالى : { الذى جعل لكم الارض مهدا } وفيه أبحاث : البحث الأول : قرأ أهل الكوفة ههنا وفي الزخرف { مهادا } والباقون قرؤوا مهادا فيهما قال أبو عبيدة : الذي اختاره مهادا وهو اسم والمهد اسم الفعل ، وقال غيره : المهد الاسم والمهاد الجمع كالفرش والفراش أجاب أبو عبيدة بأن الفراش اسم والفرش فعل ، وقال المفضل هما مصدران لمهد إذا وطأ له فراشا يقال مهد مهدا ومهادا وفرش فرشا وفراشا . البحث الثاني : قال صاحب ( الكشاف ) : { الذى جعل } مرفوع لأنه خبر مبتدأ محذوف أو لأنه صفة لربي أو منصوب على المدح وهذا من مظانه ومجازه ، واعلم أنه يجب الجزم بكونه خبرا لمبتدأ محذوف إذ لو حملناه على الوجهين الباقيين لزم كونه من كلام موسى عليه السلام ولو كان كذلك لفسد النظم بسبب قوله : { فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى } على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى .

Bölüm V22/P058–V22/P059

البحث الثالث : المراد من كون الأرض مهدا أنه تعالى جعلها بحيث يتصرف العباد وغيرهم عليها بالقعود والقيام والنوم والزراعة وجميع وجوه المنافع وقد ذكرناه مستقصى في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : { الذى جعل لكم الارض فراشا والسماء بناء } . وثانيها : قوله تعالى : { وسلك لكم فيها سبلا } قال صاحب ( الكشاف ) سلك من قوله : { ما سلككم فى سقر } ( المدثر : 42 ) { كذلك سلكناه في قلوب المجرمين } ( الشعراء : 200 ) أي جعل لكم فيها سبلا ووسطها بين الجبال والأودية والبراري . وثالثها : قوله : { وأنزل من السماء ماء } والكلام فيه قد مر في سورة البقرة أما قوله : { فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قوله : { فأخرجنا } فيه وجوه . أحدها : أن يكون هذا من تمام كلام موسى عليه السلام كأنه يقول ربي الذي جعل لكم كذا وكذا فأخرجنا نحن معاشر عباده بذلك الماء بالحراثة أزواجا من نبات شتى . وثانيها : أن عند قوله : { وأنزل من السماء ماء } تم كلام موسى عليه السلام ثم بعد ذلك أخبر الله تعالى عن صفة نفسه متصلا بالكلام الأول بقوله : { فأخرجنا به } ثم يدل على هذا الاحتمال قوله : { كلوا وارعوا أنعامكم } . وثالثها : قال صاحب ( الكشاف ) انتقل فيه من لفظ الغيبة إلى لفظ المتكلم المطاع للإيذان بأنه سبحانه وتعالى مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لأمره ومثله قوله تعالى : { وهو الذى أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شىء } ( الأنعام : 99 ) { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها } ( فاطر : 27 ) { أمن خلق السماوات والارض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة } ( النمل : 60 ) واعلم أن قوله : { فأخرجنا } إما أن يكون من كلام موسى عليه السلام أو من كلام الله تعالى والأول باطل لأن قوله بعد ذلك : { كلوا وارعوا أنعامكم إن فى ذالك لأيات لاولى النهى منها خلقناكم وفيها نعيدكم } لا يليق بموسى عليه السلام وأيضا فقوله : { فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى } لا يليق بموسى لأن أكثر ما في قدرة موسى عليه السلام صرف المياه إلى سقي الأراضي وأما إخراج النبات على اختلاف ألوانها وطبائعها فليس من موسى عليه السلام فثبت أن هذا كلام الله ولا يجوز أن يقال كلام الله ابتداؤه من قوله : { فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى } لأن الفاء يتعلق بما قبله فلا يجوز جعل هذا كلام الله تعالى وجعل ما قبله كلام موسى عليه السلام فلم يبق إلا أن يقال : إن كلام موسى عليه السلام تم عند قوله : { لا يضل ربى ولا ينسى } ثم ابتدىء كلام الله تعالى من قوله : { الذى جعل لكم الارض مهدا } ويكون التقدير هو الذي { جعل لكم الارض مهدا } فيكون الذي خبر مبتدأ محذوف ويكون الانتقال من الغيبة إلى الخطاب التفاتا . المسألة الثانية : ظاهر الآية يدل على أنه سبحانه إنه يخرج النبات من الأرض بواسطة إنزال الماء فيكون للماء فيه أثر وهذا بتقدير ثبوته لا يقدح في شيء من أصول الإسلام لأنه سبحانه وتعالى هو الذي أعطاها هذه الخواص والطبائع لكن المتقدمين من المتكلمين ينكرونه ويقولون لا تأثير له فيه ألبتة .

Bölüm V22/P059–V22/P060

المسألة الثالثة : قوله تعالى : { أزواجا } أي أصنافا سميت بذلك لأنها مزدوجة مقرونة بعضها مع بعض { شتى } صفة للأزواج جمع شتيت كمريض ومرضى ويجوز أن يكون صفة للنبات والنبات مصدر سمي به النابت كما يسمى بالنبت فاستوى فيه الواحد والجمع يعني أنها شتى مختلفة النفع والطعم والطبع بعضها يصلح للناس وبعضها يصلح للبهائم أما قوله : { كلوا وارعوا أنعامكم } فهو حال من الضمير في أخرجنا والمعنى أخرجنا أصناف النبات آذنين في الانتفاع بها مبيحين أن تأكلوا بعضها وتعلفوا بعضها . وقد تضمن قوله كلوا سائر وجوه المنافع فهو كقوله : { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } ( البقرة : 188 ) وقوله : { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما } ( النساء : 10 ) وقوله : { كلوا } أمر إباحة { إن فى ذلك } أي فيما ذكرت من هذه النعم { لايات } أي لدلالات لذوي النهى أي العقول والنهية العقل . قال أبو علي الفارسي : النهي يجوز أن يكون مصدرا كالهدى ويجوز أن يكون جمعا أما قوله : { منها خلقناكم } فاعلم أنه سبحانه لما ذكر منافع الأرض والسماء بين أنها غير مطلوبة لذاتها بل هي مطلوبة لكونها وسائل إلى منافع الآخرة فقال : { منها خلقناكم } وفيه سؤالان : السؤال الأول : ما معنى قوله : { منها خلقناكم } مع أنه سبحانه وتعالى خلقنا من نطفة على ما بين ذلك في سائر الآيات . والجواب من وجهين : الأول : أنه لما خلق أصلنا وهو آدم عليه السلام من التراب على ما قال : { كمثل ءادم خلقه من تراب } ( آل عمران : 59 ) لا جرم أطلق ذلك علينا . الثاني : أن تولد الإنسان إنما هو من النطفة ودم الطمث وهما يتولدان من الأغذية ، والغذاء إما حيواني أو نباتي والحيواني ينتهي إلى النبات والنبات إنما يحدث من امتزاج الماء والتراب فصح أنه تعالى خلقنا منها وذلك لا ينافي كوننا مخلوقين / من النطفة . والثالث : ذكرنا في قوله تعالى : { هو الذي يصوركم في الارحام } ( آل عمران : 6 ) خبر ابن مسعود أن الله يأمر ملك الأرحام أن يكتب الأجل والرزق والأرض التي يدفن فيها وأنه يأخذ من تراب تلك البقعة ويذره على النطفة ثم يدخلها في الرحم .

Bölüm V22/P060–V22/P061

السؤال الثاني : ظاهر الآية يدل على أن الشيء قد يكون مخلوقا من الشيء وظاهر قول المتكلمين يأباه . والجواب : إن كان المراد من خلق الشيء من الشيء إزالة صفة الشيء الأول عن الذات وأحداث صفة الشيء الثاني فيه فذلك جائز لأنه لا منافاة فيه ، أما قوله تعالى : { وفيها نعيدكم } فلا شبهة في أن المراد الإعادة إلى القبور حتى تكون الأرض مكانا وظرفا لكل من مات إلا من رفعه الله إلى السماء ، ومن هذا حاله يحتمل أن يعاد إليها أيضا بعد ذلك ، أما قوله تعالى : { ومنها نخرجكم تارة أخرى } ففيه وجوه : أحدها : وهو الأقرب : { ومنها نخرجكم } يوم الحشر والبعث . وثانيها : ومنها نخرجكم ترابا وطينا ثم نحييكم بعد الإخراج وهذا مذكور في بعض الأخبار . وثالثها : المراد عذاب القبر عن البراء قال : ( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فذكر عذاب القبر وما يخاطب به المؤمن والكافر وأنه ترد روحه في جسده ويرد إلى الأرض وأنه تعالى يقول عند إعادتهم إلى الأرض إني وعدتهم أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى ) ، واعلم أن الله تعالى عدد في هذه الآيات منافع الأرض وهي أنه تعالى جعلها لهم فراشا ومهادا يتقلبون عليها وسوى لهم فيها مسالك يترددون فيها كيف أرادوا وأنبت فيها أصناف النبات التي منها أقواتهم وعلف دوابهم وهي أصلهم الذي منه يتفرعون ثم هي كفاتهم إذا ماتوا ، ومن ثم قال عليه السلام : ( بروا بالأرض فإنها بكم برة ) . ! 7 < { ولقد أريناه ءاياتنا كلها فكذب وأبى قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك ياموسى فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى } > 7 < طه : ( 56 - 58 ) ولقد أريناه آياتنا . . . . . > >

Bölüm V22/P061

اعلم أنه تعالى بين أنه أرى فرعون الآيات كلها ثم إنه لم يقبلها واختلفوا في المراد بالآيات ، فقال بعضهم أراد كل الأدلة ما يتصل بالتوحيد وما يتصل بالنبوة ، أما التوحيد فما ذكر في هذه السورة من قوله : { ربنا الذى أعطى كل شىء خلقه ثم هدى } ( طه : 50 ) وقوله : { الذى جعل لكم الارض مهدا } ( طه : 53 ) / الآية ، وما ذكر في سورة الشعراء : { قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والارض } ( الشعراء : 23 ، 24 ) الآيات ، وأما النبوة فهي الآيات التسع التي خص الله بها موسى عليه السلام وهي العصا واليد وفلق البحر والحجر والجراد والقمل والضفادع والدم ونتق الجبل وعلى هذا التقرير معنى أريناه عرفناه صحتها وأوضحنا له وجه الدلالة فيها ، ومنهم من حمل ذلك على ما يتصل بالنبوة وهي هذه المعجزات ، وإنما أضاف الآيات إلى نفسه سبحانه وتعالى مع أن المظهر لها موسى عليه السلام لأنه أجراها على يديه كما أضاف نفخ الروح إلى نفسه فقال : { فنفخنا فيها من روحنا } ( الأنبياء : 91 ) مع أن النفخ كان من جبريل عليه السلام ، فإن قيل قوله : كلها يفيد العموم والله تعالى ما أراه جميع الآيات لأن من جملة الأيات ما أظهرها على الأنبياء عليهم السلام الذين كانوا قبل موسى عليه السلام والذين كانوا بعده قلنا : لفظ الكل وإن كان للعموم لكن قد يستعمل في الخصوص عند القرينة كما يقال دخلت السوق فاشتريت كل شيء أو يقال إن موسى عليه السلام أراه آياته وعدد عليه آيات غيره من الأنبياء عليهم السلام فكذب فرعون بالكل أو يقال تكذيب بعض المعجزات يقتضي تكذيب الكل فحكى الله تعالى ذلك على الوجه الذي يلزم ثم إنه سبحانه وتعالى حكى عنه أنه كذب وأبى قال القاضي : الإباء الامتناع وإنه لا يوصف به إلا من يتمكن من الفعل والترك ولأن الله تعالى ذمه بأنه كذب وبأنه أبى ولو لم يقدر على ما هو فيه لم يصح ، واعلم أن هذا السؤال مر في سورة البقرة في قوله : { إلا إبليس أبى واستكبر } ( البقرة : 34 ) والجواب مذكور هناك ، ثم حكى الله تعالى شبهة فرعون وهي قوله : { أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك ياموسى موسى } وتركيب هذه الشبهة عجيب وذلك لأنه ألقى في مسامعهم ما يصيرون به مبغضين له جدا وهو قوله : { أجئتنا لتخرجنا من أرضنا } وذلك لأن هذا مما يشق على الإنسان في النهاية ولذلك جعله الله تعالى مساويا للقتل في قوله : { أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم } ( النساء : 66 ) ثم لما صاروا في نهاية البغض له أورد الشبهة الطاعنة في نبوته عليه السلام وهي أن ما جئتنا به سحر لا معجز ، ولما علم أن المعجز إنما يتميز عن السحر لكون المعجز مما يتعذر معارضته والسحر مما يمكن معارضته قال : { فلنأتينك بسحر مثله } أما قوله تعالى : { فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت } فاعلم أن الموعد يجوز أن يكون مصدرا ويجوز أن يكون اسما لمكان الوعد كقوله : { وإن جهنم لموعدهم أجمعين } ( الحجر : 43 ) وأن يكون اسما لزمان الوعد كقوله : { إن موعدهم الصبح } ( هود : 81 ) والذي في هذه الآية بمعنى المصدر أي اجعل بيننا وبينك وعدا لا نخلفه لأن الوعد هو الذي يصح وصفه بالخلف . أما الزمان والمكان فلا يصح وصفهما بذلك ، ومما يؤكد ذلك أن الحسن قرأ يوم الزينة بالنصب وذلك لا يطابق المكان والزمان وإنما نصب مكانا لأنه هو المفعول الثاني للجعل والتقدير اجعل مكان موعد لا نخلفه مكانا سوى .

Bölüm V22/P061–V22/P062

أما قوله : { سوى } فاعلم أنه قرأ عاصم وحمزة وابن عامر { سوى } بضم السين والباقون بكسرها وهما لغتان مثل طوى وطوى ، وقرىء أيضا منونا وغير منون ، وذكروا في معناه وجوها : / أحدها : قال أبو علي مكانا تستوي مسافته على الفريقين وهو المراد من قول مجاهد قال قتادة منصفا بيننا . وثانيها : قال ابن زيد : { سوى } أي مستويا لا يحجب العين ما فيه من الارتفاع والانخفاض فسوى على التقدير الأول صفة المسافة وعلى هذا التقدير صفة المكان والمقصود أنهم طلبوا موضعا مستويا لا يكون فيه ارتفاع ولا انخفاض حتى يشاهد كل الحاضرين كل ما يجري . وثالثها : مكانا يستوي حالنا في الرضاء به . ورابعها : قال الكلبي : مكانا سوى هذا المكان الذي نحن فيه الآن .

Bölüm V22/P062

! 7 < { قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى } > 7 ! < < طه : ( 59 - 62 ) قال موعدكم يوم . . . . . > > إعلم أن في الآية مسائل : المسألة الأولى : يحتمل أن قوله تعالى : { قال موعدكم } أن يكون من قول فرعون فبين الوقت ويحتمل أن يكون من قول موسى عليه السلام ، قال القاضي والأول أظهر لأنه المطالب بالاجتماع دون موسى عليه السلام ، وعندي الأظهر أنه من كلام موسى عليه السلام لوجوه . أحدها : أنه جواب لقول فرعون فاجعل بيننا وبينك موعدا . وثانيها : وهو أن تعيين يوم الزينة يقتضي اطلاع الكل على ما سيقع فتعيينه إنما يليق بالمحق الذي يعرف أن اليد له لا المبطل الذي يعرف أنه ليس معه إلا التلبيس . وثالثها : أن قوله : موعدكم خطاب للجمع فلو جعلناه من فرعون إلى موسى وهرون لزم إما حمله على التعظيم وذلك لا يليق بحال فرعون معهما أو على أن أقل الجمع إثنان وهو غير جائز أما لو جعلناه من موسى عليه السلام إلى فرعون وقومه استقام الكلام . المسألة الثانية : يوم الزينة قرأ بعضهم بضم الميم وقرأ الحسن بالنصب قال الزجاج : إذا رفع فعلى خبر المبتدأ والمعنى وقت موعدكم يوم الزينة ومن نصب فعلى الظرف معناه موعدكم يقع يوم الزينة وقوله : { وأن يحشر الناس ضحى } معناه موعدكم حشر الناس ضحى فموضع أن يكون رفعا ويجوز فيه الخفض عطفا على الزينة كأنه قال موعدكم يوم الزينة ويوم يحشر الناس ضحى فإن قيل ألستم قلتم في تفسير قوله : { أجعل بيننا وبينك موعدا } إن التقدير اجعل مكان موعد لا نخلفه مكانا سوى فهذا كيف يطابقه الجواب بذكر الزمان ؟ قلنا هو مطابق معنى وإن لم يطابق لفظا / لأنهم لا بد لهم من أن يجتمعوا يوم الزينة في مكان معين مشهود باجتماع الناس في ذلك اليوم فبذكر الزمان علم المكان .

Sorular