Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
السؤال الأول : لم سمي ما يجدونه من الثواب والجنة بالميراث ؟ مع أنه سبحانه حكم بأن الجنة حقهم في قوله : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة } الجواب : من / وجوه : الأول : ما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو أبين على ما يقال فيه وهو : أنه لا مكلف إلا أعد الله له في النار ما يستحقه إن عصى وفي الجنة ما يستحقه إن أطاع وجعل لذلك علامة . فإذا آمن منهم البعض ولم يؤمن البعض صار منزل من لم يؤمن كالمنقول إلى المؤمنين وصار مصيرهم إلى النار الذي لا بد معه من حرمان الثواب كموتهم ، فسمى ذلك ميراثا لهذا الوجه ، وقد قال الفقهاء إنه لا فرق بين ما ملكه الميت وبين ما يقدر فيه الملك في أنه يورث عنه كذلك قالوا في الدية التي تجب بالقتل إنها تورث مع أنه ما ملكها على التحقيق وذلك يشهد بما ذكرنا ، فإن قيل إنه تعالى وصف كل الذي يستحقونه إرثا وعلى ما قلتم يدخل في الإرث ما كان يستحقه غيرهم لو أطاع . قلنا لا يمتنع أنه تعالى جعل ما هو منزلة لهذا المؤمن بعينه منزلة لذلك الكافر لو أطاع لأنه عند ذلك وكان يزيد في المنازل فإذا آمن هذا عدل بذلك إليه وثانيها : أن انتقال الجنة إليهم بدون محاسبة ومعرفة بمقاديره يشبه انتقال المال إلى الوارث وثالثها : أن الجنة كانت مسكن أبينا آدم عليه السلام فإذا انتقلت إلى أولاده صار ذلك شبيها بالميراث . السؤال الثاني : كيف حكم على الموصوفين بالصفات السبع بالفلاح مع أنه تعالى ما تمم ذكر العبادات الواجبة كالصوم والحج والطهارة والجواب : أن قوله : { والذين هم لاماناتهم وعهدهم راعون } يأتي على جميع الواجبات من الأفعال والتروك كما قدمنا والطهارات دخلت في جملة المحافظة على الصلوات الخمس لكونها من شرائطها . السؤال الثالث : أفيدل قوله تعالى : { أولئك هم الوارثون } على أنه لا يدخلها غيرهم ؟ الجواب : أن قوله : { هم الوارثون } يفيد الحصر لكنه يجب ترك العمل به لأنه ثبت أن الجنة يدخلها الأطفال والمجانين والولدان والحور العين ويدخلها الفساق من أهل القبلة بعد العفو ، لقوله تعالى : { ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } . السؤال الرابع : أفكل الجنة هو الفردوس ؟ الجواب : الفردوس هو الجنة بلسان الحبشة وقيل بلسان الروم ، وروى أبو موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( الفردوس مقصورة الرحمن فيها الأنهار والأشجار ) وروى أبو أمامة عنه عليه السلام أنه قال : ( سلوا الله الفردوس فإنها أعلى الجنان ، وإن أهل الفردوس يسمعون أطيط العرش ) . السؤال الخامس : هل تدل الآية على أن هذه الصفات هي التي لها ولأجلها يكونون مؤمنين أم لا ؟ الجواب : ادعى القاضي أن الأمر كذلك بناء على مذهبه أن الإيمان اسم شرعي موضوع لأداء كل الواجبات ، وعندنا أن الآية لا تدل على ذلك ، لأن قوله : { قد أفلح المؤمنون الذين هم فى صلاتهم خاشعون } مثل قد أفلح الناس الأذكياء العدول ، فإن هذا لا يدل على أن الزكاة والعدالة داخلان في مسمى الناس فكذا ههنا .
السؤال السادس : روي أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( لما خلق الله تعالى جنة عدن قال / لها تكلمي فقالت : قد أفلح المؤمنون ) وقال كعب : ( خلق الله آدم بيده وكتب التوراة بيده وغرس شجرة طوبى بيده ، ثم قال لها تكلمي فقالت : قد أفلح المؤمنون ) ، وروي أنه عليه السلام قال : ( إذا أحسن العبد الوضوء وصلى الصلاة لوقتها وحافظ على ركوعها وسجودها ومواقيتها قالت حفظك الله كما حافظت علي ، وشفعت لصاحبها . وإذا أضاعها قالت أضاعك الله كما ضيعتني وتلف كما يلف الثوب الخلق فيضرب بها وجه صاحبها ) الجواب : أما كلام الجنة فالمراد به أنها أعدت للمؤمنين فصار ذلك كالقول منها ، وهو كقوله تعالى : { قالتا أتينا طائعين } ( فصلت : 11 ) وأما أنه تعالى خلق الجنة بيده فالمراد تولى خلقها لا أنه وكله إلى غيره ، وأما أن الصلاة تثنى على من قام بحقها فهو في الجواز أبعد من كلام الجنة ، لأن الصلاة حركات وسكنات ولا يصح عليها أن تتصور وتتكلم فالمراد منه ضرب المثل كما يقول القائل للمنعم إن إحسانك إلي ينطق بالشكر . السؤال السابع : هل تدل الآية على أن الفردوس مخلوقة ؟ الجواب : قال القاضي دل قوله تعالى : { أكلها دائم } ( الرعد : 35 ) على أنها غير مخلوقة فوجب تأويل هذه الآية ، كأنه تعالى قال إذا كان يوم القيامة يخلق الله الجنة ميراثا للمؤمنين أو وإذا خلقها تقول على مثال ما تأولنا عليه قوله تعالى : { ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة } ( الأعراف : 50 ) وهذا ضعيف لأنه ليس إضمار ما ذكره في هذه الآية أولى من أن يضمر في قوله : { أكلها دائم } ( الرعد : 35 ) ثم إن أكلها دائم ، يوم القيامة ، وإذا تعارض هذان الظاهران فنحن نتمسك في أن الجنة مخلوقة بقوله تعالى : { أعدت للمتقين } ( آل عمران : 133 ) . ! 7 < { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا ءاخر فتبارك الله أحسن الخالقين ثم إنكم بعد ذالك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون ولقد خلقنا فوقكم سبع طرآئق وما كنا عن الخلق غافلين } . > 7 < المؤمنون : ( 12 - 16 ) ولقد خلقنا الإنسان . . . . . > > اعلم أنه سبحانه لما أمر بالعبادات في الآية المتقدمة ، والاشتغال بعبادة الله لا يصح إلا بعد معرفة الإله الخالق ، لا جرم عقبها بذكر ما يدل على وجوده واتصافه بصفات الجلال والوحدانية فذكر من الدلائل أنواعا : / النوع الأول : الاستدلال يتقلب الإنسان في أدوار الخلقة وأكوان الفطرة وهي تسعة :
المرتبة الأولى : قوله سبحانه تعالى : { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين } والسلالة الخلاصة لأنها تسل من بين الكدر ، فعالة وهو بناء يدل على القلة كالقلامة والقمامة ، واختلف أهل التفسير في الإنسان فقال ابن عباس وعكرمة وقتادة ومقاتل : المراد منه آدم عليه السلام فآدم سل من الطين وخلقت دريته من ماء مهين ، ثم جعلنا الكناية راجعة إلى الإنسان الذي هو ولد آدم ، والإنسان شامل لآدم عليه السلام ولولده ، وقال آخرون : الإنسان ههنا ولد آدم والطين ههنا اسم آدم عليه السلام ، والسلالة هي الأجزاء الطينية المبثوثة في أعضائه التي لما اجتمعت وحصلت في أوعية المنى صارت منيا ، وهذا التفسير مطابق لقوله تعالى : { وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء معين } ( السجدة : 7 ، 8 ) وفيه وجه آخر ، وهو أن الإنسان إنما يتولد من النطفة وهي إنما تتولد من فضل الهضم الرابع وذلك إنما يتولد من الأغذية ، وهي إما حيوانية وإما نياتية ، والحيوانية تنتهي إلى النباتية ، والنبات إنما يتولد من صفو الأرض والماء فالإنسان بالحقيقة يكون متولدا من سلالة من طين ، ثم إن تلك السلالة بعد أن تواردت على أطوار الخلقة وأدوار الفطرة صارت منيا ، وهذا التأويل مطابق للفظ ولا يحتاج فيه إلى التكلفات . المرتبة الثانية : قوله تعالى : { ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين } ومعنى جعل الإنسان نطفة أنه خلق جوهر الإنسان أولا طينا ، ثم جعل جوهره بعد ذلك نطفة في أصلاب الآباء فقذفه الصلب بالجماع إلى رحم المرأة فصار الرحم قرارا مكينا لهذه النطفة والمراد بالقرار موضع القرار وهو المستقر فسماه بالمصدر ثم وصف الرحم بالمكانة التي هي صفة المستقر فيها كقولك طريق سائر أو لمكانتها في نفسها لأنها تمكنت من حيث هي وأحرزت . المرتبة الثالثة : قوله تعالى : { ثم خلقنا النطفة علقة } أي حولنا النطفة عن صفاتها إلى صفات العلقة وهي الدم الجامد . المرتبة الرابعة : قوله تعالى : { فخلقنا العلقة مضغة } أي جعلنا ذلك الدم الجامد مضغة أي قطعة لحم كأنها مقدار ما يمضغ كالغرفة وهي مقدار ما يغترف ، وسمى التحويل خلقا لأنه سبحانه يفني بعض أعراضها ويخلق أعراضا غيرها فسمى خلق الأعراض خلقا لها وكأنه سبحانه وتعالى يخلق فيها أجزاء زائدة . المرتبة الخامسة : قوله : { فخلقنا المضغة عظاما } أي صيرناها كذلك وقرأ ابن عامر عظما والمراد منه الجمع كقوله : { والملك صفا صفا } . المرتبة السادسة : قوله تعالى : { فكسونا العظام لحما } وذلك لأن اللحم يستر العظم فجعله كالكسوة لها .
المرتبة السابعة : قوله تعالى : { ثم خلقنا النطفة علقة } أي خلقا مباينا للخلق الأول مباينة / ما أبعدها حيث جعله حيوانا وكان جمادا ، وناطقا وكان أبكم ، وسميعا وكان أصم ، وبصيرا وكان أكمه ، وأودع باطنه وظاهره بل كل عضو من أعضائه وكل جزء من أجزائه عجائب فطرة وغرائب حكمة لا يحيط بها وصف الواصفين ، ولا شرح الشارحين ، وروى العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : هو تصريف الله إياه بعد الولادة في أطواره في زمن الطفولية وما بعدها إلى استواء الشباب ، وخلق الفهم والعقل وما بعده إلى أن يموت ، ودليل هذا القول إنه عقبه بقوله : { ثم إنكم بعد ذالك لميتون } وهذا المعنى مروي أيضا عن ابن عباس وابن عمر ، وإنما قال : { أنشأناه } لأنه جعل إنشاء الروح فيه ، وإتمام خلقه إنشاء له قالوا في الآية دلالة على بطلان قول النظام في أن الإنسان هو الروح لا البدن فإنه سبحانه بين أن الإنسان هو المركب من هذه الصفات ، وفيها دلالة أيضا على بطلان قول الفلاسفة الذين يقولون إن الإنسان شيء لا ينقسم ، وإنه ليس بجسم . أما قوله : { فتبارك الله } أي فتعالى الله فإن البركة يرجع معناها إلى الامتداد والزيادة ، وكل ما زاد على الشيء فقد علاه ، ويجوز أن يكون المعنى ، والبركات والخيرات كلها من الله تعالى ، وقيل أصله من البروك وهو الثبات ، فكأنه قال والبقاء والدوام . والبركات كلها منه فهو المستحق للتعظيم والثناء ، وقوله : { أحسن الخالقين } أي أحسن المقدرين تقديرا فترك ذكر المميز لدلالة الخالقين عليه وههنا مسائل : المسألة الأولى : قالت المعتزلة لولا أن الله تعالى قد يكون خالقا لفعله إذا قدره لما جاز القول بأنه أحسن الخالقين ، كما لو لم يكن في عباده من يحكم ويرحم لم يجز أن يقال فيه أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين ، والخلق في اللغة هو كل فعل وجد من فاعله مقدرا لا على سهو وغفلة ، والعباد قد يفعلون ذلك على هذا الوجه ، قال الكعبي هذه الآية ، وإن دلت على أن العبد خالق إلا أن اسم الخالق لا يطلق على العبد إلا مع القيد كما أنه يجوز أن يقال رب الدار ، ولا يجوز أن يقال رب بلا إضافة ، ولا يقول العبد لسيده هو ربي ، ولا يقال إنما قال الله تعالى ذلك لأنه سبحانه وصف عيسى عليه السلام بأنه يخلق من الطين كهيئة الطير لأنا نجيب عنه من وجهين : أحدهما : إن ظاهر الآية يقتضي أنه سبحانه { أحسن الخالقين } الذين هم جمع فحمله على عيسى خاصة لا يصح الثاني : أنه إذا صح وصف عيسى بأنه يخلق صح وصف غيره من المصورين أيضا بأنه يخلق ؟ وأجاب أصحابنا بأن هذه الآية معارضة بقول الله تعالى : { الله خالق كل شىء } ( الزمر : 62 ) فوجب حمل هذه الآية على أنه { أحسن الخالقين } في اعتقادكم وظنكم ، كقوله تعالى : { وهو أهون عليه } ( الروم : 27 ) أي هو أهون عليه في اعقتادكم وظنكم والجواب الثاني : هو أن الخالق هو المقدر لأن الخلق هو التقدير والآية تدل على أنه سبحانه أحسن المقدرين ، والتقدير يرجع معناه إلى الطن والحسبان ، وذلك في حق الله سبحانه محال ، فتكون الآية من المتشابهات والجواب الثالث : أن الآية تقتضي / كون العبد خالقا بمعنى كونه مقدرا ، لكن لم قلت بأنه خالق بمعنى كونه موجدا .
المسألة الثانية : قالت المعتزلة الآية تدل على أن كل ما خلقه حسن وحكمة وصواب وإلا لما جاز وصفه بأنه أحسن الخالقين ، وإذا كان كذلك وجب أن لا يكون خالقا للكفر والمعصية فوجب أن يكون العبد هو الموجد لهما ؟ والجواب : من الناس من حمل الحسن على الإحكام والاتقان في التركيب والتأليف ، ثم لو حملناه على ما قالوه فعندنا أنه يحسن من الله تعالى كل الأشياء لأنه ليس فوقه أمر ونهي حتى يكون ذلك مانعا له عن فعل شيء . المسألة الثالثة : روى الكلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن عبدالله بن سعد بن أبي سرح كان يكتب هذه الآيات لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلما انتهى إلى قوله تعالى : { خلقا ءاخر } عجب من ذلك فقال : { فتبارك الله أحسن الخالقين } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اكتب فهكذا نزلت ) فشك عبدالله وقال إن كان محمد صادقا فيما يقول فإنه يوحى إلي كما يوحى إليه ، وإن كان كاذبا فلا خير في دينه فهرب إلى مكة فقيل إنه مات على الكفر ، وقيل إنه أسلم يوم الفتح ، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما نزلت هذه الآية قال عمر بن الخطاب : { فتبارك الله أحسن الخالقين } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا نزلت يا عمر . وكان عمر يقول : وافقني ربي في أربع ، في الصلاة خلف المقام ، وفي ضرب الحجاب على النسوة ، وقولي لهن : لتنتهن أو ليبدلنه الله خيرا منكن ، فنزل قوله تعالى : { عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن } ( التحريم : 5 ) والرابع قلت : { فتبارك الله أحسن الخالقين } فقال هكذا نزلت . قال العارفون هذه الواقعة كانت سبب السعادة لعمر ، وسبب الشقاوة لعبد الله كما قال تعالى : { يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا } ( البقرة : 26 ) فإن قيل فعلى كل الروايات قد تكلم البشر ابتداء بمثل نظم القرآن ، وذلك يقدح في كونه معجزا كما ظنه عبدالله والجواب : هذا غير مستبعد إذا كان قدره القدر الذي لا يظهر فيه الإعجاز فسقطت شبهة عبدالله . المرتبة الثامنة : قوله : { ثم إنكم بعد ذالك لميتون } قرأ ابن أبي عبلة وابن محيصن { لمائتون } والفرق بين الميت والمائت ، أن الميت كالحي صفة ثابتة ، وأما المائت فيدل على الحدوث تقول زيد ميت الآن ومائت غدا ، وكقولك يموت ونحوهما ضيق وضائق في قوله : { إليك وضائق به صدرك } ( هود : 12 ) . المرتبة التاسعة : قوله : { ثم إنكم يوم القيامة تبعثون } فالله سبحانه جعل الإماتة التي هي إعدام الحياة والبعث الذي هو إعادة ما يفنيه ويعدمه دليلين أيضا على اقتدار عظيم بعد الإنشاء والاختراع وههنا سؤالات : السؤال الأول : ما الحكمة في الموت ، وهلا وصل نعيم الآخرة وثوابها بنعيم الدنيا فيكون ذلك في الأنعام أبلغ ؟ والجواب : هذا كالمفسدة في حق المكلفين لأنه متى عجل للمرء الثواب فيما يتحمله من المشقة في الطاعات صار إتيانه بالطاعات لأجل تلك المنافع لا لأجل طاعة الله ، يبين ذلك أنه لو قيل لمن يصلي ويصوم إذا فعلت ذلك أدخلناك الجنة في الحال ، فإنه لا يأتي بذلك الفعل / إلا لطلب الجنة ، فلاجرم أخره الله تعالى وبعده بالإماتة ثم الإعادة ليكون العبد عابدا لربه بطاعته لا لطلب الانتفاع .
السؤال الثاني : هذه الآية تدل على نفي عذاب القبر لأنه قال : { ثم إنكم بعد ذالك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون } ولم يذكر بين الأمرين الإحياء في القبر والإماتة والجواب : من وجهين : الأول : أنه ليس في ذكر الحياتين نفي الثالثة والثاني : أن الغرض من ذكر هذه الأجناس الثلاثة الإنشاء والإماتة والإعادة ، والذي ترك ذكره فهو من جنس الإعادة . < < المؤمنون : ( 17 ) ولقد خلقنا فوقكم . . . . . > > النوع الثاني : من الدلائل الاستدلال بخلقة السموات وهو قوله تعالى : { ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين } ( المؤمنون : 17 ) . فقوله : { سبع طرائق } ( المؤمنون : 17 ) أي سبع سموات وإنما قيل لها طرائق لتطارقها بمعنى كون بعضها فوق بعض يقال طارق الرجل نعليه إذا أطبق نعلا على نعل وطارق بين ثوبين إذا لبس ثوبا فوق ثوب . هذا قول الخليل والزجاج والفراء قال الزجاج هو كقوله : { سبع سماوات طباقا } ( نوح : 15 ) وقال علي بن عيسى سميت بذلك لأنها طرائق للملائكة في العروج والهبوط والطيران ، وقال آخرون لأنها طرائق الكواكب فيها مسيرها والوجه في إنعامه علينا بذلك أنه تعالى جعلها موضعا لأرزاقنا بإنزال الماء منها ، وجعلها مقرا للملائكة ، ولأنها موضع الثواب ، ولأنها مكان إرسال الأنبياء ونزول الوحي . أما قوله : { وما كنا عن الخلق غافلين } ( المؤمنون : 17 ) ففيه وجوه : أحدها : ما كنا غافلين بل كنا للخلق حافظين من أن تسقط عليهم الطرائق السبع فتهلكهم وهذا قول سفيان بن عيينة ، وهو كقوله تعالى : { إن الله يمسك السماوات والارض أن تزولا } ( فاطر : 41 ) وثانيها : إنما خلقناها فوقهم لننزل عليهم الأرزاق والبركات منها عن الحسن وثالثها : أنا خلقنا هذه الأشياء فدل خلقنا لها على كمال قدرتنا ثم بين كمال العلم بقوله : { وما كنا عن الخلق غافلين } ( المؤمنون : 17 ) يعني عن أعمالهم وأقوالهم وضمائرهم وذلك يفيد نهاية الزجر ورابعها : وما كنا عن خلق السموات غافلين بل نحن لها حافظون لئلا تخرج عن التقدير الذي أردنا كونها عليه كقوله تعالى : { ما ترى فى خلق الرحمان من تفاوت } ( الملك : 3 ) . واعلم أن هذه الآية دالة على كثير من المسائل : إحداها : أنها دالة على وجود الصانع فإن انقلاب هذه الأجسام من صفة إلى صفة أخرى تضاد الأولى مع إمكان بقائها على تلك الصفة يدل على أنه لابد من محول ومغير . وثانيتها : أنها تدل على فساد القول بالطبيعة فإن شيئا من تلك الصفات لو حصل بالطبيعة لوجب بقاؤها وعدم تغيرها ولو قلت إنما تغيرت تلك الصفات لتغير تلك الطبيعة افتقرت تلك الطبيعة إلى خالق وموجود وثالثتها : تدل على أن المدبر قادر عالم لأن الموجب / والجاهل لا يصدر عنه هذه الأفعال العجيبة ورابعتها : تدل على أنه عالم بكل المعلومات قادر على كل الممكنات وخامستها : تدل على جواز الحشر والنشر نظرا إلى صريح الآية ونظرا إلى أن الفاعل لما كان قادرا على كل الممكنات وعالما بكل المعلومات وجب أن يكون قادرا على إعادة التركيب إلى تلك الأجزاء كما كانت وسادستها : أن معرفة الله تعالى يجب أن تكون استدلالية لا تقليدية وإلا لكان ذكر هذه الدلائل عبثا . النوع الثالث : الاستدلال بنزول الأمطار وكيفية تأثيراتها في النبات . ! 7 < { وأنزلنا من السمآء مآء بقدر فأسكناه فى الا رض وإنا على ذهاب به لقادرون فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون وشجرة تخرج من طور سينآء تنبت بالدهن وصبغ للأكلين } . > 7 <
المؤمنون : ( 18 - 20 ) وأنزلنا من السماء . . . . . > > اعلم أن الماء في نفسه نعمة وأنه مع ذلك سبب لحصول النعم فلا جرم ذكره الله تعالى أولا ثم ذكر ما يحصل به من النعم ثانيا . أما قوله تعالى : { وأنزلنا من السماء ماء بقدر } فقد اختلفوا في السماء فقال الأكثرون من المفسرين إنه تعالى ينزل الماء في الحقيقة من السماء وهو الظاهر من اللفظ ويؤكده قوله : { وفى السماء رزقكم وما توعدون } ( الذاريات : 22 ) وقال بعضهم المراد السحاب وسماه سماء لعلوه ، والمعنى أن الله تعالى أصعد الأجزاء المائية من قعر الأرض إلى البحار ومن البحار إلى السماء حتى صارت عذبة صافية بسبب ذلك التصعيد ، ثم إن تلك الذرات تأتلف وتتكون ثم ينزله الله تعالى على قدر الحاجة إليه ، ولولا ذلك لم ينتفع بتلك المياه لتفرقها في قعر الأرض ولا بماء البحار لملوحته ولأنه لا حيلة في إجراء مياه البحار على وجه الأرض لأن البحار هي الغاية في العمق ، واعلم أن هذه الوجوه إنما يتمحلها من ينكر الفاعل المختار فأما من أقربه فلا حاجة به إلى شيء منها . أما قوله تعالى : { بقدر } فمعناه بتقدير يسلمون معه من المضرة ويصلون إلى المنفعة في الزرع والغرس والشرب ، أو بمقدار ما علمناه من حاجاتهم ومصالحهم . / أما قوله : { فأسكناه فى الارض } قيل معناه جعلناه ثابتا في الأرض ، قال ابن عباس رضي الله عنهما أنزل الله تعالى من الجنة خمسة أنهار سيحون وجيحون ودجلة والفرات والنيل ، ثم يرفعها عند خروج يأجوج ومأجوج ويرفع أيضا القرآن . أماقوله : { وإنا على ذهاب به لقادرون } أي كما قدرنا على إنزاله فكذلك نقدر على رفعه وإزالته ، قال صاحب ( الكشاف ) وقوله : { على ذهاب به } من أوقع النكرات وأخرها للفصل . والمعنى على وجه من وجوه الذهاب به وطريق من طرقه . وفيه إيذان بكمال اقتدار المذهب وأنه لا يعسر عليه شيء وهو أبلغ في الإيعاد من قوله : { قل أرءيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين } ( الملك : 30 ) ثم إنه سبحانه لما نبه على عظيم نعمته بخلق الماء ذكر بعده النعم الحاصلة من الماء فقال : { فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب } وإنما ذكر تعالى النخيل والأعناب لكثرة منافعهما فإنهما يقومان مقام الطعام ومقام الأدام ومقام الفواكه رطبا ويابسا وقوله : { لكم فيها فواكه كثيرة } أي في الجنات ، فكما أن فيها النخيل والأعناب ففيها الفواكه الكثيرة وقوله : { ومنها تأكلون } قال صاحب ( الكشاف ) يجوز أن يكون هذا من قولهم فلان يأكل من حرفة يحترفها ومن صنعة يعملها يعنون أنها طعمته وجهته التي منها يحصل رزقه ، كأنه قال وهذه الجنات وجوه أرزاقكم ومعايشكم منها تتعيشون . أما قوله تعالى : { وشجرة تخرج من طور سيناء } فهو عطف على جنات وقرئت مرفوعة على الابتداء أي ومما أنشأنا لكم شجرة ، قال صاحب ( الكشاف ) طور سيناء وطور سينين لا يخلو إما أن يضاف فيه الطور إلى بقعة اسمها سيناء وسينون ، وإما أن يكون اسما للجبل مركبا من مضاف ومضاف إليه كامرىء القيس وبعلبك فيمن أضاف ، فمن كسر سين سيناء فقد منع الصرف للتعريف والعجمة أو التأنيث لأنها بقعة وفعلاء لا يكون ألفه للتأنيث كعلباء وحرباء / ومن فتح لم يصرفه لأن ألفه للتأنيث كصحراء ، وقيل هو جبل فلسطين وقيل بين مصر وأيلة ، ومنه نودي موسى عليه السلام وقرأ الأعمش سينا على القصر .
أما قوله تعالى : { تنبت بالدهن } فهو في موضع الحل أي تنبت وفيها الدهن ، كما يقال ركب الأمير بجنده ، أي ومعه الجند وقرىء تنبت وفيه وجهان : أحدهما : أن أنبت بمعنى نبت قال زهير : ف رأيت ذوي لحاجات حول بيوتهم قطينا لهم حتى إذا أنبت البقل والثاني : أن مفعوله محذوف ، أي تنبت زيتونها وفيه الزيت ، قال المفسرون : وإنما أضافها الله تعالى إلى هذا الجبل لأن منها تشعبت في البلاد وانتشرت ولأن معظمها هناك . أما قوله : / { وصبغ للاكلين } فعطف على الدهن ، أي إدام للآكلين ، والصبغ والصباغ ما يصطبغ به ، أي يصبغ به الخبز ، وجملة القول أنه سبحانه وتعالى نبه على إحسانه بهذه الشجرة ، لأنها تخرج هذه الثمرة التي يكثر بها الانتفاع وهي طرية ومدخرة ، وبأن تعصر فيظهر الزيت منها ويعظم وجوه الانتفاع به . النوع الرابع : الاستدلال بأحوال الحيوانات . ! 7 < { وإن لكم فى الا نعام لعبرة نسقيكم مما فى بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون وعليها وعلى الفلك تحملون } . > 7 ! < < المؤمنون : ( 21 - 22 ) وإن لكم في . . . . . > > إعلم أنه سبحانه وتعالى ذكر أن فيها عبرة مجملا ثم أردفه بالتفصيل من أربعة أوجه : أحدها : قوله : { نسقيكم مما فى بطونها } والمراد منه جميع وجوه الانتفاع بألبانها ، ووجه الاعتبار فيه أنها تجتمع في الضروع وتتخلص من بين الفرث والدم بإذن الله تعالى ، فتستحيل إلى طهارة وإلى لون وطعم موافق للشهوة وتصير غذاء ، فمن استدل بذلك على قدرة الله وحكمته . كان ذلك معدودا في النعم الدينية ومن انتفع به فهو في نعمة الدنيا ، وأيضا فهذه الألبان التي تخرج من بطونها إلى ضروعها تجدها شرابا طيبا ، وإذا ذبحتها لم تجد لها أثرا ، وذلك يدل على عظيم قدرة الله تعالى . قال صاحب ( الكشاف ) وقرىء تسقيكم بتاء مفتوحة ، أي تسقيكم الأنعام وثانيها : قوله : { ولكم فيها منافع كثيرة } وذلك بيعها والانتفاع بأثمانها وما يجري مجرى ذلك وثالثها : قوله : { ومنها تأكلون } يعني كما تنتفعون بها وهي حية تنتفعون بها بعد الذبح أيضا بالأكل ورابعها : قوله : { وعليها وعلى الفلك تحملون } لأن وجه الانتفاع بالإبل في المحمولات على البر بمنزلة الانتفاع بالفلك في البحر ، ولذلك جمع بين الوجهين في إنعامه لكي يشكر على ذلك ويستدل به ، واعلم أنه سبحانه وتعالى لما بين دلائل التوحيد أردفها بالقصص كما هو العادة في سائر السور وهي ههنا . القصة الأولى قصة نوح عليه السلام ! 7 < { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إلاه غيره أفلا تتقون فقال الملؤا الذين كفروا من قومه ما هاذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شآء الله لانزل ملائكة ما سمعنا بهاذا فىءابآئنا الا ولين إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين } . > 7 < المؤمنون : ( 23 - 25 ) ولقد أرسلنا نوحا . . . . . > > قال قوم : إن نوحا كان اسمه يشكر ، ثم سمي نوحا لوجوه : أحدها : لكثرة ما ناح على نفسه حين دعا على قومه بالهلاك ، فأهلكهم بالطوفان فندم على ذلك وثانيها : لمراجعة ربه في شأن ابنه وثالثها : أنه مر بكلب مجذوم ، فقال له إخسا يا قبيح ، فعوتب على ذلك ، فقال الله له : أعبتني إذ خلقته ، أم عبت الكلب . وهذه الوجوه مشكلة لما ثبت أن الأعلام لا تفيد صفة في المسمى .
أما قوله : { اعبدوا الله } فالمعنى أنه سبحانه أرسله بالدعاء إلى عبادة الله تعالى وحده ، ولا يجوز أن يدعوهم إلى ذلك إلا وقد دعاهم إلى معرفته أولا ، لأن عبادة من لا يكون معلوما غير جائزة وإنما يجوز ويجب بعد المعرفة . أما قوله : { ما لكم من إلاه غيره } فالمراد أن عبادة غير الله لا تجوز إذ لا إله سواه . ومن حق العبادة أن تحسن لمن أنعم بالخلق والإحياء وما بعدهما ، فإذا لم يصح ذلك إلا منه تعالى فكيف يعبد ما لا يضر ولا ينفع ؟ وقرىء غيره بالرفع على المحل وبالجر على اللفظ ، ثم إنه لما لم ينفع فيهم هذا الدعاء واستمروا على عبادة غير الله تعالى حذرهم بقوله : { أفلا تتقون } لأن ذلك زجر ووعيد باتقاء العقوبة لينصرفوا عما هم عليه . ثم إنه سبحانه حكى عنهم شبههم في إنكار نبوة نوح عليه السلام . الشبهة الأولى : قولهم : { ما هاذا إلا بشر مثلكم } وهذه الشبهة تحتمل وجهين : أحدهما : أن يقال إنه لما كان مساويا لسائر الناس في القوة والفهم والعلم والغنى والفقر والصحة والمرض امتنع كونه رسولا لله ، لأن الرسول لا بد وأن يكون عظيما عند الله تعالى وحبيبا له ، والحبيب لا بد وأن يختص عن غير الحبيب بمزيد الدرجة والمعزة ، فلما فقدت هذه الأشياء علمنا انتفاء الرسالة والثاني : أن يقال هذا الإنسان مشارك لكم في جميع الأمور ، ولكنه أحب الرياسة والمتبوعية فلم يجد إليهما سبيلا إلا بادعاء النبوة ، فصار ذلك شبهة لهم في القدح في نبوته ، فهذا الاحتمال متأكد بقوله تعالى خبرا عنهم { يريد أن يتفضل عليكم } أي يريد أن يطلب الفضل عليكم ويرأسكم كقوله تعالى : { وتكون لكما الكبرياء فى الارض } . الشبهة الثانية : قولهم : { ولو شاء الله لانزل ملائكة } وشرحه أن الله تعالى لو شاء إرشاد البشر لوجب أن يسلك الطريق الذي يكون أشد إفضاء إلى المقصود ، ومعلوم أن بعثة الملائكة أشد / إفضاء إلى هذا المقصود من بعثة البشر ، لأن الملائكة لعلو شأنهم وشدة سطوتهم وكثرة علومهم ، فالخلق ينقادون إليهم ، ولا يشكون في رسالتهم ، فلما لم يفعل ذلك علمنا أنه ما أرسل رسولا ألبتة . الشبهة الثالثة : قولهم : { ما هاذا إلا بشر مثلكم يريد } وقوله بهذا إشارة إلى نوح عليه السلام ، أو إلى ما كلمهم به من الحث على عبادة الله تعالى ، أي ما سمعنا بمثل هذا الكلام ، أو بمثل هذا الذي يدعى وهو بشر أنه رسول الله ، وشرح هذه الشبهة أنهم كانوا أقواما لا يعولون في شيء من مذاهبهم إلا على التقليد والرجوع إلى قول الآباء / فلما لم يجدوا في نبوة نوح عليه السلام هذه الطريقة حكموا بفسادها . قال القاضي : يحتمل أن يريدوا بذلك كونه رسولا مبعوثا ، لأنه لا يمتنع فيما تقدم من زمان آبائهم أنه كان زمان فترة ، ويحتمل أن يريدوا بذلك دعاءهم إلى عبادة الله تعالى وحده ، لأن آباءهم كانوا على عبادة الأوثان . الشبهة الرابعة : قولهم : { إن هو إلا رجل به جنة } والجنة : الجنون أو الجن ، فإن جهال العوام يقولون في المجنون زال عقله بعمل الجن ، وهذه الشبهة من باب الترويج على العوام ، فإنه عليه الصلاة والسلام كان يفعل أفعالا على خلاف عاداتهم ، فأولئك الرؤساء كانوا يقولون للعوام إنه مجنون ، ومن كان مجنونا فكيف يجوز أن يكون رسولا .
الشبهة الخامسة : قولهم : { فتربصوا به حتى حين } وهذا يحتمل أن يكون متعلقا بما قبله أي أنه مجنون فاصبروا إلى زمان حتى يظهر عاقبة أمره فإن أفاق وإلا قتلتموه ويحتمل أن يكون كلاما مستأنفا وهو أن يقولوا لقومهم اصبروا فإنه إن كان نبيا حقا فالله ينصره ويقوي أمره فنحن حينئذ نتبعه وإن كان كاذبا فالله يخذله ويبطل أمره ، فحينئذ نستريح منه ، فهذه مجموع الشبه التي حكاها الله تعالى عنهم ، واعلم أنه سبحانه ما ذكر الجواب عنها لركاكتها ووضوح فسادها ، وذلك لأن كل عاقل يعلم أن الرسول لا يصير رسولا إلا لأنه من جنس الملك وإنما يصير كذلك بأن يتميز من غيره بالمعجزات فسواء كان من جنس الملك أو من جنس البشر فعند ظهور المعجز عليه يجب أن يكون رسولا ، بل جعل الرسول من جملة البشر أولى لما مر بيانه في السور المتقدمة وهو أن الجنسية مظنة الألفة والمؤانسة ، وأما قولهم { يريد أن يتفضل عليكم } فإن أرادوا به إرادته لإظهار فضله حتى يلزمهم الانقياد لطاعته فهذا واجب على الرسول ، وأن إرادوا به أن يرتفع عليهم على سبيل التجبر والتكبر والانقياد فالأنبياء منزهون عن ذلك ، وأما قولهم ما سمعنا بهذا فهو استدلال بعدم التقليد على عدم وجود الشيء وهو في غاية السقوط لأن وجود التقليد لا يدل على وجود الشيء فعدمه من أين يدل على عدمه ، وأما قولهم به جنة ، فقد كذبوا لأنهم كانوا يعلمون بالضرورة كمال عقله ، وأما قولهم : فتربصوا به ، فضعيف لأنه إن ظهرت الدلالة على نبوته وهي المعجزة وجب عليهم قبول قوله في الحال ، ولا يجوز توقيف ذلك إلى ظهور دولته لأن الدولة لا تدل على الحقية ، وإن لم يظهر المعجز لم يجز قبول / قوله سواء ظهرت الدولة أو لم تظهر ، ولما كانت هذه الأجوبة في نهاية الظهور لا جرم تركها الله سبحانه . ! 7 < { قال رب انصرنى بما كذبون فأوحينآ إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جآء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبنى فى الذين ظلموا إنهم مغرقون فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذى نجانا من القوم الظالمين وقل رب أنزلنى منزلا مباركا وأنت خير المنزلين إن فى ذالك لأيات وإن كنا لمبتلين } . > 7 < المؤمنون : ( 26 - 30 ) قال رب انصرني . . . . . > > أما قوله : { رب انصرنى بما كذبون } ففيه وجوه : أحدها : أن في نصره إهلاكهم فكأنه قال أهلكهم بسبب تكذيبهم إياي وثانيها : انصرني بدل ما كذبوني كما تقول هذا بذاك أي بدل ذلك ومكانه ، والمعنى أبدلني من غم تكذيبهم سلوة النصر عليهم وثالثها : انصرني بإنجاز ما وعدتهم من العذاب وهو ما كذبوه فيه حين قال لهم : { إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } ( الأعراف : 59 ) ولما أجاب الله دعاءه قال : { فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا } أي بحفظنا وكلئنا كأن معه من الله حافظا بكلؤه بعينه لئلا يتعرض له ولا يفسد عليه مفسد عمله ، ومنه قولهم : عليه من الله عين كالئة ، وهذه الآية دالة على فساد قول المشبهة في تمسكهم بقوله عليه السلام : ( إن الله خلق آدم على صورته ) لأن ثبوت الأعين يمنع من ذلك ، واختلفوا في أنه عليه السلام كيف صنع الفلك فقيل إنه كان نجارا وكان عالما بكيفية اتخاذها ، وقيل إن جبريل عليه السلام علمه عمل السفينة ووصف له كيفية اتخاذها ، وهذا هو الأقرب لقوله { بأعيننا ووحينا } .
/ أما قوله : { فإذا جاء أمرنا } فاعلم أن لفظ الأمر كما هو حقيقة في طلب الفعل بالقول على سبيل الاستعلاء ، فكذا هو حقيقة في الشأن العظيم ، والدليل عليه أنك إذا قلت هذا أمر بقي الذهن يتردد بين المفهومين وذلك يدل على كونه حقيقة فيهما وتمام تقريره مذكور في كتاب المحصول في الأصول ، ومن الناس من قال : إنما سماه أمرا على سبيل التعظيم والتفخيم ، مثل قوله : { ثم قال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها } . أما قوله : { وفار التنور } فاختلفوا في التنور ، فالأكثرون على أنه هو التنور المعروف . روي أنه قيل لنوح إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت ومن معك في السفينة ، فلما نبع الماء من التنور أخبرته امرأته فركب ، وقيل كان تنور آدم وكان من حجارة فصار إلى نوح ، واختلف في مكانه ، فعن الشعبي في مسجد الكوفة عن يمين الداخل مما يلي باب كندة ، وكان نوح عليه السلام عمل السفينة في وسط المسجد ، وقيل بالشام بموضع يقال له عين وردة وقيل بالهند القول الثاني : أن التنور وجه الأرض عن ابن عباس رضي الله عنهما الثالث : أنه أشرف موضع في الأرض أي أعلاه عن قتادة والرابع : { وفار التنور } أي طلع للفجر عن علي عليه السلام ، وقيل إن فوران التنور كان عند طلوع الفجر والخامس : هو مثل قولهم حمى الوطيس والسادس : أنه الموضع المنخفض من السفينة الذي يسيل الماء إليه عن الحسن رحمه الله والقول الأول هو الصواب لأن العدول عن الحقيقة إلى المجاز من غير دليل لا يجوز ، واعلم أن الله تعالى جعل فوران التنور علامة لنوح عليه السلام حتى يركب عنده السفينة طلبا لنجاته ونجاة من آمن به من قومه . أما قوله : { فاسلك فيها } أي أدخل فيها يقال سلك فيه أي دخل فيه وسلك غيره وأسلكه { من كل زوجين اثنين } أي من كل زوجين من الحيوان الذي يحضره في الوقت اثنين الذكر والأنثى لكي لا ينقطع نسل ذلك الحيوان / وكل واحد منهما زوج لا كما تقوله العامة من أن الزوج هو الاثنان ، روي أنه لم يحمل إلا ما يلد ويبيض ، وقرىء من كل بالتنوين ، أي من كل أمة زوجين ، واثنين تأكيد وزيادة بيان . أما قوله : { وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم } أي وأدخل أهلك ولفظ على إنما يستعمل في المضار . قال تعالى : { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } ( البقرة : 286 ) واعلم أن هذه الآية تدل على أمرين أحدهما : أنه سبحانه أمره بإدخال سائر من آمن به وإن لم يكن من أهله ، وقيل المراد بأهله من آمن دون من يتصل به نسبا أو سببا وهذا ضعيف . وإلا لما جاز استثناء قوله : { إلا من سبق عليه القول } والثاني : أنه قال : { ولا تخاطبنى فى الذين ظلموا } يعني كنعان فإنه سبحانه لما أخبر بإهلاكهم وجب أن ينهاه عن أن يسأله في بعضهم لأنه إن أجابه إليه ، فقد صير خبره الصدق كذبا ، وإن لم يجبه إليه كان ذلك تحقيرا لشأن نوح عليه السلام فلذلك قال : { إنهم مغرقون } أي الغرق نازل بهم لا محالة . / أما قوله : { فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك } قال ابن عباس رضي الله عنهما : كان في السفينة ثمانون إنسانا ، نوح وامرأته سوى التي غرقت ، وثلاثة بنين : سام وحام ويافث ، وثلاث نسوة لهم ، واثنان وسبعون إنسانا فكل الخلائق نسل من كان في السفينة . أما قوله : { فقل الحمد لله الذى نجانا من القوم الظالمين } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : إنما قال : { فقل } ولم يقل فقولوا لأن نوحا كان نبيا لهم وإماما لهم ، فكان قوله قولا لهم مع ما فيه من الإشعار بفضل النبوة وإظهار كبرياء الربوبية ، وأن رتبة تلك المخاطبة لا يترقى إليها إلا ملك أو نبي . المسألة الثانية : قال قتادة علمكم الله أن تقولوا عند ركوب السفينة { بسم الله مجراها ومرساها } ( هود : 41 ) وعند ركوب الدابة { سبحان الذى سخر لنا هاذا وما كنا له مقرنين } ( الزخرف : 13 ) وعند النزول { وقل رب أنزلنى منزلا مباركا وأنت خير المنزلين } ( المؤمنون : 29 ) قال الأنصاري : وقال لنبينا { وقل رب أدخلنى مدخل صدق وأخرجنى مخرج صدق } ( الإسراء : 80 ) وقال : { فإذا قرأت القرءان فاستعذ بالله من الشيطان } ( النحل : 98 ) كأنه سبحانه أمرهم أن لا يكونوا عن ذكره وعن الاستعاذة به في جميع أحوالهم غافلين . المسألة الثالثة : هذه مبالغة عظيمة في تقبيح صورتهم حيث أتبع النهي عن الدعاء لهم الأمر بالحمد على إهلاكهم والنجاة منهم كقوله تعالى : { فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين } ( الأنعام : 45 ) وإنما جعل سبحانه استواءهم على السفينة نجاة من الغرق لأنه سبحانه كان عرفه أنه بذلك ينجيه ومن تبعه ، فيصح أن يقول : { نجانا } من حيث جعله آمنا بهذا الفعل ووصف قومه بأنهم الظالمون لأن الكفر منهم ظلم لأنفسهم لقوله : { إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) ثم إنه سبحانه بعد أن أمره بالحمد على إهلاكهم أمره بأن يدعو لنفسه فقال : { وقل رب أنزلنى منزلا مباركا } وقرىء { منزلا } بمعنى إنزالا أو موضع إنزال كقوله ليدخلنهم مدخلا يرضونه . واختلفوا في المنزل على قولين : أحدهما : أن المراد هو نفس السفينة فمن ركبها خلصته مما جرى على قومه من الهلاك والثاني : أن المراد أن ينزله الله بعد خروجه من السفينة من الأرض منزلا مباركا والأول أقرب لأنه أمر بهذا الدعاء في حال استقراره في السفينة / فيجب أن يكون المنزل ذلك دون غيره . ثم بين سبحانه بقوله : { وأنت خير المنزلين } أن الإنزال في الأمكنة قد يقع من غير الله كما يقع من الله تعالى وإن كان هو سبحانه خير من أنزل لأنه يحفظ من أنزله في سائر أحواله ويدفع عنه المكاره بحسب ما يقتضيه الحكم والحكمة ، ثم بين سبحانه أن فيما ذكره من قصة نوح وقومه لآيات ودلالات وعبرا في الدعاء إلى الإيمان والزجر عن الكفر فإن إظهار تلك المياه العظيمة ثم الإذهاب بها لا يقدر عليه إلا القادر على كل المقدورات ، وظهور تلك الواقعة على وفق قول نوح عليه السلام يدل على المعجز العظيم وإفناء الكفار وبقاء الأرض لأهل الدين والطاعة من أعظم أنواع العبر . أما قوله : { وإن كنا لمبتلين } فيمكن أن يكون المراد ، وإن كنا لمبتلين فيما قبل ، ويحتمل أن يكون وإن كنا لمبتلين فيما بعد ، وهذا هو الأقرب لأنه كالحقيقة في الاستقبال ، وإذا حمل على ذلك احتمل وجوها : أحدها : أن يكون المراد المكلفين في المستقبل أي فيجب فيمن كلفناه أن يعتبر بهذا الذي ذكرناه وثانيها : أن يكون المراد لمعاقبين لمن سلك في تكذيب الأنبياء مثل طريقة قوم نوح وثالثها : أن يكون المراد كما نعاقب من كذب بالغرق وغيره فقد نمتحن بالغرق من لم يكذب على وجه المصلحة لا على وجه التعذيب ، لكي لا يقدر أن كل الغرق يجري على وجه واحد . القصة الثانية قصة هود أو صالح عليهما السلام
! 7 < { ثم أنشأنا من بعدهم قرنا ءاخرين فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إلاه غيره أفلا تتقون وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقآء الا خرة وأترفناهم فى الحيواة الدنيا ما هاذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون أيعدكم أنكم إذا مت م وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون هيهات هيهات لما توعدون إن هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين قال رب انصرنى بما كذبون قال عما قليل ليصبحن نادمين فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثآء فبعدا للقوم الظالمين } . > 7 < المؤمنون : ( 31 - 41 ) ثم أنشأنا من . . . . . > > / اعلم أن هذه القصة هي قصة هود عليه السلام في قول ابن عباس رضي الله عنهما وأكثر المفسرين واحتجوا عليه بحكاية الله تعالى قول هود عليه السلام : { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح } ( الأعراف : 69 ) ومجيء قصة هود عقيب قصة نوح في سورة الأعراف وسورة هود والشعراء . وقال بعضهم المراد بهم صالح وثمود ، لأن قومه الذين كذبوه هم الذين هلكوا بالصيحة ، أما كيفية الدعوى فكما تقدم في قصة نوح عليه السلام وههنا سؤالات : السؤال الأول : حق { أرسل } أن يتعدى بإلى كأخواته التي هي وجه وأنفذ وبعث فلم عدى في القرآن بإلى تارة وبفي أخرى كقوله تعالى : { كذلك أرسلناك فى أمة } { وما أرسلنا فى قرية } ( الأعراف : 94 ) { فأرسلنا فيهم رسولا } ( المؤمنون : 32 ) أي في عاد ، وفي موضع آخر { وإلى عاد أخاهم هودا } ( هود : 50 ) ؟ الجواب : لم يعد بفي كما عدي بإلى ولكن الأمة أو القرية جعلت موضعا للإرسال وعلى هذا المعنى جاء بعث في قوله : { ولو شئنا لبعثنا فى كل قرية نذيرا } ( الفرقان : 51 ) . السؤال الثاني : هل يصح ما قاله بعضهم أن قوله : { أفلا تتقون } غير موصول بالأول ، وإنما قاله لهم بعد أن كذبوه ، وردوا عليه بعد إقامة الحجة عليهم فعند ذلك قال لهم مخوفا مما هم عليه { أفلا تتقون } هذه الطريقة مخافة العذاب الذي أنذرتكم به ؟ الجواب : يجوز أن يكون موصولا بالكلام الأول بأن رآهم معرضين عن عبادة الله مشتغلين بعبادة الأوثان ، فدعاهم إلى عبادة الله وحذرهم من العقاب بسبب إقبالهم على عبادة الأوثان . ثم اعلم أن الله تعالى حكى صفات أولئك القوم وحكى كلامهم ، أما الصفات فثلاث هي شر الصفات : أولها : الكفر بالخالق سبحانه وهو المراد من قوله : { كفروا } وثانيها : الكفر بيوم القيامة وهو المراد من قوله : { وكذبوا بلقاء الاخرة } وثالثها : الانغماس في حب الدنيا وشهواتها وهو المراد من قوله : { وقال الملا من قومه } أي نعمناهم فإن قيل ذكر الله مقالة قوم هود في جوابه في سورة الأعراف وسورة هود بغير واو { قال الملا الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة } ( الأعراف : 66 ) ، قالوا { ما نراك إلا بشرا مثلنا } ( هود : 27 ) وههنا مع الواو فأي فرق بينهما ؟ قلنا الذي بغير واو على تقدير سؤال سائل قال فما قال قومه ؟ فقيل له كيت وكيت ، وأما الذي مع الواو فعطف لما قالوه على ما قاله ومعناه أنه اجتمع في هذه الواقعة هذا الكلام الحق وهذا الكلام الباطل . وأما شبهات القوم فشيئان : أولهما : قولهم : { ما هاذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون } ، وقد مر شرح هذه الشبهة في القصة الأولى وقوله : { مما تشربون } أي من مشروبكم أو حذف منه لدلالة ما قبله عليه وهو قوله : { ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون } فجعلوا اتباع الرسول خسرانا ، ولم يجعلوا عبادة الأصنام خسرانا ، أي لئن كنتم أعطيتموه الطاعة من غير أن يكون لكم بإزائها منفعة فذلك هو الخسران وثانيهما : أنهم طعنوا في صحة الحشر والنشر ، ثم طعنوا في نبوته بسبب إتيانه بذلك . أما الطعن في صحة الحشر فهو قولهم : { أيعدكم أنكم إذا مت م وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون } معادون أحياء للمجازاة ، ثم لم يقتصروا على هذا القدر حتى قرنوا به الاستبعاد العظيم وهو قولهم { هيهات هيهات لما توعدون } ثم أكدوا الشبهة بقولهم : { إن هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا } ولم يريدوا بقولهم نموت ونحيا الشخص الواحد ، بل أرادوا أن البعض يموت والبعض يحيا ، وأنه لا إعادة ولا حشر . فلذلك قالوا : { وما نحن له بمبعوثين } ولما فرغوا من الطعن في صحة الحشر بنوا عليه الطعن في نبوته ، فقالوا لما أتى بهذا الباطل فقد { افترى على الله كذبا } ثم لما قرروا الشبهة الطاعنة في نبوته قالوا : { وما نحن له بمؤمنين } لأن القوم كالتبع لهم ، واعلم أن الله تعالى ما أجاب عن هاتين الشبهتين لظهور فسادهما أما الشبهة الأولى : فقد تقدم بيان ضعفها وأما الثانية : فلأنهم استبعدوا الحشر ، ولا يستبعد الحشر لوجهين : الأول : أنه سبحانه لما كان قادرا على كل الممكنات عالما بكل المعلومات وجب أن يكون قادرا على الحشر والنشر والثاني : وهو أنه لولا الإعادة لكن تسليط القوى على الضعيف في الدنيا ظلما . وهو غير لائق بالحكيم على ما قرره سبحانه في قوله : { إن الساعة ءاتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى } ( طه : 15 ) وههنا مسائل :
المسألة الأولى : ثنى إنكم للتوكيد وحسن ذلك الفصل ما بين الأول والثاني بالظرف ، ومخرجون خبر عن الأول . وفي قراءة ابن مسعود : { وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون } ( المؤمنون : 35 ) . المسألة الثانية : قرىء { هيهات } بالفتح والكسر ، كلها بتنوين وبلا تنوين ، وبالسكون على لفظ الوقف . المسألة الثالثة : هي في قوله : { إن هى إلا حياتنا الدنيا } ضمير لا يعلم ما يعني به إلا بما يتلوه من بيانه وأصله : إن الحياة إلا حياتنا الدنيا ، ثم وضع هي موضع الحياة ، لأن الخبر يدل عليه ومنه ( قول الشاعر ) : هي النفس ما حملتها تتحمل والمعنى لا حياة إلا هذه الحياة ، ولأن إن النافية دخلت على هي التي في معنى الحياة الدالة على الجنس فنفتها ، فوازنت لا التي نفت ما بعدها نفي الجنس . واعلم أن ذلك الرسول لما يئس من قبول الأكابر والأصاغر فزع إلى ربه وقال : { رب انصرنى بما كذبون } وقد تقدم تفسيره فأجابه الله تعالى فيما سأل وقال : { عما قليل ليصبحن نادمين } ( المؤمنون : 40 ) / والأقرب أن يكون المراد بأن يظهر لهم علامات الهلاك / فعند ذلك يحصل منهم الحسرة والندامة على ترك القبول ، ويكون الوقت وقت إيمان اليأس فلا ينتفعون بالندامة ، وبين تعالى الهلاك الذي أنزله عليهم بقوله : { فأخذتهم الصيحة بالحق } وذكروا في الصيحة وجوها : أحدها : أن جبريل عليه السلام صاح بهم ، وكانت الصيحة عظيمة فماتوا عندها وثانيها : الصيحة هي الرجفة عن ابن عباس رضي الله عنهما وثالثها : الصيحة هي نفس العذاب والموت كما يقال فيمن يموت : دعي فأجاب عن الحسن ورابعها : أنه العذاب المصطلم ، قال الشاعر : صاخ الزمان بآل برمك صيحة خروا لشدتها على الأذقان والأول أولى لأنه هو الحقيقة . وأما قوله : { بالحق } فمعناه أنه دمرهم بالعدل من قولك ، فلان يقضي بالحق إذا كان عادلا في قضاياه . وقال المفضل : بالحق أي بما لا يدفع ، كقوله : { وجاءت سكرة الموت بالحق } . أما قوله : { فجعلناهم غثاء } فالغثاء حميل السيل مما بلي واسود من الورق والعيدان ، ومنه قوله تعالى : { فجعله غثاء أحوى } . وأما قوله تعالى : { فبعدا للقوم الظالمين } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : قوله : { بعدا } وسحقا ودمرا ونحوها مصادر موضوعة مواضع أفعالها ، وهي من جملة المصادر التي قال سيبويه نصبت بأفعال لا يستعمل إظهارها ومعنى بعدا بعدوا ، أي هلكوا يقال بعد بعدا وبعدا بفتح العين نحو رشد رشدا ورشدا بفتح الشين والله أعلم . المسألة الثانية : قوله : { بعدا } بمنزلة اللعن الذي هو التبعيد من الخير ، والله تعالى ذكر ذلك على وجه الاستخفاف والإهانة لهم ، وقد نزل بهم العذاب دالا بذلك على أن الذي ينزل بهم في الآخرة من البعد من النعيم والثواب أعظم مما حل بهم حالا ليكون ذلك عبرة لمن يجيء بعدهم . القصة الثالثة ! 7 < { ثم أنشأنا من بعدهم قرونا ءاخرين ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ثم أرسلنا رسلنا تترى كل ما جآء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون } . > 7 < المؤمنون : ( 42 - 44 ) ثم أنشأنا من . . . . . > > / إعلم أنه سبحانه يقص القصص في القرآن تارة على سبيل التفصيل كما تقدم وأخرى على سبيل الإجمال كههنا ، وقيل المراد قصة لوط وشعيب وأيوب ويوسف عليهم السلام .
فأما قوله : { ثم أنشأنا من بعدهم قرونا ءاخرين } فالمعنى أنه ما أخلى الديار من مكلفين أنشأهم وبلغهم حد التكليف حتى قاموا مقام من كان قبلهم في عمارة الدنيا . أما قوله : { ما تسبق من أمة أجلها وما يستخرون } فيحتمل في هذا الأجل أن يكون المراد آجال حياتها وتكليفها ، ويحتمل آجال موتها وهلاكها ، وإن كان الأظهر في الأجل إذا أطلق أن يراد به وقت الموت ، فبين أن كل أمة لها آجال مكتوبة في الحياة والموت ، لا يتقدم ولا يتأخر ، منبها بذلك على أنه عالم بالأشياء قبل كونها ، فلا توجد إلا على وفق العلم ، ونظيره قوله تعالى : { إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون } وههنا مسألتان : المسألة الأولى : قال أصحابنا : هذه الآية تدل على أن المقتول ميت بأجله إذ لو قتل قبل أجله لكان قد تقدم الأجل أو تأخر ، وذلك ينافيه هذا النص . المسألة الثانية : قال الكعبي : المراد من قوله : { ما تسبق من أمة } أي لا يتقدمون الوقت المؤقت لعذابهم إن لم يؤمنوا ولا يتأخرون عنه ، ولا يستأصلهم إلا إذا علم منهم أنهم لا يزدادون إلا عنادا وأنهم لا يلدون مؤمنا ، وأنه لا نفع في بقائهم لغيرهم ، ولا ضرر على أحد في هلاكهم ، وهو كقول نوح عليه السلام : { إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا } ( نوح : 27 ) . أما قوله تعالى : { ثم أرسلنا رسلنا } فالمعنى أنه كما أنشأنا بعضهم بعد بعض أرسل إليهم الرسل على هذا الحد قرأ ابن كثير تترى منونة والباقون بغير تنوين وهو اختيار أكثر أهل اللغة لأنها فعلى من المواترة وهي المتابعة وفعلى لا ينون كالدعوى والتقوى والتاء بدل من الواو فإنه مأخوذ من الوتر وهو الفرد ، قال الواحدي تترى على القراءتين مصدر أو اسم أقيم مقام الحال لأن المعنى متواترة . أما قوله تعالى : { كلما جاءهم أمة رسولها كذبوه } ( المؤمنون : 44 ) يعني أنهم سلكوا في تكذيب أنبيائهم مسلك من تقدم ذكره ممن أهلكه الله بالغرق والصيحة فلذلك قال : { فأتبعنا بعضهم بعضا } أي بالهلاك . ( وقوله ) : { وجعلناهم أحاديث } يمكن أن يكون المراد جمع الحديث ومنه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والمعنى أنه سبحانه بلغ في إهلاكهم مبلغا صاروا معه أحاديث فلا يرى منهم عين ولا أثر ولم يبق منهم إلا الحديث الذي يذكر ويعتبر به . ويمكن أيضا أن يكون جمع أحدوثة مثل الأضحوكة والأعجوبة ، وهي ما يتحدث به الناس تلهيا وتعجبا . ثم قال : { فبعدا لقوم لا يؤمنون } على وجه الدعاء والذم والتوبيخ ، ودل بذلك على أنهم كما أهلكوا عاجلا فهلاكهم بالتعذيب آجلا على التأبيد مترقب وذلك وعيد شديد . القصة الرابعة قصة موسى عليه السلام ! 7 < { ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بأاياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وملئه فاستكبروا وكانوا قوما عالين فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون فكذبوهما فكانوا من المهلكين ولقد ءاتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون } . > 7 < المؤمنون : ( 45 - 49 ) ثم أرسلنا موسى . . . . . > >
اختلفوا في { الايات } فقال ابن عباس رضي الله عنهما هي الآيات التسع وهي العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم وانفلاق البحر والسنون والنقص من الثمرات ، وقال الحسن قوله : { بئاياتنا } أي بديننا واحتج بأن المراد بالآيات لو كانت هي المعجزات والسلطات المبين أيضا هو المعجز فحينئذ يلزم عطف الشيء على نفسه والأقرب هو الأول لأن لفظ الآيات إذا ذكر في الرسل فالمراد منها المعجزات ، وأما الذي احتجوا به فالجواب : عنه من وجوه : أحدها : أن المراد بالسلطان المبين يجوز أن يكون أشرف معجزاته وهو العصا لأنه قد تعلقت بها معجزات شتى من انقلابها حية وتلقفها ما أفكته السحرة وانفلاق البحر وانفجار العيون من الحجر بضربها بها وكونها حارسا وشمعة وشجرة مثمرة ودلوا ورشاء ، فلأجل انفراد العصا بهذه الفضائل أفردت بالذكر كقوله جبريل وميكال وثانيها : يجوز أن يكون المراد بالآيات نفس تلك المعجزات وبالسلطان المبين كيفية دلالتها على الصدق ، وذلك لأنها وإن شاركت سائر آيات الأنبياء في كونها آيات فقد فارقتها في قوة دلالتها على قوة موسى عليه السلام وثالثها : أن يكون المراد بالسلطان المبين استيلاء موسى عليه السلام عليهم في الاستدلال على وجود الصانع وإثبات النبوة وأنه ما كان يقيم لهم قدرا ولا وزنا . واعلم أن الآية تدل على أن معجزات موسى عليه السلام كانت معجزات هرون عليه السلام أيضا ، وأن النبوة كما أنها مشتركة بينهما فكذلك المعجزات ، ثم إنه سبحانه حكى عن فرعون وقومه صفتهم ثم ذكر شبهتهم أما صفتهم فأمران أحدهما : الاستكبار والأنفة والثاني : أنهم كانوا قوما عالين أي رفيعي الحال في أمور الدنيا ، ويحتمل الاقتدار بالكثرة والقوة وأما شبهتهم فهي / قولهم : { أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون } قال صاحب ( الكشاف ) لم يقل مثلينا كما قال : { إنكم إذا مثلهم } ( النساء : 14 ) ولم يقل أمثالهم وقال : { كنتم خير أمة } ( آل عمران : 110 ) ولم يقل أخيار أمة كل ذلك لأن الإيجاز أحب إلى العرب من الإكثار والشبهة مبنية على أمرين : أحدهما : كونهما من البشر وقد تقدم الجواب عنه والثاني : أن قوم موسى وهرون كانوا كالخدم والعبيد لهم قال أبو عبيدة العرب تسمى كل من دان لملك عابدا له ويحتمل أن يقال إنه كان يدعي الإلهية فادعى أن الناس عباده وأن طاعتهم له عبادة على الحقيقة ثم بين سبحانه أنه لما خطرت هذه الشبهة ببالهم صرحوا بالتكذيب وهو المراد من قوله : { فكذبوهما } . ولما كان ذلك التكذيب كالعلة لكونهم من المهلكين لا جرم رتبه عليه بفاء التعقيب فقال وكانوا ممن حكم الله عليهم بالغرق فإن حصول الغرق لم يكن حاصلا عقيب التكذيب ، إنما الحاصل عقيب التكذيب حكم الله تعالى بكونهم كذلك في الوقت اللائق به . أما قوله : { ولقد ءاتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون } فقال القاضي معناه أنه سبحانه خص موسى عليه السلام بالكتاب الذي هو التوراة لا لذلك التكذيب لكن لكي يهتدوا به فلما أصروا على الكفر مع البيان العظيم استحقوا أن يهلكوا ، واعترض صاحب ( الكشاف ) عليه فقال لا يجوز أن يرجع الضمير في لعلهم إلى فرعون وملائه لأن التوراة إنما أوتيها بنو إسرائيل بعد إغراق فرعون وملائه بدليل قوله تعالى : { ولقد ءاتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الاولى } ( القصص : 43 ) بل المعنى الصحيح : ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يعملون بشرائعها ومواعظها فذكر موسى والمراد آل موسي كما يقال هاشم وثقيف والمراد قولهما . القصة الخامسة قصة عيسى وقصة مريم عليهما السلام ! 7 < { وجعلنا ابن مريم وأمه ءاية وءاويناهمآ إلى ربوة ذات قرار ومعين } . > 7 < المؤمنون : ( 50 ) وجعلنا ابن مريم . . . . . > >
اعلم أن ابن مريم هو عيسى عليه السلام جعله الله تعالى آية بأن خلقه من غير ذكر وأنطقه في المهد في الصغر وأجرى على يديه إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى ، وأما مريم فقد جعلها الله تعالى آية لأنها حملته من غير ذكر . وقال الحسن تكلمت مريم في صغرها كما تكلم عيسى عليه السلام وهو قولها : { هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب } ( آل عمران : 37 ) ولم تلقم ثديا قط ، قال القاضي إن ثبت ذلك فهو معجزة لزكريا عليه السلام لأنها لم تكن نبية ، قلنا القاضي إنما قال ذلك لأن عنده الإرهاص غير جائز وكرامات الأولياء غير جائزة وعندنا هما جائزان فلا حاجة إلى ما قال ، والأقرب أنه جعلهما آية بنفس الولادة لأنه ولد من غير ذكر وولدته من دون ذكر فاشتركا جميعا في هذا الأمر العجيب الخارق للعادة والذي يدل على أن هذا التفسير أولى وجهان : أحدهما : أنه تعالى / قال : { وجعلنا ابن مريم وأمه ءاية } لأن نفس الإعجاز طهر فيهما لا أنه ظهر على يدهما وهذا أولى من أن يحمل على الآيات التي ظهرت على يده نحو إحياء الموتى وذلك لأن الولادة فيه وفيها آية فيهما وكذلك أن نطقا في المهد وما عدا ذلك من الآيات ظهر على يده لا أنه آية فيه الثاني : أنه تعالى قال آية ولم يقل آيتين ، وحمل هذا اللفظ على الأمر الذي لا يتم إلا بمجموعهما أولى وذلك هو أمر الولادة لا المعجزات التي كان عيسى عليه السلام مستقلا بها . أما قوله تعالى : { وجعلنا ابن مريم وأمه ءاية } أي جعلنا مأواهما الربوة والربوة والرباوة في راءيهما الحركات الثلاث وهي الأرض المرتفعة ، ثم قال قتادة وأبو العالية هي إيلياء أرض بيت المقدس ، وقال أبو هريرة رضي الله عنه إنها الرملة . وقال الكلبي وابن زيد هي بمصر وقال الأكثرون إنها دمشق وقال مقاتل والضحاك هي غوطة دمشق ، والقرار المستقر من ( كل ) أرض مستوية مبسوطة ، وعن قتادة ذات ثمار وماء ، يعني أنه لأجل الثمار يستقر فيها ساكنوها والمعين الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض . فنبه سبحانه على كمال نعمه عليها بهذا اللفظ على اختصاره . ثم في المعين قولان : أحدهما : أنه مفعول لأنه لظهوره يدرك بالعين من عانه إذا أدركه بعينه وقال الفراء والزجاج إن شئت جعلته فعيلا من الماعون ويكون أصله من المعن والماعون فاعول منه قال أبو علي والمعين السهل الذي ينقاد ولا يتعاصى والماعون ما سهل على معطيه ، ثم قالوا وسبب الإيواء أنها فرت بإبنها عيسى إلى الربوة وبقيت بها اثنتي عشرة سنة ، وإنما ذهب بهما ابن عمها يوسف ثم رجعت إلى أهلها بعد أن مات ملكهم ، وههنا آخر القصص والله أعلم . ! 7 < { ياأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إنى بما تعملون عليم وإن هاذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون فذرهم فى غمرتهم حتى حين أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم فى الخيرات بل لا يشعرون } . > 7 < المؤمنون : ( 51 - 56 ) يا أيها الرسل . . . . . > >
/ إعلم أن ظاهر قوله : { لما كذبوا الرسل } خطاب مع كل الرسل وذلك غير ممكن لأن الرسل إنما أرسلوا متفرقين في أزمنة متفرقة مختلفة فكيف يمكن توجيه هذا الخطاب إليهم ، فلهذا الإشكال اختلفوا في تأويله على وجوه : أحدها : أن المعنى الإعلام بأن كل رسول فهو في زمانه نودي بهذا المعنى ووصى به ليعتقد السامع أن أمرا نودي له جميع الرسل ووصوا به حقيق بأن يؤخذ به ويعمل عليه وثانيها : أن المراد نبينا عليه الصلاة والسلام لأنه ذكر ذلك بعد انقضاء أخبار الرسل ، وإنما ذكر على صيغة الجمع كما يقال للواحد أيها القوم كفوا عني أذاكم ومثله { الذين قال لهم الناس } ( آل عمران : 173 ) وهو نعيم بن مسعود كأنه سبحانه لما خاطب محمدا صلى الله عليه وسلم بذلك بين أن الرسل بأسرهم لو كانوا حاضرين مجتمعين لما خوطبوا إلا بذلك ليعلم رسولنا أن هذا التثقيل ليس عليه فقط ، بل لازم على جميع الأنبياء عليهم السلام وثالثها : وهو قول محمد بن جرير أن المراد به عيسى عليه السلام لأنه إنما ذكر ذلك بعدما ذكر مكانه الجامع للطعام والشراب ولأنه روى أن عيسى عليه السلام كان يأكل من غزل أمه ، والقول الأول أقرب لأنه أوفق للفظ الآية ، ولأنه روي عن أم عبد الله أخت شداد بن أوس أنها بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح من لبن في شدة الحر عند فطره وهو صائم فرده الرسول إليها وقال من أين لك هذا ؟ فقالت من شاة لي ، ثم رده وقال : من أين هذه الشاة ؟ فقالت اشتريتها بمالي فأخذه . ثم إنها جاءته وقالت : يا رسول الله لم رددته ؟ فقال عليه السلام بذلك أمرت الرسل أن لا يأكلوا إلا طيبا ولا يعملوا إلا صالحا . أما قوله تعالى : { من الطيبات } ففيه وجهان : الأول : أنه الحلال وقيل طيبات الرزق حلال وصاف وقوام فالحلال الذي لا يعصى الله فيه ، والصافي الذي لا ينسى الله فيه والقوام ما يمسك النفس ويحفظ العقل والثاني : أنه المستطاب المستلذ من المأكل والفواكه فبين تعالى أنه وإن ثقل عليهم بالنبوة وبما ألزمهم القيام بحقها ، فقد أباح لهم أكل الطيبات كما أباح لغيرهم . واعلم أنه سبحانه كما قال لمرسلين { ومعين يأيها الرسل كلوا من الطيبات } فقال للمؤمنين : { يعقلون يأيها الذين ءامنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم } ، واعلم أن تقديم قوله : { كلوا من الطيبات } على قوله : { واعملوا صالحا } كالدلالة على أن العمل الصالح لا بد وأن يكون مسبوقا بأكل الحلال ، فأما قوله : { إنى بما تعملون عليم } فهو تحذير من مخالفة ما أمرهم به وإذا كان ذلك تحذيرا للرسل مع علو شأنهم فبأن يكون تحذيرا لغيرهم أولى . أما قوله : { وإن هاذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون } فقد فسرناه في سورة الأنبياء وفيه مسألتان : المسألة الأولى : المعنى أنه كما يجب اتفاقهم على أكل الحلال والأعمال الصالحة فكذلك هم متفقون على التوحيد وعلى الاتقاء من معصية الله تعالى . فإن قيل لما كانت شرائعهم مختلفة فكيف يكون دينهم واحدا ؟ قلنا المراد من الدين ما لا يختلفون فيه من معرفة ذات الله تعالى وصفاته ، وأما الشرائع فإن الاختلاف فيها لا يسمى اختلافا في الدين ، فكما يقال في الحائض والطاهر / من النساء إن دينهن واحد وإن افترق تكليفهما فكذا ههنا ، ويدل على ذلك قوله : { وأنا ربكم فاتقون } فكأنه نبه بذلك على أن دين الجميع واحد فيما يتصل بمعرفة الله تعالى واتقاء معاصيه فلا مدخل للشرائع ، وإن اختلفت في ذلك . المسألة الثانية : قرىء وإن بالكسر على الاستئناف وإن بمعنى ولأن وإن مخففة من الثقيلة وأمتكم مرفوعة معها .
أما قوله تعالى : { فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا } فالمعنى فإن أمم الأنبياء عليهم السلام تقطعوا أمرهم بينهم وفي قوله : { فتقطعوا } معنى المبالغة في شدة اختلافهم والمراد بأمرهم ما يتصل بالدين . أما قوله { زبرا } فقرىء زبرا جمع زبور أي كتبا مختلفة يعني جعلوا دينهم أديانا وزبرا قطعا استعيرت من زبر الفضة والحديد وزبرا مخففة الباء كرسل في رسل قال الكلبي ومقاتل والضحاك يعني مشركي مكة والمجوس واليهود والنصارى . أما قوله تعالى : { كل حزب بما لديهم فرحون } فمعناه أن كل فريق منهم مغتبط بما اتخذه دينا لنفسه معجب به يرى المحق أنه الرابح ، وأن غيره المبطل الخاسر ، ولما ذكر الله تعالى تفرق هؤلاء في دينهم أتبعه بالوعيد ، وقال : { فذرهم فى غمرتهم } حين حتى الخطاب لنبينا صلى الله عليه وسلم يقول : ( فدع هؤلاء الكفار في جهلهم والغمرة الماء الذي يغمر القامة فكأن ما هم فيه من الجهل والحيرة صار غامرا ساترا لعقولهم ) ، وعن علي عليه السلام : { فى ليسجننه حتى حين } وذكروا في الحين وجوها : أحدها : إلى حين الموت وثانيها : إلى حين المعاينة وثالثها : إلى حين العذاب ، والعادة في ذلك أن يذكر في الكلام ، والمراد به الحالة التي تقترن بها الحسرة والندامة ، وذلك يحصل إذا عرفهم الله بطلان ما كانوا عليه وعرفهم سوء منقلبهم ، ويحصل أيضا عند المحاسبة في الآخرة ، ويحصل عند عذاب القبر والمساءلة فيجب أن يحمل على كل ذلك . ولما كان القوم في نعم عظيمة في الدنيا جاز أن يظنوا أن تلك النعم كالثواب المعجل لهم على أديانهم ، فبين سبحانه أن الأمر بخلاف ذلك ، فقال : { أيحسبون أنما ما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم فى الخيرات } قرىء يمدهم ويسارع بالياء والفاعل هو الله سبحانه وفي المعنى وجهان : أحدهما : أن هدا الإمداد ليس إلا استدراجا لهم في المعاصي ، واستجرارا لهم في زيادة الإثم وهم يحسبونه مسارعة في الخيرات وبل للاستدراك لقوله : { أيحسبون } يعني بل هم أشباه البهائم لا فطنة لهم ولا شعور حتى يتفكروا في ذلك ، أهو استدراج أم مسارعة في الخير ، وهذه الآية كقوله : { ولا تعجبك أموالهم وأولادهم } ( التوبة : 85 ) روي عن يزيد بن ميسرة : أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء ( أيفرح عبدي أن أبسط له الدنيا وهو أبعد له مني ، ويجزع أن أقبض عنه الدنيا وهو أقرب له مني ) ثم تلا : { أيحسبون أنما ما نمدهم به من مال وبنين } وعن الحسن : لما أتى عمر بسوار كسرى فأخذه ووضعه في يد سراقة فبلغ منكبه . فقال عمر اللهم إني قد علمت أن نبيك عليه الصلاة / والسلام ، كان يحب أن يصيب مالا لينفقه في سبيلك ، فزويت ذلك عنه نظرا . ثم إن أبا بكر كان يحب ذلك ، اللهم لا يكن ذلك مكرا منك بعمر . ثم تلا : { أيحسبون أنما ما نمدهم به من مال وبنين } الوجه الثاني : وهو أنه سبحانه إنما أعطاهم هذه النعم ليكونوا فارغي البال ، متمكنين من الاشتغال بكلف الحق ، فإذا أعرضوا عن الحق والحالة هذه ، كان لزوم الحجة عليهم أقوى ، فلذلك قال : { بل لا يشعرون } . ! 7 < { إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بأايات ربهم يؤمنون والذين هم بربهم لا يشركون والذين يؤتون مآ ءاتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون أولائك يسارعون فى الخيرات وهم لها سابقون } . > 7 < المؤمنون : ( 57 - 61 ) إن الذين هم . . . . . > >
إعلم أنه تعالى لما ذم من تقدم ذكره بقوله : { أيحسبون أنما ما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم فى الخيرات } ثم قال : { بل لا يشعرون } بين بعده صفات من يسارع في الخيرات ويشعر بذلك وهي أربعة : الصفة الأولى : قوله : { إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون } والإشفاق يتضمن الخشية مع زيادة رقة وضعف ، فمنهم من قال : جمع بينهما للتأكيد ، ومنهم من حمل الخشية على العذاب ، والمعنى الذين هم من عذاب ربهم مشفقون ، وهو قول الكلبي ومقاتل ، ومنهم من حمل الإشفاق على أثره وهو الدوام في الطاعة ، والمعنى الذين هم من خشية ربهم دائمون في طاعته ، جادون في طلب مرضاته . والتحقيق أن من بلغ في الخشية إلى حد الإشفاق وهو كمال الخشية ، كان في نهاية الخوف من سخط الله عاجلا ، ومن عقابة آجلا ، فكان في نهاية الاحتراز عن المعاصي . الصفة الثانية : قوله : { والذين هم بئايات ربهم يؤمنون } واعلم أن آيات الله تعالى هي المخلوقات الدالة على وجوده ، والإيمان بها هو التصديق بها ، والتصديق بها إن كان بوجودها فذلك معلوم بالضرورة ، وصاحب هذا التصديق لا يستحق المدح ، وإن كان بكونها آيات ودلائل على وجود الصانع فذلك مما لا يتوصل إليه إلا بالنظر والفكر ، وصاحبه لا بد وأن يصير عارفا / بوجود الصانع وصفاته ، وإذا حصلت المعرفة بالقلب حصل الإقرار باللسان ظاهرا وذلك هو الإيمان . الصفة الثالثة : قوله : { والذين هم بربهم لا يشركون } وليس المراد منه الإيمان بالتوحيد ونفي الشريك لله تعالى لأن ذلك داخل في قوله : { والذين هم بئايات ربهم يؤمنون } بل المراد منه نفي الشرك الخفي ، وهو أن يكون مخلصا في العبادة لا يقدم عليها إلا لوجه الله تعالى وطلب رضوانه والله أعلم . الصفة الرابعة : قوله : { والذين يؤتون ما ءاتوا وقلوبهم وجلة } معناه يعطون ما أعطوا فدخل فيه كل حق يلزم إيتاؤه سواء كان ذلك من حق الله تعالى : كالزكاة والكفارة وغيرهما ، أو من حقوق الآدميين : كالودائع والديون وأصناف الإنصاف والعدل ، وبين أن ذلك إنما ينفع إذا فعلوه وقلوبهم وجلة ، لأن من يقدم على العبادة وهو وجل من تقصيره وإخلاله بنقصان أو غيره ، فإنه يكون لأجل ذلك الوجل مجتهدا في أن يوفيها حقها في الأداء . وسألت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : { والذين يؤتون ما ءاتوا وقلوبهم وجلة } أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق وهو على ذلك يخاف الله تعالى ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : ( لا يا ابنة الصديق ، ولكن هو الرجل يصلي ويصوم ويتصدق وهو على ذلك يخاف الله تعالى ) . واعلم أن ترتيب هذه الصفات في نهاية الحسن ، لأن الصفة الأولى دلت على حصول الخوف الشديد الموجب للاحتراز عما لا ينبغي . والصفة الثانية : دلت على ترك الرياء في الطاعات .
Sorular
- Tevhid nedir; Müslümanların Allah'ın birliğine imanı?
- İslam'da imanın altı şartı nedir?
- Müslümanlar peygamberler hakkında neye inanır?
- İslam helal ve haram yiyecekler hakkında ne öğretir?
- Fâtiha Sûresi'nin anlamı nedir?
- Kur'an sabır hakkında ne öğretir?
- Kur'an hayatın amacı hakkında ne der?
- İhlas nedir ve neden önemlidir?