Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
البحث الثالث : ويروى عن قوم من السلف أنهم اعتبروا في البلوغ أن يبلغ الإنسان في طوله خمسة أشبار ، روي عن علي عليه السلام أنه قال إذا بلغ الغلام خمسة أشبار فقد وقعت عليه الحدود ويقتص له ويقتص منه ، وعن ابن سيرين عن أنس قال أتى أبو بكر بغلام قد سرق فأمر به فشبر فنقص أنملة فخلى عنه ، وهذا المذهب أخذ به الفرزدق في قوله : ما زال مذ عقدت يداه إزاره وسما فأدرك خمسة الأشبار وأكثر الفقهاء لا يقولون بهذا المذهب ، لأن الإنسان قد يكون دون البلوغ ويكون طويلا ، وفوق البلوغ ويكون قصيرا فلا عبرة به . / المسألة الثالثة : قال أبو بكر الرازي دلت هذه الآية على أن من لم يبلغ ، وقد عقل يؤمر بفعل الشرائع وينهى عن ارتكاب القبائح فإن الله أمرهم بالاستئذان في هذه الأوقات ، وقال عليه السلام : ( مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر ) وعن ابن عمر رضي الله عنه قال نعلم الصبي الصلاة إذا عرف يمينه من شماله ، وعن زين العابدين أنه كان يأمر الصبيان أن يصلوا الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء جميعا ، فقيل له يصلون الصلاة لغير وقتها فقال خير من أن يتناهوا عنها ، وعن ابن مسعود رض الله عنه إذا بلغ الصبي عشر سنين كتبت له الحسنات ولا تكتب عليه السيئات حتى يحتلم / ثم قال أبو بكر الرازي إنما يؤمر بذلك على وجه التعليم وليعتاده ويتمرن عليه فيكون أسهل عليه بعد البلوغ وأقل نفورا منه ، وكذلك يجنب شرب الخمر ولحم الخنزير وينهى عن سائر المحظورات لأنه لو لم يمنع منه في الصغر لصعب عليه الامتناع بعد الكبر ، وقال الله تعالى : { قوا أنفسكم وأهليكم نارا } ( التحريم : 6 ) قيل في التفسير أدبوهم وعلموهم . المسألة الرابعة : قال الأخفش : يقال في الحلم حلم الرجل بفتح اللام ، يحلم حلما بضم اللام ، ومن الحلم حلم بضم اللام ، يحلم حلما بكسر اللام . أما قوله تعالى : { ثلاث مرات من قبل صلواة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلواة العشاء ثلاث عورات لكم } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قوله : { ثلاث مرات } يعني ثلاث أوقات ، لأنه تعالى فسرهن بالأوقات ، وإنما قيل ثلاث مرات للأوقات لأنه أراد مرة في كل وقت من هذه الأوقات ، لأنه يكفيهم أن يستأذنوا في كل واحد من هذه الأوقات مرة واحدة ، ثم بين الأوقات فقال : { من قبل صلواة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلواة العشاء } ، يعني الغالب في هذه الأوقات الثلاثة أن يكون الإنسان متجردا عن الثياب مكشوف العورة . المسألة الثانية : قوله : { ثلاث عورات } قرأ أهل الكوفة : { ثلاث } بالنصب على البدل من قوله : { ثلاث مرات } وكأنه قال في أوقات ثلاث عورات لكم ، فلما حذف المضاف أعرب المضاف إليه بإعرابه وقراءة الباقين بالرفع أي : هي ثلاث عورات فارتفع لأنه خبر مبتدأ محذوف ، قال القفال فكأن المعنى ثلاث انكشافات والمراد وقت الانكشاف . المسألة الثالثة : العورة الخلل ومنه أعور الفارس وأعور المكان والأعور المختل العين ، فسمى الله تعالى كل واحدة من تلك الأحوال عورة ، لأن الناس يختل حفظهم وتسترهم فيها . المسألة الرابعة : الآية دالة على أن الواجب اعتبار العلل في الأحكام إذا أمكن لأنه تعالى نبه على العلة في هذه الأوقات الثلاثة من وجهين : أحدهما : بقوله تعالى : { ثلاث عورات لكم } والثاني : بالتنبيه على الفرق بين هذه الأوقات الثلاثة وبين ما عداها بأنه ليس ذاك إلا لعلة التكشف في هذه الأوقات الثلاثة ، وأنه لا يؤمن وقوع التكشف فيها وليس كذلك ما عدا هذه الأوقات .
/ المسألة الخامسة : من الناس من قال إن قوله تعالى : { كريم يأيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها } ( النور : 27 ) فهذا يدل على أن الاستئذان واجب في كل حال ، وصار ذلك منسوخا بهذه الآية في غير هذه الأحوال الثلاثة ، ومن الناس من قال الآية الأولى أريد بها المكلف لأنه خطاب لمن آمن ، وما ذكره الله تعالى في هذه الآية فهو فيمن ليس بمكلف فقيل فيه إن في بعض الأحوال لا يدخل إلا بإذن ، وفي بعضها بغير إذن . فلا وجه لحمل ذلك على النسخ ، لأن ما تناولته الآية الأولى من المخاطبين لم تتناوله الآية الثانية أصلا ، فإن قيل بتقدير أن يكون قوله تعالى : { الذين ملكت أيمانكم } يدخل فيه من قد بلغ فالنسخ لازم ، قلنا لا يجب ذلك أيضا ، لأن قوله : { كريم يأيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم } لا يدخل إلا من يملك البيوت لحق هذه الإضافة ، وإذا صح ذلك لم يدخل تحت العبيد والإماء ، فلا يجب النسخ أيضا على هذا القول ، فأما إن حمل الكلام على صغار المماليك فالقول فيه أبين . المسألة السادسة : قال أبو حنيفة رحمه الله : لم يصر أحد من العلماء إلى أن الأمر بالاستئذان منسوخ . وروى عطاء عن ابن عباس أنه قال : ثلاث آيات من كتاب الله تركهن الناس ولا أرى أحدا يعمل بهن ، قال عطاء حفظت اثنتين ونسيت واحدة ، وقرأ هذه الآية وقوله : { رحيم يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى } ( الحجرات : 13 ) وذكر سعيد بن جبير أن الآية الثالثة قوله : { وإذا حضر القسمة أولوا القربى } ( النساء : 8 ) الآية . أما قوله تعالى : { ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوفون عليكم بعضكم على بعض } ففيه سؤالات : السؤال الأول : أتقولون في قوله : { ليس عليكم ولا عليهم جناح } أنه يقتضي الإباحة على كل حال ؟ الجواب : قد بينا أن ذلك هو في الصغار خاصة ، فمباح لهم الدخول للخدمة بغير الإذن في غير الأوقات الثلاثة ، ومباح لنا تمكينهم من ذلك والدخول عليهم أيضا . السؤال الثاني : فهل يقتضي ذلك إباحة كشف العورة لهم ؟ الجواب : لا وإنما أباح الله تعالى ذلك من حيث كانت العادة أن لا تكشف العورة في غير تلك الأوقات ، فمتى كشفت المرأة عورتها مع ظن دخول الخدم إليها فذلك يحرم عليها ، فإن كان الخادم ممن يتناوله التكليف فيحرم عليه الدخول أيضا إذا ظن أن هناك كشف عورة ، فإن قيل أليس من الناس من جوز للبالغ من المماليك أن ينظر إلى شعر مولاته ؟ قلنا من جوز ذلك أخرج الشعر من أن يكون عورة لحق الملك ، كما يخرج من أن يكون عورة لحق الرحم ، إذ العورة تنقسم ففيه ما يكون عورة على كل حال . وفيه ما يختلف حاله بالإضافة فيكون عورة مع الأجنبي غير عورة غيره على ما تقدم ذكره .
السؤال الثالث : أتقولون هذه الإباحة مقصورة على الخدم دون غيرهم ؟ الجواب : نعم / وفي قوله : { ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن } دلالة عى أن هذا الحكم يختص بالصغار دون البالغين على ما تقدم ذكره وقد نص تعالى على ذلك من بعد فقال : { وإذا بلغ الاطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم } والمراد من تجدد منه البلوغ يجب أن يكون بمنزلة من تقدم بلوغه في وجوب الاستئذان ، فهذا معنى قوله : { كما استأذن الذين من قبلهم } وقد يجوز أن يظن ظان أن من خدم في حال الصغر ، فإذا بلغ يجوز له أن لا يستأذن ويفارق حاله حال من لم يخدم ولم يملك ، فبين تعالى أنه كما حظر على البالغين الدخول إلا بالاستئذان فكذلك على هؤلاء إذا بلغوا وإن تقدمت لهم خدمة أو ثبت فيهم ملك لهن . السؤال الرابع : الأمر بالاستئذان هل هو مختص بالمملوك ومن لم يبلغ الحلم أو يتناول الكل من ذوي الرحم ؟ والأجنبي أيضا لو كان المملوك من ذوي الرحم هل يجب عليه الاستئذان ؟ الجواب : أما الصورة الأولى فنعم ، إما لعموم قوله تعالى : { لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا } ( النور : 27 ) أو بالقياس على المملوك ، ومن لم يبلغ الحلم بطريق الأولى ، وأما الصورة الثانية فيجب عليه الاستئذان لعموم الآية . السؤال الخامس : ما محل { ليس عليكم } ؟ الجواب : إذا رفعت { ثلاث عورات } كان ذلك في محل الرفع على الوصف ، والمعنى هن ثلاث عورات مخصوصة بالاستئذان ، وإذا نصبت لم يكن له محل ، وكان كلاما مقررا للأمر بالاستئذان في تلك الأحوال خاصة . السؤال السادس : ما معنى قوله : { طوفون عليكم } ؟ الجواب : قال الفراء والزجاج إنه كلام مستأنف كقولك في الكلام إنما هم خدمكم وطوافون عليكم ، والطوافون الذين يكثرون الدخول والخروج والتردد ، وأصله من الطواف ، والمعنى يطوف بعضكم على بعض بغير إذن . السؤال السابع : بم ارتفع { بعضكم } ؟ الجواب : بالابتداء وخبره { على بعض } على معنى طائف على بعض ، وإنما حذف لأن { طوفون } يدل عليه . أما قوله : { والقواعد من النساء اللاتى لا يرجون نكاحا } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قال ابن السكيت : امرأة قاعد إذا قعدت عن الحيض والجمع قواعد ، وإذا أردت القعود قلت قاعدة ، وقال المفسرون : القواعد هن اللواتي قعدن عن الحيض والولد من الكبر ولا مطمع لهن في الأزواج ، والأولى أن لا يعتبر قعودهن عن الحيض لأن ذلك ينقطع والرغبة فيهن باقية ، فالمراد قعودهن عن حال الزوج ، وذلك لا يكون إلا إذا بلغن في السن بحيث لا يرغب فيهن الرجال . المسألة الثانية : قوله تعالى في النساء : { لا يرجون } كقوله : { إلا أن يعفون } ( البقرة : 237 ) . المسألة الثالثة : لا شبهة أنه تعالى لم يأذن في أن يضعن ثيابهن أجمع لما فيه من كشف كل عورة ، فلذلك قال المفسرون : المراد بالثياب ههنا الجلباب والبرد والقناع الذي فوق الخمار ، وروي / عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ { أن يضعن جلابيبهن } وعن السدي عن شيوخه ( أن يضعن خمرهن رؤوسهن ) وعن بعضهم أنه قرأ ( أن يضعن من ثيابهن ) ، وإنما خصهن الله تعالى بذلك لأن التهمة مرتفعة عنهن ، وقد بلغن هذا المبلغ فلو غلب على ظنهن خلاف ذلك لم يحل لهن وضع الثياب ولذلك قال : { وأن يستعففن خير لهن } وإنما جعل ذلك أفضل من حيث هو أبعد من المظنة وذلك يقتضي أن عند المظنة يلزمهن أن لا يضعن ذلك كما يلزم مثله في الشابة .
المسألة الرابعة : حقيقة التبرج تكلف إظهار ما يجب إخفاؤه من قولهم سفينة بارج لا غطاء عليها ، والبرج سعة العين التي يرى بياضها محيطا بسوادها كله ، لا يغيب منه شيء إلا أنه اختص بأن تنكشف المرأة للرجال بإبداء زينتها وإظهار محاسنها . ! 7 < { ليس على الا عمى حرج ولا على الا عرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت ءابآئكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الا يات لعلكم تعقلون } . > 7 < النور : ( 61 ) ليس على الأعمى . . . . . > > اعلم أن في الآية مسائل : المسألة الأولى : اختلفوا في المراد من رفع الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض فقال / ابن زيد : المراد أنه لا حرج عليهم ولا إثم في ترك الجهاد ، وقال الحسن نزلت الآية في ابن أم مكتوم وضع الله الجهاد عنه وكان أعمى وهذا القول ضعيف لأنه تعالى عطف عليه قوله : { أن تأكلوا } فنبه بذلك على أنه إنما رفع الحرج في ذلك ، وقال الأكثرون المراد منه أن القوم كانوا يحظرون الأكل مع هؤلاء الثلاثة وفي هذه المنازل ، فالله تعالى رفع ذلك الحظر وأزاله ، واختلفوا في أنهم لأي سبب اعتقدوا ذلك الحظر ، أما في حق الأعمى والأعرج والمريض فذكروا فيه وجوها : أحدها : أنهم كانوا لا يأكلون مع الأعمى لأنه لا يبصر الطعام الجيد فلا يأخذه ، ولا مع الأعرج لأنه لا يتمكن من الجلوس فإلى أن يأكل لقمة يأكل غيره لقمتين ، وكذا المريض لأنه لا يتأتى له أن يأكل كما يأكل الصحيح ، قال الفراء : فعلى هذا التأويل تكون ( على ) بمعنى في يعني ليس عليكم في مواكلة هؤلاء حرج وثانيها : أن العميان والعرجان والمرضى تركوا مواكلة الأصحاء ، أما الأعمى فقال إني لا أرى شيئا فربما آخذ الأجود وأترك الأردأ ، وأما الأعرج والمريض فخافا أن يفسدا الطعام على الأصحاء لأمور تعتري المرضى ، ولأجل أن الأصحاء يتكرهون منهم ولأجل أن المريض ربما حمله الشره على أن يتعلق نظره وقلبه بلقمة الغير ، وذلك مما يكرهه ذلك الغير فلهذه الأسباب احترزوا عن مواكلة الأصحاء ، فالله تعالى أطلق لهم في ذلك وثالثها : روى الزهري عن سعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبدالله في هذه الآية أن المسلمين كانوا إذا غزوا خلفوا زمناهم وكانوا يسلمون إليهم مفاتيح أبوابهم ويقولون لهم قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا فكانوا يتحرجون من ذلك قالوا لا ندخلها وهم غائبون ، فنزلت هذه الآية رخصة لهم وهذا قول عائشة رضي الله عنها فعلى هذا معنى الآية نفي الحرج عن الزمنى في أكلهم من بيت من يدفع إليهم المفتاح إذا خرج إلى الغزو ورابعها : نقل عن ابن عباس ومقاتل بن حيان نزلت هذه الآية في الحارث بن عمرو وذلك أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غازيا وخلف بن مالك بن زيد على أهله فلما رجع وجده مجهودا فسأله عن حاله فقال تحرجت أن آكل من طعامك بغير إذنك ، وأما في حق سائر الناس فذكروا وجهين : الأول : كان المؤمنون يذهبون بالضعفاء وذوي العاهات إلى بيوت أزواجهم وأولادهم وقراباتهم وأصدقائهم فيطعمونهم منها ، فلما نزل قوله تعالى : { لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة } ( النساء : 29 ) أي بيعا فعند ذلك امتنع الناس أن يأكل بعضهم من طعام بعض فنزلت هذه الآية الثاني : قال قتادة : كانت الأنصار في أنفسها قزازة وكانت لا تأكل من هذه البيوت إذا استغنوا / قال السدي كان الرجل يدخل بيت أبيه أو بيت أخيه أو أخته فتتحفه المرأة بشيء من الطعام فيتحرج ، لأنه ليس ثم رب البيت . فأنزل الله تعالى هذه الرخصة .
المسألة الثانية : قال الزجاج الحرج في اللغة الضيق ومعناه في الدين الإثم . المسألة الثالثة : أنه سبحانه أباح الأكل للناس من هذه المواضع وظاهر الآية يدل على / أن إباحة الأكل لا تتوقف على الاستئذان ، واختلف العلماء فيه فنقل عن قتادة أن الأكل مباح ولكن لا يجمل ، وجمهور العلماء أنكروا ذلك ثم اختلفوا على وجوه : الأول : كان ذلك في صدر الإسلام ثم نسخ لك بقوله عليه الصلاة والسلام : ( لا يحل مال امرىء مسلم إلا عن طيب نفس منه ) ومما يدل على هذا النسخ قوله : { لا تدخلوا بيوت النبى إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه } ( الأحزاب : 53 ) وكان في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من لهن الآباء والأخوة والأخوات ، فعم بالنهي عن ذهول بيوتهن إلا بعد الإذن في الدخول وفي الأكل ، فإن قيل إنما أذن تعالى في هذا لأن المسلمين لم يكونوا يمنعون قراباتهم هؤلاء من أن يأكلوا من بيوتهم حضروا أو غابوا ، فجاز أن يرخص في ذلك ، قلنا لو كان الأمر كذلك لم يكن لتخصيص هؤلاء الأقارب بالذكر معنى لأن غيرهم كهم في ذلك الثاني : قال أبو مسلم الأصفهاني : المراد من هؤلاء الأقارب إذا لم يكونوا مؤمنين ، وذلك لأنه تعالى نهى من قبل عن مخالطتهم بقوله : { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الاخر يوادون من حاد الله ورسوله } ( المجادلة : 22 ) ثم إنه سبحانه أباح في هذه الآية ما حظره هناك ، قال ويدل عليه أن في هذه السورة أمر بالتسليم على أهل البيوت فقال : { حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها } ( النور : 27 ) وفي بيوت هؤلاء المذكورين لم يأمر بذلك ، بل أمر أن يسلموا على أنفسهم ، والحاصل أن المقصود من هذه الآية إثبات الإباحة في الجملة ، لا إثبات الإباحة في جميع الأقات الثالث : أنه لما علم بالعادة أن هؤلاء القوم تطيب أنفسهم بأكل من يدخل عليهم والعادة كالإذن في ذلك ، فيجوز أن يقال خصهم الله بالذكر ، لأن هذه العادة في الأغلب توجد فيهم ولذلك ضم إليهم الصديق ، ولما علمنا أن هذه الإباحة إنما حصلت في هذه الصورة لأجل حصول الرضا فيها ، فلا حاجة إلى القول بالنسخ .
المسألة الرابعة : أن الله تعالى ذكر أحد عشر موضعا في هذه الآية أولها : قوله : { ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم } وفيه سؤال وهو أن يقال أي فائدة في إباحة أكل الإنسان طعامه في بيته ؟ وجوابه المراد في بيوت أزواجكم وعيالكم أضافه إليهم ، لأن بيت المرأة كبيت الزوج ، وهذا قول الفراء . وقال ابن قتيبة : أراد بيوت أولادهم فنسب بيوت الأولاد إلى الآباء لأن الولد كسب والده وماله كماله ، قال عليه السلام : ( إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه ، وإن ولده من كسبه ) والدليل على هذا أنه سبحانه وتعالى عدد الأقارب ولم يذكر الأولاد لأنه إذا كان سبب الرخصة هو القرابة كان الذي هو أقرب منهم أولى وثانيها : بيوت الآباء وثالثها : بيوت الأمهات ورابعها : بيوت الإخوان وخامسها : بيوت الأخوات وسادسها : بيوت الأعمام وسابعها : بيوت العمات وثامنها : بيوت الأخوال وتاسعها : بيوت الخالات وعاشرها : قوله تعالى : { أو ما ملكتم مفاتحه } وقرىء { مفتاحه } وفيه وجوه : الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : وكيل الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته ، لا بأس عليه أن يأكل من ثمر / ضيعته ، ويشرب من لبن ماشيته ، وملك المفاتح كونها في يده وفي حفظه الثاني : قال الضحاك : يريد الزمنى الذين كانوا يحرسون للغزاة الثالث : المراد بيوت المماليك لأن مال العبد لمولاه قال الفضل المفاتح واحدها مفتح بفتح الميم ، وواحد المفاتيح مفتح بالكسر الحادي عشر : قوله : { مفاتحه أو صديقكم } والمعنى أو بيوت أصدقائكم ، والصديق يكون واحدا وجمعا ، وكذلك الخليط والقطين والعدو ويحكى عن الحسن أنه دخل داره وإذا حلقة من أصدقائه وقد ( أخرجوا ) سلالا من تحت سريره فيها الخبيص وأطايب الأطعمة وهم مكبون عليها يأكلون ، فتهللت أسارير وجهه سرورا وضحك وقال هكذا وجدناهم يريد كبراء الصحابة . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : الصديق أكثر من الوالدين ، لأن أهل الجنة لما استغاثوا لم يستغيثوا بالآباء والأمهات بل بالأصدقاء ، فقالوا مالنا من شافعين ولا صديق حميم ، وحكي أن أخا للربيع بن خيثم في الله دخل منزله في حال غيبته فانبسط إلى جاريته حتى قدمت إليه ما أكل ، فلما عاد أخبرته بذلك ، فلسروره بذلك قال إن صدقت فأنت حرة . المسألة الخامسة : احتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية على أن من سرق من ذي رحم محرم أنه لا يقطع لإباحة الله تعالى بهذه الآية الأكل من بيوتهم ودخولها بغير إذنهم ، فلا يكون ماله محرزا منهم ، فإن قيل فيلزم أن لا يقطع إذا سرق من مال صديقه ، قلنا من أراد سرقة ماله لا يكون صديقا له .
أما قوله تعالى : { ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا } فقال أكثر المفسرين : نزلت الآية في بني ليث بن عمرو وهم حي من كنانة ، كان الرجل منهم لا يأكل وحده يمكث يومه فإن لم يجد من يؤاكله لم يأكل شيئا ، وربما كانت معه الإبل الحفل فلا يشرب من ألبانها حتى يجد من يشاربه ، فأعلم الله تعالى أن الرجل إذا أكل وحده لا حرج عليه ، هذا قول ابن عباس رضي الله عنهما ، وقال عكرمة وأبو صالح رحمهما الله : كانت الأنصار إذا نزل بواحد منهم ضيف لم يأكل إلا وضيفه معه ، فرخص الله لهم أن يأكلوا كيف شاءوا مجتمعين ومتفرقين . وقال الكلبي : كانوا إذا اجتمعوا ليأكلوا طعاما عزلوا للأعمى طعاما على حدة ، وكذلك للزمن والمريض ، فبين الله لهم أن ذلك غير واجب ، وقال آخرون : كانوا يأكلون فرادى خوفا من أن يحصل عند الجمعية ما ينفر أو يؤذي ، فبين الله تعالى أنه غير واجب وقوله : { جميعا } نصب على الحال { وأشتاتا } جمع شت وشتى جمع شتيت وشتان تثنية شت قاله المفضل وقيل الشت مصدر بمعنى التفرق ثم يوصف به ويجمع . أما قوله تعالى : { أشتاتا فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم } فالمعنى أنه تعالى جعل أنفس المسلمين كالنفس الواحدة على مثال قوله تعالى : { ولا تقتلوا أنفسكم } ( النساء : 29 ) قال ابن عباس : فإن لم يكن أحد فعلى نفسه ليقل السلام علينا من قبل ربنا ، وإذا دخل المسجد فليقل السلام على رسول الله وعلينا من ربنا . قال قتادة : وحدثنا أن الملائكة ترد عليه . قال القفال : وإن كان في البيت أهل الذمة / فليقل السلام على من اتبع الهدى وقوله { تحية } نصب على المصدر ، كأنه قال : فحيوا تحية من عند الله ، أي مما أمركم الله به . قال ابن عباس رضي الله عنهما : من قال السلام عليكم معناه اسم الله عليكم وقوله : { مباركة طيبة } قال الضحاك : معنى البركة فيه تضعيف الثواب وقال الزجاج : أعلم الله سبحانه أن السلام مبارك ثابت لما فيه من الأجر والثواب وأنه إذا أطاع الله فيه أكثر خيره وأجزل أجره { كذالك يبين الله لكم الآيات } أي يفصل الله شرائعه لكم { لعلكم تعقلون } لتفهموا عن الله أمره ونهيه ، وروى حميد عن أنس قال : ( خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي في شيء فعلته لم فعلته ولا قال لي في شيء تركته لم تركته / وكنت واقفا على رأس النبي صلى الله عليه وسلم أصب الماء على يديه فرفع رأسه إلي وقال : ألا أعلمك ثلاث خصال تنتفع بهن ؟ قلت بأبي وأمي أنت يا رسول الله بلى ، فقال من لقيت من أمتي فسلم عليهم يطل عمرك ، وإذا دخلت بيتا فسلم عليهم يكثر خير بيتك ، وصل صلاة الضحى فإنها صلاة ( الأبرار ) الأوابين ) . ! 7 < { إنما المؤمنون الذين ءامنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولائك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم لا تجعلوا دعآء الرسول بينكم كدعآء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ألاإن لله ما فى السماوات والا رض قد يعلم مآ أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شىء عليم } . > 7 < النور : ( 62 - 64 ) إنما المؤمنون الذين . . . . . > > وفي الآية مسائل :
/ المسألة الأولى : قرىء { على أمر جميع } ثم ذكروا في قوله { على أمر جامع } وجوها : أحدها : أن الأمر الجامع هو الأمر الموجب للاجتماع عليه فوصف الأمر بالجمع على سبيل المجاز ، وذلك نحو مقاتلة عدو أو تشاور في خطب مهم أو الأمر الذي يعم ضرره ونفعه وفي قوله : { إذا كانوا معه على أمر جامع } إشارة إلى أنه خطب جليل لا بد لرسول صلى الله عليه وسلم من أرباب التجارب والآراء ليستعين بتجاربهم فمفارقة أحدهم في هذه الحالة مما يشق على قلبه وثانيها : عن الضحاك في أمر جامع الجمعة والأعياد وكل شيء تكون فيه الخطبة وثالثها : عن مجاهد في الحرب وغيره . المسألة الثانية : اختلفوا في سبب نزوله قال الكلبي : كان صلى الله عليه وسلم يعرض في خطبته بالمنافقين ويعيبهم فينظر المنافقون يمينا وشمالا فإذا لم يرهم أحد انسلوا وخرجوا ولم يصلوا ، وإن أبصرهم أحد ثبتوا وصلوا خوفا ، فنزلت هذه الآية فكان بعد نزول هذه الآية لا يخرج المؤمن لحاجته حتى يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان المنافقون يخرجون بغير إذن . المسألة الثالثة : قال الجبائي هذا يدل على أن استئذانهم الرسول من إيمانهم ، ولولا ذلك لجاز أن يكونوا كاملي الإيمان وإن تركوا الاستئذان ، وذلك يدل على أن كل فرض لله تعالى واجتناب محرم من الإيمان والجواب : هذا بناء على أن كلمة { إنما } للحصر وأيضا فالمنافقون إنما تركوا الاستئذان استخفافا ولا نزاع في أنه كفر . أما قوله تعالى : { إن الذين يستذنونك } إلى قوله : { إن الله غفور رحيم } ففيه مسائل : المسألة الأولى : { إن الذين يستذنونك } المعنى تعظيما لك ورعاية للأدب { أولائك هم الذين يؤمنون بالله ورسوله } أي يعملون بموجب الإيمان ومقتضاه ، قال الضحاك ومقاتل : المراد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وذلك لأنه استأذن في غزوة تبوك في الرجوع إلى أهله فأذن له وقال له انطلق فوالله ما أنت بمنافق يريد أن يسمع المنافقين ذلك الكلام ، فلما سمعوا ذلك قالوا ما بال محمد إذا استأذنه أصحابه أذن لهم ، وإذا استأذناه لم يأذن لنا فوالله ما نراه يعدل ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما إن عمر استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في العمرة فأذن له ، ثم قال يا أبا حفص لا تنسنا من صالح دعائك ، وفي قوله : { واستغفر لهم الله } وجهان : أحدهما : أن يستغفر لهم تنبيها على أن الأولى أن لا يقع الاستئذان منهم وإن أذن / لأن الاستغفار يدل على الذنب وربما ذكر عند بعض الرخص الثاني : يحتمل أنه تعالى أمره بأن يستغفر لهم مقابلة على تمسكهم بآداب الله تعالى في الاستئذان . المسألة الثانية : قال قتادة نسخت هذه الآية قوله تعالى : { لم أذنت لهم } ( التوبة : 43 ) . المسألة الثالثة : الآية تدل على أنه سبحانه فوض إلى رسوله بعض أمر الدين ليجتهد فيه برأيه .
أما قوله تعالى : { لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا } ففيه وجوه : أحدها : وهو اختيار المبرد والقفال ، ولا تجعلوا أمره إياكم ودعاءه لكم كما يكون من بعضكم لبعض إذ كان / أمره فرضا لازما ، والذي يدل على هذا قوله عقيب هذا { فليحذر الذين يخالفون عن أمره } وثانيها : لا تنادوه كما ينادي بعضكم بعضا يا محمد ، ولكن قولوا يا رسول الله يا نبي الله ، عن سعيد بن جبير وثالثها : لا ترفعوا أصواتكم في دعائه وهو المراد من قوله : { إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله } ( الحجرات : 3 ) عن ابن عباس ورابعها : احذروا دعاء الرسول عليكم إذا أسخطتموه فإن دعاءه موجب ليس كدعاء غيره ، والوجه الأول أقرب إلى نظم الآية . أما قوله تعالى : { قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا } فالمعنى ( يتسللون ) قليلا قليلا ، ونظير تسلل تدرج وتدخل ، واللواذ : الملاوذة وهي أن يلوذ هذا بذاك وذاك بهذا ، يعني ( يتسللون ) عن الجماعة ( على سبيل الخفية ) واستتار بعضهم ببعض ، و ( لواذا ) حال أي ملاوذين وقيل كان بعضهم يلوذ بالرجل إذا استأذن فيؤذن له فينطلق الذي لم يؤذن له معه ، وقرىء { لواذا } بالفتح ثم اختلفوا على وجوه : أحدها : قال مقاتل : كان المنافقون تثقل عليهم خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فيلوذون ببعض أصحابه ويخرجون من غير استئذان وثانيها : قال مجاهد يتسللون من الصف في القتال وثالثها : قال ابن قتيبة هذا كان في حفر الخندق ورابعها : يتسللون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن كتابه وعن ذكره ، وقوله : { قد يعلم الله } معناه التهديد بالمجازاة . أما قوله : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قال الأخفش ( عن ) صلة والمعنى يخالفون أمره وقال غيره معناه يعرضون عن أمره ويميلون عن سنته فدخلت ( عن ) لتضمين المخالفة معنى الإعراض . المسألة الثانية : كما تقدم ذكر الرسول فقد تقدم ذكر الله تعالى لكن القصد هو الرسول فإليه ترجع الكناية ، وقال أبو بكر الرازي : الأظهر أنها لله تعالى لأنه يليه ، وحكم الكناية رجوعها إلى ما يليها دون ما تقدمها .
المسألة الثالثة : الآية تدل على أن ظاهر الأمر للوجوب ، ووجه الاستدلال به أن نقول : تارك المأمور به مخالف لذلك الأمر ومخالف الأمر مستحق للعقاب فتارك المأمور به مستحق للعقاب ولا معنى للوجوب إلا ذلك ، إنما قلنا إن تارك المأمور به مخالف لذلك الأمر ، لأن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه ، والمخالفة ضد الموافقة فكانت مخالفة الأمر عبارة عن الإخلال بمقتضاه فثبت أن تارك المأمور به مخالف ، وإنما قلنا إن مخالف الأمر مستحق للعقاب لقوله تعالى : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } فأمر مخالف هذا الأمر بالحذر عن العقاب ، والأمر بالحذر عن العقاب إنما يكون بعد قيام المقتضى لنزول العقاب ، فثبت أن مخالف أمر الله تعالى أو أمر رسوله قد وجد في حقه ما يقتضي نزول العذاب ، فإن قيل لا نسلم أن تارك المأمور به مخالف للأمر قوله موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه ومخالفته عبارة عن الإخلال بمقتضاه / قلنا لا نسلم أن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه ، فما الدليل عليه ؟ ثم / إنا نفسر موافقة الأمر بتفسيرين أحدهما : أن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بما يقتضيه الأمر على الوجه الذي يقتضيه الأمر فإن الأمر لو اقتضاه على سبيل الندب ، وأنت تأتي به على سبيل الوجوب كان ذلك مخالفة للأمر الثاني : أن موافقة الأمر عبارة عن الاعتراف بكون ذلك الأمر حقا واجب القبول فمخالفته تكون عبارة عن إنكار كونه حقا واجب القبول ، سلمنا أن ما ذكرته يدل على أن مخالفة الأمر عبارة عن ترك مقتضاه لكنه معارض بوجوه أخر ، وهو أنه لو كان ترك المأمور به مخالفة للأمر لكان ترك المندوب لا محالة مخالفة لأمر الله تعالى ، وذلك باطل وإلا لاستحق العقاب على ما بينتموه في المقدمة الثانية ، سلمنا أن تارك المأمور به مخالف للأمر فلم قلت إن مخالف الأمر مستحق للعقاب لقوله تعالى : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره } ؟ قلنا لا نسلم أن هذه الآية دالة على أمر من يكون مخالفا للأمر بالحذر بل هي دالة على الأمر بالحذر عن مخالفة الأمر ، فلم لا يجوز أن يكون كذلك ؟ سلمنا ذلك لكنها دالة على أن المخالف عن الأمر يلزمه الحذر ، فلم قلت إن مخالف الأمر لا يلزمه الحذر ؟ فإن قلت لفظة ( عن ) صلة زائدة فنقول الأصل في الكلام لا سيما في كلام الله تعالى أن لا يكون زائدا ، سلمنا دلالة الآية على أن مخالف أمر الله تعالى مأمور بالحذر عن العذاب ، فلم قلت إنه يجب عليه الحذر عن العذاب ؟ أقصى ما في الباب أنه ورد الأمر به لكن لم قلت إن الأمر للوجوب ؟ وهذا أول المسألة ، فإن قلت هب أنه لا يدل على وجوب الحذر لكن لا بد وأن يدل على حسن الحذر ، وحسن الحذر إنما يكون بعد قيام المقتضي لنزول العذاب قلت : لا نسلم أن حسن الحذر مشروط بقيام المقتضي لنزول العذاب بل الحذر يحسن عند احتمال نزول العذاب ولهذا يحسن الاحتياط وعندنا مجرد الاحتمال قائم لأن هذه المسألة احتمالية لا قطعية ، سلمنا دلالة الآية على وجود ما يقتضي نزول العقاب ، لكن لا في كل أمر بل في أمر واحد لأن قوله { عن أمره } لا يفيد إلا أمرا واحدا ، وعندما أن أمرا واحدا يفيد الوجوب ، فلم قلت إن كل أمر كذلك ؟ سلمنا أن كل أمر كذلك ، لكن الضمير في قوله : { عن أمره } يحتمل عوده إلى الله تعالى وعوده إلى الرسول ، والآية لا تدل إلا على أن الأمر للوجوب في حق أحدهما ، فلم قلتم إنه في حق الآخر كذلك ؟ الجواب : قوله لم قلتم إن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه ؟
قلنا الدليل عليه أن العبد إذا امتثل أمر السيد حسن أن يقال إن هذا العبد موافق للسيد ويجري على وفق أمره ، ولو لم يمتثل أمره يقال إنه ما وافقه بل خالفه ، وحسن هذا الإطلاق معلوم بالضرورة من أهل اللغة فثبت أن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه ، قوله الموافقة عبارة عن الإتيان بما يقتضيه الأمر على الوجه الذي يقتضيه الأمر ، قلنا لما سلمتم أن موافقة الأمر لا تحصل إلا عند الإتيان بمقتضى الأمر ، فنقول لا شك أن مقتضى الأمر هو الفعل لأن قوله : افعل لا يدل إلا على اقتضاء الفعل ، وإذا لم يوجد الفعل لم يوجد مقتضى الأمر ، فلا توجد الموافقة فوجب حصول المخالفة لأنه ليس بين الموافقة والمخالفة واسطة قوله : الموافقة عبارة عن اعتقاد كون ذلك / الأمر حقا واجب القبول ، قلنا هذا لا يكون موافقة للأمر بل يكون موافقة للدليل الدال على أن ذلك الأمر حق ، فإن موافقة الشيء عبارة عن الإتيان بما يقتضي تقرير مقتضاه ، فإذا دل على حقية الشيء كان الاعتراف بحقيته يقتضي تقرير مقتضى ذلك الدليل ، أما الأمر فلما اقتضى دخول الفعل في الوجود كانت موافقته عبارة عما يقرر ذلك الدخول وإدخاله في الوجود يقتضي تقرير دخوله في الوجود فكانت موافقة الأمر عبارة عن فعل مقتضاه . قوله لو كان كذلك لكان تارك المندوب مخالفا فوجب أن يستحق العقاب ، قلنا هذا الإلزام إنما يصح أن لو كان المندوب مأمورا به وهو ممنوع ، قوله لم لا يجوز أن يكون قوله : { فليحذر } أمرا بالحذر عن المخالف لا أمرا للمخالف بالحذر ؟ قلنا لو كان كذلك لصار التقدير فليحذر المتسللون لواذا عن الذين يخالفون أمره وحينئذ يبقى قوله : { أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } ضائعا لأن الحذر ليس فعلا يتعدى إلى مفعولين . قوله كلمة ( عن ) ليست بزائدة ، قلنا ذكرنا اختلاف الناس فيها في المسألة الأولى . قوله لم قلتم إن قوله : { فليحذر } يدل على وجوب الحذر عن العقاب ؟ قلا لا ندعي وجوب الحذر ، ولكن لا أقل من جواز الحذر ، وذلك مشروط بوجود ما يقتضي وقوع العقاب . قوله لم قلت إن الآية تدل على أن كل مخالف للأمر يستحق العقاب ؟ قلنا لأنه تعالى رتب نزول العقاب على المخالفة فوجب أن يكون معللا به ، فيلزم عمومه لعموم العلة . قوله هب أن أمر الله أو أمر رسوله للوجوب ، فلم قلتم إن الأمر كذلك ؟ قلنا لأنه لا قائل بالفرق والله أعلم .
المسألة الرابعة : من الناس من قال لفظ الأمر مشترك بين الأمر القولي وبين الشأن والطريق ، كما يقال أمر فلان مستقيم . وإذا ثبت ذلك كان قوله تعالى : { عن أمره } يتناول قول الرسول وفعله وطريقته ، وذلك يقتضي أن كل ما فعله عليه الصلاة والسلام يكون واجبا علينا ، وهذه المسألة مبنية على أن الكناية في قوله { عن أمره } راجعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، أما لو كانت راجعة إلى الله تعالى فالبحث ساقط بالكلية ، وتمام تقرير ذلك ذكرناه في أصول الفقه ، والله أعلم . أما قوله تعالى : { أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } فالمراد أن مخالفة الأمر توجب أحد هذين الأمرين ، والمراد بالفتنة العقوبة في الدنيا ، والعذاب الأليم عذاب الآخرة ، وإنما ردد الله تعالى حال ذلك المخالف بين هذين الأمرين لأن ذلك المخالف قد يموت من دون عقاب الدنيا وقد يعرض له ذلك في الدنيا ، فلهذا السبب أورده تعالى على سبيل الترديد ، ثم قال الحسن : الفتنة هي ظهور نفاقهم ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : القتل . وقيل : الزلازل والأهوال ، وعن جعفر بن محمد يسلط عليهم سلطان جائر . أما قوله تعالى : { ألا إن لله ما فى السماوات والارض } فذاك كالدلالة على قدرته تعالى عليهما / وعلى ما بينهما وما فيهما ، واقتداره على المكلف فيما يعامل به من المجازاة بثواب أو بعقاب ، وعلمه بما يخفيه ويعلنه ، وكل ذلك كالزجر عن مخالفة أمره . أما قوله تعالى : { قد يعلم ما أنتم عليه } فإنما أدخل { قد } لتوكيد علمه بما هم عليه من المخالفة في الدين والنفاق . ويرجع توكيد العلم إلى توكيد الوعيد : وذلك لأن قد إذا أدخلت على المضارع كانت بمعنى ربما ، فوافقت ربما في خروجها إلى معنى التكثير . كما في قوله الشاعر : فإن يمس مهجور الفناء فربما أقام به بعد الوفود وفود والخطاب والغيبة في قوله تعالى : { قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه } يجوز أن يكونا جميعا للمنافقين على طريق الالتفات ، ويجوز أن يكون ما أنتم عليه عاما ويرجعون للمنافقين ، وقد تقدم في غير موضع أن الرجوع إليه هو الرجوع إلى حيث لا حكم إلا له فلا وجه لإعادته والله أعلم . وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم < > 1 ( سورة الفرقان ) 1 < > سبع وسبعون آية مكية ! 7 < { تبارك الذى نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا الذى له ملك السماوات والا رض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك فى الملك وخلق كل شىء فقدره تقديرا } . > 7 ! / < < الفرقان : ( 1 - 2 ) تبارك الذي نزل . . . . . > > اعلم أن الله سبحانه وتعالى تكلم في هذه السورة في التوحيد والنبوة وأحوال القيامة ، ثم ختمها بذكر صفات العباد المخلصين الموقنين ، ولما كان إثبات الصانع وإثبات صفات جلاله يجب أن يكون مقدما على الكل لا جرم افتتح الله هذه السورة بذلك فقال : { تبارك الذى نزل الفرقان على عبده } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال الزجاج : تبارك : تفاعل من البركة ، والبركة كثرة الخير وزيادته وفيه معنيان : أحدهما : تزايد خيره وتكاثر ، وهو المراد من قوله : { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } ( إبراهيم : 34 ) والثاني : تزايد عن كل شيء وتعالى عنه في ذاته وصفاته وأفعاله ، وهو المراد من قوله : { ليس كمثله شىء } ( الشورى : 11 ) وأما تعاليه عن كل شيء في ذاته ، فيحتمل أن يكون المعنى جل بوجوب وجوده وقدمه عن جواز الفناء والتغير عليه ، وأن يكون المعنى جل بفردانيته ووحدانيته عن مشابهة شيء من الممكنات ، وأما تعاليه عن كل شيء في صفاته فيحتمل أن يكون المعنى جل أن يكون علمه ضروريا أو كسبيا أو تصورا أو تصديقا وفي قدرته أن يحتاج إلى مادة ومدة ومثال وجلب غرض ومنال ، وأما في أفعاله فجل أن يكون الوجود والبقاء وصلاح حال الوجود إلا من قبله ، وقال آخرون : أصل الكلمة تدل على البقاء ، وهو مأخوذ من بروك البعير ، ومن بروك الطير على الماء ، وسميت البركة بركة لثبوت الماء فيها ، والمعنى أنه سبحانه وتعالى باق في ذاته أزلا وأبدا ممتنع التغير وباق / في صفاته ممتنع التبدل ، ولما كان سبحانه وتعالى هو الخالق لوجوه المنافع والمصالح والمبقى لها وجب وصفه سبحانه بأنه تبارك وتعالى . المسألة الثانية : قال أهل اللغة : كلمة ( الذي ) موضوعة للإشارة إلى الشيء عند محاولة تعريفه بقضية معلومة ، وعند هذا يتوجه الإشكال ، وهو أن القوم ما كانوا عالمين بأنه سبحانه هو الذي نزل الفرقان فكيف حسن ههنا لفظ ( الذي ) ؟ وجوابه : أنه لما قامت الدلالة على كون القرآن معجزا ظهر بحسب الدليل كونه من عند الله ، فلقوة الدليل وظهوره أجراه سبحانه وتعالى مجرى المعلوم . المسألة الثالثة : لا نزاع أن الفرقان هو القرآن وصف بذلك من حيث إنه سبحانه فرق به بين الحق والباطل في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبين الحلال والحرام ، أو لأنه فرق في النزول كما قال : { وقرءانا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث } ( الإسراء : 106 ) وهذا التأويل أقرب لأنه قال : { نزل الفرقان } ولفظة ( نزل ) تدل على التفريق ، وأما لفظة ( أنزل ) فتدل على الجمع ، ولذلك قال في سورة آل عمران : { نزل عليك الكتاب بالحق وأنزل التوراة والإنجيل } ( آل عمران : 3 ) واعلم أنه سبحانه وتعالى لما قال أولا { تبارك } ومعناه كثرة الخير والبركة ، ثم ذكر عقبه أمر القرآن دل ذلك على أن القرآن منشأ الخيرات وأعم البركات ، لكن القرآن ليس إلا منبعا للعلوم والمعارف والحكم ، فدل هذا على أن العلم أشرف المخلوقات وأعظم الأشياء خيرا وبركة .
المسألة الرابعة : لا نزاع أن المراد من العبد ههنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وعن ابن الزبير على عباده وهم رسول الله وأمته كما قال : { لقد أنزلنا إليكم } ( الأنبياء : 10 ) ، { قولوا ءامنا بالله وما أنزل إلينا } ( البقرة : 136 ) ، وقوله : { ليكون للعالمين نذيرا } فالمراد ليكون هذا العبد نذيرا للعالمين ، وقول من قال : إنه راجع إلى الفرقان فأضاف الإنذار إليه كما أضاف الهداية إليه في قوله : { إن هاذا القرءان يهدى } ( الأسراء : 9 ) فبعيد وذلك لأن المنذر والنذير من صفات الفاعل للتخويف ، وإذا وصف به القرآن فهو مجاز ، وحمل الكلام على الحقيقة إذا أمكن هو الواجب ، ثم قالوا هذه الآية تدل على أحكام : الأول : أن العالم كل ما سوى الله تعالى ويتناول جميع المكلفين من الجن والإنس والملائكة ، لكنا أجمعنا أنه عليه السلام لم يكن رسولا إلى الملائكة فوجب أن يكون رسولا إلى الجن والإنس جميعا ، ويبطل بهذا قول من قال إنه كان رسولا إلى البعض دون البعض الثاني : أن لفظ { العالمين } يتناول جميع المخلوقات فدلت الآية على أنه رسول للخلق إلى يوم القيامة ، فوجب أن يكون خاتم الأنبياء والرسل الثالث : قالت المعتزلة دلت الآية على أنه سبحانه أراد الإيمان وفعل الطاعات من الكل ، لأنه إنما بعثه إلى الكل ليكون نذيرا للكل ، وأراد من الكل الاشتغال بالحسن والإعراض عن القبيح وعارضهم أصحابنا بقوله تعالى : { ولقد ذرأنا لجهنم } ( لأعراف : 179 ) الآية ، الرابع : لقائل أن يقول إن قوله { تبارك } كما دل على كثرة الخير والبركة لا بد وأن يكون المذكور عقيبه ما يكون سببا لكثرة الخير / والمنافع ، والإنذار يوجب الغم والخوف فكيف يليق هذا لهذا الموضع ؟ جوابه : أن هذا الإنذار يجري مجرى تأديب الولد ، وكما أنه كلما كانت المبالغة في تأديب الولد أكثر كان الإحسان إليه أكثر ، لما أن ذاك يؤدي في المستقبل إلى المنافع العظيمة ، فكذا ههنا كلما كان الإنذار كثيرا كان رجوع الخلق إلى الله أكثر ، فكانت السعادة الأخروية أتم وأكثر ، وهذا كالتنبيه على أنه لا التفات إلى المنافع العاجلة ، وذلك لأنه سبحانه لما وصف نفسه بأنه الذي يعطي الخيرات الكثيرة لم يذكر إلا منافع الدين ، ولم يذكر ألبتة شيئا من منافع الدنيا . ثم إنه سبحانه وصف ذاته بأربع أنواع من صفات الكبرياء أولها : قوله : { الذى له ملك السماوات والارض } وهذا كالتنبيه على الدلالة على وجوده سبحانه لأنه لا طريق إلى إثباته إلا بواسطة احتياج أفعاله إليه ، فكان تقديم هذه الصفة على سائر الصفات كالأمر الواجب وقوله : { له ما في السماوات والارض } إشارة إلى احتياج هذه المخلوقات إليه سبحانه بزمان حدوثها وزمان بقائها في ماهيتها وفي وجودها ، وأنه سبحانه هو المتصرف فيها كيف يشاء وثانيها : قوله : { ولم يتخذ ولدا } فبين سبحانه أنه هو المعبود أبدا ، ولا يصح أن يكون غيره معبودا ووارثا للملك عنه فتكون هذه الصفة كالمؤكدة لقوله : { تبارك } ولقوله : { الذى له ملك السماوات والارض } وهذا كالرد على النصارى وثالثها : قوله : { ولم يكن له شريك فى الملك } والمراد أنه هو المنفرد بالإلهية ، وإذا عرف العبد ذلك انقطع خوفه ورجاؤه عن الكل ، ولا يبقى مشغول القلب إلا برحمته وإحسانه . وفيه الرد على الثنوية والقائلين بعبادة النجوم والقائلين بعبادة الأوثان ورابعها : قوله : { وخلق كل شىء فقدره تقديرا } وفيه سؤالات :
الأول : هل في قوله : { وخلق كل شىء } دلالة على أنه سبحانه خالق لأعمال العباد ؟ والجواب : نعم من وجهين : الأول : أن قوله : { وخلق كل شىء } يتناول جميع الأشياء فيتناول أفعال العباد ، والثاني : وهو أنه تعالى بعد أن نفى الشريك ذكر ذلك / والتقدير أنه سبحانه لما نفى الشريك كأن قائلا قال : ههنا أقوام يعترفون بنفي الشركاء والأنداد ، ومع ذلك يقولون إنهم يخلقون أفعال أنفسهم فذكر الله تعالى هذه الآية لتكون معينة في الرد عليهم ، قال القاضي الآية لا تدل عليه لوجوه : أحدها : أنه سبحانه صرح بكون العبد خالقا في قوله : { وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير } ( المائدة : 110 ) وقال : { فتبارك الله أحسن الخالقين } ( المؤمنون : 14 ) وثانيها : أنه سبحانه تمدح بذلك فلا يجوز أن يريد به خلق الفساد وثالثها : أنه سبحانه تمدح بأنه قدره تقديرا ولا يجوز أن يريد به إلا الحسن والحكمة دون غيره ، فثبت بهذه الوجوه أنه لا بد من التأويل لو دلت الآية بظاهرها عليه ، فكيف ولا دلالة فيها ألبتة ، لأن الخلق عبارة عن التقدير فهو لا يتناول إلا ما يظهر فيه التقدير ، وذلك إنما يظهر في الأجسام لا في الأعراض والجواب : أما قوله : { وإذ تخلق } وقوله : { أحسن الخالقين } فهما معارضان بقوله : { الله خالق كل شىء } ( الزمر : 62 ) / وبقوله : { هل من خالق غير الله } ( فاطر : 3 ) وأما قوله لا يجوز التمدح بخلق الفساد ، قلنا لم لا يجوز أن يقع التمدح به نظرا إلى تقادير القدرة وإلى أن صفة الإيجاد من العدم والإعدام من الوجود ليست إلا له ؟ وأما قوله : الخلق لا يتناول إلا الأجسام ، فنقول لو كان كذلك لكان قوله { خلق كل شىء } خطأ لأنه يقتضي إضافة الخلق إلى جميع الأشياء مع أنه لا يصح في العقل إضافته إليها . السؤال الثاني : في الخلق معنى التقدير ( فقوله ) : { وخلق كل شىء فقدره تقديرا } ( معناه ) وقدر كل شيء فقدره تقديرا ؟ والجواب : المعنى ( أنه ) أحدث كل شيء إحداثا يراعي فيه التقدير والتسوية ، فقدره تقديرا وهيأه لما يصلح له ، مثاله أنه خلق الإنسان على هذا الشكل المقدر ( المستوي ) الذي تراه ، فقدره للتكاليف والمصالح المنوطة ( به في باب ) الدين والدنيا ، وكذلك كل حيوان وجماد جاء به على الجبلة المستوية المقدرة بأمثلة الحكمة والتدبير فقدره لأمر ما ومصلحة ما مطابقا لما قدر ( له ) غير ( متخلف ) عنه .
السؤال الثالث : هل في قوله : { فقدره تقديرا } دلالة على مذهبكم ؟ الجواب : نعم وذلك من وجوه : أحدها : أن التقدير في حقنا يرجع إلى الظن والحسبان ، أما في حقه سبحانه فلا معنى له إلا العلم به والإخبار عنه ، وذلك متفق عليه بيننا وبين المعتزلة ، فلما علم في الشيء الفلاني أنه لا يقع فلو وقع ذلك الشيء لزم انقلاب علمه جهلا وانقلاب خبره الصدق كذبا ، وذلك محال والمفضي إلى المحال محال فإذن وقوع ذلك الشيء محال والمحال غير مراد فذلك الشيء غير مراد وإنه مأمور به ، فثبت أن الأمر والإرادة لا يتلازمان ، وظهر أن السعيد من سعد في بطن أمه ، والشقي من شقي في بطن أمه وثانيها : أنه عند حصول القدرة والداعية الخالصة إن وجب الفعل ، كان فعل العبد يوجب فعل الله تعالى ، وحينئذ يبطل قول المعتزلة ، وإن لم يجب فإن استغنى عن المرجح فقد وقع الممكن لا عن مرجح وتجويزه يسد باب إثبات الصانع وإن لم يستغن عن المرجح ، فالكلام يعود في ذلك المرجح ، ولا ينقطع إلا عند الانتهاء إلى واجب الوجود وثالثها : أن فعل العبد لو وقع بقدرته لما وقع إلا الشيء الذي أراد تكوينه وإيجاده ، لكن الإنسان لا يريد إلا العلم والحق فلا يحصل له إلا الجهل والباطل ، فلو كان الأمر بقدرته لما كان كذلك ، فإن قيل إنما كان لأنه اعتقد شبهة أوجبت له ذلك الجهل ، قلنا إن اعتقد تلك الشبهة لشبهة أخرى لزم التسلسل وهو محال فلا بد من الانتهاء إلى جهل أول ، ووقع في قلب الإنسان لا بسبب جهل سابق / بل الإنسان أحدثه ابتداء من غير موجب ، وذلك محال لأن الإنسان قط لا يرضى لنفسه بالجهل ولا يحاول تحصيل الجهل لنفسه بل لا يحاول إلا العلم ، فوجب أن لا يحصل له إلا ما قصده وأراده ، وحيث لم يكن كذلك علمنا أن الكل بقضاء سار وقدر نافذ ، وهو المراد من قوله : { وخلق كل شىء فقدره تقديرا } . ! 7 < { واتخذوا من دونه ءالهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لانفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حيواة ولا نشورا } . > 7 ! < < الفرقان : ( 3 ) واتخذوا من دونه . . . . . > > اعلم أنه سبحانه وتعالى لما وصف نفسه بصفات الجلال والعزة والعلو أردف ذلك بتزييف مذهب عبدة الأوثان وبين نقصانها من وجوه : أحدها : أنها ليست خالقة للأشياء ، والإله يجب أن يكون قادرا على الخلق والإيجاد وثانيها : أنها مخلوقة والمخلوق محتاج ، والإله يجب أن يكون غنيا وثالثها : أنها لا تملك لأنفسها ضرا ولا نفعا ، ومن كان كذلك فهو لا يملك لغيره أيضا نفعا ، ومن كان كذلك فلا فائدة في عبادته ورابعها : أنها لا تملك موتا ولا حياة ولا نشورا ، أي لا تقدر على الإحياء والإماتة في زمان التكليف وثانيا في زمان المجازاة ، ومن كان كذلك كيف يسمى إلها ؟ وكيف يحسن عبادته مع أن حق من يحق له العبادة أن ينعم بهذه النعم المخصوصة ، وههنا سؤالات : الأول : قوله : { واتخذوا من دونه ءالهة } هل يختص بعبدة الأوثان أو يدخل فيه النصارى وعبدة الكواكب وعبدة الملائكة ؟ والجواب : قال القاضي : بعيد أن يدخل فيه النصارى لأنهم لم يتخذوا من دون الله آلهة على الجمع ، فالأقرب أن المراد به عباد الأصنام ، ويجوز أن يدخل فيه من عبد الملائكة لأن لمعبودهم كثرة ، ولقائل أن يقول قوله { واتخذوا } صيغة جمع وقوله { ءالهة } جمع ، والجمع إذا قوبل بالجمع يقابل المفرد بالمفرد ، فلم يكن كون معبود النصارى واحدا مانعا من دخوله تحت هذا اللفظ .
السؤال الثاني : احتج بعض أصحابنا بقوله : { واتخذوا من دونه ءالهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون } على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى فقال : إن الله تعالى عاب هؤلاء الكفار من حيث عبدوا ما لا يخلق شيئا ، وذلك يدل على أن من خلق يستحق أن يعبد ، فلو كان العبد خالقا لكان معبودا إلها ، أجاب الكعبي عنه بأنا لا نطلق اسم الخالق إلا على الله تعالى . وقال بعض أصحابنا في الخلق إنه الإحداث لا بعلاج وفكر وتعب ، ولا يكون ذلك إلا لله تعالى ، ثم قال : وقد قال تعالى : { ألهم أرجل يمشون بها } ( الأعراف : 195 ) في وصف الأصنام أفيدل ذلك على أن كل من له رجل يستحق أن يعبد ؟ فإذا قالوا لا قيل فكذلك ما ذكرتم ، وقد قال تعالى : { فتبارك الله أحسن الخالقين } ( المؤمنون : 14 ) هذا كله كلام الكعبي والجواب : قوله لا يطلق اسم الخالق على العبد ، قلنا بل يجب ذلك لأن الخلق في اللغة هو التقدير ، والتقدير يرجع إلى الظن والحسبان ، فوجب أن يكون اسم الخالق حقيقة في / العبد مجازا في الله تعالى ، فكيف يمكنكم منع إطلاق لفظ الخالق على العبد ؟ أما قوله تعالى : { ألهم أرجل يمشون بها } فالعيب إنما وقع عليهم بالعجز فلا جرم أن كل من تحقق العجز في حقه من بعض الوجوه لم يحسن عبادته . وأما قوله تعالى : { فتبارك الله أحسن الخالقين } فقد تقدم الكلام عليه . واعلم أن هذه الآية لا يقوى استدلال أصحابنا بها لاحتمال أن العيب لا يحصل إلا بمجموع أمرين : أحدهما أنهم ليسوا بخالقين ، والثاني أنهم مخلوقون ، والعبد وإن كان خالقا إلا أنه مخلوق فلزم أن لا يكون إلها معبودا . السؤال الثالث : هل تدل هذه الآية على البعث ؟ الجواب : نعم لأنه تعالى ذكر النشور ومعناه أن المعبود يجب أن يكون قادرا على إيصال الثواب إلى المطيعين والعقاب إلى العصاة ، فمن لا يكون كذلك وجب أن لا يصلح للإلهية . ! 7 < { وقال الذين كفروا إن هاذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم ءاخرون فقد جآءوا ظلما وزورا وقالوا أساطير الا ولين اكتتبها فهى تملى عليه بكرة وأصيلا قل أنزله الذى يعلم السر فى السماوات والا رض إنه كان غفورا رحيما وقالوا ما لهاذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى الا سواق لولاأنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا انظر كيف ضربوا لك الا مثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا } . > 7 < الفرقان : ( 4 - 9 ) وقال الذين كفروا . . . . . > > / اعلم أنه سبحانه تكلم أولا في التوحيد ، وثانيا في الرد على عبدة الأوثان ، وثالثا في هذه الآية تكلم في مسألة النبوة ، وحكى سبحانه شبههم في إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم الشبهة الأولى : قولهم : { إن هاذا إلا إفك افتراه } وأعانه عليه قوم آخرون ، ونظيره قوله تعالى : { إنما يعلمه بشر } ( النحل : 103 ) واعلم أنه يحتمل أن يريدوا به أنه كذب في نفسه ، ويحتمل أن يريدوا به أنه كذب في إضافته إلى الله تعالى ، ثم ههنا بحثان : الأول : قال أبو مسلم : الافتراء افتعال من فريت ، وقد يقال في تقدير الأديم فريت الأديم ، فإذا أريد قطع الإفساد قيل أفريت وافتريت وخلقت واختلقت ، ويقال فيمن شتم امرءا بما ليس فيه افترى عليه .
البحث الثاني : قال الكلبي ومقاتل : نزلت في النضر بن الحارث فهو الذي قال هذا القول { وقال الذين كفروا إن } يعني عداس مولى حويطب بن عبد العزى ويسار ( غلام عامر ) بن الحضرمي ، وجبر مولى عامر ، وهؤلاء الثلاثة كانوا من أهل الكتاب ، وكانوا يقرأون التوراة ويحدثون أحاديث منها فلما أسلموا وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتعهدهم ، فمن أجل ذلك قال النضر ما قال . واعلم أن الله تعالى أجاب عن هذه الشبهة بقوله : { فقد جاءوا ظلما وزورا } وفيه أبحاث : الأول : أن هذا القدر إنما يكفي جوابا عن الشبهة المذكورة ، لأنه قد علم كل عاقل أنه عليه السلام تحداهم بالقرآن وهم النهاية في الفصاحة ، وقد بلغوا في الحرص على إبطال أمره كل غاية ، حتى أخرجهم ذلك إلى ما وصفوه به في هذه الآيات ، فلو أمكنهم أن يعارضوه لفعلوا ، ولكان ذلك أقرب إلى أن يبلغوا مرادهم فيه مما أوردوه في هذه الآية وغيرها ، ولو استعان محمد عليه السلام في ذلك بغيره لأمكنهم أيضا أن يستعينوا بغيرهم ، لأن محمدا صلى الله عليه وسلم كأولئك المنكرين في معرفة اللغة وفي المكنة من الاستعانة ، فلما لم يفعلوا ذلك والحالة هذه علم أن القرآن قد بلغ النهاية في الفصاحة وانتهى إلى حد الإعجاز ، ولما تقدمت هذه الدلالة مرات وكرات في القرآن وظهر بسببها سقوط هذا السؤال ، ظهر أن إعادة هذا السؤال بعد تقدم هذه الأدلة الواضحة لا يكون إلا للتمادي في الجهل والعناد ، فلذلك اكتفى الله في الجواب بقوله : { فقد جاءوا ظلما وزورا } . البحث الثاني : قال الكسائي : قوله تعالى : { فقد جاءوا ظلما وزورا } أي أتوا ظلما وكذبا وهو كقوله : { لقد جئتم شيئا إدا } فانتصب بوقوع المجيء عليه ، وقال الزجاج : انتصب بنزع الخافض ، أي جاءوا بالظلم والزور . البحث الثالث : أن الله تعالى وصف كلامهم بأنه ظلم وبأنه زور / أما أنه ظلم فلأنهم نسبوا هذا الفعل القبيح إلى من كان مبرأ عنه ، فقد وضعوا الشيء في غير موضعه وذلك هو الظلم ، وأما الزور فلأنهم كذبوا فيه ، وقال أبو مسلم : الظلم تكذيبهم الرسول والرد عليه ، والزور كذبهم عليهم . / الشبهة الثانية لهم : قوله تعالى : { وقالوا أساطير الاولين اكتتبها فهى تملى عليه بكرة وأصيلا } وفيه أبحاث : البحث الأول : الأساطير ما سطره المتقدمون كأحاديث رستم واسفنديار ، جمع أسطار أو أسطورة كأحدوثة { اكتتبها } انتسخها محمد من أهل الكتاب يعني عامرا ويسارا وجبرا ، ومعنى اكتتب ههنا أمر أن يكتب له كما يقال احتجم وافتصد إذا أمر بذلك { فهى تملى عليه } أي تقرأ عليه والمعنى أنها كتبت له وهو أمي فهي تلقي عليه من كتابه ليحفظها لأن صورة الإلقاء على الحافظ كصورة الإلقاء على الكاتب . أما قوله : { بكرة وأصيلا } قال الضحاك ما يملى عليه بكرة يقرؤه عليكم عشية ، وما يملى عليه عشية يقرؤه عليكم بكرة .
البحث الثاني : قال الحسن قوله : { فهى تملى عليه بكرة وأصيلا } كلام الله ذكره جوابا عن قولهم كأنه تعالى قال إن هذه الآيات تملى عليه بالوحي حالا بعد حال ، فكيف ينسب إلى أنه أساطير الأولين ، وأما جمهور المفسرين فقد اتفقوا على أن ذلك من كلام القوم ، وأرادوا به أن أهل الكتاب أملوا عليه في هذه الأوقات هذه الأشياء ولا شك أن هذا القول أقرب لوجوه : أحدها : شدة تعلق هذا الكلام بما قبله ، فكأنهم قالوا اكتتب أساطير الأولين فهي تملى عليه وثانيها : أن هذا هو المراد بقولهم : { وقال الذين كفروا إن } وثالثها : أنه تعالى أجاب بعد ذلك عن كلامهم بقوله : { قل أنزله الذى يعلم السر } قال صاحب ( الكشاف ) ، وقول الحسن إنما يستقيم أن لو فتحت الهمزة للاستفهام الذي في معنى الإنكار وحق الحسن أن يقف على { الاولين } ، وأجاب الله عن هذه الشبهة بقوله : { قل أنزله الذى يعلم السر فى السماوات والارض إنه كان غفورا رحيما } وفيه أبحاث : البحث الأول : في بيان أن هذا كيف يصلح أن يكون جوابا عن تلك الشبهة ؟ وتقريره ما قدمنا أنه عليه السلام تحداهم بالمعارضة وظهر عجزهم عنها ولو كان عليه السلام أتى بالقرآن بأن استعان بأحد لكان من الواجب عليهم أيضا أن يستعينوا بأحد فيأتوا بمثل هذا القرآن ، فلما عجزوا عنه ثبت أنه وحي الله وكلامه ، فلهذا قال : { قل أنزله الذى يعلم السر } وذلك لأن القادر على تركيب ألفاظ القرآن لا بد وأن يكون عالما بكل المعلومات ظاهرها وخافيها من وجوه : أحدها : أن مثل هذه الفصاحة لا يتأتى إلا من العالم بكل المعلومات وثانيها : أن القرآن مشتمل على الإخبار عن الغيوب ، وذلك لا يتأتى إلا من العالم بكل المعلومات وثالثها : أن القرآن مبرأ عن النقص وذلك لا يتأتى إلا من العالم على ما قال تعالى : { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } ( النساء : 82 ) ورابعها : اشتماله على الأحكام التي هي مقتضية لمصالح العالم ونظام العباد ، وذلك لا يكون إلا من العالم بكل المعلومات وخامسها : اشتماله على أنواع العلوم وذلك لا يتأتى إلا من العالم بكل / المعلومات ، فلما دل القرآن من هذه الوجوه على أنه ليس إلا كلام بكل المعلومات لا جرم اكتفى في جواب شبههم بقوله : { قل أنزله الذى يعلم السر } . البحث الثاني : اختلفوا في المراد بالسر ، فمنهم من قال المعنى أن العالم بكل سر في السموات والأرض هو الذي يمكنه إنزال مثل هذا الكتاب / وقال أبو مسلم : المعنى أنه أنزله من يعلم السر فلو كذب عليه لانتقم منه لقوله تعالى : { ولو تقول علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين } ( الحاقة : 44 ) وقال آخرون : المعنى أنه يعلم كل سر خفي في السموات والأرض ، ومن جملته ما تسرونه أنتم من الكيد لرسوله مع علمكم بأن ما يقوله حق ضرورة ، وكذلك باطن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وبراءته مما تتهمونه به ، وهو سبحانه مجازيكم ومجازيه على ما علم منكم وعلم منه . البحث الثالث : إنما ذكر الغفور الرحيم في هذا الموضع لوجهين : الأول : قال أبو مسلم المعنى أنه إنما أنزله لأجل الإنذار فوجب أن يكون غفورا رحيما غير مستعجل في العقوبة الثاني : أنه تنبيه على أنهم استوجبوا بمكايدتهم هذه أن يصب عليهم العذاب صبا ولكن صرف ذلك عنهم كونه غفورا رحيما يمهل ولا يعجل .
الشبهة الثالثة : وهي في نهاية الركاكة ذكروا له صفات خمسة فزعموا أنها تخل بالرسالة إحداها : قولهم : { مال هاذا الرسول يأكل الطعام } وثانيتها : قولهم : { ويمشى فى الاسواق } يعني أنه لما كان كذلك فمن أين له الفضل علينا وهو مثلنا في هذه الأمور وثالثتها : قولهم : { لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا } يصدقه أو يشهد له ويرد على من خالفه ورابعتها : قولهم : { أو يلقى إليه كنز } أي من السماء فينفقه فلا يحتاج إلى التردد لطلب المعاش وخامستها : قولهم : { أو تكون له جنة يأكل منها } قرأ حمزة والكسائي { نأكل منها } بالنون وقرأ الباقون بالياء والمعنى إن لم يكن لك كنز فلا أقل من أن تكون كواحد من الدهاقين فيكون لك بستان تأكل منه وسادستها : قولهم : { إن تتبعون إلا رجلا مسحورا } وقد تقدمت هذه القصة في آخر سورة بني إسرائيل فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة من وجوه : أحدها : قوله : { انظر كيف ضربوا لك الامثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا } وفيه أبحاث : الأول : أن هذا كيف يصلح أن يكون جوابا عن تلك الشبهة ؟ وبيانه أن الذي يتميز الرسول به عن غيره هو المعجزة وهذه الأشياء التي ذكروها لا يقدح شيء منها في المعجزة فلا يكون شيء منها قادحا في النبوة ، فكأنه تعالى قال انظر كيف اشتغل القوم بضرب هذه الأمثال التي لا فائدة فيها لأجل أنهم لما ضلوا وأرادوا القدح في نبوتك لم يجدوا إلى القدح فيه سبيلا ألبتة إذ الطعن عليه إنما يكون بما يقدح في المعجزات التي ادعاها لا بهذا الجنس من القول وفيه وجه آخر وهو أنهم لما ضلوا لم يبق فيهم استطاعة قبول الحق ، وهذا إنما يصح على مذهبنا وتقريره بالعقل ظاهر ، وذلك لأن الإنسان إما أن يكون مستوى الداعي إلى الحق والباطل ، وإما أن يكون داعيته إلى أحدهما أرجح من داعيته إلى الثاني ، فإن كان الأول فحال الاستواء ممتنع الرجحان فيمتنع الفعل / وإن كان الثاني فحال رجحان أحد الطرفين يكون حصول الطرف الآخر ممتنعا ، فثبت أن حال رجحان الضلالة في قلبه استحال منه قبول الحق ، وما كان محالا لم يكن عليه قدرة ، فثبت أنهم لما ضلوا ما كانوا مستطيعين . ! 7 < { تبارك الذىإن شآء جعل لك خيرا من ذالك جنات تجرى من تحتها الا نهار ويجعل لك قصورا بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا وإذآ ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا } . > 7 ! < < الفرقان : ( 10 - 14 ) تبارك الذي إن . . . . . > > اعلم أن هذا هو الجواب الثاني عن تلك الشبهة فقوله : { تبارك الذى إن شاء جعل لك خيرا من ذالك } أي من الله ذكروه من نعم الدنيا كالكنز والجنة وفسر ذلك الخير بقوله : { جنات تجرى من تحتها الانهار ويجعل لك قصورا } نبه بذلك سبحانه على أنه قادر على أن يعطي الرسول كل ما ذكروه ، ولكنه تعالى يدبر عباده بحسب الصالح أو على وفق المشيئة ولا اعتراض لأحد عليه في شيء من أفعاله ، فيفتح على واحد أبواب المعارف والعلوم ، ويسد عليه أبواب الدنيا ، وفي حس الآخر بالعكس وما ذاك إلا أنه فعال لما يريد ، وههنا مسائل : المسألة الأولى : قال ابن عباس : خير من ذلك مما عيروك بفقده الجنة ، لأنهم عيروك بفقد الجنة الواحدة وهو سبحانه قادر على أن يعطيك جنات كثيرة ، وقال في رواية عكرمة : { خيرا من ذالك } أي من المشي في الأسواق وابتغاء المعاش .
Sorular
- Tevhid nedir; Müslümanların Allah'ın birliğine imanı?
- İslam'da imanın altı şartı nedir?
- Müslümanlar peygamberler hakkında neye inanır?
- İslam helal ve haram yiyecekler hakkında ne öğretir?
- Fâtiha Sûresi'nin anlamı nedir?
- Kur'an sabır hakkında ne öğretir?
- Kur'an hayatın amacı hakkında ne der?
- İhlas nedir ve neden önemlidir?