Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
واعلم أنهم لما وصفوا أنفسهم بهذه الصفات الثلاثة قالوا { فاعمل إننا عاملون } والمراد فاعمل على دينك إننا عاملون على ديننا ، ويجوز أن يكون المراد فاعمل في إبطال أمرنا إننا عاملون في إبطال أمرك ، والحاصل عندنا أن القوم ما كذبوا في قولهم { قلوبنا فى ءامنة مما تدعونا إليه وفىءاذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب } بل إنما أتوا بالكفر والكلام الباطل في قولهم { فاعمل إننا عاملون } . ولما حكى الله عنهم هذه الشبهة أمر محمدا صلى الله عليه وسلم أن يجيب عن هذه الشبهة بقوله { قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى } وبيان هذا الجواب كأنه يقول إني لا أقدر أن أحملكم على الإيمان جبرا وقهرا فإني بشر مثلكم ولا امتياز بيني وبينكم إلا بمجرد أن الله عز وجل أوحى إلي وما أوحى إليكم فأنا أبلغ هذا النحي إليكم ، ثم بعد ذلك إن شرفكم الله بالتوحيد والتوفيق قبلتموه ، وإن خذلكم بالحرمان رددتموه ، وذلك لا يتعلق بنبوتي ورسالتي ، ثم بين أن خلاصة ذلك الوحي ترجع إلى أمرين : العلم والعمل ، أما العلم فالرأس والرئيس فيه معرفة التوحيد ، ذلك لأن الحق هو أن الله واحد وهو المراد من قوله { أنما إلاهكم إلاه واحد } وإذا كان الحق في نفس الأمر ذلك وجب علينا أن نعترف به ، وهو المراد من قوله { فاستقيموا إليه } ونظيره قوله { اهدنا الصراط المستقيم } ( الفاتحة : 6 ) وقوله { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا } ( فصلت : 30 ) وقوله تعالى : { وأن هاذا صراطي مستقيما فاتبعوه } ( الأنعام : 153 ) وفي قوله تعالى : { فاستقيموا إليه } وجهان الأول : فاستقيموا متوجهين إليه الثاني : أن يكون قوله { فاستقيموا إليه } معناه فاستقيموا له لأن حروف الجر يقام بعضها مقام البعض . واعلم أن الكليف له ركنان أحدهما : الإعتقاد والرأس والرئيس فيه اعتقاد التوحيد ، فلما أمر بذلك انتقل إلى وظيفة العمل والرأس والرئيس فيه الاستغفار ، فلهذا السبب قال : { واستغفروه } فإن قيل المقصود من الاستغفار والتوبة إزالة ما لا ينبغي وذلك مقدم على فعل ما ينبغي ، فلم عكس هذا الترتيب ههنا وقدم ما ينبغي على إزالة ما ينبغي ؟ قلنا ليس المراد من هذا الاستغفار الاستغفار عن الكفر ، بل المراد منه أن يعمل ثم يستغفر بعده لأجل الخوف من وقوع التقصير في العمل الذي أتى به كما قال صلى الله عليه وسلم : ( وإنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة ) ولما رغب الله تعالى في الخير والطاعة أمر بالتحذير عما لا ينبغي ، فقال : { وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكواة وهم بالاخرة هم كافرون } وفي هذه الآية مسائل :
المسألة الأولى : وجه النظم في هذه الآية من وجوه الأول : أن العقول والشرائع ناطقة بأن خلاصة السعادات مربوطة بأمرين التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله ، وذلك لأن الموجودات ، إما الخالق وإما الخلق ، فأما الخالق فكمال السعادة في المعاملة معه أن يقر بكونه موصوفا بصفات الجلال والعظمة ، ثم يأتي بأفعال دالة على كونه في نهاية العظمة في اعتقادنا وهذا هو المراد من التعظيم لأمر الله ، وأما الخلق فكمال السعادة في المعاملة معهم أن يسعى في دفع الشر عنهم وفي إيصال الخير إليهم ، وذلك هو المراد من الشفقة على خلق الله ، فثبت أن أعظم الطاعات التعظيم لأمر الله ، وأفضل أبواب التعظيم لأمر الله الإقرار بكونه واحدا وإذا كان التوحيد أعلى المراتب وأشرفها كان ضده وهو الشرك أخس المراتب وأرذلها ، ولما كان أفضل أنواع المعاملة مع الخلق هو إظهار الشفقة عليهم كان الامتناع من الزكاة أخس الأعمال ، لأنه ضد الشفقة على خلق الله ، إذا عرفت هذا فنقول إنه تعالى أثبت الويل لمن كان موصوفا بصفات ثلاثة أولها : أن يكون مشركا وهو ضد التوحيد . وإليه الإشارة بقوله { وويل للمشركين } وثانيها : كونه ممتنعا من الزكاة وهو ضد الشفقة على خلق الله ، وإليه الإشارة بقوله { الذين لا يؤتون الزكواة } وثالثها : كونه منكرا للقيامة مستغرقا في طلب الدنيا ولذاتها ، وإليه الإشارة بقوله { وهم بالاخرة هم كافرون } وتمام الكلام في أنه لا زيادة على هذه المراتب الثلاثة أن الإنسان له ثلاثة أيام : الأمس واليوم والغد . أما معرفة أنه كيف كانت أحوال الأمس في الأزل فهو بمعرفة الله تعالى الأزلي الخالق لهذا العالم . وأما معرفة أنه كيف ينبغي وقوع الأحوال في اليوم الحاضر فهو بالإحسان إلى أهل العالم بقدر الطاقة ، وأما معرفة الأحوال في اليوم المستقبل فهو الإقرار بالبعث والقيامة ، وإذا كان الإنسان على ضد الحق في هذه المراتب الثلاثة كان في نهاية الجهل والضلال ، فلهذا حكم الله عليه بالويل ، فقال : { وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكواة وهم بالاخرة هم كافرون } وهذا ترتيب في غاية الحسن ، والله أعلم الوجه الثاني : في تقرير كيفية النظم أن يقال المراد بقوله { لا يؤتون الزكواة } أي لا يزكون أنفسهم من لوث الشرك بقولهم : لا إله إلا الله ، وهو مأخوذ من قوله تعالى : { ونفس وما سواها } ( الشمس : 7 ) الثالث : قال الفراء : إن قريشا كانت تطعم الحاج ، فحرموا ذلك على من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم . المسألة الثانية : احتج أصحابنا في إثبات أن الكفار مخاطبون بفروع الإسلام بهذه الآية ، فقالوا إنه تعالى ألحق الوعيد الشديد بناء على أمرين أحدهما : كونه مشركا والثاني : أنه لا يؤتي الزكاة ، فوجب أن يكون لكل واحد من هذين الأمرين تأثير في حصول ذلك الوعيد ، وذلك يدل على أن لعدم إيتاء الزكاة من المشرك تأثيرا عظيما في زيادة الوعيد ، وذلك هو المطلوب . المسألة الثالثة : احتج بعضهم على أن الامتناع من إيتاء الزكاة يوجب الكفر ، فقال إنه تعالى لما ذكر هذه الصفة ذكر قبلها ما يوجب الكفر ، وهو قوله { فويل للمشركين } وذكر أيضا بعدها ما يوجب الكفر ، وهو قوله { وهم بالاخرة هم كافرون } فلو لم يكن عدم إيتاء الزكاة كفرا لكان ذكره فيما بين الصفتين الموجبتين للكفر قبيحا ، لأن الكلام إنما يكون فصيحا إذا كانت المناسبة مرعية بين أجزائه ، ثم أكذوا ذلك بأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه حكم بكفر مانعي الزكاة والجواب : لما ثبت بالدليل أن الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب والإقرار باللسان وهما حاصلان عند عدم إيتام الزكاة ، فلم يلزم حصول الكفر بسبب عدنم إيتاء الزكاة ، والله أعلم .
ثم إنه تعالى لما ذكر وعيد الكفار أردفه بوعد المؤمنين ، فقال : { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون } أي غير مقطوع ، من قولك مننت الحبل ، أي قطتعه ، ومنه قولهم قد منه السفر ، أي قطعه ، وقيل لا يمن عليهم ، لأنه تعالى لما سماه أجرا ، فإذا الأجر لا يوجب المنة ، وقيل نزلت في المرضى والزمنى إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأحسن ما كانوا يعملون . ! 7 < { قل أءنكم لتكفرون بالذى خلق الا رض فى يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسى من فوقها وبارك فيها وقدر فيهآ أقواتها فىأربعة أيام سوآء للسآئلين ثم استوى إلى السمآء وهى دخان فقال لها وللا رض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا طآئعين فقضاهن سبع سماوات فى يومين وأوحى فى كل سمآء أمرها وزينا السمآء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم } . > 7 ! < < فصلت : ( 9 ) قل أئنكم لتكفرون . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما أمر محمدا صلى الله عليه وسلم في الآية الأولى أن يقول { إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى أنما إلاهكم إلاه واحد } ( الكهف : 110 ) { فاستقيموا إليه واستغفروه } ( فصلت : 6 ) أردفه بما يدل على أنه لا يجوز إثبات الشركة بينه تعالى وبين هذه الأصنام في الإلهية والمعبودية ، وذلك بأن بين كمال قدرته وحكته في خلق السموات والأرض في مدة قليلة ، فمن هذا صفته كيف يجوز جعل الأصنام الخسيسة شركاء له في الإلهية والمعبودية ؟ فهذا تقرير النظم ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن كثير : أينكم لتكفرون بهمزة وياء بعدها خفيفة ساكنة بلا مد ، وأما نافع في رواية قالون وأبو عمرو فعلى هذه الصورة ، إلا أنهما يمدان ، والباقون همزتين بلا مد . المسألة الثانية : قوله تعالى : { أئنكم } استفهام بمعنى الإنكار ، وقد ذكر عنخم شيئين منكرين أحدهما : الكفر بالله . وهو قوله { لتكفرون بالذى خلق الارض فى يومين } وثانيهما : إثبات الشركاء والأنداد له ، ويجب أن يكون الكفر المذكور أولا مغايرا لإثبات الأنداد له ، ضرورة أن عطف أحدهما على الآخر يوجب التغاير ، والأظهر أن المراد من كفرهم وجوه الأول : قولهم إن الله تعالى لا يقدر على حشر الموتى ، فلما نازعوا في ثبوت هذه القدرة فقد كفروا بالله الثاني : أنهم كانوا ينازعون في صحة التكليف ، وفي بعثة الأنبياء ، وكل ذلك قدح في اصفات المعتبرة في الإلهية ، وهو كفر بالله الثالث : أنهم كانوا يضيفون إليه الأولاد ، وذلك أيضا قدح في الإلهية وهو يوجب الكفر بالله ، فالحاصل أنهم كفروا بالله لأجل قولهم بهذه الأشياء ، وأثبتوا الأنداد أيضا لله لأجل قولهم بإلهية تلك الأصنام ، واحتج تعالى على فساد قولهم بالتأثير فقال كيف يجوز الكفر بالله ، وكيف يجوز جعل هذه الأصنام الخسيسة أندادا لله تعالى ، مع أنه تعالى هو الذي خلق الأرض في يومين ، وتمم بقية مصالحها في يومين آخرين وخلق السموات بأسرها في يومين آخرين ؟ فمن قدر على خلق هذه الأشياء العظيمة ، كيف يعقل الكفر به وإنكار قدرته على الحشر والنشر ، وكيف يعقل إنكار قدرته على التكليف وعلى بعثة الأنبياء ، وكيف يعقل جعل هذه الأصنام الخسيسة أندادا له في المعبودية والإلهية ، فإن قيل من استدل بشيء على إثبات شيء ، فذلك الشيء المستدل به يجب أن يكون مسلما عند الخصم حتى يصح الاستدلال به ، وكونه تعالى خالقا للأرض في يومين أمر لا ينكن إثباته بالعقل المحض ، وإنما يمكن إثباته بالسمع ووحي الأنبياء ، والكفار كانوا منازعين في الوحي والنبوة ، فلا يعقل تقرير هذه المقدمة عليهم ، وإذا امتنع تقرير هذه المقدمة عليهم امتنع الاستدلال بها على فساد مذاهبهم ، قلنا إثبات كون السموات والأرض مخلوقة بطريق العمل ممكن ، فإذا ثبت ذلك أمكن الاستدلال به على وجود الإله القادر القاهر العظيم / وحينئذ يقال للكافرين فكيف يعقل التسوية بين الإله الموصوف بهذه القدرة القاهرة وبين الصنم الذي هو جماد لا يضر ولا ينفع في المعبودية والإلهية ؟ بقي أن يقال : فحينئذ لا يبقى في الاستدلال بكونه تعالى خالقا للأرض في يومين أثر ، فنقول هذا أيضا له أثر في هذا الباب ، وذلك لأن أول التوراة مشتمل على هذا المعنى ، فكان ذلك في غاية الشهرة بين أهل الكتاب ، فكفار مكة كانوا يعتقدون في أهل الكتاب أنهم أصحاب العلوم والحقائق ، والظاهر أنهم كانوا قد سمعوا من أهل الكتاب هذه المعاني واعتقدوا في كونها حقة ، وإذا كان الأمر كذلك فحينئذ يحسن أن يقال لهم أن الإله الموصوف بالقدرة على خلق الأشياء العظيمة في هذه المدة الصغيرة كيف يليق بالعقل جعل الخشب المنجور والحجر المنحوت شريكا له في المعبودية والإلهية ؟ فظهر بما قررنا أن هذا الاستدلال قوي حسن .
وأما قوله تعالى : { ذلك رب العالمين } أي ذلك الموجود الذي علمت من صفته وقدرته أنه خلق الأرض في يومين هو رب العالمين وخالقهم ومبدعهم ، فكيف أثبتم له أندادا من الخشب والحجر ؟ ثم إنه تعالى لما أخبر عن كونه خالقا للأرض في يومين أخبر أنه أتى بثلاثة أنواع من الصنع العجيب والفعل البديع بعد ذلك فالأول : قوله { وجعل فيها رواسى من فوقها } والمراد منها الجبال ، وقد تقدم تفسير كونها { رواسى } في سورة النحل ، فإن قيل : ما الفائدة في قوله { من فوقها } ولم لم يقتصر على قوله { وجعل فيها رواسى } كقوله تعالى : { وجعلنا فيها رواسى شامخات } ( المرسلات : 27 ) { وجعلنا فى الارض رواسى } ( الرعد : 3 ) قلنا لأنه تعالى لو جعل فيها رواسي من تحتها لأوهم ذلك أن تلك الأساطين التحتانية هي التي أمسكت هذه الأرض الثقيلة عن النزول ، ولكنه تعالى قال خلقت هذه الجبال الثقال فوق الأرض ، ليرى الإنسان بعينه أن الأرض والجبال أثقال على أثقال ، وكلها مفتقرة إلى ممسك وحافظ ، وما ذاك الحافظ المدبر إلا الله سبحانه وتعالى والنوع الثاني : مما أخبر الله تعالى في هذه الآية قوله { وبارك فيها } والبركة كثرة الخير والخيرات الحاصلة من الأرض أكثر مما يحيط به الشرح والبيان ، وقد ذكرناها بالاستقصاء في سورة البقرة قال ابن عباس رضي الله عنهما : يريد شق الأنهار وخلق الجبال وخلق الأشجار والثمار وخلق أصناف الحيوانات وكل ما يحتاج إليه من الخيرات والنوع الثالث : قوله تعالى : { وقدر فيها أقواتها } وفيه أقوال الأول : أن المعنى وقد فيها أقوات أهلها ومعايشهم وما يصلحهم ، قال محمد بن كعب : قدر أقوات الأبدان قبل أن يخلق الأبدان والقول الثاني : قال مجاهد : وقدر فيها أقواتها من المطر ، وعلى هذا القول فالأقوات للأرض لا للسكان ، والمعنى أن الله تعالى قدر لكل أرض حظها من المطر والقول الثالث : أن المراد من إضافة الأقوات إلى الأرض كونها متولدة من تلك الأرض ، وحادثة فيها لأن النحويين قالوا يكفي في حسن الإضافة أدنى سبب فالشيء قد يضاف إلى فاعله تارة وإلى محله أخرى ، فقوله { وقدر فيها أقواتها } أي قدر الأقوات التي يختص حدوثها بها ، وذلك لأنه تعالى جعل كل بلدة معدنا لنوع آخر من الأشياء المطلوبة ، حتى أن أهل هذه البلدة يحتاجون إلى الأشياء المتولدة في تلك البلدة وبالعكس ، فصار هذا المعنى سببا لرغبة الناس في التجارات من اكتساب الأموال ، ورأيت من كان يقول صنعة الزراعة والحراثة أكثر الحرف والصنائع بركة ، لأن الله تعالى وضع الأرزاق والأقوات في الأرض قال : { وقدر فيها أقواتها } وإذا كانت الأقوات موضوعة في الأرض كان طلبها من الأرض متعينا ، ولما ذكر الله سبحانه هذه الأنواع الثلاثة من التدبير قال بعده : { فى أربعة أيام سواء للسائلين } وههنا سؤالات : السؤال الأول : أنه تعالى ذكر أنه خلق الأرض في يومين ، وذكر أنه أصلح هذه الأنواع الثلاثة في أربعة أيام أخر ، وذكر أنه خلق السموات في يومين ، فيكون المجموع ثمانية أيام ، لكنه ذكر في سائر الآيات أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام فلزم التناقض ، واعلم أن العلماء أجابوا عنه بأن قالوا المراد من قوله { وقدر فيها أقواتها فى أربعة أيام } مع اليومين الأولين ، وهذا كقول القائل سرت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام ، وسرت إلى الكوفة في خمسة عشر يوما يريد كلا المسافتين ، ويقول الرجل للرجل أعطيتك ألفا في شهر وألوفا في شهرين فيدخل الألف في الألوف والشهر في الشهرين .
السؤال الثاني : أنه ملا ذكر أنه خلق الأرض في يومين ، فلو ذكر أنه خلق هذه الأنواع الثلاثة الباقية في يومين آخرين كان أبعد عن الشبهة وأبعد عن الغلط ، فلم ترك هذا التصريح ، وذكر ذلك الكلام المجمل ؟ والجواب : أن قوله { فى أربعة أيام سواء للسائلين } فيه فائدة على ما إذا قال خلقت هذه الثلاثة في يومين ، وذلك لأنه لو قال خلقت هذه الأشياء في يومين مع أن اليومين ما كانا مستغرقين بذلك العمل ، أما لما ذكر خلق الأرض وخلق هذه الأشياء ، ثم قاتل بعده : { فى أربعة أيام سواء للسائلين } دل ذلك على أن هذه الأيام الأربعة صارت مستغرقة في تلك الأعمال من غير زيادة ولا نقصان . السؤال الثالث : كيف القراءات في قوله { سوآء } ؟ والجواب : قال صاحب ( الكشاف ) قرىء { سوآء } بالحركات الثلاثلا الجر على الوصف والنصب على المصدر استوت سواء والرفع على هي سواء . السؤال الرابع : ما المراد من كون تلك الأيام الأربعة سواء ؟ فنقول إن الأيام قد تكون متساوية المقادير كالأيام الموجودة في أماكن خط الاستواء وقد تكون مختلفة كالأيام الموجودة في سائر الأماكن ، فبين تعالى أن تلك الأيام الأربعة متساوية غير مختلفة . السؤال الخامس : بم يتعلق قوله { للسائلين } ؟ الجواب فيه وجهان : الأول : أن الزجاج قال قوله { فى أربعة أيام } أي في تتمة أربعة أيام ، إذا عرفت هذا فالتقدير { وقدر فيها أقواتها } في تتمة أربعة أيام لأجل السائلين أي الطالبين للأقوات المحتاجين إليها والثاني : أنه متعلق بمحذوف والتقدير كأنه قيل هذا الحصر والبيان لأجل من سأل كم خلقت الأرض وما فيها ، ولما شرح الله تعالى كيفية تخليق الأرض وما فيها أتبعه بكيفية تخليق السموات فقال : { ثم استوى إلى السماء وهى دخان } وفيه مباحث : البحث الأول : قوله تعالى : { ثم استوى إلى السماء } من قولهم استوى إلى مكان كذا إذا توجه إليه توجها لا يلتفت معه إلى عمل آخر ، وهو من الاستواء الذي هو ضد الاعوجاج ، ونظيره قولهم استقام إليه وامتد إليه ، ومنه قوله تعالى : { فاستقيموا إليه } ( فصلت : 6 ) والمعنى ثم دعاه داعي الحكمة إلى خلق السماء بعد خلق الأرض وما فيها ، من غير صرف يصرفه ذلك . البحث الثاني : ذكر صاحب ( الأثر ) أنه كان عرش الله على الماء قبل خلق السموات والأرض فأحدث الله في ذلك الماء سخونة فارتفع زبد ودخان ، أما الزبد فيبقى على وجه الماء فخلق الله منه اليبوسة وأحدث منه الأرض ، وأما الدخان فارتفع وعلا فخلق الله منه السموات .
واعلم أن هذه القصة غير موجودة في القرآن ، فإن دل عليه دليل صحيح قبل وإلا فلا ، وهذه القصة مذكورة في أول الكتاب الذي يزعم اليهود أنه التوراة ، وفيه أنه تعالى خلق السماء من أجزاء مظلمة ، وهذا هو المعقول لأنا قد دللنا في المعقولات على أن الظلمة ليست كيفية وجودية / بدليل أنه لو جلس إنسان في ضوء السراج وإنسان آخر في الظلمة ، فإن الذي جلس في الضوء لا يرى مكان الجالس في الظلمة ويرى ذلك الهواء مظلما ، وأما الذي جلس في الظلمة فإنه يرى ذلك الذي كان جالسا في الضوء ويرى ذلك الهواء مضيئا ، ولو كانت الظلمة صفة قائمة بالهواء لما اختلفت الأحوال بحسب اختلاف أحوال الناظرين ، فثبت أن الظلمة عبارة عن عدم النور ، ثم لما ركبها وجعلها سموات وكواكب وشمسا وقمرا ، وأحدث صفة الضوء فيها فحينئذ صارت مستنيرة ، فثبت أن تلك الأجزاء حين قصد الله تعالى أن يخلق منها السموات والشمس والقمر كانت مظلمة ، فصح تسميتها بالدخان ، لأنه لا معنى للدخان إلا أجزاء متفرقة غير متواصلة عديمة النور ، فهذا ما خطر بالبال في تفسير الدخان ، والله أعلم بحقيقة الحال . البحث الثالث : قوله { ثم استوى إلى السماء وهى دخان } مشعر بأن تخليق السماء حصل بعد تخليق الأرض ، وقوله تعالى : { والارض بعد ذلك دحاها } ( النازعات : 30 ) مشعر بأن تخليق الأرض حصل بعد تخليق السماء وذلك يوجب التناقض ، واختلف العلماء في هذه المسألة ، والجواب المشهور : أن يقال إنه تعالى خلق الأرض في يومين أولا ثم خلق بعدها السماء ، ثم بعد خلق السماء دحا الأرض ، وبهذا الطريق يزول التناقض ، واعلم أن هذا الجواب مشكل عندي من وجوه الأول : أنه تعالى بين أنه خلق الأرض في يومين ، ثم إنه في اليوم الثلث { فيها رواسى رواسى من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها } وهذه الأحوال لا يمكن إدخالها في الوجود إلا بعد أن صارت الأرض مدحوة لأن خلق الجبال فيها لا يمكن إلا بعد أن صارت الأرض مدحوة منبسطة ، وقوله تعالى : { وبارك فيها } مفسر بخلق الأشجار والنبات والحيوان فيها ، وذلك لا يمكن إلا بعد صيرورتها منبسطة ، ثم إنه تعالى قال بعد ذلك { ثم استوى إلى السماء } فهذا يقتضي أنه تعالى خلق السماء بعد خلق الأرض وبعد أن جعلها مدحوة ، وحينئذ يعود السؤال المذكور الثاني : أنه قد دلت الدلائل الهندسية على أن الأرض كرة ، فهي في أول حدوثها إن قلنا إنها كانت كرة والآن بقيت كرة أيضا فهي منذ خلقت كانت مدحوة ، وإن قلنا إنها غير كرة ثم جعلت كرة فيلزم أن يقال إنها كانت مدحوة قبل ذلك ثم أزيل عنها هذه الصفة ، وذلك باطل الثالث : أن الأرض جسم في غاية العظم ، والجسم الذي يكون كذلك فإنه من أول دخوله في الوجود يكون مدحوا ، فيكون القول بأنها ما كانت مدحوة ، ثم صارت مدحوة قول باطل ، والذي جاء في كتب التواريخ أن الأرض خلقت في موضع الصخرة ببيت المقدس ، فهو كلام مشكل لأنه إن كانت المراد أنها على عظمها خلقت في ذلك الموضع ، فهذا قول بتداخل الأجسام الكثيفة وهو محال ، وإن كان المراد منه أنه خلق أولا أجزاء صغيرة في ذلك الموضع ثم خلق بقية أحزائها ، وأضيفت إلى تلك الأجزاء التي خلقت أولا ، فهذا يكون اعترافا بأن تخليق الأرض وقع متأخرا عن تخليق السماء الرابع : أنه لما حصل تخليق ذات الأرض في يومين وتخليق سائر الأشياء الموجودة في الأرض في يومين آخرين وتخليق السموات في يومين آخرين كان مجموع ذلك ستة أيام ، فإذا حصل دحو الأرض في أكثر من ستة أيام وذلك باطل الخامس : أنه لا نزاع أن قوله تعالى بعد هذه الآية { ثم استوى إلى السماء فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها } كناية عن إيجاد السماء والأرض ، فلو تقدم إيجاد السماء على إيجاد الأرض لكان قوله { ائتيا طوعا أو كرها } يقتضي إيجاد الموجود وأنه محال باطل .
فهذا تمام البحث عن هذا الجواب المشهور ، ونقل الواحدي في ( البسيط ) عن مقاتل أنه قال : خلق الله السموات قبل الأرض وتأويل قوله { ثم استوى إلى السماء } ثم كان قد استوى إلى السماء وهي دخان ، وقال لها قبل أن يخلق الأرض فأضمر فيه كان لما قال تعالى : { قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل } ( يوسف : 77 ) معناه إن يكن سرق ، وقال تعالى : { وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا } ( الأعراف : 4 ) والمعنى فكان قد جاءها ، هذا ما نقله الواحدي وهو عندي ضعيف ، لأن تقدير الكلام ثم كان قد استوى إلى السماء ، وهذا جمع بين الضدين لأن كلمة { ثم } تقتضي التأخير ، وكلمة كان تقتضي التقديم والجمع بينهما يفيد التناقض ، وذلك دليل على أنه لم يمكن إجراؤه على ظاهره وقد بينا أن قوله { ائتيا طوعا أو كرها } إنما حصل قبل وجودهما ، وإذا كان الأمر كذلك امتنع حمل قوله { ئتيا } على الأمر والتكليف ، فوجب حمله على ما ذكرناه ، بقي على لفظ الآية سؤالات . السؤال الأول : ما الفائدة في قوله تعالى : { دخان فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها } ؟ الجواب : المقصود منه إظهار كمال القدرة والتقدير : ائتي شئتما ذلك أو أبيتما ، كما يقول الجبار لمن تحت يده لتفعلن هذا شئت أو لم تشأ ، ولتفعلنه طوعا أو كرها ، وانتصابهما على الحال بمعنى طائعين أو مكرهين { قالتا أتينا } على الطوع لا على الكره ، وقيل إنه تعالى ذكر السماء والأرض ثم ذكر الطوع والكر ، فوجب أن يتصرف الطوع إلى السماء والكره إلى الأرض بتخصيص السماء بالطوع لوجوه أحدها : أن السماء في دوام حركتها على نهج واحد لا يختلف ، تشبه حيوانا مطيعا لله تعالى بخلاف الأرض فإنها مختلفة الأحوال ، تارة تكون في السكون وأخرى في الحركات المضطربة وثانيها : أن الموجود في السماء ليس لها إلا الطاعة ، قال تعالى : { يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون } ( النحل : 50 ) وأما أهل الأرض فليس الأمر في حقهم كذلك وثالثها : السماء موصوفة بكمال الحال في جميع الأمور ، قالوا إنها أفضل الألوان وهي المستنيرة ، وأشكالها أفضل الأشكال وهي المستديرة ، ومكانها أفضل الأمكنة وهو الجو العالي ، وأجرامها أفضل الأجرام وهي الكواكب المتلألئة بخلاف الأرض فإنها مكان الظلمة والكثافة واختلاف الأحوال وتغير الذوات والصفات ، فلا جرم وقع التعبير عن تكون السماء بالطوع وعن تكون الأرض بالكره ، وإذا كان مدار خلق الأرض على الكره كان أهلها موصوفين أبدا بما ويجب الكره والكرب والقهر والقسر . السؤال الثاني : ما المراد من قوله { ائتيا } ومن قوله { ءاتينا } ؟ الجواب : المراد ائتيا إلى الوجود والحصول وهو كقوله { كن فيكون } ( البقرة : 117 ) وقيل المعنى ائتيا على ما ينبغي أن تأتيا عليه من الشكل والوصف ، أي بأرض مدحوة قرارا ومهادا وأي بسماء مقبية سقفا لهم ، ومعنى الإتيان الحصول والوقوع على وفق المراد ، كما تقول أتى عمله مرضيا وجاء مقبولا ، ويجوز أيضا أن يكون المعنى لتأتي كل واحدة منكم صاحبتها الإتيان الذي تقتضيه الحكمة والتدبير من كون الأرض قرارا للسماء وكون السماء سقفا للأرض .
السؤال الثالث : هلا قيل طائعين على اللفظ أو طائعات على المعنى ، لأنهما سموات وأرضون ؟ الجواب : لما جعلن مخاطبات ومجيبات ووصن بالطوع والكره قيل طائعين في موضع طائعات نحو قوله { ساجدين } ( الأعراف : 120 ) ومنهم من استدل به على كون السموات أحياء وقال الأرض في جوف السموات أقل من الذرة الصغيرة في جوف الجبل الكبير ، فلهذا السبب صارت اللفظة الدالة العقل والحياة غالبة ، إلا أن هذا القول باطل ، لإجماع المتكلمين على فساده . ثم قال تعالى : { فقضاهن سبع سماوات فى يومين } وقضاء الشيء إنما هو إتمامه والفراغ منه والضمير في قوله { فقضاهن } يجوز أن يرجع إلى السماء على المعنى كما قال : { طائعين } ونحوه { أعجاز نخل خاوية } ( الحاقة : 7 ) ويجوز أن يكون ضميرا مبهما مفسرا بسبع سموات والفرق بين النصبين أن أحدهما على الحال والثاني على التمييز . ذكر أهل الأثر أنه تعالى خلق الأرض في يوم الأحد والإثنين وخلق سائر ما في الأرض في يوم الثلاثاء والأربعاء ، وخلق السموات وما فيها في يوم الخميس والجمعة وفزع في آخر ساعة من يوم الجمعة فخلق فيها آدم وهي الساعة التي تقوم فيها القيامة ، فإن قيل اليوم عبارة عن النهار والليل وذلك إنما يحصل بسبب طلوع الشمس وغروبها ، وقبل حدوث السموات والشمس والقمر كيف يعقل حصول اليوم ؟ قلنا معناه إنه مضى من المدة ما لوم حصل هناك فلك وشمس لكان المقدار مقدراف بيوم . ثم قال تعالى : { وأوحى فى كل سماء أمرها } قال مقاتل أمر في كل سماء بما أراد ، وقال قتادة خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها ، وقال السدي خلق في كل سماء خلقها من الملائكة وما فيها من البحار وجبال البرد ، قال والله في كل سماء بيت يحج إليه ويطوف به الملائكة كل واحد منها مقابل الكعبة ولو وقعت منه حصاة ما وقعت إلا على الكعبة ، والأقرب أن يقال قد ثبت في علم النحو أنه يكفي في حسن الإضافة أدنى سبب ، والله تعالى على أهل كل سماء تكليف خاص ، فمن الملائكة من هو في القيام في أول خلق العالم إلى قيام القيامة ، ومنهم ركوع لا ينتصبون ومنهم سجود لا يرفعون ، وإذا كان ذلك الأمر مختصا بأهل ذلك السماء كان ذلك الأمر مختصا بتلك السماء ، وقوله تعالى : { وأوحى فى كل سماء أمرها } أي وكان قد خص كل سماء بالأمر المضاف إليها كقوله { وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا } ( الأعرف : 4 ) والمعنى فكان قد جاءها ، هذا ما نقله الواحدي وهو عندي ضعيف لأن تقدير الكلام ثم كان قد استوى إلى السماء وكان قد أوحى ، وهذا جمع بين الضدين لأن كلمة ثم تقتضي التأخير وكلمة كان تقتضي التقديم فالجمع بينهما تفيد التناقض ، ونظيره قول القائل ضربت اليوم زيدا ثم ضربت عمرا بالأمس ، فكما أن هذا باطل فكذا ما ذكرتموه وإنما يجوز تأويل كلام الله بما لا يؤدي إلى وقوع التناقض والركاكة فيه ، والمختار عند أي يقال خلق السموات مقدم على خلق الأرض ، بقي أن يقال كيف تأويل هذه الآية ؟ فنقول : الخلق ليس عبارة عن التكوين والإيجاد ، بل هو عبارة عن التقدير ، والتقدير حق الله تعالى هو حكمه بأنه سيوجده وقضاؤه بذلك ، وإذا ثبت هذا فنقول قوله { خلق الارض فى يومين } معناه أنه قضى بحدوثه في يومين ، وقضاء الله بأنه سيحدث كذا في مدة كذا ، لا يقتضي حدوث ذلك الشيء في الحال ، فقضاء الله تعالى بحدوث الأرض في يومين قد تقدم على إحداث السماء ، ولا يزم منه تقدم إحداث الأرض على إحدث السماء ، وحينئذ يزول السؤال ، فهذا ما وصلت إليه في هذه الموضع المشكل /
ثم قال تعالى : { فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين } . واعلم أن ظاهر هذا الكلام يقتضي أن الله تعالى أمر السماء والأرض بالإتيان فأطاعا وامتثلا وعند هذا حصل في الآية قولان : القول الأول : أن تجري هذه الآية على ظاهرنا فنقول : إن الله تعالى أمرهما بالإتيان فأطاعاه قال القائلون بهذا القول وهذا غير مستبعد ، ألا ترى أنه تعالى أمر الجبال أن تنطق مع داود عليه السلام فقال : { فضلا ياجبال أوبى معه والطير } ( سبأ : 10 ) والله تعالى تجلى للجبل قال : { فلما تجلى ربه للجبل } ( الأعراف : 143 ) والله تعالى أنطق الأيدي والأرجل فقال : { يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون } ( النور : 24 ) وإذ كان كذلك فكيف يستبعد أن يخلق الله في ذات السماء والأرض حياة وعقلا وفهما ، ثم يوجه الأمر والتكليف عليهما ، ويتأكد هذا الاحتمال بوجوه الأول : أن الأصل حمل اللفظ على ظاهره إلا إذا منع منه مانع ، وههنا لا مانع ، فوجب إجراؤه على ظاهره الثاني : أنه تعالى أخبر عنهما ، فقال : { قالتا أتينا طائعين } وهذا الجمع جمع ما يعقل ويعلم الثالث : قوله تعالى : { إنا عرضنا الامانة على السماوات والارض والجبال فأبين أن يحملنها } ( الأحزاب : 72 ) وهذا يدل على كونها عارفة بالله ، مخصوصة بتوجيه تكاليف الله عليها ، والإشكال عليه أن يقال : المراد من قوله { ائتيا طوعا أو كرها } الإتيان إلى الوجود والحدوث والحصول وعلى هذا التقدير فحال توجه هذا الأمر كانت السموات والأرض معدومة ، إذ لو كانت موجودة لصار حاصل هذا الأمر أن يقال : يا موجود كن موجودا ، وذلك لا يجوز فثبت أنها حال توجه هذا الأمر عليها كانت معدومة ، وإذا كانت معدومة لم تكن فاهمة ولا عارفة للخطاب ، فلم يجز توجيه الأمر عليها ، فإن قال قائل : روى مجاهد عن ابن عباس أنه قال : قال سبحانه للسموات أطلعي شمسك وقمرك ونجومك ، وقال للأرض شققي أنهارك وأخرجي ثمارك ، وكان الله تعالى أودع فيهما هذه الأشياء ثم أمرهما بإبرازها وإظهارها ، فنقول فعلى هذا التقدير لا يكون المراد من قوله { أتينا طائعين } حدوثهما في داتهما ، بل يصير المراد من هذا الأمر أن يظهرا ما كان مودعا فيهما ، إلا أن هذا الكلام باطل ، لأنه تعالى قال : { فقضاهن سبع سماوات فى يومين } والفاء للتعقيب ، وذلك يدل على أن حدوث المسوات إنما حصل بعد قوله { ائتيا طوعا أو كرها } فهذا جملة ما يمكن ذكره في هذا البحث . القول الثاني : أنقوله تعالى : { قال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها } ليس المراد منه توجيه الأمر والتكليف على السموات والأرض بل المراد منه أنه أراد تكوينهما فلم يمتنعا عليه ووجدتا كما أرادهما ، وكانتا في ذلك المأمور المطيع إذا ورد عليه أمر الأمير المطاع ، ونظيره قول القائل : قال الجدار للوتد لم تشقني ؟ قال الوتد : أسألمن يدقني ، فإن الحجر الذي ورائي ما خلاني ورائي . واعلم أن هذا عدول عن الظاهر ، وإنما جاز العدول عن الظاهر إذ قام دليل على أنه لا يمكن إجراؤه على ظاهره ، وقد بينا أن قوله { ائتيا طوعا أو كرها } إنما حصل قبل وجودهما ، وإذا كان الأمر كذلك امتنع حمل قوله { ائتيا طوعا أو كرها } على الأمر والتكليف ، فوجب حمله على ما ذكرنا .
واعلم أن إثبات الأمر والتكليف فيهما مشروط بحصول المأمور فيهما ، وهذا يدل على أنه تعالى أسكن هذه السموات والملائكة ، أو أنه تعالى أمرهم بأشياء ونهاهم عن أشياء ، وليس في الآية ما يدل على أنه إنما خلق الملائكة مع السموات ، أو أنه تعالى خلقهم قبل السموات ، ثمإنه تعالى أسكنهم فيها ، وأيضا ليس في الآية بيان الشرائع التي أمر الملائكة بها ، وهذه الأسرار لا تليق بعقول البشر ، بل هي أعلى من مصاعد أفهمامهم ومرامي أوهامهم ، ثم قال : { وزينا السماء الدنيا بمصابيح } وهي النيرات التي خلقها في السموات ، وخص كل واحد بضوء معين ، وسر معين ، وطبيعة معينة ، لايعرفها إلا الله ، ثم قال : { وحفظا } يعني وحفظناها حفظا ، يعني من الشياطين الذين يسرتقون السمع ، فأعد لكل شيطان نجما يرميه به ولا يخطئه ، فمنها ما يحرق ، ومنها ما يقتل ومنها ما يجعله مخبلا ، وعن ابن عباس أن اليهود سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن خلق السموات والأرض فقال : ( خلق الله تعالى الأرض في يوم الأحد والاثنين / وخلق الجبال والشجر في يومين وخلق في يوم الخميس السماء ، وخلق في يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة ، ثم خلق آدم عليه السلام وأسكنه الجنة ثم قالت اليهود ثم ماذا يا محمد ؟ قال ثم استوى على العرش قالوا : ثم استراح فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ) فنزل قوله تعلاى : { وما مسنا من لغوب } ( ق : 38 ) . واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه التفاصيل ، قال : { ذالك تقدير العزيز العليم } والعزيز إشارة إلى كمال القدرة ، والعليم إشارة إلى كمال العلم ، وما أحسن هذه الخاتمة ، لأن تلك الأعمال لا تمكن إلا بقدرة كاملة وعلم محيط . ! 7 < { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود إذ جآءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو شآء ربنا لانزل ملائكة فإنا بمآ أرسلتم به كافرون فأما عاد فاستكبروا فى الا رض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذى خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بأاياتنا يجحدون فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا فىأيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزى فى الحيواة الدنيا ولعذاب الا خرة أخزى وهم لا ينصرون وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون ونجينا الذين ءامنوا وكانوا يتقون } > 7 < فصلت : ( 13 - 18 ) فإن أعرضوا فقل . . . . . > > اعلم أن الكلام إنما ابتدىء من قوله { أنما إلاهكم إلاه واحد } ( فصلت : 6 ) واحتج عليه بقوله { قل أئنكم لتكفرون بالذى خلق الارض فى يومين } ( فصلت : 9 ) وحاصله أن الإله الموصوف بهذه القدرة القاهرة كيف يجوز الكفر به ، وكيف يجوز جعل هذه الأجسام الخسيسة شركاء له في الإلهية ؟ ولما تمم تلك الحجة قال : { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود } وبيان ذلك لأن وظيفة الحجة قد تمت على أكمل الوجوه ، فإن بقوا مصرين على الجهل لم يبق حينئذ علاج في حقهم إلا إنزال لعذاب عليهم فلهذا السبب قال : { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم } بمعنى أن أعرضوا عن قبول هذه الحجة القاهرة التي ذكرناها وأصروا على الجهل والتقليد { فقل أنذرتكم } والإنذار هو : التخويف ، قال المبرد والصاعقة الثائرة المهلكة لأي شيء كان ، وقرىء { صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود } قال صاحب ( الكشاف ) وهي المرة من الصعق .
ثم قال : { إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم } وفيه وجهان الأول : المعنى أن الرسل المبعوثين إليهم أتوهم من كل جانب واجتهدوا بهم وأتوا بجميع وجوه الحيل فلم يروا منهم إلا العتو والإعراض ، كما جكى الله تعالى عن الشيطان قوله { ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم } ( الأعراف : 17 ) يعني لآتينهم من كل جهة ولأعملن فيهم كل حيلة ، ويقول الرجل : استدرت بفلان من كل جانب فلم تؤثر حيلتي فيه . السؤال الثاني : المعنى : أن الرسل جاءتهم من قبلهم ومن بعدهم ، فإن قيل : الرسل الذين جاؤا من قبلهم ومن بعدهم ، كيف يمكن وصفهم بأنهم جاؤهم ؟ قلنا : قد جاءهم هود وصالح داعيين إلى الإيمان بهما وبجميع الرسل ، وبهذا التقدير فكأن جميع الرسل قد جاؤهم . ثم قال : { ألا تعبدوا إلا الله } يعني أن الرسل الذي جاؤهم من بين أيديهم ومن خلفهم أمروهم بالتوحيد ونفي الشرك ، قال صاحب ( الكشاف ) أنفي قوله { ألا تعبدوا إلا الله } بمعنى أي أو مخففة من الثقيلة أصله بأنه لا تعبدوا أي بأن الشأن والحديث قولنا لكم لا تعبدوا إلا الله . ثم حكى الله تعالى عن أولئك الكفار أنهم قالوا { لو شاء ربنا لانزل ملائكة } يعني أنهم كذبوا أولئك الرسل ، وقالوا الدليل على كونهم كاذبي أنه تعالى لو شاء إرسال الرسالة إلى البشر لجعل رسله من زرمة الملائكة / لأن إرسال الملائكة إلى الخلق أفضى إلى المقصود من البعثة والرسالة ، ولما ذكروا هذه الشبهة قالوا { فإنا بما أرسلتم به كافرون } معناه : فإذا أنتم بشر ولستم بملائكة ، فأنتم لستم برسل ، وإذا لم تكونوا من الرسل لم يلزمنا قبول قولكم ، وهو المراد من قوله { فإنا بما أرسلتم به كافرون } . واعلم أنا بالغنا في الجواب عن هذه الشبهات في سورة الأنعام ، وقوله { أرسلتم به } ليس بإقرار منهم بكون أولئك الأبياء رسلا ، وإنما ذكروه حكاية لكلام الرسل أو على سبيل الاستهزاء ، كما قال فرعون { إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون } ( الشعراء : 27 ) . روي أن أبا جهل قال في ملأ من قريش : التبس علينا أمر محمد ، فلو التمستم لنا رجلا عالما بالشعر والسحر والكهانة فكلمه ، ثم أتانا بيان عن أمره ، فقال عتبة بن ربيعة والله لقد سمعت الشعر والسحر والكهانة وعلمت من ذلك علما وما يخفى علي ، فأتاه فقال : يا محمد أنت خير أم هاشم ؟ أنت خير أم عبد المطلب ؟ أنت خير أم عبد الله ؟ لم تشتم ألهتنا وتضللنا ؟ فإن كنت تريد الرياسة عقدنا لك للواء فكنت رئيسنا ، وإن تكن بك الباءة زوجناك عشر نسوة تختارهن ، أي بنات من شئت من قريش ، وإن كان المال مرادك جمعنا لك ما تستغني به ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت ، فلما فزع قال : بسم الله الرحمن الرحيم ( حم تنزيل من الرحمن الرحيم } إلى قوله { } إلى قوله { صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود } فأمسك عتبة على فيه وناشده بالرحم ، ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش ، فلم احتبس عنهم قالوا ، لا نرى عتبة إلا قد صبأ ، فانطلقوا إليه وقالوا يا عتبة ما حبسك عنا إلا أنك قد صبأت : فغضب وأقسم لا يكلم محمدا أبدا ، ثم قال : والله لقد كلمته فأجابني بشيء ما هو شعر ولا سحر ولا كهانة ، ولما بلغ صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود أمسكت بفيه وناشدته بالرحم ، ولقد علمت أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب فخفت أن ينزل بكم العذاب .
واعلم أنه تعالى لما بين كفر قوم عاد وثمود على الإجمال بين خاصية كل واحدة من هاتين الطائفتين فقال : { فأما عاد فاستكبروا فى الارض بغير الحق } وهذا الاستكبار فيه وجهان الأول : إظهارالنخوة والكبر ، وعدم الالتفات إلى الغير والثاني : الاستعلاء على الغير واستخدامهم ، ثم ذكر تعالى سبب ذلك الاستكبار وهو أنهم قالو { من أشد منا قوة } وكانوا مخصوصين بكبر الأجسام وشدة القوة ، ثم إنه تعالى ذكر ما يدل على أنه لا يجوز لهم أن يغتروا بشدة قوتهم ، فقال : { أولم يروا أن الله الذى خلقهم هو أشد منهم قوة } يعني أنهم وإن كانوا أقوى من غيرهم ، فالله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة ، فإن كانت الزيادة في القوة توجب كون الناقص في طاعة الكامل ، فهذه المعاملة توجب عليهم كونهم منقادين لله تعالى ، خاضعين لأوامره ونواهيه . واحتج أصحابنا بهذه الآية على إثبات القدرة صلى الله عليه وسلم ، فقالوا القوة لله تعالى ويتأكد هذا بقوله { الله الذى خلقهم هو أشد منهم قوة } يدل على إثبات القوة لله تعالى ويتأكد هذا بقوله { إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين } ( الذريات : 58 ) فإن قيل صيغة أفعل التفضيل إنما تجري بين شيئين لأحدهما مع الآخر نسبة ، لكن قدرة العبد متناهية وقدرة الله لا نهاية لها ، والمتناهي لا نسبة له إلى غير المتناهي ، فما معنى قوله إن الله أشد منهم قوة ؟ قلنا هذا ورد على قانون قولنا الله أكبر . ثم قال : { وكانوا بئاياتنا يجحدون } والمعنى أنهم كانوا يعرفون أنها حق ولكنهم جحدوا كما يجحد المودع الوديعة . واعلم أن نظم الكلام أن يقال : أما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وكانوا بآياتنا يجحدون ، وقوله { وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذى خلقهم هو أشد منهم قوة } واعتراض وقع في البين لتقرير السبب الداعي لهم إلى الاستكبار . واعلم أنا ذكرنا أن مجامع الخصال الحميدة الإحسان إلى الخلق والتعظيم للخالق ، فقوله { استكبروا فى الارض بغير الحق } مضاد للإحسان إلى الخلق وقوله { وكانوا بئاياتنا يجحدون } مضاد للتعظيم للخالق ، وإذا كان الأمر كذلك فهم قد بلغوا في الصفات المذمومة الموجبة للهلاك والإبطال إلى الغاية القصوى ، فلهذا المعنى سلط الله العذاب عليهم فقال : { فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا } وفي الصرصر قولان أحدهما : أنها العاصفة التي تصرصر أن تصوت في هبوبها ، وفي علة هذه التسمية وجوه قيل إن الرياح عند اشتداد هبوبها يسمع منها صوت يشبه صوت الصرصر فسميت هذه الرياح بهذا الاسم وقيل هو من صرير الباب ، وقيل من الصرة والصيحة ، ومنه قوله تعالى : { فأقبلت امرأته فى صرة } ( الذاريات : 29 ) والقول الثاني : أنها الباردة التي تحرق ببردها كما تحرق النار بحرها ، وأصلها من الصر وهو البرد قال تعالى : { كمثل ريح فيها صر } ( آل عمران : 117 ) وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( الرياح ثمان أربع منها عذاب العاصف والصرصر والعقيم والسموم ، وأربع منها رحمة الناشرات والمبشرات والمرسلات والذاريات ) وعن ابن عباس أن الله تعالى ما أرسل على عباده من الريح إلا قدر خاتمي ، والمقصود أنه مع قلته أهلك الكل وذلك يدل على كمال قدرته . وأما قوله { فى أيام نحسات } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو { نحسات } بسكون الحاء والباقون بكسر الحاء ، قال صاحب ( الكشاف ) يقال نحس نحسا نقيض سعد سعدا فهو نحس ، وأما نحس فهو إما مخفف نحس أو صفة على فعل أو نصف بمصدر .
المسألة الثانية : استدل الأحكاميون من المنجمين بهذه االآية على أن بعض الأيام قد يكون نحسا وبعضها قد يكون سعدا ، وقالوا هذه الآية صريحة في هذا المعنى ، أجاب المتكلمون بأن قالوا { أيام نحسات } أي ذوات غبار وتراب ثائر لا يكاد يبصر فيه ويتصرف ، وأيضا قالوا معنى كون هذه الأيام نحسات أن الله أهلكهم فيها ، أجاب المستدل االأول بأن النحسات في وضع اللغة هي المشؤمات لأن السعد يقابله السعد ، والكدر يقابله الصافي ، وأجاب عن السؤال الثاني أن الله تعالى أخبر عن إيقاع ذلك العذاب في تلك الأيام النحسات ، فوجب أن يكون كون تلك الأيام نحسة مغايرا لذلك العذاب الذي وقع فيها . ثم قال تعالى : { عنهم عذاب الخزى فى الحيواة الدنيا } أي عذاب الهواان والذل ، والسبب فيه أنهم استكبروا ، فقابل الله ذلك الاستكبار بإيصال الخزي والهوان والذل إليهم . ثم قال تعالى { ولعذاب الاخرة أخزى } أي أشد إهانة وخزيا { وهم لا ينصرون } أي أنهم يقعون في الخزي الشديد ومع ذلك فلا يكون لهم ناصر يدفع ذلك الخزي عنهم . ولما ذكر الله قصة عاد أتبعه بقصة ثمود فقال : { وأما ثمود } قال صاحب ( الكشاف ) قرىء { ثمود } بالرفع والنصب منونا وغير منون والرفع أفصح لوقوعه بعد حرف الابتداء وقرىء بضم الثاء وقوله { فهديناهم } أي دللناهم على طريق الخير والشر { فاستحبوا العمى على الهدى } أي اختاروا الدخول في الضلالة على الدخول في الرشد . واعلم أن صاحب ( الكشاف ) ذكر في تفسير الهدى في قوله تعالى : { هدى للمتقين } ( البقرة : 2 ) أن الهدى عبارة عن الدلالة الموصلة إلى البغية ، وهذه الآية تبطل قوله ، لأنها تدل على أن الهدى قد حصل مع أن الإقضاء إلى البغية لم يحصل ، فثبت أن قيد مفضيا إلى البغية غير معتبر في اسم الهدى . وقد ثبت في هذه الآية سؤال يشعر بذلك إلا أنه لم يذكر جوابا شافيا فتركناه ، قالت المعتزلة هذه الآية دالة على أن الله تعالى قد ينصب الدلائل ويزيح الأعذار والعلل ، إلا أن الإيمان إنما يحصل من العبد لأن قوله { وأما ثمود فهديناهم } يدل على أنه تعالى قد نصب لهم الدلائل وقوله { فاستحبوا العمى على الهدى } يدل على أنهم من عند أنفسهم أتوا بذلك العمى فهذا يدل على أن الكفر والإيمان يحصلان من العبد ، وأقول بل هذه الآية من أدل الدلائل ، على أنهما إنما يحصلان من الله لا من العبد ، وبيانه من وجهين : الأول : أنهم إنما صدر عنهم ذلك العمى ، لأنهم أحبوا تحصيله ، فلما وقع في قلبهم هذه المحبة دون محبة ضده ، فإن حصل ذلك الترجيح لا لمرجح فهو باطل ، وإن كان المرجح هو العبد عاد الطلب ، وإن كان المرجح هو الله فقد حصل المطلوب الثاني : أنه تعالى قال : { فاستحبوا العمى على الهدى } ومن المعلوم بالضرورة أن أحدا لا يحب العمى والجهل مع العلم بكونه عمى وجهلا ، بل ما لم يظن في ذلك العمى والجهل كونه تبصرة وعلما لا يرغب فيه ، فإقدامه على اختيار ذلك الجهل لا بد وأن يكون مسبوقا بجهل آخر ، فإن كان ذلك الجهل الثاني باختياره أيضا لزم التسلسل وهو محال ، فلا بد من انتهاء تلك الجهالات إلى جهل يحصل فيه لا باختياره وهو المطلوب ، ولما وصف الله كفرهم قال : { فأخذتهم صاعقة العذاب الهون } و { صاعقة العذاب } أي داهية العذاب و { الهون } الهوان ، وصف به العذاب مبالغة أو أبدل منه { بما كانوا يكسبون } يريد من شركهم وتكذيبهم صالحا وعقرهم الناقة ، وشرع صاحب ( الكشاف ) ههنا في سفاهة عظيمة . والأولى أن لا يلتفت إليه أنه وإن كان قد سعى صعيا حسنا فيما يتعلق بالألفاظ ، إلا أن المسكين كان بعيدا من المعاني .
ولما ذكر الله الوعيد أردفه بالوعد فقال : { ونجينا الذين ءامنوا وكانوا يتقون } يعني وكانوا يتقون الأعمال التي كان يأتي بها قوم عاد وثمود ، فإن قيل : كيف يجوز للرسول صلى الله عليه وسلم أن ينذر قومه مثل صااعقة عاد وثمود ، مع العلم بأن ذلك لا يقع في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وقد صرح الله تعالى بذلك في قوله { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم { ( الأنفال : 33 ) وجاء في الأحاديث الصحيحة أن اللهلله تعالى رفع عن هذه الأمة هذه الأنواع من الآفات قلنا إنهم لما عرفوا كونهم مشاركين لعاد وثمود في استحقاق مثل تلك الصاعقة جوزوا حدوث ما يكون من جنس ذلك ، وإن كان أقل درجة مهم وهذا القدر يكفي في التخويف . ! 7 < { ويوم يحشر أعدآء الله إلى النار فهم يوزعون حتى إذا ما جآءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذى أنطق كل شىء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولاكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون وذلكم ظنكم الذى ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين } . > 7 ! < < فصلت : ( 19 ) ويوم يحشر أعداء . . . . . > > واعلم أنه تعالى لما بين كيفية عقوبة أولئك الكفار في الدنيا أردفه بكيفية عقوبتهم في الآخرة ، ليحصل منه تمام الاعتبار في الزجر والتحذير ، وقرأ نافع { نحشر } بالنون { أعداء } بالنصب أضاف الحشر إلى نفسه ، والتقدير يحشر الله عز وجل أعداءه الكفار من الأولين والآخرين وحجته أنه معطوف على قوله { ونجينا } ( فصلت : 18 ) فيحسن أن يكون على وفقه في اللفظ ، ويقويه قوله { ويوم نحشر المتقين } ( مريم : 85 ) { وحشرناهم } ( الكهف : 47 ) وأما الباقون فقرؤا على فعل ما لم يسم فاعله لأن قصة ثمود قد تمت وقوله { ويوم يحشر } ابتداء كلام آخر ، وأيضا الحاشرون لهم هم المأمورون بقوله { احشروا } ( اللصفات : 22 ) وهم الملائكة ، وأيضا أن هذه القراءة موافقة لقوله { فهم يوزعون } ( فصلت : 19 ) وأيضا فتقدير القراءة الأولى أن الله تعالى قال : { ويوم نحشر أعداء الله إلى النار } فكان الأولى على هذا التقدير أن يقال ويوم نحشر أعداءنا إلى النار . واعلم أنه تعالى لما ذكر أن أعداء الله يحشرون إلى النار قال : { فهم يوزعون } أي يحبس أولهم على آخرهم ، أي يوقف سوابقهم حتى يصل إليهم تواليهم ، والمقصود بيان أنهم إذا اجتمعوا سألوا عن أعمالهم . ثم قال : { حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم } وفيه مسائل : المسألة الأولى : التقدير حتى إذا جاؤنا شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم ، وعلى هذا التقدير فكلمة { ما } صلة ، وقيل فيها فائدة زائدة وهي تأكيد أن عند مجيئهم لا بد وأن تحصل هذه الشهادة كقوله } أثم إذا ما وقع آمنتم به } ( يونس : 51 ) أي لا بد لوقت وقوعه من أن يكون وقت إيمانهم به .
المسألة الثانية : روي أن العبد يقول يوم القيامة : يا رب العزة ألست قد وعدتين أن لا تظلمني ، فيقول الله تعالى فإن لك ذلك ، فيقول العبد إني لا أقبل على نفسي شاهدا إلا من نفسي ، فيختم الله على فيه وينطق أعضاءه باالأعمال التي صدرت منه ، فذلك قوله { } أثم إذا ما وقع آمنتم به } ( يونس : 51 ) أي لا بد لوقت وقوعه من أن يكون وقت إيمانهم به . المسألة الثانية : روي أن العبد يقول يوم القيامة : يا رب العزة ألست قد وعدتين أن لا تظلمني ، فيقول الله تعالى فإن لك ذلك ، فيقول العبد إني لا أقبل على نفسي شاهدا إلا من نفسي ، فيختم الله على فيه وينطق أعضاءه باالأعمال التي صدرت منه ، فذلك قوله { } ( يونس : 51 ) أي لا بد لوقت وقوعه من أن يكون وقت إيمانهم به . المسألة الثانية : روي أن العبد يقول يوم القيامة : يا رب العزة ألست قد وعدتين أن لا تظلمني / فيقول الله تعالى فإن لك ذلك ، فيقول العبد إني لا أقبل على نفسي شاهدا إلا من نفسي ، فيختم الله على فيه وينطق أعضاءه باالأعمال التي صدرت منه ، فذلك قوله { شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم } واختلف الناس في كيفية الشهادة وفيه ثلاثة أقوال أحدها : أنه تعالى يخلق الفهم والقدرة والنطق فيها فتشهد كما يشهد الرجل على ما يعرفه والثاني : أنه تعالى يخلق في تلك الأعضاء الأصوات والحروف الدالة على تلك المعاني كما خلق الكلام في الشجرة والثالث : أن يظهر تلك الأعضاء أحوالا تدل على صدور تلك الأعمال من ذلك الإنسان ، وتلك الأمارات تسمى شهادات ، كما يقال يشهد هذا العالم بتغيرات أحواله على حدوثه ، واعلم أن هذه المسألة صعبة على المعتزلة أما القول الأول : فهو صعب على مذهبهم لأن البنية عندهم شرط لحصول العقل والقدرة فاللسان مع كونه لسانا يمتنع أن يكون محلا للعلم والعقل ، فإن غير الله تعالى تلك البنية والصورة خرج عن كونه لسانا وجلدا ، وظاهر الآية يدل على إضافة تلك الشهادة إلى السمع والبصر والجولد ، فإن قلنا إن الله تعالى ما غير بنية هذه الأعضاء فحينئذ يمتنع عليها كونها ناطقة فاهمة ، وأما القول الثاني : وهو أن يقالل إن الله تعالى خلق هذه الأصوات والحروف في هذه الأعضاء ، وهذا أيضا باطل على أصول المعتزلة لأن مذهبهم أن المتكلم هو الذي فعل الكلام ، لا ما كان موصوفا بالكلام ، فإنهم يقولون إن الله تعالى خلق الكلام في الشجرة وكان المتكلم بذلك الكلام هو الله تعالى لا الشجرة ، فههنا لو قلنا إن الله خلق الأصوات والحروف في تلك الأعضاء لزم أن يكون الشاهد هو الله تعالى لا تلك ، ولزم أن يكون المتكلم بذلك الكلام هو الله لا تلك الأعضاء ، وظاهر القراآن يدل على أن تلك الشهادة شهادة صدرت من تلك الأعضاء لا من الله تعالى لأنه تعالى قال : { شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم } وأيضا أنهم قالوا لتلك الأعضاء { لم شهدتم علينا } فقالت الأعضاء { أنطقنا الله الذى أنطق كل شىء } وكل هذه الآياات دالة على أن المتكلم بتلك الكلمات هي تلك الأعضاء ، وأن تلك الكلمات ليست كلام الله تعالى ، فهذا توجيه الإشكال على هذين القولين ، وأما القول الثالث : وهو تفسير هذه الشهادة بظهور أمارات مخصوصة على هذه الأعضاء دالة على صدور تلك الأعمال منهم ، فهذا عدول عن الحقيقة إلى المجاز والأصل عدمه ، فهذا منتهى الكلام في هذا البحث ، أما على مذهب أصحابنا فهذا الإشكال غير لازم ، لأن عندنا البنية ليست شرطا للحياة ولا للعلم ولا للقدرة ، فالله تعالى قادر على خلق العقل والقدرة والنطق في كل جزء من أجزاء هذه الأعضاء ، وعلى هذا التقدير فالإشكال زائل وهذه الآية يحسن التمسك بها في بيان أن البنية ليست شرطا للحياة ولا لشيء من الصفات المشروطة بالحياة والله أعلم .
المسألة الثالثة : ما رأيت للمفسرين في تخصيص هذه الأعضاء الثلاثة بالذكر سببا وفائدة ، وأقول لا شك أن الحواس خمسة السمع والبصر والشم والذوق واللمس ، ولا شك أن آلة اللمس هي الجلد ، فالله تعالى ذكر ههنا من الحواس وهي السمع والبصر واللمس ، وأهمل ذكر نوعين وهما الذوق والشم ، لأن الذوق دالخل في اللمس من بعض الوجوه ، لأن إدراك الذوق إنما يتأتى بأن تصير جلدة اللسان والحنك مماسة لجرم الطعام ، فكان هذا داخلا فيه فبقي حس الشم وهو حس ضعيف في الإنسان ، وليس لله فيه تكليف ولا أمر ولا نهي ، إذا عرفت هذا فنقول نقل عن ابن عباس أنه قال المراد من شهادة الجلود شهادة االفروج قال وهذا من باب الكنايات كما قال : { ولاكن لا تواعدوهن سرا } ( البقرة : 235 ) وأراد النكاح وقال : { أو جاء منكم من الغائط } ( النساء : 43 ) والمراد قضاء الحاجة وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أول ما يتكلم من الآدمي فخذه وكفه ) وعلى هذا التقدير فتكون هذه الآية وعيدا شديدا في الإتيان بالزنا ، لأن مقدمة الزنا إنما تحصل بالكف ، ونهاية الأمر فيها إنما تحصل بالفخذ . ثم حكى الله تعالى أنهم يقولون لتلك الأعضاء { لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذى أنطق كل شىء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون } ومعناه أن القادر على خلقكم وإنطاقكم في المرة الأولى حالما كنتم في الدنيا ثم على خلقكم وإنطاقكم في المرة الثانية وهي حال القيامة والبعث يستبعد منه إنطاق الجوارح والأعضاء ؟ ثم قال تعالى : { وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم } والمعنى إثبات أنهم كانوا يستترون عند الإقدام على الأعمال القبيحة ، إلا أن استتارهم ما كان لأجل خوفهم من أن يشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم وذلك لأنهم كانوا منكرين للبعث والقيامة ، ولكن ذلك الاستتار لأجل أنهم كانوا يظنون أن الله لا يعلم الأعمال التي يقدمون عليها على سبيل الخفية والاستتار . عن ابن مسعود قال : كنت مستترا بأستار الكعبة فدخل ثلاثة نفر عللى ثقفيان وقرشي فقال أحدهم : أترون الله يسمع ما تقولون ؟ فقال الرجلان إذا سمعنا أصواتنا سمع وإلا لم يسمع . فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل { وما كنتم تستترون } . ثم قال تعالى : { وذلكم ظنكم الذى ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين } وهذا نص صريح في أن من ظن بالله تعالى أنه يخرج شيء من المعلومات عن علمه فإنه يكون من الهالكين الخاسرين ، قال أهل التحقيق الظن قسمان ظن حسن بالله تعالى وظن فاسد ، أما الظن الحسن فهو أن يظن به الرحمة والفضل ، قال صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله عز وجل : ( أنا عند ظن عبدي بي ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله ) ، والظن القبيح فاسد وهو أن يظن بالله أنه يعزب عن علمه بعض هذه الأحوال ، وقال قتادة : الظن نوعان ظن منج وظن مرد ، فالمنح قوله { إنى ظننت أنى ملاق حسابيه } ( الحاقة : 20 ) وقوله { الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم } ( البقرة : 46 ) ، وأما الظن المردي فهو قوله { وذلكم ظنكم الذى ظننتم بربكم } قال صاحب ( الكشاف ) { تعملون وذلكم } رفع بالابتداء { وظنكم } و { بربكم أرداكم } خبران ويجوز أن يكون ظنكم بدلا من ذلاكم وأرداكم الخبر .
ثم قال : { فإن يصبروا فالنار مثوى لهم } يعني إن أمسكوا عن الاستغالثة لفرج ينتظرونه لم يجدوا ذلك وتكون النار مثوى لهم أي مقاما لهم { وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين } أي لم يعطوا العتبى ولم يجابوا إليها ، ونظيره قوله تعالى : { أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص } ( إبراهيم : 21 ) وقرىء وإن يستعتبوا فما هم من الممعتبين أي أن يسألوا أن يرضوا ربهم فما هم فاعلون أي لا سبيل لهم إلى ذلك . ! 7 < { وقيضنا لهم قرنآء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول فىأمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهاذا القرءان والغوا فيه لعلكم تغلبون فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ولنجزينهم أسوأ الذى كانوا يعملون ذلك جزآء أعدآء الله النار لهم فيها دار الخلد جزآء بما كانوا بأاياتنا يجحدون وقال الذين كفروا ربنآ أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الا سفلين } . > 7 ! < < فصلت : ( 25 ) وقيضنا لهم قرناء . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد الشديد في الدنيا والآخرة على كفر أولئك الكفار أردفه بذكر السبب الذي لأجله وقعوا في ذلك الكفر فقال : { وقضينا لهم قرناء } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب ( الصحاح ) : يقال قايضت الرجل مقايضة أي عاوضته بمتاع ، وهما قيضان كما يقال بيعان ، وقيض الله فلانا أي جاءه به وأتى به له ، ومنه قوله تعالى : { وقيضنا لهم قرناء } . المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى يريد الكفر من الكافر ، فقالوا إنه تعالى ذكر أنه قيض لهم أولئك القرناء ، وكان عالما بأنه متى قيض لهم أولئك القرناء فإن يزينوا الباطل لهم ، وكل من فعل فعلا وعلم أن ذلك الفعل يفضي إلى أثر لا محالة ، فإن فاعل ذلك الفعل لا بد وأن يكون مريدا لذلك الأثر فثبت أنه تعالى لما قيض لهم قرناء فقد أراد منهم ذلك الكفر ، أجاب الجبائي عنه بأن قال لو أراد المعاصي لكانوا بفعلها مطيعين إذ الفاعل لما أراده منه غيره يجب أن يكون مطيعا له ، وبأن قوله { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ( الذاريات : 56 ) يدل على أنه لم يرد منهم إلا العبادة ، فثبت بهذا أنه تعالى لم يرد منهم المعاصي ، وأما هذه الآية فنقول : إنه تعالى لم يقل وقيضنا لهم قرناء ليزينوا لهم ، وإنما قال : { فزينوا لهم } فهو تعالى قيض القرناء لهم بمعنى أنه تعالى أخرج كل أحد إلى آخر من جنسه ، فقيض أحد الزوجين للآخر والغني للفقير والفقير للغني ثم بين تعالى أن بعضهم يزين المعاصي للبعض . واعلم أن وجه استدلال أصحابنا ما ذكرناه ، وهو أن من فعل فعلا وعلم قطعا أن ذلك الفعل يفضي إلى أثر ، فاعل ذلك الفعل يكون مريدا لذلك الأثر ، فههنا الله تعالى قيض أولئك القرناء لهم وعلم أنه متى قيض أولئك القرناء لهم فإنهم يقعون في ذلك الكفر والضلال ، وما ذكره الجبائي لا يدفع ذلك ، وقلوه ولو أراد الله منهم المعاصي لكانوا بفعلها مطيعين لله ، قلنا لو كان من فعل ما أراده غيره مطيعا له لوجب أن يكون الله مطيعا لعباده إذا فعل ما أرادوه معلوم أنه باطل ، وأيضا فهذا إلزام لفظي لأنه يقال إن أردت بالطاعة أنه فعل ما أراد فهذا إلزام للشيء على نفسه ، وأن أردت غيره فلا بد ، من بيانه حتى ينظر فيه أنه هل يصح أم لا .
المسألة الثانية : اختلفوا في المراد بقوله { فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم } وذكر الزجاج فيه وجهين : الأول : زينوا لهم ما بين أيديهم من أمر الآخرة أنه لا بعث ولا جنة ولا نار وما خلفهم من أمر الدنيا ، فزينوا أن الدنيا قديمة ، وأنه لا فاعل ولا صانع إلا الطبائع والأفلاك الثاني : زينوا لهم أعمالهم التي يعملونها ويشاهدونها وما خلفهم وما يزعمون أنهم يعلمونه / وعبر ابن زيد عنه ، فقال زينوا لهم ما مضى من أعمالهم الخبيثة وما بقي من أعمالهم الخسيسة . ثم قال تعالى : { وحق عليهم القوم فيها أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين } فقوله في أمم في محل النصب على الحال من الضمير في عليهم ، والتقدير حق عليهم القول حال كونهم كائنين في جملة { أمم } من المتقدمين { إنهم كانوا خاسرين } واحتج أصحابنا أيضا بأنه تعالى أخبر بأن هؤلاء { حق عليهم القول } فلو لم يكونوا كفارا لانقلب هذا القول الحق باطلا وهذا العلم جهلا ، وهذا الخبر الصدق كذبا ، وكل ذلك محال ومستلزم المحال محال ، فثبت أن صدور الإيمان عنهم ، وعدم صدور الكفر عنهم محال . واعلم أن الكلام في أول السورة ابتدىء من قوله { وقالوا قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه } إلى قوله { فاعمل إننا عاملون } ( فصلت : 5 ) فأجاب الله تعالى عن تلك الشبهة بوجوه من الأجوبة ، واتصل الكلام بعضه بالبعض إلى هذا الموضع ، ثم إنه حكى عنهم شبهة أخرى فقال : { وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهاذا القرءان والغوا فيه لعلكم تغلبون } ، قال صاحب ( الكشاف ) قرىء { والغوا فيه } بفتح الغين وضمها يقال لغى يلغي ويلغو واللغو الساقط من الكلام الذي لا طائل تحته . واعلم أن القوم علموا أن القرآن كلام كالم في المعنى ، وفي اللفظ وأن كل من سمعه وقف على جزالة ألفاظه ، وأاط عقله بمعانيه ، وقضى عقله بأنه كلام حق واجد القبول ، فدبروا تدببيرا في منع الناس عن استماعه ، فقال بعضهم لبعض { لا تسمعوا لهاذا القرءان } إذا قرىء وتشاغلوا عند قراءته برفع الأصوات بالخرافات والأشعار الفاسدة والكلمات الباطلة ، حتى تخلطوا على القارىء وتشوشوا عليه وتغلبوا على قراءته ، كاانت قريش يوصي بذلك بعضهم بعضا ، والمراد افعلوا عند تلاوة القرآن ما يكون لغوا وباطلا ، لتخرجوا قراءة القرآن عن أن تصير مفهومة للناس ، فبهذا الطريق تغلبون محمدا صلى الله عليه وسلم ، وهذا جهل منهم لأنهم في الحال أقروا بأنهم مشتغلون بالغو والباطل من العمل والله تعالى ينصر محمدا بفضله ، ولما ذكر الله تعالى ذلك هددهم بالعذاب الشديد فقال : { فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا } لأن لفظ الذوق إنما يذكر في القدر القليل الذي يؤتى به لأجل التجربة ، ثم إنه تعالى ذكر أن ذلك الذوق عذاب الشديد ، فإذا كان القليل منه عذابا شديدا فكيف يكون حال الكثير منه ، ثم قال : { ولنجزينهم أسوأ الذى كانوا يعملون } واختلفوا فيه فقال الأكثرون المراد جزاء سوء أعمالهم ، وقال الحسن بل المراد أنه لا يجازيهم على محاسن أعمالهم ، لأنهم أحبطوها بالكفر فضاعت تلك الأعمال الحسنة عنهم ، ولم يبق معهم إلا الأعمال القبيحة الباطلة ، فلا جرم لم يتحصلوا إلا على جزاء السيئات . ثم قال تعالى : { ذلك جزاء أعداء الله النار } والمعنى أنه تعالى لما قال في الآية المتقدمة { ولنجزينهم أسوأ الذى كانوا يعملون } بين أن ذلك الأسوأ الذي جعل جزاء أعداء الله هو النار .
ثم قال تعالى : { لهم فيها دار الخلد } أي لهم في جملة النار دار السيئات معينة وهي دار العذاب المخلد لهم { جزاء أعداء الله النار لهم } أي جزاء بما كانوا يلغون في القراءة ، وإنما مساه جحودا لأنهم لما علموا أن القررن بالغ إلى حد الإهجاز خافوا من أنه لو سمعه الناس لآمنوا به فاستخرجوا تلك الطريقة الفاسدة / وذلك يدل على أنهم علموا كونه معجزا إلا أنهم جحدوا للحسد . واعلم أنه تعالى لما بين أن الذي حملهم على الكفر الموجب للعقاب الشديد مجالسة قرناء السوء بين أن الكفار عند الوقوع في العذاب الشديد يقولون { ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس } والسبب في ذكر هذين القسمين أن الشيطان على ضربين جني وإنسي ، قال تعالى : { وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا شياطين الإنس والجن } ( الانعام : 112 ) وقال : { الذى يوسوس فى صدور الناس من الجنة والناس } ( الناس : 5 ) وقيل هما إبليس وقابيل لأن الكفر سنة إبليس ، والقتل بغير حق سنة قابيل . وقرىء { أرنا } بسكون الراء لثقل الكسرة كما قالوا في فخذ فخذ ، وقيل معناه أعطنا الذين أضلانا وحكوا عن الخليل أنك إذا قلت أرني ثوبك بالكسر ، فالمعنى بصرنيه وإذا قلته بالسكون فهو استعطاء معناه أعطني ثوبك . ثم قال تعالى : { نجعلهما تحت أقدامنا } قال مقاتل يكونان أسفل منا في النار { ليكونا من الاسفلين } قال الزجاج : ليكونا في الدرك الأسفل من النار ، وكان بعض تلامذتي ممن يميل إلى الحكمة يقول المراد باللذين يضلان الشهوة والغضب ، وإليهما الإشارة في قصة الملائكة بقوله { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } ( البقرة : 30 ) ثم قال والمراد بقوله { نجعلها تحت أقدامنا } يعني يا ربنا أعنا حتى نجعل الشهوة والغضب تحت أقدام جوهر النفس القدسية ، والمراد بكونهما تحت أقدمه كونهما مسخرين للنفس القدسية مطيعين لها ، وأن لا يكونا مسؤولين عليها قاهرين لها . ! 7 < { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التى كنتم توعدون نحن أوليآؤكم فى الحيواة الدنيا وفى الا خرة ولكم فيها ما تشتهىأنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم } > 7 ! < < فصلت : ( 30 ) إن الذين قالوا . . . . .
> > أعلم أنه تعالى لما أطنب في الوعيد أردفه بهذا الوعد الشريف ، وهذا ترتيب لطيف مدار كل القرآن عليه ، وقد ذكرنا مرارا أن الكمالات على ثلاثة أقسام النفسانية والبدنية والخارجية وأشرف المراتب النفسانية وأوسطها البدنية وأدونها الخارجية ، وذكرنا أن الكمالات النفسانية محصورة في نوعين العلم اليقيني والعمل الصالح ، فإن أهل التحقيق قالوا كما الإنسان في أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به ورأس المعارف اليقينية ورئيسها معرفة الله وإليه الإشارة بقوله { إن الذين قالوا ربنا الله } ورأس الأعمال الصالحة ورئيسها أن يكون الإنسان مستقيما في الوسط غير مائل إلى طرفي الإفراض والتفريط ، كما قال : { وكذالك جعلناكم أمة وسطا } ( البقرة : 143 ) وقال أيضا : { اهدنا الصراط المستقيم } وإليه الإشارة في هذه الآية بقوله { ثم استقاموا } وسمعت أن القارىء قرأ في مجلس العبادي هذه الآية ، فقال العبادي : والقيامة في القيامة ، بقدر الاستقامة ، إذا عرفت هذا فنقول : قوله تعالى : { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا } ليس المراد منه القول باللسان فقط لأن ذلك لا يفيد الاستقامة ، فلما ذكر عقيب ذلك القول الاستقامة علمنا أن ذلك القول كان مقرونا باليقين التام والمعرفة الحقيقية ، إذ عرفت هذا فنقول في الاستقامة قولان أحدهما : أن المراد منه الاستقامة في الدين والتوحيد والمعرفة الثاني : أن المراد منه الاستقامة في الأعمال الصالحة أما على القول الأول ففيه عبارات : قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : ثم استقاموا أي لم يتلفتوا إلى إله غيره ، قال ابن عباس في بعض الروايات هذه الآية نزلت في أبي بكر رضي الله عنه ، وذلك أن أبا بكر رضي الله عنه وقعفي أنواع شديدة من البلاء والمحنة ولم يتغير ألبتة عن دينه ، فكان هو الذي قال : { ربنا الله } وبقي مستقيما عليه لم يتغير بسبب من الأسباب ، وأقول يمكن فيه وجوه أخرى ، وذلك أن من أقر بأن لهذا العالم إلها بقيت له مقامات أخرى فأولها : أن لا يتوغل في جانب الاثبات إلى حيث ينتهي إلى التشبيه ، بل يبقى على الخط المستقيم الفاصل بين التشبيه والتعطيل ، وأيضا يجب أن يبقى على الخط المستقيم الفاصل بين الجبر والقدر ، وكذا في الرجاء والقنوط يجب أن يكون على الخط المتسقيم ، فهذا هو المراد من قوله { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا } وأما على القول الثاني وهو أن نحمل الاستقامة على الإتيان بالأعمال الصالحة ، فهذا قول جماعة كثيرة من الصحابة والتابعين ، قالوا وهذا أولى حتى يكون قوله { إن الذين قالوا ربنا الله } متناولا للقول والاعتقاد ويكون قوله { ثم استقاموا } متناولا للأعمال الصالحة . ثم قال : { تنزل عليهم الملائكة } قيل عند الموت وقيل في مواقف ثلاثة عند الموت وفي القبر وعند البعث إلى القيامة { ألا تخافوا } أن بمعنى أي أو بمخففة من الثقيلة وأصله بأنه لا تخافوا والهاء ضمير لشأن واعلم أن الغاية القصوى في رعاية المصالح دفع المضار وجلب المنافع / ومعلوم أن دفع المضرة أولى بالرعاية من جبل المصحلة ، والمضرة إما أن تكون حاصلة في المستقبل أو في الحال أو في الماضي ، وههنا دقيقة عقلية وهي أن المتسقبل مقدم على الحاضر والحاضر مقدم على الماضي ، فإن الشيء الذي لم يوجد ويتوقع حدوثه يكون مستقبلا ، فإذا وجد يصير حاضرا ، فإذا عدم وفني بعد ذلك يصير ماضيا ، وأيضا المستقبل في كل ساعة يصير أقرب حصولا والماضي في كل حالة أبعد حصولا ، ولهذا قال الشاعر : فلا زال ما تهواه أقرب من غد
Sorular
- Tevhid nedir; Müslümanların Allah'ın birliğine imanı?
- İslam'da imanın altı şartı nedir?
- Müslümanlar peygamberler hakkında neye inanır?
- İslam helal ve haram yiyecekler hakkında ne öğretir?
- Fâtiha Sûresi'nin anlamı nedir?
- Kur'an sabır hakkında ne öğretir?
- Kur'an hayatın amacı hakkında ne der?
- İhlas nedir ve neden önemlidir?