Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Bölüm V28/P212

الطور : ( 18 ) فاكهين بما آتاهم . . . . . > > وقوله { فاكهين } يزيد في ذلك لأن المتنعم قد يكون آثار التنعم على ظاهره وقلبه مشغول ، فلما قال : { فاكهين } يدل على غاية الطيبة ، وقوله { بما ءاتاهم ربهم } يفيد زيادة في ذلك ، لأن الفكه قد يكون خسيس النفس فيسره أدنى شيء ، ويفرح بأقل سبب ، فقال : { فاكهين } لا لدنو هممهم بل لعلو نعمهم حيث هي من عند ربهم . وقوله تعالى : { ووقاهم ربهم عذاب الجحيم } يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون المراد أنهم فاكهون بأمرين أحدهما : بما آتاهم ، والثاني : بأنه وقاهم وثانيهما : أن يكون ذلك جملة أخرى منسوقة على الجملة الأولى ، كأنه بين أنه أدخلهم جنات ونعيما ووقاهم عذاب الجحيم . ! 7 < { كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون متكئين على سرر مصفوفة وزوجناهم بحور عين } . > 7 ! < < الطور : ( 19 ) كلوا واشربوا هنيئا . . . . .

Bölüm V28/P212–V28/P213

> > فيه بيان أسباب التنعيم على الترتيب ، فأول ما يكون المسكن وهو الجنات ثم الأكل والشرب ، ثم الفرش والبسط ثم الأزواج ، فهذه أمور أربعة ذكرها الله على الترتيب ، وذكر في كل واحد منها ما يدل على كماله قوله { جنات } إشارة إلى المسكن والمسكن للجسم ضروري وهو المكان ، فقال : { فاكهين } لأن مكان التنعيم قد ينتغص بأمور وبين سبب الفكاهة وعلو المرتبة يكون مما آتاهم الله ، وقد ذكرنا هذا ، وأما في الأكل والشرب والإذن المطلق فترك ذكر المأكول والمشروب لتنوعهما وكثرتهما ، وقوله تعالى : { هنيئا } إشارة إلى خلوهما عما يكون فيها من المفاسد في الدنيا ، منها أن الآكل يخاف من المرض فلا يهنأ له الطعام ، ومنها أنه يخاف النفاد فلا يسخو بالأكل والكل منتف في الجنة فلا مرض ولا انقطاع ، فإن كل أحد عنده ما يفضل عنه ، ولا إثم ولا تعب في تحصيله ، فإن الإنسان في الدنيا ربما يترك لذة الأكل لما فيه من تهيئة المأكول بالطبخ والتحصيل من التعب أو المنة أو ما فيه من قضاء الحاجة واستقذار ما فيه ، فلا يتهنأ ، وكل ذلك في الجنة منتف . وقوله تعالى : { بما كنتم تعملون } إشارة إلى أنه تعالى يقول / أي مع أني ربكم وخالقكم وأدخلتكم بفضلي الجنة ، وإنما منتي عليكم في الدنيا إذ هديتكم ووفقتكم للأعمال الصالحة كما قال تعالى : { بل الله يمن عليكم أن هداكم للايمان } ( الحجرات : 17 ) . وأما اليوم فلا من عليكم لأن هذا إنجاز الوعد فإن قيل قال في حق الكفار { إنما تجزون ما كنتم تعملون } ( التحريم : 7 ) وقال في حق المؤمنين { بما كنتم تعملون } فهل بينهما فرق ؟ قلت بينهما بون عظيم من وجوه الأول : كلمة { إنما } للحصر أي لا تجزون إلا ذلك ، ولم يذكر هذا في حق المؤمن فإنه يجزيه أضعاف ما عمل ويزيده من فضله ، وحينئذ إن كان يمن الله على عبده فيمن بذلك لا بالأكل والشرب الثاني : قال هنا { بما كنتم } وقال هناك { ما كنتم } أي تجزون عين أعمالكم إشارة إلى المبالغة في المماثلة كما تقول هذا عين ما عملت وقد تقدم بيان هذا وقال في حق المؤمن { بما كنتم } كأن ذلك أمر ثابت مستمر بعملكم هذا الثالث : ذكر الجزاء هناك وقال ههنا { بما كنتم تعملون } لأن الجزاء ينبىء عن الانقطاع فإن من أحسن إلى أحد فأتى بجزائه لا يتوقع المحسن منه شيئا آخر . فإن قيل فالله تعالى قال في مواضع { جزاء بما كانوا يعملون } ( الأحقاف : 14 ) في الثواب ، نقول في تلك المواضع لما لم يخاطب المجزي لم يقل تجزى وإنما أتى بما يفيد العالم بالدوام وعدم الانقطاع . وأما في السرر فذكر أمورا أيضا أحدها : الاتكاء فإنه هيئة تختص بالمنعم ، والفارغ الذي لا كلفة عليه ولا تكلف لديه فإن من يكون عنده من يتكلف له يجلس له ولا يتكىء عنده ، ومن يكون في مهم لا يتفرغ للاتكاء فالهيئة دليل خير .

Bölüm V28/P213–V28/P214

ثم الجمع يحتمل أمرين أحدهما : أن يكون لكل واحد سرر وهو الظاهر لأن قوله { مصفوفة } يدل على أنها لواحد لأن سرر الكل لا تكون في موضع واحد مصطفة ولفظ السرير فيه حروف السرور بخلاف التخت وغيره ، وقوله { مصفوفة } دليل على أنه لمجرد العظم فإنها لو كات متفرقة لقيل في كل موضع واحد ليتكىء عليه صاحبه إذا حضر في هذا الموضع ، وقوله تعالى : { وزوجناهم } إشارة إلى النعمة الرابعة وفيها أيضا ما يدل على كمال الحال من وجوه أحدها : أنه تعالى هو المزوج وهو يتولى الطرفين يزوج عباده بأمانه ومن يكون كذلك لا يفعل إلا ما فيه راحة العباد والإماء ثانيها : قال : { وزوجناهم بحور } ولم يقل وزوجناهم حورا مع أن لفظة التزويج يتعدى فعله إلى مفعولين بغير حرف يقال زوجتكها قال تعالى : { فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها } ( الأحزاب : 37 ) وذلك إشارة إلى أن المنفعة في التزويج لهم وإنما زوجوا للذتهم بالحور لا للذة الحور بهم وذلك لأن المفعول بغير حرف يعلق الفعل به كذلك التزويج تعلق بهم ثم بالحور ، لأن ذلك بمعنى جعلنا ازدواجهم بهذا الطريق وهو الحور ثالثها : عدم الاقتصار على الزوجات بل وصفهن بالحسن واختار الأحسن من الأحسن ، فإن أحسن ما في صورة الآدمي وجهه وأحسن ما في الوجه العين ، ولأن الحور والعين يدلان على حسن المزاج في الأعضاء ووفرة المادة في الأرواح ، أما حسن المزاج فعلامته الحور ، وأما وفرة الروح فإن سعة العين بسبب كثرة الروح المصوبة إليها ، فإن قيل قوله { زوجناهم } ذكره بفعل ماض و { تكذبان متكئين } حال ولم يسبق ذكر فعل ماض / يعطف عليه ذلك وعطف الماضي على الماضي والمستقبل على المستقبل أحسن ، نقول الجواب من وجوه اثنان لفظيان ومعنوي أحدها : أن ذلك حسن في كثير من المواضع ، تقول جاء زيد ويجيء عمرا وخرج زيد ثانيها : أن قوله تعالى : { إن المتقين فى جنات ونعيم } تقديره أدخلناهم في جنات ، وذلك لأن الكلام على تقدير أن في اليوم الذي يدع الكافر في النار في ذلك الوقت يكون المؤمن قد أدخل مكانه ، فكأنه تعالى يقول في يوم يدعون إلى نار جهنم إن المتقين كائنون في جنات والثالث : المعنوي وهو أنه تعالى ذكر مجزاة الحكم ، فهو في هذا اليوم زوج عباده حورا عينا ، وهن منتظرات الزفاف يوم الآزفة .

Bölüm V28/P214–V28/P215

< < الطور : ( 21 ) والذين آمنوا واتبعتهم . . . . . > > ثم قال تعالى : { والذين ءامنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم } وفيه لطائف الأولى : أن شفقة الأبوة كما هي في الدنيا متوفرة كذلك في الآخرة ، ولهذا طيب الله تعالى قلوب عباده بأنه لا يولههم بأولادهم بل يجمع بينهم ، فإن قيل قد ذكرت في تفسير بعض الآيات أن الله تعالى يسلي الآباء عن الأبناء وبالعكس ، ولا يتذكر الأب الذي هو من أهل الجنة الابن الذي هو من أهل النار ، نقول الولد الصغير وجد في والده الأبوة الحسنة ولم يوجد لها معارض ولهذا ألحق الله الولد بالوالد في الإسلام في دار الدنيا عند الصغر وإذا كبر استقل ، فإن كفر ينسب إلى غير أبيه ، وذلك لأن الإسلام للمسلمين كالأب ولهذا قال تعالى : { إنما المؤمنون إخوة } ( الحجرات : 10 ) جمع أخ بمعنى أخوة الولادة والإخوان جمعه بمعنى أخوة الصداقة والمحبة فإذن الكفر من حيث الحس والعرف أب ، فإن خالف دينه دين أبيه صار له من حيث الشرع أب آخر ، وفيه أرشاد الآباء إلى أن لا يشغلهم شيء عن الشفقة على الولد فيكون من القبيح الفاحش أن يشتغل الإنسان بالتفرج في البستان مع الأحبة الإخوان وعن تحصيل قوت الولدان ، وكيف لا يشتغل أهل الجنة بما في الجنة من الحور العين عن أولادهم حتى ذكروهم فأراح الله قلوبهم بقوله { ألحقنا بهم } وإذا كان كذلك فما ظنك بالفاسق الذي يبذر ماله في الحرام ويترك أولاده يتكففون وجوه اللئام والكرام ، نعوذ بالله منه وهذا يدل على أن من يورث أولاده مالا حلالا يكتب له به صدقة ، ولهذا لم يجوز للمريض التصرف في أكثر من الثلث . اللطيفة الثانية : قوله تعالى : { ءامنوا واتبعتهم ذريتهم } فهذا ينبغي أن يكون دليلا على أنا في الآخرة نلحق بهم لأن في دار الدنيا مراعاة الأسباب أكثر . ولهذا لم يجر الله عادته على أن يقدم بين يدي الإنسان طعاما من السماء ، فما يتسبب له بالزراعة والطحن والعجن لا يأكله ، وفي الآخرة / يؤتيه ذلك من غير سعي جزاء له على ما سعى له من قبل فينبغي أن يجعل ذلك دليلا ظاهرا على أن الله تعالى يلحق به ولده وإن لم يعمل عملا صالحا كما أتبعه ، وإن لم يشهد ولم يعتقد شيئا . اللطيفة الثالثة : في قوله تعالى : { بإيمان } فإن الله تعالى أتبع الولد الوالدين في الإيمان ولم يتبعه أباه في الكفر بدليل أن من أسلم من الكفار حكم بإسلام أولاده ، ومن ارتد من المسلمين والعياذ بالله لا يحكم بكفر ولده . اللطيفة الرابعة : قال في الدنيا { اتبعناهم } وقال في الآخرة { بإيمان ألحقنا بهم } وذلك لأن في الدنيا لا يدرك الصغير التبع مساوات المتبوع ، وإنما يكون هو تبعا والأب أصلا لفضل الساعي على غير الساعي ، وأما في الآخرة فإذا ألحق الله بفضله ولده به جعل له من الدرجة مثل ما لأبيه . اللطيفة الخامسة : في قوله تعالى : { وما ألتناهم } تطييب لقلبهم وإزالة وهم المتوهم أن ثواب عمل الأب يوزع على الوالد والولد بل للوالد أجر عمله بفضل السعي ولأولاده مثل ذلك فضلا من الله ورحمة .

Bölüm V28/P215

اللطيفة السادسة : في قوله تعالى : { من عملهم } ولم يقل من أجرهم ، وذلك لأن قوله تعالى : { وما ألتناهم من عملهم } دليل على بقاء عملهم كما كان والأجر على العمل مع الزيادة فيكون فيه الإشارة إلى بقاء العمل الذي له الأجر الكبير الزائد عليه العظيم العائد إليه ، ولو قال : ما ألتناهم من أجرهم / لكان ذلك حاصلا بأدنى شيء لأن كل ما يعطي الله عبده على عمله فهو أجر كامل ولأنه لو قال تعالى ما ألتناهم من أجرهم ، كان مع ذلك يحتمل أن يقال إن الله تعالى تفضل عليه بالأجر الكامل على العمل الناقص ، وأعطاه الأجر الجزيل ، مع أن عمله كان له ولولده جميعا ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : قوله تعالى : { والذين ءامنوا } عطف على ماذا ؟ نقول على قوله { إن المتقين } ( الطور : 17 ) . المسألة الثانية : إذا كان كذلك فلم أعاد لفظ { الذين كفروا } وكان المقصود يحصل بقوله تعالى : { وألحقنا بهم ذرياتهم } بعد قوله { وإستبرق متقابلين كذلك وزوجناهم } ( الطور : 20 ) وكان يصير التقدير وزوجناهم وألحقنا بهم ؟ نقول فيه فائدة وهو أن المتقين هم الذين اتقوا الشرك والمعصية وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقال ههنا { الذين كفروا } أي بوجود الإيمان يصير ولده من أهل الجنة ، ثم إن ارتكب الأب كبيرة أو صغيرة على صغيرة لا يعاقب به ولده بل الوالد وربما يدخل الجنة الابن قبل الأب ، وفيه لطيفة معنوية ، وهو أنه ورد في الأخبار أن الولد الصغير يشفع لأبيه وذلك إشارة إلى الجزاء . المسألة الثالثة : هل يجوز غير ذلك ؟ نقول نعم يجوز أن يكون قوله تعالى : { والذين ءامنوا } عطفا على { بحور عين } ( الطور : 20 ) تقديره : زوجناهم بحور عين ، أي قرناهم بهن ، وبالذين آمنوا ، إشارة إلى قوله تعالى : { إخوانا على سرر متقابلين } ( الحجر : 47 ) أي جمعنا شملهم بالأزواج والإخوان والأولاد بقوله تعالى : { وأتبعناهم } وهذا الوجه ذكره الزمخشري والأول أحسن وأصح ، فإن قيل كيف يصح على / هذا الوجه الإخبار بلفظ الماضي مع أنه سبحانه وتعالى بعد ما قرن بينهم ؟ قلنا صح في وزوجناهم على ما ذكر الله تعالى من تزويجهن منا من يوم خلقهن وإن تأخر زمان الاقتران . المسألة الرابعة : قرىء { ذرياتهم } في الموضعين بالجمع وذريتهم فيهما بالفرد ، وقرىء في الأول { ذرياتهم } وفي الثانية { واتبعتهم ذريتهم } فهل للثالث وجه ؟ نقول نعم معنوي لا لفظي وذلك لأن المؤمن تتبعه ذرياته في الإيمان ، وإن لم توجد على معنى أنه لو وجد له ألف ولد لكانوا أتباعه في الإيمان حكما ، وأما الإلحاق فلا يكون حكما إنما هو حقيقة وذلك في الموجود فالتابع أكثر من الملحوق فجمع في الأول وأفرد الثاني .

Bölüm V28/P215–V28/P216

المسألة الخامسة : ما الفائدة في تنكير الإيمان في قوله { وأتبعناهم ذريتهم بإيمان } ؟ نقول هو إما التخصيص أو التنكير كأنه يقول : أتبعناهم ذرياتهم بإيمان مخلص كامل أو يقول أتبعناهم بإيمان ما أي شيء منه فإن الإيمان كاملا لا يوجد في الولد بدليل أن من له ولد صغير حكم بإيمانه فإذا بلغ وصرح بالكفر وأنكر التبعية قيل بأنه لا يكون مرتدا وتبين بقول إنه لم يتبع وقيل بأنه يكون مرتدا لأنه كفر بعد ما حكم بإيمانه كالمسلم الأصلي فإذن بهذا الخلاف تبين أن إيمانه يقوى وهذان الوجهان ذكرهما الزمخشري ، ويحتمل أن يكون المراد غير هذا وهو أن يكون التنوين للعوض عن المضاف إليه كما في قوله تعالى : { بعضهم ببعض } ( البقرة : 251 ) وقوله تعالى : { وكلا وعد الله الحسنى } ( النساء : 95 ) وبيانه هو أن التقدير أتبعناهم ذرياتهم بإيمان أي بسبب إيمانهم لأن الاتباع ليس بإيمان كيف كان وممن كان ، وإنما هو إيمان الآباء لكن الإضافة تنبىء عن تقييد وعدم كون الإيمان إيمانا على الإطلاق ، فإن قول القائل ماء الشجر وماء الرمان يصح وإطلاق اسم الماء من غير إضافة لا يصح فقوله { بإيمان } يوهم أنه إيمان مضاف إليهم / كما قال تعالى : { فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا } ( غافر : 85 ) حيث أثبت الإيمان المضاف ولم يكن إيمانا ، فقطع الإضافة مع إرادتها ليعلم أنه إيمان صحيح وعوض التنوين ليعلم أنه لا يوجب الأمان في الدنيا إلا إيمان الآباء وهذا وجه حسن . ! 7 < { والذين ءامنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم ومآ ألتناهم من عملهم من شىء كل امرىء بما كسب رهين } . > 7 ! ثم قال تعالى : { كل امرىء بما كسب رهين } قال الواحدي : هذا عود إلى ذكر أهل النار فإنهم مرتهنون في النار ، وأما المؤمن فلا يكون مرتهنا قال تعالى : { كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين } ( المدثر : 38 ، 39 ) وهو قول مجاهد وقال الزمخشري { كل امرىء بما كسب رهين } عام في كل أحد مرهون عند الله بالكسب فإن كسب خيرا فك رقبته وإلا أربق بالرهن والذي يظهر منه أنه عام في حق كل أحد ، وفي الآية وجه آخر وهو أن يكون الرهين فعيلا بمعنى الفاعل ، فيكون المعنى والله أعلم كل امرىء بما كسب راهن أي دائم ، إن أحسن ففي الجنة مؤبدا ، وإن أساء ففي النار مخلدا ، / وقد ذكرنا أن في الدنيا دوام الأعمال بدوام الأعيان فإن العرض لا يبقى إلا في جوهر ولا يوجد إلا فيه ، وفي الآخرة دوام الأعيان بدوام الأعمال فإن الله يبقي أعمالهم لكونها عند الله تعالى من الباقيات الصالحات وما عند الله باق والباقي يبقى مع عامله . ! 7 < { وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون } . > 7 ! < < الطور : ( 22 ) وأمددناهم بفاكهة ولحم . . . . . > > أي زدناهم مأكولا ومشروبا ، أما المأكول فالفاكهة واللحم ، وأما المشروب فالكأس الذي يتنازعون فيها ، وفي تفسيرها لطائف :

Bölüm V28/P216–V28/P217

اللطيفة الأولى : لما قال : { ألحقنا بهم } ( الطور : 21 ) بين الزيادة ليكون ذلك جاريا على عادة الملوك في الدنيا إذا زادوا في حق عبد من عبيدهم يزيدون في أقدار أخبازهم وأقطاعهم ، واختار من المأكول أرفع الأنواع وهو الفاكهة واللحم فإنهما طعام المتنعمين ، وجمع أوصافا حسنة في قوله مما يشتهون ، لأنه لو ذكر نوعا فربما يكون ذلك النوع غير مشتهى عند بعض الناس فقال كل أحد يعطى ما يشتهي ، فإن قيل الاشتهاء كالجوع وفيه نوع ألم ، نقول ليس كذلك ، بل الاشتهاء به اللذة والله تعالى لا يتركه في الاشتهاء بدون المشتهي حتى يتألم ، بل المشتهي حاصل مع الشهوة والإنسان في الدنيا لا يتألم إلا بأحد أمرين ، إما باشتهاء صادق وعجزه عن الوصول إلى المشتهي ، وإما بحصول أنواع الأطعمة والأشربة عنده وسقوط شهوته وكلاهما منتف في الآخرة . اللطيفة الثانية : لما قال : { ذريتهم وما ألتناهم } ونفي النقصان يصدق بحصول المساوي ، فقال ليس عدم النقصان بالاقتصار على المساوي ، بطريق آخر وهو الزيادة والإمداد ، فإن قيل أكثر الله من ذكر الأكل والشرب ، وبعض العارفين يقولون لخاصة الله بالله شغل شاغل عن الأكل والشرب وكل ما سوى الله ، نقول هذا على العمل ، ولهذا قال تعالى : { جزاء بما كانوا يعملون } ( الواقعة : 24 ) وقال : { بما كنتم تعملون } ( الطور : 16 ) وأما على العلم بذلك فذلك ، ولهذا قال : { لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون سلام قولا من رب رحيم } أي للنفوس ما تتفكه به ، وللأرواح ما تتمناه من القربة والزلفى . ! 7 < { يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ولا تأثيم } . > 7 < الطور : ( 23 ) يتنازعون فيها كأسا . . . . . > > وقوله تعالى : { يتنازعون فيها كأسا } فيكون ذلك على عادة الملوك إذا جلسوا في مجالسهم للشرب يدخل عليهم بفواكه ولحوم وهم على الشرب ، وقوله تعالى : { يتنازعون } أي يتعاطون ويحتمل أن يقال التنازع التجاذب وحينئذ يكون تجاذبهم تجاذب ملاعبة لا تجاذب منازعة ، وفيه نوع لذة وهو بيان ما هو عليه حال الشراب في الدنيا فإنهم يتفاخرون بكثرة الشرب ولا يتفاخرون بكثرة الأكل ، ولهذا إذا شرب أحدهم يرى الآخر واجبا أن يشرب مثل ما شربه حريفه ولا يرى واجبا أن يأكل مثل ما أكل نديمه وجليسه . وقوله تعالى : { لا لغو فيها ولا تأثيم } وسواء قلنا { فيها } عائدة إلى الجنة أو إلى الكأس فذكرهما / لجريان ذكر الشراب وحكايته على ما في الدنيا ، فقال تعالى ليس في الشرب في الآخرة كل ما فيه في الدنيا من اللغو بسبب زوال العقل ومن التأثيم الذي بسبب نهوض الشهوة والغضب عند وفور العقل والفهم ، وفيه وجه ثالث ، وهو أن يقال لا يعتريه كما يعتري الشارب بالشرب في الدنيا فلا يؤثم أي لا ينسب إلى إثم ، وفيه وجه رابع ، وهو أن يكون المراد من التأثيم السكر ، وحينئذ يكون فيه ترتيب حسن وذلك لأن من الناس من يسكر ويكون رزين العقل عديم اعتياد العربدة فيسكن وينام ولا يؤذي ولا يتأذى ولا يهذي ولا يسمع إلى من هذى ، ومنهم من يعربد فقال : { لا لغو فيها } . ! 7 < { ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون } . > 7 < الطور : ( 24 ) ويطوف عليهم غلمان . . . . . > >

Bölüm V28/P217–V28/P218

أي بالكؤوس وقال تعالى : { يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين } ( الواقعة : 17 ، 18 ) وقوله { لهم } أي ملكهم إعلاما لهم بقدرتهم على التصرف فيهم بالأمر والنهي والاستخدام وهذا هو المشهور ويحتمل وجها آخر وهو أنه تعالى لما بين امتياز خمر الآخرة عن خمر الدنيا بين امتياز غلمان الآخرة عن غلمان الدنيا ، فإن الغلمان في الدنيا إذا طافوا على السادة الملوك يطوفون عليهم لحظ أنفسهم إما لتوقع النفع أو لتوفر الصفح ، وأما في الآخرة فطوفهم عليهم متمخض لهم ولنفعهم ولا حاجة لهم إليهم والغلام الذي هذا شأنه له مزية على غيره وربما يبلغ درجة الأولاد . وقوله تعالى : { كأنهم لؤلؤ } أي في الصفاء ، و { مكنون } ليفيد زيادة في صفاء ألوانهم أو لبيان أنهم كالمخدرات لا بروز لهم ولا خروج من عندهم فهم في أكنافهم . ! 7 < { وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون قالوا إنا كنا قبل فىأهلنا مشفقين فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم } . > 7 ! < < الطور : ( 25 ) وأقبل بعضهم على . . . . . > > إشارة إلى أنهم يعلمون ما جرى عليهم في الدنيا ويذكرونه ، وكذلك الكافر لا ينسى ما كان له من النعيم في الدنيا ، فتزداد لذة المؤمن من حيث يرى نفسه انتقلت من السجن إلى الجنة ومن الضيق إلى السعة ، ويزداد الكافر ألما حيث يرى نفسه منتقلة من الشرف إلى التلف ومن النعيم إلى الجحيم ، ثم يتذكرون ما كانوا / عليه في الدنيا من الخشية والخوف ، فيقولون { إنا كنا قبل فى أهلنا مشفقين } وهو أنهم يكون تساؤلهم عن سبب ما وصلوا إليه فيقولون خشية الله كنا نخاف الله { فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم } وفيه لطيفة وهو أن يكون إشفاقهم على فوات الدنيا والخروج منها ومفارقة الإخوان ثم لما نزلوا الجنة علموا خطأهم . ! 7 < { فذكر فمآ أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون قل تربصوا فإنى معكم من المتربصين } . > 7 ! < < الطور : ( 29 ) فذكر فما أنت . . . . . > > وتعلق الآية بما قبلها ظاهر لأنه تعالى بين أن في الوجود قوما يخافون الله ويشفقون في أهليهم ، والنبي صلى الله عليه وسلم مأمور بتذكير من يخاف الله تعالى بقوله { فذكر بالقرءان من يخاف وعيد } ( ق: 45 ) فحقق من يذكره فوجب التذكير ، وأما الرسول عليه السلام فليس له إلا الإتيان بما أمر به ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : في الفاء في قوله { فذكر } قد علم تعلقه بما قبله فحسن ذكره بالفاء . المسألة الثانية : معنى الفاء في قوله { فما أنت } أيضا قد علم أي أنك لست بكاهن فلا تتغير ولا تتبع أهواءهم ، فإن ذلك سيرة المزور { فذكر } فإنك لست بمزور ، وذلك سبب التذكير . المسألة الثالثة : ما وجه تعلق قوله { نتربص به ريب المنون } بقوله { شاعر } ؟ نقول فيه وجهان الأول : أن العرب كانت تحترز عن إيذاء الشعراء وتتقي ألسنتهم ، فإن الشعر كان عندهم يحفظ ويدون ، وقالوا لا نعارضه في الحال مخافة أن يغلبنا بقوة شعره ، وإنما سبيلنا الصبر وتربص موته الثاني : أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول إن الحق دين الله ، وإن الشرع الذي أتيت به يبقى أبد الدهر وكتابي يتلى إلى قيام الساعة ، فقالوا ليس كذلك إنما هو شاعر ، والذي يذكره في حق آلهتنا شعر ولا ناصر له وسيصيبه من بعض آلهتنا الهلاك فنتربص به ذلك .

Bölüm V28/P218–V28/P219

المسألة الرابعة : ما معنى ريب المنون ؟ نقول قيل هو اسم للموت فعول من المن وهو القطع والموت قطوع ، ولهذا سمي بمنون ، وقيل المنون الدهر وريبه حوادثه ، وعلى هذا قولهم { نتربص } يحتمل وجها آخر ، وهو أن يكون المراد أنه إذا كان شاعرا فصروف الزمان ربما تضعف ذهنه وتورث وهنه فيتبين لكل فساد أمره وكساد شعره . المسألة الخامسة : كيف قال : { تربصوا } بلفظ الأمر وأمر النبي صلى الله عليه وسلم يوجب المأمور ( به ) أو يفيد جوازه ، وتربصهم ذلك كان حراما ؟ نقول ذلك ليس بأمر وإنما هو تهديد معناه تربصوا ذلك فإنا نتربص الهلاك بكم على حد ما يقول السيد الغضبان لعبده افعل ما شئت فإني لست عنك / بغافل وهو أمر لتهوين الأمر على النفس ، كما يقول القائل لمن يهدده برجل ويقول أشكوك إلى زيد فيقول اشكني أي لا يهمني ذلك وفيه زيادة فائدة ، وذلك لأنه لو قال لا تشكني لكان ذلك دليل الخوف وينافيه معناه ، فأتى بجواب تام من حيث اللفظ والمعنى ، فإن قيل لو كان كذلك لقال تربصوا أو لا تربصوا كما قال : { فاصبروا أو لا تصبروا } ( الطور : 16 ) نقول ليس كذلك لأنه إذا قال القائل فيما ذكرناه من المثال اشكني أو لا تشكني يكون ذلك مفيدا عدم خوفه منه ، فإذا قال اشكني يكون أدل على عدم الخوف ، فكأنه يقول أنا فارغ عنه ، وإنما أنت تتوهم أنه يفيد فافعل حتى يبطل اعتقادك . المسألة السادسة : في قوله تعالى : { فإنى معكم من المتربصين } وهو يحتمل وجوها أحدها : إني معكم من المتربصين أتربص هلاككم وقد أهلكوا يوم بدر وفي غيره من الأيام هذا ما عليه الأكثرون والذي نقوله في هذا المقام هو أن الكلام يحتمل وجوها وبيانها هو أن قوله تعالى : { نتربص به ريب المنون } إن كان المراد من المنون الموت فقوله { إنى معكم من المتربصين } معناه إني أخاف الموت ولا أتمناه لا لنفسي ولا لأحد / لعدم علمي بما قدمت يداه وإنما أنا نذير وأنا أقول ما قال ربي { أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم } ( آل عمران : 144 ) فتربصوا موتي وأنا متربصه ولا يسركم ذلك لعدم حصول ما تتوقعون بعدي ، ويحتمل أن يكون كما قيل تربصوا موتي فإني متربص موتكم بالعذاب ، وإن قلنا المراد من ريب المنون صروف الدهر فمعناه إنكار كون صروف الدهر مؤثرة فكأنه يقول أنا من المتربصين حتى أبصر ماذا يأتي به دهركم الذي تجعلونه مهلكا وماذا يصيبني منه ، وعلى التقديرين فنقول النبي صلى الله عليه وسلم يتربص ما يتربصون ، غير أن في الأول : تربصه مع اعتقاد الوقوع ، وفي الثاني : تربصه مع اعتقاد عدم التأثير ، على طريقة من يقول أنا أيضا أنتظر ما ينتظره حتى أرى ماذا يكون منكرا عليه وقوع ما يتوقع وقوعه ، وإنما هذا لأن ترك المفعول في قوله { إنى معكم من المتربصين } لكونه مذكورا وهو ريب المنون أولى من تركه وإرادة غير المذكور وهو العذاب الثاني : أتربص صروف الدهر ليظهر عدم تأثيرها فهو لم يتربص بهم شيئا على الوجهين ، وعلى هذا الوجه يتربص بقاءه بعدهم وارتفاع كلمته فلم يتربص بهم شيئا على الوجوه التي اخترناها فقال : { إنى معكم من المتربصين } . ! 7 < { أم تأمرهم أحلامهم بهاذآ أم هم قوم طاغون } . > 7 ! < < الطور : ( 32 ) أم تأمرهم أحلامهم . . . . .

Bölüm V28/P219–V28/P220

> > وأم هذه أيضا على ما ذكرنا متصلة تقديرها أنزل عليهم ذكر ؟ أم تأمرهم أحلامهم بهذا ؟ وذلك لأن الأشياء إما أن تثبت بسمع وإما أن تثبت بعقل فقال هل ورد أمر سمعي ؟ أم عقولهم تأمرهم بما كانوا يقولون ؟ أم هم قوم طاغون يغترون ، ويقولون ما لا دليل عليه سمعا ولا مقتضى له عقلا ؟ والطغيان مجاوزة الحد في العصيان وكذلك كل شيء ظاهره مكروه ، قال الله تعالى : { إنا لما طغا الماء } ( الحاقه : 11 ) وفيه مسائل : / المسألة الأولى : إذا كان المراد ما ذكرت فلم أسقط ما يصدر به ؟ تقول لأن كون ما يقولون به مسندا إلى نقل معلوم عدمه لا ينفى ، وأما كونه معقولا فهم كانوا يدعون أنه معقول ، وأما كونهم طاغين فهو حق ، فخص الله تعالى بالذكر ما قالوا به وقال الله به ، فهم قالوا نحن نتبع العقل ، والله تعالى قال هم طاغون فذكر الأمرين اللذين وقع فيهما الخلاف . المسألة الثانية : قوله { تأمرهم أحلامهم } إشارة إلى أن كل ما لا يكون على وفق العقل ، لا ينبغي أن يقال ، وإنما ينبغي أن يقال ما يجب قوله عقلا ، فهل صار ( كل ) واجب عقلا مأمورا به . المسألة الثالثة : ما الأحلام ؟ نقول جمع حلم وهو العقل وهما من باب واحد من حيث المعنى ، لأن العقل يضبط المرء فيكون كالبعير المعقول لا يتحرك من مكانه ، والحلم من الحلم وهو أيضا سبب وقار المرء وثباته ، وكذلك يقال للعقول النهى من النهي وهو المنع ، وفيه معنى لطيف وهو أن الحلم في أصل اللغة هو ما يراه النائم فينزل ويلزمه الغسل ، وهو سبب البلوغ وعنده يصير الإنسان مكلفا ، وكأن الله تعالى من لطيف حكمته قرن الشهوة بالعقل وعند ظهور الشهوة كمل العقل فأشار إلى العقل بالإشارة إلى ما يقارنه وهو الحلم ، ليعلم أنه نذير كمال العقل ، لا العقل الذي به يحترز الإنسان تخطىء الشرك ودخول النار ، وعلى هذا ففيه تأكيد لما ذكرنا أن الإنسان لا ينبغي أن يقول كل معقول ، بل لا يقول إلا ما يأمر به العقل الرزين الذي يصحح التكليف . المسألة الرابعة : هذا إشارة إلى ماذا ؟ نقول فيه وجوه الأول : أن يكون هذا إشارة مهمة ، أي بهذا الذي يظهر منهم قولا وفعلا حيث يعبدون الأصنام والأوثان ويقولون الهذيان من الكلام الثاني : هذا إشارة إلى قولهم هو كاهن هو شاعر هو مجنون الثالث : هذا إشارة إلى التربص فإنهم لما قالوا نتربص قال الله تعالى أعقولهم تأمرهم بتربص هلاكهم فإن أحدا لم يتوقع هلاك نبيه إلا وهلك . المسألة الخامسة : هل يصح أن تكون أم في هذا الموضع بمعنى بل ؟ نقول نعم ، تقديره يقولون : إنه شاعر قولا بل يعتقدونه عقلا ويدخل في عقولهم ذلك ، أي ليس ذلك قولا منهم من غير عقل بل يعتقدون كونه كاهنا ومجنونا ، ويدل عليه قراءة من قرأ بل هم قوم طاغون ، لكن بل ههنا واضح وفي قوله بل تأمرهم أحلامهم خفي . ! 7 < { أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون } . > 7 ! < < الطور : ( 33 ) أم يقولون تقوله . . . . . > > وهو متصل بقوله تعالى { أم يقولون شاعر نتربص به } ( الطور : 30 ) وتقديره على ما ذكرنا أتقولون كاهن ، أم تقولون شاعر ، أم تقوله . ! 7 < { فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين } . > 7 ! < < الطور : ( 34 ) فليأتوا بحديث مثله . . . . .

Bölüm V28/P220–V28/P221

> > ثم قال لبطلان جميع الأقسام { فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين } أي إن كان هو شاعرا ففيكم الشعراء البلغاء والكهنة الأذكياء ومن يرتجل الخطب والقصائر ويقص القصص ولا يختلف / الناقص والزائد فليأتوا بمثل ما أتى به ، والتقول يراد به الكذب . وفيه إشارة إلى معنى لطيف وهو أن التفعل للتكلف وإراءة الشيء وهو ليس على ما يرى يقال تمرض فلان أي لم يكون مريضا وأرى من نفسه المرض وحينئذ كأنهم كانوا يقولون كذب وليس بقول إنما هو تقول صورة القول وليس في الحقيقة به ليعلم أن المكذب هو الصادق ، وقوله تعالى : { بل لا يؤمنون } بيان هذا أنهم كانوا في زمان نزول الوحي وحصول المعجزة كانوا يشاهدونها وكان ذلك يقتضي أن يشهدوا له عند غيرهم ويكونوا كالنجوم للمؤمنين كما كانت الصحابة رضي الله عنهم وهم لم يكونوا كذلك بل أقل من ذلك لم يكونوا أيضا وهو أن يكونوا من آحاد المؤمنين الذين لم يشهدوا تلك الأمور ولم يظهر الأمر عندهم ذلك الظهور . وقوله تعالى : { فليأتوا } الفاء للتعقيب أي إذا كان كذلك فيجب عليهم أن يأتوا بمثل ما أتى به ليصحح كلامهم ويبطل كلامه وفيه مباحث : الأول : قال بعض العلماء { فليأتوا } أمر تعجيز بقول القائل لمن يدعي أمرا أو فعلا ويكون غرضه إظهار عجزه ، والظاهر أن الأمر ههنا مبقي على حقيقته لأنه لم يقل : ائتوا مطلقا بل إنما قال : ائتوا إن كنتم صادقين ، وعلى هذا التقدير ووجود ذلك الشرط يجب الإتيان به وأمر التعجيز في كلام الله تعالى قوله تعالى : { إن الله يأتى بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذى كفر } ( البقرة : 258 ) وليس هذا بحثا يورث خللا في كلامهم . الثاني : قالت المعتزلة الحديث محدث والقرآن سماه حديثا فيكون محدثا ، نقول الحديث اسم مشترك ، يقال للمحدث والقديم ، ولهذا يصح أن يقال هذا حديث قديم بمعنى متقادم العهد لا بمعنى سلب الأولية وذلك لا نزاع فيه . الثالث : النحاة يقولون الصفة تتبع الموصوف في التعريف والتنكير ، لكن الموصوف حديث وهو منكر ومثل مضاف إلى القرآن والمضاف إلى المعرف معرف ، فكيف هذا ؟ نقول مثل وغير لا يتعرفان بالإضافة وكذلك كل ما هو مثلهما والسبب أن غير أو مثلا وأمثالهما في غاية التنكير ، فإنك إذا قلت ما رأيت شيئا مثل زيد يتناول كل شيء فإن كل شيء مثل زيد في كونه شيئا ، فالجماد مثله في الجسم والحجم والإمكان ، والنبات مثله في النشوء والنماء والذبول والفناء ، والحيوان مثله في الحركة والإدراك وغيرهما من الأوصاف ، وأما غير فهو عند الإضافة ينكر وعند قطع الإضافة ربما يتعرف فإنك إذا قلت غير زيد صار في غاية الإيهام فإنه يتناول أمورا لا حصر لها ، وأما إذا قطعته عن الإضافة ربما تقول الغير والمغايرة من باب واحد وكذلك التغير فتجعل الغير كأسماء الأجناس ، أو تجعله مبتدأ وتريد به معنى معينا . الرابع : { إن كانوا صادقين } أي في قولهم { تقوله } ( الطور : 33 ) وقد ذكرنا أن ذلك راجع إلى ما سبق من أنه كاهن وأن مجنون ، وأنه شاعر ، وأنه متقول ، ولو كانوا صادقين في شيء من ذلك لهان عليهم الإتيان بمثل القرآن ، ولما امتنع كذبوا في الكل .

Bölüm V28/P221–V28/P222

/ البحث الخامس : قد ذكرنا أن القرآن معجز ولا شك فيه ، فإن الخلق عجزوا عن الإتيان بمثل ما يقرب منه عند التحدي فإما أن يكون كونه معجزا لفصاحته وهو مذهب أكثر أهل السنة وإما أن يكون معجزا لصرف الله عقول العقلاء عن الإتيان بمثله / وعقله ألسنتهم عن النطق بما يقرب منه ، ومنع القادر من الإتيان بالمقدور كإتيان الواحد بفعل لا يقدر عليه غيره فإن من قال لغيره أنا أحرك هذا الجبل يستبعد منه ، وكذا إذا قال إني أفعل فعلا لا يقدر الخلق ( معه ) على حمل تفاحة من موضعها يستبعد منه على أن كل واحد فعل معجز إذا اتصل بالدعوى ، وهذا مذهب بعض المتكلمين ولا فساد فيه وعلى أن يقال هو معجز بهما جميعا . ! 7 < { أم خلقوا من غير شىء أم هم الخالقون } . > 7 ! < < الطور : ( 35 ) أم خلقوا من . . . . . > > ومن هنا لا خلاف أن { أم } ليست بمعنى بل ، لكن أكثر المفسرين على أن المراد ما يقع في صدر الكلام من الاستفهام ، إما بالهمزة فكأنه يقول أخلقوا من غير شيء أو هل ، ويحتمل أن يقال هو على أصل الوضع للاستفهام الذي يقع في أثناء الكلام وتقديره أما خلقوا ، أم خلقوا من غير شيء ، أم هم الخالقون ؟ وفيه مسائل : المسألة الأولى : ما وجه تعلق الآية بما قبلها ؟ نقول لما كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم ونسبوه إلى الكهانة والجنون والشعر وبرأه الله من ذلك ، ذكر الدليل على صدقه إبطالا لتكذيبهم وبدأ بأنفسهم ، كأنه يقول كيف يكذبونه وفي أنفسهم دليل صدقه لأن قوله في ثلاثة أشياء في التوحيد والحشر والرسالة ففي أنفسهم ما يعلم به صدقه ، وبيانه هو أنهم خلقوا وذلك دليل التوحيد لما بينا أن في كل شيء له آية ، تدل على أنه واحد ، وقد بينا وجهه مرارا فلا نعيده . وأما الحشر فلأن الخلق الأول دليل على جواز الخلق الثاني وإمكانه ، ويدل على ما ذكرنا أن الله تعالى ختم الاستفهامات بقوله { أم لهم إلاه غير الله سبحان الله عما يشركون } ( الطور : 43 ) . المسألة الثانية : إذا كان الأمر على ما ذكرت فلم حذف قوله أما خلقوا ؟ نقول : لظهور انتفاء ذلك ظهورا لا يبقى معه للخلاف وجه ، فإن قيل فلم لم يصدر بقوله أما خلقوا ويقول أم خلقوا من غير شيء ؟ نقول ليعلم أن قبل هذا أمرا منفيا ظاهرا ، وهذا المذكور قريب منه في ظهور البطلان فإن قيل قوله { أم خلقوا من غير شىء } أيضا ظاهر البطلان ، لأنهم علموا أنهم مخلوقون من تراب وماء ونطفة ، نقول الأول أظهر في البطلان لأن كونهم غير مخلوقين أمر يكون مدعيه منكرا للضرورة فمنكره منكر لأمر ضروري .

Bölüm V28/P222–V28/P223

المسألة الثالثة : ما المراد من قوله تعالى : { من غير شىء } نقول فيه وجوه المنقول منها أنهم / خلقوا من غير خالق وقيل إنهم خلقوا لا لشيء عبثا ، وقيل إنهم خلقوا من غير أب وأم ، ويحتمل أن يقال أم خلقوا من غير شيء ، أي ألم يخلقوا من تراب أو من ماء ، ودليله قوله تعالى : { ألم نخلقكم من ماء مهين } ( المرسلات : 20 ) ويحتمل أن يقال الاستفهام الثاني ليس بمعنى النفي بل هو بمعنى الإثبات قال الله تعالى : { ءأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون } ( الواقعة : 59 ) و { ءأنتم تزرعونه أم نحن الزرعون } ( الواقعة : 64 ) { ءأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون } ( الواقعة : 72 ) كل ذلك في الأول منفي وفي الثاني مثبت كذلك ههنا قال الله تعالى : { أم خلقوا من غير شىء } أي الصادق هو هذا الثاني حينئذ ، وهذا كما في قوله تعالى : { هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا } ( الإنسان : 8 ) فإن قيل كيف يكون ذلك الإثبات والآدمي خلق من تراب ؟ نقول والتراب خلق من غير شيء ، فالإنسان إذا نظرت إلى خلقه وأسندت النظر إلى ابتداء أمره وجدته خلق من غير شيء ، أو نقول المراد أم خلقوا من غير شيء مذكور أو معتبر وهو الماء المهين . المسألة الرابعة : ما الوجه في ذكر الأمور الثلاثة التي في الآية ؟ نقول هي أمور مرتبة كل واحد منها يمنع القول بالوحدانية والحشر فاستفهم بها ، وقال أما خلقوا أصلا ، ولذلك ينكرون القول بالتوحيد لانتفاء الإيجاد وهو الخلق ، وينكرون الحشر لانتفاء الخلق الأول أم خلقوا من غير شيء / أي أم يقولون بأنهم خلقوا لا لشيء فلا إعادة ، كما قال : { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا } ( المؤمنون : 115 ) . وعلى قولنا إن المراد خلقوا لا من تراب ولا من ماء فله وجه ظاهر ، وهو أن الخلق إذا لم يكن من شيء بل يكون إيداعيا يخفي كونه مخلوقا على بعض الأغبياء ، ولهذا قال بعضهم السماء رفع اتفاقا ووجد من غير خالق وأما الإنسان الذي يكون أولا نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم لحما وعظما لا يتمكن أحد من إنكاره بعد مشاهدة تغير أحواله فقال تعالى : { أم خلقوا } بحيث يخفى عليهم وجه خلقهم بأن خلقوا ابتداء من غير سبق حالة عليهم يكونون فيها ترابا ولا ماء ولا نطفة ليس كذلك بل هم كانوا شيئا من تلك الأشياء خلقوا منه خلقا ، فما خلقوا من غير شيء حتى ينكروا الوحدانية ولهذا قال تعالى : { يخلقكم فى بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق } ( الزمر : 6 ) ولهذا أكثر الله من قوله { خلقنا الإنسان من نطفة } ( الإنسان : 2 ) وقوله { ألم نخلقكم من ماء مهين } يتناول الأمرين المذكورين في هذا الموضع لأن قوله { ألم نخلقكم من ماء } يحتمل أن يكون نفي المجموع بنفي الخلق فيكون كأنه قال : أخلقتم لا من ماء ، وعلى قول من قال المراد منه أم خلقوا من غير شيء ، أي من غير خالق ففيه ترتيب حسن أيضا وذلك لأن نفي الصانع ، إما أن يكون بنفي كون العالم مخلوقا فلا يكون ممكنا ، وإما أن يكون ممكنا لكن الممكن لا يكون محتاجا فيقع الممكن من غير مؤثر وكلاهما محال . وأما قوله تعالى : { أم هم الخالقون } فمعناه أهم الخالقون للخلق فيعجز الخالق بكثرة العمل ، فإن دأب الإنسان أنه يعيا بالخلق ، فما قولهم أما خلقوا فلا يثبت لهم إلاه ألبتة ، أم خلقوا وخفي عليهم وجه الخلق أم جعلوا الخالق مثلهم فنسبوا إليه العجز ، ومثل قوله تعالى : { أفعيينا بالخلق الاول } ( ق: 15 ) هذا بالنسبة إلى الحشر وأما بالنسبة إلى التوحيد فهو رد عليهم حيث قالوا الأمور مختلفة واختلاف الآثار يدل على اختلاف المؤثرات وقالوا { أجعل الالهة إلاها واحدا } ( ص: 5 ) فقال تعالى : { أم هم الخالقون } حيث لا يقدر / الخباز على الخياطة والخياط على البناء وكل واحد يشغله شأن عن شأن .

Bölüm V28/P223–V28/P224

! 7 < { أم خلقوا السماوات والا رض بل لا يوقنون } . > 7 < الطور : ( 36 ) أم خلقوا السماوات . . . . . > > فيه وجوه : أحدها : ما اختاره الزمخشري وهو أنهم لا يوقنون بأنهم خلقوا وهو حينئذ في معنى قوله تعالى : { ولئن سألتهم من خلق السماوات والارض ليقولن الله } ( لقمان : 25 ) أي هم معترفون بأنه خلق الله وليس خلق أنفسهم وثانيها : المراد بل لا يوقنون بأن الله واحد وتقديره ليس الأمر كذلك أي ما خلقوا وإنما لا يوقنون بوحدة الله وثالثها : لا يوقنون أصلا من غير ذكر مفعول يقال فلان ليس بمؤمن وفلان ليس بكافر لبيان مذهبه وإن لم ينو مفعولا ، وكذلك قول القائل فلان يؤذي ويؤدي لبيان ما فيه لا مع القصد إلى ذكر مفعول ، وحينئذ يكون تقديره أنهم ما خلقوا السماوات والأرض ولا يوقنون بهذه الدلائل ، بل لا يوقنون أصلا وإن جئتهم بكل آية ، يدل عليه قوله تعالى بعد ذلك { وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم } ( الطور : 44 ) وهذه الآية إشارة إلى دليل الآفاق ، وقوله من قبل { أم خلقوا } ( الطور : 37 ) دليل الأنفس . ! 7 < { أم عندهم خزآئن ربك أم هم المسيطرون } . > 7 < الطور : ( 37 ) أم عندهم خزائن . . . . . > > فيه وجوه أحدها : المراد من الخزائن خزائن الرحمة ثانيها : خزائن الغيب ثالثها : أنه إشارة إلى الأسرار الإلاهية المخفية عن الأعيان رابعها : خزائن المخلوقات التي لم يرها الإنسان ولم يسمع بها ، وهذه الوجوه الأول والثاني منقول ، والثالث والرابع مستنبط ، وقوله تعالى : { أم هم المسيطرون } تتمة للرد عليهم ، وذلك لأنه لما قال : { أم عندهم خزائن ربك } إشارة إلى أنهم ليسوا بخزنة ( رحمة ) الله فيعلموا خزائن الله ، وليس بمجرد انتفاء كونهم خزنة ينتفي العلم لجواز أن يكون مشرفا على الخزانة ، فإن العلم بالخزائن عند الخازن والكاتب في الخزانة ، فقال لستم بخزنة ولا بكتبة الخزانة المسلطين عليها ، ولا يبعد تفسير المسيطرين بكتبة الخزانة ، لأن التركيب يدل على السطر وهو يستعمل في الكتاب ، وقيل المسيطر المسلط وقرىء بالصاد ، وكذلك في كثير من السيئات التي مع الطاء ، كما في قوله تعالى : { بمسيطر } ( الغاشية : 22 ) و ( قد قرىء ) مصيطر . ! 7 < { أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين } . > 7 ! < < الطور : ( 38 ) أم لهم سلم . . . . . > > وهو أيضا تتميم للدليل ، فإن من لا يكون خازنا ولا كاتبا قد يطلع على الأمر بالسماع من الخازن أو الكاتب ، / فقال أنتم لستم بخزنة ولا كتبة ولا اجتمعتم بهم ، لأنهم ملائكة ولا صعود لكم إليهم ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : المقصود نفي الصعود ، ولا يلزم من نفي السلم لهم نفي الصعود ، فما الجواب عنه ؟ نقول النفي أبلغ من نفي الصعود ، وهو نفي الاستماع وآخر الآية شامل للكل ، قال تعالى : { فليأت مستمعهم بسلطان مبين } . المسألة الثانية : السلم لا يستمع فيه ، وإنما يستمع عليه ، فما الجواب ؟ نقول من وجهين : أحدهما : ما ذكره الزمخشري أن المراد { يستمعون } صاعدين فيه وثانيهما : ما ذكره الواحدي أن في بمعنى على ، كما في قوله تعالى : { ولاصلبنكم فى جذوع النخل } ( طه : 71 ) أي جذوع النخل ، وكلاهما ضعيف لما فيه من الإضمار والتغيير .

Bölüm V28/P224–V28/P226

المسألة الثالثة : لم ترك ذكر مفعول { يستمعون } وماذا هو ؟ نقول فيه وجوه أحدها : المستمع هو الوحي ، أي هل لهم سلم يستمعون فيه الوحي ثانيها : يستمعون ما يقولون من أنه شاعر ، وأن لله شريكا ، وأن الحشر لا يكون ثالثها : ترك المفعول رأسا ، كأنه يقول : هل لهم قوة الاستماع من السماء حتى يعلموا أنه ليس برسول ، وكلامه ليس بمرسل . المسألة الرابعة : قال : { فليأت مستمعهم } ولم يقل فليأتوا ، كما قال تعالى : { فليأتوا بحديث مثله } ( الطور : 34 ) نقول طلب منهم ما يكون أهون على تقدير صدقهم ، ليكون اجتماعهم عليه أدل على بطلان قولهم ، فقال هناك { فليأتوا } أي اجتمعوا عليه وتعاونوا ، وأتوا بمثله ، فإن ذلك عند الاجتماع أهون ، وأما الارتقاء في السلم بالاجتماع ( فإنه ) متعذر لأنه لا يرتقي إلا واحد بعد واحد ، ولا يحصل في الدرجة العليا إلا واحد فقال : { فليأت } ذلك الواحد الذي كان أشد رقيا بما سمعه . المسألة الخامسة : قوله { بسلطان مبين } ما المراد به ؟ نقول هو إشارة إلى لطيفة ، وهي أنه لو طلب منهم ما سمعوه ، وقيل لهم { فليأت مستمعهم } بما سمع لكان لواحد أن يقول : أنا سمعت كذا وكذا فيفتري كذبا ، فقال لا بل الواجب أن يأتي بدليل يدل عليه . ! 7 < { أم له البنات ولكم البنون } . > 7 ! < < الطور : ( 39 ) أم له البنات . . . . . > > إشارة إلى نفي الشرك ، وفساد ما يقولون بطريق آخر ، وهو أن المتصرف إنما يحتاج إلى الشريك لعجزه ، والله قادر فلا شريك له ، فإنهم قالوا : نحن لا نجعل هذه الأصنام وغيرها شركاء ، وإنما نعظمها لأنها بنات الله ، فقال تعالى : كيف تجعلون لله البنات ، وخلق البنات والبنين إنما كان لجواز الفناء على الشخص ، ولولا التوالد لانقطع النسل وارتفع الأصل ، من غير أن يقوم مقامه الفصل ، فقدر الله التوالد ، ولهذا لا يكون في الجنة ولادة ، لأن الدار دار البقاء ، لا موت فيها للآباء ، حتى تقام العمارة بحدوث الأبناء . إذا ثبت هذا فالولد إنما يكون في صورة إمكان فناء الأب ، ولهذا قال تعالى في أوائل سورة آل عمران / { الحى القيوم } ( آل عمران : 2 ) أي حي لا يموت فيحتاج إلى ولد يرثه ، وهو قيوم لا يتغير ولا يضعف ، فيفتقر إلى ولد ليقوم مقامه ، لأنه ورد في نصارى نجران . ثم إن الله تعالى بين هذا بأبلغ الوجوه ، وقال إنهم يجعلون له بنات ، ويجعلون لأنفسهم بنين ، مع أن جعل البنات لهم أولى ، وذلك لأن كثير البنات تعين عل كثرة الأولاد ، لأن الإناث الكثيرة يمكن منهن الولادة بأولاد كثيرة من واحد . وأما الذكور الكثيرة لا يمكن منهم إحبال أنثى واحدة بأولاد ، ألا ترى أن الغنم لا يذبح منها الإناث إلا نادرا ، وذلك لما ثبت أن إبقاء النوع بالأنثى أنفع نظرا إلى التكثير ، فقال تعالى : أنا القيوم الذي لا فناء لي ، ولا حاجة لي في بقاء النوع في حدوث الشخص ، وأنتم معرضون للموت العاجل ، وبقاء العالم بالإناث أكثر ، وتتبرءون منهن والله تعالى مستغن عن ذلك وتجعلون له البنات ، وعلى هذا فما تقدم كان إشارة إلى نفي الشريك نظرا إلى أنه لابتداء لله ، وهذا إشارة إلى نفي الشريك نظرا إلى أنه لا فناء له ، فإن قيل كيف وقع لهم نسبة البنات إلى الله تعالى مع أن هذا أمر في غاية القبح لا يخفى على عاقل ، والقوم كان لهم العقول التي هي مناط التكليف ، وذلك القدر كاف في العلم بفساد هذا القول ؟ نقول ذلك القول دعاهم إليه اتباع العقل ، وعدم اعتبار النقل ، ومذهبهم في ذلك مذهب الفلاسفة حيث يقولون يجب اتباع العقل الصريح ، ويقولون النقل بمعزل لا يتبع إلا إذا وافق العقل ، وإذا وافق فلا اعتبار للنقل ، لأن العقل هناك كاف ، ثم قالوا الوالد يسمى والدا ، لأنه سبب وجود الولد ، ولهذا يقال : إذا ظهر شيء من شيء هذا تولد من ذلك ، فيقولون الحمى تتولد من عفونة الخلط ، فقالوا الله تعالى سبب وجود الملائكة سببا واجبا لا اختيار له فسموه بالوالد ، ولم يلتفتوا إلى وجوب تنزيه الله في تسميته بذلك عن التسمية بما يوهم النقص ، ووجوب الاقتصار في أسمائه على الأسماء الحسنى التي ورد بها الشرع لعدم اعتبارهم النقل ، فقالوا يجوز إطلاق الأسماء المجازية والحقيقية على الله تعالى وصفاته ، فسموه عاشقا ومعشوقا ، وسموه أبا ووالدا ، ولم يسموه ابنا ولا مولودا باتفاقهم ، وذلك ضلالة .

Bölüm V28/P226

! 7 < { أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون } . > 7 ! < < الطور : ( 40 ) أم تسألهم أجرا . . . . . > > وجه التعلق هو أن المشركين لما اطرحوا الشرع واتبعوا ما ظنوه عقلا ، وسموا الموجود بعد العدم مولودا ومتولدا ، والموجد والدا لزمهم الكفر بسببه والإشراك ، فقال لهم ما الذي يحملكم على اطراح الشرع ، وترك اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ؟ هل ذلك لطلبه منكم شيئا فما كان يسعهم أن يقولوا نعم ، فلم يبق لهم إلا أن يقولوا لا ، فنقول لهم : كيف اتبعتم قول الفلسفي الذي يسوغ لكم الزور وما يوجب الاستخفاف بجانب الله تعالى لفظا إن لم يكن معنى كما تقولون ، ولا تتبعون الذي يأمركم بالعدل في المعنى والإحسان في اللفظ ، ويقول لكم اتبعوا المعنى الحق الواضح واستعملوا اللفظ / الحسن المؤدب ؟ وهذا في غاية الحسن من التفسير ففيه مسائل : المسألة الأولى : ما الفائدة في سؤال النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال أم تسألهم ولم يقل أم يسألون أجرا كما قال تعالى : { أم يقولون } ( يونس : 38 ) وقال تعالى : { أم يريدون كيدا } ( الطور : 42 ) إلى غير ذلك ؟ نقول فيه فائدتان : إحداهما : تسلية قلب النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك لأنهم لما امتنعوا من الاستماع واستنكفوا من الاتباع صعب على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال له ربه أنت أتيت بما عليك فلا يضيق صدرك حيث لم يؤمنوا فأنت غير ملوم ، وإنما كنت تلام لو كنت طلبت منهم أجرا فهل طلبت ذلك فأثقلهم ؟ لا فلا حرج عليك إذا . ثانيهما : أنه لو قال أم يسألون لزم نفي أجر مطلقا وليس كذلك ، وذلك لأنهم كانوا يشركون ويطالبون بالأجر من رؤسائهم ، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فقال له أنت لا تسألهم أجرا فهم لا يتبعونك وغيرك يسألهم وهم يسألون ويتبعون السائلين وهذا غاية الضلال . المسألة الثانية : إن قال قائل ألزمت أن تبين أن أم لا تقع إلا متوسطة حقيقة أو تقديرا فكيف ذلك ههنا ؟ نقول كأنه تعالى يقول أتهديهم لوجه الله أم تسألهم أجرا ، وترك الأول لعدم وقوع الإنكار عليه كما قلنا في قوله { أم له البنات } ( الطور : 39 ) إن المقدار هو واحد أم له البنات ، وترك ذكر الأول لعدم وقوع الإنكار عليه من الله تعالى وكونهم قائلين بأنه لا يريد وجه الله تعالى ، وإنما يريد الرياسة والأجر في الدنيا . المسألة الثالثة : هل في خصوص قوله تعالى { أجرا } فائدة لا توجد في غيره لو قال أم تسألهم شيئا أو مالا أو غير ذلك ؟ نقول نعم ، وقد تقدم القول مني أن كل لفظ في القرآن فيه فائدة وإن كنا لا نعلمها ، والذي يظهر ههنا أن ذلك إشارة إلى أن ما يأتي به النبي صلى الله عليه وسلم فيه مصلحتهم وذلك لأن الأجر لا يطلب إلا عند فعل شيء يفيد المطلوب منه الأجر فقال : أنت أتيتهم بما لو طلبت عليه أجرا وعلموا كمال ما في دعوتك من المنفعة لهم وبهم ، لأتوك بجميع أموالهم ولفدوك بأنفسهم ، ومع هذا لا تطلب منهم أجرا ، ولو قال شيئا أو مالا لما حصلت هذه الفائدة والله أعلم .

Bölüm V28/P226–V28/P227

المسألة الرابعة : هذا يدل على أنه لم يطلب منهم أجرا ما ، وقوله تعالى : { قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة فى القربى } ( الشورى : 23 ) يدل على أنه طلب أجرا ما فكيف الجمع بينهما ؟ نقول لا تفرقة بينهما بل الكل حق وكلاهما ككلام واحد ، وبيانه هو أن المراد من قوله { إلا المودة فى القربى } هو أني لا أسألكم عليه أجرا يعود إلى الدنيا ، وإنما أجرى المحبة في الزلفى إلى الله تعالى / وأن عباد الله الكاملين أقرب إلى الله تعالى من عباده الناقصين ، وعباد الله الذين كلمهم الله وكلموه وأرسلهم لتكميل عباده فكملوا أقرب إلى الله من الذين ( لم يكلمهم و ) لم يرسلهم الله ولم يكملوا وعلى هذا فهو في معنى قوله { إن أجرى إلا على الله } ( يونس : 72 ) وإليه أنتمي وقوله صلى الله عليه وسلم : ( فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة ) وقوله { فهم من مغرم مثقلون } وبين ما ذكرنا أن قوله { أم تسئلهم أجرا } المراد أجر الدنيا وقوله { قل لا أسألكم عليه أجرا } المراد العموم ثم استثنى ، ولا حاجة إلى ما قاله الواحدي إن ذلك منقطع معناه لكن المودة في القربى ، وقد ذكرناه هناك فليطلب منه . المسألة الخامسة : قوله تعالى : { فهم من مغرم مثقلون } إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم ما طلب منهم شيئا ولو طالبهم بأجر ما كان لهم أن يتركوا اتباعه بأدنى شيء ، اللهم إلا إن أثقلهم التكليف ويأخذ كل ما لهم ويمنعهم التخليف فيثقلهم الدين بعد ما لا يبقى لهم العين . ! 7 < { أم عندهم الغيب فهم يكتبون } . > 7 ! < < الطور : ( 41 ) أم عندهم الغيب . . . . . > > وهو على الترتيب الذي ذكرناه كأنه تعالى قال لهم : بم اطرحتم الشرع ومحاسنه ، وقلتم ما قلتم بناء على اتباعكم الأوهام الفاسدة التي تسمونها المعقولات ، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يطلب منكم أجرا وأنتم لا تعلمون فلا عذر لكم لأن العذر إما في الغرامة وإما في عدم الحاجة إلى ما جاء به ولا غرامة عليكم فيه ولا غنى لكم عنه وفيه مسائل : المسألة الأولى : كيف التقدير ؟ قلنا لا حاجة إلى التقدير بل هو استفهام متوسط على ما ذكرنا كأنه قال أتهديهم لوجه الله تعالى أم تسألهم أجرا فيمتنعون أم لا حاجة لهم إلى ما تقول لكونهم عندهم الغيب فلا يتبعون . المسألة الثانية : الألف واللام في الغيب لتعريف ماذا ألجنس أو لعهد ؟ نقول الظاهر أن المراد نوع الغيب كما يقول القائل اشترى اللحم يريد بيان الحقيقة لأكل لحم ولا لحما معينا ، والمراد في قوله تعالى : { عالم الغيب والشهادة } ( الأنعام : 73 ) الجنس واستغراقه لكل غيب . المسألة الثالثة : على هذا كيف يصح عندهم الغيب وما عند الشخص لا يكون غيبا ؟ نقول معناه حضر عندهم ما غاب عن غيرهم ، وقيل هذا متعلق بقوله { نتربص به ريب المنون } ( الطور : 30 ) أي أعندكم الغيب تعلمون أنه يموت قبلكم وهو ضعيف ، لبعد ذلك ذكر ، أو لأن قوله تعالى : { قل تربصوا } متصل به وذلك يمنع اتصال هذا بذلك .

Bölüm V28/P227–V28/P229

المسألة الرابعة : ما الفائدة في قوله { فهم يكتبون } ؟ نقول وضوح الأمر ، وإشارة إلى أن ما عند النبي صلى الله عليه وسلم من علم الغيب علم بالوحي أمورا وأسرارا وأحكاما وأخبارا كثيرة كلها هو جازم بها وليس كما يقول المتفرس ، الأمر كذا وكذا ، فإن قيل اكتب به خطك أنه يكون يمتنع ويقول أنا لا أدعي فيه الجزم والقطع ولكن أذكره كذا وكذا على سبيل الظن والاستنباط وإن كان قاطعا يقول اكتبوا هذا عني ، وأثبتوا في الدواوين أن في اليوم الفلاني يقع كذا وكذا فقوله { أم عندهم الغيب فهم يكتبون } يعني هل صاروا في درجة محمد صلى الله عليه وسلم حتى استغنوا عنه / وأعرضوا ، ونقل عن ابن قتيبة أن المراد من الكتابة الحكم معناه يحكمون وتمسك بقوله صلى الله عليه وسلم : ( اقض بيننا بكتاب الله ) أي حكم الله وليس المراد ذلك ، بل هو من باب الإضمار معناه بما في كتاب الله تعالى يقال فلان يقضي بمذهب الشافعي أي بما فيه ، ويقول الرسول الذي معه كتاب الملك للرعية اعملوا بكتاب الملك . ! 7 < { أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون } . > 7 ! < < الطور : ( 42 ) أم يريدون كيدا . . . . . > > فيه مسائل : المسألة الأولى : ما وجه التعلق والمناسبة بين الكلامين ؟ قلنا يبين ذلك ببيان المراد من قوله { أم يريدون كيدا } فبعض المفسرين قال أم يريدون أن يكيدوك فهم المكيدون ، أي لا يقدرون على الكيد فإن الله يصونك بعينه وينصرك بصونه ، وعلى هذا إذا قلنا بقول من يقول { أم عندهم الغيب } ( القلم : 47 ) متصل بقوله تعالى : { نتربص به ريب المنون } ( الطور : 30 ) فيه ترتيب في غاية الحسن وهو أنهم لما قالوا { نتربص به ريب المنون } قيل لهم أتعلمون الغيب فتعلمون أنه يموت قبلكم أم تريدون كيدا فتقولون نقتله فيموت قبلنا فإن كنتم تدعون الغيب فأنتم كاذبون ، وإن كنتم تظنون أنكم تقدرون عليه فأنتم غالطون فإن الله يصونه عنكم وينصره عليكم ، وأما على ما قلنا إن المراد منه أنه صلى الله عليه وسلم لا يسألكم على الهداية مالا وأنتم لا تعلمون ما جاء به لولا هدايته لكونه من الغيوب ، فنقول فيه وجوه الأول : أن المراد من قوله تعالى : { أم يريدون كيدا } أي من الشيطان وإزاغته فيحصل مرادهم كأنه تعالى قال أنت لا تسألهم أجرا وهم يعلمون الغيب فهم محتاجون إليك وأعرضوا فقد اختاروا كيد الشيطان ورضوا بإزاغته ، والإرادة بمعنى الاختيار والمحبة ، كما قال تعالى : { من كان يريد حرث الاخرة نزد له فى حرثه } ( الشورى : 20 ) وكما قال : { ءالهة دون الله تريدون فما } ( الصافات : 86 ) وأظهر من ذلك قوله تعالى : { إنى أريد أن تبوء بإثمى وإثمك } ( المائدة : 29 ) الوجه الثاني : أن يقال إن المراد والله أعلم أم يريدون كيدا لله فهو واصل إليهم وهم عن قريب مكيدون ، وترتيب الكلام هو أنهم لما لم يبق حجة في الإعراض فهم يريدون نزول العذاب بهم والله أرسل إليهم رسولا لا يسألهم أجرا ويهديهم إلى ما لا علم لهم ولا كتاب عندهم وهم يعرضون ، فهم يريدون إذا أن يهلكهم ويكيدهم ، لأن الاستدراج كيد والإملاء لازدياد الإثم ، كذلك لا يقال هو فاسد لأن الكيد والإساءة لا يطلق على فعل الله تعالى إلا بطريق المقابلة ، وكذلك المكر فلا يقابله أساء الله إلى الكفار ولا اعتدى الله إلا إذا ذكر أولا فيهم شيء من ذلك ، ثم قال بعد ذلك بسببه لفظا في حق الله تعالى كما في قوله تعالى : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ( الشورى : 40 ) وقال : { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه } ( البقرة : 194 ) وقال : { ومكروا ومكر الله } ( آل عمران : 54 ) وقال : { يكيدون كيدا وأكيد كيدا } ( الطارق : 15 ، 16 ) لأنا نقول الكيد ما يسوء من نزل به وإن حسن ممن وجد منه ، ألا ترى أن إبراهيم عليه السلام قال : { لاكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين } ( الأنبياء : 57 ) من غير مقابلة .

Bölüm V28/P229

/ المسألة الثانية : ما الفائدة في قوله تعالى : { فالذين كفروا هم المكيدون } وما الفرق بين معنى هذا الكلام ومعنى قول القائل : أم يريدون كيدا فهم المكيدون ؟ نقول الفائدة كون الكافر مكيدا في مقابلة كفره لا في مقابلة إرادته الكيد ولو قال : أم يريدون كيدا فهم المكيدون ، كان يفهم منه أنهم إن لم يريدوه لا يكونوا مكيدين ، وهذا يؤيد ما ذكرناه أن المراد من الكيد كيد الشيطان أو كيد الله ، بمعنى عذابه إياهم لأن قوله { فالذين كفروا هم المكيدون } عام في كل كافر كاده الشيطان ويكيده الله أي يعذبه / وصار المعنى على ما ذكرناه أتهديهم لوجه الله أم تسألهم أجرا فتثقلهم فيمتنعون عن الاتباع ، أم عندهم الغيب فلا يحتاجون إليك فيعرضون عنك ، أم ليس شيء من هذين الأمرين الأخيرين فيريدون العذاب ، والعذاب غير مدفوع عنهم بوجه من الوجوه لكفرهم فالذين كفروا معذبون . المسألة الثالثة : ما الفائدة في تنكير الكيد حيث لم يقل أم يريدون كيدك أو الكيد أو غير ذلك ليزول الإبهام ؟ نقول فيه فائدة ، وهي الإشارة إلى وقوع العذاب من حيث لا يشعرون فكأنه قال يأتيهم بغتة ولا يكون لهم به علم أو يكون إيرادا لعظمته كما ذكرنا مرارا . ! 7 < { أم لهم إلاه غير الله سبحان الله عما يشركون } . > 7 ! < < الطور : ( 43 ) أم لهم إله . . . . . > > أعاد التوحيد وهو يفيد فائدة قوله تعالى : { أم له البنات ولكم البنون } ( الطور : 39 ) وفي { سبحان الله } بحث شريف : وهو أهل اللغة قالوا : سبحان اسم علم للتسبيح ، وقد ذكرنا ذلك في تفسير قوله تعالى : { فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون } ( الروم : 17 ) وأكثرنا من الفوائد ، فإن قيل يجوز أن نقول سبحان الله اسم مصدر ، ونقول سبحان على وزن فعلان فنذكر سبحان من غير مواضع الإيقاع لله كما يقال في التسبيح ، نقول ذلك مثل قول القائل من حرف جار وفي كلمة ظرف حيث يخبر عنه مع أن الحرف لا يخبر عنه فيجاب بأن من وفى حينئذ جعلا كالاسم ولم يتركا على أصلهما المستعمل في مثل قولك أخذت من زيد والدرهم في الكيس ، فكذلك سبحان فيما ذكر من المواضع لم يترك على مواضع استعماله فإنه حينئذ لم يترك علما كما يقال زيد على وزن فعل بخلاف التسبيح فيما ذكرنا . المسألة الرابعة : ما في قوله تعالى : { عما يشركون } يحتمل وجهين أحدهما : أن تكون مصدرية معناه سبحانه عن إشراكهم ثانيهما : خبرية معناه عن الذين يشركون ، وعلى هذا فيحتمل أن يكون عن الولد لأنهم كانوا يقولون البنات لله فقال سبحان الله على البنات والبنين ، ويحتمل أن يكون عن مثل الآلهة لأنهم كانوا يقولون هو مثل ما يعبدونه فقال سبحان الله عن مثل ما يعبدونه . ! 7 < { وإن يروا كسفا من السمآء ساقطا يقولوا سحاب مركوم } . > 7 ! < < الطور : ( 44 ) وإن يروا كسفا . . . . .

Bölüm V28/P229–V28/P230

> > وجه الترتيب فيه هو أنه تعالى لما بين فساد أقوالهم وسقوطها عن درجة الاعتبار أشار إلى أنه لم يبق لهم شيء من وجه الاعتذار ، فإن الآيات ظهرت والحجج تميزت ولم يؤمنوا ، وبعد ذلك { يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب } أي ينكرون الآية لكن الآية إذا أظهرت في أظهر الأشياء كانت أظهر ، وبيانه هو أن من يأتي بجسم من الأجسام من بيته وادعى فيه أنه فعل به كذا فربما يخطر ببال السامع أنه في بيته ولما يبدعه ، فإذا قال للناس هاتوا جسما تريدون حتى أجعل لكم منه كذا يزول ذلك الوهم ، لكن أظهر الأشياء عند الإنسان الأرض التي هي مهده وفرشه ، والسماء التي هي سقفه وعرشه ، وكانت العرب على مذهب الفلاسفة في أصل المذهب ، ولا يلتفت إلى قول الفلسفي نحن ننزه غاية التنزيه حتى لا نجوز رؤيته واتصافه بوصف زائد على ذاته ليكون واحدا في الحقيقة ، فكيف يكون مذهبنا مذهب من يشرك بالله صنما منحوتا ؟ نقول أنتم لما نسبتم الحوادث إلى الكواكب وشرعتم في دعوة الكواكب أخذ الجهال عنكم ذلك واتخذوه مذهبا وإذا ثبت أن العرب في الجاهلية كانت في الأصل على مذهب الفلاسفة وهم يقولون بالطبائع فيقولون الأرض طبعها التكوين والسماء طبعها يمنع الانفصل والانفكاك ، فقال الله تعالى ردا عليهم في مواضع { إن نشأ نخسف بهم الارض أو نسقط عليهم كسفا من السماء } ( سبأ : 9 ) إبطالا للطبائع وإيثارا للاختيار في الوقائع ، فقال ههنا إن أتينا بشيء غريب في غاية الغرابة في أظهر الأشياء وهو السماء التي يرونها أبدا ويعلمون أن أحدا لا يصل إليها ليعدد بالأدوية وغيرها ما يجب سقوطها لأنكروا ذلك ، فكيف فيما دون ذلك من الأمور ، والذي يؤيد ما ذكرناه وأنهم كانوا على مذهب الفلاسفة في أمر السماء أنهم قالوا { أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا } ( الإسراء : 92 ) أي ذلك في زعمك ممكن ، فأما عندنا فلا ، والكسفة القطعة يقال كسفة من ثوب أي قطعة ، وفيه مباحث : البحث الأول : استعمل في السماء لفظة الكسف ، واللغويون ذكروا استعمالها في الثوب لأن الله تعالى شبه السماء بالثوب المنشور ، ولهذا ذكره فيما مضى فقال : { والسماوات مطويات } ( الزمر : 67 ) وقال تعالى : { يوم نطوى السماء } ( الأنبياء : 104 ) . البحث الثاني : استعمل الكسف في السماء والخسف في الأرض فقال تعالى : { نخسف بهم الارض } ( سبأ : 9 ) وهو يدل على قول من قال يقال في القمر خسوف ، وفي الشمس كسوف ووجهه أن مخرج الخاء دون مخرج الكاف ومخرج الكاف فوقه متصل به فاستعمل وصف الأسفل للأسفل والأعلى للأعلى ، فقالوا في الشمس والسماء الكسوف والكسف ، وفي القمر والأرض الخسوف والخسف ، وهذا من قبيل قولهم في الماتح والمايح إن ما نقطه فوق لمن فوق البئر وما نقطه من أسفل عند من يجوز نقطه من أسفل لمن تحت في أسفل البئر . البحث الثالث : قال في السحاب ونجعله كسفا مع أنه تحت القمر ، وقال في القمر { وانشق القمر } ( القيامة : 8 ) وذلك لأن القمر عند الخسوف له نظير فوقه وهو الشمس عند الكسوف والسحاب / اعتبر فيه نسبته إلى أهل الأرض حيث ينظرون إليه ، فلم يقل في القمر خسف بالنسبة إلى السحاب وإنما قيل ذلك بالنسبة إلى الشمس وفي السحاب قيل بالنسبة إلى الأرض .

Sorular