Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Bölüm V29/P134

> > وفيها قراءات الأولى : الرفع وهو المشهور ، ويكون عطفا على ولدان ، فإن قيل قال قبله : { حور مقصورات فى الخيام } ( الرحمن : 72 ) إشارة إلى كونها مخدرة ومستورة ، فكيف يصح قولك : إنه عطف على ولدان ؟ نقول : الجواب عنه من وجهين أحدهما : وهو المشهور أن نقول : هو عطف عليهم في اللفظ لا في المعنى ، أو في المعنى على التقدير والمفهوم لأن قوله تعالى : { يطوف عليهم ولدان } ( الواقعة : 17 ) معناه لهم ولدان كما قال تعالى : { ويطوف عليهم غلمان لهم } ( الطور : 24 ) فيكون : { وحور عين } بمعنى ولهم حور عين وثانيهما : وهو أن يقال : ليست الحور منحصرات في جنس ، بل لأهل الجنة : { حور مقصورات } في حظائر معظمات ولهن جواري وخوادم ، وحور تطوف مع الولدان السقاة فيكون كأنه قال : يطوف عليهم ولدان ونساء الثانية : الجر عطفا على أكواب وأباريق ، فإن قيل : كيف يطاف بهن عليهم ؟ نقول : الجواب سبق عند قوله : { ولحم طير } ( الواقعة : 21 ) أو عطفا على : { جنات } أي : { أولئك المقربون في جنات النعيم } ( الواقعة : 12 ) وحور وقرىء { وقرى عينا } بالنصب ، ولعل الحاصل على هذه القراءة على غير العطف بمعنى العطف لكن هذا القارىء لا بد له من تقدير ناصب فيقول : يؤتون حورا فيقال : قد رافعا فقال : ولهم حور عين فلا يلزم الخروج عن موافقة العاطف وقوله تعالى : { كأمثال اللؤلؤ المكنون } فيه مباحث .

Bölüm V29/P134–V29/P135

الأول : الكاف للتشبيه ، والمثل حقيقة فيه ، فلو قال : أمثال اللؤلؤ المكنون لم يكن إلى الكاف حاجة ، فما وجه الجمع بين كلمتي التشبيه ؟ نقول : الجواب المشهور أن كلمتي التشبيه يفيدان التأكيد والزيادة في التشبيه ، فإن قيل : ليس كذلك بل لا يفيدان ما يفيد أحدهما لأنك إن قلت مثلا : هو كاللؤلؤة للمشبه ، دون المشبه به في الأمر الذي لأجله التشبيه ؟ نقول : التحقيق فيه ، هو أن الشيء إذا كان له مثل فهو مثله ، فإذا قلت هو مثل القمر لا يكون في المبالغة مثل قولك هو قمر وكذلك قولنا : هو كالأسد ، وهو أسد ، فإذا قلت : كمثل اللؤلؤ كأنك قلت : مثل اللؤلؤ وقولك : هو اللؤلؤ أبلغ من قولك : هو كاللؤلؤ ، وهذا البحث يفيدنا ههنا ، ولا يفيدنا في قوله تعالى : { ليس كمثله شىء } لأن النفي في مقابلة الإثبات ، ولا يفهم معنى النفي من الكلام مالم يفهم معنى الإثبات الذي يقابله ، فنقول قوله : { ليس كمثله شىء } في مقابلة قول من يقول : كمثله شيء ، فنفى ما أثبته لكن معنى قوله : { كمثله شىء } إذا لم نقل بزيادة الكاف هو أن مثل مثله شيء ، وهذا كلام يدل على أن له مثلا ، ثم إن لمثله مثلا ، فإذا قلنا : ليس كذلك كان ردا عليه ، والرد عليه صحيح بقي أن يقال : إن الراد على من يثبت أمورا لا يكون نافيا لكل ما أثبته ، فإذا قال قائل : زيد عالم جيد ، ثم قيل ردا عليه : ليس زيد عالما جيدا لا يلزم من هذا أن يكون نافيا لكونه عالما ، فمن يقول : { ليس كمثله شىء } بمعنى ليس مثل مثله شيء لا يلزم أن يكون نافيا لمثله ، بل يحتمل أن يكون نافيا لمثل المثل ، فلا يكون / الراد أيضا موحدا فيخرج الكلام عن إفادة التوحيد ، فنقول : يكون مفيدا للتوحيد لأنا إذا قلنا : ليس مثل مثله شيء لزم أن لا يكون له مثل لأنه لو كان له مثل لكان هو مثل مثله ، وهو شيء بدليل قوله تعالى : { قل أى شىء أكبر شهادة قل الله } ( الأنعام : 19 ) فإن حقيقة الشيء هو الموجود فيكون مثل مثله شيء وهو منفي بقولنا : ليس مثل مثله شيء ، فعلم أن الكلام لا يخرج عن إفادة التوحيد ، فعلم أن الحمل على الحقيقة يفيد في الكلام مبالغة في قوله تعالى : { كأمثال } وأما عدم الحمل عليها في قوله : { ليس كمثله شىء } فهو أوجز فتجعل الكاف زائدة لئلا يلزم التعطيل ، وهو نفي الإله ، نقول : فيه فائدة ، وهو أن يكون ذلك نفيا مع الإشارة إلى وجه الدليل على النفي ، وذلك لأنه تعالى واجب الوجود ، وقد وافقنا من قال بالشريك ، ولا يخالفنا إلا المعطل ، وذلك إثباته ظاهرا ، وإذا كان هو واجب الوجود فلو كان له مثل لخرج عن كونه واجب الوجود ، لأنه مع مثله تعادلا في الحقيقة ، وإلا لما كان ذلك مثله وقد تعدد فلا بد من انضمام مميز إليه به يتميز عن مثله ، فلو كان مركبا فلا يكون واجبا لأن كل مركب ممكن ، فلو كان له مثل لما كان هو هو فيلزم من إثبات المثل له نفيه ، فقوله : { ليس كمثله شىء } إذا حملناه أنه ليس مثل مثله شيء ، ويكون في مقابلته قول الكافر : مثل مثله شيء فيكون مثبتا لكونه مثل مثله ويكون مثله يخرج عن حقيقة نفسه ومنه لا يبقى واجب الوجود فذكر المثلين لفظا يفيد التوحيد مع الإشارة إلى وجه الدليل على بطلان قول المشرك ولو قلنا : ليس مثله شيء يكون نفيا من غير إشارة إلى دليل ، والتحقيق فيه أنا نقول : في نفي المثل ردا على المشرك لا مثل لله ، ثم نستدل عليه ونقول : لو كان له مثل لكان هو مثلا لذلك المثل فيكون ممكنا محتاجا فلا يكون إلها ولو كان له مثل لما كان الله إلها واجب الوجود ، لأن عند فرض مثل له يشاركه بشيء وينافيه بشيء ، فيلزم تركه فلو كان له مثل لخرج عن حقيقة كونه إلها فإثبات الشريك يفضي إلى نفي الإله فقوله : { ليس كمثله شىء } توحيد بالدليل وليس مثله شيء توحيد من غير دليل وشيء من هذا رأيته في كلام الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله بعدما فرغت من كتابة هذا مما وافق خاطري خاطره على أني معترف بأني أصبت منه فوائدلا لا أحصيها ، وأما قوله تعالى : { اللؤلؤ المكنون } إشارة إلى غاية صفائهن أي اللؤلؤ الذي لم يغير لونه الشمس والهواء .

Bölüm V29/P135–V29/P136

[ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { جزآء بما كانوا يعملون } . > 7 ! < < الواقعة : ( 24 ) جزاء بما كانوا . . . . . > > وفي نصبه وجهان أحدهما : أنه مفعول له وهو ظاهر تقديره فعل بهم هذا ليقع جزاء وليجزون بأعمالهم ، وعلى هذا فيه لطيفة : وهي أن نقول : المعنى أن هذا كله جزاء عملكم وأما الزيادة / فلا يدركها أحد منكم وثانيهما : أنه مصدر لأن الدليل على أن كل ما يفعله الله فهو جزاء فكأنه قال : تجزون جزاء ، وقوله : { بما كانوا } قد ذكرنا فائدته في سورة الطور وهي أنه تعالى قال في حق المؤمنين : { فينبئهم بما كانوا يعملون } ( الواقعة : 24 ) وفي حق الكافرين : { إنما تجزون ما كنتم تعملون } ( التحريم : 7 ) إشارة إلى أن العذاب عين جزاء ما فعلوا فلا زيادة عليهم ، والثواب : { جزاء مما كانوا يعملون } ( السجدة : 17 ) فلا يعطيهم الله عين عملهم ، بل يعطيهم بسبب عملهم ما يعطيهم ، والكافر يعطيه عين ما فعل ، فيكون فيه معنى قوله تعالى : { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها } ( الأنعام : 160 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : أصولية ذكرها الإمام فخر الدين رحمه الله في مواضع كثيرة ، ونحن نذكر بعضها فالأولى : قالت المعتزلة : هذا يدل على أن يقال : الثواب على الله واجب ، لأن الجزاء لا يجوز المطالبة به ، وقد أجاب عنه الإمام فخر الدين رحمه الله بأجوبة كثيرة ، وأظن به أنه لم يذكر ما أقوله فيه وهو ما ذكروه . ولو صح لما كان في الوعد بهذه الأشياء فائدة ، وذلك لأن العقل إذا حكم بأن ترك الجزاء قبيح وعلم بالعقل أن القبيح من الله لا يوجد علم أن الله يعطي هذه الأشياء لأنها أجزية ، وإيصال الجزاء واجب ، وأما إذا قلنا : بمذهبنا تكون الآيات مفيدة مبشرة ، لأن البشارة لا تكون إلا بالخير عن أمر غير معلوم ، لا يقال : الجزاء كان واجبا على الله وأما الخبر بهذه الأشياء فلا يذكرها مبشرا ، لأنا نقول : إذا وجب نفس الجزاء فما أعطانا الله تعالى من النعم في الدنيا جزاء فثواب الآخرة لا يكون إلا تفضلا منه ، غاية ما في الباب أنه تعالى كمل النعمة بقوله : هذا جزاؤكم ، أي جعلته لكم جزاء ، ولم يكن متعينا ولا واجبا ، كما أن الكريم إذا أعطى من جاء بشيء يسير شيئا كثيرا ، فيظن أنه يودعه إيداعا أو يأمره بحمله إلى موضع ، فيقول له : هذا لك فيفرح ، ثم إنه يقول : هذا إنعام عظيم يوجب على خدمة كثيرة ، فيقول له هذا جزاء ما أتيت به ، ولا أطلب منك على هذا خدمة ، فإن أتيت بخدمة فلها ثواب جديد ، فيكون هذا غاية الفضل ، وعند هذا نقول : هذا كله إذا كان الآتي غير العبد ، وأما إذا فعل العبد ما أوجب عليه سيده لا يستحق عليه أجرا ، ولا سيما إذا أتى بما أمر به على نوع اختلال ، فما ظنك بحالنا مع الله عز وجل ، مع أن السيد لا يملك من عبده إلا البنية ، والله تعالى يملك منا أنفسنا وأجسامنا ، ثم إنك إذا تفكرت في مذهب أهل السنة تجدهم قد حققوا معنى العبودية غاية التحقيق ، واعترفوا أنهم عبيد لا يملكون شيئا ولا يجب للعبد على السيد دين ، والمعتزلة لم يحققوا العبودية ، وجعلوا بينهم وبين الله معاملة توجب مطالبة ، ونرجوا أن يحقق الله تعالى معنا المالكية غاية التحقيق ، ويدفع حاجاتنا الأصلية ويطهر أعمالنا ، كما أن السيد يدفع حاجة عبده بإطعامه وكسوته ، ويطهر صومه بزكاة فطره ، وإذا جنى جناية لم يمكن المجنى عليه منه ، بل يختار فداءه ويخلص رقبته من الجناية ، كذلك يدفع الله حاجاتنا في الآخرة ، وأهم الحاجات أن يرحمنا ويعفو عنا ، ويتغمدنا / بالمغفرة والرضوان ، حيث منع غيره عن تملك رقابنا باختيار الفداء عنا / وأرجو أن لا يفعل مع إخواننا المعتزلة ما يفعله المتعاملان في المحاسبة بالنقير والقطمير ، والمطالبة بما يفضل لأحدهما من القليل والكثير .

Bölüm V29/P136–V29/P137

المسألة الثانية : قالوا : لو كان في الآخرة رؤية لكانت جزاء ، وقد حصر الله الجزاء فيما ذكر والجواب عنه : أن نقول : لم قلتم : إنها لو كانت تكون جزاء ، بل تكون فضلا منه فوق الجزاء ، وهب أنها تكون جزاء ، ولكن لم قلتم : إن ذكر الجزاء حصر وإنه ليس كذلك ، لأن من قال لغيره : أعطيتك كذا جزاء على عمل لا ينافي قوله : وأعطيتك شيئا آخر فوقه أيضا جزاء عليه ، وهب أنه حصر ، لكن لم قلتم : إن القربة لا تدل على الرؤية ، فإن قيل : قال في حق الملائكة : { ولا الملئكة المقربون } ( النساء : 172 ) ، ولم يلزم من قربهم الرؤية ، نقول : أجبنا أن قربهم مثل قرب من يكون عند الملك لقضاء الأشغال ، فيكون عليه التكليف والوقوف بين يديه بالباب تخرج أوامره عليه ، كما قال تعالى : { ويفعلون ما يؤمرون } ( التحريم : 6 ) وقرب المؤمن قرب المنعم من الملك ، وهو الذي لا يكون إلا للمكالمة والمجالسة في الدنيا ، لكن المقرب المكلف ليس كلما يروح إلى باب الملك يدخل عليه وأما المنعم لا يذهب إليه إلا ويدخل عليه فظهر الفرق . والذي يدل على أن قوله : { أولئك المقربون } ( الواقعة : 11 ) فيه إشارة إلى الرؤية هو أن الله تعالى في سورة المطففين ذكر الأبرار والفجار ، ثم إنه تعالى قال في حق الفجار : { إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } ( المطففين : 15 ) وقال في الأبرار : { يشرب بها المقربون } ( المطففين : 28 ) ولم يذكر في مقابلة المحجوبون ما يدل على مخالفة حال الأبرار حال الفجار في الحجاب والقرب ، لأن قوله : { لفى عليين } ( المطففين : 18 ) وإن كان دليلا على القرب وعلو المنزلة لكنه في مقابلة قوله : { لفى سجين } ( المطففين : 7 ) فقوله تعالى في حقهم : { يشرب بها المقربون } مع قوله تعالى : { وسقاهم ربهم شرابا طهورا } ( الإنسان : 21 ) يدل على أن المراد منه القرب الذي يكون لجلساء الملك عند الملك ، وقوله في حق الملائكة في تلك السورة : { يشهده المقربون } ( المطففين : 21 ) يدل على أن المراد منه القرب الذي يكون للكتاب والحساب عند الملك لما أنه في الدنيا يحسد أحدهما الآخر ، فإن الكاتب إن كان قربه من الملك بسبب الخدمة لا يختار قرب الكتاب والحساب ، بل قرب النديم ، ثم إنه بين ذلك النوع من القرب وبين القرب الذي بسبب الكتابة ما يحمله على أن يختار غيره ، وفي سورة المطففين قوله : { لمحجوبون } يدل على أن المقربين غير محجوبين عن النظر إلى الله تعالى ، وينبغي أن لا ينظر إلى الله قولنا : جلساء الملك في ظاهر النظر الذي يقتضي في نظر القوم الجهة وإلى القرب الذي يفهم العامي منه المكان إلا بنظر العلماء الأخبار الحكماء الأخبار . المسألة الثالثة : قالوا قوله تعالى : { بما كانوا يعملون } يدل على أن العمل عملهم وحاصل بفعلهم ، نقول : لا نزاع في أن العلم في الحقيقة اللغوية وضع للفعل والمجنون للذي لا عقل له والعاقل للذي بلغ الكمال فيه ، وذلك ليس إلا بوضع اللغة لما يدرك بالحس ، وكل أحد يرى / الحركة من الجسمين فيقول : تحرك وسكن على سبيل الحقيقة ، كما يقول : تدور الرحا ويصعد الحجر ، وإنما الكلام في القدرة التي بها الفعل في المحل المرئي ، وذلك خارج عن وضع اللغة . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما } . > 7 !

Bölüm V29/P137–V29/P138

ثم قال تعالى : { لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما } < < الواقعة : ( 25 ) لا يسمعون فيها . . . . . > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : ما الحكمة في تأخير ذكره عن الجزاء مع أنه من النعم العظيمة ؟ نقول فيه لطائف الأولى : أن هذا من أتم النعم ، فجعلها من باب الزيادة التي منها الرؤية عند البعض ولا مقابل لها من الأعمال ، وإنما قلنا : إنها من أتم النعم ، لأنها نعمة سماع كلام الله تعالى على ما سنبين أن المراد من قوله : { سلاما } هو ما قال في سورة يس : { سلام قولا من رب رحيم } ( يس : 58 ) فلم يذكرها فيما جعله جزاء ، وهذا على قولنا : { أولئك المقربون } ( الواقعة : 11 ) ليس فيه دلالة على الرؤية الثانية : أنه تعالى بدأ بأتم النعم وهي نعمة الرؤيا ، وهي الرؤية بالنظر كما مر وختم بمثلها ، وهي نعمة المخاطبة الثالثة : هي أنه تعالى لما ذكر النعم الفعلية وقابلها بأعمالهم حيث قال : { جزاء بما كانوا يعملون } ( الواقعة : 24 ) ذكر النعم القولية في مقابلة أذكارهم الحسنة ولم يذكروا اللذات العقلية التي في مقابلة أعمال قلوبهم من إخلاصهم واعتقادهم ، لأن العمل القلبي لم ير ولم يسمع ، فما يعطيهم الله تعالى من النعمة تكون نعمة لم ترها عين ولا سمعتها أذن ، وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم فيها : ( مالا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ) وقوله عليه السلام : ( ولا خطر ) إشارة إلى الزيادة ، والذي يدل على النعمة القولية في مقابلة قولهم الطيب قوله تعالى : { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملئكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا } إلى قوله : { نزلا من غفور رحيم } ( فصلت : 30 32 ) . المسألة الثانية : قوله تعالى : { لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما } نفي للمكروه لما أن اللغو كلام غير معتبر ، لأنه عند المعتبرين من الرجال مكروه ، ونفي المكروه لا يعد من النعم العظيمة التي مر ذكرها ، كيف وقد ذكرت أن تأخير هذه النعمة لكونها أتم ، ولو قال : إن فلانا في بلدة كذا محترم مكرم لا يضرب ولا يشتم فهو غير مكرم وهو مذموم والواغل مذموم وهو الذي يدخل على قوم يشربون ويأكلون فيأكل ويشرب معهم من غير دعاء ولا إذن فكأنه بالنسبة إليهم في عدم الاعتبار كلام غير معتبر وهو اللغو ، وكذلك ما يتصرف منه مثل الولوغ لا يقال إلا إذا كان الوالغ كلبا أو ما يشبهه من السباع ، وأما التأثيم فهو النسبة إلى الإثم ومعناه لا يذكر إلا باطلا ولا ينسبه أحد إلا إلى الباطل ، وأما التقديم فلأن اللغو أعم من التأثيم أي يجعله آثما كما تقول : إنه فاسق أو سارق ونحو ذلك وبالجملة فالمتكلم ينقسم إلى أن يلغو وإلى أن لا يلغو والذي لا يلغو يقصد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فيأخذ الناس بأقوالهم وهو لا يؤخذ عليه شيء ، فقال / تعالى : لا يلغو أحد ولا يصدر منه لغو ولا ما يشبه اللغو فيقول له : الصادق لا يلغو ولا يأثم ولا شك في أن الباطل أقبح ما يشبهه فقال : لا يأثم أحد .

Bölüm V29/P138–V29/P139

المسألة الثالثة : قال تعالى في سورة النبأ : { لا يسمعون فيها لغوا ولا كذبا } ( النبأ : 35 ) فهل بينهما فرق ؟ قلنا : نعم الكذاب كثير التكذيب ومعناه هناك أنهم لا يسمعون كذبا ولا أحدا يقول لآخر : كذبت وفائدته أنهم لا يعرفون كذبا من معين من الناس ولا من واحد منهم غير معين لتفاوت حالهم وحال الدنيا فإنا نعلم أن بعض الناس بأعيانهم كذابون فإن لم نعرف ذلك نقطع بأن في الناس كذابا لأن أحدهم يقول لصاحبه : كذبت فإن صدق فصاحبه كذاب ، وإن لم يصدق فهو كاذب فيعلم أن في الدنيا كذابا بعينه أو بغير عينه ولا كذلك في الآخرة فلا كذب فيها ، وقال ههنا : { ولا تأثيما } وهو أبلغ من التكذيب فإن من يقول في حق من لا يعرفه : إنه زان أو شارب الخمر مثلا فإنه يأثم وقد يكون صادقا ، فالذي ليس عن علم إثم فلا يقول أحد لأحد : قلت مالا علم لك به فالكلام ههنا أبلغ لأنه قصر السورة على بيان أحوال الأقسام لأن المذكورين هنا هم السابقون وفي سورة النبأ هم المتقون ، وقد بينا أن السابق فوق المتقي . المسألة الرابعة : { إلا قيلا } استثناء متصل منقطع ، فنقول : فيه وجهان أحدهما : وهو الأظهر أنه منقطع لأن السلام ليس من جنس اللغو تقديره لكن يسمعون : قيلا سلاما سلاما ثانيهما : أنه متصل ووجهه أن نقول : المجاز قد يكون في المعنى ، ومن جملته أنك تقول : مالي ذنب إلا أحبك ، فلهذا تؤذيني فتستثني محبته من الذنب ولا تريد المنقطع لأنك لا تريد بهذا القول بيان أنك تحبه إنما تريد في تبرئتك عن الذنوب ووجهه هو أن بينهما غاية الخلاف وبينهما أمور متوسطة ، مثاله : الحار والبارد وبينهما الفاتر الذي هو أقرب إلى الحار من البارد وأقرب إلى البارد من الحار ، والمتوسط يطلق عليه اسم البارد عند النسبة إلى الحار فيقال : هذا بارد ويخبر عنه بالنسبة إلى البارد فيقال : إنه حار ، إذا ثبت هذا فنقول قول القائل : مالي ذنب إلا أني أحبك ، معناه لا تجد ما يقرب من الذنب إلا المحبة فإن عندي أمورا فوقها إذا نسبتها إلى الذنب تجد بينها غاية الخلاف فيكون ذلك كقوله : درجات الحب عندي طاعتك وفوقها إن أفضل جانب أقل أمر من أمورك على جانب الحفظ لروحي ، إشارة إلى المبالغة كما يقول القائل : ليس هذا بشيء مستحقرا بالنسبة إلى ما فوقه فقوله : { لا يسمعون فيها لغوا } أي يسمعون فيها كلاما فائقا عظيم الفائدة كامل اللذة أدناها وأقربها إلى اللغو قول بعضهم لبعض : سلام عليك فلا يسمعون ما يقرب من اللغو إلا سلاما ، فما ظنك بالذين يبعد منه كما يبعد الماء البارد الصادق والماء الذي كسرت الشمس برودته وطلب منه ماء حار ليس عندي ماء حار إلا هذا أي ليس عندي ما يبعد من البارد الصادق البرودة ويقرب من الحار إلا هذا وفيه المبالغة الفائقة والبلاغة الرائقة وحينئذ يكون اللغو مجازا ، والاستثناء متصلا فإن قيل : إذا لم يكن بد من مجاز وحمل اللغو على ما يقرب منه بالنسبة إليه فليحمل إلا على لكن لأنهما / مشتركان في إثبات خلاف ما تقدم ، نقول : المجاز في الأسماء أولى من المجاز في الحروف لأنها تقبل التغير في الدلالة وتتغير في الأحوال ، ولا كذلك الحروف لأن الحروف لا تصير مجازا إلا بالاقتران باسم والإسم يصير مجازا من غير الاقتران بحرف فإنك تقول : رأيت أسدا يرمي ويكون مجازا ولا اقتران له بحرف ، وكذلك إذا قلت لرجل : هذا أسد وتريد بأسد كامل الشجاعة ، ولأن عرض المتكلم في قوله مالي ذنب إلا أني أحبك ، لا يحصل بما ذكرت من المجاز ، ولأن العدول عن الأصل لا يكون له فائدة من المبالغة والبلاغة .

Bölüm V29/P139–V29/P140

المسألة الخامسة : في قوله تعالى : { قيلا } قولان : أحدهما : إنه مصدر كالقول فيكون قيلا مصدرا ، كما أن القول مصدر لكن لا يظهر له في باب فعل يفعل إلا حرف ثانيهما : إنه اسم والقول مصدر فهو كالسدل والستر بكسر السين اسم وبفتحها مصدر وهو الأظهر ، وعلى هذا نقول : الظاهر أنه اسم مأخوذ من فعل هو : قال وقيل ، لما لم يذكر فاعله ، وما قيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن القيل والقال ، يكون معناه نهى عن المشاجرة ، وحكاية أمور جرت بين أقوام لا فائدة في ذكرها ، وليس فيها إلا مجرد الحكاية من غير وعظ ولا حكمة لقوله صلى الله عليه وسلم : ( رحم الله عبدا قال خيرا فغنم ، أو سكت فسلم ) وعلى هذا فالقيل اسم لقول لم يعلم قائله ، والقال اسم للقول مأخوذ من قيل لما لم يذكر فاعله ، تقول : قال فلان كذا ، ثم قيل له : كذا ، فقال : كذا ، فيكون حاصل كلامه قيل وقال ، وعلى هذا فالقيل اسم لقول لم يعلم قائله ، والقال مأخوذ من قيل هو قال ، ولقائل أن يقول : هذا باطل لقوله تعالى : { وقيله يارب رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون } ( الزخرف : 88 ) فإن الضمير للرسول صلى الله عليه وسلم أي يعلم الله قيل محمد : { وقيله يارب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون } ، كما قال نوح عليه السلام : { إنك إن تذرهم يضلوا عبادك } ( نوح : 27 ) ، وعلى هذا فقوله تعالى : { فاصفح عنهم وقل سلام } ( الزخرف : 89 ) إرشاد له لئلا يدعو على قومه عند يأسه منهم كما دعا عليهم نوح عنده ، وإذا كان القول مضافا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فلا يكون القيل اسما لقول لم يعلم قائله ؟ فنقول : الجواب عنه من وجهين أحدهما : إن قولنا : إنه اسم مأخوذ من قيل الموضوع لقول لم يعلم قائله في الأصل لا ينافي جواز استعماله في قول من علم بغير الموضوع وثانيهما : وهو الجواب الدقيق أن نقول : الهاء في : { وقيله } ضمير كما في ربه وكالضمير المجهول عند الكوفيين وهو ضمير الشأن ، وعند البصريين قال : { فإنها لا لاولى الابصار } ( الحج : 46 ) والهاء غير عائد إلى مذكور ، غير أن الكوفيين جعلوه لغير معلوم والبصريين جعلوه ضمير القصة ، والظاهر في هذه المسألة قول الكوفيين ، وعلى هذا معنى عبارتهم بلغ غاية علم الله تعالى قيل القائل منهم : { يستبشرون قال إن هؤلآء } ، إشارة إلى أن الاختصاص بذلك القول في كل أحد إنهم لا يؤمنون لعلمه أنهم قائلون بهذا وأنهم عالمون ، وأهل السماء علموا بأن عند الله علم الساعة يعلمها فيعلم قول من يقول : { وقيله يارب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون } ( الزخرف : 88 ) من غير تعيين قول لاشتراك الكل فيه ، ويؤيد هذا أن الضمير لو كان عائدا إلى معلوم فإما أن يكون إلى مذكور قبله ، ولا شيء فيما / قبله يصح عود الضمير إليه ، وإما إلى معلوم غير مذكور وهو محمد صلى الله عليه وسلم لكن الخطاب بقوله : { فاصفح } ( الحجر : 85 ) كان يقتضي أن يقول ، وقيلك يا رب لأن محمدا صلى الله عليه وسلم هو المخاطب أولا بكلام الله ، وقد قال قبله : { ولئن سألتهم } ( الزخرف : 87 ) وقال من قبل : { قل إن كان للرحمان ولد فأنا أول العابدين } ( الزخرف : 81 ) وكان هو المخاطب أولا ، إذا تحقق هذا ؟

Bölüm V29/P140

نقول : إذا تفكرت في استعمال لفظ القيل في القرآن ترى ما ذكرنا ملحوظا مراعى ، فقال ههنا : { إلا قيلا سلاما سلاما } لعدم اختصاص هذا القول بقائل دون قائل فيسمع هذا القول دائما من الملائكة والناس كما قال تعالى : { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام } ( الرعد : 23 ، 24 ) وقال تعالى : { سلام قولا من رب رحيم } ( يس : 58 ) حيث كان المسلم منفردا ، وهو الله كأنه قال : سلام قولا منا ، وقال تعالى : { ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا } ( فصلت : 33 ) وقال : { هى أشد وطأ وأقوم قيلا } ( المزمل : 6 ) لأن الداعي معين وهم الرسل ومن اتبعهم من الأمة وكل من قام ليلا فإن قوله : قويم ، ونهجه مستقيم ، وقال تعالى : { وقيله يارب رب } ( الزخرف : 88 ) لأن كل أحد يقول : إنهم لا يؤمنون . أما هم فلاعترافهم ولإقرارهم وأما غيرهم فلكفرانهم بإسرافهم وإصرارهم / ويؤيد ما ذكرنا أنه تعالى قال : { لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما } والاستثناء المتصل يقرب إلى المعنى بالنسبة إلى غيره وهو قول لا يعرف قائله ، فقال : { إلا قيلا } وهو سلام عليك ، وأما قول من يعرف وهو الله فهو الأبعد عن اللغو غاية البعد وبينهما نهاية الخلاف فقال : { سلام قولا } ( يس : 58 ) .

Bölüm V29/P140–V29/P141

المسألة السادسة : { سلام } ، فيه ثلاثة أوجه أحدها : أنه صفة وصف الله تعالى بها { قيلا } كما يوصف الشيء بالمصدر حيث يقال : رجل عدل ، وقوم صوم ، ومعناه إلا قيلا سالما عن العيوب ، وثانيها : هو مصدر تقديره ، إلا أن يقولوا سلاما وثالثها : هو بدل من { قيلا } ، تقديره : إلا سلاما . المسألة السابعة : تكرير السلام هل فيه فائدة ؟ نقول : فيه إشارة إلى تمام النعمة ، وذلك لأن أثر السلام في الدنيا لا يتم إلا بالتسليم ورد السلام ، فكما أن أحد المتلاقيين في الدنيا يقول للآخر : السلام عليك ، فيقول الآخر : وعليك السلام ، فكذلك في الآخرة يقولون : { سلاما سلاما } ثم إنه تعالى لما قال : { سلام قولا من رب رحيم } ( يس : 58 ) لم يكن له رد لأن تسليم الله على عبده مؤمن له ، فأما الله تعالى فهو منزه عن أن يؤمنه أحد ، بل الرد إن كان فهو قول المؤمن : سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين . المسألة الثامنة : ما الفرق بين قوله تعالى : { سلاما سلاما } بنصبهما ، وبين قوله تعالى : { قالوا سلاما قال سلام } ( هود : 69 ) قلنا : قد ذكرنا هناك أن قوله : ( سلام عليك ) أتم وأبلغ من قولهم سلاما عليك فإبراهيم عليه السلام أراد أن يتفضل عليهم بالذكر ويجيبهم بأحسن ما حيوا ، وأما هنا فلا يتفضل أحد من أهل الجنة على الآخر مثل التفضل في تلك الصورة إذ هم من جنس واحد ، وهم المؤمنون ولا ينسب أحد إلى أحد تقصيرا . المسألة التاسعة : إذا كان قول القائل : ( سلام عليك ) أتم وأبلغ فما بال القراءة المشهورة / صارت بالنصب ، ومن قرأ ( سلام ) ليس مثل الذي قرأ بالنصب ، نقول ذلك من حيث اللفظ والمعنى ، أما اللفظ فلأنه يستثنى من المسموع وهو مفعول منصوب ، فالنصب بقوله : { لا يسمعون فيها لغوا } وأما المعنى فلأنا بينا أن الاستثناء متصل ، وقولهم : { سلام } أبعد من اللغو من قولهم : { سلاما } فقال : { إلا قيلا سلاما } ليكون أقرب إلى اللغو من غيره ، وإن كان في نفسه بعيدا عنه . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { وأصحاب اليمين مآ أصحاب اليمين فى سدر مخضود وطلح منضود } . > 7 ! < < الواقعة : ( 27 ) وأصحاب اليمين ما . . . . . > > لما بين حال السابقين شرع في شأن أصحاب الميمنة من الأزواج الثلاثة ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : ما الفائدة في ذكرهم بلفظ : { الميمنة ما } ( الواقعة : 8 ) عند ذكر الأقسام ، وبلفظ : { اليمين ما } عند ذكر الإنعام ؟ نقول : الميمنة مفعلة إما بمعنى موضع اليمين كالمحكمة لموضع الحكم ، أي الأرض التي فيها اليمين وإما بمعنى موضع اليمن كالمنارة موضع النار ، والمجمرة موضع الجمر ، فكيفما كان الميمنة فيها دلالة على الموضع ، لكن الأزواج الثلاثة في أول الأمر يتميز بعضهم عن بعض ، ويتفرقون لقوله تعالى : { يومئذ يتفرقون } ( الروم ) 14 ) وقال : { يصدعون } ( الروم : 43 ) فيتفرقون بالمكان فأشار في الأول إليهم بلفظ يدل على المكان ، ثم عند الثواب وقع تفرقهم بأمر مبهم لا يتشاركون فيه كالمكان ، فقال : { وأصحاب اليمين } وفيه وجوه أحدها : أصحاب اليمين الذين يأخذون بأيمانهم كتبهم ثانيها : أصحاب القوة ثالثها : أصحاب النور ، وقد تقدم بيانه .

Bölüm V29/P141–V29/P142

المسألة الثانية : ما الحكمة في قوله تعالى : { فى سدر } وأية نعمة تكون في كونهم في سدر ، والسدر من أشجار البوادي ، لا بمر ولا بحلو ولا بطيب ؟ نقول : فيه حكمة بالغة غفلت عنها الأوائل والأواخر ، واقتصروا في الجواب والتقريب أن الجنة تمثل بما كان عند العرب عزيزا محمودا ، وهو صواب ولكنه غير فائق ، والفائق الرائق الذي هو بتفسير كلام الله لائق ، هو أن نقول : إنا قد بينا مرارا أن البليغ يذكر طرفي أمرين ، يتضمن ذكرهما الإشارة إلى جميع ما بينهما ، كما يقال : فلان ملك الشرق والغرب ، ويفهم منه أنه ملكهما وملك ما بينهما ، ويقال : فلان أرضى الصغير والكبير ، ويفهم منه أنه أرضى كل أحد إلى غير ذلك ، فنقول : لا خفاء في أن تزين المواضع التي يتفرج فيها بالأشجار ، وتلك الأشجار تارة يطلب منها نفس الورق والنظر إليه والاستظلال به ، وتارة يقصد إلى ثمارها ، وتارة يجمع بينهما ، لكن الأشجار أوراقها على أقسام كثيرة ، ويجمعها نوعان : أوراث صغار ، وأوراق كبار ، والسدر في غاية الصغر ، والطلح وهو شجر الموز في غاية الكبر ، فقوله تعالى : { فى سدر مخضود وطلح منضود } إشارة إلى ما يكون ورقه / في غاية الصغر من الأشجار ، وإلى ما يكون ورقه في غاية الكبر منها ، فوقعت الإشارة إلى الطرفين جامعة لجميع الأشجار نظرا إلى أوراقها ، والورق أحد مقاصد الشجر ونظيره في الذكر ذكر النخل والرمان عند القصد إلى ذكر الثمار ، لأن بينهما غاية الخلاف كما بيناه في موضعه ، فوقعت الإشارة إليهما جامعة لجميع الأشجار نظرا إلى ثمارها ، وكذلك قلنا في النخيل والأعناب ، فإن النخل من أعظم الأشجار المثمرة ، والكرم من أصغر الأشجار المثمرة ، وبينهما أشجار فوقعت الإشارة إليهما جامعة لسائر الأشجار ، وهذا جواب فائق وفقنا الله تعالى له . المسألة الثالثة : ما معنى المخضود ؟ نقول فيه وجهان أحدهما : مأخوذ الشوك ، فإن شوك السدر يستقصف ورقها ، ولولاه لكان منتزه العرب ، ذلك لأنها تظل لكثرة أوراقها ودخول بعضها في بعض وثانيهما : مخضود أي متعطف إلى أسفل ، فإن رؤوس أغصان السدر في الدنيا تميل إلى فوق بخلاف أشجار الثمار ، فإن رؤوسهما تتدلى ، وحينئذ معناه أنه يخالف سدر الدنيا ، فإن لها ثمرا كثيرا . المسألة الرابعة : ما الطلح ؟ نقول : الظاهر أنه شجر الموز ، وبه يتم ما ذكرنا من الفائدة روي أن عليا عليه السلام سمع من يقرأ : { وطلح منضود } فقال : ما شأن الطلح ؟ إنما هو ( وطلع ) ، واستدل بقوله تعالى : { لها طلع نضيد } ( ق : 10 ) فقالوا : في المصاحف كذلك ، فقال : لا تحول المصاحف ، فنقول : هذا دليل معجزة القرآن ، وغزارة علم علي رضي الله عنه . أما المعجزة فلأن عليا كان من فصحاء العرب ولما سمع هذا حمله على الطلع واستمر عليه ، وما كان قد اتفق حرفه لمبادرة ذهنه إلى معنى ، ثم قال في نفسه : إن هذا الكلام في غاية الحسن ، لأنه تعالى ذكر الشجر المقصود منه الورق للاستظلال به ، والشجر المقصود منه الثمر للاستغلال به ، فذكر النوعين ، ثم إنه لما اطلع على حقيقة اللفظ علم أن الطلح في هذا الموضع أولى ، وهو أفصح من الكلام الذي ظنه في غاية الفصاحة فقال : المصحف بين لي أنه خير مما كان في ظني فالمصحف لا يحول . والذي يؤيد هذا أنه لو كان طلع لكان قوله تعالى : { وفاكهة كثيرة } ( الواقعة : 32 ) تكرار أحرف من غير فائدة ، وأما على الطلح فتظهر فائدة قوله تعالى : { وفاكهة } وسنبينها إن شاء الله تعالى .

Bölüm V29/P142–V29/P143

المسألة الخامسة : ما المنضود ؟ فنقول : إما الورق وإما الثمر ، والظاهر أن المراد الورق ، لأن شجر الموز من أوله إلى أعلاه يكون ورقا بعد ورق ، وهو ينبت كشجر الحنطة ورقا بعد ورق وساقه يغلظ وترتفع أوراقه ، ويبقى بعضها دون بعض ، كما في القصب ، فموز الدنيا إذا ثبت كان بين القصب وبين بعضها فرجة ، وليس عليها ورق ، وموز الآخرة يكون ورقه متصلا بعضه ببعض فهو أكثر أوراقا ، وقيل : المنضود المثمر ، فإن قيل : إذا كان الطلح شجرا فهو لا يكون منضودا وإنما يكون له ثمر منضود ، فكيف وصف به الطلح ؟ نقول : هو من باب حسن الوجه وصف بسبب اتصاف ما يتصل به ، يقال : زيد حسن الوجه ، وقد يترك الوجه ويقال : زيد حسن والمراد / حسن الوجه ولا يترك إن أوهم فيصح أن يقال : زيد مضروب الغلام ، ولا يجوز ترك الغلام لأنه يوهم الخطأ ، وأما حسن الوجه فيجوز ترك الوجه . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { وظل ممدود } . > 7 ! < < الواقعة : ( 30 ) وظل ممدود > > وفيه وجوه الأول : ممدود زمانا ، أي لا زوال له فهو دائم ، كما قال تعالى : { أكلها دائم وظلها } ( الرعد : 35 ) أي كذلك الثاني : ممدود مكانا ، أي يقع على شيء كبير ويستره من بقعة الجنة الثالث : المراد ممدود أي منبسط ، كما قال تعالى : { والارض مددناها } ( الحجر : 19 ) فإن قيل : كيف يكون الوجه الثاني ؟ نقول : الظل قد يكون مرتفعا ، فإن الشمس إذا كانت تحت الأرض يقع ظلها في الجو فيتراكم الظل فيسود وجه الأرض وإذا كانت على أحد جانبيها قريبة من الأفق ينبسط على وجه الأرض فيضيء الجو ولا يسخن وجه الأرض ، فيكون في غاية الطيبة ، فقوله : { وظل ممدود } أي عند قيامه عمودا على الأرض كالظل بالليل ، وعلى هذا فالظل ليس ظل الأشجار بل ظل يخلقه الله تعالى . [ بم وقوله تعالى : ! 7 < { ومآء مسكوب } . > 7 ! < < الواقعة : ( 31 ) وماء مسكوب > > فيه أيضا وجوه الأول : مسكوب من فوق ، وذلك لأن العرب أكثر ما يكون عندهم الآبار والبرك فلا سكب للماء عندهم بخلاف المواضع التي فيها العيون النابعة من الجبال الحاكمة على الأرض تسكب عليها الثاني : جار في غير أخدود ، لأن الماء المسكوب يكون جاريا في الهواء ولا نهر هناك ، كذلك الماء في الجنة الثالث : كثير وذلك الماء عند العرب عزيز لا يسكب ، بل يحفظ ويشرب ، فإذا ذكروا النعم يعدون كثرة الماء ويعبرون عن كثرتها بإراقتها وسكبها ، والأول أصح . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة } . > 7 ! < < الواقعة : ( 32 ) وفاكهة كثيرة > > لما ذكر الأشجار التي يطلب منها ورقها ذكر بعدها الأشجار التي يقصد ثمرها ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : ما الحكمة في تقديم الأشجار المورقة على غير المورقة ؟ نقول : هي ظاهرة ، وهو أنه قدم الورق على الشجر على طريقة الارتقاء من نعمة إلى ذكر نعمة فوقها ، والفواكه أتم نعمة . المسألة الثانية : ما الحكمة في ذكر الأشجار المورقة بأنفسها ، وذكر أشجار الفواكه بثمارها ؟ نقول : هي أيضا ظاهرة ، فإن الأوراق حسنها عند كونها على الشجر ، وأما الثمار فهي في أنفسها مطلوبة سواء كانت عليها أو مقطوعة ، ولهذا صارت الفواكه لها أسماء بها تعرف أشجارها ، فيقال : شجر التين وورقه .

Bölüm V29/P143–V29/P144

/ المسألة الثالثة : ما الحكمة في وصف الفاكهة بالكثرة ، لا بالطيب واللذة ؟ نقول : قد بينا في سورة الرحمن أن الفاكهة فاعلة كالراضية في قوله : { فى عيشة راضية } ( الحاقة : 21 ) أي ذات فكهة ، وهي لا تكون بالطبيعة إلا بالطيب واللذة ، وأما الكثرة ، فبينا أن الله تعالى حيث ذكر الفاكهة ذكر ما يدل على الكثرة ، لأنها ليست لدفع الحاجة حتى تكون بقدر الحاجة ، بل هي للتنعم ، فوصفها بالكثرة والتنوع . المسألة الرابعة : { لا مقطوعة } أي ليست كفواكه الدنيا ، فإنها تنقطع في أكثر الأوقات والأزمان ، وفي كثير من المواضع والأماكن { ولا ممنوعة } أي لا تمنع من الناس لطلب الأعواض والأثمان ، والممنوع من الناس لطلب الأعواض والأثمان ظاهر في الحس ، لأن الفاكهة في الدنيا تمنع عن البعض فهي ممنوعة ، وفي الآخرة ليست ممنوعة . وأما القطع فيقال في الدنيا : إنها انقطعت فهي منقطعة لا مقطوعة ، فقوله تعالى : { لا مقطوعة } في غاية الحسن ، لأن فيه إشارة إلى دليل عدم القطع ، كما أن في : { لا ممنوعة } دليلا على عدم المنع ، وبيانه هو أن الفاكهة في الدنيا لا تمنع إلا لطلب العوض ، وحاجة صاحبها إلى ثمنها لدفع حاجة به ، وفي الآخرة مالكها الله تعالى ولا حاجة له ، فلزم أن لا تمنع الفاكهة من أحد كالذي له فاكهة كثيرة ، ولا يأكل ولا يبيع ، ولا يحتاج إليها بوجه من الوجوه لا شك في أن يفرقها ولا يمنعها من أحد . وأما الانقطاع فنقول الذي يقال في الدنيا : الفاكهة انقطعت ، ولا يقال عند وجودها : امتنعت ، بل يقال : منعت ، وذلك ون الإنسان لا يتكلم إلا بما يفهمه الصغير والكبير ، ولكن كل أحد إذا نظر إلى الفاكهة زمان وجودها يرى أحدا يحوزها ويحفظها ولا يراها ينفسها تمتنع فيقول : إنها ممنوعة ، وأما عند انقطاعها وفقدها لا يرى أحدا قطعها حسا وأعدمها فيظنها منقطعة بنفسها لعدم إحساسه بالقاطع ووجود إحساسه بالمانع ، فقال تعالى : لو نظرتم في الدنيا حق النظر علمتم أن كل زمان نظرا إلى كونه ليلا ونهارا ممكن فيه الفاكهة فهي بنفسها لا تنقطع ، وإنما لا توجد عند المحقق لقطع الله إياها وتخصيصها بزمان دون زمان ، وعند غير المحقق لبرد الزمان وحره ، وكونه محتاجا إلى الظهور والنمو والزهر ولذلك تجري العادة بأزمنة فهي يقطعها الزمان في نظر غير المحقق فإذا كانت الجنة ظلها ممدودا لا شمس هناك ولا زمهرير استوت الأزمنة والله تعالى يقطعها فلا تكون مقطوعة بسبب حقيقي ولا ظاهر ، فالمقطوع يتفكر الإنسان فيه ويعلم أنه مقطوع لا منقطع من غير قاطع ، وفي الجنة لا قاطع فلا تصير مقطوعة . المسألة الخامسة : قدم نفي كونها مقطوعة لما أن القطع للموجود والمنع بعد الوجود لأنها توجد أولا ثم تمنع فإن لم تكن موجودة لا تكون ممنوعة محفوظة فقال : لا تقطع فتوجد أبدا ثم إن ذلك الموجود لا يمنع من أحد وهو ظاهر غير أنا نحب أن لا نترك شيئا مما يخطر بالبال ويكون صحيحا . [ بم / ثم قال تعالى : ! 7 < { وفرش مرفوعة } . > 7 ! < < الواقعة : ( 34 ) وفرش مرفوعة > > وقد ذكرنا معنى الفرش ونذكر وجها آخر فيها إن شاء الله تعالى ، وأما المرفوعة ففيها ثلاثة أوجه أحدها : مرفوعة القدر يقال : ثوب رفيع أي عزيز مرتفع القدر والثمن ويدل عليه قوله تعالى : { على فرش بطائنها } ( الرحمن : 54 ) وثانيها : مرفوعة بعضها فوق بعض ثالثها : مرفوعة فوق السرير . [ بم ثم قال تعالى :

Bölüm V29/P144–V29/P145

! 7 < { إنآ أنشأناهن إنشآء فجعلناهن أبكارا عربا أترابا لاصحاب اليمين } . > 7 < الواقعة : ( 35 - 38 ) إنا أنشأناهن إنشاء > > وفي الإنشاء مسائل : المسألة الأولى : الضمير في : { أنشأناهن } عائد إلى من ؟ فيه ثلاثة أوجه أحدها : إلى { حور عين } ( الواقعة : 22 ) وهو بعيد لبعدهن ووقوعهن في قصة أخرى ثانيها : أن المراد من الفرش النساء والضمير عائد إليهن لقوله تعالى : { هن لباس لكم } ( البقرة : 187 ) ، ويقال للجارية صارت فراشا وإذا صارت فراشا رفع قدرها بالنسبة إلى جارية لم تصر فراشا ، وهو أقرب من الأول لكن يبعد ظاهرا لأن وصفها بالمرفوعة ينبىء عن خلاف ذلك وثالثها : أنه عائد إلى معلوم دل عليه فرش لأنه قد علم في الدنيا وفي مواضع من ذكر الآخرة ، أن في الفرش حظايا تقديره وفي فرش مرفوعة حظايا منشآت وهو مثل ما ذكر في قوله تعالى : { قاصرات الطرف } ( الرحمن : 56 ) { ومقصورات } ( الرحمن : 72 ) فهو تعالى أقام الصفة مقام الموصوف ولم يذكر نساء الآخرة بلفظ حقيقي أصلا وإنما عرفهن بأوصافهن ولباسهن إشارة إلى صونهن وتخدرهن ، وقوله تعالى : { مرفوعة إنا أنشأناهن } يحتمل أن يكون المراد الحور فيكون المراد الإنشاء الذي هو الابتداء ، ويحتمل أن يكون المراد بنات آدم فيكون الإنشاء بمعنى إحياء الإعادة ، وقوله تعالى : { أبكارا } يدل على الثاني لأن الإنشاء لو كان بمعنى الابتداء لعلم من كونهن أبكارا من غير حاجة إلى بيان ولما كان المراد إحياء بنات آدم قال : { أبكارا } أي نجعلهن أبكارا وإن متن ثيبات ، فإن قيل : فما الفائدة على الوجه الأول ؟ نقول : الجواب من وجهين الأول : أن الوصف بعدها لا يكون من غيرها إذا كن أزواجهم بين الفائدة لأن البكر في الدنيا لا تكون عارفة بلذة الزوج فلا ترضى بأن تتزوج من رجل لا تعرفه وتختار التزويج بأقرانها ومعارفها لكن أهل الجنة إذا لم يكن من جنس أبناء آدم وتكون الواحدة منهن بكرا لم تر زوجا ثم تزوجت بغير جنسها فربما يتوهم منها سوء عشرة فقال : { أبكارا } فلا يوجد فيهن ما يوجد في أبكار الدنيا الثاني : المراد أبكارا بكارة تخالف بكارة الدنيا ، فإن البكارة لا تعود إلا على بعد . وقوله تعالى : { أترابا } يحتمل وجوها أحدها : مستويات في السن فلا تفضل إحداهن على الأخرى بصغر ولا كبر كلهن خلقن في زمان / واحد ، ولا يلحقهن عجز ولا زمانة ولا تغير لون ، وعلى هذا إن كن من بنات آدم فالفظ فيهن حقيقة ، وإن كن من غيرهن فمعناه ما كبرن سمين به لأن كلا منهن تمس وقت مس الأخرى لكن نسي الأصل ، وجعل عبارة عن ذلك كاللذة للمتساويين من العقلاء ، فأطلق على حور الجنة أترابا ثانيها : أترابا متماثلات في النظر إليهن كالأتراب سواء وجدن في زمان أو في أزمنة ، والظاهر أنه في أزمنة لأن المؤمن إذا عمل عملا صالحا خلق له منهن ما شاء الله ثالثها : أترابا لأصحاب اليمين ، أي على سنهم ، وفيه إشارة إلى الاتفاق ، لأن أحد الزوجين إذا كان أكبر من الآخر فالشاب يعيره .

Bölüm V29/P145

المسألة الثانية : إن قيل ما الفائدة في قوله : { فجعلناهن } ؟ نقول : فائدته ظاهرة تتبين بالنظر إلى اللام في : { لاصحاب اليمين } فنقول : إن كانت اللام متعلقة بأترابا يكون معناه : { أنشأناهن } وهذا لا يجوز وإن كانت متعلقة بأنشأناهن يكون معناه أنشأناهن لأصحاب اليمين والإنشاء حال كونهن أبكارا وأترابا فلا يتعلق الإنشاء بالأبكار بحيث يكون كونهن أبكارا بالإنشاء لأن الفعل لا يؤثر في الحال تأثيرا واجبا فنقول : صرفه للإنشاء لا يدل على أن الإنشاء كان بفعل فيكون الإنعام عليهم بمجرد إنشائهن لأصحاب اليمين : { فجعلناهن أبكارا } ليكون ترتيب المسبب على السبب فاقتضى ذلك كونهن أبكارا ، وأما إن كان الإنشاء أولا من غير مباشرة للأزواج ما كان يقتضي جعلهن أبكارا فالفاء لترتيب المقتضى على المقتضى . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { ثلة من الا ولين وثلة من الا خرين } . > 7 ! < < الواقعة : ( 39 ) ثلة من الأولين > > وقد ذكرنا ما فيه لكن هنا لطيفة : وهي أنه تعالى قال في السابقين : { ثلة من الاولين } ( الواقعة : 13 ) قبل ذكر السرر والفاكهة والحور وذكر في أصحاب اليمين : { ثلة من الاولين } بعد ذكر هذه النعم ، نقول : السابقون لا يلتفتون إلى الحور العين والمأكول والمشروب ونعم الجنة تتشرف بهم ، وأصحاب اليمين يلتفتون إليها فقدم ذكرها عليهم ثم قال : هذا لكم وأما السابقون فذكرهم أولا ثم ذكر مكانهم ، فكأنه قال لأهل الجنة هؤلاء واردون عليكم . والذي يتمم هذه اللطيفة أنه تعالى لم يقدم ثلة السابقين إلا لكونهم مقربين حسا فقال : { المقربون في جنات } ( الواقعة : 11 ، 12 ) ثم قال : { ثلة } ثم ذكر النعم لكونها فوق الدنيا إلا المودة في القربى من الله فإنها فوق كل شيء ، وإلى هذا أشار بقوله تعالى : { قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة فى القربى } ( الشورى : 23 ) أي في المؤمنين ووعد المرسلين بالزلفى في قوله : { وإن له عندنا لزلفى } ( ص : 25 ) وأما قوله : { في جنات النعيم } ( الواقعة : 12 ) فقد ذكرنا أنه لتمييز مقربي المؤمنين من مقربي الملائكة ، فإنهم مقربون في الجنة وهم مقربون في أماكنهم لقضاء الأشغال التي للناس وغيرهم بقدرة الله وقد بان من هذا أن المراد من أصحاب اليمين هم الناجون الذين أذنبوا وأسرفوا وعفا الله عنهم بسبب أدنى حسنة لا الذين غلبت حسناتهم وكثرت وسنذكر الدليل عليه في قوله تعالى : { فسلام لك من أصحاب اليمين } ( الواقعة : 91 ) . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { وأصحاب الشمال مآ أصحاب الشمال فى سموم وحميم وظل من يحموم } . > 7 ! < < الواقعة : ( 41 ) وأصحاب الشمال ما . . . . . > > وفيه مسائل :

Bölüm V29/P145–V29/P146

المسألة الأولى : ما الحكمة في ذكر السموم والحميم وترك ذكر النار وأهوالها ؟ نقول : فيه إشارة بالأدنى إلى الأعلى فقال : هواؤهم الذي يهب عليهم سموم ، وماؤهم الذي يستغيثون به حميم ، مع أن الهواء والماء أبرد الأشياء ، وهما أي السموم والحميم من أضر الأشياء بخلاف الهواء والماء في الدنيا فإنهما من أنفع الأشياء فما ظنك بنارهم التي هي عندنا أيضا أحر ، ولو قال : هم في نار ، كنا نظن أن نارهم كنارنا لأنا ما رأينا شيئا أحر من التي رأيناها ، ولا أحر من السموم ، ولا أبرد من الزلال ، فقال : أبرد الأشياء لهم أحرها فكيف حالهم مع أحرها ، فإن قيل : ما السموم ؟ نقول : المشهور هي ريح حارة تهب فتمرض أو تقتل غالبا ، والأولى أن يقال : هي هواء متعفن ، يتحرك من جانب إلى جانب فإذا استنشق الإنسان منه يفسد قلبه بسبب العفونة ويقتل الإنسان ، وأصله من السم كسم الحية والعقرب وغيرهما ، ويحتمل أن يكون هذا السم من السم ، وهو خرم الإبرة ، كماقال تعالى : { حتى يلج الجمل فى سم الخياط } ( الأعراف : 40 ) لأن سم الأفعى ينفذ في المسام فيفسدها ، وقيل : إن السموم مختصة بما يهب ليلا ، وعلى هذا فقوله : { سموم } إشارة إلى ظلمة ما هم فيه غير أنه بعيد جدا ، لأن السموم قد ترى بالنهار بسبب كثافتها . المسألة الثانية : الحميم هو الماء الحار وهو فعيل بمعنى فاعل من حمم الماء بكسر الميم ، أو بمعنى مفعول من حمم الماء إذا سخنه ، وقد ذكرناه مرارا غير أن ههنا لطيفة لغوية : وهي أن فعولا لما تكرر منه الشيء والريح لما كانت كثيرة الهبوب تهب شيئا بعد شيء خص السموم بالفعول ، والماء الحار لما كان لا يفهم منه الورود شيئا بعد شيء لم يقل : فيه حموم ، فإن قيل : ما اليحموم ؟ نقول : فيه وجوه أولها : أنه اسم من أسماء جهنم ثانيها : أنه الدخان ثالثها : أنه الظلمة ، وأصله من الحمم وهو الفحم فكأنه لسواده فحم فسموه باسم مشتق منه ، وزيادة الحرف فيه لزيادة ذلك المعنى فيه ، وربما تكون الزيادة فيه جاءت لمعنيين : الزيادة في سواده والزيادة في حرارته ، وفي الأمور الثلاثة إشارة إلى دونهم في العذاب دائما لأنهم إن تعرضوا لمهب الهواء أصابهم الهواء الذي هو السموم ، وإن استكنوا كما يفعله الذي يدفع عن نفسه السموم بالاستكنان في الكن يكونوا في ظل من يحموم وإن أرادوا الرد عن أنفسهم السموم بالاستكنان في مكان من حميم فلا انفكاك لهم من عذاب الحميم ، ويحتمل أن يقال فيه ترتيب وهو أن السموم يضربه فيعطش وتلتهب نار السموم في أحشائه فيشرب الماء / فيقطع أمعاءه ويريد الاستظلال بظل فيكون ذلك الظل ظل اليحموم ، فإن قيل : كيف وجه استعمال ( من ) في قوله تعالى : { من يحموم } ؟ فنقول : إن قلنا إنه اسم جهنم فهو لابتداء الغاية كما تقول : جاءني نسيم من الجنة ، وإن قلنا : إنه دخان فهو كما في قولنا : خاتم من فضة ، وإن قلنا : إنه الظلمة فكذلك ، فإن قيل : كيف يصح تفسيره بجهنم مع أنه اسم منصرف منكر فكيف وضع لمكان معرف ، ولو كان اسما لها ، قلنا : استعماله بالألف واللام كالجحيم ، أو كان غير منصرف كأسماء جهنم يكون مثله على ثلاثة مواضع كلها يحموم . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { لا بارد ولا كريم } . > 7 ! < < الواقعة : ( 44 ) لا بارد ولا . . . . .

Bölüm V29/P146–V29/P147

> > قال الزمخشري : كرم الظل نفعه الملهوف ، ودفعه أذى الحر عنه ، ولو كان كذلك لكان البارد والكريم بمعنى واحد ، والأقرب أن يقال : فائدة الظل أمران : أحدهما دفع الحر ، والآخر كون الإنسان فيه مكرما ، وذلك لأن الإنسان في البرد يقصد عين الشمس ليتدفأ بحرها إذا كان قليل الثياب ، فإذا كان من المكرمين يكون أبدا في مكان يدفع الحر والبرد عن نفسه في الظل ، أما الحر فظاهر ، وأما البرد فيدفعه بإدفاء الموضع بإيقاد ما يدفئه ، فيكون الظل في الحر مطلوبا للبرد فيطلب كونه باردا ، وفي البرد يطلب لكونه ذا كرامة لا لبرد يكون في الظل فقال : { لا بارد } يطلب لبرده ، ولا ذي كرامة قد أعد للجلوس فيه ، وذلك لأن المواضع التي يقع عليها ظل كالمواضع التي تحت أشجار وأمام الجدار يتخذ منها مقاعد فتصير تلك المقاعد محفوظة عن الفاذورات ، وباقي المواضع تصير مزابل ، ثم إذا وقعت الشمس في بعض الأوقات عليها تطلب لنظافتها ، وكونها معدة للجلوس ، فتكون مطلوبة في مثل هذا الوقت لأجل كرامتها لا لبردها ، فقوله تعالى : { لا بارد ولا كريم } يحتمل هذا ، ويحتمل أن يقال : إن الظل يطلب لأمر يرجع إلى الحس ، أو لأمر يرجع إلى العقل ، فالذي يرجع إلى الحس هو برده ، والذي يرجع إلى العقل أن يكون الرجوع إليه كرامة ، وهذا لا برد له ولا كرامة فيه ، وهذا هو المراد بما نقله الواحدي عن الفراء أن العرب تتبع كل منفي بكريم إذا كان المنفي أكرم فيقال : هذه الدار ليست بواسعة ولا كريمة ، والتحقيق فيه ما ذكرنا أن وصف الكمال ، إما حسي ، وإما عقلي ، والحسي يصرح بلفظه ، وأما العقلي فلخفائه عن الحس يشار إليه بلفظ جامع ، لأن الكرامة ، والكرامة عند العرب من أشهر أوصاف المدح ونفيهما نفي وصف الكمال العقلي ، فيصير قوله تعالى : { لا بارد ولا كريم } معناه لا مدح فيه أصلا لا حسا ولا عقلا . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { إنهم كانوا قبل ذلك مترفين وكانوا يصرون على الحنث العظيم وكانوا يقولون أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمبعوثون أو ءابآؤنا الا ولون } . > 7 ! / < < الواقعة : ( 45 ) إنهم كانوا قبل . . . . . > > وفي الآيات لطائف ، نذكرها في مسائل : المسألة الأولى : ما الحكمة في بيان سبب كونهم في العذاب مع أنه تعالى لم يذكر سبب كون أصحاب اليمين في النعيم ، ولم يقل : إنهم كانوا قبل ذلك شاكرين مذعنين ؟ فنقول : قد ذكرنا مرارا أن الله تعالى عند إيصال الثواب لا يذكر أعمال العباد الصالحة ، وعند إيصال العقاب يذكر أعمال المسيئين لأن الثواب فضل والعقاب عدل ، والفضل سواء ذكر سببه أو لم يذكر لا يتوهم في المتفضل به نقص وظلم ، وأما العدل فإن لم يعلم سبب العقاب ، يظن أن هناك ظلما فقال : هم فيها بسبب ترفهم ، والذي يؤيد هذه اللطيفة أن الله تعالى قال في حق السابقين : { جزاء بما كانوا يعملون } ( الواقعة : 24 ) ولم يقل : في حق أصحاب اليمين ، ذلك لأنا أشرنا أن أصحاب اليمين هم الناجون بالفضل العظيم ، وسنبين ذلك في قوله تعالى : { فسلام لك } ( الواقعة : 91 ) وإذا كان كذلك فالفضل في حقهم متمحض فقال : هذه النعم لكم ، ولم يقل جزاء لأن قوله : { جزاء } في مثل هذا الموضع ، وهو موضع العفو عنهم لا يثبت لهم سرورا بخلاف من كثرت حسناته ، فيقال له : نعم ما فعلت خذ هذا لك جزاء .

Bölüm V29/P147–V29/P148

المسألة الثانية : جعل السبب كونهم مترفين وليس كل من هو من أصحاب الشمال يكون مترفا فإن فيهم من يكون فقيرا ؟ نقول قوله تعالى : { إنهم كانوا قبل ذلك مترفين } ليس بذم ، فإن المترف هو الذي جعل ذا ترف أي نعمة ، فظاهر ذلك لا يوجب ذما ، لكن ذلك يبين قبح ما ذكر عنهم بعده وهو قوله تعالى : { وكانوا يصرون } لأن صدور الكفران ممن عليه غاية الإنعام أقبح القبائح فقال : إنهم كانوا مترفين ، ولم يشكروا نعم الله بل أصروا على الذنب وعلى هذا فنقول : النعم التي تقتضي شكر الله وعبادته في كل أحد كثيرة فإن الخلق والرزق وما يحتاج إليه وتتوقف مصالحه عليه حاصل للكل ، غاية ما في الباب أن حال الناس في الإتراف متقارب ، فيقال في حقل البعض بالنسبة إلى بعض : إنه في ضر ، ولو حمل نفسه على القناعة لكان أغنى الأغنياء وكيف لا والإنسان إذا نظر إلى حالة يجدها مفتقرة إلى مسكني يأوي إليه ولباس الحر والبرد وما يسد جوعه من المأكول والمشروب ، وغير هذا من الفضلات التي يحمل عليها شح النفس ، ثم إن أحدا لا يغلب عن تحصيل مسكن باشتراء أو اكتراء ، فإن لم يكن فليس هو أعجز من الحشرات ، لا تفقد مدخلا أو مغارة ، وأما اللباس فلو اقتنع بما يدفع الضرورة كان يكفيه في عمره لباس واحد ، كلما تمزق منه موضع يرقعه من أي شيء كان ، بقي أمر المأكول والمشروب ، فإذا نظر الناظر يجد كل أحد في جميع الأحوال غير مغلوب عن كسرة خبز وشربة ماء ، غير أن طلب الغنى يورث الفقر فيريد الإنسان بيتا مزخرفا ولباسا فاخرا ومأكولا طيبا ، وغير ذلك من أنواع الدواب / والثياب ، فيفتقر إلى أن يحمل المشاق ، وطلب الغنى يورث فقره ، وارتياد الارتفاع يحط قدره ، وبالجملة شهوة بطنه وفرجه تكسر ظهره على أننا نقول في قوله تعالى : { كانوا قبل ذلك مترفين } لا شك أن أهل القبور لما فقدوا الأيدي الباطشة ، والأعين الباصرة ، وبان لهم الحقائق ، علموا { إنهم كانوا قبل ذلك مترفين } بالنسبة إلى تلك الحالة . المسألة الثالثة : ما الإصرار على الحنث العظيم ؟ نقول : الشرك ، كما قال تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) وفيها لطيفة وهي أنه أشار في الآيات الثلاث إلى الأصول الثلاثة فقوله تعالى : { إنهم كانوا قبل ذلك مترفين } من حيث الاستعمال يدل على ذمهم بإنكار الرسل ، إذ المترف متكبر بسبب الغنى فينكر الرسالة ، والمترفون كانوا يقولون : { أبشر منا واحدا نتبعه } ( القمر : 34 ) وقوله : { يصرون على الحنث العظيم } ( الواقعة : 46 ) إشارة إلى الشرك ومخالفة التوحيد ، وقوله تعالى : { وكانوا يقولون أءذا متنا وكنا ترابا } إشارة إلى إنكار الحشر والنشر ، وقوله تعالى : { وكانوا يصرون على الحنث العظيم } فيه مبالغات من وجوه أحدها : قوله تعالى : { كانوا يصرون } وهو آكد من قول القائل : إنهم قبل ذلك أصروا لأن اجتماع لفظي الماضي والمستقبل يدل على الاستمرار ، لأن قولنا : فلان كان يحسن إلى الناس ، يفيد كون ذلك عادة له ثانيها : لفظ الإصرار فإن الإصرار مداومة المعصية والغلول ، ولا يقال : في الخير أصر ثالثها : الحنث فإنه فوق الذنب فإن الحنث لا يكاد في اللغة يقع على الصغيرة والذنب يقع عليها ، وأما الحنث في اليمين فاستعملوه لأن نفس الكذب عند العقلاء قبيح ، فإن مصلحة العالم منوطة بالصدق وإلا لم يحصل لأحد بقول أحد ثقة فلا يبنى على كلامه مصالح ، ولا يجتنب عن مفاسد ، ثم إن الكذب لما وجد في كثير من الناس لأغراض فاسدة أرادوا توكيد الأمر بضم شيء إليه يدفع توهمه فضموا إليه الأيمان ولا شيء فوقها ، فإذا حنث لم يبق أمر يفيد الثقة فيلزم منه فساد فوق فساد الزنا والشرب ، غير أن اليمين إذا كانت على أمر مستقبل ورأى الحالف غيره جوز الشرع الحنث ولم يجوزه في الكبيرة كالزنا والقتل لكثرة وقوع الأيمان وقلة وقوع القتل والذي يدل على أن الحنث هو الكبيرة قولهم للبالغ : بلغ الحنث ، أي بلغ مبلغا بحيث يرتكب الكبيرة وقبله ما كان ينفي عنه الصغيرة ، لأن الولي مأمور بالمعاقبة على إساءة الأدب وترك الصلاة .

Bölüm V29/P148–V29/P149

المسألة الرابعة : قوله تعالى : { العظيم } هذا يفيد أن المراد الشرك ، فإن هذه الأمور لا تجتمع في غيره . المسألة الخامسة : كيف اشتهر { متنا } بكسر الميم مع أن استعمال القرآن في المستقبل يموت قال تعالى عن يحيى وعيسى عليهما السلام : { ويوم أموت } ( مريم : 33 ) ولم يقرأ أمات على وزن أخاف ، وقال تعالى : { قل موتوا } ( آل عمران : 119 ) ولم يقل : قل ماتوا ، وقال تعالى : { ولا تموتن } ( آل عمران : 102 ) ولم يقل : ولا تماتوا كما قال : { لا تخافوا } ( الصافات : 30 ) أقلنا : فيه وجهان أحدهما : أن هذه الكلمة خالفت غيرها ، فقيل فيها : { أموات } والسماع مقدم على القياس والثاني : مات يمات لغة في مات يموت ، فاستعمل ما فيها الكسر لأن / الكسر في الماضي يوجد أكثر الأمرين أحدهما : كثرة يفعل على يفعل وثانيهما : كونه على فعل يفعل ، مثل خاف يخاف ، وفي مستقبلها الضم لأنه يوجد لسببين أحدهما : كون الفعل على فعل يفعل ، مثل طال يطول ، فإن وصفه بالتطويل دون الطائل يدل على أنه من باب قصر يقصر ، وثانيهما : كونه على فعل يفعل ، تقول : فعلت في الماضي بالكسر وفي المستقبل بالضم . المسألة السادسة : كيف أتى باللام المؤكدة في قوله : { لمبعوثون } مع أن المراد هو النفي وفي النفي لا يذكر في خبر إن اللام يقال : إن زيدا ليجيء وإن زيدا لا يجيء ، فلا تذكر اللام ، وما مرادهم بالاستفهام إلا الإنكار بمعنى إنا لا نبعث ؟ نقول : الجواب عنه من وجهين أحدهما : عند إرادة التصريح بالنفي يوجد التصريح بالنفي وصيغته ثانيهما : أنهم أرادوا تكذيب من يخبر عن البعث فذكروا أن المخبر عنه يبالغ في الإخبار ونحن نستكثر مبالغته وتأكيده فحكوا كلامهم على طريقة الاستفهام بمعنى الإنكار ، ثم إنهم أشاروا في الإنكار إلى أمور اعتقدوها مقررة لصحة إنكارهم فقالوا أولا : { أءذا متنا } ولم يقتصروا عليه بل قالوا بعده : { وكنا ترابا وعظاما } أي فطال عهدنا بعد كوننا أمواتا حتى صارت اللحوم ترابا والعظام رفاتا ، ثم زادوا وقالوا : مع هذا يقال لنا : { إنكم لمبعوثون } بطريق التأكيد من ثلاثة أوجه أحدها : استعمال كلمة إن ثانيها : إثبات اللام في خبرها ثالثها : ترك صيغة الاستقبال ، والإتيان بالمفعول كأنه كائن ، فقالوا لنا : { إنكم لمبعوثون } ثم زادوا وقالوا : { أو ءاباؤنا الاولون } يعني هذا أبعد فإنا إذا كنا ترابا بعد موتنا والآباء حالهم فوق حال العظام الرفات فكيف يمكن البعث ؟ وقد بينا في سورة والصافات هذا كله وقلنا : إن قوله : { أو ءاباؤنا الاولون } ( الصافات : 17 ) معناه : أو يقولوا : آباؤنا الأولون ، إشارة إلى أنهم في الإشكال أعظم ، ثم إن الله تعالى أجابهم ورد عليهم في الجواب في كل مبالغة بمبالغة أخرى فقال : ! 7 < { قل إن الا ولين والا خرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم } . > 7 ! < < الواقعة : ( 49 ) قل إن الأولين . . . . .

Bölüm V29/P149–V29/P150

> > فقوله : { قل } إشارة إلى أن الأمر في غاية الظهور ، وذلك أن في الرسالة أسرارا لا تقال إلا للأبرار ، ومن جملتها تعيين وقت القيامة لأن العوام لو علموا لاتكلوا والأنبياء ربما اطلعوا على علاماتها أكثر مما بينوا وربما بينوا للأكابر من الصحابة علامات على ما نبين ففيه وجوه أولها : قوله : { قل } يعني أن هذا من جملة الأمور التي بلغت في الظهور إلى حد يشترك فيه العوام والخواص ، فقال : قل قولا عاما وهكذا في كل موضع ، قال : قل كان الأمر ظاهرا ، قال الله تعالى : { قل هو الله أحد } ( الصمد : 1 ) وقال : { قل إنما أنا بشر مثلكم } ( الكهف : 110 ) وقال : { قل الروح من أمر ربى } ( الإسراء : 85 ) أي هذا هو الظاهر من أمر الروح وغيره خفي ثانيها : قوله تعالى : { إن الاولين والاخرين } بتقديم الأولين على الآخرين في جواب قولهم : { أو ءاباؤنا الاولون } ( الواقعة : 48 ) فإنهم أخروا ذكر الآباء لكون الاستبعاد فيهم أكثر ، فقال إن الأولين الذين تستبعدون بعثهم وتؤخرونهم يبعثهم الله في أمر مقدم على الآخرين ، يتبين منه إثبات / حال من أخرتموه مستبعدين ، إشارة إلى كون الأمر هينا ثالثها : قوله تعالى : { لمجموعون } فإنهم أنكروا قوله : { لمبعوثون } ( الواقعة : 47 ) فقال : هو واقع مع أمر زائد ، وهو أنهم يحشرون ويجمعون في عرصة الحساب ، وهذا فوق البعث ، فإن من بقي تحت التراب مدة طويلة ثم حشر ربما لا يكون له قدرة على الحركة ، وكيف لو كان حيا محبوسا في قبره مدة لتعذرت عليه الحركة ، ثم إنه تعالى بقدرته يحركه بأسرع حركة ويجمعه بأقوى سير ، وقوله تعالى : { لمجموعون } فوق قول القائل : مجموعون كما قلنا : إن قول قول القائل : إنه يموت في إفادة التوكيد دون قوله : إنه ميت رابعها : قوله تعالى : { إلى ميقات يوم معلوم } فإنه يدل على أن الله تعالى يجمعهم في يوم واحد معلوم ، واجتماع عدد من الأموات لا يعلم عددهم إلا الله تعالى في وقت واحد أعجب من نفس البعث وهذا كقوله تعالى في سورة والصافات : { فإنما هى زجرة واحدة } ( الصافات : 19 ) أي أنتم تستبعدون نفس البعث ، والأعجب من هذا أنه يبعثهم بزجرة واحدة أي صيحة واحدة : { فإذا هم ينظرون } أي يبعثون مع زيادة أمر ، وهو فتح أعينهم ونظرهم ، بخلاف من نعس فإنه إذا انتبه يبقى ساعة ثم ينظر في الأشياء ، فأمر الإحياء عند الله تعالى أهون من تنبيه نائم خامسها : حرف { إلى } أدل على البعث من اللام ، ولنذكر هذا في جواب سؤال هو أن الله تعالى قال : { يوم يجمعكم ليوم الجمع } ( التغابن : 9 ) وقال هنا : { لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم } ولم يقل : لميقاتنا وقال : { ولما جاء موسى لميقاتنا } ( التغابن : 143 ) نقول : لما كان ذكر الجمع جوابا للمنكرين المستبعدين ذكر كلمة { إلى } الدالة على التحرك والانتقال لتكون أدل على فعل غير البعث ولا يجمع هناك قال : { يوم يجمعكم ليوم } ولا يفهم النشور من نفس الحرف وإن كان يفهم من الكلام ، ولهذا قال ههنا : { لمجموعون } بلفظ التأكيد ، وقال هناك : { يجمعكم } وقال ههنا : { إلى ميقات } وهو مصير الوقت إليه ، وأما قوله تعالى : { فلما جآء موسى لميقاتنا } فنقول : الموضع هناك لم يكن مطلوب موسى عليه السلام ، وإنما كان مطلوبه الحضور ، لأن من وقت له وقت وعين له موضع كانت حركته في الحقيقة لأمر بالتبع إلى أمر / وأما هناك فالأمر الأعظم الوقوف في موضعه لا زمانه فقال بكلمة دلالتها على الموضع والمكان أظهر .

Bölüm V29/P150–V29/P152

[ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { ثم إنكم أيها الضآلون المكذبون لاكلون من شجر من زقوم فمالأون منها البطون فشاربون عليه من الحميم فشاربون شرب الهيم } . > 7 ! < < الواقعة : ( 51 ) ثم إنكم أيها . . . . . > > في تفسير الآيات مسائل : / المسألة الأولى : الخطاب مع من ؟ نقول : قال بعض المفسرين مع أهل مكة ، والظاهر أنه عام مع كل ضال مكذب وقد تقدم مثل هذا في مواضع ، وهو تمام كلام النبي صلى الله عليه وسلم كأنه تعالى قال لنبيه : قل إن الأولين والآخرين لمجموعون ثم إنكم تعذبون بهذه الأنواع من العذاب . المسألة الثانية : قال ههنا : { الضالون المكذبون } بتقديم الضال وقال في آخر السورة : { وأما إن كان من المكذبين الضالين } ( الواقعة : 92 ) بتقديم المكذبين ، فهل بينهما فرق ؟ قلت : نعم ، وذلك أن المراد من الضالين ههنا هم الذين صدر منهم الإصرار على الحنث العظيم ، فضلوا في سبيل الله ولم يصلوا إليه ولم يوحدوه ، وذلك ضلال عظيم ، ثم كذبوا رسله وقالوا : { أءذا متنا } فكذبوا بالحشر ، فقال : { أيها الضالون } الذين أشركتم : { المكذبون } الذين أنكرتم الحشر لتأكلون ما تكرهون ، وأما هناك فقال لهم : { أيها المكذبون } الذين كذبتم بالحشر : { الضالون } في طريق الخلاص الذين لا يهتدون إلى النعيم ، وفيه وجه آخر وهو أن الخطاب هنا مع الكفار فقال : يا أيها الذين ضللتم أولا وكذبتم ثانيا ، والخطاب في آخر السورة مع محمد صلى الله عليه وسلم يبين له حال الأزواج الثلاثة فقال : المقربون في روح وريحان وجنة ونعيم ، وأصحاب اليمين في سلام ، وأما المكذبون الذين كذبوا فقد ضلوا فقدم تكذيبهم إشارة إلى كرامة محمد صلى الله عليه وسلم حيث بين أن أقوى سبب في عقابهم تكذيبهم والذي يدل على أن الكلام هناك مع محمد صلى الله عليه وسلم قوله : { فسلام لك من أصحاب اليمين } ( الواقعة : 91 ) . المسألة الثالثة : ما الزقوم ؟ نقول : قد بيناه في موضع آخر واختلف فيه أقوال الناس ومآل الأقوال إلى كون ذلك في الطعم مرا وفي اللمس حارا ، وفي الرائحة منتنا ، وفي المنظر أسود لا يكاد آكله يسيغه فيكره على ابتلاعه ، والتحقيق اللغوي فيه أن الزقوم لغية عربية دلنا تركيبه على قبحه ، وذلك لأن زق لم يجتمع إلا في مهمل أو في مكروه منه مزق ، ومنه زمق شعره إذا نتفه ، ومنه القزم للدناءة ، وأقوى من هذا أن القاف مع كل حرف من الحرفين الباقيين يدل على المكروه في أكثر الأمر ، فالقاف مع الميم قمامة وقمقمة ، وبالعكس مقامق ، الغليظ الصوت والقمقمة هو السور ، وأما القاف مع الزاي فالزق رمي الطائر بذرقه ، والزقزقة الخفة ، وبالعكس القزنوب فينفر الطبع من تركيب الكلمة من حروف اجتماعها دليل الكراهة والقبح ، ثم قرن بالأكل فدل على أنه طعام ذو غضة ، وأما ما يقال بأن العرب تقول : زقمني بمعنى أطعمتني الزبد والعسل واللبن ، فذلك للمجانة كقولهم : أرشقني بثوب حسن ، وأرجمني بكيس من ذهب ، وقوله : { من شجر } لابتداء الغاية أي تناولكم منه ، وقوله : { فمالئون منها } زيادة في بيان العذاب أي لا يكتفى منكم بنفس كما الأكل يكتفي من يأكل الشيء لتحلة القسم ، بل يلزمون بأن تملأوا منها البطون والهاء عائدة إلى الشجرة ، والبطون يحتمل أن يكون المراد منه مقابلة الجمع بالجمع أي يملأ كل واحد منكم بطنه / ويحتمل أن يكون المراد أن كل واحد منكم يملأ البطون ، والبطون حينئذ تكون بطون الأمعاء ، لتخيل وصف المعي في باطن الإنسان له / كيأكل في سبعة أمعاء ، فيملأون بطون الأمعاء وغيرها ، والأول أظهر ، والثاني أدخل في التعذيب والوعيد ، قوله : { فشاربون عليه } أي عقيب الأكل تجر مرارته وحرارته إلى شرب الماء فيشربون على ذلك المأكول وعلى ذلك الزقوم من الماء الحار ، وقد تقدم بيان الحميم ، وقوله : { فشاربون شرب الهيم } بيان أيضا لزيادة العذاب أي لا يكون أمركم أمر من شرب ماءا حارا منتنا فيمسك عنه بل يلزمكم أن تشربوا منه مثل ما تشرب الهيم وهي الجمال التي أصابها العطش فتشرب ولا تروى ، وهذا البيان في الشرب لزيادة العذاب ، وقوله : { فمالئون منها } في الأكل ، فإن قيل : الأهيم إذا شرب الماء الكثير يضره ولكن في الحال يلتذ به ، فهل لأهل الجحيم من شرب الحميم الحار في النار لذة ؟ قلنا : لا ، وإنما ذلك لبيان زيادة العذاب ، ووجهه أن يقال : يلزمون بشرب الحميم ولا يكتفي منهم بذلك الشرب بل يلزمون أن يشربوا كما يشرب الجمل الأهيم الذي به الهيام ، أو هم إذا شربوا تزداد حرارة الزقوم في جوفهم فيظنون أنه من الزقوم لا من الحميم فيشربون منه شيئا كثيرا بناء على وهم الري ، والقول في الهيم كالقول في البيض ، أصله هوم ، وهذا من هام يهيم كأنه من العطش يهيم ، والهيام ذلك الداء الذي يجعله كالهائم من العطش .

Sorular

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb · 304 · Qur'an & Sunnah