Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
ومن شاء لم يخرج ، وقال مجاهد : إن شاء فعل ، وإن شاء لم يفعل ، وقال الضحاك ، هو إذن من الله تعالى إذا فرغ ، فإن شاء خرج ، وإن شاء قعد ، والأفضل في الابتغاء من فضل الله أن يطلب الرزق ، أو الولد الصالح أو العلم النافع وغير ذلك من الأمور الحسنة ، والظاهر هو الأول ، وعن عراك بن مالك أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد ( و ) قال : اللهم أجبت دعوتك ، وصليت فريضتك ، وانتشرت كما أمرتني ، فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين ، وقوله تعالى : { واذكروا الله كثيرا } قال مقاتل : باللسان ، وقال سعيد بن جبير : بالطاعة ، وقال مجاهد : لا يكون من الذاكرين كثيرا حتى يذكره قائما وقاعدا ومضطجعا ، والمعنى إذا رجعتم إلى التجارة وانصرفتم إلى البيع والشراء مرة أخرى فاذكروا الله كثيرا ، قال تعالى : { رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله } . وعن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا أتيتم السوق فقولوا لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير ، فإن من قالها كتب الله له ألف ألف حسنة وحط عنه ألف ألف خطيئة ورفع له ألف ألف درجة ) وقوله تعالى : { لعلكم تفلحون } من جملة ما قد مر مرارا ، وفي الآية مباحث :
البحث الأول : ما الحكمة في أن شرع الله تعالى في يوم الجمعة هذا التكليف ؟ فنقول : قال القفال : هي أن الله عز وجل خلق الخلق فأخرجهم من العدم إلى الوجود وجعل منهم جمادا وناميا وحيوانا ، فكان ما سوى الجماد أصنافا ، منها بهائم وملائكة وجن وإنس ، ثم هي مختلفة المساكن من العلو والسفل فكان أشرف العالم السفلي هم الناس لعجيب تركيبهم ، ولما كرمهم الله تعالى به من النطق ، وركب فيهم من العقول والطباع التي بها غاية التعبد بالشرائع ، ولم يخف موضع عظم المنة وجلالة قدر الموهبة لهم فأمروا بالشكر على هذه الكرامة في يوم من الأيام السبعة التي فيها أنشئت الخلائق وتم وجودها ، ليكون في اجتماعهم في ذلك اليوم تنبيه على عظم ماأنعم الله تعالى به عليهم ، وإذا كان شأنهم لم يخل من حين ابتدئوا من نعمة تتخللهم ، وإن منة الله مثبتة عليهم / قبل استحقاقهم لها ، ولكل أهل ملة من الملل المعروفة يوم منها معظم ، فلليهود يوم السبت وللنصارى يوم الأحد ، وللمسلمين يوم الجمعة ، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( يوم الجمعة هذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له فلليهود غدا وللنصارى بعد غد ) ولما جعل يوم الجمعة يوم شكر وإظهار سرور وتعظيم نعمة احتيج فيه إلى الاجتماع الذي به تقع شهرته فجمعت الجماعات له كالسنة في الأعياد / واحتيج فيه إلى الخطبة تذكيرا بالنعمة وحثا على استدامتها بإقامة ما يعود بآلاء الشكر ، ولما كان مدار التعظيم ، إنما هو على الصلاة جعلت الصلاة لهذا اليوم وسط النهار ليتم الاجتماع ولم تجز هذه الصلاة إلا في مسجد واحد ليكون أدعى إلى الاجتماع والله أعلم . الثاني : كيف خص ذكر الله بالخطبة ، وفيها ذكر الله وغير الله ؟ نقول : المراد من ذكر الله الخطبة والصلاة لأن كل واحدة منهما مشتملة على ذكر الله ، وأما ما عدا ذلك من ذكر الظلمة والثناء عليهم والدعاء لهم فذلك ذكر الشيطان . الثالث : قوله : { وذروا البيع } لم خص البيع من جميع الأفعال ؟ نقول : لأنه من أهم ما يشتغل به المرء في النهار من أسباب المعاش ، وفيه إشارة إلى ترك التجارة ، ولأن البيع والشراء في الأسواق غالبا ، والغفلة على أهل السوق أغلب ، فقوله : { وذروا البيع } تنبيه للغافلين ، فالبيع أولى بالذكر ولم يحرم لعينه ، ولكن لما فيه من الذهول عن الواجب فهو كالصلاة في الأرض المغصوبة . الرابع : ما الفرق بين ذكر الله أولا وذكر الله ثانيا ؟ فنقول : الأول من جملة مالا يجتمع مع التجارة أصلا إذ المراد منه الخطبة والصلاة كما مر ، والثاني من جملة ما يجتمع كما في قوله تعالى : { رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله } ( النور : 37 ) . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قآئما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين } . > 7 ! < < الجمعة : ( 11 ) وإذا رأوا تجارة . . . . .
> > قال مقاتل : إن دحية بن خليفة الكلبي أقبل بتجارة من الشام قبل أن يسلم وكان معه من أنواع التجارة ، وكان يتلقاه أهل المدينة بالطبل والصفق : وكان ذلك في يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر يخطب فخرج إليه الناس وتركوا النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبق إلا إثنا عشر رجلا أو أقل كثمانية أو أكثر كأربعين ، فقال عليه السلام : لولا هؤلاء لسومت لهم الحجارة ، ونزلت الآية : وكان من الذين معه أبو بكر وعمر . وقال الحسن : أصاب أهل المدينة جوع وغلاء / سعر فقدمت عير والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فسمعوا بها وخرجوا إليها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لو اتبع آخرهم أولهم لالتهب الوادي عليهم نارا ) قال قتادة : فعلوا ذلك ثلاث مرات ، وقوله تعالى : { أو لهوا } وهو الطبل ، وكانوا إذا أنكحوا الجواري يضربون المزامير ، فمروا يضربون ، فتركوا النبي صلى الله عليه وسلم ، وقوله : { انفضوا إليها } أي تفرقوا وقال المبرد : مالوا إليها وعدلوا نحوها ، والضمير في ( إليها ) للتجارة ، وقال الزجاج : انفضوا إليه وإليها ، ومعناهما واحد كقوله تعالى : { واستعينوا بالصبر والصلواة } ( البقرة : 45 ) واعتبر هنا الرجوع إلى التجارة لما أنها أهم إليهم ، وقوله تعالى : { وتركوك قائما } اتفقوا على أن هذا القيام كان في الخطبة للجمعة قال جابر : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخطبة إلا وهو قائم ، وسئل عبد الله أكان النبي يخطب قائما أو قاعدا فقرأ : { وتركوك قائما } وقوله تعالى : { قل ما عند الله خير } أي ثواب الصلاة والثبات مع النبي صلى الله عليه وسلم { خير من اللهو ومن التجارة } من اللهو الذي مر ذكره ، والتجارة التي جاء بها دحية ، وقوله تعالى : { والله خير الرزقين } هو من قبيل أحكم الحاكمين وأحسن الخالقين ، والمعنى إن أمكن وجود الرازقين فهو خير الرازقين ، وقيل : لفظ الرازق لا يطلق على غيره إلا بطريق المجاز ، ولا يرتاب في أن الرازق بطريق الحقيقة خير من الرازق بطريق المجاز ، وفي الآية مباحث : البحث الأول : أن التجارة واللهو من قبيل ما لا يرى أصلا ، ولو كان كذلك كيف يصح { وإذا رأوا تجارة أو لهوا } نقول : ليس المراد إلا ما يقرب منه اللهو والتجارة ، ومثله حتى يسمع كلام الله ، إذ الكلام غير مسموع ، بل المسموع صوت يدل عليه . الثاني : كيف قال : { انفضوا إليها } وقد ذكر شيئين وقد مر الكلام فيه ، وقال صاحب ( الكشاف ) : تقديره إذا رأوا تجارة انفضوا إليها ، أو لهوا انفضوا إليه ، فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه . الثالث : أن قوله تعالى : { والله خير الرزقين } مناسب للتجارة التي مر ذكرها لا للهو ، نقول : بل هو مناسب للمجموع لماأن اللهو الذي مر ذكره كالتبع للتجارة ، لما أنهم أظهروا ذلك فرحا بوجود التجارة كما مر ، والله أعلم بالصواب ، والحمد لله رب العالمين ، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين . < > 1 ( سورة المنافقون ) 1 < > إحدى عشرة آية مدنية ! 7 < { إذا جآءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } . > 7 ! / < < المنافقون : ( 1 ) إذا جاءك المنافقون . . . . .
> > وجه تعلق هذه السورة بما قبلها ، هو أن تلك السورة مشتملة على ذكر بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وذكر من كان يكذبه قلبا ولسانا بضرب المثل كما قال : { مثل الذين حملوا التوراة } ( الجمعة : 5 ) وهذه السورة على ذكر من كان يكذبه قلبا دون اللسان ويصدقه لسانا دون القلب ، وأما الأول بالآخر ، فذلك أن في آخر تلك السورة تنبيها لأهل الإيمان على تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم ورعاية حقه بعد النداء لصلاة الجمعة وتقديم متابعته في الأداء على غيره وأن ترك التعظيم والمتابعة من شيم المنافقين ، والمنافقون هم الكاذبون ، كما قال في أول هذه السورة : { إذا جاءك المنافقون } يعني عبد الله بن أبي وأصحابه { قالوا نشهد إنك لرسول الله } وتم الخبر عنهم ثم ابتدأ فقال : { والله يعلم إنك لرسوله } أي أنه أرسلك فهو يعلم أنك لرسوله { والله يشهد إنهم } أضمروا غير ما أظهروا ، وإنه يدل على أن حقيقة الإيمان بالقلب ، وحقيقة كل كلام كذلك ، فإن من أخبر عن شيء واعتقد بخلافه فهو كاذب ، لما أن الكذب باعتبار المخالفة بين الوجود اللفظي والوجود الذهني ، كما أن الجهل باعتبار المخالفة بين الوجود الذهني ، والوجود الخارجي ، ألا ترى أنهم كانوا يقولون بألسنتهم : نشهد إنك لرسول الله ، وسماهم الله كاذبين لما أن قولهم : يخالف اعتقادهم ، وقال : قوم لم يكذبهم الله تعالى في قولهم : { نشهد إنك لرسول الله } إنما كذبهم بغير هذا من الأكاذيب الصادرة عنهم في قوله تعالى : { يحلفون بالله ما قالوا } ( التوبة : 74 ) الآية . و { يحلفون بالله إنهم لمنكم } ( التوبة : 56 ) وجواب إذا { قالوا نشهد } أي أنهم إذا أتوك شهدوا لك بالرسالة ، فهم كاذبون في تلك الشهادة ، لما مر أن قولهم يخالف اعتقادهم ، وفي الآية مباحث : / البحث الأول : أنهم قالوا : نشهد إنك لرسول الله ، فلو قالوا : نعلم إنك لرسول الله ، أفاد مثل ما أفاد هذا ، أم لا ؟ نقول : ما أفاد ، لأن قولهم : نشهد إنك لرسول الله ، صريح في الشهادة على إثبات الرسالة ، وقولهم : نعلم ليس بصريح في إثبات العلم ، لما أن علمهم في الغيب عند غيرهم . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم سآء ما كانوا يعملون ذلك بأنهم ءامنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون } . > 7 < المنافقون : ( 2 - 3 ) اتخذوا أيمانهم جنة . . . . . > > قوله : { اتخذوا أيمانهم جنة } أي سترا ليستتروا به عما خافوا على أنفسهم من القتل . قال في ( الكشاف ) : { اتخذوا أيمانهم جنة } يجوز أن يراد أن قولهم : { نشهد إنك لرسول الله } يمين من أيمانهم الكاذبة ، لأن الشهادة تجري مجرى الحلف في التأكيد ، يقول الرجل : أشهد وأشهد بالله ، وأعزم وأعزم بالله في موضع أقسم وأولى : وبه استشهد أبو حنيفة على أن أشهد يمين ، ويجوز أن يكون وصفا للمنافقين في استخفافهم بالإيمان ، فإن قيل : لم قالوا نشهد ، ولم يقولوا : نشهد بالله كما قلتم ؟ أجاب بعضهم عن هذا بأنه في معنى الحلف من المؤمن وهو في المتعارف إنما يكون بالله ، فلذلك أخبر بقوله : نشهد عن قوله بالله .
وقوله تعالى : { فصدوا عن سبيل الله } أي أعرضوا بأنفسهم عن طاعة الله تعالى ، وطاعة رسوله ، وقيل : صدوا ، أي صرفوا ومنعوا الضعفة عن اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم { ساء } أي بئس { ما كانوا يعملون } حيث آثروا الكفر على الإيمان وأظهروا خلاف ما أضمروا مشاكلة للمسلمين . وقوله تعالى : { ذلك بأنهم ءامنوا ثم كفروا } ذلك إشارة إلى قوله : { ساء ما كانوا يعملون } قال مقاتل : ذلك الكذب بأنهم آمنوا في الظاهر ، ثم كفروا في السر ، وفيه تأكيد لقوله : { والله يشهد إنهم لكاذبون } وقوله : { فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون } لا يتدبرون ، ولا يستدلون بالدلائل الظاهرة . قال ابن عباس : ختم على قلوبهم ، وقال مقاتل : طبع على قلوبهم بالكفر فهم لا يفقهون القرآن ، وصدق محمد صلى الله عليه وسلم ، وقيل : إنهم كانوا يظنون أنهم على الحق ، فأخبر تعالى أنهم لا يفقهون أنه طبع على قلوبهم ، ثم في الآية مباحث : البحث الأول : أنه تعالى ذكر أفعال الكفرة من قبل ، ولم يقل : إنهم ساء ما كانوا يعملون ، فلم قلنا هنا ؟ نقول : إن أفعالهم مقرونة بالأيمان الكاذبة التي جعلوها جنة ، أي سترة لأموالهم ودمائهم عن أن يستبيحها المسلمون كما مر . / الثاني : المنافقون لم يكونوا إلا على الكفر الثابت الدائم ، فما معنى قوله تعالى : { ثم كفروا ثم } ؟ نقول : قال في ( الكشاف ) ثلاثة أوجه أحدها : { ءامنوا } نطقوا بكلمة الشهادة ، وفعلوا كما يفعل من يدخل في الإسلام { ثم كفروا } ثم ظهر كفرهم بعد ذلك وثانيها : { ءامنوا } نطقوا بالإيمان عند المؤمنين { ثم كفروا } نطقوا بالكفر عند شياطينهم استهزاء بالإسلام كقوله تعالى : { وإذا لقوا الذين ءامنوا قالوا ءامنا } وثالثها : أن يراد أهل الذمة منهم . الثالث : الطبع على القلوب لا يكون إلا من الله تعالى ، ولما طبع الله على قلوبهم لا يمكنهم أن يتدبروا ويستدلوا بالدلائل ، ولو كان كذلك لكان هذا حجة لهم على الله تعالى ، فيقولون : إعراضنا عن الحق لغفلتنا ، وغفلتنا بسبب أنه تعالى طبع على قلوبنا ، فنقول : هذا الطبع من الله تعالى لسوء أفعالهم ، وقصدهم الإعراض عن الحق ، فكأنه تعالى تركهم في أنفسهم الجاهلة وأهوائهم الباطلة . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون سوآء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدى القوم الفاسقين } . > 7 ! < < المنافقون : ( 4 ) وإذا رأيتهم تعجبك . . . . .
> > اعلم أن قوله تعالى : { وإذا رأيتهم } يعني عبد الله بن أبي ، ومغيث بن قيس ، وجد بن قيس ، كانت لهم أجسام ومنظر ، تعجبك أجسامهم لحسنها وجمالها ، وكان عبد الله بن أبي جسيما صبيحا فصيحا ، وإذا قال : سمع النبي صلى الله عليه وسلم قوله ، وهو قوله تعالى : { وإن يقولوا تسمع لقولهم } أي ويقولوا : إنك لرسول الله تسمع لقولهم ، وقرىء يسمع على البناء للمفعول ، ثم شبههم بالخشب المسندة ، وفي الخشب التخفيف كبدنة وبدن وأسد وأسد ، والتثقيل كذلك كثمرة وثمر ، وخشبة / وخشب ، ومدرة ومدر . وهي قراءة ابن عباس ، والتثقيل لغة أهل الحجاز ، والخشب لا تعقل ولا تفهم ، فكذلك أهل النفاق كأنهم في ترك التفهم ، والاستبصار بمنزلة الخشب . وأما المسندة يقال : سند إلى شيء ، أي مال إليه ، وأسنده إلى الشيء ، أي أماله فهو مسند ، والتشديد للمبالغة ، وإنما وصف الخشب بها ، لأنها تشبه الأشجار القائمة التي تنمو وتثمر بوجه ما ، ثم نسبهم إلى الجبن وعابهم به ، فقال : { يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو } وقال مقاتل : إذا نادى مناد في العسكر ، وانفلتت دابة ، أو نشدت ضالة مثلا ظنوا أنهم يرادون بذلك لما في قلوبهم من الرعب ، وذلك لأنهم على وجل من أن يهتك الله أستارهم ، ويكشف أسرارهم ، يتوقعون الإيقاع بهم ساعة فساعة ، ثم أعلم ( الله ) رسوله بعداوتهم فقال : { هم العدو فاحذرهم } أن تأمنهم على السر ولا تلتفت إلى ظاهرهم فإنهم الكاملون في العداوة بالنسبة إلى غيرهم وقوله تعالى : { قاتلهم الله أنى يؤفكون } مفسر وهو دعاء عليهم وطلب من ذاته أن يلعنهم ويخزيهم وتعليم للمؤمنين أن يدعوا بذلك ، و { أنى يؤفكون } أي يعدلون عن الحق تعجبا من جهلهم وضلالتهم وظنهم الفاسد أنهم على الحق . وقوله تعالى : { وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله } قال الكلبي : لما نزل القرآن على الرسول صلى الله عليه وسلم بصفة المنافقين مشى إليه عشائرهم من المؤمنين وقالوا : لهم ويلكم افتضحتم بالنفاق وأهلكتم أنفسكم فأتوا رسول الله وتوبوا إليه من النفاق واسألوه أن يستغفر لكم ، فأبوا ذلك وزهدوا في الاستغفار فنزلت ، وقال ابن عباس لما رجع عبد الله بن أبي من أحد بكثير من الناس مقته المسلمون وعنفوه وأسمعوه المكروه فقال له بنو أبيه : لو أتيت رسول صلى الله عليه وسلم حتى يستغفر لك ويرضى عنك ، فقال : لا أذهب إليه ، ولا أريد أن يستغفر لي ، وجعل يلوي رأسه فنزلت . وعند الأكثرين ، إنما دعى إلى الاستغفار لأنه قال : { ليخرجن الاعز منها الاذل } ( المنافقون : 8 ) وقال : { لا تنفقوا على من عند رسول الله } ( المنافقون : 7 ) فقيل له : تعال يستغفر لك رسول الله فقال : ماذا قلت : فذلك قوله تعالى : { لووا رءوسهم } وقرىء : { لووا } بالتخفيف والتشديد للكثرة والكناية قد تجعل جمعا والمقصود واحد وهو كثير في أشعار العرب قال جرير : لا بارك الله فيمن كان يحسبكم إلا على العهد حتى كان ما كانا
وإنما خاطب بهذا امرأة وقوله تعالى : { ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون } أي عن استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ذكر تعالى أن استغفاره لا ينفعهم فقال : { سواء عليهم أستغفرت لهم } قال قتادة : نزلت هذه الآية بعد قوله : { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم } وذلك لأنها لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( خيرني ربي فلأزيدنهم على السبعين ) فأنزل الله تعالى : { لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدى القوم الفاسقين } قال ابن عباس : المنافقين ، وقال قوم : فيه بيان أن الله تعالى يملك هداية وراء هداية البيان ، وهي خلق فعل الاهتداء فيمن علم منه ذلك ، وقيل : معناه لا يهديهم لفسقهم وقالت المعتزلة : لا يسميهم المهتدين إذا فسقوا وضلوا وفي الآية مباحث : / البحث الأول : لم شبههم بالخشب المسندة لا بغيره من الأشياء المنتفع بها ؟ نقول لاشتمال هذا التشبيه على فوائد كثيرة لا توجد في الغير الأولى : قال في ( الكشاف ) : شبهوا في استنادهم وما هم إلا أجرام خالية عن الإيمان والخير ، بالخشب المسندة إلى الحائط ، ولأن الخشب إذا انتفع به كان في سقف أو جدار أو غيرهما من مظان الانتفاع ، وما دام متروكا فارغا غير منتفع به أسند إلى الحائط ، فشبهوا به في عدم الانتفاع ، ويجوز أن يراد بها الأصنام المنحوتة من الخشب المسندة إلى الحائط شبهوا بها في حسن صورهم ، وقلة جداوهم الثانية : الخشب المسندة في الأصل كانت غصنا طريا يصلح لأن يكون من الأشياء المنتفع بها ، ثم تصير غليظة يابسة ، والكافر والمنافق كذلك كان في الأصل صالحا لكذا وكذا ، ثم يخرج عن تلك الصلاحية الثالثة : الكفرة من جنس الإنس حطب ، كما قال تعالى : { حصب جهنم أنتم لها واردون } ( الأنبياء : 98 ) والخشب المسندة حطب أيضا الرابعة : أن الخشب المسندة إلى الحائط أحد طرفيها إلى جهة ، والآخر إلى جهة أخرى ، والمنافقون كذلك ، لأن المنافق أحد طرفيه وهو الباطن إلى جهة أهل الكفر ، والطرف الآخر وهو الظاهر إلى جهة أهل الإسلام الخامسة : المعتمد عليه الخشب المسندة ما يكون من الجمادات والنباتات ، والمعتمد عليه للمنافقين كذلك ، وإذا كانوا من المشركين إذ هو الأصنام ، إنها من الجمادات أو النباتات . الثاني : من المباحث أنه تعالى شبهم بالخشب المسندة ، ثم قال من بعد ما ينافي هذا التشبيه وهو قوله تعالى : { يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو } ( المنافقون : 4 ) والخشب المسندة لا يحسبون أصلا ، نقول : لا يلزم أن يكون المشبه والمشبه به يشتركان في جميع الأوصاف ، فهم كالخشب المسندة بالنسبة إلى الانتفاع وعدم الانتفاع ، وليسوا كالخشب المسندة بالنسبة إلى الاستماع وعدم الاستماع للصيحة وغيرها . الثالث : قال تعالى : { إن الله لا يهدى القوم الفاسقين } ولم يقل : القوم الكافرين أو المنافقين أو المستكبرين مع أن كل واحد منهم من جملة ما سبق ذكره ؟ نقول : كل أحد من تلك الأقوام داخل تحت قوله : { الفاسقين } أي الذين سبق ذكرهم وهم الكافرون والمنافقون والمستكبرون . ! 7 < { هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزآئن السماوات والا رض ولاكن المنافقين لا يفقهون يقولون لئن رجعنآ إلى المدينة ليخرجن الا عز منها الا ذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولاكن المنافقين لا يعلمون } . > 7 < المنافقون : ( 7 - 8 ) هم الذين يقولون . . . . . > >
/ أخبر الله تعالى بشنيع مقالتهم فقال : { هم الذين يقولون } كذا وكذا : { وينفضوا } أي يتفرقوا ، وقرىء : { حتى ينفضوا } من أنفض القوم إذا فنيت أزوادهم ، قال المفسرون : اقتتل أجير عمر مع أجير عبد الله بن أبي في بعض الغزوات فأسمع أجير عمر عبد الله بن أبي المكروه واشتد عليه لسانه ، فغضب عبد الله وعنده رهط من قومه فقال : أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ، يعني بالأعز نفسه وبالأذل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أقبل على قومه فقال : لو أمسكتم النفقة عن هؤلاء يعني المهاجرين لأوشكوا أن يتحولوا عن دياركم وبلادكم فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمد فنزلت ، وقرىء : { ليخرجن } بفتح الياء ، وقرأ الحسن وابن أبي عيلة : { لنخرجن } بالنون ونصب الأعز والأذل ، وقوله تعالى : { ولله خزائن السماوات والارض } قال مقاتل : يعني مفاتيح الرزق والمطر والنبات ، والمعنى أن الله هو الرزاق : { قل من يرزقكم من السماء والارض } ( يونس : 31 ) وقال أهل المعاني : خزائن الله تعالى مقدوراته لأن فيها كل ما يشاء مما يريد إخراجه ، وقال الجنيد : خزائن الله تعالى في السموات الغيوب وفي الأرض القلوب وهو علام الغيوب ومقلب القلوب ، وقوله تعالى : { ولاكن المنافقين لا يفقهون } أي لا يفقهون أن : { أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } ( يس : 82 ) وقوله يقولون : { لئن رجعنا } أي من تلك الغزوة وهي غزوة بني المصطلق إلى المدينة فرد الله تعالى عليه وقال : { ولله العزة } أي الغلبة والقوة ولمن أعزه الله وأيده من رسوله ومن المؤمنين وعزهم بنصرته إياهم وإظهار دينهم على سائر الأديان وأعلم رسوله بذلك ولكن المنافقين لا يعلمون ذلك ولو علموه ما قالوا : مقالتهم هذه ، قال صاحب ( الكشاف ) : { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } وهم الأخصاء بذلك كما أن المذلة والهوان للشيطان وذويه من الكافرين والمنافقين ، وعن بعض الصالحات وكانت في هيئة رثة ألست على الإسلام وهو العز الذي لا ذل معه ، والغنى الذي لا فقر معه ، وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما أن رجلا قال له : إن الناس يزعمون أن فيك تيها قال : ليس بتيه ولكنه عزة فإن هذا العز الذي لا ذل معه والغنى الذي لا فقر معه ، وتلا هذه الآية قال بعض العارفين في تحقيق هذا المعنى : العزة غير الكبر ولا يحل للمؤمن أن يذل نفسه ، فالعزة معرفة الإنسان بحقيقة نفسه وإكرامها عن أن يضعها لأقسام عاجلة دنيوية كما أن الكبر جهل الإنسان بنفسه وإنزالها فوق منزلها فالعزة تشبه الكبر من حيث الصورة ، وتختلف من حيث الحقيقة كاشتباه التواضع بالضعة والتواضع محمود ، والضعة مذمومة ، والكبر مذموم ، والعزة محمودة ، ولما كانت غير مذمومة وفيها مشاكلة للكبر ، قال تعالى : { ذلكم بما كنتم تستكبرون فى الارض بغير الحق } وفيه إشارة / خفية لإثبات العزة بالحق ، والوقوف على حد التواضع من غير انحراف إلى الضعة وقوف على صراط العزة المنصوب على متن نار الكبر / فإن قيل : قال في الآية الأولى : { لا يفقهون } وفي الأخرى { لا يعلمون } فما الحكمة فيه ؟ فنقول : ليعلم بالأول قلة كياستهم وفهمهم ، وبالثاني كثرة حماقتهم وجهلهم ، ولا يفقهون من فقه يفقه ، كعلم يعلم ، ومن فقه يفقه : كعظم يعظم ، والأول لحصول الفقه بالتكلف والثاني لا بالتكلف ، فالأول علاجي ، والثاني مزاجي . [ بم ثم قال تعالى :
! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولائك هم الخاسرون وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتى أحدكم الموت فيقول رب لولاأخرتنىإلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين ولن يؤخر الله نفسا إذا جآء أجلهآ والله خبير بما تعملون } . > 7 ! { < < المنافقون : ( 9 ) يا أيها الذين . . . . . > > لا تلهكم } لا تشغلكم كما شغلت المنافقين ، وقد اختلف المفسرون منهم من قال : نزلت في حق المنافقين ، ومنهم من قال في حق المؤمنين ، وقوله : { عن ذكر الله } عن فرائض الله تعالى نحو الصلاة والزكاة والحج أو عن طاعة الله تعالى وقال الضحاك : الصلوات الخمس ، وعند مقاتل : هذه الآية وما بعدها خطاب للمنافقين الذين أفروا بالإيمان { ومن يفعل ذالك } أي ألهاه ماله وولده عن ذكر الله { فأولئك هم الخاسرون } أي في تجارتهم حيث باعوا الشريف الباقي بالخسيس الفاني وقيل : هم الخاسرون في إنكار ما قال به رسول الله صلى الله عليه وسلم من التوحيد والبعث . وقال الكلبي : الجهاد ، وقيل : هو القرآن وقيل : هو النظر في القرآن والتفكر والتأمل فيه { وأنفقوا مما رزقناكم } قال ابن عباس يريد زكاة المال ومن للتبعيض ، وقيل : المراد هو الإنفاق الواجب { من قبل أن يأتى أحدكم الموت } أي دلائل الموت وعلاماته فيسأل الرجعة إلى الدنيا وهو قوله : { رب لولا أخرتنى إلى أجل قريب } وقيل حضهم على إدامة الذكر ، وأن لا يضنوا بالأموال ، أي هلا أمهلتني وأخرت أجلي إلى زمان قليل ، وهو الزيادة في أجله حتى يتصدق ويتزكى وهو / قوله تعالى : { فأصدق وأكن من الصالحين } قال ابن عباس هذا دليل على أن القوم لم يكونوا مؤمنين إذ المؤمن لا يسأل الرجعة . وقال الضحاك : لا ينزل بأحد لم يحج ولم يؤد الزكاة الموت إلا وسأل الرجعة وقرأ هذه الآية ، وقال صاحب ( الكشاف ) : من قبل أن يعاين ما ييأس معه من الإمهال ويضيق به الخناق ويتعذر عليه الإنفاق ، ويفوت وقت القبول فيتحسر على المنع ويعض أنامله على فقد ما كان متمكنا منه ، وعن ابن عباس تصدقوا قبل أن ينزل عليكم سلطان الموت فلا تقبل توبة ولا ينفع عمل وقوله : { وأكن من الصالحين } قال ابن عباس : أحج وقرىء فأكون وهو على لفظ فأصدق وأكون ، قال المبرد : وأكون على ما قبله لأن قوله : { فأصدق } جواب للاستفهام الذي فيه التمني والجزم على موضع الفاء ، وقرأ أبي فأتصدق على الأصل وأكن عطفا على موضع فأصدق : وأنشد سيبويه أبياتا كثيرة في الحمل على الموضع منها : معاوى إننا بشر فأسجح فلسنا بالجبال ولا الحديدا فنصب الحديد عطفا على المحل والباء في قوله : بالجبال ، للتأكيد لا لمعنى مستقبل يجوز حذفه وعكسه قول ابن أبي سلمى : بدا لي أني لست مدرك ماضي ولا سابق شيئا إذا كان جاثيا
توهم أنه قال بمدرك فعطف عليه قوله سابق ، عطفا على المفهوم ، وأما قراءة أبي عمرو { وأكون } فإنه حمله على اللفظ دون المعنى ، ثم أخبر تعالى أنه لا يؤخر من انقضت مدته وحضر أجله فقال : { الصالحين ولن يؤخر الله نفسا } يعني عن الموت إذا جاء أجلها / قال في ( الكشاف ) : هذا نفي للتأخير على وجه التأكيد الذي معناه منافاة المنفي ، وبالجملة فقوله : { لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم } تنبيه على الذكر قبل الموت : { وأنفقوا مما رزقناكم } تنبيه على الشكر لذلك وقوله تعالى : { والله خبير بما تعملون } أي لو رد إلى الدنيا ما زكى ولا حج ، ويكون هذا كقوله : { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه } ( الأنعام : 28 ) والمفسرون على أن هذا خطاب جامع لكل عمل خيرا أو شرا وقرأ عاصم يعملون بالياء على قوله : { ولن يؤخر الله نفسا } لأن النفس وإن كان واحدا في اللفظ ، فالمراد به الكثير فحمل على المعنى والله أعلم وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين . < > 1 ( سورة التغابن ) 1 < > ثمان عشرة آية مكية ! 7 < { يسبح لله ما فى السماوات وما فى الا رض له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير } . > 7 ! / < < التغابن : ( 1 ) يسبح لله ما . . . . . > > وجه التعلق بما قبلها ظاهر لما أن تلك السورة للمنافقين الكاذبين وهذه السورة للمنافقين الصادقين ، وأيضا تلك السورة مشتملة على بطالة أهل النفاق سرا وعلانية ، وهذه السورة على ما هو التهديد البالغ لهم ، وهو قوله تعالى : { يعلم ما فى السماوات والارض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور } وأما الأول بالآخر فلأن في آخر تلك السورة التنبيه على الذكر والشكر كما مر ، وفي أول هذه إشارة إلى أنهم إن أعرضوا عن الذكر والشكر ، قلنا : من الخلق قوم يواظبون على الذكر والشكر دائما ، وهم الذين يسبحون ، كما قال تعالى : { يسبح لله ما فى السماوات وما في الارض } ، وقوله تعالى : { له الملك وله الحمد } معناه إذا سبح لله ما في السموات وما في الأرض فله الملك وله الحمد ، ولما كان له الملك فهو متصرف في ملكه والتصرف مفتقر إلى القدرة فقال : { والله على كل شيء قدير } وقال في ( الكشاف ) : قدم الظرفان ليدل بتقديمهما على معنى اختصاص الملك والحمد بالله تعالى وذلك لأن الملك في الحقيقة له لأنه مبدىء لكل شيء ومبدعه والقائم به والمهيمن عليه ، كذلك الحمد فإن أصول النعم وفروعها منه ، وأما ملك غيره فتسليط منه واسترعاء ، وحمده اعتداد بأن نعمة الله جرت على يده ، وقوله تعالى : { وهو على كل شىء قدير } قيل : معناه وهو على كل شيء أراده قدير ، وقيل : قدير يفعل ما يشاء بقدر ما يشاء لا يزيد عليه ولا ينقص . وقد مر ذلك ، وفي الآية مباحث : الأول : أنه تعالى قال في الحديد : { سبح } ( الحديد : ) والحشر والصف كذلك ، وفي الجمعة والتغابن { يسبح لله } فما الحكمة فيه ؟ نقول : الجواب عنه قد تقدم .
البحث الثاني : قال في موضع : { سبح لله ما فى السماوات وما في الارض } ( الحشر : 1 ) وفي موضع / آخر { سبح لله ما فى السماوات والارض } ( الحديد : 1 ) فما الحكمة فيه ؟ قلنا : الحكمة لا بد منها ، ولا نعلمها كما هي ، لكن نقول : ما يخطر بالبال ، وهو أن مجموع السموات والأرض شيء واحد ، وهو عالم مؤلف من الأجسام الفلكية والعنصرية ، ثم الأرض من هذا المجموع شيء والباقي منه شيء آخر ، فقوله تعالى : { يسبح لله ما فى السماوات وما في الارض } بالنسبة إلى هذا الجزء من المجموع وبالنسبة إلى ذلك الجزء منه كذلك ، وإذا كان كذلك فلا يبعد أن يقال ، قال تعالى في بعض السور كذا وفي البعض هذا ليعلم أن هذا العالم الجسماني من وجه شيء واحد ، ومن وجه شيئان بل أشياء كثيرة ، والخلق في المجموع غير ما في هذا الجزء ، وغير ما في ذلك أيضا ولا يلزم من وجود الشيء في المجموع أن يوجد في كل جزء من أجزائه إلا بدليل منفصل ، فقوله تعالى : { سبح لله ما فى السماوات وما في الارض } على سبيل المبالغة من جملة ذلك الدليل لما أنه يدل على تسبيح ما في السموات وعلى تسبيح ما في الأرض ، كذلك بخلاف قوله تعالى : { سبح لله ما فى السماوات والارض } . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { هو الذى خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير خلق السماوات والا رض بالحق وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير يعلم ما فى السماوات والا رض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور } . > 7 ! < < التغابن : ( 2 ) هو الذي خلقكم . . . . . > > قال ابن عباس رضي الله عنهما : إنه تعالى خلق بني آدم مؤمنا وكافرا ، ثم يعيدهم يوم القيامة كما خلقهم مؤمنا وكافرا ، وقال عطاء : إنه يريد فمنكم مصدق ، ومنكم جاحد ، وقال الضحاك : مؤمن في العلانية كافر في السر كالمنافق ، وكافر في العلانية مؤمن في السر كعمار بن ياسر ، قال الله تعالى : { إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } ( النحل : 106 ) وقال الزجاج : فمنكم كافر بأنه تعالى خلقه ، وهو من أهل الطبائع والدهرية ، ومنكم مؤمن بأنه تعالى خلقه كما قال : { قتل الإنسان ما أكفره من أى شىء خلقه } ( عيس : 17 ، 18 ) وقال : { أكفرت بالذى خلقك من تراب ثم من نطفة } ( الكهف : 37 ) وقال أبو إسحاق : خلقكم في بطون أمهاتكم كفارا ومؤمنين ، وجاء في بعض التفاسير أن يحي خلق في بطن أمه مؤمنا وفرعون خلق في بطن أمه كافرا ، دل عليه قوله تعالى : { أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله } وقوله تعالى : { والله بما تعملون بصير } أي عالم بكفركم / وإيمانكم اللذين من أعمالكم ، والمعنى أنه تعالى تفضل عليكم بأصل النعم التي هي الخلق فأنظروا النظر الصحيح وكونوا بأجمعكم عبادا شاكرين ، فما فعلتم مع تمكنكم بل تفرقتم فرقا فمنكم كافر ومنكم مؤمن وقوله تعالى : { خلق السماوات والارض بالحق } أي بالإرادة القديمة على وفق الحكمة ، ومنهم من قال : بالحق ، أي للحق ، وهو البعث ، وقوله : { وصوركم فأحسن صوركم } يحتمل وجهين أحدهما : أحسن أي أتقن وأحكم على وجه لا يوجد بذلك الوجه في الغير ، وكيف يوجد وقد وجد في أنفسهم من القوى الدالة على وحدانية الله تعالى وربوبيته دلالة مخصوصة لحسن هذه الصورة وثانيهما : أن نصرف الحسن إلى حسن المنظر ، فإن من نظر في قد الإنسان وقامته وبالنسبة بين أعضائه فقد علم أن صورته أحسن صورة وقوله تعالى : { وإليه المصير } أي البعث وإنما أضافه إلى نفسه لأنه هو النهاية في خلقهم والمقصود منه ، ثم قال تعالى : { وصوركم فأحسن صوركم } لأنه لا يلزم من خلق الشيء أن يكون مصورا بالصورة ، ولا يلزم من الصورة أن تكون على أحسن الصور ، ثم قال : { وإليه المصير } أي المرجع ليس إلا له ، وقوله تعالى : { يعلم ما فى السماوات والارض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور } نبه بعلمه ما في السموات والأرض ، ثم بعلمه ما يسره العباد وما يعلنونه ، ثم بعلمه ما في الصدور من الكليات والجزئيات على أنه لا يخفى عليه شيء لما أنه تعالى لا يعزب عن علمه مثقال ذرة ألبتة أزلا وأبدا ، وفي الآية مباحث :
الأول : أنه تعالى حكيم ، وقد سبق في علمه أنه إذا خلقهم لم يفعلوا إلا الكفر ، والإصرار عليه فأي حكمة دعته إلى خلقهم ؟ نقول : إذا علمنا أنه تعالى حكيم ، علمنا أن أفعاله كلها على وفق الحكمة ، وخلق هذه الطائفة فعله ، فيكون على وفق الحكمة ، ولا يلزم من عدم علمنا بذلك أن لا يكون كذلك بل اللازم أن يكون خلقهم على وفق الحكمة . الثاني : قال : { وصوركم فأحسن صوركم } وقد كان من أفراد هذا النوع من كان مشوه الصورة سمج الخلقة ؟ نقول : لا سماجة ثمة لكن الحسن كغيره من المعاني على طبقات ومراتب فلانحطاط بعض الصور عن مراتب ما فوقها انحطاطا بينا لا يظهر حسنه ، وإلا فهو داخل في حيز الحسن غير خارج عن حده . الثالث : قوله تعالى : { وإليه المصير } يوهم الانتقال من جانب إلى جانب ، وذلك لا يمكن إلا أن يكون الله في جانب ، فكيف هو ؟ قلت : ذلك الوهم بالنسبة إلينا وإلى زماننا لا بالنسبة إلى ما يكون في نفس الأمر ، فإن نفس الأمر بمعزل عن حقيقة الانتقال من جانب إلى جانب إذا كان المنتقل إليه منزها عن الجانب وعن الجهة . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { ألم يأتكم نبؤا الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم ذالك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غنى حميد زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربى لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير } . > 7 < التغابن : ( 5 - 7 ) ألم يأتكم نبأ . . . . . > > / اعلم أن قوله : { ألم يأتكم نبؤا الذين كفروا } خطاب لكفار مكة وذلك إشارة إلى الويل الذي ذاقوه في الدنيا وإلى ما أعد لهم من العذاب في الآخرة . فقوله : { فذاقوا وبال أمرهم } أي شدة أمرهم مثل قوله : { ذق إنك أنت العزيز الكريم } وقوله : { ذالك بأنه } أي بأن الشأن والحديث أنكروا أن يكون الرسول بشرا . ولم ينكروا أن يكون معبودهم حجرا فكفروا وتولوا ، وكفروا بالرسل وأعرضوا واستغنى الله عن طاعتهم وعبادتهم من الأزل ، وقوله تعالى : { والله غنى حميد } من جملة ما سبق ، والحميد بمعنى المحمود أي المستحق للحمد بذاته ويكون بمعنى الحامد ، وقوله تعالى : { زعم الذين كفروا } قال في ( الكشاف ) : الزعيم ادعاء العلم ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : ( زعموا مطية الكذب ) وعن شريح لكل شيء كنية وكنية الكذب زعموا ، ويتعدى إلى مفعولين ، تعدى ، العلم ، قال الشاعر : ولم أزعمك عن ذلك معزولا والذين كفروا هم أهل مكة { بلى } إثبات لما بعد أن وهو البعث وقيل : قوله تعالى : { قل بلى وربى } يحتمل أن يكون تعليما للرسول صلى الله عليه وسلم ، أي يعلمه القسم تأكيدا لما كان يخبر عن البعث وكذلك جميع القسم في القرآن وقوله تعالى : { وذلك على الله يسير } أي لا يصرفه صارف ، وقيل : إن أمر البعث على الله يسير ، لأنهم أنكروا البعث بعد أن صاروا ترابا ، فأخبر أن إعادتهم أهون في العقول من إنشائهم ، وفي الآية مباحث . الأول : قوله : { فكفروا } يتضمن قوله : { وتولوا } فما الحاجة إلى ذكره ؟ نقول : إنهم كفروا وقالوا : { أبشر يهدوننا } وهذا في معنى الإنكار والإعراض بالكلية ، وذلك هو التولي ، فكأنهم كفروا وقالوا قولا يدل على التولي ، ولهذا قال : { فكفروا وتولوا } .
الثاني : قوله : { وتولوا واستغنى الله } يوهم وجود التولي والاستغناء معا ، والله تعالى لم يزل غنيا ، قال في ( الكشاف ) : معناه أنه ظهر استغناء الله حيث لم يلجئهم إلى الإيمان ، ولم يضطرهم إليه مع قدرته على ذلك . الثالث : كيف يفيد القسم في إخباره عن البعث وهم قد أنكروا رسالته . نقول : إنهم / وإن أنكروا الرسالة لكنهم يعتقدون أنه يعتقد ربه اعتقادا لا مزيد عليه فيعلمون أنه لا يقدم على القسم بربه إلا وأن يكون صدق هذا الإخبار أظهر من الشمس عنده وفي اعتقاده ، والفائدة في الإخبار مع القسم ليس إلا هذا ، ثم إنه أكد الخبر باللام والنون فكأنه قسم بعد قسم . ولما بالغ في الإخبار عن البعث والاعتراف بالبعث من لوازم الإيمان قال : ! 7 < { فأامنوا بالله ورسوله والنور الذىأنزلنا والله بما تعملون خبير يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجرى من تحتها الا نهار خالدين فيهآ أبدا ذلك الفوز العظيم والذين كفروا وكذبوا بأاياتنآ أولائك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير } . > 7 ! < < التغابن : ( 8 ) فآمنوا بالله ورسوله . . . . . > > قوله : { فئامنوا } يجوز أن يكون صلة لما تقدم لأنه تعالى لما ذكر ما نزل من العقوبة بالأمم الماضية ، وذلك لكفرهم بالله وتكذيب الرسل قال : { فئامنوا } أنتم { بالله ورسوله } لئلا ينزل بكم ما نزل بهم من العقوبة { والنور الذى أنزلنا } وهو القرآن فإنه يهتدى به في الشبهات كما يهتدى بالنور في الظلمات ، وإنما ذكر النور الذي هو القرآن لما أنه مشتمل على الدلالات الظاهرة على البعث ، ثم ذكر في ( الكشاف ) أنه عنى برسوله والنور محمدا صلى الله عليه وسلم والقرآن { والله بما تعملون خبير } أي بما تسرون وما تعلنون فراقبوه وخافوه في الحالين جميعا وقوله تعالى : { يوم يجمعكم ليوم الجمع } يريد به يوم القيامة جمع فيه أهل السموات وأهل الأرض ، و { ذلك يوم التغابن } والتغابن تفاعل من الغبن في المجازاة والتجارات ، يقال : غبنه يغبنه غبنا إذا أخذ الشيء منه بدون قيمته ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن قوما في النار يعذبون وقوما في الجنة يتنعمون ، وقيل : هو يوم يغبن فيه أهل الحق ، أهل الباطل ، وأهل الهدى أهل الضلالة ، وأهل الإيمان . أهل الكفر ، فلا غبن أبين من هذا ، وفي الجملة فالغبن في البيع والشراء وقد ذكر تعالى في حق الكافرين أنهم اشتروا الحياة / الدنيا بالآخرة واشتروا الضلالة بالهدى ، ثم ذكر أنهم ما ربحت تجارتهم ودل المؤمنين على تجارة رابحة ، فقال : { هل أدلكم على تجارة } ( الصف : 10 ) الآية ، وذكر أنهم باعوا أنفسهم بالجنة فخسرت صفقة الكفار وربحت صفقة المؤمنين ، وقوله تعالى : { ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا } يؤمن بالله على ما جاءت به الرسل من الحشر والنشر والجنة والنار وغير ذلك ، ويعمل صالحا أي يعمل في إيمانه صالحا إلى أن يموت ، قرىء يجمعكم ويكفر ويدخل بالياء والنون ، وقوله : { والذين كفروا } أي بوحدانية الله تعالى وبقدرته { وكذبوا بئاياتنا } أي بآياته الدالة على البعث { أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير } ثم في الآية مباحث : الأول : قال : { قل ياأيها الناس } بطريق الإضافة ، ولم يقل : ونوره الذي أنزلنا بطريق الإضافة مع أن النور ههنا هو القرآن والقرآن كلامه ومضاف إليه ؟ نقول : الألف واللام في النور بمعنى الإضافة كأنه قال : ورسوله ونوره الذي أنزلنا .
الثاني : بم انتصب الظرف ؟ نقول : قال الزجاج : بقوله : { لتبعثن } وفي ( الكشاف ) بقوله : { لتنبؤن } أو بخبير لما فيه من معنى الوعيد . كأنه قيل : والله معاقبكم يوم يجمعكم أو بإضمار اذكر . الثالث : قال تعالى في الإيمان : { ومن يؤمن بالله } بلفظ المستقبل ، وفي الكفر وقال : { والذين كفروا } بلفظ الماضي ، فنقول : تقدير الكلام : ومن يؤمن بالله من الذين كفروا وكذبوا بآيتاتنا يدخله جنات ومن لم يؤمن منهم أولئك أصحاب النار . الرابع : قال تعالى : { ومن يؤمن } بلفظ الواحد و { خالدين فيها } بلفظ الجمع ، نقول : ذلك بحسب اللفظ ، وهذا بحسب المعنى . الخامس : ما الحكمة في قوله : { وبئس المصير } بعد قوله : { خالدين فيها } وذلك بئس المصير فنقول : ذلك وإن كان في معناه فلا يدل عليه بطريق التصريح فالتصريح مما يؤكده . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { مآ أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شىء عليم وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين الله لا إلاه إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون } . > 7 < التغابن : ( 11 - 13 ) ما أصاب من . . . . . > > قوله تعالى : { إلا بإذن الله } أي بأمر الله قاله الحسن ، وقيل : بتقدير الله وقضائه ، وقيل : بإرادة / الله تعالى ومشيئته ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : بعلمه وقضائه وقوله تعالى : { يهد قلبه } أي عند المصيبة أو عند الموت أو المرض أو الفقر أو القحط ، ونحو ذلك فيعلم أنها من الله تعالى فيسلم لقضاء الله تعالى ويسترجع ، فذلك قوله : { يهد قلبه } أي للتسليم لأمر الله ، ونظيره قوله : { الذين إذا أصابتهم مصيبة } إلى قوله : { أولائك هم المهتدون } ( البقرة : 156 ، 157 ) ، قال أهل المعاني : يهد قلبه للشكر عند الرخاء والصبر عند البلاء ، وهو معنى قول ابن عباس رضي الله عنهما يهد قلبه إلى ما يحب ويرضى وقرىء { أغفلنا قلبه } بالنون وعن عكرمة { يهد قلبه } بفتح الدال وضم الياء ، وقرىء { يهدأ } قال الزجاج : هدأ قلبه يهدأ إذا سكن ، والقلب بالرفع والنصب ووجه النصب أن يكون مثل { من سفه نفسه } ( البقرة : 130 ) { والله بكل شيء عليم } يحتمل أن يكون إشارة إلى اطمئنان القلب عند المصيبة ، وقيل : عليم بتصديق من صدق رسوله فمن صدقه فقد هدى قلبه : { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول } فيما جاء به من عند الله يعني هونوا المصائب والنوازل واتبعوا الأوامر الصادرة من الله تعالى ، ومن الرسول فيما دعاكم إليه .
وقوله : { فإن توليتم } أي عن إجابة الرسول فيما دعاكم إليه { فإنما على رسولنا البلاغ المبين } الظاهر والبيان البائن ، وقوله : { الله لا إلاه إلا هو } يحتمل أن يكون هذا من جملة ما تقدم من الأوصاف الحميدة لحضرة الله تعالى من قوله : { له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير } ( التغابن : 1 ) فإن من كان موصوفا بهذه الصفات ونحوها : { فهو الذى لا إلاه إلا هو } أي لا معبود إلا هو ولا مقصود إلا هو عليه التوكل في كل باب ، وإليه المرجع والمآب ، وقوله : { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } بيان أن المؤمن لا يعتمد إلا عليه ، ولا يتقوى إلا به لما أنه يعتقد أن القادر بالحقيقة ليس إلا هو ، وقال في ( الكشاف ) : هذا بعث لرسول الله صلى الله عليه وسلم على التوكل عليه والتقوى به في أمره حتى ينصره على من كذبه وتولى عنه ، فإن قيل : كيف يتعلق { ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله } بما قبله ويتصل به ؟ نقول : يتعلق بقوله تعالى : { قل ياأيها الناس } ( التغابن : 8 ) لما أن من يؤمن بالله فيصدقه يعلم ألا تصيبه مصيبة إلا بإذن الله . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم إنمآ أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لانفسكم ومن يوق شح نفسه فأولائك هم المفلحون } . > 7 ! / < < التغابن : ( 14 ) يا أيها الذين . . . . . > > قال الكلبي : كان الرجل إذا أراد الهجرة تعلق به بنوه وزوجته فقالوا : أنت تذهب وتذرنا ضائعين فمنهم من يطيع أهله ويقيم فحذرهم الله طاعة نسائهم وأولادهم ، ومنهم من لا يطيع ويقول : أما والله لو لم نهاجر ويجمع الله بيننا وبينكم في دار الهجرة لا ننفعكم شيئا أبدا ، فلما جمع الله بينهم أمرهم أن ينفقوا ويحسنوا ويتفضلوا ، وقال مسلم الخراساني : نزلت في عوف بن مالك الأشجعي كان أهله وولده يثبطونه عن الهجرة والجهاد ، وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عن هذه الآية ، فقال : هؤلاء رجال من أهل مكة أسلموا وأرادوا أن يأتوا المدينة فلم يدعهم أزواجهم وأولادهم فهو قوله : عدوا لكم فاحذروهم أن تطيعوا وتدعوا الهجرة ، وقوله تعالى : { وإن تعفوا وتصفحوا } قال هو أن الرجل من هؤلاء إذا هاجر ورأى الناس قد سبقوا بالهجرة وفقهوا في الدين هم أن يعاقب زوجته وولده الذين منعوه الهجرة وإن لحقوا به في دار الهجرة لم ينفق عليهم ، ولم يصبهم بخير فنزل : { وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا } الآية ، يعني أن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم ، ينهون عن الإسلام ويثبطون عنه وهم من الكفار فاحذروهم ، فظهر أن هذه العداوة إنما هي للكفر والنهي عن الإيمان ، ولا تكون بين المؤمنين فأزواجهم وأولادهم المؤمنون لا يكونون عدوا لهم ، وفي هؤلاء الأزواج والأولاد الذين منعوا عن الهجرة نزل : { إنما أموالكم وأولادكم فتنة } قال ابن عباس رضي الله عنهما : لا تطيعوهم في معصية الله تعالى وفتنة أي بلاء وشغل عن الآخرة ، وقيل : أعلم الله تعالى أن الأموال والأولاد من جميع ما يقع بهم في الفتنة وهذا عام يعم جميع الأولاد ، فإن الإنسان مفتون بولده لأنه ربما عصى الله تعالى بسببه وباشر الفعل الحرام لأجله ، كغصب مال الغير وغيره : { والله عنده أجر عظيم } أي جزيل ، وهو الجنة أخبر أن عنده أجرا عظيما ليتحملوا المؤونة العظيمة ، والمعنى لا تباشروا المعاصي بسبب الأولاد ولا تؤثروهم على ما عند الله من الأجر العظيم . وقوله تعالى : { فاتقوا الله ما استطعتم } قال مقاتل : أي ما أطقتم يجتهد المؤمن في تقوى الله ما استطاع ، قال قتادة : نسخت هذه الآية قوله تعالى : { اتقوا الله حق تقاته } ( آل عمران : 102 ) ومنهم من طعن فيه وقال : لا يصح لأن قوله تعالى : { اتقوا الله حق تقاته } لا يراد به الاتقاء فيما لا يستطيعون لأنه فوق الطاقة والاستطاعة ، وقوله : { اسمعوا } أي لله ولرسوله ولكتابه وقيل : لما أمركم الله ورسوله به { الله وأطيعوا } الله فيما يأمركم { وأنفقوا } من أموالكم في حق الله خيرا لأنفسكم ، والنصب بقوله : { وأنفقوا } كأنه قيل : وقدموا خيرا لأنفسكم ، وهو / كقوله : { يأيها الناس قد } ( النساء : 170 ) وقوله تعالى : { ومن يوق شح نفسه } الشح هو البخل ، وإنه يعم المال وغيره ، يقال : فلان شحيح بالمال وشحيح بالجاه وشحيح بالمعروف ، وقيل : يوق ظلم نفسه فالشح هو الظلم / ومن كان بمعزل عن الشح فذلك من أهل الفلاح فإن قيل : { إنما أموالكم وأولادكم فتنة } ، يدل على أن الأموال والأولاد كلها من الأعداء و { إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم } يدل على أن بعضهم من الأعداء دون البعض ، فنقول : هذا في حيز المنع فإنه لا يلزم أن يكون البعض من المجموع الذي مر ذكره من الأولاد يعني من الأولاد من يمنع ومنهم من لا يمنع ، فيكون البعض منهم عدوا دون البعض .
[ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم } . > 7 < التغابن : ( 17 - 18 ) إن تقرضوا الله . . . . . > > اعلم أن قوله : { إن تقرضوا الله قرضا حسنا } أي إن تنفقوا في طاعة الله متقاربين إليه يجزكم بالضعف لما أنه شكور يحب المتقربين إلى حضرته حليم لا يعجل بالعقوبة غفور يغفر لكم ، والقرض الحسن عند بعضهم هو التصدق من الحلال ، وقيل : هو التصدق بطيبة نفسه ، والقرض هو الذي يرجى مثله وهو الثواب مثل الإنفاق في سبيل الله ، وقال في ( الكشاف ) : ذكر القرض تلطف في الاستدعاء وقوله : { يضاعفه لكم } أي يكتب لكم بالواحدة عشرة وسبعمائة إلى ما شاء من الزيادة وقرىء ( يضعفه ) { شكور } مجاز أي يفعل بكم ما يفعل المبالغ في الشكر من عظيم الثواب وكذلك حليم يفعل بكم ما يفعل من يحلم عن المسيء فلا يعاجلكم بالعذاب مع كثرة ذنوبكم ، ثم لقائل أن يقول : هذه الأفعال مفتقرة إلى العلم والقدرة ، والله تعالى ذكر العلم دون القدرة فقال : { عالم الغيب } ، فنقول قوله : { العزيز } يدل على القدرة من عز إذا غلب و { الحكيم } على الحكمة ، وقيل : العزيز الذي لا يعجزه شيء ، والحكيم الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير ، والله تعالى كذلك فيكون عالما قادرا حكيما جل ثناؤه وعظم كبرياؤه ، والله أعلم بالصواب ، والحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد المرسلين ، وخاتم النبيين سيدنا محمد وآله وسلم تسليما كثيرا . < > 1 ( سورة الطلاق ) 1 < > إثنتا عشرة آية مدنية ! 7 < { ياأيها النبى إذا طلقتم النسآء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } . > 7 < الطلاق : ( 1 ) يا أيها النبي . . . . . > > / { الحكيم يأيها النبى إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة } .
أما التعلق بما قبلها فذلك أنه تعالى قال في أول تلك السورة : { له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير } ( التغابن : 1 ) والملك يفتقر إلى التصرف على وجه يحصل منه نظام الملك ، والحمد يفتقر إلى أن ذلك التصرف بطريق العدل والإحسان في حق المتصرف فيه وبالقدرة على من يمنعه عن التصرف وتقرير الأحكام في هذه السورة متضمن لهذه الأمور المفتقرة إليها تضمنا لا يفتقر إلى التأمل فيه ، فيكون لهذه السورة نسبة إلى تلك السورة ، وأما الأول بالآخر فلأنه تعالى أشار في آخر تلك السورة إلى كمال علمه بقوله : { عالم الغيب } ( التغابن : 18 ) وفي أول هذه السورة إلى كمال علمه بمصالح النساء وبالأحكام المخصوصة بطلاقهن ، فكأنه بين ذلك الكلي بهذه الجزئيات ، وقوله : { الحكيم يأيها النبى إذا طلقتم النساء } عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حفصة فأتت إلى أهلها فنزلت ، وقيل : راجعها فإنها صوامة قوامة وعلى هذا إنما نزلت الآية بسبب خروجها إلى أهلها لما طلقها النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله في هذه الآية : { ولا يخرجن من بيوتهن } وقال الكلبي : إنه عليه السلام غضب على حفصة لما أسر إليها حديثا فأظهرته لعائشة فطلقها تطليقة فنزلت ، وقال السدي : نزلت في عبد الله بن عمر لما طلق امرأته حائضا والقصة في ذلك مشهورة وقال مقاتل : إن رجالا فعلوا مثل ما فعل ابن عمر ، وهم عمرو بن سعيد بن العاص وعتبة بن غزوان فنزلت فيهم ، وفي قوله تعالى : { الحكيم يأيها النبى إذا طلقتم النساء } وجهان أحدهما : أنه نادى النبي صلى الله عليه وسلم ثم خاطب أمته لما أنه سيدهم وقدوتهم ، فإذا خوطب خطاب الجمع كانت أمته داخلة في ذلك الخطاب . قال أبو إسحق : هذا خطاب النبي عليه السلام ، والمؤمنون داخلون معه في الخطاب وثانيهما : أن المعنى يا أيها النبي قل لهم : إذا طلقتم النساء فأضمر القول ، وقال الفراء : خاطبه وجعل الحكم للجميع ، كما تقول للرجل : ويحك أما تتقون الله أما تستحيون ، تذهب إليه وإلى أهل بيته و { إذا طلقتم } أي إذا أردتم التطليق ، كقوله : { يأيها الذين ءامنوا إذا } ( المائدة : 6 ) أي إذا أردتم / الصلاة ، وقد مر الكلام فيه ، وقوله تعالى : { فطلقوهن لعدتهن } قال عبد الله : إذا أراد الرجل أن يطلق امرأته ، فيطلقها طاهرا من غير جماع ، وهذا قول مجاهد وعكرمة ومقاتل والحسن ، قالوا : أمر الله تعالى الزوج بتطليق امرأته إذا شاء الطلاق في طهر لم يجامعها فيه ، وهو قوله تعالى : { لعدتهن } أي لزمان عدتهن ، وهو الطهر بإجماع الأمة ، وقيل : لإظهار عدتهن ، وجماعة من المفسرين قالوا : الطلاق للعدة أن يطلقها طاهرة من غير جماع ، وبالجملة ، فالطلاق في حال الطهر لازم ، وإلا لا يكون الطلاق سنيا ، والطلاق في السنة إنما يتصور في البالغة المدخول بها غير الآيسة والحامل / إذ لا سنة في الصغير وغير المدخول بها ، والآيسة والحامل ، ولا بدعة أيضا لعدم العدة بالأقراء ، وليس في عدد الطلاق سنة وبدعة ، على مذهب الشافعي حتى لو طلقها ثلاثا في طهر صحيح لم يكن هذا بدعيا بخلاف ما ذهب إليه أهل العراق ، فإنهم قالوا : السنة في عدد الطلاق أن يطلق كل طلقة في طهر صحيح .
وقال صاحب ( النظم ) : { فطلقوهن لعدتهن } صفة للطلاق كيف يكون ، وهذه اللام تجيء لمعان مختلفة للإضافة وهي أصلها ، ولبيان السبب والعلة كقوله تعالى : { إنما نطعمكم لوجه الله } ( الإنسان : 9 ) وبمنزلة عند مثل قوله : { أقم الصلواة لدلوك الشمس } ( الإسراء : 78 ) أي عنده ، وبمنزلة في مثل قوله تعالى : { هو الذى أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لاول الحشر } ( الحشر : 2 ) وفي هذه الآية بهذا المعنى ، لأن المعنى فطلقوهن في عدتهن ، أي في الزمان الذي يصلح لعدتهن فقال صاحب ( الكشاف ) : فطلقوهن مستقبلات لعدتهن كقوله : أتيته لليلة بقيت من المحرم أي مستقبلا لها ، وفي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم : ( من قبل عدتهن ) فإذا طلقت المرأة في الطهر المتقدم للقرء الأول من أقرائها فقد طلقت مستقبلة العدة ، المراد أن يطلقن في طهر لم يجامعن فيه ، يخلين إلى أن تنقضي عدتهن ، وهذا أحسن الطلاق وأدخله في السنة وأبعده من الندم ويدل عليه ما روي عن إبراهيم النخعي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يستحبون أن لا يطلقوا أزواجهم للسنة إلا واحدة ثم لا يطلقوا غير ذلك حتى تنقضي العدة وكان أحسن عندهم من أن يطلق الرجل ثلاث تطليقات ، وقال مالك بن أنس : لا أعرف طلاقا إلا واحدة ، وكان يكره الثلاث مجموعة كانت أو متفرقة ، وأما أبو حنيفة وأصحابه فإنما كرهوا ما زاد على الواحدة في طهر واحد ، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابن عمر حين طلق امرأته وهي حائض : ما هكذا أمرك الله تعالى إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالا وتطلقها لكل قرء تطليقة وعند الشافعي لا بأس بإرسال الثلاث ، وقال : لا أعرف في عدد الطلاق سنة ولا بدعة وهو مباح فمالك يراعى في طلاق السنة الواحدة والوقت ، وأبو حنيفة يراعي التفريق والوقت ، والشافعي يراعي الوقت وحده ، وقوله تعالى : { وأحصوا العدة } أي أقراءها فاحتفظوا لها واحفظوا الحقوق والأحكام التي تجب في العدة واحفظوا نفس ما تعتدون به وهو عدد الحيض ، ثم جعل الإحصاء إلى الأزواج يحتمل وجهين أحدهما : أنهم هم الذين يلزمهم الحقوق والمؤن وثانيهما : ليقع / تحصين الأولاد في العدة ، ثم في الآية مباحث :
الأول : ما الحكمة في إطلاق السنة وإطلاق البدعة ؟ نقول : إنما سمي بدعة لأنها إذا كانت حائضا لم تعتد بأيام حيضها عن عدتها بل تزيد على ثلاثة أقراء فتطول العدة عليها حتى تصير كأنها أربعة أقراء وهي في الحيض الذي طلقت فيه في صورة المعلقة التي لا هي معتدة ولا ذات بعل والعقول تستقبح الإضرار ، وإذا كانت طاهرة مجامعة لم يؤمن أن قد علقت من ذلك الجمع بولد ولو علم الزوج لم يطلقها ، وذلك أن الرجل قد يرغب في طلاق امرأته إذا لم يكن بينهما ولد ولا يرغب في ذلك إذا كانت حاملا منه بولد ، فإذا طلقها وهي مجامعة وعنده أنها حائل في ظاهر الحال ثم ظهر بها حمل ندم على طلاقها ففي طلاقه إياها في الحيض سوء نظر للمرأة ، وفي الطلاق في الطهر الذي جامعها فيه وقد حملت فيه سوء نظر للزوج ، فإذا طلقت وهي طاهر غير مجامعة أمن هذان الأمران ، لأنها تعتد عقب طلاقه إياها ، فتجري في الثلاثة قروء ، والرجل أيضا في الظاهر على أمان من اشتمالها على ولد منه . الثاني : هل يقع الطلاق المخالف للسنة ؟ نقول : نعم ، وهو آثم لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا طلق امرأته ثلاثا بين يديه ، فقال له : ( أو تلعبون بكتاب الله وأنا بين أظهركم ) . الثالث : كيف تطلق للسنة التي لا تحيض لصغر أو كبر أو غير ذلك ؟ نقول : الصغيرة والآيسة والحامل كلهن عند أبي حنيفة وأبي يوسف يفرق عليهن الثلاث في الأشهر ، وقال محمد وزفر : لا يطلق للسنة إلا واحدة . وأما غير المدخول بها فلا تطلق للسنة إلا واحدة ، ولا يراعى الوقت . الرابع : هل يكره أن تطلق المدخول بها واحدة بائنة ؟ نقول : اختلفت الرواية فيه عن أصحابنا ، والظاهر الكراهة . الخامس : { إذا طلقتم النساء } عام يتناول المدخول بهن ، وغير المدخول بهن من ذوات الأقراء ، والآيسات والصغار والحوامل ، فكيف يصح تخصيصه بذوات الأقراء والمدخول بهن ؟ نقول : لا عموم ثمة ولا خصوص أيضا ، لكن النساء اسم جنس للإناث من الإنس ، وهذه الجنسية معنى قائم في كلهن ، وفي بعضهن ، فجاز أن يراد بالنساء هذا وذاك فلما قيل : { فطلقوهن لعدتهن } علم أنه أطلق على بعضهن ، وهن المدخول بهن من المعتدات بالحيض ، كذا ذكره في ( الكشاف ) . ثم قال تعالى : { واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد } . قوله : { اتقوا الله } قال مقاتل : اخشوا الله فلا تعصوه فيما أمركم و { لا تخرجوهن } أي لا تخرجوا المعتدات من المساكن التي كنتم تساكنونهن فيها قبل الطلاق ، فإن كانت المساكن عارية فارتجعت كان على الأزواج أن يعينوا مساكن أخرى بطريق الشراء ، أو بطريق الكراء ، أو بغير ذلك ، وعلى الزوجات أيضا أن لا يخرجن حقا لله تعالى إلا لضرورة ظاهرة ، فإن خرجت ليلا أو نهارا كان ذلك الخروج حراما ، ولا تنقطع العدة . وقوله تعالى : { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } قال ابن عباس : هو أن يزنين فيخرجن لإقامة الحد عليهن ، قال الضحاك الأكثرون : فالفاحشة على هذا القول هي الزنا ، وقال ابن عمر : الفاحشة خروجهن قبل انقضاء العدة ، قال السدي والباقون : الفاحشة المبينة هي العصيان المبين ، وهو النشوز ، وعن ابن عباس : إلا أن يبذون فيحل إخراجهن لبذائهن وسوء خلقهن ، فيحل للأزواج إخراجهن من بيوتهن ، وفي الآية مباحث :
البحث الأول : هل للزوجين التراضي على إسقاطها ؟ نقول : السكنى الواجبة في حال قيام الزوجية حق للمرأة وحدها فلها إبطالها ، ووجه هذا أن الزوجين ما داما ثابتين على النكاح فإنما مقصودهما المعاشرة والاستمتاع ، ثم لا بد في تمام ذلك من أن تكون المرأة مستعدة له لأوقات حاجته إليها ، وهذا لا يكون إلا بأنه يكفيها في نفقتها ، كطعامها وشرابها وأدمها ولباسها وسكناها ، وهذه كلها داخلة في إحصاء الأسباب التي بها يتم كل ما ذكرنا من الاستمتاع ، ثم ما وراء ذلك من حق صيانة الماء ونحوها ، فإن وقعت الفرقة زال الأصل الذي هو الانتفاع وزواله بزوال الأسباب الموصلة إليه من النفقة عليها ، واحتيج إلى صيانة الماء فصارت السكنى في هذه الحالة بوجوبها الإحصاء لأسبابها ، لأن أصلها السكنى ، لأن بها تحصينها ، فصارت السكنى في هذه الحالة لا اختصاص لها بالزوج ، وصيانة الماء من حقوق الله ، ومما لا يجوز التراضي من الزوجين على إسقاطه ، فلم يكن لها الخروج ، وإن رضي الزوج ، ولا إخراجها ، وإن رضيت إلا عن ضرورة مثل انهدام المنزل ، وإخراج غاصب إياها أو نقلة من دار بكراء قد انقضت إجارتها أو خوف فتنة أو سيل أو حريق ، أو غير ذلك من طريق الخوف على النفس ، فإذا انقضى ما أخرجت له رجعت إلى موضعها حيث كان الثاني : قال : { واتقوا الله ربكم } ولم يقل : واتقوا الله مقصورا عليه فنقول : فيه من المبالغة ما ليس في ذلك فإن لفظ الرب ينبههم على أن التربية التي هي الإنعام والإكرام بوجوه متعددة غاية التعداد فيبالغون في التقوى حينئذ خوفا من فوت تلك التربية الثاني : ما معنى الجمع بين إخراجهم وخروجهن ؟ نقول : معنى الإخراج أن لا يخرجهن / البعولة غضبا عليهن وكراهة لمساكنتهن أو لحاجة لهم إلى المساكن وأن لا يأذنوا لهن في الخروج إذا طلبن ذلك ، إيذانا بأن إذنهم لا أثر له في رفع الحظر ، ولا يخرجن بأنفسهن إن أردن ذلك . الثالث : قرىء : { بفاحشة مبينة } و { مبينة } فمن قرأ مبينة بالخفض فمعناه : أن نفس الفاحشة إذا تفكر فيها تبين أنها فاحشة ، ومن قرأ { مبينة } بالفتح فمعناه أنها مبرهنة بالبراهين ، ومبينة بالحجج ، وقوله : { وتلك حدود الله } والحدود هي الموانع عن المجاوزة نحو النواهي ، والحد في الحقيقة هي النهاية التي ينتهي إليها الشيء ، قال مقاتل : يعود ما ذكر من طلاق السنة وما بعده من الأحكام { ومن يتعد حدود الله } وهذا تشديد فيمن يتعدى طلاق السنة ، ومن يطلق لغير العدة { فقد ظلم نفسه } أي ضر نفسه ، ولا يبعد أن يكون المعنى ومن يتجاوز الحد الذي جعله الله تعالى فقد وضع نفسه موضعا لم يضعه فيه ربه ، والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه ، وقوله تعالى : { لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } قال ابن عباس : يريد الندم على طلاقها والمحبة لرجعتها في العدة وهو دليل على أن المستحب في التطليق أن يوقع متفرقا ، قال أبو إسحق : إذا طلقها ثلاثا في وقت واحد فلا معنى في قوله : { لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوى عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الا خر ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شىء قدرا } . > 7 ! { < < الطلاق : ( 2 ) فإذا بلغن أجلهن . . . . .
Sorular
- Tevhid nedir; Müslümanların Allah'ın birliğine imanı?
- İslam'da imanın altı şartı nedir?
- Müslümanlar peygamberler hakkında neye inanır?
- İslam helal ve haram yiyecekler hakkında ne öğretir?
- Fâtiha Sûresi'nin anlamı nedir?
- Kur'an sabır hakkında ne öğretir?
- Kur'an hayatın amacı hakkında ne der?
- İhlas nedir ve neden önemlidir?