Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Bölüm V30/P241–V30/P242

الصفة الثالثة : قوله تعالى : { ولا يغنى من اللهب } يقال : أغن عني وجهك ، أي أبعده لأن الغني عن الشيء يباعده ، كما أن المحتاج يقاربه ، قال صاحب ( الكشاف ) : إنه في محل الجر ، أي وغيره مغن عنهم ، من حر اللهب شيئا ، قال القفال : وهذا يحتمل وجهين أحدهما : أن هذا الظل إنما يكون في جهنم ، فلا يظلهم من حرها ، ولا يسترهم من لهيبها ، وقد ذكر الله في سورة الواقعة الظل فقال : { فى سموم وحميم وظل من يحموم لا بارد ولا كريم } ( الواقعة : 42 ، 44 ) وهذا كأنه في جهنم إذا دخلوها ، ثم قال : { لا بارد ولا كريم } فيحتمل أن يكون قوله : { لا ظليل } في معنى : { لا بارد } وقوله : { ولا يغنى من اللهب } / في معنى : { ولا كريم } أي لا روح له يلجأ إليه من لهب النار والثاني : أن تكون ذلك إنما يكون قبل أن يدخلوا جهنم بل عندما يحسبون للحساب والعرض ، فيقال لهم : إن هذا الظل لا يظلكم من حر الشمس ولا يدفع لهب النار ، وفي الآية وجه ثان : وهو الذي قاله قطرب : وهو أن اللهب ههنا هو العطش يقال : لهب لهبا ورجل لهبان وامرأة لهبى . الصفة الرابعة : قوله تعالى : { إنها ترمى بشرر } قال الواحدي : يقال شررة وشرر وشرارة وشرار ، وهو ما تطاير من النار متبددا في كل جهة وأصله من شررت الثوب إذا أظهرته وبسطته للشمس والشرار ينبسط متبددا ، واعلم أن الله تعالى وصف النار التي كان ذلك الظل دخانا لها بأنها ترمي بالشرارة العظيمة ، والمقصود منه بيان أن تلك النار عظيمة جدا ، ثم إنه تعالى شبه ذلك الشرر بشيئين الأول : بالقصر وفي تفسيره قولان : أحدهما : أن المراد منه البناء المسمى بالقصر قال ابن عباس : يريد القصور العظام الثاني : أنه ليس المراد ذلك ، ثم على التقدير ففي التفسير وجوه أحدها : أنها جمع قصرة ساكنة الصاد كتمرة وتمر وجمرة وجمر ، قال المبراد : يقال للواحد من الحطب الجزل الغليظ قصرة والجمع قصر ، قال عبد الرحمن بن عابس : سألت ابن عباس عن القصر فقال : هو خشب كنا ندخره للشتاء نقطعه وكنا نسميه القصر ، وهذا قول سعيد بن جبير ومقاتل والضحاك ، إلا أنهم قالوا : هي أصول النخل والشجر العظام ، قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء كالقصر بفتحتين وهي أعناق الإبل أو أعناق النخل نحو شجرة وشجر ، وقرأ ابن مسعود كالقصر بمعنى القصر كرهن ورهن ، وقرأ سعيد بن جبير كالقصر في جمع قصرة كحاجة وحوج . التشبيه الثاني : قوله تعالى : { كأنه جمالة صفر } وفيه مسألتان :

Bölüm V30/P242

المسألة الأولى : جمالات جمع جمال كقوهم : رجالات ورجال وبيوتات وبيوت ، وقرأ ابن عباس حمالات بضم الجيم وهو قراءة يعقوب وذكروا وجوها أحدها : قيل : الجمالات بالضم الحبال الغلاظ وهي حبال السفن ، ويقال لها : القلوس ومنهم من أنكر ذلك وقال : المعروف في الحبال إنما هو الجمل بضم الجيم وتشديد الميم وقرىء : { حتى يلج الجمل } وثانيها : قيل هي قطع النحاس ، وهو مروي عن علي بن أبي طالب عليه السلام ، وابن عباس ومعظم أهل اللغة لا يعرفونه وثالثها : قال الفراء : يجوز أن يكون الجمالات بالضم من الشيء المجمل ، يقال : أجملت الحساب ، وجاء القوم جملة أي مجتمعين ، والمعنى أن هذه الشررة ترتفع كأنها شيء مجموع غليظ أصفر ، وهذا قول الفراء ورابعها : قال الفراء : يجوز أن يقال : جمالات بضم الجيم جمع جمال بضم الجيم وجمال بضم الجيم يكون جمع جمل ، كما يقاله : رخل ورخال ورخال . القراءة الثاني : جملة بكسر الجيم هي جمع جمل مثل حجر وحجارة ، قال أبو علي : والتاء إنما لحقت جمالا لتأنيث الجمع ، كما لحقت في فحل وفحالة . / القراءة الرابعة : جملة بضم الجيم وهي القلس ، وقيل : صفر لإرادة الجنس ، أما قوله : صفر فالأكثرون على أن المراد منه سود تضرب إلى الصفرة ، قال الفراء : لا ترى أسود من الإبل إلا وهو مشوب صفرة ، والشرر إذا تطاير فسقط وفيه بقية من لون النار كان أشبه بالجمل الأسود الذي يشوبه شيء من الصفرة . وزعم بعض العلماء أن المراد هو الصفرة لا السواد ، لأن الشرر إنما يسمى شررا ما دام يكون نارا ، ومتى كان نارا كان أصفر / وإنما يصير أسود إذا انطفأ ، وهناك لا يسمى شررا ، وهذا القول عندي هو الصواب . المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى شبه الشرر في العظم بالقصر ، وفي اللون والكثرة والتتابع وسرعة الحركة بالجمالات الصفر ، وقيل : أيضا إن ابتداء الشرر يعظم فيكون كالقصر ثم يفترق فتكون تلك القطع المتفرقة المتتابعة كالجمالات الصفر ، واعلم أنه نقل عن ابن عباس أنه قال في تفسير قوله : { إنها ترمى بشرر كالقصر } أن هذا التشبيه إنما ورد في بلاد العرب ، وقصورهم قصيرة السمك جارية مجرى الخيمة ، فبين تعالى أنها ترمى بشرر كالقصر ، فلما سمع أبو العلاء المعري بهذا تصرف فيه وشبهه بالخيمة من الأديم ، وهو قوله : حمراء ساطعة الذوائب في الدجى ترمى بكل شرارة كطراف

Bölüm V30/P242–V30/P243

ثم زعم صاحب الكشاف أنه ذكر ذلك معارضة لهذه الآية ، وأقول : كان الأولى لصاحب الكشاف أن لا يذكر ذلك ، وإذ قد ذكره فلا بد لنا من تحقيق الكلام فيه ، فنقول : تشبيه الشرارة بالطراف يفيد التشبيه في الشكل والعظم ، أما الشكل فمن وجهين الأول : أن الشرارة تكون قبل انشعابها كالنقطة من النار ، فإذا انشعبت اتسعت فهي كالنقطة التي تتسع فهي تشبه الخيمة فإن رأسها كالنقطة ثم إنها لا تزال تتسع شيئا فشيئا الثاني : أن الشرارة كالكرة أو الأسطوانة فهي شديدة الشبه بالخيمة المستديرة وأما التشبيه بالخيمة في النظم فالأمر ظاهر ، هذا منتهى هذا التشبيه . وأما وجه القدح فيه فمن وجوه الأول : أن لون الشرارة أصفر يشوبها شيء من السواد ، وهذا المعنى حاصل في الجمالات الصفر وغير حاصل في الخيمة من الأديم الثاني : أن الجمالات متحركة والخيمة لا تكون متحركة فتشبيه الشرار المتحرك بالجمالات المتحركة أولى والثالث : أن الشرارات متتابعة يجيء بعضها خلف البعض وهذا المعنى حاصل في الجمالات الصفر وغير حاصل في الطراف الرابع : أن القصر مأمن الرجل وموضع سلامته فتشبيه الشرر بالقصر تنبيه على أنه إنما تولدت آفته من الموضع الذي توقع منه الأمن والسلامة ، وحال الكافر كذلك فإنه كان يتوقع الخير والسلامة من دينه ، ثم إنه ما ظهرت له آفة ولا محنة إلا من ذلك الدين ، والخيمة ليست مما يتوقع منها الأمن الكلي الخامس : أن العرب كانوا يعتقدون أن كل الجمال في ملك الجمال وتمام النعم إنما يحصل بملك النعم ، ولهذا قال تعالى : { ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون } فتشبيه الشرر بالجمال السود كالتهكم بهم ، كأنه قيل لهم : كنتم تتوقعون من دينكم كرامة ونعمة وجمالا إلا أن ذلك الجمال هو هذه الشرارات التي هي كالجمال ، وهذا المعنى غير حاصل في / الطراف السادس : أن الجمال إذا انفردت واختلط بعضها بالبعض فكل من وقع فيما بين أيديها وأرجلها في ذلك الوقت نال بلاء شديدا وألما عظيما ، فتشبيه الشرارات بها حال تتابعها يفيد حصول كمال الضرر ، والطراف ليس كذلك السابع : الظاهر أن القصر يكون في المقدار أعظم من الطراف والجمالات الصفر تكون أكثر في العدد من الطراف فتشبيه هذه الشرارات بالقصر وبالجمالات يقتضي الزيادة في المقدار وفي العدد وتشبهها بالطراف لا يفيد شيئا من ذلك ، ولما كان المقصود هو التهويل والتخويف كان التشبيه الأول أولى الثامن : أن التشبيه بالشيئين في إثبات وصفين أقوى في ثبوت ذينك الصفين من التشبيه بالشيء الواحد في إثبات ذينك الوصفين ، وبيانه أن من سمع قوله : { إنها ترمى بشرر كالقصر } تسارع ذهنه إلى أن المراد إثبات عظم تلك الشرارات ، ثم إذا سمع بعد ذلك قوله : { كأنه جمالة صفر } تسارع ذهنه إلى أن المراد كثرة تلك الشرارات وتتابعها ولونها . أما من سمع أن الشرار كالطراف يبقى ذهنه متوقفا في أن المقصود بالتشبيه إثبات العظم أو إثبات اللون ، فالتشبيه بالطراف كالمجمل ، والتشبيه بالقصر وبالجمالات الصفر ، كالبيان المفصل المكرر المؤكد . ولما كان المقصود من هذا البيان هو التهويل والتخويف ، فكلما كان بيان وجوه العذاب أتم وأبين كان الخوف أشد ، فثبت أن هذا التشبيه أتم . التاسع : أنه قال في أول الآية : { انطلقوا إلى ظل } والإنسان إنما يكون طيب العيش وقت الانطلاق ، والذهاب إذا كان راكبا ، وإنما يجد الظل الطيب إذا كان في قصره ، فوقع تشبيه الشرارة بالقصر والجمالات ، كأنه قيل له : مركوبك هذه الجمالات ، وظلك في مثل هذا القصر ، وهذا يجري مجرى التهكم بهم ، وهذا المعنى غير حاصل في الطراف العاشر : من المعلوم أن تطاير القصر إلى الهواء أدخل في التعجب من تطاير الخيمة ، لأن القصر يكون مركبا من اللبن والحجر والخشب .

Bölüm V30/P243–V30/P244

وهذه الأجسام أدخل في الثقل والاكتناز من الخيمة المتخذة إما من الكرباس أو من الأديم ، والشيء كلما كان أثقل وأشد اكتنازا كان تطايره في الهواء أبعد ، فكانت النار التي تطير القصر إلى الهواء أقوى من النار التي تطير الطراف في الهواء ، ومعلوم أن المقصود تعظيم أمر النار في الشدة والقوة ، فكان التشبيه بالقصر أولى الحادي عشر : وهو أن سقوط القصر على الإنسان أدخل في الإيلام والإيجاع من سقوط الطراف عليه ، فتشبيه تلك الشرارات بالقصر يفيد أن تلك الشرارات إذا ارتفعت في الهواء ثم سقطت على الكافر فإنها تؤلمه إيلاما شديدا ، فصار ذلك تنبيها على أنه لا يزال يسقط عليه من الهواء شرارات كالقصور بخلاف وقوع الطراف على الإنسان ، فإنه لا يؤلم في الغاية الثاني عشر : أن الجمال في أكثر الأمور تكون موقرة ، فتشبيه الشرارات بالجمال تنبيه على أن مع كل واحد من تلك الشرارات أنواعا من البلاء والمحنة لا يحصي عددهاإلا الله ، فكأنه قيل : تلك الشرارات كالجمالات الموقرة بأنواع المحنة والبلاء ، وهذا المعنى غير حاصل في الطراف فكان التشبيه بالجمالات أتم .

Bölüm V30/P244–V30/P245

واعلم أن هذه الوجوه توالت على الخاطر في اللحظة الواحدة ولو تضرعنا إلى الله تعالى في طلب الأزيد / لأعطانا أي قدر شئنا بفضله ورحمته ، ولكن هذه الوجوه كافية في بيان الترجيح والزيادة عليها تعد من الأطناب والله أعلم . ! 7 < { هاذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون ويل يومئذ للمكذبين } . > 7 ! < < المرسلات : ( 35 ) هذا يوم لا . . . . . > > نصب الأعمش يوم أي هذا الذي قص عليكم واقع يومئذ ، اعلم أن هذا هو النوع السادس : من أنواع تخويف الكفار وتشديد الأمر عليهم ، وذلك لأنه تعالى بين أنه ليس لهم عذر ولا حجة فيما أتوا به من القبائح ، ولا قدرة لهم على دفع العذاب عن أنفسهم ، فيجتمع في حقه في هذا المقام أنواع من العذاب أحدها : عذاب الخجالة ، فإنه يفتضح على رءوس الأشهاد ، ويظهر لكل قصوره وتقصيره وكل من له عقل سليم ، علم أن عذاب الخجالة أشد من القتل بالسيف والاحتراق بالنار وثانيها : وقوف العبد الآبق على باب المولى ووقوعه في يده مع علمه بأنه الصادق الذي يستحيل الكذب عليه ، على ما قال : { ما يبدل القول لدى } وثالثها : أنه يرى في ذلك الموقف خصماءه الذين كان يستخف بهم ويستحقرهم فائزين بالثواب والتعظيم ، ويرى نفسه فائزا بالخزي والنكال ، وهذه ثلاثة أنواع من العذاب الروحاني ورابعها : العذاب الجسماني وهو مشاهدة النار وأهوالها نعوذ بالله منها فلما اجتمعت في حقه هذه الوجوه من العذاب بل ما هو مما لا يصف كنهه إلا الله ، لا جرم قال تعالى في حقهم : { ويل يومئذ للمكذبين } وفي الآية سؤالان : الأول : كيف يمكن الجمع بين قوله : { هاذا يوم لا ينطقون } وقوله : { ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون } وقوله : { والله ربنا ما كنا مشركين } وقوله : { ولا يكتمون الله حديثا } ويروى أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس عن هذا السؤال والجواب : عنه من وجوه أحدها : قال الحسن : فيه إضمار ، والتقدير : هذا يوم لا ينطقون فيه بحجة ، ولا يؤذن لهم فيعتذرون ، لأنه ليس لهم فيما عملوه عذر صحيح وجواب مستقيم ، فإذا لم ينطقوا بحجة سليمة وكلام مستقيم فكأنهم لم ينطقوا ، لأن من نطق بما لا يفيد فكأنه لم ينطق ، ونظيره ما يقال لمن ذكر كلاما غير مفيد : ما قلت شيئا وثانيها : قال الفراء : أراد بقوله : { يوم لا ينطقون } تلك الساعة وذلك القدر من الوقت الذي لا ينطقون فيه ، كما يقول : آتيك يوم يقدم فلان ، والمعنى ساعة يقدم وليس المراد باليوم كله ، لأن القدوم إنما يكون في ساعة يسيرة ، ولا يمتد في كل اليوم وثالثها : أن قوله : { لا ينطقون } لفظ مطلق ، والمطلق لا يفيد العموم لا في الأنواع ولا في الأوقات ، بدليل أنك تقول : فلان لا ينطق بالشر ولكنه ينطق بالخير ، وتارة تقول : فلان لا ينطق بشيء ألبتة ، وهذا يدل على أن مفهوم لا ينطق قدر مشترك / بين أن لا ينطق ببعض الأشياء ، وبين أن لا ينطق بكل الأشياء ، وكذلك تقول : فلان لا ينطق في هذه الساعة ، وتقول : فلان لا ينطق ألبتة ، وهذا يدل على أن مفهوم لا ينطق مشترك بين الدائم والموقت ، وإذا كان كذلك فمفهوم لا ينطق يكفي في صدقه عدم النطق ببعض الأشياء وفي بعض الأوقات ، وذلك لا ينافي حصول النطق بشيء آخر في وقت آخر ، فيكفي في صدق قوله : { لا ينطقون } أنهم لا ينطقون بعذر وعلة في وقت السؤال ، وهذا الذي ذكرناه إشارة إلى صحة الجوابين الأولين بحسب النظر العقلي ، فإن قيل : لو حلف لا ينطق في هذا اليوم ، فنطق في جزء من أجزاء اليوم يحنث ؟ قلنا : مبني الإيمان على العرف ، والذي ذكرناه بحث عن مفهوم اللفظ من حيث إنه هو ورابعها : أن هذه الآية وردت عقيب قول خزنة جهنم لهم { انطلقوا إلى ظل ذى ثلاث شعب } فينقادون ويذهبون ، فكأنه قيل : إنهم كانوا يؤمرون في الدنيا بالطاعات فما كانوا يلتفتون . أما في هذه الساعة ( فقد ) صاروا منقادين مطيعين في مثل هذا الكليف الذي هو أشق من كل شيء ، تنبيها على أنهم لو تركوا الخصومة في الدنيا لما احتاجوا في هذا الوقت إلى هذا الانقياد الشاق ، والحاصل أن قوله : { هاذا يوم لا ينطقون } متقيد بهذا الوقت في هذا العمل ، وتقييد المطلق بسبب مقدمة الكلام مشهور في العرف ، بدليل أن المرأة إذا قالت : أخرج هذه الساعة من الدار ، فقال الزوج : لو خرجت فأنت طالق ، فإنه يتقيد هذا المطلق بتلك الخرجة ، فكذا ههنا .

Bölüm V30/P245–V30/P246

السؤال الثاني : قوله : { ولا يؤذن لهم فيعتذرون } يوهم أن لهم عذرا وقد منعوا من ذكره ، وهذا لا يليق بالحكيم والجواب : أنه ليس لهم في الحقيقة عذر ولكن ربما تخيلوا خيالا فاسدا أن لهم فيه عذرا ، فهم لا يؤذن لهم في ذلك ذكر العذر الفاسد ، ولعل ذلك العذر الفاسد هو أن يقول : لما كان الكل بقضائك وعلمك ومشيئتك وخلقك فلم تعذبني عليه ، فإن هذا عذر فاسد إذ ليس لأحد أن يمنع المالك عن التصرف في ملكه كيف شاء وأراد ، فإن قيل : أليس أنه قال : { رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } وقال : { ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا } والمقصود من كل ذلك أن لا يبقى في قلبه ، أن له عذرا ، فهب أن عذره في موقف القيامة فاسد فلم لا يؤذن له في ذكره حتى يذكره ، ثم بيبن له فساده ؟ قلنا : لما تقدم الأعذار والإنذار في الدنيا بدليل قوله : { فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا } كان إعادتها غير مفيدة . السؤال الثالث : لم لم يقل : ولا يؤذن لهم فيعتذرون ؟ كما قال : { لا يقضى عليهم فيموتوا } الجواب : الفاء ههنا للنسق فقط ، ولا يفيد كونه جزاء ألبتة ومثله { من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له } بالرفع والنصب ، وإنما رفع يعتذرون بالعطف لأنه لو نصب لكان ذلك يوهم أنهم ما يعتذرون لأنهم لم يؤذنوا في الاعتذار ، وذلك يوهم أن لهم فيه عذرا منعوا عن ذكره وهو غير جائز . أما لما رفع كان المعنى أنهم لم يؤذنوا في العذر وهم أيضا لم يعتذروا لا لأجل عدم الإذن بل لأجل عدم العذر في نفسه ، ثم إن فيه فائدة أخرى وهي حصول الموافقة في رءوس الآيات / لأن الآيات بالواو والنون ، ولو قيل : فيعتذروا لم تتوافق الآيات ، ألا ترى أنه قال في سورة اقتربت الساعة : { إلى شىء نكر } فثقل لأن آياتها مثقلة ، وقال في موضع آخر : { وعذبناها عذابا نكرا } وأجمع القراء على تثقيل الأول وتخفيف الثاني ليوافق كل منهما ما قبله . ! 7 < { هاذا يوم الفصل جمعناكم والا ولين فإن كان لكم كيد فكيدون ويل يومئذ للمكذبين } . > 7 ! < < المرسلات : ( 38 ) هذا يوم الفصل . . . . . > > اعلم أن هذا هو النوع السابع : من أنواع تهديد الكفار ، وهذا القسم من باب التعذيب بالتقريع والتخجيل ، فأما قوله : { هاذا يوم الفصل } فاعلم أن ذلك اليوم يقع فيه نوعان من الحكومة أحدهما : ما بين العبد والرب وفي هذا القسم كل ما يتعلق بالرب فلا حاجة فيه إلى الفصل وهو ما يتعلق بالثواب الذي يستحقه المرء على عمله وكذا في العقاب إنما يحتاج إلى الفصل فيما يتعلق بجانب العبد وهو أن تقرر عليهم أعمالهم التي عملوها حتى يعترفوا .

Bölüm V30/P246–V30/P247

والقسم الثاني : ما يكون بين العباد بعضهم مع بعض ، فإن هذا يدعى على ذاك أنه ظلمني وذاك يدعى على هذا أنه قتلني فههنا لا بد فيه من الفصل وقوله : { جمعناكم والاولين } كلام موضح لقوله : { هاذا يوم الفصل } لأنه لما كان هذا اليوم يوم فصل حكومات جميع المكلفين فلا بد من إحضار جميع المكلفين لا سيما عند من لا يجوز القضاء على الغائب ، ثم قال : { فإن كان لكم كيد فكيدون } يشير به إلى أنهم كانوا يدفعون الحقوق عن أنفسهم بضروب الحيل والكيد فكأنه قال : فههنا إن أمكنكم أن تفعلوا مثل تلك الأفعال المنكرة من الكيد والمكر والخداع والتلبيس فافعلوا ، وهذا كقوله تعالى : { فأتوا بسورة من مثله } ثم إنهم يعلمون أن الحيل منقطعة والتلبيسات غير ممكنة ، فخطاب الله تعالى لهم في هذه الحالة بقوله : { فإن كان لكم كيد فكيدون } نهاية في التخجيل والتقريع ، وهذا من جنس العذاب الروحاني ، فلهذا قال عقيبة : { ويل يومئذ للمكذبين } . ! 7 < { إن المتقين فى ظلال وعيون وفواكه مما يشتهون كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون إنا كذلك نجزى المحسنين ويل يومئذ للمكذبين } . > 7 ! / < < المرسلات : ( 41 ) إن المتقين في . . . . . > > اعلم أن هذا هو النوع الثامن : من أنواع تهديد الكفار وتعذيبهم ، وذلك لأن الخصومة الشديدة والنفرة العظيمة كانت في الدنيا قائمة بين الكفار والمؤمنين ، فصارت تلك النفرة بحيث أن الموت كان أسهل على الكافر من أن يرى للمؤمن دولة وقوة ، فلما بين الله تعالى في هذه السورة اجتماع أنواع العذاب والخزي والنكال على الكفار ، بين في هذه الآية اجتماع أنواع السعادة والكرامة في حق المؤمن ، حتى أن الكافر حال ما يرى نفسه في غاية الذل والهوان والخزي والخسران ، ويرى خصمه في نهاية العز والكرامة والرفعة والمنقبة ، تتضاعف حسرته وتتزايد غمومه وهمومه ، وهذا أيضا من جنس العذاب الروحاني ، فلهذا قال في هذه الآية : { ويل يومئذ للمكذبين } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قال مقاتل والكلبي : المراد من قوله : { إن المتقين } الذين يتقون الشرك بالله ، وأقول هذا القول عندي هو الصحيح الذي لا معدل عنه ، ويدل عليه وجوه أحدها : أن المتقي عن الشرك يصدق عليه أنه متق ، لأن المتقي عن الشرك ماهية مركبة من قيدين أحدهما : أنه متق والثاني : خصوص كونه عن الشرك ، ومتى وجد المركب ، فقد وجد كل واحد من مفرداته لا محالة ، فثبت أن كل من صدق عليه أنه متق عن الشرك ، فقد صدق عليه أنه متق أقصى ما في الباب ، أن يقال : هذه الآية على هذا التقدير تتناول كل من كان متقيا لأي شيء كان ، إلا أنا نقول كونه كذلك لا يقدح فيما قلناه ، لأنه خص كل من لم يكن متقيا عن جميع أنواع الكفر فيبقى فيما عداه حجة لأن العالم الذي دخل التخصيص يبقى حجة فيما عداه وثانيها : أن هذه السورة من أولها إلى آخرها مرتبة في تقريع الكفار على كفرهم وتخويفهم عليه ، فهذه الآية يجب أن تكون مذكورة لهذا الغرض ، وإلا لتفككت السورة في نظمها وترتيبها ، والنظم إنما يبقى لو كان هذا الوعد حاصلا للمؤمنين بسبب إيمانهم ، لأنه لما تقدم وعيد الكافر بسبب كفره ، وجب أن يقرن ذلك بوعد المؤمن بسبب إيمانه حتى يصير ذلك سببا في الزجر عن الكفر ، فأما أن يقرن به وعد المؤمن بسبب طاعته ، فذلك غير لائق بهذا النظم والترتيب ، فثبت بما ذكرنا أن المراد من قوله : { إن المتقين } كل من كان متقيا عن الشرك والكفر وثالثها : أن حمل اللفظ على المسمى الكامل أولى ، وأكمل أنواع التقوى هو التقوى عن الكفر والشرك ، فكان حمل اللفظ عليه أولى .

Bölüm V30/P247–V30/P248

المسألة الثانية : أنه تعالى لما بعث الكفار إلى ظل ذي ثلاث شعب أعد في مقابلته للمؤمنين ثلاثة أنواع من النعمة أولها : قوله : { إن المتقين فى ظلال وعيون } كأنه قيل : ظلالهم ما كانت ظليلة ، وما كانت مغنية عن اللهب والعطش أما المتقون فظلالهم ظليلة ، وفيها عيون عذبة مغنية لهم عن العطش وحاجزة بينهم وبين اللهب ومعهم الفواكه التي يشتهونها ويتمنونها ، ولما قال للكفار : { انطلقوا إلى ظل ذى ثلاث شعب } قال للمتقين : { كلوا واشربوا هنيئا } فإما أن يكون ذلك الإذن من جهة الله تعالى لا بواسطة ، وما أعظمها ، أو من جهة الملائكة على وجه الإكرام ، ومعنى { هنيئا } أي خالص اللذة لا يشوبه سقم ولا تنغيص . / المسألة الثالثة : اختلف العلماء في أن قوله : { كلوا واشربوا } أمر أو إذن قال أبو هاشم : هو أمر ، وأراد الله منهم الأكل والشرب / لأن سرورهم يعظم بذلك ، وإذا علموا أن الله أراده منهم جزاء على عملهم فكما يزيد إجلالهم وإعظامهم بذلك ، فكذلك يريد نفس الأكل والشرب معهم ، وقال أبو علي : ذلك ليس بأمر ، وإنما يريد بقوله : على وجه الإكرام ، لأن الأمر والنهي إنما يحصلان في زمان التكليف ، وليس هذا صفة الآخرة . المسألة الرابعة : تمسك من قال العمل يوجب الثواب بالباء في قوله : { بما كنتم تعملون } وهذا ضعيف لأن الباء للإضافة ، ولما جعل الله تعالى ذلك العمل علامة لهذا الثواب كان الإتيان بذلك العمل كالآلة الموصلة إلى تحصيل ذلك الثواب ، وقوله : { إنا كذلك نجزى المحسنين } المقصود منه أن يذكر الكفار ما فاتهم من النعم العظيمة ، ليعلموا أنهم لو كانوا من المتقين المحسنين لفازوا بمثل تلك الخيرات ، وإذا لم يفعلوا ذلك لا جرم وقعوا فيما وقعوا فيه . ! 7 < { كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون ويل يومئذ للمكذبين } . > 7 ! < < المرسلات : ( 46 ) كلوا وتمتعوا قليلا . . . . . > > اعلم أن هذا هو النوع التاسع : من أنواع تخويف الكفار ، كأنه تعالى يقول للكافر حال كونه في الدنيا إنك إنما عرضت نفسك لهذه الآفات التي وصفناها ولهذه المحن التي شرحناها لأجل حبك للدنيا ورغبتك في طيباتها وشهواتها إلا أن هذه الطيبات قليلة بالنسبة إلى تلك الآفات العظيمة والمشتغل بتحصيلها يجري مجرى لقمة واحدة من الحلواء ، وفيها السم المهلك فإنه يقال لمن يريد أكلها ولا يتركها بسبب نصيحة الناصحين وتذكير المذكرين : كل هذا وويل لك منه بعد هذا فإنك من الهالكين بسببه ، وهذا وإن كان في اللفظ أمرا إلا أنه في المعنى نهي بليغ وزجر عظيم ومنع في غاية المبالغة . ثم قال تعالى : ! 7 < { وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ويل يومئذ للمكذبين } . > 7 ! < < المرسلات : ( 48 ) وإذا قيل لهم . . . . . > > اعلم أن هذا هو النوع العاشر : من أنواع تخويف الكفار كأنه قيل لهم : هب أنكم تحبون الدنيا ولذاتها ولكن لا تعرضوا بالكلية عن خدمة خالقكم بل تواضعوا له فإنكم إن آمنتم ثم ضممتم إليه طلب اللذات وأنواع المعاصي حصل لكم رجاء الخلاص عن عذاب جهنم والفوز بالثواب ، كما قال : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ثم إن هؤلاء الكفار لا يفعلوا ذلك ولا ينقادون لطاعته ، ويبقون مصرين على جهلهم وكفرهم وتعريضهم أنفسهم للعقاب العظيم ، فلهذا قال : { ويل يومئذ للمكذبين } أي الويل لمن يكذب هؤلاء الأنبياء الذين يرشدونهم إلى هذه المصالح الجامعة بين خيرات الدنيا والآخرة ، وههنا مسائل :

Bölüm V30/P248–V31/P003

/ المسألة الأولى : قال ابن عباس رضي الله عنهما قوله : { وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون } المراد به الصلاة ، وهذا ظاهر لأن الركوع من أركانها ، فبين تعالى أن هؤلاء الكفار من صفتهم أنهم إذا دعوا إلى الصلاة لا يصلون ، وهذا يدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع ، وأنهم حال كفرهم كما يستحقون الذم والعقاب بترك الإيمان ، فكذلك يستحقون الذم والعقاب بترك الصلاة لأن الله تعالى ذمهم حال كفرهم على ترك الصلاة ، وقال قوم آخرون : المراد بالركوع الخضوع والخشوع لله تعالى ، وأن لا يعبد سواه . المسألة الثانية : القائلون بأن الأمر للوجوب استدلوا بهذه الآية ، لأنه تعالى ذمهم بمجرد ترك المأمور به ، وهذا يدل على أن مجرد الأمر للوجوب ، فإن قيل : إنهم كفار فلكفرهم ذمهم ؟ قلنا : إنه تعالى ذمهم على كفرهم من وجوه كثيرة ، إلا أنه تعالى إنما ذمهم في هذه الآية لأنهم تركوا المأمور به ، فعلمنا أن ترك المأمور به غير جائز . ! 7 < { فبأى حديث بعده يؤمنون } . > 7 ! < < المرسلات : ( 50 ) فبأي حديث بعده . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بالغ في زجر الكفار من أول هذه السورة إلى آخرها بالوجوه العشرة التي شرحناها ، وحث على التمسك بالنظر والاستدلال والانقياد للدين الحق ختم السورة بالتعجب من الكفار ، وبين أنهم إذا لم يؤمنوا بهذه الدلائل اللطيفة مع تجليها ووضوحها { فبأي حديث بعده يؤمنون } قال القاضي : هذه الآية تدل على أن القرآن محدث لأنه تعالى وصفه بأنه حديث ، والحديث ضد القديم والضدان لا يجتمعان ، فإذا كان حديثا وجب أن لا يكون قديما ، وأجاب الأصحاب أن المراد منه هذه الألفاظ ولا نزاغ في أنها محدثة ، والله تعالى أعلم . والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وآله أجمعين . < > 1 ( سورة النبأ ) 1 < > أربعون آية مكية ! 7 < { عم يتسآءلون عن النبإ العظيم الذى هم فيه مختلفون } . > 7 ! < < النبأ : ( 1 ) عم يتساءلون > > فيه مسائل : المسألة الأولى : { عم } : أصله حرف جر دخل ما الاستفهامية ، قال حسان رحمه الله تعالى : على ما قام يشتمني لئيم كخنزير تمرغ في رماد والاستعمال الكثير على الحذف والأصل قليل ، ذكروا في سبب الحذف وجوها أحدها : قال الزجاج لأن الميم تشرك الغنة في الألف فصارا كالحرفين المتماثلين وثانيها : قال الجرجاني إنهم إذا وصفوا ما في استفهام حذفوا ألفها تفرقة بينها وبين أن تكون اسما كقولهم : فيم وبم ولم وعلام وحتام وثالثها : قالوا حذفت الألف لاتصال ما بحرف الجر حتى صارت كجزء منه لتنبىء عن شدة الاتصال ورابعها : السبب في هذا الحذف التخفيف في الكلام فإنه لفظ كثير التداول على اللسان . المسألة الثانية : قوله { عم يتساءلون } أنه سؤال ، وقوله { عن النبإ العظيم } جواب السائل والمجيب هو الله تعالى ، وذلك يدل على علمه بالغيب ، بل بجميع المعلومات . فإن قيل ما الفائدة في أن يذكر الجواب معه ؟ قلنا لأن إيراد الكلام في معرض السؤال والجواب أقرب إلى التفهيم والإيضاح ونظيره { لمن الملك اليوم لله الواحد القهار } ( غافر : 16 ) . المسألة الثالثة : قرأ عكرمة وعيسى بن عمر ( عما ) وهو الأصل ، وعن ابن كثير أنه قرأ عمه بهاء السكت ، ولا يخلو إما أن يجري الوصل مجرى الوقف ، وإما أن يقف ويبتدىء ب { يتساءلون عن النبإ العظيم } على أن يضمر يتساءلون لأن ما بعده يفسره كشيء مبهم ثم يفسره .

Bölüm V31/P003

المسألة الرابعة : ( ما ) لفظة وضعت لطلب ماهيات الأشياء وحقائقها ، تقول ما الملك ؟ وما الروح ؟ وما الجن ؟ والمراد طلب ماهياتها وشرح حقائقها ، وذلك يقتضي كون ذلك المطلوب مجهولا . ثم إن الشيء العظيم الذي يكون لعظمه وتفاقم مرتبته ويعجز العقل عن أن يحيط بكنهه يبقى مجهولا ، فحصل بين الشيء المطلوب بلفظ ما وبين الشيء العظيم مشابهة من هذا الوجه والمشابهة إحدى أسباب المجاز ، فبهذا الطريق جعل { ما } دليلا على عظمة حال ذلك المطلوب وعلو رتبته / ومنه قوله تعالى { وما أدراك ما سجين } ( المطففين : 8 ) ، { وما أدراك ما العقبة } ( البلد : 12 ) وتقوو زيد وما زيد . المسألة الخامسة : التساؤل هو أن يسأل بعضهم بعضا كالتقابل ، وقد يستعمل أيضا في أن يتحدثوا به ، وإن لم يكن من بعضهم لبعض سؤال ، قال تعالى : { وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } ( الطور : 25 ) { قال قائل منهم إنى كان لى قرين يقول أءنك لمن المصدقين } ( الصافات : 52 , 51 ) فهذا يدل على معنى التحدث فيكون معنى الكلام عم يتحدثون ، وهذا قول الفراء . المسألة السادسة : أولئك الذين كانوا يتساءلون من هم ، فيه احتمالات : الاحتمال الأول : أنهم هم الكفار ، والدليل عليه قوله تعالى : { كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون } ( النبأ : 5 , 4 ) الضمير في يتساءلون ، وهم فيه مختلفون وسيعلمون ، راجع إلى شيء واحد وقوله : { كلا سيعلمون } تهديد والتهديد لا يليق إلا بالكفار ، فثبت أن الضمير في قوله : { يتساءلون } عائد إلى الكفار ، فإن قيل فما تصنع بقوله : { هم فيه مختلفون } مع أن الكفار كانوا متفقين في إنكار الحشر ؟ قلنا لا نسلم أنهم كانوا متفقين في إنكار الحشر ، وذلك لأن منهم من كان يثبت المعاد الروحاني ، وهم جمهور النصارى / وأما المعاد الجسماني فمنهم من كان شاكا فيه كقوله : { وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربى إن لى عنده للحسنى } ( فصلت : 50 ) ومنهم من أصر على الإنكار ، ويقول : { إن هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين } ( المؤمنون : 37 ) ومنهم من كان مقرا به ، لكنه كان منكرا لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، فقد حصل اختلافهم فيه ، وأيضا هب أنهم كانوا منكرين له لكن لعلهم اختلفوا في كيفية إنكاره ، فمنهم من كان ينكره لأنه كان ينكر الصانع المختار ، ومنهم من كان ينكره لاعتقاده أن إعادة المعدوم ممتنعة لذاتها والقادر المختار إنما يكون قادرا على ما يكون ممكنا في نفسه ، وهذا هو المراد بقوله : { هم فيه مختلفون } . والاحتمال الثاني : أن الذين كانوا يتساءلون هم الكفار والمؤمنون ، وكانوا جميعا يتساءلون عنه ، أما المسلم فليزداد بصيرة ويقينا في دينه ، وأما الكافر فعلى سبيل السخرية ، أو على سبيل إيراد الشكوك والشبهات . والاحتمال الثالث : أنهم كانوا يسألون الرسول ، ويقولون ما هذا الذي تعدنا به من أمر الآخرة . أما قوله تعالى : { عن النبإ العظيم } ففيه مسائل .

Bölüm V31/P003–V31/P004

المسألة الأولى : ذكر المفسرون في تفسير النبأ العظيم ثلاثة أوجه : أحدها : أنه هو القيامة وهذا هو الأقرب ويدل عليه وجوه أحدها : قوله : { سيعلمون } والظاهر أن المراد منه أنهم سيعلمون هذا الذي يتساءلون عنه حين لا تنفعهم تلك المعرفة ، ومعلوم أن ذلك هو القيامة وثانيها : أنه تعالى بين كونه قادرا على جميع الممكنات بقوله : { ألم نجعل الارض مهادا } إلى قوله : { يوم ينفخ فى الصور } ( طه : 102 ) وذلك يقتضي أنه تعالى إنما قدم هذه المقدمة لبيان كونه تعالى قادرا / على إقامة القيامة ، ولما كان الذي أثبته الله تعالى بالدليل العقلي في هذه السورة هو هذه المسألة ثبت أن النبأ العظيم الذي كانوا يتساءلون عنه هو يوم القيامة وثالثها : أن العظيم اسم لهذا اليوم بدليل قوله : { ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين } ( المطففين : 6 , 4 ) وقوله : { قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون } ( ص : 68 , 67 ) ولأن هذا اليوم أعظم الأشياء لأن ذلك منتهى فزع الخلق وخوفهم منه فكان تخصيص اسم العظيم به لائقا والقول الثاني : { إنه لقرءان } ( الواقعة : 77 ) واحتج القائلون بهذا الوجه بأمرين الأول : أن النبأ العظيم هو الذي كانوا يختلفون فيه وذلك هو القرآن لأن بعضهم جعله سحرا وبعضهم شعرا ، وبعضهم قال إنه أساطير الأولين ، فأما البعث ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم فقد كانوا متفقين على إنكارهما وهذا ضعيف ، لأنا بينا أن الاختلاف كان حاصلا في البعث الثاني : أن النبأ اسم الخبر لا اسم المخبر عنه فتفسير النبأ بالقرآن أولى من تفسيره بالبعث أو النبوة ، لأن ذلك في نفسه ليس بنبأ بل منبأ عنه ، ويقوى ذلك أن القرآن سمي ذكرا وتذكرة وذكرى وهداية وحديثا ، فكان اسم النبأ به أليق منه بالبعث والنبوة والجواب : عنه أنه إذا كان اسم النبأ أليق بهذه الألفاظ فاسم العظيم أليق بالقيامة وبالنبوة لأنه لا عظمة في الألفاظ إنما العظمة في المعاني ، وللأولين أن يقولوا إنها عظيمة أيضا في الفصاحة والاحتواء على العلوم الكثيرة ، ويمكن أن يجاب أن العظيم حقيقة في الأجسام مجاز في غيرها وإذا ثبت التعارض بقي ما ذكرنا من الدلائل سليما القول الثالث : أن النبأ العظيم هو نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، قالوا وذلك لأنه لما بعث الرسول عليه الصلاة والسلام جعلوا يتساءلون بينهم ماذا الذي حدث ؟ فأنزل الله تعالى : { عما يتساءلون } وذلك لأنهم عجبوا من إرسال الله محمدا عليه الصلاة والسلام إليهم كما قال تعالى : { بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هاذا شىء عجيب } ( ق : 2 ) وعجبوا أيضا أن جاءهم بالتوحيد كما قال : { أجعل الالهة إلاها واحدا إن هاذا لشىء عجاب } ( ص : 5 ) فحكى الله تعالى عنهم مساءلة بعضهم بعضا على سبيل التعجب بقوله : { عم يتساءلون } .

Bölüm V31/P004–V31/P005

المسألة الثانية : في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه أحدها : وهو قول البصريين أن قوله : { عم يتساءلون } كلام تام ، ثم قال : { عن النبإ العظيم } والتقدير : { يتساءلون عن النبإ العظيم } إلا أنه حذف يتساءلون في الآية الثانية ، لأن حصوله في الآية الأولى يدل عليه وثانيها : أن يكون قوله : { عن النبإ العظيم } استفهاما متصلا بما قبله ، والتقدير : عم يتساءلون أعن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون ، إلا أنه اقتصر على ما قبله من الاستفهام إذ هو متصل به ، وكالترجمة والبيان له كما قرىء في قوله : { أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمبعوثون } ( الصافات : 16 ) بكسر الألف من غير استفهام لأن إنكارهم إنما كان للبعث ، ولكنه لما ظهر الاستفهام في أول الكلام اقتصر عليه ، فكذا ههنا وثالثها : وهو اختيار الكوفيين أن الآية الثانية متصلة بالأولى على تقدير ، لأي شيء يتساءلون عن النبأ العظيم ، وعم كأنها في المعنى لأي شيء ، وهذا قول الفراء . ! 7 < { كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون } . > 7 ! < < النبأ : ( 4 ) كلا سيعلمون > > قال القفال : كلا لفظة وضعت لرد شيء قد تقدم ، هذا هو الأظهر منها في الكلام ، والمعنى ليس الأمر كما يقوله هؤلاء في النبأ العظيم إنه باطل أو إنه لا يكون ، وقال قائلون كلا معناه حقا ، ثم إنه تعالى قرر ذلك الردع والتهديد ، فقال : { كلا سيعلمون } وهو وعيد لهم بأنهم سوف يعلمون أن ما يتساءلون عنه ويضحكون منه حق لا دافع له ، واقع لا ريب فيه ، وأما تكرير الردع ، ففيه وجهان الأول : أن الغرض من التكرير التأكيد والتشديد ، ومعنى ثم الإشعار بأن الوعيد الثاني أبلغ من الوعيد الأول وأشد والثاني : أن ذلك ليس بتكرير ، ثم ذكروا وجوها أحدها : قال الضحاك الآية الأولى للكفار والثانية للمؤمنين أي سيعلم الكفار عاقبة تكذيبهم وسيعلم المؤمنون عاقبة تصديقهم وثانيها : قال القاضي : ويحتمل أن يريد بالأول سيعلمون نفس الحشر والمحاسبة ، ويريد بالثاني سيعلمون نفس العذاب إذا شاهدوه وثالثها : { كلا سيعلمون } ما الله فاعل بهم يوم القيامة { ثم كلا سيعلمون } أن الأمر ليس كما كانوا يتوهمون من أن الله غير باعث لهم ورابعها : { كلا سيعلمون } ما يصل إليهم من العذاب في الدنيا وكما جرى على كفار قريش يوم بدر { ثم كلا سيعلمون } بما ينالهم في الآخرة . المسألة الثالثة : جمهور القراء قرأوا بالياء المنقطة من تحت في ( سيعلمن ) وروي بالتاء المنقطة من فوق عن ابن عامر . قال الواحدي : والأول أولى ، لأن ما تقدم من قوله : { هم فيه مختلفون } ( النبأ : 3 ) على لفظ الغيبة ، والتاء على قل لهم : ستعلمون ، وأقول : يمكن أن يكون ذلك على سبيل الالتفات ، وهو ههنا متمكن حسن ، كمن يقول : إن عبدي يقول كذا وكذا ، ثم يقول لعبده : إنك ستعرف وبال هذا الكلام . ! 7 < { ألم نجعل الا رض مهادا } . > 7 ! < < النبأ : ( 6 ) ألم نجعل الأرض . . . . .

Bölüm V31/P005–V31/P006

> > اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم إنكار البعث والحشر ، وأراد إقامة الدلالة على صحة الحشر قدم لذلك مقدمة في بيان كونه تعالى قادرا على جميع الممكنات عالما بجميع المعلومات ، وذلك لأنه مهما ثبت هذان الأصلان ثبت القول بصحة البعث ، وإنما أثبت هذين الأصلين بأن عدد أنواعا من مخلوقاته الواقعة على وجه الإحكام والإتقان ، فإن تلك الأشياء من جهة حدوثها تدل على القدرة ، ومن جهة إحكامها وإتقانها تدل على العلم ، ومتى ثبت هذان الأصلان وثبت أن الأجسام متساوية في قبول الصفات والأعراض ، ثبت لا محالة كونه تعالى قادرا على تخريب الدنيا بسمواتها وكواكبها وأرضها ، وعلى إيجاد عالم الآخرة ، فهذا هو الإشارة إلى كيفية النظم . واعلم أنه تعالى ذكر ههنا من عجائب مخلوقاته أمورا فأولها : قوله : { ألم نجعل الارض مهادا } والمهاد مصدر ، ثم ههنا احتمالات أحدها : المراد منه ههنا الممهود ، أي ألم نجعل الأرض ممهودة / وهذا من باب تسمية المفعول بالمصدر ، كقولك هذا ضرب الأمير وثانيها : أن تكون الأرض وصفت بهذا المصدر ، كما تقول : زيد جود وكرم وفضل ، كأنه لكماله في تلك الصفة صارعين تلك الصفة وثالثها : أن تكون بمعنى ذات مهاد ، وقرىء مهدا ، ومعناه أن الأرض للخلق كالمهد للصبي ، وهو الذي مهد له فينوم عليه . واعلم أنا ذكرنا في تفسير سورة البقرة عند قوله : { جعل لكم الارض فراشا } ( البقرة : 22 ) كل ما يتعلق من الحقائق بهذه الآية . ! 7 < { والجبال أوتادا } . > 7 ! وثانيها : قوله تعالى : { والجبال أوتادا } < < النبأ : ( 7 ) والجبال أوتادا > > أي للأرض ( كي ) لا تميد بأهلها ، فيكمل كون الأرض مهادا بسبب ذلك قد تقدم أيضا . ! 7 < { وخلقناكم أزواجا } . > 7 ! وثالثها : قوله تعالى : { وخلقناكم أزواجا } < < النبأ : ( 8 ) وخلقناكم أزواجا > > وفيه قولان : الأول : المراد الذكر والأنثى كما قال : { وأنه خلق الزوجين الذكر والانثى } ( النجم : 45 ) ، والثاني : أن المراد منه كل زوجين و ( كل ) متقابلين من القبيح والحسن والطويل والقصير وجميع المتقابلات والأضداد ، كما قال : { ومن كل شىء خلقنا زوجين } ( الذاريات : 49 ) وهذا دليل ظاهر على كمال القدرة ونهاية الحكمة حتى يصح الابتلاء والامتحان ، فيتعبد الفاضل بالشكر والمفضول بالصبر ويتعرف حقيقة كل شيء بضده ، فالإنسان إنما يعرف قدر الشباب عند الشيب ، وإنما يعرف قدر الأمن عند الخوف ، فيكون ذلك أبلغ في تعريف النعم . ! 7 < { وجعلنا نومكم سباتا } . > 7 ! < < النبأ : ( 9 ) وجعلنا نومكم سباتا

Bölüm V31/P006–V31/P007

> > ورابعها : قوله تعالى : { وجعلنا نومكم سباتا } طعن بعض الملاحدة في هذه الآية فقالوا : السبات هو النوم ، والمعنى : وجعلنا نومكم نوما ، واعلم أن العلماء ذكروا في التأويل وجوها أولها : قال الزجاج : { سباتا } موتا والمسبوت الميت من السبت وهو القطع لأنه مقطوع عن الحركة ودليله أمران أحداهما : قوله تعالى : { وهو الذى يتوفاكم باليل } ( الأنعام : 60 ) إلى قوله : { ثم يبعثكم } ( الأنعام : 60 ) والثاني : أنه لما جعل النوم موتا جعل اليقظة معاشا ، أي حياة في قوله : { وجعلنا النهار معاشا } ( النبأ : 11 ) وهذا القول عندي ضعيف لأن الأشياء المذكورة في هذه الآية جلائل النعم ، فلا يليق الموت بهذا المكان وأيضا ليس المراد بكونه موتا ، أن الروح انقطع عن البدن ، بل المراد منه انقطاع أثر الحواس الظاهرة ، وهذا هو النوم ، ويصير حاصل الكلام إلى : إنا جعلنا نومكم نوما وثانيها : قال الليث : السبات النوم شبه الغشي يقال سبت المريض فهو مسبوت ، وقال أبو عبيدة : السبات الغشية التي تغشى الإنسان شبه الموت ، وهذا القول أيضا ضعيف ، لأن الغشي ههنا إن كان النوم فيعود الإشكال ، وإن كان المراد بالسبات شدة ذلك الغشي فهو باطل ، لأنه ليس كل نوم كذلك ولأنه مرض فلا يمكن ذكره في أثناء تعديد النعم وثالثها : أن السبت في أصل اللغة هو القطع يقال سبت الرجل رأسه يسبته سبتا إذا حلق شعره ، وقال ابن الأعرابي في قوله : { سباتا } أي قطعا / ثم عند هذا يحتمل وجوها الأول : أن يكون المعنى : وجعلنا نومكم نوما متقطعا لا دائما ، فإن النوم بمقدار الحاجة من أنفع الأشياء . أما دوامه فمن أضر الأشياء ، فلما كان انقطاعه نعمة عظيمة لا جرم ذكره الله تعالى في معرض الإنعام الثاني : أن الإنسان إذا تعب ثم نام ، فذلك النوم يزيل عنه ذلك التعب ، فسميت تلك الإزالة سبتا وقطعا ، وهذا هو المراد من قول ابن قتيبة : { وجعلنا نومكم سباتا } أي راحة ، وليس غرضه منه أن السبات اسم للراحة ، بل المقصود أن النوم يقطع التعب ويزيله ، فحينئذ تحصل الراحة الثالث : قال المبرد : { وجعلنا نومكم سباتا } أي جعلناه نوما خفيفا يمكنكم دفعه وقطعه ، تقول العرب : رجل مسبوت إذا كان النوم يغالبه وهو يدافعه ، كأنه قيل : وجعلنا نومكن نوما لطيفا يمكنكم دفعه ، وما جعلناه غشيا مستوليا عليكم ، فإن ذلك من الأمراض الشديدة ، وهذه الوجوه كلها صحيحة . ! 7 < { وجعلنا اليل لباسا } . > 7 ! وخامسها : قوله تعالى : { وجعلنا اليل لباسا } < < النبأ : ( 10 ) وجعلنا الليل لباسا > > قال القفال : أصل اللباس هو الشيء الذي يلبسه الإنسان ويتغطى به ، فيكون ذلك مغطيا له ، فلما كان الليل يغشى الناس بظلمته فيغطيهم جعل لباسا لهم ، وهذا السبت سمي الليل لباسا على وجه المجاز ، والمراد كون الليل ساترا لهم . وأما وجه النعمة في ذلك ، فهو أن ظلامة الليل تستر الإنسان عن العيون إذا أراد هربا من عدو ، أو بياتا له ، أو إخفاء مالا يحب الإنسان إطلاع غيره عليه ، قال المتنبي : وكم لظلام الليل عندي من يد تخبر أن المانوية تكذب

Bölüm V31/P007

وأيضا فكما أن الإنسان بسبب اللباس يزداد جماله وتتكامل قوته ويندفع عنه أذى الحر والبرد ، فكذا لباس الليل بسبب ما يحصل فيه من النوم يزيد في جمال الإنسان ، وفي طراوة أعضائه وفي تكامل قواه الحسية والحركية ، ويندفع عنه أذى التعب الجسماني ، وأذى الأفكار الموحشة النفسانية ، فإن المريض إذا نام بالليل وجد الخفة العظيمة . ! 7 < { وجعلنا النهار معاشا } . > 7 ! وسادسها : قوله تعالى : { وجعلنا النهار معاشا } < < النبأ : ( 11 ) وجعلنا النهار معاشا > > في المعاش وجهان أحدهما : أنه مصدر يقال : عاش يعيش عيشا ومعاشا ومعيشة وعيشة ، وعلى هذا التقدير فلا بد فيه من إضمار ، والمعنى وجعلنا النهار وقت معاش والثاني : أن يكون معاشا مفعلا وظرفا للتعيش ، وعلى هذا لا حاجة إلى الإضمار ، ومعنى كون النهار معاشا أن الخلق إنما يمكنهم التقلب في حوائجهم ومكاسبهم في النهار لا في الليل . ! 7 < { وبنينا فوقكم سبعا شدادا } . > 7 ! وسابعها : قوله تعالى : { وبنينا فوقكم سبعا شدادا } < < النبأ : ( 12 ) وبنينا فوقكم سبعا . . . . . > > أي سبع سموات شدادا جمع شديدة / يعني محكمة قوية الخلق لا يؤثر فيها مرور الزمان ، لا فطور فيها ولا فروج ، ونظيره { وجعلنا السماء سقفا محفوظا } ( الأنبياء : 32 ) فإن قيل لفظ البناء يستعمل في أسافل البيت والسقف في أعلاه فكيف قال : { وبنينا فوقكم سبعا } ؟ قلنا البناء يكون أبعد من الآفة والانحلال من السقف ، فذكر قوله : { وبنينا } إشارة إلى أنه وإن كان سقفا لكنه في البعد عن الانحلال كالبناء ، فالغرض من اختيار هذا اللفظ هذه الدقيقة . [ ! 7 < { وجعلنا سراجا وهاجا وأنزلنا من المعصرات مآء ثجاجا لنخرج به حبا ونباتا وجنات ألفافا إن يوم الفصل كان ميقاتا يوم ينفخ فى الصور فتأتون أفواجا وفتحت السمآء فكانت أبوابا وسيرت الجبال فكانت سرابا إن جهنم كانت مرصادا للطاغين مأابا لابثين فيهآ أحقابا لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا جزآء وفاقا } . > 7 ! < < النبأ : ( 13 ) وجعلنا سراجا وهاجا > > وثامنها : قوله تعالى : { وجعلنا سراجا وهاجا } كلام أهل اللغة مضطرب في تفسير الوهاج ، فمنهم من قال الوهج مجمع النور والحرارة ، فبين الله تعالى أن الشمس بالغة إلى أقصى الغايات في هذين الوصفين ، وهو المراد بكونها وهاجا ، وروى الكلبي عن ابن عباس أن الوهاج مبالغة في النور فقط ، يقال للجوهر إذا تلألأ توهج ، وهذا يدل على أن الوهاج يفيد الكمال في النور ، ومنه قول الشاعر يصف النور : نوارها متباهج يتوهج وفي كتاب الخليل : الوهج ، حر النار والشمس ، وهذا يقتضي أن الوهاج هو البالغ في الحر واعلم أن أي هذه الوجود إذا ثبت فالمقصود حاصل .

Bölüm V31/P007–V31/P008

وتاسعها : قوله : { } وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا } أما المعصرات ففيها قولان : الأول : وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس ، وقول مجاهد ، ومقاتل والكلبي وقتادة : إنها الرياح التي تثير السحاب ودليله قوله تعالى : { الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا } [ الروم : 48 ] فإن قيل على هذا التأويل كان ينبغي أن يقال وأنزلنا بالمعصرات ، قلنا : الجواب من وجهين . الأول : أن المطر إنما ينزل من السحاب ، والسحاب إنما يثيره الرياح ، فصح أن يقال هذا المطر إنما حصل من تلك الرياح ، كما يقال هذا من فلان ، أي من جهته وبسببه . والثاني : أن ' من ' ههنا بمعنى الباء ، والتقدير : وأنزلنا بالمعصرات أي بالرياح المثيرة للسحاب . ويروى عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعكرمة أنهم قرأوا : ' وأنزلنا بالمعصرات ' وطعن الأزهري في هذا القول ، وقال الأعاصير من الرياح ليست من رياح المطر ، وقد وصف الله تعالى المعصرات بالماء الثجاج . وجوابه : إن الإعصار ليست من رياح المطر ، فلم لا يجوز أن تكون المعصرات من رياح المطر ؟ القول الثاني : وهو الرواية الثانية عن ابن عباس واختيار أبي العالية والربيع والضحاك أنها السحاب ، وذكروا في تسمية السحاب بالمعصرات وجوها . أحدها : قال المؤرج : المعصرات السحائب بلغة قريش . وثانيها : قال المازني : يجوز أن تكون المعصرات هي السحائب ذوات الأعاصير فغن السحائب إذا عصرتها الأعاصير لا بد وأن ينزل المطر منها . وثالثها : أن المعصرات هي السحائب التي شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر كقولك أجز الزرع إذا حان له أن يجز ، ومنه أعصرت الجارية إذا دنت أن تحيض ، وأما الثجاج فاعلم أن الثج شدة الانصباب يقال مطر ثجاج ودم ثجاج أي شديد الانصباب . واعلم أن الثج قد يكون لازما ، وهو بمعنى الانصباب كما ذكرنا ، وقد يكون متعديا بمعنى الصب وفي الحديث < < أفضل الحج العج والثج > > أي رفع الصوت بالتلبية وصب دماء الهدي ، وكان ابن عباس مثجا أي يثج الكلام ثجا في خطبته وقد فسروا الثجاج في هذه الآية على الوجهين ، وقال الكلبي ومقاتل وقتادة الثجاج ههنا المتدفق المنصب ، وقال الزجاج : معناه الصباب كأنه يثج نفسه أي يصب . وبالجملة فالمراد تتابع القطر حتى يكثر الماء فيعظم النفع به . قوله تعالى : { لنخرج به حبا ونباتا ، وجنات ألفافا } في الآية مسائل : المسألة الأولى : كل شيء نبت من الأرض فإما أن لا يكون له ساق وإما أن يكون ، فإن لم يكن له ساق فإما أن يكون له أكمام وهو الحب وإما أن لا يكون له أكمام وهو الحشيش وهو المراد هنا بقوله : { نباتا } وإلى هذين القسمين الإشارة بقوله تعالى : { كلوا وارعوا أنعامكم } [ طه : 54 ] وأما الذي له ساق فهو الشجر فإذا اجتمع منها شيء كثير سميت جنة ، فثبت بالدليل العقلي انحصار ما ينبت في الأرض في هذه الأقسام الثلاثة ، وإنما قدم الله تعالى الحب لأنه هو الأصل في الغذاء ، وإنما ثنى بالنبات لاحتياج سائر الحيوانات إليه ، وإنما أخر الجنات في الذكر لأن الحاجة إلى الفواكه ليست ضرورية .

Bölüm V31/P008–V31/P009

المسألة الثانية : اختلفوا في ألفافا ، فذكر صاحب الكشاف أنه لا واحد له كالأوزاع والأخياف ، والأوزاع الجماعات المتفرقة والأخياف الجماعات المختلطة ، وكثير من اللغويين أثبتوا له واحدا ، ثم اختلفوا فيه ، فقال الأخفش والكسائي واحدها لف بالكسر ، وزاد الكسائي لف بالضم ، وأنكر المبرد الضم ، وقال بل واحدها لفاء وجمعها لف ، وجمع لف ألفاف ، وقيل : يحتمل أن يكون جمع لفيف كشريف وأشرف نقله القفال رحمه الله ، إذا عرفت هذا فنقول قوله : { وجنات ألفافا } أي ملتفة ، والمعنى أن كل جنة فإن ما فيها من الشجر تكون مجتمعة متقاربة ، ألا تراهم يقولون امرأة لفاء إذا كانت غليظة الساق مجتمعة اللحم يبلغ من تقاربه أن يتلاصق . المسألة الثالثة : كان الكعبي من القائلين بالطبائع ، فاحتج بقوله تعالى : { لنخرج به حبا ونباتا } وقال : إنه يدل على بطلان قول من قال : إن الله تعالى لا يفعل شيئا بواسطة شيء آخر . قوله تعالى : { إن يوم الفصل كان ميقاتا } اعلم أن التسعة التي عددها الله تعالى نظرا إلى حدوثها في ذواتها وصفاتها ، ونظرا إلى إمكانها في ذواتها وصفاتها تدل على القادر المختار ، ونظرا إلى ما فيها من الأحكام والإتقان تدل على أن فاعلها عالم ، ثم إن ذلك الفاعل القديم يجب أن يكون علمه وقدرته واجبين ، إذ لو كانا جائزين لافتقر إلى فاعل آخر ويلزم التسلسل وهو محال ، وإذا كان العلم والقدرة واجبين وجب أن يكون قادرا على جميع الممكنات عالما بجميع المعلومات ، وقد ثبت الإمكان وثبت عموم القدرة في الجسمية فكل ما صح على واحد منها صح على الآخر ، فكما يصح على الأجسام السلفية الانشقاق والانفطار والظلمة وجب أن يصح ذلك على الأجسام ، وإذا ثبت الإمكان وثبت عموم القدرة والعلم ، ثبت أنه تعالى قادر على تخريب الدنيا ، وقادر على إيجاد عالم آخر ، وعند ذلك ثبت أن القول بقيام القيامة ممكن عقلا وإلى ههنا يمكن إثباته بالعقل ، فأما ما وراء ذلك من وقت حدوثها وكيفية حدوثها فلا سبيل إليه إلا بالسمع ، ثم إنه تعالى تكلم في هذه الأشياء بقوله : { إن يوم الفصل كان ميقاتا } ثم إنه تعالى ذكر بعض أحوال القيامة . فأولها : قوله : { إن يوم الفصل كان ميقاتا } والمعنى أن هذا اليوم كان في تقدير الله وحكمه حدا تؤقت به الدنيا ، أو حدا للخلائق ينتهون إليه ، أو كان ميقاتا لما وعد الله من الثواب والعقاب ، أو كان ميقاتا لاجتماع كل الخلائق في فصل الحكومات وقطع الخصومات . وثانيهاك قوله تعالى : { يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا } .

Bölüm V31/P009–V31/P010

اعلم أن { يوم تنفخ } بدل من يوم الفصل ، أو عطف بيان ، وهذا النفخ هو النفخة الأخيرة التي عندها يكون الحشر ، والنفخ في الصور فيه قولان . أحدهما : أن الصور جمع الصورة ، فالنفخ في الصورة عبارة عن نفخ الأرواح في الأجساد . والثاني : أن الصورة عبارة عن قرن ينفخ فيه . وتمام الكلام في الصور وما قيل فيه قد تقدم في سورة الزمر ، وقوله : { فتأتون أفواجا } معناه أنهم يأتون ذلك المقام فوجا فوجا حتى يتكامل اجتماعهم . قال عطاء : كل نبي يأتي مع أمته ، ونظيره قوله تعالى : { يوم ندعوا كل أناس بإمامهم } [ الإسراء : 71 ] وقيل جماعات مختلفة . وروى صاحب الكشاف عن معاذ أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه ، فقال عليه السلام : < < يا معاذ سألت عن أمر عظيم من الأمور ، ثم أرسل عينيه وقال : يحشر عشرة أصناف من أمتي بعضهم على صورة القردة ، وبعضهم على صورة الخنازير ، وبعضهم منكسون أرجلهم فوق وجوههم يسحبون عليها ، وبعضهم عمي ، وبعضهم صم بكم ، وبعضهم يمضغون ألسنتهم وهي مدلاة على صدورهم يسيل القيح من أفواههم يتقذرهم أهل الجمع ، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم ، وبعضهم مصلبون على جذوع من نار ، وبعضهم أشد نتنا من الجيف ، وبعضهم ملبسون جبالا سابغة من قطران لازقة بجلودهم . فأما الذين على صورة القردة فالقتات من الناس ، وأما الذين على صورة الخنازير فأهل السحت . وأما المنكسون على وجوههم فأكلة الربا ، وأما العمي فالذين يجورون في الحكم ، وأما الصم والبكم فالمعجبون بأعمالهم ، وأما الذين يمضغون ألسنتهم فالعلماء والقصاص الذين يخالف قولهم أعمالهم ، وأما الذين قطعت أيديهم وأرجلهم فهم الذين يؤذون الجيران ، وأما المصلبون على جذوع من النار فالسعاة بالناس إلى السلطان ، وأما الذين هم أشد نتنا من الجيف فالذين يتبعون الشهوات واللذات ومنعوا حق الله تعالى من أموالهم ، وأما الذين يلبسون الجباب فأهل الكبر والفخر والخيلاء > > . وثالثها : قوله تعالى : { وفتحت السماء فكانت أبوابا } . قرأ عاصم وحمزة والكسائي فتحت خفيفة والباقون بالتثقيل والمعنى كثرت أبوابها المنفتحة لنزول الملائكة قال القاضي : وهذا الفتح هو المعنى قوله : { إذا السماء انشقت } [ الانشقاق : 1 ] ، { وإذا السماء انفطرت } [ الأنفطار : 1 ] إذ الفتح والتشقق والتفطر ، تتقارب ، وأقول : هذا ليس بقوي لأن المفهوم من فتح الباب غير المفهوم من التشقق والتفطر ، فربما كانت السماء أبوابا ، ثم تفتح تلك الأبواب مع أنه لا يحصل في جرم السماء تشقق ولا تفطر ، بل الدلائل السمعية دلت على أن عند حصول فتح هذه الأبواب يحصل التشقق والتفطر والفناء بالكلية ، فإن قيل قوله : { وفتحت السماء فكانت أبوابا } يفيد أن السماء بكليتها تصير ابوابا ، فكيف يعقلق ذلك ؟ قلنا فيه وجوه . أحدها : أن تلك الأبواب لما كثرت جدا صارت كأنها ليست إلا أبوابا منفتحة كقوله : { وفجرنا الأرض عيونا } [ القمر : 12 ] أي كأن كلها صارت عيونا تتفجر . وثانيها : قال الواحدي : هذا من باب تقدير حذف المضاف ، والتقدير فكانت ذات أبواب . وثالثها : أن الضمير في قوله : { فكنت أبوابا } عائد إلى مضمر والتقدير فكانت تلك المواضع المفتوحة أبوابا لنزول الملائكة ، كما قال تعالى : { وجاء ربك والملك صفا صفا } [ الفجر : 22 ] . ورابعها : قوله تعالى : { وسيرت الجبال فكانت سرابا } .

Bölüm V31/P010–V31/P011

اعلم أن الله تعالى ذكر في مواضع من كتابه أحوال هذه الجبال على وجوه مختلفة ، ويمكن الجمع بينها على الوجه الذي نقوله ، وهو أن أول أحوالها الاندكاك وهو قوله : { وحملت الأرض والجبال فدكتاب دكة واحدة } [ الحاقة : 14 ] . والحالة الثانية لها : أن تصير { كالعهن المنفوش } [ القارعة : 5 ] وذكر الله تعالى ذلك في قوله : { يوم يكون الناس كالفراش المبثوث ، وتكون الجبال كالعهن المنفوش } [ القارعة : 5 ] وقوله : { يوم تكون السماء كالمهل ، وتكون الجبال كالعهن } [ المعارج : 9 ] . الحالة الثالثة : أن تصير كالهباء وذلك أن تتقطع وتتبدد بعد أن كانت كالعهن وهو قوله : { إذا رجت الأرض رجا ، وبست الجبال بسا ، فكانت هباء مبثا } [ لاواقعة : 4 ] . الحالة الرابعة : أن تنسف لأنها مع الأحوال المتقدمة قارة في مواضعها والأرض تحتها غير بارزة فتنسف عنها بإرسال الرياح عليها وهو المراد من قوله : { فقل ينسفها ربي نسفا } [ طه : 105 ] . والحالة الخامسة : أن الرياح ترفعها عن وجه الأرض فتطيرها شعاعا في الهواء كأنها غبار فمن نظر إليها من بعد حسبها لتكاثفها أجساما جامدة وهي في الحقيقة مارة إلا أن مرورها بسبب مرور الرياح بها [ صيرها ] منكدة متفتتة ، وهي قوله : { تمر مر السحاب } [ النمل : 88 ] ثم بين أن تلك الحركة حصلت بقهره وتسخيره ، فقال : { ويوم نسير الجبال ، وترى الأرض بارزة } [ الكهف : 47 ] . الحالة السادسة : أن تصير سرابا ، بمعنى لا شيء ، فمن نظر إلى مواضعها لم يجد فيها شيئا ، كما أن من يرى السراب من بعد إذا جاء الموضع الذي كان يراه فيه لم يجده شيئا والله أعلم . واعلم أن الأحوال المذكورة إلى ههنا هي : أحوال عامة ، ومن ههنا يصف أهوال جهنم وأحوالها . فأولها قوله تعالى : { إن جهنم كانت مرصادا } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن يعمر : أن جهنم بفتح الهمزة على تعليل قيام الساعة ، بأن جهنم كانت مرصادا للطاغين ، كأنه قيل كان كذلك لإقامة الجزاء . المسألة الثانية : كانت مرصادا ، أي في علم الله تعالى ، وقيل صارت ، وهذان القولان نقلهما القفال رحمه الله تعالى ، وفيه وجه ثالث ذكره القاضي ، فإنا إذا فسرنا المرصاد بالمرتقب ، أفاد ذلك أن جهنم كانت كالمنتظرة لقدومهم من قديم الزمان ، وكالمستدعية والطالبة لهم . المسألة الثالثة : في المرصاد قولان . أحدهما : أن المرصاد اسم للمكان الذي يرصد فيه ، كالمضمار اسم للمكان الذي يضمر فيه الخيل ، والمنهاج اسم للمكان الذي ينهج فيه ، وعلى هذا الوجه فيه احتمالان . أحدهما : أن خزنة جهنم يرصدون الكفار . والثاني : أن مجاز المؤمنين وممرهم كان على جهنم ، لقوله : { وإن منكم إلا واردها } [ مريم : 71 ] فخزنة الجنة يستقبلون المؤمنين عند جهنم ، ويرصدونهم عندها . القول الثاني : أن المرصاد مفعال من الرصد ، وهو الترقب ، بمعنى أن ذلك يكثر منه ، والمفعال من أبنية المبالغة كالمنظار والمعمار والمطعان ، قيل : إنها ترصد أعداء الله وتشق عليهم ، كما قال تعالى : { تكاد تميز من الغيظ } [ الملك : 8 ] قيل : ترصد كل كافر ومنافق ، والقائلون بالقول الأول استدلوا على صحة قولهم بقوله تعالى : { إن ربك لبالمرصاد } [ الفجر : 14 ] ولو كان المرصاد نعتا لوجب أن يقال : إن ربك لمرصاد .

Bölüm V31/P011–V31/P013

المسالة الرابعة : دلت الاية على أن جهنم كانت مخلوقة لقوله تعالى : { إن جهنم كانت مرصادا } أي معدة ، وإذا كان كذلك كانت الجنة أيضا كذلك ، لأنه لا قائل بالفرق . وثانيها : قوله { للطاغين مآبا } وفيه وجهان : إن قلنا إنه مرصاد فقط كان قوله : { للطاغين } من تمام ما قبله ، والتقدير إن جهنم كانت مرصادا للطاغين ، ثم قوله : { مآبا } بدل من قوله : { مرصادا } وإن قلنا : بأنها كانت مرصادا مطلقا للكفار وللمؤمنين ، كان قوله : { إن جهنم كانت مرصادا } كلاما تاما ، وقوله : { للطاغين مآبا } كلام مبتدأ كأنه قيل إن جهنم مرصاد للكل ، ومآب للطاغين خاصة ، ومن ذهب إلى القول الأول لم يقف على قوله مرصادا أما من ذهب إلى القول الثاني وقف عليه ، ثم يقول المراد بالطاغين من تكبر على ربه وطغى في مخالفته ومعارضته ، وقوله : { مآبا } أي مصيرا ومقرا . وثالثها : قوله : { لابثين فيها أحقابا } اعلم أنه تعالى لما بين أن جهنم مآب للطاغين ، وبين كمية استقرارهم هناك ، فقال : { لابثين فيها أحقابا } وههنا مسائل : المسألة الأولى : قرأ الجمهور { لابثين } وقرأ حمزة لبثين وفيه وجهان . قال الفراء : هما بمعنى واحد يقال لابث ولبث ، مثل طامع وطمع ، وفاره وفره ، وهو كثير ، وقال صاحب الكشاف : واللبث أقوى لأن اللابث من وجد منه اللبث ، ولا يقال لبث إلا لمن شأنه اللبث ، وهو أن يستقر في المكان ، ولا يكاد ينفك عنه . المسألة الثانية : قال الفراء : أصل الحقب من الترادف والتتابع ، يقال أحقب إذا أردف ومنه الحقيبة ومنه كل من حمل وزرا فقد احتقب ، فيجوز على هذا المعنى { لابثين فيها أحقابا } أي دهورا متتابعة يتبع بعضها بعضا ، ويدل عليه قوله تعالى : { لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا } [ الكهف : 60 ] يحتمل سنين متتابعة إلى أن أبلغ أو آنس ، واعلم أن الأحقاب واحدها حقب وهو ثمانون سنة عند أهل اللغة ، والحقب السنون واحدتها حقبة وهي زمان من الدهر لا وقت له ثم نقل عن المفسرين فيه وجوه . أحدها : قال عطاء والكلبي ومقاتل عن ابن عباس في قوله : { أحقابا } الحقب الواحد بضع وثمانون سنة ، والسنة ثلثمائة وستون يوما ، واليوم ألف سنة من أيام الدنيا ، ونحو هذا روى ابن عمر مرفوعا . وثانيها : سأل هلال الهجري عليا عليه السلام فقال : الحقب مائة سنة ، والسنة اثنا عشر شهرا ، والشهر ثلاثون يوما ، واليوم ألف سنة . وثالثها : قال الحسن : الأحقاب لا يدري أحد ما هي ، ولكن الحقب الواحد سبعون ألف سنة اليوم منها كألف سنة مما تعدون . { فإن قيل } قوله أحقابا وإن طالت إلا أنها متناهية ، وعذاب أهل النار غير متناه ، بل لو قال لابثين فيها الأحقاب لم يكن هذا السؤال واردا ، ونظير هذا السؤال قوله في أهل القبلة : { إلا ما شاء ربك } [ هود : 107 ] قلنا : الجواب من وجوه . الأول : أن لفظ الأحقاب لا يدل على مضي حقب له نهاية وإنما الحقب الواحد متناه ، والمعنى أنهم يلبثون فيها أحقابا كلما مضى حقب تبعه حقب آخر ، وهكذا إلى الأبد . والثاني : قال الزجاج : المعنى أنهم يلبثون فيها أحقابا لا يذقون في الأحقاب بردا ولا شرابا ، فهذه الأحقاب توقيت لنوع من العذاب ، وهو أن لا يذوقوا بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا ، ثم يبدلون بعد الأحقاب عن الحميم والغساق من جنس آخر من العذاب . وثالثها : هب أن قوله : { أحقابا } يفيد التناهي ، لكن دلالة هذا على الخروج دلالة المفهوم ، والمنطوق دل على أنهم لا يخرجون قال تعالى : { يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم } [ المائدة : 37 ] ولا شك أن المنطوق راجح ، وذكر صاحب الكشاف في الآية وجها آخر وهو أن يكون أحقابا من حقب عامنا إذا قل مطره وخيره ، وحقب فلان إذا أخطأه الرزق فهو حقب وجمعه أحقاب . فينتصب حالا عنهم بمعنى لابثين فيها حقبين مجدبين ، وقوله : { لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا } تفسير له .

Sorular