Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Bölüm V31/P188–V31/P189

السؤال الرابع : ما السبب في أنه ذكر الضحى وهو ساعة من النهار ، وذكر الليل بكليته ؟ الجواب : فيه وجوه أحدها : أنه إشارة إلى أن ساعة من النهار توازي جميع الليل كما أن محمدا إذا وزن يوازي جميع الأنبياء والثاني : أن النهار وقت السرور والراحة ، والليل وقت الوحشة والغم فهو إشارة إلى أن هموم الدنيا أدوم من سرورها ، فإن الضحى ساعة والليل كذا ساعات ، يروى أن الله تعالى لما خلق العرش أظلت غمامة سوداء عن يسارة ، ونادت ماذا أمطر ؟ فأجيبت أن امطري الهموم والأحزان مائة سنة ، ثم انكشفت فأمرت مرة أخرى بذلك وهكذا إلى تمام ثلاثمائة سنة ، ثم بعد ذلك أظلت عن يمين العرش غمامة بيضاء ونادت : ماذا أمطر ؟ فأجيبت أن أمطري السرور ساعة ، فلهذا السبب ترى الغموم والأحزان دائمة ، والسرور قليلا / ونادرا وثالثها : أن وقت الضحى وقت حركة الناس وتعارفهم فصارت نظير وقت الحشر ، والليل إذا سكن نظير سكون الناس في ظلمة القبور ، فكلاهما حكمة ونعمة لكن الفضيلة للحياة على الموت ، ولما بعد الموت على ما قبله ، فلهذا السبب قدم ذكر الضحى على ذكر الليل ورابعها : ذكروا الضحى حتى لا يحصل اليأس من روحه ، ثم عقبه بالليل حتى لا يحصل الأمن من مكره . السؤال الخامس : هل أحد من المذكرين فسر الضحى بوجه محمد والليل بشعره ؟ والجواب : نعم ولا استبعاد فيه ومنهم من زاد عليه فقال : والضحى ذكور أهل بيته ، والليل إناثهم ، ويحتمل الضحى رسالته والليل زمان احتباس الوحي ، لأن في حال النزول حصل الاستئناس وفي زمن الاحتباس حصل الاستيحاش ، ويحتمل والضحى نور علمه الذي به يعرف المستور من الغيوب : والليل عفوه الذي به يستر جميع الغيوب . ويحتمل أن الضحى إقبال الإسلام بعد أن كل غريبا والليل إشارة إلى أنه سيعود غريبا ، ويحتمل والضحى كمال العقل ، والليل حال الموت ، ويحتمل أقسم بعلانيتك التي لا يرى عليها الخلق عيبا ، وبسرك الذي لا يعلم عليه عالم الغيب عيبا . ! 7 < { ما ودعك ربك وما قلى } . > 7 ! < < الضحى : ( 3 ) ما ودعك ربك . . . . . > > فيه مسائل : المسألة الأولى : قال أبو عبيدة والمبرد : ودعك من التوديع كما يودع المفارق ، وقرىء بالتخفيف أي ما تركك ، والتوديع مبالغة في الوداع ، لأن من ودعك مفارقا فقد بالغ في تركك والقلى البغض . يقال : قلاة يقليه قلى ومقلية إذا أبغضه ، قال الفراء : يريد وما قلاك ، وفي حذف الكاف وجوه أحدها : حذفت الكاف اكتفاء بالكاف الأولى في ودعك ، ولأن رؤس الآيات بالياء ، فأوجب اتفاق الفواصل حذف الكاف وثانيها : فائدة الإطلاق أنه ما قلاك ولا ( فلا ) أحد من أصحابك . ولا أحدا ممن أحبك إلى قيام القيامة ، تقريرا لقوله : ( المرء مع من أحب ) .

Bölüm V31/P189–V31/P190

المسألة الثانية : قال المفسرون : أبطأ جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم . فقال المشركون : قد قلاه الله وودعه ، فأنزل الله تعالى عليه هذه الآية ، وقال السدي : أبطأ عليه أربعين ليلة فشكا ذلك إلى خديجة ، فقالت : لعل رنك نسيك أو قلاك ، وقيل : إن أم جميل امرأة أبي لهب قالت له : يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك ، وروي عن الحسن أنه قال : أبطأ على الرسول صلى الله عليه وسلم الوحي ، فقال لخديجة : ( إن ربي ودعني وقلاني ، يشكو إليها ، فقالت : كلا والذي بعثك بالحق ما ابتدأك الله بهذه الكرامة إلا وهو يريد أن يتمها لك ) فنزل : { ما ودعك ربك وما قلى } وطعن الأصوليون في هذه الرواية ، وقالوا : إنه لا يليق بالرسول صلى الله عليه وسلم أن يظن أن الله تعالى ودعه وقلاه ، بل يعلم أن عزل النبي عن النبوة غير جائز في حكمة الله تعالى ، ويعلم أن نزول الوحي يكون بحسب المصلحة ، وربما كان الصلاح تأخيره ، وربما كان خلاف ذلك ، فثبت أن هذا / الكلام غير لائق بالرسول عليه الصلاة والسلام ، ثم إن صح ذلك يحمل على أنه كان مقصوده عليه الصلاة والسلام أن يجربها ليعرف قدر علمها ، أو ليعرف الناس قدر علمها ، واختلفوا في قدر مدة انقطاع الوحي ، فقال ابن جريج : اثنا عشر يوما ، وقال الكلبي : خمسة عشر يوما ، وقال ابن عباس : خمسة وعشرون يوما ، وقال السدي ومقاتل : أربعون يوما ، واختلفوا في سبب احتباس جبريل عليه السلام ، فذكر أكثر المفسرين أن اليهود سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح وذي القرنين وأصحاب الكهف ، فقال : ( سأخبركم غدا ولم يقل إن شاء الله ) فاحتبس عنه الوحي ، وقال ابن زيد : السبب فيه كون جرو في بيته للحسن والحسين ، فلما نزل جبريل عليه السلام ، عاتبه رسول الله عليه الصلاة والسلام ، فقال : ( أما علمت أنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة ) وقال جندب بن سفيان : رمى النبي عليه الصلاة بحجر في إصبعه ، فقال : هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت فأبطأ عنه الوحي ، وروي أنه كان فيهم من لا يقلم الأظفار وههنا سؤالان . السؤال الأول : الروايات التي ذكرتم تدل على أن احتباس الوحي كان عن قلى : { قلنا } أقصى ما في الباب أن ذلك كان تركا للأفضل والأولى ، وصاحبه لا يكون ممقوتا ولا مبغضا ، وروى أنه عليه الصلاة والسلام قال لجبريل : ( ما جثتني حتى اشتقت إليك ، فقال جبريل : كنت إليك أشوق ولكني عبدا مأمورا ) وتلا : { وما نتنزل إلا بأمر ربك } ( مريم : 64 ) . السؤال الثاني : كيف يحسن من السلطان أن يقول لأعظم الخلق قربة عنده : إني لا أبغضك تشريفا له ؟ الجواب : أن ذلك لا يحسن ابتداء ، لكن الأعداء إذا ألقوا في الألسنة أن السلطان يبغضه ، ثم تأسف ذلك المقرب فلا لفظ أقرب إلى تشريفه من أن يقول له : إني لا أبغضك ولا أدعك ، وسوف ترى منزلتك عندي . المسألة الثالثة : هذه الواقعة تدل على أن القرآن من عند الله ، إذ لو كان من عنده لما امتنع . ! 7 < { وللا خرة خير لك من الا ولى } . > 7 ! < < الضحى : ( 4 ) وللآخرة خير لك . . . . .

Bölüm V31/P190–V31/P191

> > واعلم أن في اتصاله بما تقدم وجوها أحدها : أن يكون المعنى أن انقطاع الوحي لا يجوز أن يكون لأنه عزل عن النبوة ، بل أقصى ما في الباب ، أن يكون ذلك لأنه حصل الاستغناء عن الرسالة ، وذلك أمارة الموت فكأنه يقال : انقطاع الوحي متى حصل دل على الموت ، لكن الموت خير لك . فإن مالك عند الله في الآخرة خير وأفضل مما لك في الدنيا وثانيها : لما نزل : { ما ودعك ربك } ( الضحى : 3 ) حصل له بهذا تشريف عظيم ، فكأنه استعظم هذا التشريف فقيل له : { وللاخرة خير لك من الاولى } أي هذا التشريف وإن كان عظيما إلا أن مالك عند الله في الآخرة خير وأعظم وثالثها : ما يخطر / ببالي ، وهو أن يكون المعنى وللأحوال الآتية خير لك من الماضية كأنه تعالى وعده بأنه سيزيده كل يوم عزا إلى عز ، ومنصبا إلى منصب ، فيقول : لا تظن أني قليتك بل تكون كل يوم يأتي فإني أزيدك منصبا وجلالا ، وههنا سؤالان : السؤال الأول : بأي طريق يعرف أن الآخرة كانت له خيرا من الأولى ؟ الجواب : لوجوه أحدها : كأنه تعالى يقول له إنك في الدنيا على خير لأنك تفعل فيها ما تريد ، ولكن الآخرة خير لك لأنا نفعل فيها ما نريد وثانيها : الآخرة خير لك يجتمع عندك أمتك إذ الأمة له كالأولاد قال تعالى : { وأزواجه أمهاتهم } ( الأحزاب : 6 ) وهو أب لهم ، وأمته في الجنة فيكون كأن أولاده في الجنة ، ثم سمى الولد قرة أعين ، حيث حكى عنهم : { هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين } ( الفرقان : 74 ) وثالثها : الآخرة خير لك لأنك اشتريتها ، أما هذه ليست لك ، فعلى تقدير أن لو كانت الآخرة أقل من الدنيا لكانت الآخرة خيرا لك ، لأن مملوكك خير لك مما لا يكون مملوكا لك ، فكيف ولا نسبة للآخرة إلى الدنيا في الفضل ورابعها : الآخرة خير لك من الأولى لأن في الدنيا الكفار يطعنون فيك أما في الآخرة فأجعل أمتك شهداء على الأمم ، وأجعلك شهيدا على الأنبياء ، ثم أجعل ذاتي شهيدا لك كما قال : { وكفى بالله شهيدا محمد رسول الله } ( الفتح : 29 , 28 ) وخامسها : أن خيرات الدنيا قليلة مشوبة منقطعة ، ولذات الآخرة كثيرة خالصة دائمة .

Bölüm V31/P191–V31/P192

السؤال الثاني : لم قال : { وللاخرة خير لك } ولم يقل خير لكم ؟ الجواب : لأنه كان في جماعته من كانت الآخرة شرا له ، فلو أنه سبحانه عمم لكان كذبا ، ولو خصص المطيعين بالذكر لافتضح المذنبون والمنافقون . ولهذا السبب قال موسى عليه السلام : { كلا إن معى ربى سيهدين } ( الشعراء : 62 ) وأما محمد صلى الله عليه وسلم قالذي كان معه لما كان من أهل السعادة قطعا ، لا جرم قال : { إن الله معنا } ( التوبة : 40 ) إذ لم يكن ثم إلا نبي وصديق ، وروي أن موسى عليه السلام خرج للاستسقاء ، ومعه الألوف ثلاثة أيام فلم يجدوا الإجابة ، فسأل موسى عليه السلام عن السبب الموجب لعدم الإجابة . فقال : لا أجيبكم ما دام معكم ساع بالنميمة ، فسأل موسى من هو ؟ فقال : ( إني ) أبغضه فكيف أعمل عمله ، فما مضت مدة قليلة حتى نزل الوحي بأن ذلك النمام قد مات ، وهذه جنازته في مصلى ، كذا فذهب موسى عليه السلام إلى تلك المصلى ، فإذا فيها سبعون من الجنائز ، فهذا ستره على أعدائه فكيف على أوليائه . ثم تأمل فإن فيه دقيقة لطيفة ، وهي أنه عليه السلام قال : ( لولا شيوخ ركع ) وفيه إشارة إلى زيادة فضيلة هذه الأمة ، فإنه تعالى كان يرد الألوف لمذنب واحد ، وههنا يرحم المذنبين لمطيع واحد . ! 7 < { ولسوف يعطيك ربك فترضى } . > 7 ! < < الضحى : ( 5 ) ولسوف يعطيك ربك . . . . . > > واعلم اتصاله بما تقدم من وجهين الأول : هو أنه تعالى لما بين أن الآخرة : خير له من الأولى ولكنه لم يبين أن ذلك التفاوت إلى أي حد / يكون . فبين بهذه الآية مقدار ذلك التفاوت ، وهو أنه ينتهي إلى غاية ما يتمناه الرسول ويرتضيه الوجه الثاني : كأنه تعالى لما قال : { وللاخرة خير لك من الاولى } ( الضحى : 4 ) فقيل ولم قلت إن الأمر كذلك ، فقال : لأنه يعطيه كل ما يريده وذلك مما لا تتسع الدنيا له ، فثبت أن الآخرة خير له من الأولى ، واعلم أنه إن حملنا هذا الوعد على الآخرة فقد يمكن حمله على المنافع ، وقد يمكن حمله على التعظيم ، أما المنافع ، فقال ابن عباس : ألف قصر في الجنة من لؤلؤ أبيض ترابه المسك وفيها ما يليق بها ، وأما التعظيم فالمروى عن علي بن أبي طالب عليه السلام وابن عباس ، أن هذا هو الشفاعة في الأمة ، يروى أنه عليه السلام لما نزلت هذه الآية قال : إذا لا أرضى وواحد من أمتي في النار ، واعلم أن الحمل على الشفاعة متعين ، ويدل عليه وجوه أحدها : أنه تعالى أمره في الدنيا بالاستغفار فقال : { أستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } ( محمد : 19 ) فأمره بالاستغفار والاستغفار عبارة عن طلب المغفرة ، ومن طلب شيئا فلا شك أنه لا يريد الرد ولا يرضى به وإنما يرضى بالإجابة ، وإذا ثبت أن الذي يرضاه الرسول صلى الله عليه وسلم هو الإجابة لا الرد ، ودلت هذه الآية على أنه تعالى يعطيه كل ما يرتضيه . علمنا أن هذه الآية دالة على الشفاعة في حق المذنبين والثاني : وهو أن مقدمة الآية مناسبة لذلك كأنه تعالى يقول لا أودعك ولا أبغضك بل لا أغضب على أحد من أصحابك وأتباعك وأشياعك طلبا لمرضاتك وتطييبا لقلبك ، فهذا التفسير أوفق لمقدمة الآية والثالث : الأحاديث الكثيرة الواردة في الشفاعة دالة على أن رضا الرسول عليه الصلاة والسلام في العفو عن المذنبين ، وهذه الآية دلت على أنه تعالى يفعل كل ما يرضاه الرسول فتحصل من مجموع الآية والخبر حصول الشفاعة ، وعن جعفر الصادق عليه السلام أنه قال : رضاء جدي أن لا يدخل النار موحد ، وعن الباقر ، أهل القرآن يقولون : أرجى آية قوله : { قل ياعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم } ( الزمر : 53 ) وإنا أهل البيت نقول : أرجى آية قوله : { ولسوف يعطيك ربك فترضى } والله إنها الشفاعة ليعطاها في أهل لا إله إلا الله حتى يقول رضيت ، هذا كله إذا حملنا الآية على أحوال الآخرة ، أما لو حملنا هذا الوعد على أحوال الدنيا فهو إشارة إلى ما أعطاه الله تعالى من الظفر بأعدائه يوم بدر ويوم فتح مكة ودخول الناس في الدين أفواجا ، والغلبة على قريظة والنضير وإجلائهم وبث عساكره وسراياه في بلاد العرب ، وما فتح على خلفائه الراشدين في أقطار الأرض من المدائن ، و ( ما ) هدم بأيديهم من ممالك الجبابرة ، وأنهبهم من كنوز الأكاسرة ، وما قذف في أهل الشرق والغرب من الرعب وتهييب الإسلام وفشو الدعوة ، واعلم أن الأولى حمل الآية على خيرات الدنيا والآخرة ، وههنا سؤالات .

Bölüm V31/P192–V31/P193

السؤال الأول : لم لم يقل : يعطيكم مع أن هذه السعادات حصلت للمؤمنين أيضا ؟ الجواب : لوجوه : أحدها : أنه المقصود وهم أتباع وثانيها : أني إذا أكرمت أصحابك فذاك في الحقيقة إكرام لك ، لأني أعلم أنك بلغت في الشفقة عليهم إلى حيث تفرح بإكرامهم فوق / ما تفرح بإكرام نفسك ، ومن ذلك حيث تقول الأنبياء : نفسي نفسي ، أي أبدأ بجزائي وثوابي قبل أمتي ، لأن طاعتي كانت قبل طاعة أمتي ، وأنت تقول : أمتي أمتي ، أي أبدأ بهم ، فإن سروري أن أراهم فائزين بثوابهم وثالثها : أنك عاملتني معاملة حسنة ، فإنهم حين شجوا وجهك ، قلت : ( اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ) وحين شغلوك يوم الخندق عن الصلاة ، قلت : ( اللهم املأ بطونهم نارا ) فتحملت الشجة الحاصلة في وجه جسدك ، وما تحملت الشجة الحاصلة في وجه دينك ، فإن وجه الدين هو الصلاة ، فرجحت حقي على حقك ، لا جرم فضلتك ، فقلت من ترك الصلاة سنين ، أو حبس غيره عن الصلاة سنين لا أكفره ، ومن آذى شعرة من شعراتك ، أو جزء من نعلك أكفره . السؤال الثاني : ما الفائدة في قوله : { ولسوف } ولم لم يقل : وسيعطيك ربك ؟ الجواب : فيه فوائد إحداها : أنه يدل على أنه ما قرب أجله ، بل يعيش بعد ذلك زمانا وثانيها : أن المشركين لما قالوا : ودعه ربه وقلاه فالله تعالى رد عليهم بعين تلك اللفظة ، فقال : { ما ودعك ربك وما قلى } ( الضحى : 3 ) ثم قال المشركون : سوف يموت محمد ، فرد الله عليهم ذلك بهذه اللفظة فقال : { ولسوف يعطيك ربك فترضى } . السؤال الثالث : كيف يقول الله : { ولسوف يعطيك ربك فترضى } ؟ الجواب : هذه السورة من أولها إلى آخرها كلام جبريل عليه السلام معه ، لأنه كان شديد الاشتياق إليه وإلى كلامه كما ذكرنا ، فأراد الله تعالى أن يكون هو المخاطب له بهذه البشارات . السؤال الرابع : ما هذه اللام الداخلة على سوف ؟ الجواب : قال صاحب ( الكشاف ) : هي لام الابتداء المؤكدة لمضمون الجملة ، والمبتدأ محذوف تقديره : ولأنت سوف يعطيك ربك والدليل على ما قلنا أنها إما أن تكون لام القسم ، أو لام الابتداء ، ولام القسم لا تدخل على المضارع إلا مع نون التوكيد ، فبقي أن تكون لام ابتداء ، ولام الابتداء لا تدخل إلا على الجملة من المبتدأ والخبر ، فلا بد من تقدير مبتدأ وخبر ، وأن يكون أصله : ولأنت سوف يعطيك ، فإن قيل ما معنى الجمع بين حرفي التوكيد والتأخير ؟ قلنا معناه : أن العطاء كائن لا محالة ، وإن تأخر لما في التأخير من المصلحة . ! 7 < { ألم يجدك يتيما فآوى } . > 7 ! < < الضحى : ( 6 ) ألم يجدك يتيما . . . . . > > فيه مسائل : المسألة الأولى : أن اتصاله بما تقدم هو أنه تعالى يقول : { ألم يجدك يتيما } فقال الرسول : بلى يا رب ، فيقول : انظر ( أ ) كانت طاعاتك في ذلك الوقت أكرم أم الساعة ؟ فلا بد من أن يقال : بل الساعة فيقول الله : حين كنت صبيا ضعيفا ما تركناك بل ربيناك ورقيناك إلى حيث صرت مشرفا على / شرفات العرش وقلنا لك : لولاك ما خلقنا الأفلاك ، أتظن أنا بعد هذه الحالة نهجرك ونتركك .

Bölüm V31/P193–V31/P194

المسألة الثانية : { ألم يجدك } من الوجود الذي بمعنى العلم ، والمنصوبان مفعولا وجد والوجود من الله ، والمعنى ألم يعلمك الله يتيما فآوى ، وذكروا في تفسير اليتيم أمرين الأول : أن عبد الله بن عبد المطلب فيما ذكره أهل الأخبار توفي وأم رسول الله صلى الله عليه وسلم حامل به ، ثم ولد رسول الله فكان مع جده عبد المطلب ومع أمه آمنة ، فهلكت أمه آمنة وهو ابن ست سنين فكان مع جده ، ثم هلك جده بعد أمه بسنتين ورسول الله ابن ثمان سنين . وكان عبد المطلب يوصي أبا طالب به لأن عبد الله وأبا طالب كانا من أم واحدة ، فكان أبو طالب هو الذي يكفل رسول الله بعد جده إلى أن بعثه الله للنبوة ، فقام بنصرته مدة مديدة ، ثم توفي أبو طالب بعد ذلك فلم يظهر على رسول الله يتم البتة فأذكره الله تعالى هذه النعمة ، روى أنه قال أبو طالب يوما لأخيه العباس : ألا أخبرك عن محمد بما رأيت منه ؟ فقال : بلى فقال : إني ضممته إلي فكيف لا أفارقه ساعة من ليل ولا نهار ؛ ولا أأتمن عليه أحدا حتى أني كنت أنومه في فراشي ، فأمرته ليلة أن يخلع ثيابه وينام معي ، فرأيت الكراهة في وجهه لكنه كره أن يخالفني ، وقال : يا عماه اصرف بوجهك عني حتى أخلع ثيابي إذ لا ينبغي لأحد أن ينظر إلى جسدي ، فتعجبت من قوله وصرفت بصري حتى دخل الفراش فلما دخلت معه الفراش إذا بيني وبينه ثوب والله ما أدخلته فراشي فإذا هو في غاية اللين وطيب الرائحة كأنه غمس في المسك ، فجهدت لأنظر إلى جسده فما كنت أرى شيئا وكثيرا ما كنت أفتقده من فراشي فإذا قمت لأطلبه ناداني ها أنا يا عم فارجع ، ولقد كنت كثيرا ما أسمع منه كلاما يعجبني وذلك عند مضي الليل وكنا لا نسمي على الطعام والشراب ولا نحمده بعده ، وكان يقول في أول الطعام : بسم الله الأحد . فإذا فرغ من طعامه قال : الحمدلله ، فتعجبت منه ، ثم لم أر منه كذبة ولا ضحكا ولا جاهلية ولا وقف مع صبيان يلعبون . واعلم أن العجائب المروية في حقه من حديث بحيرى الراهب وغيره مشهورة . التفسير الثاني لليتيم : أنه من قولهم درة يتيمة ، والمعنى ألم يجدك واحدا في قريش عديم النظير فآواك ؟ أي جعل لك من تأوي إليه وهو أبو طالب ، وقرىء فأوى وهو على معنيين : إما من أواه بمعنى آواه ، وإما من أوى له إذا رحمه ، وههنا سؤالان :

Bölüm V31/P194

السؤال الأول : كيف يحسن من الجود أن يمن بنعمة ، فيقول : { ألم يجدك يتيما فاوى } ؟ والذي يؤكد هذا السؤال أن الله تعالى حكى عن فرعون أنه قال : { ألم نربك فينا وليدا } ( الشعراء : 18 ) في معرض الذم لفرعون ، فما كان مذموما من فرعون كيف يحسن من الله ؟ الجواب : أن ذلك يحسن إذا قصد بذلك أن يقوي قلبه ويعده بدوام النعمة ، وبهذا يظهر الفرق بين هذا الامتنان وبين امتنان فرعون ، لأن امتنان فرعون محبط ، لأن الغرض فما بالك لا تخدمني ، وامتنان الله بزيادة نعمه ، كأنه يقول : مالك تقطع عني رجاءك ألست شرعت في تربيتك ، أتظنني تاركا لما صنعت ، بل لا بد / وأن أتمم عليك وعلى أمتك النعمة ، كما قال : { ولاتم نعمتى عليكم } ( البقرة : 150 ) أما علمت أن الحامل التي تسقط الولد قبل التمام معيبة ترد ، ولو أسقطت أو الرجل أسقط عنها بعلاج تجب الغرة وتستحق الذم ، فكيف يحسن ذلك من الحي القيوم ، فما أعظم الفرق بين مان هو الله ، وبين مان هو فرعون ، ونظيره ما قاله بعضهم : { ثلاثة رابعهم كلبهم } ( الكهف : 22 ) في تلك الأمة ، وفي أمة محمد : { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم } ( المجادلة : 7 ) فشتان بين أمة رابعهم كلبهم ، وبين أمة رابعهم ربهم . السؤال الثاني : أنه تعالى من عليه بثلاثة أشياء ، ثم أمره بأن يذكر نعمة ربه ، فما وجه المناسبة بين هذه الأشياء ؟ الجواب : وجه المناسبة أن نقول : قضاء الدين واجب ، ثم الدين نوعان مالي وإنعامي والثاني : أقوى وجوبا ، لأن المالي قد يسقط بالإبراء والثاني : يتأكد بالإبراء ، والمالي يقضي مرة فينجو الإنسان منه والثاني : يجب عليك قضاؤه طول عمرك ، ثم إذا تعذر قضاء النعمة القليلة من منعم هو مملوك ، فكيف حال النعمة العظيمة من المنعم العظيم ، فكأن العبد يقول : إلهي أخرجتني من العدم إلى الوجود بشرا سويا ، طاهر الظاهر نجس الباطن ، بشارة منك أن تستر على ذنوبي بستر عفوك ، كما سترت نجاستي بالجلد الظاهر ، فكيف يمكنني قضاء نعمتك التي لا حد لها ولا حصر ؟ فيقول تعالى الطريق إلى ذلك أن تفعل في حق عبيدي ما فعلته في حقك ، كنت يتيما فآويتك فافعل في حق الأيتام ذلك ، وكنت ضالا فهديتك فافعل في حق عبيدي ذلك ، وكنت عائلا فأغنيتك فافعل في حق عبيدي ذلك ثم إن فعلت كل ذلك فاعلم أنك إنما فعلتها بتوفيقي لك ولطفي وإر ، فكن أبدا ذاكرا لهذه النعم والألطاف . ! 7 < { ووجدك ضآلا فهدى } . > 7 ! أما قوله تعالى : { ووجدك ضالا فهدى } < < الضحى : ( 7 ) ووجدك ضالا فهدى

Bölüm V31/P194–V31/P195

> > فاعلم أن بعض الناس ذهب إلى أنه كان كافرا في أول الأمر ، ثم هداه الله وجعله نبيا ، قال الكلبي : { ووجدك ضالا } يعني كافرا في قوم ضلال فهداك للتوحيد ، وقال السدي : كان على دين قومه أربعين سنة ، وقال مجاهد : { ووجدك ضالا } عن الهدى لدينه واحتجوا على ذلك بآيات أخر منها قوله : { ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان } ( الشورى : 52 ) وقوله : { وإن كنت من قبله لمن الغافلين } ( يوسف : 3 ) وقوله : { لئن أشركت ليحبطن عملك } ( الزمر : 65 ) فهذا يقتضي صحة ذلك منه ، وإذا دلت هذه الآية على الصحة وجب حمل قوله : { ووجدك ضالا } عليه ، وأما الجمهور من العلماء فقد اتفقوا على أنه عليه السلام ما كفر بالله لحظة واحدة ، ثم قالت المعتزلة : هذا غير جائز عقلا لما فيه من التنفير ، وعند أصحابنا هذا غير ممتنع عقلا لأنه جائز في العقول أن يكون الشخص كافرا فيرزقه الله الإيمان ويكرمه بالنبوة ، إلا أن الدليل السمعي قام على أن هذا الجائز لم يقع وهو قوله تعالى : { ما ضل صاحبكم وما غوى } ( النجم : 2 ) ثم ذكروا في تفسير هذه الآية وجوها كثيرة أحدها : ما روي عن ابن عباس والحسن والضحاك وشهر بن حوشب : { ووجدك ضالا } عن معالم النعمة / وأحكام الشريعة غافلا عنها فهداك إليها ، وهو المراد من قوله : { ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان } ( الشورى : 52 ) وقوله : { وإن كنت من قبله لمن الغافلين } ( يوسف : 3 ) وثانيها : ضل عن مرضعته حليمة حين أرادت أن ترده إلى جده حتى دخلت إلى هبل وشكت ذلك إليه فتساقطت الأصنام ، وسمعت صوتا يقول : إنما هلاكنا بيد هذا الصبي ، وفيه حكاية طويلة وثالثها : ما روي مرفوعا أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( ضللت عن جدي عبد المطلب وأنا صبي ضائع ، كاد الجوع يقتلني ، فهداني الله ) ذكره الضحاك ، وذكر تعلقه بأستار الكعبة ، وقوله : يا رب رد ولدي محمدا اردده ربي واصطنع عندي يدا

Bölüm V31/P195–V31/P196

فما زال يردد هذا عند البيت حتى أتاه أبو جهل على ناقة وبين يديه محمد وهو يقول : لا ندري ماذا نرى من ابنك ، فقال عبد المطلب ولم ؟ قال : إني أنخت الناقة وأركبته من خلفي فأبت الناقة أن تقوم ، فلما أركبته أمامي قامت الناقة ، كأن الناقة تقول : يا أحمق هو الإمام فكيف يقوم خلف المقتدى وقال ابن عباس : رده الله إلى جده بيد عدوه كما فعل بموسى حين حفظه على يد عدوه ورابعها : أنه عليه السلام لما خرج مع غلام خديجة ميسرة أخذ كافر بزمام بعيره حتى ضل ، فأنزل الله تعالى جبريل عليه السلام في صورة آدمي ، فهداه إلى القافلة ، وقيل : إن أبا طالب خرج به إلى الشأم فضل عن الطريق فهداه الله تعالى وخامسها : يقال : ضل الماء في اللبل إذا صار مغمورا ، فمعنى الآية كنت مغمورا بين الكفار بمكة فقواك الله تعالى حتى أظهرت دينه وسادسها : العرب تسمي الشجرة الفريدة في الفلاة ضالة ، كأنه تعالى يقول : كانت تلك البلاد كالمفازة ليس فيها شجرة تحمل ثمر الإيمان بالله ومعرفته إلا أنت ، فأنت ، شجرة فريدة في مفازة الجهل فوجدتك ضالا فهديت بك الخلق ، ونظيره قوله عليه السلام : ( الحكمة ضالة المؤمن ) وسابعها : ووجدك ضالا عن معرفة الله تعالى حين كنت طفلا صبيا ، كما قال : { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا } ( النحل : 78 ) فخلق فيك العقل والهداية والمعرفة / والمراد من الضال الخالي عن العلم لا الموصوف بالاعتقاد الخطأ وثامنها : كنت ضالا عن النبوة ما كنت تطمع في ذلك ولا خطر شيء من ذلك في قلبك ، فإن اليهود والنصارى كانوا يزعمون أن النبوة في بني إسرائيل فهديتك إلى النبوة التي ما كنت تطمع فيها ألبتة وتاسعها : أنه قد يخاطب السيد ، ويكون المراد قومه فقوله : { ووجدك ضالا } أي وجد قومك ضلالا ، فهداهم بك وبشرعك وعاشرها : وجدك ضالا عن الضالين منفردا عنهم مجانبا لدينهم ، فكلما كان بعدك عنهم أشد كان ضلالهم أشد ، فهداك إلى أن اختلطت بهم ودعوتهم إلى الدين المبين الحادي عشر : وجدك ضالا عن الهجرة ، متحيرا في يد قريش متمنيا فراقهم وكان لا يمكنك الخروج بدون إذنه تعالى ، فلما أذن له ووافقه الصديق عليه وهداه إلى خيمة أم معبد ، وكان ما كان من حديث سراقه ، وظهور القوة في الدين كان ذلك المراد بقوله : { فهدى } ، الثاني عشر : ضالا عن القبلة ، فإنه كان يتمنى أن تجعل الكعبة قبلة له / وما كان يعرف أن ذلك هل يحصل له أم لا ، فهداه الله بقوله : { فلنولينك قبلة ترضاها } ( البقرة : 144 ) فكأنه سمي ذلك التحير بالضلال الثالث عشر : أنه حين ظهرها له جبريل عليه السلام في أول أمره ما كان يعرف أهو جبريل أم لا ، وكان يخافه خوفا شديدا ، وربما أراد أن يلقي نفسه من الجبل فهداه الله حتى عرف أنه جبريل عليه السلام الرابع عشر : الضلال بمعنى المحبة كما في قوله : { إنك لفى ضلالك القديم } ( يوسف : 95 ) أي محبتك ، ومعناه أنك محب فهديتك إلى الشرائع التي بها تتقرب إلى خدمة محبوبك الخامس عشر : ضالا عن أمور الدنيا لا تعرف التجارة ونحوها ، ثم هديتك حتى ربحت تجارتك ، وعظم ربحت حتى رغبت خديجة فيك ، والمعنى أنه ما كان لك وقوف على الدنيا ، وما كنت تعرف سوى الدين ، فهديتك إلى مصالح الدنيا بعد ذلك السادس عشر : { ووجدك ضالا } أي ضائعا في قومك ؛ كانوا يؤذونك ، ولا يرضون بك رعية ، فقوي أمرك وهداك إلى أن صرت آمرا واليا عليهم السابع عشر : كنت ضالا ما كنت تهتدي على طريق السموات فهديتك إذ عرجت بك إلى السموات ليلة المعراج الثامن عشر : ووجدك ضالا أي ناسيا لقوله تعالى : { أن تضل إحداهما } ( البقرة : 282 ) فهديتك أي ذكرتك ، وذلك أنه ليلة المعراج نسي ما يجب أن يقال بسبب الهيبة ، فهداه الله تعالى إلى كيفية الثناء حتى قال : ( لا أحصي ثناء عليك ) التاسع عشر : أنه وإن كان عارفا بالله بقلبه إلا أنه كان في الظاهر لا يظهر لهم خلافا ، فعبر عن ذلك بالضلال العشرون : روى علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملون به غير مرتين ، كل ذلك يحول الله بيني وبين ما أريد من ذلك ، ثم ما هممت بعدهما بسوء حتى أكرمني الله برسالته ، فإني قلت ليلة لغلام من قريش ، كان يرعى معي بأعلى مكة ، لو حفظت لي غنمي حتى أدخل مكة ، فأسمر بها كما يسمر الشبان ، فخرجت أريد ذلك حتى أتيت أول دار من دور مكة ، فسمعت عزفا بالدفوف والمزامير ، فقالوا فلان ابن فلان يزوج بفلانة ، فجلست أنظر إليهم وضرب الله على أذني فنمت فما أيقظني إلا مس الشمس ، قال فجئت صاحبي ، فقال ما فعلت ؟

Bölüm V31/P196

فقلت ما صنعت شيئا ، ثم أخبرته الخبر ، قال : ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك ، فضرب الله على أذني فما أيقظني إلا مس الشمس ، ثم ما هممت بعدهما بسوء حتى أكرمني الله تعالى برسالته ) .

Bölüm V31/P196–V31/P197

! 7 < { ووجدك عآئلا فأغنى } . > 7 ! أما قوله تعالى : { ووجدك عائلا فأغنى } < < الضحى : ( 8 ) ووجدك عائلا فأغنى > > ففيه مسائل : المسألة الأولى : العائل هو ذو العيلة ، وذكرنا ذلك عند قوله : { أن لا تعولوا } ( النساء : 3 ) ويدل عليه قوله تعالى : { وإن خفتم عيلة } ( التوبة : 28 ) ثم أطلق العائل على الفقير ، وإن لم يكن له عيال ، وههنا في تفسير العائل قولان : الأول : وهو المشهور أن المراد هو الفقير ، ويدل عليه ما روى أنه في مصحف عبد الله : / ( ووجدك عديما ) وقرىء عيلا كما قرىء سيحات ، ثم في كيفية الإغناء وجوه الأول : أن الله تعالى أغناه بتربية أبي طالب ، ولما اختلت أحوال أبي طالب أغناه ( الله ) بمال خديجة ، ولما اختل ذلك أغناه ( الله ) بمال أبي بكر ، ولما اختل ذلك أمره بالهجرة وأغناه بإعانة الأنصار ، ثم أمره بالجهاد ، وأغناه بالغنائم ، وإن كان إنما حصل بعد نزول هذه السورة ، لكن لما كان ذلك معلوم الوقوع كان كالواقع ، روي أنه عليه السلام : ( دخل على خديجة وهو مغموم ، فقالت له مالك ، فقال : الزمان زمان قحط فإن أنا بذلت المال ينفذ مالك فأستحي منك ، وإن لم أبذل أخاف الله ، فدعت قريشا وفيهم الصديق ، قال الصديق : فأخرجت دنانير وصبتها حتى بلغت مبلغا لم يقع بصري على من كان جالسا قدامي لكثرة المال ، ثم قالت : اشهدوا أن هذا المال ماله إن شاء فرقه ، وإن شاء أمسكه ) الثاني : أغناه بأصحابه كانوا يعبدون الله سرا حتى قال عمر حين أسلم : أبرز أتعبد اللات جهرا ونعبد الله سرا ! فقال عليه السلام : حتى تكثر الأصحاب ، فقال حسبك الله وأنا فقال تعالى : { حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين } ( الأنفال : 64 ) فأغناه الله بمال أبي بكر ، وبهيبة عمر ) الثالث : أغناك بالقناعة فصرت بحال يستوي عندك الحجر والذهب ، لا تجد في قلبك سوى ربك ، فربك غني عن الأشياء لا بها ، وأنت بقناعتك استغنيت عن الأشياء ، وإن الغنى الأعلى الغنى عن الشيء لا به ، ومن ذلك أنه عليه السلام خير بين الغنى والفقر ، فاختار الفقر الرابع : كنت عائلا عن البراهين والحجج ، فأنزل الله عليك القرآن ، وعلمك مالم تكن تعلم فأغناك . القول الثاني في تفسير العائل : أنت كنت كثير العيال وهم الأمة ، فكفاك . وقيل فأغناهم بك لأنهم فقراء بسبب جهلهم ، وأنت صاحب العلم ، فهداهم على يدك ، وههنا سؤالات .

Bölüm V31/P197–V31/P198

السؤال الأول : ما الحكمة في أنه تعالى اختار له اليتم ؟ قلنا فيه وجوه أحدها : أن يعرف قدر اليتامى فيقوم بحقهم وصلاح أمرهم ، ومن ذلك كان يوسف عليه السلام لا يشبع . فقيل له في ذلك : فقال أخاف أن أشبع فأنسى الجياع وثانيها : ليكون اليتيم مشاركا له في الاسم فيكرم لأجل ذلك ، ومن ذلك قال عليه السلام : ( إذا سميتم الولد محمدا فأكرموه ، ووسعوا له في المجلس ) وثالثها : أن من كان له أب أو أم كان اعتماده عليهما ، فسلب عنه الولدان حتى لا يعتمد من أول صباه إلى آخر عمره على أحد سوى الله ، فيصير في طفوليته متشبها بإبراهيم عليه السلام في قوله : حسبي من سؤالي ، علمه بحالي ، وكجواب مريم : { أنى لك هاذا قالت هو من عند الله } ( آل عمران : 37 ) . ورابعها : أن العادة جارية بأن اليتيم لا تخفى عيوبه بل تظهر ، وربما زادوا على الموجود فاختار تعالى له اليتيم ، ليتأمل كل أحد في أحواله ، ثم لا يجدوا عليه عيبا فيتفقون على نزاهته ، فإذا اختاره الله للرسالة لم يجدوا عليه مطعنا وخامسها : جعله يتيما ليعلم كل أحد أن فضيلته من الله ابتداء لأن الذي له أب ، فإن أباه يسعى في تعليمه وتأديبه وسادسها : أن اليتم والفقر نقص في حق / الخلق ، فلما صار محمد عليه الصلاة والسلام / مع هذين الوصفين أكرم الخلق ، كان ذلك قلبا للعادة ، فكان من جنس المعجزات . السؤال الثاني : ما الحكمة في أن الله ذكر هذه الأشياء ؟ الجواب : الحكمة أن لا ينسى نفسه فيقع في العجب . السؤال الثالث : روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( سألت ربي مسألة وددت أني لم أسألها ، قلت : اتخذت إبراهيم خليلا ، وكلمت موسى تكليما ، وسخرت مع داود الجبال ، وأعطيت سليمان كذا وكذا ، وأعطيت فلانا كذا وكذا ، فقال : ألم أجدك يتيما فآويتك ؟ ألم أجدك ضالا فهديتك ؟ ألم أجدك عائلا فأغنيتك ؟ قلت : بلى . فقال : ألم أشرح لك صدرك ؟ قلت : بلى ، قال : ألم أرفع لك ذكرك ؟ قلت : بلى قال : ألم أصرف عنك وزرك ؟ قلت : بلى ، ألم أوتك مالم أوت نبيا قبلك وهي خواتيم سورة البقرة ؟ أم أتخذك خليلا كما اتخذت إبراهيم خليلا ؟ ) فهل يصح هذا الحديث قلنا : طعن القاضي في هذا الخبر فقال : إن الأنبياء عليهم السلام لا يسألون مثل ذلك إلا عن إذن ، فكيف يصح أن يقع من الرسول مثل هذا السؤال . ويكون منه تعالى ما يجري مجرى المعاتبة . ! 7 < { فأما اليتيم فلا تقهر } . > 7 ! < < الضحى : ( 9 ) فأما اليتيم فلا . . . . .

Bölüm V31/P198–V31/P199

> > وقرىء فلا تكهر ، أي لا تعبس وجهك إليه ، والمعنى عامله بمثل ما عاملتك به ، ونظيره من وجه : { وأحسن كما أحسن الله إليك } ( القصص : 77 ) ومنه قوله عليه السلام : ( الله الله فيمن ليس له إلا الله ) وروي : أنها نزلت حين صاح النبي صلى الله عليه وسلم على ولد خديجة ومنه حديث موسى عليه السلام حين : ( قال : إلهي بم نلت ما نلت ؟ قال : أتذكر حين هربت منك السخلة ، فلما قدرت عليها قلت : أتعبت نفسك ثم حملتها ، فلهذا السبب جعلتك وليا على الخلق ، فلما نال موسى عليه السلام النبوة بالإحسان إلى الشاة فكيف بالإحسان إلى اليتيم ، وإذا كان هذا العتاب بمجرد الصياح أو العبوسية في الوجه ، فكيف إذا أذله أو أكل ماله ، عن أنس عن النبي عليه الصلاة والسلام : ( إذا بكى اليتيم وقعت دموعه في كف الرحمن ، ويقول تعالى : من أبكى هذا اليتيم الذي واريت والده التراب ، من أسكته فله الجنة ) . ! 7 < { وأما السآئل فلا تنهر } . > 7 ! ثم قال تعالى : { وأما السائل فلا تنهر } < < الضحى : ( 10 ) وأما السائل فلا . . . . . > > يقال : نهره وانتهره إذا استقبله بكلام يزجره ، وفي المراد من السائل قولان : أحدهما : وهو اختيار الحسن أن المراد منه من يسأل العلم ونظيره من وجه : { عبس وتولى أن جاءه الاعمى } ( عبس : 1 ، 2 ) وحينئذ يحصل الترتيب ، لأنه تعالى قال له أولا : { ألم يجدك يتيما فاوى ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا فأغنى } ( الضحى : 6 ، 8 ) ثم اعتبر هذا الترتيب ، فأوصاه برعاية حق اليتيم ، ثم برعاية حق من يسأله عن العلم والهداية ، ثم أوصاه بشكر نعم الله عليه / والقول الثاني : أن المراد مطلق السائل ولقد عائب الله رسوله في القرآن في شأن الفقراء في ثلاثة مواضع أحدها : أنه كان جالسا وحوله صناديد قريش ، إذ جاء ابن أم مكتوم الضرير ، فتخطى رقاب الناس حتى جلس بين يديه ، وقال : علمني مما علمك الله ، فشق ذلك عليه فعبس وجهه فنزل { عبس وتولى } ( عبس : 1 ) ، والثاني : حين قالت له قريش : لو جعلت لنا مجلسا وللفقراء مجلسا آخر فهم أن يفعل ذلك فنزل قوله : { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم } ( الكهف : 28 ) والثالث : كان جالسا فجاءه عثمان بعذق من ثمر فوضعه بين يديه فأراد أن يأكل فوقف سائل بالباب ، فقال : رحم الله عبدا يرحمنا ، فأمر بدفعه إلى السائل فكره عثمان ذلك ، وأراد أن يأكله النبي عليه السلام فخرج واشتراه من السائل ، ثم رجع السائل ففعل ذلك ثلاث مرات ، وكان يعطيه النبي عليه السلام إلى أن قال له النبي صلى الله عليه وسلم : أسائل أنت أم بائع ؟ فنزل : { وأما السائل فلا تنهر } . ! 7 < { وأما بنعمة ربك فحدث } . > 7 < الضحى : ( 11 ) وأما بنعمة ربك . . . . . > >

Bölüm V31/P199–V32/P003

ثم قوله تعالى : { وأما بنعمة ربك فحدث }وفيه وجوه أحدها : قال مجاهد : تلك النعمة هي القرآن ، فإن القرآن أعظم ما أنعم الله به على محمد عليه السلام ، والتحديث به أن يقرأه ويقرىء غيره ويبين حقائقه لهم وثانيها : روي أيضا عن مجاهد : أن تلك النعمة هي النبوة ، أي بلغ ما أنزل إليك من ربك وثالثها : إذا وفقك الله فراعيت حق اليتيم والسائل ، وذلك التوفيق نعمة من الله عليك فحدث بها ليقتدي بك غيرك ، ومنه ما روي عن الحسين بن علي عليه السلام أنه قال : إذا عملت خيرا فحدث إخوانك ليقتدوا بك ، إلا أن هذا إنما يحسن إذا لم يتضمن رياء ، وظن أن غيره يقتدي به ، ومن ذلك لما سئل أمير المؤمنين علي عليه السلام عن الصحابة فأثنى عليهم وذكر خصالهم ، فقالوا له : فحدثنا عن نفسك فقال : مهلا ، فقد نهى الله عن التزكية فقيل له : أليس الله تعالى يقول : { وأما بنعمة ربك فحدث } فقال : فإني أحدث ، كنت إذا سئلت أعطيت وإذا سكت ابتديت ، وبين الجوانح علم جم فاسألوني ، فإن قيل : فما الحكمة في أن أخر الله تعالى حق نفسه عن حق اليتيم والعائل ؟ قلنا : فيه وجوه أحدها : كأنه يقول أنا غني وهما محتاجان وتقديم حق المحتاج أولى وثانيها : أنه وضع في حظهما الفعل ورضي لنفسه بالقول وثالثها : أن المقصود من جميع الطاعات استغراق القلب في ذكر الله تعالى ، فجعل خاتمة هذه الطاعات تحدث القلب واللسان بنعم الله تعالى حتى تكون ختم الطاعات على ذكر الله ، واختار قوله : { فحدث } على قوله فخبر ، ليكون ذلك حديثا عند لا ينساه ، ويعيده مرة بعد أخرى ، والله أعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم . < > 1 ( سورة الشرح ) 1 < > ثمان آيات مكية يروى عن طاووس وعمر بن عبدالعزيز أنهما كانا يقولان هذه السورة وسورة الضحى سورة واحدة وكانا يقرآنهما في الركعة الواحدة وما كانا يفصلان بينهما ببسم الله الرحمن الرحيم والذي دعاهما إلى ذلك هو أن قوله تعالى : { ألم نشرح لك } كالعطف على قوله : { ألم يجدك يتيما } وليس كذلك لأن الأول : كان نزوله حال اغتمام الرسول صلى الله عليه وسلم من إيذاء الكفار فكانت حال محنة وضيق صدر والثاني : يقتضي أن يكون حال النزول منشرح الصدر طيب القلب ، فأنى يجتمعان . ! 7 < { ألم نشرح لك صدرك } . > 7 ! < < الشرح : ( 1 ) ألم نشرح لك . . . . . > > استفهم عن انتفاء الشرح على وجه الإنكار ، فأفاد إثبات الشرح وإيجابه ، فكأنه قيل : شرحنا لك صدرك ، وفي شرح الصدر قولان : الأول : ما روى أن جبريل عليه السلام أتاه وشق صدره وأخرج قلبه وغسله وأنقاه من المعاصي ثم ملأه علما وإيمانا ووضعه في صدره . واعلم أن القاضي طعن في هذه الرواية من وجوه : أحدها : أن الرواية أن هذه الواقعة إنما وقعت في حال صغره عليه السلام وذلك من المعجزات ، فلا يجوز أن تتقدم نبوته وثانيها : أن تأثير الغسل في إزالة الأجسام ، والمعاصي ليست بأجسام فلا يكون للغسل فيها أثر ثالثها : أنه لا يصح أن يملأ القلب علما ، بل الله تعالى يخلق فيه العلوم والجواب : عن الأول : أن تقويم المعجز على زمان البعثة جائز عندنا ، وذلك هو المسمى بالإرهاص ، ومثله في حق الرسول عليه السلام كثير .

Bölüm V32/P003–V32/P004

وأما الثاني والثالث : فلا يبعد أن يكون حصول ذلك الدم الأسود الذي غسلوه من قلب الرسول عليه السلام علامة للقلب الذي يميل إلى المعاصي ، ويحجم عن الطاعات ، فإذا أزالوه عنه كان ذلك علامة لكون صاحبه مواظبا على الطاعات محترزا عن السيئات ، فكان ذلك كالعلامة للملائكة على كون صاحبه معصوما ، وأيضا فلأن الله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد . / والقول الثاني : أن المراد من شرح الصدر ما يرجع إلى المعرفة والطاعة ، ثم ذكروا فيه وجوها أحدها : أنه عليه السلام لما بعث إلى الجن والإنس فكان يضيق صدره عن منازعة الجن والإنس والبراءة من كل عابد ومعبود سوى الله ، فآتاه الله من آياته ما اتسع لكل ما حمله وصغره عنده كل شيء احتمله من المشاق ، وذلك بأن أخرج عن قلبه جميع الهموم وما ترك فيه إلا هذا الهم الواحد ، فما كان يخطر بباله هم النفقة والعيال ، ولا يبالي بما يتوجه إليه من إيذائهم ، حتى صاروا في عينه دون الذباب لم يجبن خوفا من وعيدهم ، ولم يمل إلى مالهم ، وبالجملة فشرح الصدر عبارة عن علمه بحقارة الدنيا وكما الآخرة ، ونظيره قوله : { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا } وروى أنهم قالوا : يا رسول الله أينشرح الصدر ؟ قال : نعم ، قالوا : وما علامة ذلك ؟ قال : ( التجافي عن الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والإعداد للموت قبل نزوله ) وتحقيق القول فيه أن صدق الإيمان بالله ووعده ووعيده يوجب للإنسان الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة والاستعداد للموت وثانيها : أنه انفتح صدره حتى أنه كان يتسع لجميع المهمات لا يقلق ولا يضجر ولا يتغير ، بل هو في حالتي البؤس والفرح منشرح الصدر مشتغل بأداء ما كلف به ، والشرح التوسعة ، ومعناه الإراحة من الهموم ، والعرب تسمى الغم والهم ضيق صدر كقوله : { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك } وههنا سؤالات : الأول : لم ذكر الصدر ولم يذكر القلب ؟ والجواب : لأن محل الوسوسة هو الصدر على ما قال : { يوسوس فى صدور الناس } فإزالة تلك الوسوسة وإبدالها بدواعي الخير هي الشرح ، فلا جرم خص ذلك الشرح بالصدر دون القلب ، وقال محمد بن علي الترمذي : القلب محل العقل والمعرفة ، وهو الذي يقصده الشيطان ، فالشيطان يجيء إلى الصدر الذي هو حصن القلب ، فإذا وجد مسلكا أغار فيه ونزل جنده فيه ، وبث فيه من الهموم والغموم والحرص فيضيق القلب حيئنذ ولا يجد للطاعة لذة ولا للإسلام حلاوة ، وإذا طرد العدو في الابتداء منع وحصل الأمن ويزول الضيق وينشرح الصدر ويتيسر له القيام بأداء العبودية . السؤال الثاني : لم قال : { ألم نشرح لك صدرك } ولم يقل ألم نشرح صدرك ؟ والجواب : من وجهين أحدهما : كأنه تعالى يقول لام بلام ، فأنت إنما تفعل جميع الطاعات لأجلي كما قال : { لا ليعبدون وأقم الصلواة لذكرى } فأنا أيضا جميع ما أفعله لأجلك وثانيها : أن فيها تنبيها على أن منافع الرسالة عائدة إليه عليه السلام ، كأنه تعالى قال : إنما شرحنا صدرك لأجلك لا لأجلي .

Bölüm V32/P004–V32/P005

السؤال الثالث : لم قال : { ألم نشرح } ولم يقل ألم أشرح ؟ والجواب : إن حملناه على نون التعظيم ، فالمعنى أن عظمة المنعم تدل على عظمة النعمة ، فدل ذلك على أن ذلك الشرح نعمة لا تصل العقول إلى كنه جلالتها ، وإن حملناه على نون الجميع ، فالمعنى كأنه تعالى يقول : لم أشرحه وحدي بل أعملت فيه ملائكتي ، فكنت ترى الملائكة حواليك وبين يديك حتى يقوي قلبك ، فأديت / الرسالة وأنت قوي القلب ولحقتهم هيبة ، فلم يجيبوا لك جوابا ، فلو كنت ضيق القلب لضحكوا منك ، فسبحان من جعل قوة قلبك جبنا فيهم ، وانشراح صدرك ضيقا فيهم . ! 7 < { ووضعنا عنك وزرك الذىأنقض ظهرك } . > 7 ! ثم قال تعالى : { ووضعنا عنك وزرك الذى أنقض ظهرك } < < الشرح : ( 2 ) ووضعنا عنك وزرك > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال المبرد : هذا محمول على معنى ألم نشرح لا على لفظه ، لأنك لا تقول ألم وضعنا ولكن معنى ألم نشرح قد شرحنا ، فحمل الثاني على معنى الأول لا على ظاهر اللفظ ، لأنه لو كان معطوفا على ظاهره لوجب أن يقال : ونضع عنك وزرك . المسألة الثانية : معنى الوزر ثقل الذنب ، وقد مر تفسيره عند قوله : { وهم يحملون أوزارهم } وهو كقوله تعالى : { ليغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر } . وأما قوله : { أنقض ظهرك } فقال علماء اللغة : الأصل فيه أن الظهر إذا أثقل الحمل سمع له نقيض أي صوت خفي ، وهو صوت المحامل والرحال والأضلاع ، أو البعير إذا أثقله الحمل فهو مثل لما كان يثقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أوزاره . المسألة الرابعة : احتج بهذه الآية من أثبت المعصية للأنبياء عليهم السلام والجواب : عنه من وجهين الأول : أن الذين يجوزون الصغائر على الأنبياء عليهم السلام حملوا هذه الآية عليها ، لا يقال : إن قوله : { الذى أنقض ظهرك } يدل على كونه عظيما . فكيف يليق ذلك بالصغائر ، لأنا نقول : إنما وصف ذلك بإنقاض الظهر مع كونها مغفورة لشدة اعتمام النبي صلى الله عليه وسلم بوقوعه منه وتحسره مع ندمه عليه ، وأما إنما وصفه بذلك لأن تأثيره فيما يزول به من الثواب عظيم ، فيجوز لذلك ما ذكره الله تعالى . هذا تقرير الكلام على قول المعتزلة وفيه إشكال ، وهو أن العفو عن الصغيرة واجب على الله تعالى عند القاضي ، والله تعالى ذكر هذه الآية في معرض الامتنان ، ومن المعلوم أن الامتنان بفعل الواجب غير جائز الوجه الثاني : أن يحمل ذلك على غير الذنب ، وفيه وجوه أحدها : قال قتادة : كانت للنبي صلى الله عليه وسلم ذنوب سلفت منه في الجاهلية قبل النبوة ، وقد أثقلته فغفرها له وثانيها : أن المراد منه تخفيف أعباء النبوة التي تثقل الظهر من القيام بأمرها وحفظ موجباتها والمحافظة على حقوقها ، فسهل الله تعالى ذلك عليه ، وحط عنه ثقلها بأن يسرها عليه حتى تيسرت له وثالثها : الوزر ما كان يكرهه من تغييرهم لسنة الخليل . وكان لا يقدر على منعهم إلى أن قواه الله ، وقال له : { أن اتبع ملة إبراهيم } . ورابعها : أنها ذنوب أمته صارت كالوزر عليه ، ماذا يصنع في حقهم إلى أن قال : { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } فأمنه من العذاب في العاجل ، ووعد له الشفاعة في الآجل وخامسها : معناه عصمناك عن الوزر الذي ينقض ظهرك ، لو كان ذلك الذنب حاصلا ، فسمى العصمة وضعا مجازا ، فمن ذلك ما روى أنه حضر وليمة / فيها دف ومزامير قبل البعثة ليسمع ، فضرب الله على أذنه فلم يوقظه إلا حر الشمس من الغد وسادسها : الوزر ما أصابه من الهيبة والفزع في أول ملاقاة جبريل عليه السلام ، حين أخذته الرعدة ، وكاد يرمي نفسه من الجبل ، ثم تقوى حتى ألفه وصار بحالة كاد يرمي بنفسه من الجبل لشدة اشتياقه وسابعها : الوزر ما كان يلحقه من الأذى والشتم حتى كاد ينقض ظهره وتأخذه الرعدة ، ثم قواه الله تعالى حتى صار بحيث كانوا يدمون وجهه ، و ( هو ) يقول : ( اللهم اهد قومي ) وثامنها : لئن كان نزول السورة بعد موت أبي طالب وخديجة ، فلقد كان فراقهما عليه وزرا عظيما ، فوضع عنه الوزر برفعه إلى السماء حتى لقيه كل ملك وحياة فارتفع له الذكر ، فلذلك قال : { ورفعنا لك ذكرك } وتاسعها : أن المراد من الوزر والثقل الحيرة التي كانت له قبل البعثة ، وذلك أنه بكمال عقله لما نظر إلى عظيم نعم الله تعالى عليه ، حيث أخرجه من العدم إلى الوجود وأعطاه الحياة والعقل وأنواع النعم ، ثقل عليه نعم الله وكاد ينقض ظهره من الحياء ، لأنه عليه السلام كانيرى أن نعم الله عليه لا تنقطع ، وما كان يعرف أنه كيف كان يطيع ربه ، فلما جاءته النبوة والتكليف وعرف أنه كيف ينبغي له أن يطيع ربه ، فحيئذ قل حياؤه وسهلت عليه تلك الأحوال ، فإن اللئيم لا يستحي من زيادة النعم بدون مقابلتها بالخدمة ، والإنسان الكريم النفس إذا كثر الإنعام عليه وهو لا يقابلها بنوع من أنواع الخدمة ، فإنه يثقل ذلك عليه جدا ، بحيث يميته الحياة ، فإذا كلفه المنعم بنوع خدمه سهل ذلك عليه وطاب قلبه .

Bölüm V32/P005–V32/P006

! 7 < { ورفعنا لك ذكرك } . > 7 ! ثم قال تعالى : { ورفعنا لك ذكرك } . < < الشرح : ( 4 ) ورفعنا لك ذكرك > > واعلم أنه عام في كل ما ذكروه من النبوة ، وشهرته في الأرض والسموات ، اسمه مكتوب على العرش ، وأنه يذكر معه في الشهادة والتشهد ، وأنه تعالى ذكره في الكتب المتقدمة ، وانتشار ذكره في الآفاق ، وأنه ختمت به النبوة ، وأنه يذكر في الخطب والأذان ومفاتيح الرسائل ، وعند الختم وجعل ذكره في القرآن مقرونا بذكره : { والله ورسوله أحق أن يرضوه } ، { ومن يطع الله ورسوله } و { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } ويناديه باسم الرسول والنبي ، حين ينادي غيره بالاسم يا موسى يا عيسى ، وأيضا جعله في القلوب بحيث يستطيبون ذكره وهو معنى قوله تعالى : { سيجعل لهم الرحمان ودا } كأنه تعالى يقول : أملأ العالم من أتباعك كلهم يثنون عليك ويصلون عليك ويحفظون سنتك ، بل ما من فريضة من فرائض الصلاة إلا ومعه سنة فهم يمتثلون في الفريضة أمري ، وفي السنة أمرك وجعلت طاعتك طاعتي وبيعتك بيعتي { من يطع الرسول فقد أطاع الله } { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله } لا تأنف السلاطين من أتباعك ، بل جراءة لأجهل الملوك أن ينصب خليفة من غير قبيلتك ، فالقراء يحفظون ألفاظ منشورك ، والمفسرون يفسرون معاني فرقانك ، والوعاظ يبلغون وعظك / بل العلماء والسلاطين يصلون إلى خدمتك ، ويسلمون من وراء الباب عليك ، ويمسحون وجوههم بتراب روضتك ، ويرجون شفاعتك ، فشرفك باق إلى يوم القيامة . ! 7 < { فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا } . > 7 ! قال تعالى : { فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا } < < الشرح : ( 5 ) فإن مع العسر . . . . . > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : وجه تعلق هذه الآية بما قبلها أن المشركين كانوا يعيرون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفقر ، ويقولون : إن كان غرضك من هذا الذي تدعيه طلب الغنى جمعنا لك مالا حتى تكون كأيسر أهل مكة ، فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سبق إلى وهمه أنهم إنما رغبوا عن الإسلام لكونه فقيرا حقيرا عندهم ، فعدد الله تعالى عليه مننه في هذه السورة ، وقال : { ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك } أي ما كنت فيه من أمر الجاهلية ، ثم وعده بالغنى في الدنيا ليزيل عن قلبه ما حصل فيه من التأذي بسبب أنهم عيروه بالفقر ، والدليل عليه دخول الفاء في قوله : { فإن مع العسر يسرا } كأنه تعالى قال لا يحزنك ما يقول وما أنت فيه من القلة ، فإنه يحصل في الدنيا يسر كامل .

Bölüm V32/P006–V32/P008

المسألة الثانية : قال ابن عباس : يقول الله تعالى : خلقت عسرا واحدا بين يسرين ، فلن يغلب عسر يسرين ، وروى مقاتل عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال : ( لن يغلب عسر يسرين ) وقرأ هذه الآية ، وفي تقرير هذا المعنى وجهان الأول : قال الفراء والزجاج : العسر مذكور بالألف واللام ، وليس هناك معهود سابق فينصرف إلى الحقيقة ، فيكون المراد بالعسر في اللفظين شيئا واحدا . وأما اليسر فإنه مذكور على سبيل التنكير ، فكان أحدهما غير الآخر ، وزيف الجرجاني هذا وقال : إذا قال الرجل : إن مع الفارس سيفا ، إن مع الفارس سيفا ، يلزم أن يكون هناك فارس واحد ومعه سيفان ، ومعلوم أن ذلك غير لازم من وضع العربية الوجه الثاني : أن تكون الجملة الثانية تكريرا للأولى ، كما كرر قوله : { ويل يومئذ للمكذبين } ويكون الغرض تقرير معناها في النفوس وتمكينها في القلوب ، كما يكرر المفرد في قولك : جاءني زيد زيد ، والمراد من اليسرين : يسر الدنيا وهو ما تيسر من استفتاح البلاد ، ويسر الآخرة وهو ثواب الجنة ، لقوله تعالى : { قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين } وهما حسن الظفر وحسن الثواب ، فالمراد من قوله : ( لن يغلب عسر يسرين ) هذا ، وذلك لأن عمر الدنيا بالنسبة إلى يسر الدنيا ، ويسر الآخرة كالمغمور القليل ، وههنا سؤالان . الأول : ما معنى التنكير في اليسر ؟ جوابه : التفخيم ، كأنه قيل : إن مع اليسر يسرا ، إن مع العسر يسرا عظيما ، وأي يسر . السؤال الثاني : اليس لا يكون مع العسر ، لأنهما ضدان فلا يجتمعان الجواب : لما / كان وقوع اليسر بعد العسر بزمان قليل ، كان مقطوعا به فجعل كالمقارن له . ! 7 < { فإذا فرغت فانصب } . > 7 ! ثم قال تعالى : { فإذا فرغت فانصب } < < الشرح : ( 7 ) فإذا فرغت فانصب > > وجه تعلق هذا بما قبله أنه تعالى لما عدد عليه نعمه السالفة ، ووعدهم بالنعم الآتية ، لا جرم بعثه على الشكر والاجتهاد في العبادة ، فقال : { فإذا فرغت فانصب } أي فاتعب يقال : نصب ينصب ، قال قتادة والضحاك ومقاتل : إذا فرغت من الصلاة المكتوبة { فانصب إلى ربك } في الدعاء وارغب إليه في المسألة يعطك ، وقال الشعبي : إذا فرغت من التشهد فادع لدنياك وآخرتك ، وقال مجاهد : إذا فرغت من أمر دنياك فانصب وصل ، وقال عبد الله : إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل ، وقال الحسن : إذا فرغت من الغزو فاجتهد في العبادة ، وقال علي بن أبي طلحة : إذا كنت صحيحا فانصب ، يعني اجعل فراغك نصبا في العبادة يدل عليه ما روى أن شريحا مر برجلين يتصارعان ، فقال : الفارغ ما أمر بهذا إنما قال الله : { فإذا فرغت فانصب } وبالجملة فالمعنى أن يواصل بين بعض العبادات وبعض ، وأن لا يخلي وقتا من أوقاته منها ، فإذا فرغ من عبادة أتبعها بأخرى . ! 7 < { وإلى ربك فارغب } . > 7 ! وأما قوله تعالى : { وإلى ربك فارغب } < < الشرح : ( 8 ) وإلى ربك فارغب > > ففيه وجهان أحدهما : اجعل رغبتك إليه خصوصا ولا تسأل إلا فضله متوكلا عليه وثانيها : ارغب في سائر ما تلتمسه دينا ودنيا ونصرة على الأعداء إلى ربك ، وقرىء فرغب أي رغب الناس إلى طلب ما عنده ، والله سبحانه وتعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . < > 1 ( سورة التين ) 1 < > وهي ثمان آيات مكية

Bölüm V32/P008–V32/P009

! 7 < { والتين والزيتون وطور سينين وهاذا البلد الا مين } . > 7 ! { والتين والزيتون وطور سينين وهاذا البلد الامين } . < < التين : ( 1 ) والتين والزيتون > > اعلم أن الإشكال هو أن التين والزيتون ليسا من الأمور الشريفة ، فكيف يليق أن يقسم الله تعالى بهما ؟ فلأجل هذا السؤال حصل فيه قولان : الأول : أن المراد من التين والزيتون هذان الشيآن المشهوران ، قال ابن عباس : هو تينكم وزيتونكم هذا ، ثم ذكروا من خواص التين والزيتون أشياء . أما التين فقالوا إنه غذاء وفاكهة ودواء ، أما كونه غذاء فالأطباء زعموا أنه طعام لطيف سريع الهضم لا يمكث في المعدة يلين الطبع ويخرج الترشح ويقلل البلغم ويطهر الكليتين ويزيل ما في المثانة من الرمل ويسمن البدن ويفتح مسام الكبد والطحال وهو خير الفواكه وأحمدها ، وروى أنه أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم طبق من تين فأكل منه ، ثم قال لأصحابه : ( كلوا فلو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه لأن فاكهة الجنة بلا عجم فكلوها فإنها تقطع البواسير وتنفع من النقرس ) وعن علي بن موسى الرضا عليهما السلام : التين يزيل نكهة الفم ويطول الشعر وهو أمان من الفالج ، وأما كونه دواء ، فلأنه يتداوى به في إخراج فضول البدن . واعلم أن لها بعدما ذكرنا خواص : أحدها : أن ظاهرها كباطنها ليست كالجوز ظاهره قشر ولا كالتمر باطنه قشر ، بل نقول : إن من الثمار ما يخبث ظاهره ويطيب باطنه ، كالجوز والبطيخ ومنه ما يطيب ظاهره دون باطنه كالتمر والإجاص . أما التين فإنه طيب الظاهر والباطن وثانيها : أن الأشجار ثلاثة : شجرة تعد وتخلف وهي شجرة الخلاف ، وثانية تعد وتفي وهي التي تأتي بالنور أولا بعده بالثمر كالتفاح وغيره ، وشجرة تبذل قبل الوعد ، وهي التين لأنها تخرج الثمرة قبل أن تعد بالورد ، بل لو غيرت العبارة لقلت هي شجرة تظهر المعنى قبل الدعوى ، بل لك أن تقول : إنها شجرة تخرج الثمرة قبل أن تلبس نفسها بورد أو بورق ، والتفاح والمشمش وغيرهما تبدأ بنفسها ، ثم بغيرها ، أما شجرة التين فإنها تهتم بغيرها / قبل اهتمامها بنفسها ، فسائر الأشجار كأرباب المعاملة في قوله عليه السلام : ( ايد بنفسك ثم بمن تعول ) وشجرة التين كالمصطفى عليه السلام كان يبدأ بغيره فإن فضل صرفه إلى نفسه ، بل من الذين أنثى الله عليهم في قوله : { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } ، وثالثها : أن من خواص هذه الشجرة أن سائر الأشجار إذا اسقطت الثمرة من موضعها لم تعد في تلك السنة ، إلا التين فإنه يعيد البذر وربما سقط ثم يعود مرة أخرى ورابعها : أن التين في النوم رجل خير غني فمن نالها في المنام نال مالا وسعة ، ومن أكلها رزقه الله أولادا وخامسها : روى أن آدم عليه السلام لما عصى وفارقته ثيابه تستر بورق التين ، وروى أنه لما نزل وكان متزرا بورق التين استوحش فطاف الظباء حوله فاستأنس بها فأطعمها بعض ورق التين ، فرزقها الله الجمال صورة والملاحة معنى وغير دمها مسكا ، فلما تفرقت الظباء إلى مساكنها رأى غيرها عليها من الجمال ما أعجبها ، فلما كانت من الغد جاءت الظباء على أثر الأولى إلى آدم فأطعمها من الورق فغير الله حالها إلى الجمال دون المسك ، وذلك لأن الأولى جاءت لآدم لا إجل الطمع والطائفة الأخرى جاءت للطمع سرا وإلى آدم ظاهرة ، فلا جرم غير الظاهر دون الباطن ، وأما الزيتون فشجرته هي الشجرة المباركة فاكهة من وجه وإدام من وجه ودواء من وجه ، وهي في أغلب البلاد لا تحتاح إلى تربية الناس ، ثم لا تقتصر منفعتها غذاء بدنك ، بل هي غذاء السراج أيضا وتولدها في الجبال التي لا توجد فيها شيء من الدهنية البتة / وقيل : من أخذ ورق الزيتون في المنام استمسك بالعروة الوثقى ، وقال مريض لابن سيرين : رأيت في المنام كأنه قيل لي : كل اللامين تشف ، فقال : كل الزيتون فإنه لا شرقية ولا غربية ، ثم قال المفسرون : التي والزيتون اسم لهذين المأكولين وفيهما هذه المنافع الجليلة ، فوجب إجراء اللفظ على الظاهر ، والجزم بأن الله تعالى أقسم بهما لما فيهما هذه المصالح والمنافع .

Bölüm V32/P009–V32/P010

القول الثاني : أنه ليس المراد هاتين الثمرتين ، ثم ذكروا وجوها أحدها : قال ابن عباس : هما جبلان من الأرض المقدسة ، يقال لهما : بالسريانية طور تينا ، وطور زيتا ، لأنهما منبتا التين والزيتون ، فكأنه تعالى أقسم بمنابت الأنبياء ، فالجبل بالتين لعيسى عليه السلام . والزيتون الشأم مبعث أكثر أنبياء بني إسرائيل ، والطور مبعث موسى عليه السلام ، والبلد الأمين مبعث محمد صلى الله عليه وسلم ، فيكون المراد من القسم في الحقيقة تعظيم الأنبياء وإعلاء درجاتهم وثانيها : أن المراد من التين والزيتون مسجدان ، ثم قال ابن زيد : التين مسجد دمشق والزيتون مسجد بيت المقدس ، وقال آخرون : التين مسجد أصحاب أهل الكف ، والزيتون مسجد إيليا ، وعن ابن عباس التين مسجد نوح المبني على الجودي ، والزيتون مسجد بيت المقدس ، والقائلون بهذا القول إنما ذهبوا إليه لأن القسم بالمسجد أحسن لأنه موضع العبادة والطاعة ، فلما كانت هذه المساجد في هذه المواضع التي يكثر فيها التين والزيتون ، لا جرم اكتفى بذكر التين والزيتون وثالثها : / المراد من التين والزيتون بلدان ، فقال كعب : التين دمشق والزيتون بيت المقدس ، وقال شهر بن حوشب : التين الكوفة ، والزيتون الشام ، وعن الربيع هما جبلان بين همدان وحلوان ، والقائلون بهذا القول ، إنما ذهبوا إليه لأن اليهود والنصارى والمسلمين ومشركي قريش كل واحد منهم يعظم بلدة من هذه البلاد ، فالله تعالى أقسم بهذه البلاد بأسرها ، أو يقال : إن دمشق وبيت المقدس فيهما نعم الدنيا ، والطور ومكة فيهما نعم الدين . أما قوله تعالى : { وطور سينين } فالمراد من { الطور } الجبل الذي كلم الله تعالى موسى عليه السلام عليه ، واختلفوا في { سينين } والأولى عند النحويين أن يكون سينين وسينا اسمين للمكان الذي حصل فيه الجبل أو ضيفا إلى ذلك المكان ، وأما المفسرون فقال ابن عباس في رواية عكرمة : { الطور } الجبل { وسينين } الحسن بلغة الحبشة ، وقال مجاهد : { وطور سينين } المبارك ، وقال الكلبي : هو الجبل المشجر ذو الشجر ، وقال مقاتل : كل جبل فيه شجر مثمر فهو سينين وسينا بلغة النبط قال الواحدي : والأولى أن يكون سينين اسما للمكان الذي به الجبل ، ثم لذلك سمي سينين أو سينا لحسنه أو لكونه مباركا ، ولا يجوز أن يكون سينين نعتا للطور لإضافته إليه . أما قوله تعالى : { وهاذا البلد الامين } فالمراد مكة والأمين : الآمن قال صاحب الكشاف : من أمن الرجل أمانة فهو أمين وأمانته أن يحفظ من دخله كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه ، ويجوز أن يكون فعيلا بمعنى مفعول من أمنه لأنه مأمون الغوائل ، كما وصف بالأمن في قوله : { حرما ءامنا } يعني ذا أمن ، وذكروا في كونه أمينا وجوها أحدها : أن الله تعالى حفظه عن الفيل على ما يأتيك شرحه إن شاء الله تعالى وثانيها : أنها تحفظ لك جميع الأشياء فمباح الدم عند الالتجاء إليها آمن من السباع والصيود تستفيد منها الحفظ عند الالتجاء إليها وثالثها : ما روى أن عمر كان يقبل الحجر ، ويقول : إنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك ، فقال له علي عليه السلام : إما أنه يضر وينفع إن الله تعالى لما أخذ على ذرية آدم الميثاق كتبه في رق أبيض / وكان لهذا الركن يومئذ لسان وشفتان وعينان ، فقال : افتح فاك فألقمه ذلك الرق وقال : تشهد لمن وافاك بالموافاة إلى يوم القيامة ، فقال عمر : لأبقيت في قوم لست فيهم يا أبا الحسن . ! 7 < { لقد خلقنا الإنسان فىأحسن تقويم } . > 7 ! < <

Sorular