Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Bölüm V32/P049

المسألة الأولى : اعلم أن المكلف لما تأمل وجد نفسه مخلوقا من المحن والآفات ، فصاغه من أنجس شيء في أضيق مكان إلى أن خرج باكيا لا للفراق ولكن مشتكيا من وحشة الحبس ليرحم ، كالذي يطلق من الحبس يغلبه البكاء ليرحم ، ثم لم يرحم بل شدته القابلة ولم يكن مشدودا في الرحم ثم لم يمض قليل مدة حتى ألقوا في المهد وشدوه بالقماط ، ثم لم يمض قليل حتى أسلموه إلى أستاذ يحبسه في المكتب ويضربه على التعليم وهكذا إلى أن بلغ الحلم ، ثم بعد ذلك شد بمسامير العقل والتكليف ، ثم إن المكلف يصير كالمتحير ، يقول : من الذي يفعل في هذه الأفعال مع أنه ما صدرت عني جناية ا فلم يزل يتفكر حتى ظفر بالفاعل ، فوجده عالما لا يشبه العالمين ، وقادرا لا يشبه القادرين ، وعرف أن كل ذلك وإن كان صورته صورة المحنة ، لكن حقيقته محض الكرم والرحمة ، فترك الشكاية وأقبل على الشكر ، ثم وقع في قلب العبد أن يقابل إحسانه بالخدمة له والطاعة ، فجعل قلبه مسكنا لسطان عرفانه ، فكأن الحق قال : عبدي أنزل معرفتي في قلبك حتى / لا يخرجها منه شيء أو يسبقها هناك فيقول العبد : يا رب أنزلت حب الثدي في قلبي ثم أخرجته ، وكذا حب الأب والأم ، وحب الدنيا وشهواتها وأخرجت الكل . أما حبك وعرفانك فلا أخرجهما من قلبي ، ثم إنه لما بقيت المعرفة والمحبة في أرض القلب انفجر من هذا الينبوع أنهار وجداول ، فالجدول الذي وصل إلى العين حصل منه الاعتبار ، والذي وصل إلى الأذن حصل منه استماع مناجاة الموجودات وتسبيحاتهم ، وهكذا في جميع الأعضاء والجوارح ، فيقول الله : عبدي جعلت قلبك كالجنة لي وأجريت فيه تلك الأنهار دائمة مخلدة ، فأنت مع عجزك وقصورك فعلت هذا ، فأنا أولى بالجود والكرم والرحمة فجنة بجنة ، فلهذا قال : { جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجرى من تحتها الانهار } بل كأن الكريم الرحيم يقول : عبدي أعطاني كل ما ملكه ، وأنا أعطيته بعض ما في ملكي ، وأنا أولى منه بالكرم والجود ، فلا جرم جعلت هذا البعض منه موهوبا دائما مخلدا ، حتى يكون دوامه وخلوده جابرا لما فيه من النقصان الحاصل بسبب البعضية . المسألة الثانية : الجزاء اسم لما يقع به الكفاية ، ومنه اجتزت الماشية بالحشيش الرطب عن الماء ، فهذا يفيد معنيين أحدهما : أنه يعطيه الجزاء الوافر من غير نقص والثاني : أنه تعالى يعطيه ما يقع به الكفاية ، فلا يبقى في نفسه شيء إلا والمطلوب يكون حاصلا ، على ما قال : { ولكم فيها ما تشتهى أنفسكم } .

Bölüm V32/P049–V32/P050

المسألة الثانية : قال : { جزآؤهم } فأضاف الجزاء إليهم ، والإضافة المطلقة تدل على الملكية فكيف الجمع بينه وبين قوله : { الذى أحلنا دار المقامة من فضله } والجواب : أما أهل السنة فإنهم يقولون : إنه لو قال الملك الكريم : من حرك أصبعه أعطيته ألف دينار ، فهذا شرط وجزاء بحسب اللغة وبحسب الوضع لا بحسب الاستحقاق الذاتي ، فقوله : { جزآؤهم } يكفي في صدقه هذا المعنى وأما المعتزلة فإنهم قالوا : في قوله تعالى : { الذى أحلنا دار المقامة من فضله } إن كلمة من لابتداء الغاية / فالمعنى أن استحقاق هذه الجنان ، إنما حصل بسبب فضلك السابق فإنك لولا أنك خلقتنا وأعطيتنا القدرة والعقل وأزلت الأعذار وأعطيت الألطاف وإلا لما وصلنا إلى هذه الدرجة . فإن قيل : فإذا كان لا حق لأحد عليه في مذهبكم ، فما السبب في التزام مثل هذا الأنعام ؟ قلنا : أتسأل عن إنعامه الأمسى حال عدمنا ؟ أو عن إنعامه اليومي حال التكليف ؟ أو عن إنعامه في غد القيامة ؟ فإن سألت عن الأمسى فكأنه يقول : أنا منزه عن الإنتفاع والمائدة مملوءة من المنافع فلو لم أخلق الخلق لضاعت هذه المنافع ، فكما أن من له مال ولا عيال له فإنه يشتري العبيد والجواري لينتفعوا بماله ، فهو سبحانه اشترى من دار العدم هذا الخلق لينتفعوا بملكه ، كما روى : ( الخلق عيال الله ) وأما اليومي فالنعمان يوجب الإتمام بعد الشروع . فالرحمن أولى . وأما الغد فأنا مديونهم بحكم الوعد والإخبار فكيف لا أفي بذلك . / المسألة الرابعة : في قوله : { عند ربهم } لطائف : أحدها : قال بعض الفقهاء : لو قال : لا شيء لي على فلان ، فهذا يختص بالديون وله أن يدعي الوديعة ، ولو قال : لا شيء لي عند فلان انصرف إلى الوديعة دون الدين ، ولو قال : لا شيء لي قبل فلان انصرف إلى الدين والوديعة معا ، إذا عرفت هذا فقوله : { عند ربهم } يفيد أنه وديعة والوديعة عين ، ولو قال : لفلان على فهو إقرار بالدين ، والعين أشرف من الدين فقوله : { عند ربهم } يفيد أنه كالمال المعين الحاضر العتيد ، فإن قيل : الوديعة أمانة وغير مضمونة والدين مضمون والمضمون خير مما كان غير مضمون ، قلنا : المضمون خير إذا تصور الهلاك فيه وهذا في حق الله تعالى محال ، فلا جرم قلنا : الوديعة هناك خير من المضمون . وثانيها : إذا وقعت الفتنة في البلدة ، فوضعت مالك عند إمام المحلة على سبيل الوديعة صرت فارغ القلب ، فههنا ستقع الفتنة في بلدة بدنك ، وحينئذ تخاف الشيطان من أن يغيروا عليها ، فضع وديعة أمانتك عندي فإني أكتب لك به كتابا يتلى في المحاريب إلى يوم القيامة وهو قوله : { جزاؤهم عند ربهم } حتى أسلمه إليك أحوج ما تكون إليه وهو في عرصة القيامة . وثالثها : أنه قال : { عند ربهم } وفيه بشارة عظيمة ، كأنه تعالى يقول : أنا الذي ربيتك أولا حين كنت معدوما صفر اليد من الوجود والحياة والعقل والقدرة ، فخلقتك وأعطيتك كل هذه الأشياء فحين كنت مطلقا أعطيتك هذه الأشياء ، وما ضيعتك أترى أنك إذا اكتسبت شيئا وجعلته وديعة عندي فأنا أضيعها ، كلا إن هذا مما لا يكون . المسألة الخامسة : قوله : { جزاؤهم عند ربهم جنات } فيه قولان :

Bölüm V32/P050–V32/P051

أحدهما : أنه قابل الجمع بالجمع ، وهو يقتضي مقابلة الفرد بالفرد ، كما لو قال لأمر أتيه أو عبديه : إن دخلتما هاتين الدارين فأنتما كذا فيحمل هذا على أن يدخل كل واحد منهما دارا على حدة ، وعن أبي يوسف لم يحنث حتى يدخلا الدارين ، وعلى هذا إن ملكتما هذين العبدين ، ودليل القول الأول : { جعلوا أصابعهم فىءاذانهم واستغشوا ثيابهم } فعلى القول الأول بين أن الجزاء لكل مكلف جنة واحدة ، لكن أدنى تلك الجنات مثل الدنيا بما فيها عشر مرات كذا روى مرفوعا ، ويدل عليه قوله تعالى : { وملكا كبيرا } ويحتمل أن يراد لكل مكلف جنات ، كما روى عن أبي يوسف وعليه يدل القرآن ، لأنه قال : { ولمن خاف مقام ربه جنتان } ثم قال : { ومن دونهما جنتان } فذكر أربعا للواحد ، والسبب فيه أنه بكى من خوف الله ، وذلك البكاء إنما نزل من أربعة أجفان إثنان دون الإثنين ، فاستحق جنتين دون الجنتين ، فحصلت له أربع جنات ، لسكبه البكاء من أربعة أجفان ، ثم إنه تعالى قدم الخوف في قوله : { ولمن خاف مقام ربه جنتان } وأخر الخوف في هذه الآية لأنه ختم السورة بقوله : { ذلك لمن خشى ربه } وفيه إشارة إلى أنه لا بد من / دوام الخوف ، أما قبل العمل فالحاصل خوف الاختلال ، وأما بعد العمل فالحاصل خوف الخلاف ، إذ هذه العبادة لا تليق بتلك الحضرة . المسألة السادسة : قوله : { عدن } يفيد الإقامة : { لا يخرجون منها } { وما هم منها بمخرجين } { لا يبغون عنها حولا } يقال : عدن بالمكان أقام ، وروى أن جنات عدن وسط الجنة ، وقيل : عدن من المعدن أي هي معدن النعيم والأمن والسلامة ، قال بعضهم : إنها سميت جنة إما من الجن أو الجنون أو الجنة أو الجنين ، فإن كانت من الجن فهم المخصوصون بسرعة الحركة يطوفون العالم في ساعة واحدة فكأنه تعالى قال : إنها في إيصال المكلف إلى مشتهياته في غاية الإسراع . مثل حركة الجن ، مع أنها دار إقامة وعدن ، وإما من الجنون فهو أن الجنة ، بحيث لو رآها العاقل يصير كالمجنون ، لولا أن الله بفضله يثبته ، وإما من الجنة فلأنها جنة واقية تقيك من النار ، أو من الجنين ، فلأن المكلف يكون في الجنة في غاية التنعم ، ويكون كالجنين لا يمسه برد ولا حر { لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا } . المسألة السابعة : قوله : { تجرى } إشارة إلى أن الماء الجاري ألطف من الراكد ، ومن ذلك النظر إلى الماء الجاري ، يزيد نورا في البصر بل كأنه تعالى قال : طاعتك كانت جارية ما دمت حيا على ما قال : { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } فوجب أن تكون أنهار إكرامي جارية إلى الأبد ، ثم قال : من تحتها إشارة إلى عدم التنغيص ، وذلك لأن التنغيص في البستان ، أما بسبب عدم الماء الجاري فذكر الجري الدائم ، وإما بسبب الغرق والكثرة ، فذكر من تحتها ، ثم الألف واللام في الأنهار للتعريف فتكون منصرفة إلى الأنهار المذكورة في القرآن ، وهي نهر الماء واللبن والعسل والخمر ، واعلم أن النهار والأنهار من السعة والضياء ، فلا تسمى الساقية نهرا ، بل العظيم هو الذي يسمى نهرا بدليل قوله : { وسخر لكم الفلك لتجرى فى البحر بأمره وسخر لكم الانهار } فعطف ذلك على البحر . المسألة الثامنة : اعلم أنه تعالى لما وصف الجنة أتبعه بما هو أفضل من الجنة وهو الخلود أولا والرضا ثانيا ، وروى أنه عليه السلام قال : ( إن الخلود في الجنة خير من الجنة ورضا الله خير من الجنة .

Bölüm V32/P051–V32/P053

أما الصفة الأولى : وهي الخلود ، فاعلم أن الله وصف الجنة مرة بجنات عدن ومرة بجنات النعيم ومرة بدار السلام ، وهذه الأوصاف الثلاثة إنما حصلت لأنك ركبت إيمانك من أمور ثلاثة اعتقاد وقول وعمل . وأما الصفة الثانية : وهي الرضا ، فاعلم أن العبد مخلوق من جسد وروح ، فجنة الجسد هي الجنة الموصوفة وجنة الروح هي رضا الرب ، والإنسان مبتدأ أمره من عالم الجسد ومنتهى أمره من عالم العقل والروح ، فلا جرم ابتدأ بالجنة وجعل المنتهى هو رضا الله ، ثم إنه قدم رضى الله عنهم على قوله : { ورضوا عنه } لأن الأزلي هو المؤثر في المحدث ، والمحدث لا يؤثر في الآزلي . المسألة التاسعة : إنما قال : { رضى الله عنهم } ولم يقل رضي الرب عنهم ولا سائر الأسماء / لأن أشد الأسماء هيبة وجلالة لفظ الله ، لأنه هو الاسم الدال على الذات والصفات بأسرها أعني صفات الجلال وصفات الإكرام ، فلو قال : رضي الرب عنهم لم يشعر ذلك بكمال طاعة العبد لأن المربي قد يكتفي بالقليل ، أما لفظ الله فيفيد غاية الجلالة والهيبة ، وفي مثل هذه الحضرة لا يحصل الرضا إلا بالفعل الكامل والخدمة التامة ، فقوله : { رضى الله عنهم } يفيد تطرية فعل العبد من هذه الجهة . المسألة العاشرة : اختلفوا في قوله : { رضى الله عنهم } فقال بعضهم : معناه رضي أعمالهم ، وقال بعضهم : المراد رضي بأن يمدحهم ويعظمهم ، قال : لأن الرضا عن الفاعل غير الرضا بفعله ، وهذا هو الأقرب ، وأما قوله : { ورضوا عنه } فالمراد أنه رضوا بما جازاهم من النعيم والثواب . أما قوله تعالى : { ذلك لمن خشى ربه } ففيه مسائل : المسألة الأولى : الخوف في الطاعة حال حسنة قال تعالى : { والذين يؤتون ما ءاتوا وقلوبهم وجلة } ولعل الخشية أشد من الخوف ، لأنه تعالى ذكره في صفات الملائكة مقرونا بالإشفاق الذي هو أشد الخوف فقال : { هم من خشية ربهم مشفقون } والكلام في الخوف والخشية مشهور . المسألة الثانية : هذه الآية إذا ضم إليها آية أخرى صار المجموع دليلا على فضل العلم والعلماء ، وذلك لأنه تعالى قال : { إنما يخشى الله من عباده العلماء } فدلت هذه الآية على أن العالم يكون صاحب الخشية ، وهذه الآية وهي قوله : { ذلك لمن خشى ربه } تدل على أن صاحب الخشية تكون له الجنة فيتولد من مجموع الآيتين أن الجنة حق العلماء . المسألة الثالثة : قال بعضهم : هذه الآية تدل على أن المرء لا ينتهي إلى حد يصير معه آمنا بأن يعلم أنه من أهل الجنة ، وجعل هذع الآية دالة عليه . وهذا المذهب غير قوي ، لأن الأنبياء عليهم السلام قد علموا أنهم من أهل الجنة ، وهم مع ذلك من أشد العباد خشية لله تعالى ، كما قال عليه الصلاة والسلام : ( أعرفكم بالله أخوفكم من الله ، وأنا أخوفكم منه ) والله سبحانه وتعالى أعلم . وصلى الله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . < > 1 ( سورة الزلزلة ) 1 < > وهي ثمان آيات مكية ! 7 < { إذا زلزلت الا رض زلزالها } . > 7 < الزلزلة : ( 1 ) إذا زلزلت الأرض . . . . . > > { إذا زلزلت الارض زلزالها } ههنا مسائل :

Bölüm V32/P053–V32/P054

المسألة الأولى : ذكروا في المناسبة بين أول هذه السورة وآخر السورة المتقدمة وجوها أحدها : أنه تعالى لما قال : { جزاؤهم عند ربهم } فكأن المكلف قال : ومتى يكون ذلك يا رب فقال : { إذا زلزلت الارض زلزالها } فالعالمون كلهم يكونون في الخوف ، وأنت في ذلك الوقت تنال جزاؤك وتكون آمنا فيه ، كما قال : { وهم من فزع يومئذ ءامنون } وثانيها : أنه تعالى لما ذكر في السورة المتقدمة وعيد الكافر ووعد المؤمن أراد أن يزيد في وعيد الكافر ، فقال : أجازيه حين يقول الكافر السابق ذكره : ما للأرض تزلزل ، نظير قوله : { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه } ثم ذكر الطائفتين فقال : { فأما الذين اسودت وجوههم } { وأما الذين ابيضت وجوههم } ثم جمع بينهم في آخر السورة فذكر الذرة من الخير والشر . المسألة الثانية : في قوله : { إذا } بحثان أحدهما : أن لقائل أن يقول : { إذا } للوقت فكيف وجه البداية بها في أول السورة ؟ وجوابه : من وجوه الأول : كانوا يسألونه متى الساعة ؟ فقال : { إذا زلزلت الارض } كأنه تعالى قال : لا سبيل إلى تعيينه بحسب وقته ولكني أعينه بحسب علاماته ، الثاني : أنه تعالى أراد أن يخبر المكلف أن الأرض تحدث وتشهد يوم القيامة مع أنها في هذه الساعة جماد فكأنه قيل : متى يكون ذلك ؟ فقال : { إذا زلزلت الارض } . البحث الثاني : قالوا كلمة : { ءان } في المجوز ، { وإذا } في المقطوع به ، تقول : إن دخلت الدار فأنت طالق لأن الدخول يجوز ، أما إذا أردت التعليق بما يوجد قطعا لا تقول : إن بل تقول : إذا ( نحو إذا ) جاء غد فأنت طالق لأنه يوجد لا محالة . هذا هو الأصل ، فإن استمل على خلافه فمجاز ، فلما كان الزلزال مقطوعا به قال : { إذا زلزلت } . المسألة الثالثة : قال الفراء : الزلزال بالكسر المصدر والزلزال بالفتح الاسم ، وقد قرىء بهما ، وكذلك الوسواس هم الاسم أي اسم الشيطان الذي يوسوس إليك ، والوسواس بالكسر / المصدر ، والمعنى : حركت حركة شديدة ، كما قال : { إذا رجت الارض رجا } وقال قوم : ليس المراد من زلزلت حركت ، بل المراد : تحركت واضطربت ، والدليل عليه أنه تعالى يخبر عنها في جميع السورة كما يخبر عن المختار القادر ، ولأن هذا أدخل في التهويل كأنه تعالى يقول : إن الجماد ليضطرب لأوائل القيامة ، أما آن لك أن تضطرب وتتيقظ من غفلتك ويقرب منه : { لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله } واعلم أن زل للحركة المعتادة ، وزلزل للحركة الشديدة العظيمة ، لما فيه من معنى التكرير ، وهو كالصرصر في الريح ، ولأجل شدة هذه الحركة وصفها الله تعالى بالعظم فقال : { إن زلزلة الساعة شىء عظيم } . المسألة الرابعة : قال مجاهد : المراد من الزلزلة المذكورة في هذه الآية النفخة الأولى كقوله : { يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة } أي تزلزل في النفخة الأولى ، ثم تزلزل ثانيا فتخرج موتاها وهي الأثقال ، وقال آخرون : هذه الزلزلة هي الثانية بدليل أنه تعالى جعل من لوازمها أنها تخرج الأرض أثقالها ، وذلك إنما يكون في الزلزلة الثانية .

Bölüm V32/P054–V32/P055

المسألة الخامسة : في قوله : { زلزالها } بالإضافة وجوه أحدها : القدر اللائق بها في الحكمة ، كقولك : أكرم التقي إكرامه وأهن الفاسق إهانته ، تريد ما يستوجبانه من الإكرام والإهانة والثاني : أن يكون المعنى زلزالها كله وجميع ما هو ممكن منه / والمعنى أنه وجد من الزلزلة كل ما يحتمله المحل والثالث : { زلزالها } الموعود أو المكتوب عليها إذا قدرت تقدير الحي ، تقريره ماروى أنها تزلزل من شدة صوت إسرافيل لما أنها قدرت تقدير الحي . ! 7 < { وأخرجت الأرض أثقالها } . > 7 < الزلزلة : ( 2 ) وأخرجت الأرض أثقالها > > أما قوله : { وأخرجت الارض أثقالها } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : في الأثقال قولان : { أحدهما } أنه جمع ثقل وهو متاع البيت : { وتحمل أثقالكم } جعل ما في جوفها من الدفائن أثقالا لها ، قال أبو عبيدة والأخفش : إذا كان الميت في بطن الأرض فهو ثقل لها ، وإذا كان فوقها فهو ثقل عليها ، وقيل : سمي الجن والإنس بالثقلين لأن الأرض تثقل بهم إذا كانوا في بطنها ويثقلون عليها إذا كانوا فوقها ، ثم قال : المراد من هذه الزلزلة ، الزلزلة الأولى يقول : أخرجت الأرض أثقالها ، يعني الكنوز فيمتلىء ظهر الأرض ذهبا ولا أحد يلتفت إليه ، كأن الذهب يصيح ويقول : أما كنت تخرب دينك ودنياك لأجليا أو تكون الفائدة في إخراجها كما قال تعالى : { يوم يحمى عليها فى نار جهنم } ومن قال : المراد من هذه الزلزلة الثانية وهي بعد القيامة . قال : تخرج الأثقال يعني الموتى أحياء كالأم تلده حيا ، وقيل : تلفظه الأرض ميتا ، كما دفن ثم يحييه الله تعالى . والقول الثاني : أثقالها : أسرارها فيومئذ تكشف الأسرار ، ولذلك قال : { يومئذ تحدث أخبارها } فتشهد لك أو عليك . / المسألة الثانية : أنه تعالى قال في صفة الأرض : { ألم نجعل الارض كفاتا } ثم صارت بحال ترميك وهو تقرير لقوله : { تذهل كل مرضعة عما أرضعت } وقوله : { يوم يفر المرء } . ! 7 < { وقال الإنسان ما لها } . > 7 < الزلزلة : ( 3 ) وقال الإنسان ما . . . . . > > أما قوله تعالى : { وقال الإنسان } ففيه مسائل : المسألة الأولى : مالها تزلزل هذه الزلزلة الشديدة ولفظت ما في بطنها ، وذلك إما عند النفخة الأولى حين تلفظ ما فيها من الكنوز والدفائن ، أو عند النفخة الثانية حين تلفظ ما فيها من الأموات . المسألة الثانية : قيل : هذا قول الكافر وهو كما يقولون : { ياويلنا من بعثنا من مرقدنا } فأما المؤمن فيقول : { هذا ما وعد الرحمان وصدق المرسلون } وقيل : بل هو عام في حق المؤمن والكافر أي الإنسان الذي هو كنود جزوع ظلوم الذي من شأنه الغفلة والجهالة : يقول : مالها وهو ليس بسؤال بل هو للتعجب ، لما يرى من العجائب التي لم تسمع بها الآذان . ولا تطلق بها لسان ، ولهذا قال : الحسن إنه للكافر والفاجر معا . المسألة الثالثة : إنما قال : { مالها } على غير المواجهة لأنه يعاتب بهذا الكلام نفسه ، كأنه يقول : يا نفس ما للأرض تفعل ذلك يعني يا نفس أنت السبب فيه فإنه لولا معاصيك لما صارت الأرض كذلك فالكفار يقولون : هذا الكلام والمؤمنون يقولون : { وقالوا الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن } . ! 7 < { يومئذ تحدث أخبارها } . > 7 ! < < الزلزلة : ( 4 ) يومئذ تحدث أخبارها

Bölüm V32/P055–V32/P056

> > أما قوله تعالى : { يومئذ تحدث أخبارها } فاعلم أن ابن مسعود قرأ : { تحدث أخبارها } وسعيد بن جبير تنبيء ثم فيه سؤالات : الأول : أين مفعولا تحدث ؟ الجواب : قد حذف أولهما والثاني أخبارها وأصله تحدث الخلق أخبارها إلا أن المقصود ذكر تحديثها الأخبار لا ذكر الخلق تعظيما . السؤال الثاني : ما معنى تحديث الأرض ؟ قلنا فيه وجوه : أحدها : وهو قول أبي مسلم يومئذ يتبين لكل أحد جزاء عمله فكأنها حدثت بذلك ، كقولك الدار تحدثنا بأنها كانت مسكونة فكذا انتقاض الأرض بسبب الزلزلة تحدث أن الدنيا قد انقضت وأن الآخرة قد أقبلت والثاني : وهو قول الجمهور : أن الله تعالى يجعل الأرض حيوانا عاقلا ناطفا ويعرفها جميع ما عمل أهلها فحينئذ تشهد لمن أطاع وعلى من عصي ، قال عليه السلام : ( أن الأرض لتخبر يوم القيامة بكل عمل عمل عليها ) ثم تلا هذه الآية وهذا على مذهبنا غير بعيد لأن البنية عندنا ليست شرطا لقبول الحياة ، فالأرض مع بقائها على شكلها ويبسها وقشفها يخلق الله فيها الحياة والنطق ، والمقصود كأن الأرض تشكو من العصاة / وتشكر من أطاع الله ، فنقول : إن فلانا صلى وزكى وصام وحج في ، وإن فلانا كفر وزنى وسرق وجار ، حتى يود الكافر أن يساق إلى النار ، وكان علي عليه السلام : إذا فرغ بيت المال صلى فيه ركعتين ويقول : لتشهدن أني ملأتك يحق وفرغك بحق والقول الثالث : وهو قول المعتزلة : أن الكلام يجوز خلقه في الجماد ، فلا يبعد أن يخلق الله تعالى في الأرض حال كونها جمادا أصواتا مقطعة مخصوصة فيكون المتكلم والشاهد على هذا التقدير هو الله تعالى . السؤال الثالث : إذ ويومئذ ما ناصبهما ؟ الجواب : يومئذ بدل من إذا وناصبهما تحدث . السؤال الرابع : لفظ التحديث يفيد الاستئناس وهناك لا استئناس فما وجه هذا اللفظ الجواب : أن الأرض كأنها تبث شكواها إلى أولياء الله وملائكته . ! 7 < { بأن ربك أوحى لها } . > 7 ! < < الزلزلة : ( 5 ) بأن ربك أوحى . . . . . > > أما قوله تعالى : { بأن ربك أوحى لها } ففيه سؤالان : السؤال الأول : بم تعلقت الباء في قوله : { بأن ربك } ؟ الجواب : بتحدث ، ومعناه تحدث أخبارها بسبب إيحاء ربك لها . السؤال الثاني : لم لم يقل أوحى إليها ؟ الجواب : فيه وجهان الأول : قال أبو عبيدة : { أوحى لها } أي أوحى إليها وأنشد العجاج : ( أوحى لها القرار فاستقرت ) الثاني : لعله إنما قال لها : أي فعلنا ذلك لأجلها حتى تتوسل الأرض بذلك إلى التشفي من العصاة . ! 7 < { يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم } . > 7 < الزلزلة : ( 6 ) يومئذ يصدر الناس . . . . . > >

Bölüm V32/P056–V32/P057

قوله تعالى : { يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم } الصدور ضد الورد فالوارد الجائي والصادر والمنصرف واشتاتا متفرقين ، فيحتمل أن يردوا الأرض ، ثم يصدرون عنها الأرض إلى عرصة القيامة ، ويحتمل أن يردوا عرصة القيامة للمحاسبة ثم يصدرون عنها إلى موضع الثواب والعقاب ، فإن قوله : { أشتاتا } أقرب إلى الوجه الأول ولفظة الصدر أقرب إلى الوجه الثاني ، وقوله : { ليروا أعمالهم } أقرب إلى الوجه الأول لأن رؤية أعمالهم مكتوبة في الصحائف أقرب إلى الحقيقة من رؤية جزاء الأعمال ، وإن صح أيضا أن يحمل على رؤية جزاء الأعمال ، وقوله : { أشتاتا } فيه وجوه أحدها : أن بعضهم يذهب إلى الموقف راكبا مع الثياب الحسنة وبياض الوجه والمنادى ينادي بين يديه : هذا ولي الله ، وآخرون يذهب بهم سود الوجوه حفاة عراة مع السلاسل والأغلال والمنادي ينادي بين يديه هذا عدو الله وثانيها : أشتاتا أي كل فريق مع شكله اليهودي مع اليهودي والنصراني مع النصراني وثالثها : أشتاتا من أقطار الأرض من كل ناحية ، ثم إنه سبحانه ذكر المقصود وقال : { ليروا أعمالهم } قال بعضهم : ليروا صحائف أعمالهم ، لأن الكتابة يوضع بين يدي الرجل فيقول : هذا طلاقك وبيعك هل تراه والمرئي وهو الكتاب وقال آخرون : ليروا جزاء أعمالهم ، وهو الجنة أو النار ، وإنما أوقع اسم العمل على الجزاء لأنه الجزاء وفاق ، فكأنه / نفس العمل بل المجاز في ذلك أدخل من الحقيقة ، وفي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم : { ليروا } بالفتح . ! 7 < { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } . > 7 ! < < الزلزلة : ( 7 ) فمن يعمل مثقال . . . . . > > ثم قال تعالى : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } وفيه مسائل : المسألة الأولى : { مثقال ذرة } أي زنة ذرة قال الكلبي : الذرة أصغر النمل ، وقال ابن عباس : إذا وضعت راحتك على الأرض ثم رفعتها فكل واحد مما لزق به من التراب مثقال ذرة فليس من عبد عمل خيرا أو شرا قليلا أو كثيرا إلا أراه الله تعالى إياه . المسألة الثانية : في رواية عن عاصم : { يره } برفع الياء وقرأ الباقون : { يره } بفتحها وقرأ بعضهم : { يره } بالجزم . المسألة الثالثة : في الآية إشكال وهو أن حسنات الكافر محبطة بكفره وسيئات المؤمن مغفورة ، إما ابتداء وإما بسبب اجتناب الكبائر ، فما معنى الجزاء بمثاقيل الذرة من الخير والشر ؟ .

Bölüm V32/P057–V32/P059

واعلم أن المفسرين أجابوا عنه من وجوه : أحدها : قال أحمد بن كعب القرظي : { فمن يعمل مثقال ذرة } من خير وهو كافر فإنه يرى ثواب ذلك في الدنيا حتى يلقى الآخرة ، وليس له فيها شيء ، وهذا مروي عن ابن عباس أيضا ، ويدل على صحة هذا التأويل ما روى أنه عليه السلام قال لأبي بكر : ( يا أبا بكر ما رأيت في الدنيا مما تكره فبمثاقيل ذر الشر ويدخر الله لك مثاقيل الخير حتى توفاها يوم القيامة ) وثانيها : قال ابن عباس : ليس من مؤمن ولا كافر عمل خيرا أو شرا ءلا أراه الله إياه ، فأما المؤمن فيغفر الله سيئاته ويثيبه بحسناته ، وأما الكافر فترد حسناته ويعذب بسيئاته وثالثها : أن حسنات الكافر وإن كانت محبطة بكفره ولكن الموازنة معتبرة فتقدر تلك الحسنات انحبطت من عقاب كفره ، وكذا القول في الجانب الآخر فلا يكون ذلك قادحا في عموم الآية ورابعها : أن تخصص عموم قوله : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } ونقول : المراد فمن يعمل من السعداء مثقال ذرة خيرا يره ، ومن يعمل من الأشقياء مثقال ذرة شرا يره . المسألة الرابعة : لقائل أن يقول : إذا كان الأمر إلى هذا الحد فأين الكرم ؟ والجواب : هذا هو الكرم ، لأن المعصية وإن قلت ففيها استخفاف ، والكريم لا يحتمله وفي الطاعة تعظيم ، وإن قل فالكريم لا يضيعه ، وكأن الله سبحانه يقول لا تحسب مثقال الذرة من الخير صغيرا ، فإنك مع لؤمك وضعفك لم تضيع مني الذرة ، بل اعتبرتها ونظرت فيها ، واستدللت بها على ذاتي وصفاتي واتخذتها مركبا به وصلت إلي ، فإذا لم تضيع ذرتي أفأضيع ذرتكا ثم التحقيق أن المقصود هو النية والقصد ، فإذا كان العمل قليلا لكن النية خالصة فقد حصل المطلوب ، وإن كان العمل كثيرا والنية دائرة فالمقصود فائت ، ومن ذلك ما روى عن كعب : لا تحقروا شيئا من المعروف ، فإن رجلا دخل الجنة بإعارة إبرة في سبيل الله ، وإن امرأة أعانت بحبة في بناء بيت / المقدس فدخلت الجنة . وعن عائشة : ( كانت بين يديها عنب فقدمته إلى نسوة بحضرتها ، فجاء سائل فأمرت له بحبة من ذلك العنب فضحك بعض من كان عندها ، فقالت : إن فيما ترون مثاقيل الذرة وتلت هذه الآية ) ولعلها كان غرضها التعليم ، وإلا فهي كانت في غاية السخاوة . روى : ( أن ابن الزبير بعث إليها بمائة ألف وثمانين ألف درهم في غرارتين ، فدعت بطبق وجعلت تقسمه بين الناس ، فلما أمست قالت : يا جارية فطوري هلمي فجاءت بخبز ويزت ، فقيل لها : أما أمسكت النار درهما نشتري به لحما نفطر عليه ، فقالت : لو ذكرتيني لفعلت ذلك ) وقال مقاتل : نزلت هذه الآية في رجلين كان أحدهما يأتيه السائل فيستقل أن يعطيه التمرة والكسرة والجوزة / ويقول ما هذا بشيء ، وإنما نؤجر على ما نعطيا وكان الآخر يتهاون بالذنب اليسير ، ويقول : لا شيء علي من هذا إنما الوعيد بالنار على الكبائر ، فنزلت هذه الآي ترغيبا في القليل من الخير فإنه يوشك أن يكثر ، وتحذيرا من اليسير من الذنب فإنه يوشك أن يكبر ، ولهذا قال عليه السلام : ( اتقوا النار ولو بشق تمرة ، فمن لم يجد فبكلمة طيبة ) والله سبحانه وتعالى أعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . < > 1 ( سورة العاديات ) 1 < > إحدى عشرة آية مكية ! 7 < { والعاديات ضبحا } . > 7 ! { والعاديات ضبحا } . < < العاديات : ( 1 ) والعاديات ضبحا

Bölüm V32/P059–V32/P060

> > اعلم أن الضبح أصوات أنفاس الخيل إذا عدت ، وهو صوت ليس بصهيل ولا حمحمة ، ولكنه صوت نفس ، ثم اختلفوا في المراد بالعاديات على قولين : الأول : ما روى عن علي عليه السلام وابن مسعود أنها الإبل ، وهو قول إبراهيم والقرظي روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : ( بينا أنا جالس في الحجر إذا أتاني رجل فسألني عن العاديات ضبحا ، ففسرتها بالخيل فذهب إلى عليه عليه السلام وهو تحت سقاية زمزم فسأله وذكر له ما قلت ، فقال : ادعه لي فلما وقفت على رأسه ، قال : تفتي الناس بما لا علم لك به ، والله إن كانت لأول غزوة في الإسلام بدر وما كان معنا إلا فرسان فرس للزبير وفرس للمقداد { والعاديات ضبحا } الإبل من عرفة إلى مزدلفة ، ومن المزدلفة إلى منى ، يعني إبل الحاج ، قال ابن عباس : فرجعت عن قولي إلى قول علي عليه السلام ) ويتأكد هذا القول بما روى أبي في فضل السورة مرفوعا : ( من قرأها أعطى من الأجر بعدد من بات بالمزدلفة وشهد جمعا ) وعلى هذا القول : { فالموريات قدحا } أن الحوافر ترمى بالحجر من شدة العدو فتضرب به حجرا آخر فتورى النار أو يكون المعنى الذين يركبون الإبل وهم الحجيج إذا أوقدوا نيرانهم بالمزدلفة { فالمغيرات } الإغارة سرعة السير وهم يندفعون صبيحة يوم النحر مسرعين إلى منى { فأثرن به نفعا } يعني غبارا بالعدو وعن محم د بن كعب النقع ما بين المزدلفة إلى منى { فوسطن به جمعا } يعني مزدلفة لأنها تسمى الجمع لاجتماع الحاج بها ، وعلى هذا التقدير ، فوجه القسم به من وجوه أحدها : ما ذكرنا من المنافع الكثيرة فيه في قوله : { أفلا ينظرون إلى الإبل } وثانيها : كأنه تعريض بالآدمي الكنود فكأنه تعالى يقول : إني سخرت مثل هذا لك وأنت متمرد عن طاعتي وثالثها : الغرض بذكر إبل الحج الترغيب في الحج ، كأنه تعالى يقول : جعلت ذلك الإبل مقسما به ، فكيف أضيع / عملكا وفيه تعريض لمن يرغب الحج ، فإن الكنود هو الكفور ، والذي لم يحج بعد الوجوب موصوف بذلك ، كما في قوله تعالى : { ولله على الناس حج البيت } إلى قوله : { ومن كفر } . القول الثاني : قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وعطاء وأكثر المحققين : أنه الخيل ، وروى ذلك مرفوعا . قال الكلبي : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى أناس من كنانة فمكث ما شاء الله أن يمكث لا يأتيه منهم خبر فتخوف عليها . فنزل جبريل عليه السلام بخبر مسيرها ، فإن جعلنا الألف واللام في : { والعاديات } للمعهود السابق كان محل القسم خيل تلك السرية ، وإن جعلناهما للجنس كان ذلك قسما بكل خيل عدت في سبيل الله . واعلم أن ألفاظ هذه الآيات تنادي أن المراد هو الخيل ، وذلك لأن الضبح لا يكون إلا للفرس ، واستعمال هذا اللفظ في الإبل يكون على سبيل الاستعارة ، كما استعير المشافر والحافر للإنسان ، والشفتان للمهر ، والعدول من الحقيقة إلى المجاز بغير ضرورة لا يجوز ، وأيضا فالقدح يظهر بالحافر مالا يظهر بخف الإبل ، وكذا قوله : { فالمغيرات صبحا } لأنه بالخيل أسهل منه بغيره ، وقد روينا أنه ورد في بعض السرايا ، وإذا كان كذلك فالأقرب أن السورة مدنية ، لأن الإذن بالقتال كان بالمدينة ، وهو الذي قاله الكلبي : إذا عرفت ذلك فههنا مسائل :

Bölüm V32/P060–V32/P061

المسألة الأولى : أنه تعالى إنما أقسم بالخيل لأن لها في العدو من الخصال الحميدة ما ليس لسائر الدواب ، فإنها تصلح للطلب والهرب والكر والفر ، فإذا ظننت أن النفع في الطلب عدوت إلى الخصم لتفوز بالغنيمة / وإذا ظننت أن المصلحة في الهرب قدرت على أشد العدو ، ولا شك أن السلامة إحدى الغنيمتين ، فأقسم تعالى بفرس الغازي لما فيه من منافع الدنيا والدين ، وفيه تنبيه على أن الإنسان يجب عليه أن يمسكه لا للزينة والتفاخر ، بل لهذه المنفعة ، وقد نبه تعالى على هذا المعنى في قوله : { والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة } فأدخل لام التعليل على الركوب وما أدخله على الزينة وإنما قال : { صبحا } لأنه أمارة يظهر به التعب وأنه يبذل كل الوسع ولا يقف عند التعب ، فكأنه تعالى يقول : إنه مع ضعفه لا يترك طاعتك ، فليكن العبد في طاعة مولاه أيضا كذلك . المسألة الثانية : ذكروا في انتصاب { ضبحا } وجوها أحدها : قال الزجاج : والعاديات تضبح ضبحا وثانيها : أن يكون { والعاديات } في معنى والضابحات ، لأن الضبح يكون مع العدو ، وهو قول الفراء وثالثها : قال البصريون : التقدير : والعاديات ضابحة ، فقوله : { ضبحا } نصب على الحال . ! 7 < { فالموريات قدحا } . > 7 ! أما قوله تعالى : { فالموريات قدحا } . / < < العاديات : ( 2 ) فالموريات قدحا > > فاعلم أن الإيراء إخراج النار ، والقدح الصك تقول : قدح فأورى وقد فأصلد ، ثم في تفسير الآية وجوه أحدها : قال ابن عباس : يريد ضرب الخيل بحوافرها الجبل فأورت منه النار مثل الزبد إذا قدح ، وقال مقاتل : يعني الخيل تقدحن بحوافرهن في الحجارة نارا كنار الحباحب والحباحب اسم رجل كان بخيلا لا يوقد النار إلا إذا نام الناس ، فإذا انتبه أحد أطفأ ناره لئلا ينتفع بها أحد . فشبهت هذه النار التي تنقدح من حوافر الخيل بتلك النار التي لم يكن فيها نفع ومن الناس من يقول : إنها نعل الحديد يصك الحجر فتخرج النار ، والأول أبلغ لأن على ذلك التقدير تكون السنابك نفسها كالحديد وثالثها : قال قوم : هذه الآيات في الخيل ، ولكن إبراؤها أن تهبج الحرب بين أصحابها وبين عدوهم ، كما قال تعالى : { كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله } ومنه يقال للحرب إذا التحمت : حمى الوطيس وثالثها : هم الذين يغزون فيورون بالليل نيرانهم لحاجتهم وطعامهم { فالموريات } هم الجماعة من الغزاة ورابعها : إنها هي الألسنة توري نار العداوة لعظم ما تتكلم به وخامسها : هي أفكار الرجال توري نار المكر والخديعة ، روى ذلك عن ابن عباس ، ويقال : لأقدحن لك ثم لأورين لك ، أي لأهيجن عليك شرا وحربا ، وقيل : هو المكر إلا أنه مكر بإيقاد النار ليراهم العدو كثيرا ، ومن عادة العرب عند الغزو إذا قربوا من العدو أن يوقدوا نيرانا كثيرة ، لكي إذا نظر العدو إليهم ظنهم كثيرا وسادسها : قال عكرمة : الموريات قدحا الأسنة وسابعها : { فالموريات قدحا } أي فالمنجحات أمرا ، يعني الذين وجدوا مقصودهم وفازوا بمطلوبهم من الغزو والحج ، ويقال للمنجح في حاجته : وروى زنده ، ثم يرجع هذا إلى الجماعة المنجحة ، ويجوز أن يرجع إلى الخيل ينجح ركبانها قال جرير : وجدنا الأزد أكرمهم جوادا وأوراهم إذا قدحوا زنادا ويقال : فلان إذا قدح أورى ، وإذا منح أورى ، واعلم أن الوجه الأول أقرب لأن لفظ الإيراء حقيقة في إيراء النار ، وفي غيره مجاز ، ولا يجوز ترك الحقيقة بغير دليل . ! 7 < { فالمغيرات صبحا } . > 7 ! أما قوله تعالى : { فالمغيرات صبحا } < <

Bölüm V32/P061–V32/P062

العاديات : ( 3 ) فالمغيرات صبحا > > يعني الخيل تغير على العدو وقت الصبح ، وكانوا يغيرون صباحا لأنهم في الليل يكونون في الظلمة فلا يبصرون شيئا ، وأما النهار فالناس يكونون فيه كالمستعدين للمدافعة والمحاربة ، أما هذا الوقت فالناس يكونون فيه في الغفلة وعدم الاستعداد . وأما الذين حملوا هذه الآيات على الإبل ، قالوا : المراد هو الإبل تدفع بركبانها يوم النحر من جمع إلى منى ، والسنة أن لا تغير حتى تصبح ، ومعنى الإغارة في اللغة الإسراع ، يقال : أغار إذا أسرع وكانت العرب في الجاهلية تقول : أشرق ثبير كيما نغير . أي نسرع في الإفاضة . ! 7 < { فأثرن به نقعا } . > 7 ! أما قوله : { فأثرن به نقعا } < < العاديات : ( 4 ) فأثرن به نقعا > > ففيه مسائل : / المسألة الأولى : في النقع قولان : أحدهما : أنا هو الغبار وقيل : إنه مأخوذ من نقع الصوت إذا ارتفع ، فالغبار يسمى نقعا لارتفاعه ، وقيل : هو من النقع في الماء ، فكأن صاحب الغبار غاص فيه ، كما يغوص الرجل في الماء والثاني : النقع الصباح من قوله عليه الصلاة والسلام : ( مالم يكن نقع ولا لقلقة ) أي فهيجن في المغار عليهم صياح النوائح ، وارتفعت أصواتهن ، ويقال : ثار الغبار والدخان ، أي ارتفع وثار القطا عن مفحصه ، وأثرن الغبار أي هيجنه ، والمعنى أن الخيل أثرن الغبار لشدة العدو في الموضع الذي أغرن فيه . المسألة الثانية : الضمير في قوله : به إلى ماذا يعود ؟ فيه وجوه أحدها : وهو قول الفراء أنه عائد إلى المكان الذي انتهى إليه ، والموضع الذي تقع فيه الإغارة ، لأن في قوله : { فالمغيرات صبحا } دليلا على أن الإغارة لا بد لها من وضع ، وإذا علم المعنى جاز أن يكنى عما لم يجز ذكره بالتصريح كقوله : { إنا أنزلناه فى ليلة القدر } وثانيها : إنه عائد إلى ذلك الزمان الذي وقعت فيه الإغارة ، أي فأثرن في ذلك الوقت نقعا وثالثها : وهو قول الكسائي أنه عائد إلى العدو ، أي فأثرن بالعدو نقعا ، وقد تقدم ذكر العدو في قوله : { والعاديات } . المسألة الثالثة : فإن قيل : على أي شيء عطف قوله : { فأثرن } قلنا : على الفعل الذي وضع اسم الفاعل موضعه ، والتقدير واللائي عدون فأورين ، وأغرن فأثرن . المسألة الرابعة : قرأ أبو حيوة : { فأثرن } بالتشديد بمعنى فأظهرن به غبارا ، لأن التأثير فيه معنى الإظهار ، أو قلب ثورن إلى وثرن وقلب الواو همزة . ! 7 < { فوسطن به جمعا } . > 7 ! أما قوله تعالى : { فوسطن به جمعا } < < العاديات : ( 5 ) فوسطن به جمعا > > ففيه مسألتان : المسألة الأولى : قال الليث : وسطت النهر والمفازة أسطها وسطا وسطة ، أي صرت في وسطها ، وكذلك وسطتها وتوسطتها ، ونحو هذا ، قال الفراء : والضمير في قوله : { به } إلى ماذا يرجع فيه وجوه أحدها : قال مقاتل : أي بالعدو ، وذلك أن العاديات تدل على العدو ، فجازت الكناية عنه ، وقوله : { جمعا } يعني جمع العدو ، والمعنى صرن بعدوهن وسط جمع العدو ، ومن حمل الآيات على الإبل ، قال : يعني جمع مني وثانيها : أن الضمير عائد إلى النقع أي : { وسطن } بالنقع الجمع وثالثها : المراد أن العاديات وسطن ملبسا بالنقع جمعا من جموع الأعداء .

Bölüm V32/P062–V32/P063

المسألة الثانية : قرىء : { نقعا فوسطن } بالتشديد للتعدية ، والباء مزيدة للتوكيد كقوله : { وأتوا به } وهي مبالغة في وسطن ، واعلم أن الناس أكثروا في صفة الفرس ، وهذا القدر الذي ذكره الله أحسن ، وقال عليه الصلاة والسلام : ( الخيل معقود بنواصيها الخير ) ، وقال أيضا : ( ظهرها حرز / وبطنها كنز ) واعلم أنه تعالى لما ذكر المقسم به ، ذكر المقسم عليه وهو أمور ثلاثة : ! 7 < { إن الإنسان لربه لكنود وإنه على ذلك لشهيد وإنه لحب الخير لشديد } . > 7 ! أحدها : قوله : { إن الإنسان لربه لكنود } < < العاديات : ( 6 ) إن الإنسان لربه . . . . . > > قال الواحدي : أصل الكنود منع الحق والخير والكنود الذي يمنع ما عليه ، والأرض الكنود هي التي لا تنبت شيئا ثم للمفسرين عبارات ، فقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة : الكنود هو الكفور قالوا : ومنه سمي الرجل المشهور كندة لأنه كند أباه ففارقه ، وعن الكلبي الكنود بلسان كندة العاصي وبلسان بني مالك البخيل ، وبلسان مضر وربيعة الكفور ، وروى أبو أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن : { الكنود } هو الكفور الذي يمنع رفده ، ويأكل وحده ، ويضرب عبده ، وقال الحسن : { الكنود } اللوام لربه يعد المحن والمصائب ، وينسى النعم والراحات ، وهو كقوله : { وأما إذا ما ابتلاه ربه فقدره عليه رزقه فيقول ربى أهانن } . واعلم أن معنى الكنود لا يخرج عن أن يكون كفرا أو فسقا ، وكيفما كان فلا يمكن حمله على كل الناس ، فلا بد من صرفه إلى كافر معين ، أو إن حملناه على الكل كان المعنى أن طبع الإنسان يحمله على ذلك إلا إذا عصمه الله بلطفه وتوفيقيه من ذلك ، والأول قول الأكثرين قالوا : لأن ابن عباس قال : إنها نزلت في قرط بن عبد الله بن عمرو بن نوفل القرشي ، وأيضا فقوله : { أفلا يعلم إذا بعثر ما فى القبور } لا يليق إلا بالكافر ، لأن ذلك كالدلالة على أنه منكر لذلك الأمر . الثاني : من الأمور التي أقسم الله عليها قوله : { وإنه على ذلك لشهيد } وفيه قولان : أحدهما : أن الإنسان على ذلك أي على كنوده لشهيد يشهد على نفسه بذلك ، أما لأنه أمر ظاهر لا يمكنه أن يجحده ، أو لأنه يشهد على نفسه بذلك في الآخرة ويعترف بذنوبه القول الثاني : المراد وإن الله على ذلك لشهيد قالوا : وهذا أولى لأن للضمير عائد إلى أقرب المذكورات والأقرب ههنا هو لفظ الرب تعالى ويكون ذلك كالوعيد والزجر له عين المعاصي من حيث إنه يحصى عليه أعماله ، وأما الناصرون للقول الأل فقالوا : إن قوله بعد ذلك : { وإنه لحب الخير لشديد } الضمير فيه عائد إلى الإنسان ، فيجب أن يكون الضمير في الآية التي قبله عائدا إلى الإنسان ليكون النظم أحسن . الأمر الثالث : مما أقسم الله عليه قوله : { وإنه لحب الخير لشديد } الخير المال من قوله تعالى : { إن ترك خيرا } وقوله : { وإذا مسه الخير منوعا } وهذالأن الناس يعدون المال فيما بينهم خيرا كما أنه تعالى سمي ما ينال المجاهد من الجراح وأذى الحرب سوءا في قوله : { لم يمسسهم سوء } والشديد البخيل الممسك ، يقال : فلان شديدة ومتشدد ، قال طرفة : أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي عقيلة مال الفاحش المتشدد

Bölüm V32/P063–V32/P064

ثم في التفسيري وجوه أحدها : أنه لأجل حب المال لبخيل ممسك وثانيها : أن يكون المراد من الشديدة القرى ، ويكون المعنى وإنه لحب المال وإيثار الدنيا وطلبها قوي مطيق ، وهو لحب عبادة الله وشكر نعمه ضعيف ، تقول : هو شديد لهذا الأمر وقوي له ، وإذا كان مطيقا له ضابطا وثالثها : أراد إنه لحب الخيرات غير هني منبسط ولكنه شديد منقبض ورابعها : قال الفراء : يجوز أن يكون المعنى وإنه لحب الخير لشديد الحب يعني أنه يحب المال ، ويحب كونه محبا له ، إلا أنه اكتفى بالحب الأول عن الثاني ، كما قال : { اشتدت به الريح في يوم عاصف } أي في يوم عاصف الريح فاكتفى بالأولى عن الثانية وخامسها : قال قطرب : أي إنه شديد حب الخير ، كقولك إنه لزيد ضروب أي أنه ضروب زيد . ! 7 < { أفلا يعلم إذا بعثر ما فى القبور } . > 7 ! واعلم أنه تعالى لما عد عليه قبائح أفعاله خوفه ، فقال : { أفلا يعلم إذا بعثر ما فى القبور } < < العاديات : ( 9 ) أفلا يعلم إذا . . . . . > > وفيه مسألتان : المسألة الأولى : القول في : { بعثر } مضى في قوله تعالى : { وإذا القبور بعثرت } وذكرنا أن معنى : { بعثرت } بعث وأثير وأخرج ، وقرىء بحثر . المسألة الثانية : لقائل أن يسأل لم قال : { بعثر ما فى القبور } ولم يقل : بعثر من في القبور ؟ ثم إنه لما قال : ما في القبور ، فلم قال : { إن ربهم بهم } ولم يقل : إن ربها بها يومئذ لخبيير ؟ الجواب عن السؤال الأول : هو أن ما في الأرض من غير المكلفين أكثر فأخرج الكلام على الأغلب ، أو يقال : إنهم حال ما يبعثون لا يكونون أحياء عقلاء بل بعد البعث يصيرون كذلك ، فلا جرم كان الضمير الأول ضمير غير العقلاء ، والضمير الثاني ضمير العقلاء . ! 7 < { وحصل ما فى الصدور } . > 7 < العاديات : ( 10 ) وحصل ما في . . . . . > > ثم قال تعالى : { وحصل ما فى الصدور }قال أبو عبيدة ، أي ميز ما في الصدور ، وقال الليث : الحاصل من كل شيء ما بقي وثبت وذهب سواه ، والتحصيل تمييز ما يحصل والاسم الحصيلة قال لبيد : وكل امرىء يوما سيعلم سعيه إذا حصلت عند الإله الحصائل وفي التفسير وجوه أحدها : معنى حصل جمع في الصحف ، أي أظهرت محصلا مجموعا وثانيها : أنه لا بد من التمييز بين الواجب ، والمندوب ، والمباح ، والمكروه ، والمحظور ، فإن لكل واحد ومنه قيل للمنخل : المحصل وثالثها : أن كثيرا ما يكون باطن الإنسان بخلاف ظاهره ، أما في يوم القيامة فإنه تتكشف الأسرار وتبتهك الأستار ، ويظهر ما في البواطن ، كما قال : { يوم تبلى السرائر } . واعلم أن حظ الوعظ منه أن يقال : إنك تستعد فيما لا فائدة لك فيه ، فتبني المقابرة وتشتري / التابوت ، وتفصل الكفن ، وتغزل العجوز الكفن ، فيقال : هذا كله للديدان ، فأين حظ الرحمنا بل المرأة إذا كانت حاملا فإنها تعد للطفل ثيابا ، فإذا قلت لها : لا طفل لك فما هذا الاستعداد ؟ فتقول : أليس يبعثر ما في بطني ؟ فيقول الرب لك : ألا يبعثر ما في بطن الأرض ، فأين الاستعداد ، وقرىء وحصل بالفتح والتخفيف بمعنى ظهر . ! 7 < { إن ربهم بهم يومئذ لخبير } . > 7 ! ثم قال : { إن ربهم بهم يومئذ لخبير } < <

Bölüm V32/P064–V32/P066

العاديات : ( 11 ) إن ربهم بهم . . . . . > > اعلم أن فيه سؤالات : الأول : أنه يوهم أن علمه بهم في ذلك اليوم إنما حصل بسبب الخبرة ، وذلك يقتضي سبق الجهل وهو على الله تعالى محال : { الجواب } من وجهين أحدهما : كأنه تعالى يقول : إن من لم يكن عالما ، فإنه يصير بسبب الاختبار عالما ، فمن كان لم يزل عالما أن يكون خبيرا بأحوالكا وثانيهما : أن فائدة تخصيص ذلك الوقت في قوله : { فزع يومئذ } مع كونه عالما لم يزل أنه وقت الجزاء ، وتقريره لمن الملك كأنه يقول : لا حاكم يروج حكمه ولا عالم تروج فتواه يومئذ إلا هو ، وكم عالم لا يعرف الجواب وقت الواقعة ثم يتذكره بعد ذلك ، فكأنه تعالى يقول : لست كذلك . السؤال الثاني : لم خص أعمال القلوب بالذكر في قوله : { وحصل ما فى الصدور } وأهمل ذكر أعمال الجوارح ؟ الجواب : لأن أعمال الجوارح تابعة لأعمال القلب . فإنه لولا البواعث والإرادات في القلوب لما حصلت أفعال الجوارح ، ولذلك إنه تعالى جعلها الأصل في الذم ، فقال : { قلبه والله } والأصل في المدح ، فقال : { وجلت قلوبهم } . السؤال الثالث : لم قال : { وحصل ما فى الصدور } ولم يقل : وحصل ما في القلوب ؟ الجواب : لأن القلب مطية الروح وهو بالطبع محب لمعرفة الله وخدمته ، إنما المنازع في هذا الباب هو النفس ومحلسها ما يقرب من الصدر ، ولذلك قال : { يوسوس فى صدور الناس } وقال : { أفمن شرح الله صدره للإسلام } فجعل الصدر موضعا للإسلام . السؤال الرابع : الضمير في قوله : { إن ربهم بهم } عائد إلى الإنسان وهو واحد والجواب : الإنسان في معنى الجمع كقوله تعالى : { إن الإنسان لفى خسر } ثم قال : { إلا الذين ءامنوا } ولولا أنه للجمع وإلا لما صح ذلك . واعلم أنه بقي من مباحث هذه الآية مسألتان : المسألة الأولى : هذه الآية تعدل على كونه تعالى عالما بالجزئيات الزمانيات ، لأنه تعالى نص على كونه عالما بكيفية أحوالهم في ذلك اليوم فيكون منكره كافرا . المسألة الثانية : نقل أن الحجاج سبق على لسانه أن بالنصب ، فأسقط اللام من قوله : { لخبير } حتى لا يكون الكلام لحنا ، وهذا يذكر في تقرير فصاحته ، فزعم بعض المشايخ أن هذا كفر لأنه قصد لتغيير المنزل . ونقل عن أبي السماءل أنه قرأ على هذا الوجه ، والله سبحانه وتعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . < > 1 ( سورة القارعة ) 1 < > إحدى عشرة آية مكية { سورة القارعة إحدى عشرة ءاية } اعلم أنه سبحانه وتعالى لما ختم السورة المتقدمة بقوله : { الصدور إن ربهم بهم يومئذ لخبير } فكأنه قيل : وما ذلك اليوم ؟ فقيل هي القارعة . ! 7 < { القارعة ما القارعة ومآ أدراك ما القارعة } . > 7 ! { القارعة ما القارعة وما أدراك ما القارعة } < < القارعة : ( 1 ) القارعة > > اعلم أن فيه مسائل :

Bölüm V32/P066–V32/P067

المسألة الأولى : القرع الضرب بشدة واعتماد ، ثم سميت الحادثة العظيمة من حوادث الدهر قارعة ، قال الله تعالى : { ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة } ومنه قولهم : العبد يقرع بالعصا ، ومنه المقرعة وقوارع القرآن وقرع الباب ، وتقارعوا تضاربوا بالسيوف ، واتفقوا على أن القارعة اسم من أسماء القيامة ، واختلفوا في لمية هذه التسمية على وجوه أحدها : أن سبب ذلك هو الصيحة التي تموت منها الخلائق ، لأن في الصيحة الأولى تذهب العقول ، قال تعالى : { فصعق من فى السماوات ومن فى الارض } وفي الثانية تموت الخلائق سوى إسرافيل ، ثم يميته الله ثميحييه ، فينفخ الثالثة فيقومون . وروى أن الصور له ثقب على عدد الأموات لكل واحد ثقبة معلومة ، فيحيي الله كل جسد بتلك النفخة الواصلة إليه من تلك الثقبة المعينة ، والذي يؤكد هذا الوجه قوله تعالى : { ما ينظرون إلا صيحة واحدة فإنما هى زجرة واحدة } وثانيها : أن الأجرام العلوية والسفلية يصطكان اصطكاكا شديدا عند تخريب العالم ، فبسبب تلك القرعة سمي يوم القيامة بالقارعة وثالثها : أن القارعة هي التي تقرع الناس بالأهوال والإفزاع ، وذلك في السموات بالانشقاق والإنفطار ، وفي الشمس والقمر بالتكور ، وفي الكواكب بالانتثار ، وفي الجبال بالدك والنسف ، وفي الأرض بالطي والتبديل ، وهو قول الكلبي ورابعها : أنها تقرع أعداء الله بالعذاب والخزي والنكال ، وهو قول مقاتل ، قال بعض المحققين وهذا أولى من قول الكلبي لقوله تعالى : { وهم من فزع يومئذ ءامنون } . المسألة الثانية : في إعراب قوله : { القارعة ما القارعة } وجوه أحدها : أنه تحذير وقد / جاء التحذير بالرفع والنصب تقول : الأسد الأسد ، فيجوز الرفع والنصب وثانيها : وفيه إضمار أي ستأتيكم القارعة على ما أخبرت عنه في قوله : { إذا بعثر ما فى القبور } وثالثها : رفع بالابتداء وخبره : { ما القارعة } وعلى قول قطرب الخبر . { وما أدراك ما القارعة } فإن قيل : إذا أخبرت عن شيء بشيء فلا بد وأن تستفيد منه علما زائدا ، وقوله : { وما أدراك } يفيد كونه جاهلا به فكيف يعقل أن يكون هذا خبرا ؟ قلنا : قد حصل لنا بهذا الخبر علم زائد ، لأنا كنا نظن أنها قارعة كسائر القوارع ، فبهذا التجهيل علمنا أنها قارعة فاقت القوارع في الهول والشدة . المسألة الثالثة : قوله : { وما أدراك ما القارعة } فيه وجوه أحدها : معناه لا علم لك بكنهها ، لأنها في الشدة بحيث لا يبلغها وهم أحد ولا فهمه ، وكيفما قدرته فهو أعظم من تقديرك كأنه تعالى قال : قوارع الدنيا في جنب تلك القارعة كأنها ليست بقوارع ، ونار الدنيا في جنب نار الآخرة كأنها ليست بنار ، ولذلك قال في آخر السورة : { نار حامية } تنبيها على أن نار الدنيا في جنب تلك ليست بحامية ، وصار آخر السورة مطابقا لأولها من هذا الوجه . فإن قيل : ههنا قال : { وما أدراك } وقال في آخر السورة : { فأمه } ولم يقل : وماأدراك ما هاوية فما الفرق ؟ قلنا : الفرق أن كونها قارعة أمر محسوس ، أما كونها هاوية فليس كذلك ، فظهر الفرق بين الموضعين وثانيها : أن ذلك التفصيل لا سبيل لأحد إلى العلم به إلا بأخبار الله وبيانه ، لأنه بحث عن وقوع الوقعات لا عن وجوب الواجبات ، فلا يكون إلى معرفته دليل إلا بالسمع .

Bölüm V32/P067–V32/P068

المسألة الرابعة : نظير هذه الآية قوله : { الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة } ثم قال المحققون قوله : { القارعة ما القارعة } أشد من قوله : { الحاقة ما الحاقة } لأن النازل آخرا لا بد وأن يكون أبلغ لأن المقصود منه زيادة التنبيه ، وهذه الزيادة لا تحصل إلا إذا كانت أقوى ، وأما بالنظر إلى المعنى ، فالحاقة أشد لكونه راجعا إلى معنى العدل ، والقارعة أشد لما أنها تهجم على القلوب بالأمر الهائل . ! 7 < { يوم يكون الناس كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش } . > 7 < القارعة : ( 4 - 5 ) يوم يكون الناس . . . . . > > ثم قال تعالى : { يوم يكون الناس كالفراش وتكون الجبال كالعهن المنفوش } . قال صاحب الكشاف : الظرف نصب بمضمر دلت عليه القارعة ، أي تقرع يوم يكون الناس كذا . واعلم أنه تعالى وصف ذلك اليوم بأمرين الأول : كون الناس فيه : { كالفراش المبثوث } قال الزجاج : الفراش هو الحيوان الذي يتهافت في النار ، وسمي فراشا لتفرشه وانتشاره ، ثم إنه / تعالى شبه الخلق وقت البعث ههنا بالفراش المبثوث ، وفي آية أخرى بالجراد المنتشر . أما وجه التشبيه بالفراش ، فلأن الفراش إذا ثار لم يتجه لجهة واحدة ، بل كل واحدة منها تذهب إلى غير جهة الأخرى ، يدل هذا على أنهم إذا بعثوا فزعوا ، واختلفوا في المقاصد على جهات مختلفة غير معلومة ، والمبثوث المفرق ، يقال : بثه إذا فرقه . وأما وجه التشبيه بالجراد فهو في الكثرة . قال الفراء : كغوغاء الجراد يركب بعضه بعضا ، وبالجملة فالله سبحانه وتعالى شبه الناس في وقت البعث بالجراد المنتشر ، وبالفراش المبثوث ، لأنهم لما بعثوا يموج بعضهم في بعض كالجراد والفراش ، ويأكد ما ذكرنا بقوله تعالى : { فتأتون أفواجا } وقوله : { يوم يقوم الناس لرب العالمين } وقوله في قصة يأجوج ومأجوج : { وتركنا بعضهم يومئذ يموج فى بعض } فإن قيل : الجراد بالنسبة إلى الفراش كبار ، فكيف شبه الشيء الواحد بالصغير والكبير معا ؟ قلنا : شبه الواحد بالصغير والكبير لكن في وصفين . أما التشبيه بالفراش فبذهاب كل واحدة إلى غير جهة الأخرى . وأما بالجراد فبالكثرة والتتابع ، ويحتمل أن يقال : إنها تكون كبارا أولا كالجراد ، ثم تصير صغارا كالفراش بسبب احتراقهم بحر الشمس ، وذكروا في التشبيه بالفراش وجوها أخرى أحدها : ما روى أنه عليه السلام قال : ( الناس عالم ومتعلم ، وسائر الناس همج رعاع ) فجعلهم الله في الأخرى كذلك : { جزاء وفاقا } وثانيها : أنه تعالى إنما أدخل حرف التشبيه ، فقال : { كالفراش } لأنهم يكونون في ذلك اليوم أذل من الفراش ، لأن الفراش لا يعذب ، وهؤلاء يعذبون ، ونظيره : { كالانعام بل هم أضل } . الصفة الثانية : من صفات ذلك اليوم قوله تعالى : { وتكون الجبال كالعهن المنفوش } العهن الصوف ذو الألوان ، وقد مر تحقيقه عند قوله : { وتكون الجبال كالعهن } والنفش فك الصوف حتى ينتفش بعضه عن بعض ، وفي قراءة ابن مسعود : كالصوف المنفوش . واعلم أن الله تعالى أخبر أن الجبال مختلفة الألوان على ما قال : { ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود } ثم إنه سبحانه يفرق أجزاءها ويزيل التأليف والتركيب عنها فيصبر ذلك مشابها للصوف الملون بالألوان المختلفة إذا جعل منفوشا ، وههنا مسائل :

Bölüm V32/P068–V32/P069

المسألة الأولى : إنما ضم بين حال الناس وبين حال الجبال ، كأنه تعالى نبه على أن تأثير تلك القرعة في الجبال هو أنها صارت كالعهن المنفوش ، فكيف يكون حال الإنسان عند سماعهاا فالويل ثم الويل لابن آدم إن لم تتداركه رحمة ربه ، ويحتمل أن يكون المراد أن جبال النار تصير كالعهن المنفوش لشدة حمرتها . المسألة الثانية : قد وصف الله تعالى تغير الأحوال على الجبال من وجوه أولها : أن تصير قطعا ، كما قال : { دكت الارض دكا } ، وثانيها : أن تصير كثيبا مهيلا ، كما قال : { وترى الجبال تحسبها جامدة وهى تمر مر السحاب } ثم تصير كالعهن المنفوش / وهي أجزاء كالذر تدخل / من كوة البيت لا تمسها الأيدي ، ثم قال : في الرابع تصير سرابا ، كما قال : { وسيرت الجبال فكانت سرابا } . المسألة الثالثة : لم يقل : يوم يكون الناس كالفراش المبثوث والجبال كالعهن المنفوش بل قال : { وتكون الجبال كالعهن المنفوش } لأن التكوير في مثل هذا المقام أبلغ في التحذير . ! 7 < { فأما من ثقلت موازينه } . > 7 ! واعلم < < القارعة : ( 6 ) فأما من ثقلت . . . . . > > أنه تعالى لماوصف يوم القيامة قسم الناس فيه إلى قسمين فقال : { فأما من ثقلت موازينه } واعلم أن في الموازين قولين : أحدهما : أنه جمع موزون وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله ، وهذا قول الفراء قال : ونظيره يقال : عندي درهم بميزان درهمك ووزن درهمك وداري بميزان دارك ووزن دارك أي بحذائها والثاني : أنه جمع ميزان ، قال ابن عباس : الميزان له لسان وكفتان لا يوزن فيه إلا الأعمال فيؤتى بحسنات المطيع في أحسن صورة ، فإذا رجح فالجنة له ويؤتى بسيئات الكافر في أقبح صورة فيخف وزنه فيدخل النار . وقال الحسن : في الميزان له كفتان ولا يوصف ، قال المتكلمون : إن نفس الحسنات والسيئات لا يصح وزنهما ، خصوصا وقد نقضيا ، بل المراد أن الصحف المكتوب فيها الحسنات والسيئات توزن ، أو يجعل النور علامة الحسنات والظلمة علامة السيئات ، أو تصور صحيفة الحسنات بالصورة الحسنة وصحيفة السيئات بالصورة القبيحة فيظهر بذلك الثقل والخفة ، وتكون الفائدة في ذلك ظهور حال صاحب الحسنات في الجمع العظيم فيزداد سرورا ، وظهور حال صاحب السيئات فيكون ذلك كالفضيحة له عند الخلائق . ! 7 < { فهو فى عيشة راضية } . > 7 ! < < القارعة : ( 7 ) فهو في عيشة . . . . . > > أما قوله تعالى : { فهو فى عيشة راضية } فالعيشة مصدر بمعنى العيش ، كالخيفة بمعنى الخوف ، وأما الراضية فقال الزجاج : معناه أي عيشة ذات رضا يرضاها صاحبها وهي كقولهم لابن ، وتامر بمعنى ذو لبن وذو تمر ، ولهذا قال المفسرون : تفسيرها مرضية على معنى يرضاها صاحبها . ! 7 < { وأما من خفت موازينه } . > 7 < القارعة : ( 8 ) وأما من خفت . . . . . > > ثم قال تعالى : { وأما من خفت موازينه } أي قلت : حسناته فرجحت السيئات على الحسنات قال أبو بكر رضي الله عنه : إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه باتباعهم الحق في الدنيا وثقله عليهم ، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا ، وإنما خفت موازين من خفت موازينه باتباعهم الباطل في الدنيا وخفته عليهم ، وحق لميزان يوضع فيه الباطل أن يكون خفيفا ، وقال مقاتل : إنما كان كذلك لأن الحق ثقيل والباطل خفيف . ! 7 < { فأمه هاوية ومآ أدراك ما هيه } . > / < <

Bölüm V32/P069–V32/P072

القارعة : ( 9 ) فأمه هاوية > > أما قوله تعالى : { فأمه هاوية } ففيه وجوه : أحدها : أن الهاوية من أسماء النار وكأنها النار العميقة يهوى أهل النار فيها مهوى بعيدا ، والمعنى فمأواه النار ، وقيل : للمأوى أم على سبيل التشبيه بالأم التي لا يقع الفزع من الولد إلا إليها وثانيها : فأم رأسه هاوية في النار ذكره الأخفش ، والكلبي ، وقتادة قال : لأنهم يهوون في النار على رؤوسهم وثالثها : أنهم إذا دعوا على الرجل بالهلاك قالوا : هوت أمه لأنه إذا هوى أي سقط وهلك فقد هوت أمه حزنا وثكلا ، فكأنه قيل : { وأما من خفت موازينه } فقد هلك . 7 ! ثم قال تعالى : { وما أدراك } قال صاحب الكشاف : هيه ضمير الداهية التي دل عليها قوله : { موازينه فأمه هاوية } في التفسير الثالث : أو ضمير هاوية : والهاء للسكت فإذا وصل جاز حذفها والاختيار الوقف بالهاء لاتباع المصحف والهاء ثابتة فيه ، وذكرنا الكلام في هذه الهاء عند قوله : { لم يتسنه فبهداهم القاضية ما أغنى عنى ماليه } . ! 7 < { نار حامية } . > 7 ! < < القارعة : ( 11 ) نار حامية > > ثم قال تعالى : { نار حامية } والمعنى أن سائر النيران بالنسبة إليها كأنها ليست حامية ، وهذا القدر كاف في التنبيه على قوة سخونتها ، نعوذ بالله منها ومن جميع أنواع العذاب ، ونسأله التوفيق وحسن المآب : { ربنا وءاتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد } . < > 1 ( سورة التكاثر ) 1 < > ثمان آيات مكية ! 7 < { ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر } . > 7 < التكاثر : ( 1 - 2 ) ألهاكم التكاثر > > { ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر } فيه مسائل : المسأة الأولى : الإلهاء الصرف إلى اللهو . واللهو الانصراف إلى ما يدعو إليه الهوى ، ومعلوم أن الانصراف إلى الشيء يقتضي الإعراض عن غيره ، فلهذا قال أهل اللغة : ألهاني فلان عن كذا أي أنساني وشغلني ، ومنه الحديث : ( أن الزبير كان سمع صوت الرعد لهى عن حديثه ) أن تركه وأعرض عنه ، وكل شيء تركته فقد لهيت عنه ، والتكاثر التباهي بكثرة المال والجاه والمناقب يقال : تكاثر القوم تكاثرا إذا تعادلوا مالهم من كثرة المناقب ، وقال أبو مسلم : التكاثر تفاعل عن الكثرة والتفاعل يقع على أحد وجوه ثلاثة يحتمل أن يكون بين الإثنين فيكون مفاعله ، ويحتمل تكلف الفعل تقول : تكارهت على كذا إذا فعلته وأنت كاره ، وتقول : تباعدت عن الأمر إذا تكلفت العمى عنه وتقول : تغافلت ، ويحتمل أيضا الفعل بنفسه كما تقول : تباعدت عن الأمر أي بعدت عنه ، ولفظ التكاثر في هذه الآية ويحتمل الوجهين الأولين ، فيحتمل التكاثر بمعنى المفاعلة لأنه كم من إثنين يقول كل واحد منهما لصاحبه : { أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا } ويحتمل تكلف الكثرة فإن الحريص يتكلف جميع عمره تكثير ماله ، واعلم أن التفاخر والتكاثر شيء واحد ونظير هذه الآية قوله تعالى : { وتفاخر بينكم } . المسألة الثانية : اعلم أن التفاخر إنما يكون بإثبات الإنسان نوعا من أنواع السعادة لنفسه ، وأجناس السعادة ثلاثة : فأحدها : في النفس والثانية : في البدن والثالثة : فيما يطيف بالبدن من خارج ، أما التي في النفس فهي العلوم والأخلاق الفاضلة وهما المرادان بقوله حكاية عن إبراهيم : { رب هب لى حكما وألحقنى بالصالحين } وبهما ينال البقاء الأبدي والسعادة السرمدية .

Bölüm V32/P072–V32/P073

وأما التي في البدن فهي الصحة والجمال وهي المرتبة الثانية ، وأما التي تطيف بالبدن من خارج فقسمان : ة أحدهما : ضروري وهو المال والجاه والآخر غير ضروري وهو الأقرباء والأصدقاء / وهذا الذي عددناه في المرتبة الثالثة إنما يراد كله للبدن بدليل أنه إذا تألم عضو من أعضائه فإنه يجعل المال والجاه فداء له . وأما السعادة البدنية فالفضلاء من الناس إنما يريدونها للسعادة النفسانية فإنه ما لم يكن صحيح البدن لم يتفرغ لاكتساب السعادات النفسانية الباقية ، إذا عرفت هذا فنقول : العاقل ينبغي أن يكون سعيه في تقديم الأهم على المهم ، فالتفاخر بالمال والجاه والأعوان والأقرباء تفاخر بأخس المراتب من أسباب السعادات ، والاشتغال به يمنع الإنسان من تحصيل السعادة النفسانية بالعلم والعمل ، فيكون ذلك ترجيحا لأخس المراتب في السعادات على أشرف المراتب فيها ، وذلك يكون عكس الواجب ونقيض الحق ، فلهذا السبب ذمهم الله تعالى فقال : { ألهاكم التكاثر } ويدخل فيه التكاثر بالعدد وبالمال والجاه والأقرباء والأنصار والجيش ، وبالجملة فيدخل فيه التكاثر بكل ما يكون من الدنيا ولذاتها وشهواتها . المسألة الثالثة : قوله : { ألهاكم } يحتمل أن يكون إخبارا عنهم ، ويحتمل أن يكون استفهاما بمعنى التوبيخ والتقويع أي أألهاكم ، كما قرىء أنذرتهم وأأنذرتهم ، وإذا كنا عظاما وأئذا كنا عظاما . المسألة الرابعة : الآية دلت على أن التكاثر والتفاخر مذموم والعقل دل على إن التكاثر والتفاخر في السعادات الحقيقية غير مذموم ، ومن ذلك ما روى من تفاخر العباس بأن السقاية بيده ، وتفاخر شيبة بأن المفتاح بيده إلى أن قال علي عليه السلام : وأنا قطعت خرطوم الكفر بسيفي فصار الكفر مثلة فأسلمتم فشق ذلك عليهم فنزل قوله تعالى : { أجعلتم سقاية الحاج } الآية وذكرنا في تفسير قوله تعالى : { وأما بنعمة ربك فحدث } أنه يجوز للإنسان أن يفتخر بطاعاته ومحاسن أخلاقه إذا كان يظن أن غيره يقتدي به ، فثبت أن مطلق التكاثر ليس بمذموم ، بل التكاثر في العلم والطاعة والأخلاق الحميدة ، هو المحمود ، وهو أصل الخيرات ، فالألف واللام في التكاثر ليسا للاستغراق ، بل للمعهود السابق ، وهو التكاثر في الدنيا ولذاتها وعلائقها ، فإنه هو الذي يمنع عن طاعة الله تعالى وعبوديته ، ولما كان ذلك مقررا في العقول ومتفقا عليه في الأديان ، لا جرم حسن إدخال حرف التعريف عليه . المسألة الخامسة : في تفسير الآية وجوه أحدها : { ألهاكم التكاثر } بالعدد روى أنها نزلت في بني سهم وبني عبد مناف تفاخروا أيهم أكثر فكان بنو عبد مناف أكثر فقال : بنو سهم عدوا مجموع أحيائنا وأمواتنا مع مجموع أحيائكم وأمواتكم ، ففعلوا فزاد بنو سهم ، فنزلت الآية وهذه الرواية مطابقة لظاهر القرآن ، لأن قوله : { حتى زرتم المقابر } يدل على أنه أمر مضى . فكأنه تعالى يعجبهم من أنفسهم ، ويقول هب أنكم أكثر منهم عددا فماذا ينفع ، والزيارة إتيان الموضع ، وذلك يكون لأغراض كثيرة ، وأهمها وأولاها بالرعاية ترقيق القلب وإزالة حب الدنيا / فإن مشاهدة القبور تورث ذلك على ما قال عليه السلام : ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإن في زيارتها تذكرة ) ثم إنكم زرتم القبور ، بسبب قساوة القلب والاستغراق في حب الدنيا فلما انعكست هذه القضية ، لا جرم ذكر الله تعالى ذلك في معرض التعجيب .

Sorular