Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
المسألة الثانية : قرأ ابن عامر : ( ما ننسخ ) بضم النون وكسر السين والباقون بفتحهما ، أما قراءة ابن عامر ففيها وجهان . أحدهما : أن يكون نسخ وأنسخ بمعنى واحد . والثاني : أنسخته جعتله ذا نسخ كما قال قوم للحجاج وقد صلب رجلا . أقبروا فلانا ، أي اجعلوه ذا قبر ، قال تعالى : { ثم أماته فأقبره } ( عبس : 21 ) ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : ( ننسأها ) بفتح النون والهمزة وهو جزم بالشرط ولا يدع أبو عمرو الهمزة في مثل هذا ، لأن سكونها علامة للجزم وهو من النسء وهو التأخير . ومنه : { إنما النسىء زيادة فى الكفر } ( التوبة : 37 ) ومنه سمي بيع الأجل نسيئة ، وقال أهل اللغة : أنسأ الله أجله ونسأ في أجله ، أي أخر وزاد ، وقال عليه الصلاة والسلام : ( من سره النسء في الأجل والزيادة في الرزق فليصل رحمه ) . والباقون بضم النون وكسر السين وهو من النسيان ، ثم / الأكثرون حملوه على النسيان الذي هو ضد الذكر ، ومنهم من حمل النسيان على الترك على حد قوله تعالى : { فنسى ولم نجد له عزما } ( طه : 155 ) أي فترك وقال : { فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هاذا } ( الأعراف : 51 ) أي نتركهم كما تركوا ، والأظهر أن حمل النسيان على الترك مجاز ، لأن المنسي يكون متروكا ، فلما كان الترك من لوازم النسيان أطلقوا اسم الملزوم على اللازم وقرىء ننسها وننسها بالتشديد ، وتنسها وتنسها على خطاب الرسول ، وقرأ عبد الله : ما ننسك من آية أو ننسخها ، وقرأ حذيفة : ما ننسخ من آية أو ننسكها . المسألة الثالثة : ( ما ) في هذه الآية جزائية كقولك : ما تصنع أصنع وعملها الجزم في الشرط والجزاء إذا كانا مضارعين فقوله : ( ننسخ ) شرط وقوله : ( نأت ) جزاء وكلاهما مجزومان . المسألة الرابعة : اعلم أن التناسخ في اصطلاح العلماء عبارة عن طريق شرعي يدل على أن الحكم الذي كان ثابتا بطريق شرعي لا يوجد بعد ذلك مع تراخيه عنه على وجه لولاه لكان ثابتا ، فقولنا : طريق شرعي نعني به القدر المشترك بين القول الصادر عن الله تعالى وعن رسوله ، والفعل المنقول عنهما ، ويخرج عنه إجماع الأمة على أحد القولين ، لأن ذلك ليس بطريق شرعي على هذا التفسير ، ولا يلزم أن يكون الشرع ناسخا لحكم العقل ، لأن العقل ليس طريقا شرعيا . ولا يلزم أن يكون المعجز ناسخا للحكم الشرعي لأن المعجز ليس طريقا شرعيا ولا يلزم تقيد الحكم بغاية أو شرط أو استثناء ، لأن ذلك غير متراخ ، ولا يلزم ما إذا أمرنا الله بفعل واحد ثم نهانا عن مثله لأنه لو لم يكن مثل هذا النهي ناسخا لم يكن مثل حكم الأمر ثابتا .
المسألة الخامسة : النسخ عندنا جائز عقلا واقع سمعا خلافا لليهود ، فإن منهم من أنكره عقلا ومنهم من جوزه عقلا ، لكنه منع منه سمعا ، ويروى عن بعض المسلمين إنكار النسخ ، واحتج الجمهور من المسلمين على جواز النسخ ووقوعه ، لأن الدلائل دلت على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته لا تصح إلا مع القول بنسخ شرع من قبله ، فوجب القطع بالنسخ ، وأيضا قلنا : على اليهود إلزامان . الأول : جاء في التوراة أن الله تعالى قال لنوح عليه السلام عند خروجه من الفلك : ( إني جعلت كل دابة مأكلا لك ولذريتك وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب ما خلا الدم فلا تأكلوه } ، ثم إنه تعالى حرم على موسى وعلى بني إسرائيل كثيرا من الحيوان ، الثاني : كان آدم عليه السلام يزوج الأخت من الأخ وقد حرمه بعد ذلك على موسى عليه السلام . قال منكرو النسخ : لا نسلم أن نبوة محمد عليه الصلاة والسلام لا تصح إلا مع القول بالنسخ لأن من الجائز أن يقال : إن موسى وعيسى عليهما السلام أمر الناس بشرعهما إلى زمان ظهور شرع محمد عليه الصلاة والسلام ، ثم بعد ذلك أمر الناس باتباع محمد عليه الصلاة والسلام فعند ظهور شرع محمد عليه الصلاة والسلام زال التكليف بشرعهما وحصل التكليف بشرع محمد عليه الصلاة والسلام ، لكنه لا يكون ذلك نسخا ، بل جاريا مجرى قوله : { } ، ثم إنه تعالى حرم على موسى وعلى بني إسرائيل كثيرا من الحيوان ، الثاني : كان آدم عليه السلام يزوج الأخت من الأخ وقد حرمه بعد ذلك على موسى عليه السلام . قال منكرو النسخ : لا نسلم أن نبوة محمد عليه الصلاة والسلام لا تصح إلا مع القول بالنسخ لأن من الجائز أن يقال : إن موسى وعيسى عليهما السلام أمر الناس بشرعهما إلى زمان ظهور شرع محمد عليه الصلاة والسلام ، ثم بعد ذلك أمر الناس باتباع محمد عليه الصلاة والسلام فعند ظهور شرع محمد عليه الصلاة والسلام زال التكليف بشرعهما وحصل التكليف بشرع محمد عليه الصلاة والسلام ، لكنه لا يكون ذلك نسخا ، بل جاريا مجرى قوله : { ثم أتموا الصيام إلى اليل } ( البقرة : 187 ) والمسلمون الذين أنكروا وقوع النسخ أصلا / بنوا مذهبهم على هذا الحرف وقالوا : قد ثبت في القرآن أن موسى وعيسى عليهما السلام قد بشرا في التوراة والإنجيل بمبعث محمد عليه الصلاة والسلام / وأن عند ظهوره يجب الرجوع إلى شرعه ، وإذا كان الأمر كذلك فمع قيام هذا الاحتمال امتنع الجزم بوقوع النسخ وهذا هو الاعتراض على الإلزامين المذكورين ، واحتج منكروا النسخ بأن قالوا : إن الله تعالى لما بين شرع عيسى عليه السلام ، فاللفظ الدال على تلك الشريعة ، إما أن يقال : إنها دالة على دوامها أو لا على دوامها أو ما كان فيها دلالة على الدوام ولا على اللادوام ، فإن بين فيها ثبوتها على الدوام ، ثم تبين أنها ما دامت كان الخبر الأول كذبا وإنه غير جائز على الشرع ، وأيضا ، فلو جوزنا ذلك لم يكن لنا طريق إلى العلم بأن شرعنا لا يصير منسوخا ، لأن أقصى ما في الباب أن يقول الشرع : هذه الشريعة دائمة ولا تصير منسوخة قط ألبتة ، ولكنا إذا رأينا مثل هذا الكلام حاصلا في شرع موسى وعيسى عليهما السلام مع أنهما لم يدوما زال الوثوق عنه في كل الصور . فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : ذكر اللفظ الدال على الدوام ، ثم قرن به ما يدل على أنه سينسخه أو ما قرن به إلا أنه نص على ذلك إلا أنه لم ينقل إلينا في الجملة ؟ قلنا : هذا ضعيف لوجوه .
أحدها : أن التنصيص على اللفظ الدال على الدوام مع التنصيص على أنه لا يدوم جمع بين كلامين متناقضين ، وإنه سفه وعبث ، وثانيها : على هذا التقدير قد بين الله تعالى أن شرعهما سيصير منسوخا ، فإذا نقل شرعه وجب أن ينقل هذه الكيفية أيضا ، لأنه لو جاز أن ينقل أصل الشرع بدون هذه الكيفية لجاز مثله في شرعنا أيضا ، وحينئذ لا يكون لنا طريق إلى القطع بأن شرعنا غير منسوخ لأن ذلك من الوقائع العظيمة التي تتوفر فيها الدواعي على نقله ، وما كان كذلك وجب اشتهاره وبلوغه إلى حد التواتر ، وإلا فلعل القرآن عورض ، ولم تنقل معارضته ولعل محمدا صلى الله عليه وسلم غير هذا الشرع عن هذا الوضع ولم ينقل ، وإذا ثبت وجوب أن تنقل هذه الكيفية على سبيل التواتر فنقول : لو أن الله تعالى نص في زمان موسى وعيسى عليهما السلام على أن شرعيهما سيصيران منسوخين لكان ذلك مشهورا لأهل التواتر ، ومعلوما لهم بالضرورة ، ولو كان كذلك لاستحال منازعة الجمع العظيم فيه ، فحيث رأينا اليهود والنصارى مطبقين على إنكار ذلك علمنا أنه لم يوجد التنصيص على أن شرعيهما يصيران منسوخين .
وأما القسم الثاني : وهو أن يقال : إن الله تعالى نص على شرع موسى عليه السلام وقرن به ما يدل به على أنه منقطع غير دائم . فهذا باطل لما ثبت أنه لو كان كذلك لوجب أن يكون ذلك معلوما بالضرورة لأهل التواتر ، وأيضا فبتقدير صحته لا يكون ذلك نسخا ، بل يكون ذلك انتهاء للغاية . وأما القسم الثالث : وهو أنه تعالى نص على شرع موسى عليه السلام ولم يبين فيه كونه دائما أو كونه غير دائم فنقول : قد ثبت في أصول الفقه أن مجرد الأمر لا يفيد التكرار وإنما يفيد / المرة الواحدة ، فإذا أتى المكلف بالمرة الواحدة فقد خرج عن عهدة الأمر ، فورود أمر آخر بعد ذلك لا يكون نسخا للأمر الأول ، فثبت بهذا التقسيم أن القول بالنسخ محال . واعلم أنا بعد أن قررنا هذه الجملة في كتاب المحصول في أصول الفقه تمسكنا في وقوع النسخ بقوله تعالى : { ما ننسخ من ءاية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها } ، والاستدلال به أيضا ضعيف ، لأن ( ما ) ههنا تفيد الشرط والجزاء ، وكما أن قولك : ومن جاءك فأكرمه لا يدل على حصول المجيء ، بل على أنه متى جاء وجب الإكرام ، فكذا هذه الآية لا تدل على حصول النسخ ، بل على أنه متى حصل النسخ وجب أن يأتي بما هو خير منه ، فالأقوى أن نعول في الإثبات على قوله تعالى : { وإذا بدلنآ ءاية مكان ءاية } ( النحل : 101 ) وقوله : { يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب } ( الرعد : 39 ) والله تعالى أعلم . المسألة السادسة : اتفقوا على وقوع النسخ في القرآن ، وقال أبو مسلم بن بحر : إنه لم يقع ، واحتج الجمهور على وقوعه في القرآن بوجوه . أحدها : هذه الآية وهي قوله تعالى : { ما ننسخ من ءاية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها } ، أجاب أبو مسلم عنه بوجوه . الأول : أن المراد من الآيات المنسوخة هي الشرائع التي في الكتب القديمة من التوراة والإنجيل ، كالسبت والصلاة إلى المشرق والمغرب مما وضعه الله تعالى عنا وتعبدنا بغيره ، فإن اليهود والنصارى كانوا يقولون : لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ، فأبطل الله عليهم ذلك بهذه الآية ، الوجه الثاني : المراد من النسخ نقله من اللوح المحفوظ وتحويله عنه إلى سائر الكتب وهو كما يقال نسخت الكتاب . الوجه الثالث : أنا بينا أن هذه الآية لا تدل على وقوع النسخ ، بل على أنه لو وقع النسخ لوقع إلى خير منه ، ومن الناس من أجاب عن الاعتراض الأول بأن الآيات إذا أطلقت فالمراد بها آيات القرآن لأنه هو المعهود عندنا ، وعن الثاني : بأن نقل القرآن من اللوح المحفوظ لا يختص ببعض القرآن وهذا النسخ مختص ببعضه ، ولقائل أن يقول على الأول : لا نسلم أن لفظ الآية مختص بالقرآن ، بل هو عام في جميع الدلائل ، وعلى الثاني : لا نسلم أن النسخ المذكور في الآية مختص ببعض القرآن ، بل التقدير والله أعلم ما ننسخ من اللوح المحفوظ فإنا نأتي بعده بما هو خير منه .
الحجة الثانية للقائلين بوقوع النسخ في القرآن : أن الله تعالى أمر المتوفى عنها زوجها بالاعتداد حولا كاملا وذلك في قوله : { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لازواجهم متاعا إلى الحول } ( البقرة : 240 ) ثم نسخ ذلك بأربعة أشهر وعشر كما قال : { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } ( البقرة : 234 ) قال أبو مسلم : الاعتداد بالحول ما زال بالكلية لأنها لو كانت حاملا ومدة حملها حول كامل لكانت عدتها حولا كاملا ، وإذا بقي هذا الحكم في بعض الصور كان ذلك تخصيصا لا ناسخا ، والجواب : أن مدة عدة الحمل تنقضي بوضع الحمل سواء حصل وضع الحمل بسنة أو أقل أو أكثر فجعل السنة العدة يكون زائلا بالكلية . الحجة الثالثة : أمر الله بتقديم الصدقة بين يدي نجوى الرسول بقوله تعالى : { خبير يأيها الذين ءامنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدى نجواكم صدقة } ( المجادلة : 12 ) ثم نسخ ذلك ، قال أبو مسلم : إنما زال ذلك لزوال سببه لأن سبب التعبد بها أن يمتاز المنافقون من حيث لا يتصدقون عن المؤمنين ، فلما حصل هذا الغرض سقط التعبد . والجواب : لو كان كذلك لكان من لم يتصدق منافقا وهو باطل لأنه روي أنه لم يتصدق غير علي رضي الله عنه ويدل عليه قوله تعالى : { فإذا لم تفعلوا وتاب الله عليكم } ( المجادلة : 13 ) . الحجة الرابعة : أنه تعالى أمر بثبات الواحد للعشرة بقوله تعالى : { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين } ثم نسخ ذلك بقوله تعالى : { الئان خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين } ( الأنفال : 65 / 66 ) . الحجة الخامسة : قوله تعالى : { سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها } ( البقرة : 142 ) ثم إنه تعالى أزالهم عنها بقوله : { فول وجهك شطر المسجد الحرام } ( البقرة : 144 ) . قال أبو مسلم : حكم تلك القبلة ما زال بالكلية لجواز التوجه إليها عند الإشكال أو مع العلم إذا كان هناك عذر . الجواب : أن على ما ذكرته لا فرق بين بيت المقدس وسائر الجهات ، فالخصوصية التي بها امتاز بيت المقدس عن سائر الجهات قد زالت بالكلية فكان نسخا . الحجة السادسة : قوله تعالى : { وإذا بدلنآ ءاية مكان ءاية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر } ( النحل : 101 ) والتبديل يشتمل على رفع وإثبات ، والمرفوع إما التلاوة وإما الحكم ، فكيف كان فهو رفع ونسخ ، وإنما أطنبنا في هذه الدلائل لأن كل واحد منها يدل على وقوع النسخ في الجملة واحتج أبو مسلم بأن الله تعالى وصف كتابه بأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فلو نسخ لكان قد أتاه الباطل . والجواب : أن المراد أن هذا الكتاب لم يتقدمه من كتب الله ما يبطله ولا يأتيه من بعده أيضا ما يبطله .
المسألة السابعة : المنسوخ إما أن يكون هو الحكم فقط أو التلاوة فقط أو هما معا ، أما الذي يكون المنسوخ هو الحكم دون التلاوة فكهذه الآيات التي عددناها ، وأما الذي يكون المنسوخ هو التلاوة فقط فكما يروى عن عمر أنه قال : كنا نقرأ آية الرجم : ( الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالا من الله والله عزيز حكيم ) وروي : ( لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى إليهما ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب ) ، وأما الذي يكون منسوخ الحكم والتلاوة معا ، فهو ما روت عائشة رضي الله عنها أن القرآن قد نزل في الرضاع بعشر معلومات ثم نسخن بخمس معلومات ، فالعشر مرفوع التلاوة والحكم جميعا والخمس مرفوع التلاوة باقي الحكم . ويروى أيضا أن سورة الأحزاب كانت بمنزلة السبع الطوال أو أزيد ثم وقع النقصان فيه . المسألة الثامنة : اختلف المفسرون في قوله تعالى : { ما ننسخ من ءاية أو ننسها } فمنهم من / فسر النسخ بالإزالة ومنهم من فسره بالنسخ بمعنى نسخت الكتاب وهو قول عطاء وسعيد بن المسيب ، ومن قال بالقول الأول ذكروا فيه وجوها ، أحدها : ما ننسخ من آية وأنتم تقرءونه أو ننسها أي من القرآن ما قرىء بينكم ثم نسيتم وهو قول الحسن والأصم وأكثر المتكلمين فحملوه على نسخ الحكم دون التلاوة ، وننسها على نسخ الحكم والتلاوة معا ، فإن قيل : وقوع هذا النسيان ممنوع عقلا وشرعا . أما العقل فلأن القرآن لا بد من إيصاله إلى أهل التواتر ، والنسيان على أهل التواتر بأجمعهم ممتنع . وأما النقل فلقوله تعالى : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } ( الحجر : 9 ) والجواب عن الأول من وجهين . الأول : أن النسيان يصح بأن يأمر الله تعالى بطرحه من القرآن وإخراجه من جملة ما يتلى ويؤتى به في الصلاة أو يحتج به ، فإذا زال حكم التعبد به وطال العهد نسي أو إن ذكر فعلى طريق ما يذكر خبر الواحد فيصير لهذا الوجه منسيا عن الصدور ، الجواب الثاني : أن ذلك يكون معجزة للرسول عليه الصلاة والسلام ، ويروى فيه خبر : أنهم كانوا يقرأون السورة فيصبحون وقد نسوها ، والجواب عن الثاني : أنه معارض بقوله تعالى : { سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله } ( الأعلى : 6 ) وبقوله : { واذكر ربك إذا نسيت } ( الكهف : 24 ) . القول الثاني : ما ننسخ من آية أي نبدلها ، إما بأن نبدل حكمها فقط أو تلاوتها فقط أو نبدلهما ، أما قوله تعالى : { أو ننسها } فالمراد نتركها كما كانت فلا نبدلها ، وقد بينا أن النسيان بمعنى الترك قد جاء ، فيصير حاصل الآية أن الذي نبدله فإنا نأتي بخير منه أو مثله . القول الثالث : ما ننسخ من آية ، أي ما نرفعها بعد إنزالها أو ننسأها على قراءة الهمزة أي نؤخر إنزالها من اللوح المحفوظ / أو يكون المراد نؤخر نسخها فلا ننسخها في الحال ، فإنا ننزل بدلها ما يقوم مقامها في المصلحة . القول الرابع : ما ننسخ من آية ، وهي الآية التي صارت منسوخة في الحكم والتلاوة معا ، أو ننسها ، أي نتركها وهي الآية التي صارت منسوخة في الحكم ولكنها غير منسوخة في التلاوة ، بل هي باقية في التلاوة ، فأما من قال بالقول الثاني : ما ننسخ من آية ، أي ننسخها من اللوح المحفوظ أو ننسأها ، نؤخرها . وأما قراءة ( ننسها ) فالمعنى نتركها يعني نترك نسخها فلا ننسخها . وأما قوله : { من ءاية } فكل المفسرين حملوه على الآية من القرآن غير أبي مسلم فإنه حمل ذلك على التوراة والإنجيل وقد تقدم القول فيه .
أما قوله تعالى : { نأت بخير منها أو مثلها } ففيه قولان . أحدهما : أنه الأخف ، والثاني : أنه الأصلح ، وهذا أولى لأنه تعالى يصرف المكلف على مصالحه لا على ما هو أخف على طباعه . فإن قيل : لو كان الثاني أصلح من الأول لكان الأول ناقص الصلاح فكيف أمر الله به ؟ قلنا : الأول أصلح من الثاني بالنسبة إلى الوقت الأول ، والثاني بالعكس منه فزال السؤال . واعلم أن الناس استنبطوا من هذه الآية أكثر مسائل النسخ . / المسألة الأولى : قال قوم : لا يجوز نسخ الحكم إلا إلى بدل ، واحتجوا بأن هذه الآية تدل على أنه تعالى إذا نسخ لا بد وأن يأتي بعده بما هو خير منه أو بما يكون مثله ، وذلك صريح في وجوب البدل . والجواب : لم لا يجوز أن يقال : المراد أن نفي ذلك الحكم وإسقاط التبعد به خير من ثبوته في ذلك الوقت ، ثم الذي يدل على وقوع النسخ لا إلى بدل أنه نسخ تقديم الصدقة بين يدي مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم لا إلى البدل . المسألة الثانية : قال قوم : لا يجوز نسخ الشيء إلى ما هو أثقل منه واحتجوا بأن قوله : { نأت بخير منها أو مثلها } ينافي كونه أثقل ، لأن الأثقل لا يكون خيرا منه ولا مثله . والجواب : لم لا يجوز أن يكون المراد بالخير ما يكون أكثر ثوابا في الآخرة ، ثم إن الذي يدل على وقوعه أن الله سبحانه نسخ في حق الزناة الحبس في البيوت إلى الجلد والرجم ، ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان ، وكانت الصلاة ركعتين عند قوم فنسخت بأربع في الحضر . إذا عرفت هذا فنقول : أما نسخ الشيء إلى الأثقل فقد وقع في الصور المذكورة ، وأما نسخه إلى الأخف فكنسخ العدة من حول إلى أربعة أشهر وعشر ، وكنسخ صلاة الليل إلى التخيير فيها . وأما نسخ الشيء إلى المثل فكالتحويل من بيت المقدس إلى الكعبة . المسألة الثالثة : قال الشافعي رضي الله عنه : الكتاب لا ينسخ بالسنة المتواترة واستدل عليه بهذه الآية من وجوه . أحدها : أنه تعالى أخبر أن ما ينسخه من الآيات يأت بخير منها وذلك يفيد أنه يأتي بما هو من جنسه ، كما إذا قال الإنسان : ما آخذ منك من ثواب آتيك بخير منه ، يفيد أنه يأتيه بثوب من جنسه خير منه ، وإذا ثبت أنه لا بد وأن يكون من جنسه فجنس القرآن قرآن ، وثانيها : أن قوله تعالى : { نأتى بخير منها } يفيد أنه هو المنفرد بالإتيان بذلك الخير ، وذلك هو القرآن الذي هو كلام الله دون السنة التي يأتي بها الرسول عليه السلام ، وثالثها : أن قوله : { نأت بخير منها } يفيد أن المأتي به خير من الآية ، والسنة لا تكون خيرا من القرآن ، ورابعها : أنه قال : { ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير } دل على أن الآتي بذلك الخير هو المختص بالقدرة على جميع الخيرات وذلك هو الله تعالى . والجواب عن الوجوه الأربعة بأسرها : أن قوله تعالى : { نأت بخير منها } ليس فيه أن ذلك الخير يجب أن يكون ناسخا ، بل لا يمتنع أن يكون ذلك الخير شيئا مغايرا للناسخ يحصل بعد حصول النسخ / والذي يدل على تحقيق هذا الاحتمال أن هذه الآية صريحة في أن الإتيان بذلك الخير مرتب على نسخ الآية الأولى ، فلو كان نسخ تلك الآية مرتبا على الإتيان بهذا الخير لزم الدور وهو باطل ، ثم احتج الجمهور على وقوع نسخ الكتاب بالسنة لأن آية الوصية للأقربين منسوخة بقوله عليه الصلاة والسلام : ( ألا لا وصية لوارث ) وبأن آية الجلد صارت منسوخة بخبر الرجم . قال الشافعي رضي الله عنه : أما الأول : فضعيف لأن كون الميراث حقا للوارث يمنع من صرفه إلى الوصية ، فثبت أن آية الميراث مانعة من الوصية ، وأما الثاني : / فضعيف أيضا لأن عمر رضي الله عنه روى أن قوله : ( الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة ) كان قرآنا فلعل النسخ إنما وقع به ، وتمام الكلام فيه مذكور في أصول الفقه والله أعلم .
أما قوله تعالى : { ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير } فتنبيه للنبي صلى الله عليه وسلم وغيره على قدرته تعالى على تصريف المكلف تحت مشيئته وحكمه وحكمته ، وأنه لا دافع لما أراد ولا مانع لما اختار . المسألة التاسعة : استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن القرآن مخلوق من وجوه ، أحدها : أن كلام الله تعالى لو كان قديما لكان الناسخ والمنسوخ قديمين ، لكن ذلك محال ، لأن الناسخ يجب أن يكون متأخرا عن المنسوخ ، والمتأخر عن الشيء يستحيل أن يكون قديما ، وأما المنسوخ فلأنه يجب أن يزول ويرتفع ، وما ثبت زواله استحال قدمه بالإتفاق ، وثانيها : أن الآية دلت على أن بعض القرآن خير من بعض ، وما كان كذلك لا يكون قديما ، وثالثها : أن قوله : { ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير } يدل على أن المراد أنه تعالى هو القادر على نسخ بعضها والإتيان بشيء آخر بدلا من الأول ، وما كان داخلا تحت القدرة وكان فعلا كان محدثا ، أجاب الأصحاب عنه : بأن كونه ناسخا ومنسوخا إنما هو من عوارض الألفاظ والعبارات واللغات ولا نزاع في حدوثها ، فلم قلتم إن المعنى الحقيقي الذي هو مدلول العبارات والاصطلاحات محدث ؟ قالت المعتزلة : ذلك المعنى الذي هو مدلول العبارات واللغات لا شك أن تعلقه الأول قد زال وحدث له تعلق آخر ، فالتعلق الأول محدث لأنه زال والقديم لا يزول ، والتعلق الثاني حادث لأنه حصل بعدما لم يكن ، والكلام الحقيقي لا ينفك عن هذه التعلقات ، وما لا ينفك عن هذه التعلقات ( محدث ) وما لا ينفك عن المحدث محدث والكلام الذي تعلقت به يلزم أن يكون محدثا . أجاب الأصحاب : أن قدرة الله كانت في الأزل متعلقة بإيجاد العالم ، فعند دخول العالم في الوجود هل بقي ذلك التعلق أو لم يبق ؟ فإن بقي يلزم أن يكون القادر قادرا على إيجاد الموجود وهو محال ، وإن لم يبق فقد زال ذلك التعلق فيلزمكم حدوث قدرة الله على الوجه الذي ذكرتموه ، وكذلك علم الله كان متعلقا بأن العالم سيوجد ، فعند دخول العالم في الوجود إن بقي التعلق الأول كان جهلا ، وإن لم يبق فيلزمكم كون التعلق الأول حادثا ، لأنه لو كان قديما لما زال ، وبكون التعلق الذي حصل بعد ذلك حادثا فإذن عالمية الله تعالى لا تنفك عن التعلقات الحادثة ، وما لا ينفك عن المحدث محدث فعالمية الله محدثة . فكل ما تجعلونه جوابا عن العالمية والقادرية فهو جوابنا عن الكلام . المسألة العاشرة : احتجوا بقوله تعالى : { إن الله على كل شىء قدير } على أن المعدوم شيء وقد تقدم وجه تقريره فلا نعيده ، والقدير فعيل بمعنى الفاعل وهو بناء المبالغة . ! 7 < { ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير } . > 7 ! < < البقرة : ( 107 ) ألم تعلم أن . . . . .
> > اعلم أنه سبحانه وتعالى لما حكم بجواز النسخ عقبه ببيان أن ملك السموات والأرض له لا لغيره ، وهذا هو التنبيه على أنه سبحانه وتعالى إنما حسن منه الأمر والنهي لكونه مالكا للخلق وهذا هو مذهب أصحابنا وإنه إنما حسن التكليف منه لمحض كونه مالكا للخلق مستوليا عليهم لا لثواب يحصل ، أو لعقاب يندفع . قال القفال : ويحتمل أن يكون هذا إشارة إلى أمر القبلة ، فإنه تعالى أخبرهم بأنه مالك السموات والأرض وأن الأمكنة والجهات كلها له وأنه ليس بعض الجهات أكبر حرمة من البعض إلا من حيث يجعلها هو تعالى له ، وإذا كان كذلك وكان الأمر باستقبال القبلة إنما هو محض التخصيص بالتشريف ، فلا مانع يمنع من تغيره من جهة إلى جهة ، وأما الولي والنصير فكلاهما فعيل بمعنى فاعل على وجه المبالغة ، ومن الناس من استدل بهذه الآية على أن الملك غير القدرة ، فقال : إنه تعالى قال أولا : { ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير } ثم قال بعده : { ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والارض } فلو كان الملك عبارة عن القدرة لكان هذا تكريرا من غير فائدة ، والكلام في حقيقة الملك والقدرة قد تقدم في قوله : { مالك يوم الدين } ( الفاتحة : 4 ) . ! 7 < { أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سوآء السبيل } > 7 ! < < البقرة : ( 108 ) أم تريدون أن . . . . . > > المسألة الأولى : ( أم ) على ضربين متصلة ومنقطعة ، فالمتصلة عديلة الألف وهي مفرقة لما جمعته أي ، كما أن ( أو ) مفرقة لما جمعته تقول : اضرب أيهم شئت زيدا أم عمرا ، فإذا قلت : اضرب أحدهم قلت : اضرب زيدا أو عمرا ، والمنقطعة لا تكون إلا بعد كلام تام ، لأنها بمعنى بل والألف ، كقول العرب : إنها الإبل أم شاء ، كأنه قال : بل هي شاء ، ومنه قوله تعالى : { أم يقولون افتراه } ( الأحقاف : 8 ) أي : بل يقولون ، قال الأخطل : كذبتك عينك أم رأيت بواسط غلس الظلام من الرباب خيالا
/ المسألة الثانية : اختلفوا في المخاطب به على وجوه . أحدها : أنهم المسلمون وهو قول الأصم والجبائي وأبي مسلم ، واستدلوا عليه بوجوه . الأول : أنه قال في آخر الآية : { ومن يتبدل الكفر بالإيمان } وهذا الكلام لا يصح إلا في حق المؤمنين . الثاني : أن قوله : { أم تريدون } يقتضي معطوفا عليه وهو قوله : { لا تقولوا راعنا } ( البقرة : 104 ) فكأنه قال : وقولوا انظرنا واسمعوا فهل تفعلون ذلك كما أمرتم أم تريدون أن تسألوا رسولكم ؟ الثالث : أن المسلمين كانوا يسألون محمدا صلى الله عليه وسلم عن أمور لا خير لهم في البحث عنها ليعلموها كما سأل اليهود موسى عليه السلام ما لم يكن لهم فيه خير عن البحث عنه ، الرابع : سأل قوم من المسلمين أن يجعل لهم ذات أنواط كما كان للمشركين ذات أنواط ، وهي شجرة كانوا يعبدونها ويعلقون عليها المأكول والمشروب ، كما سألوا موسى أن يجعل لهم إلها كما لهم آلهة . القول الثاني : أنه خطاب لأهل مكة وهو قول ابن عباس ومجاهد . قال : إن عبد الله بن أمية المخزومي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من قريش فقال : يا محمد والله ما أؤمن بك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب ، أو يكون لك بيت من زخرف ، أو ترقى في السماء بأن تصعد ، ولن نؤمن لرقيك بعد ذلك حتى تنزل علينا كتابا من الله إلى عبد الله بن أمية أن محمدا رسول الله فاتبعوه . وقال له بقية الرهط : فإن لم تستطع ذلك فائتنا بكتاب من عند الله جملة واحدة فيه الحلال والحرام والحدود والفرائض كما جاء موسى إلى قومه بالألواح من عند الله فيها كل ذلك ، فنؤمن بك عند ذلك . فأنزل الله تعالى : أم تريدون أن تسألوا رسولكم محمدا أن يأتيكم الآيات من عند الله كما سأل السبعون فقالوا : أرنا الله جهرة . وعن مجاهد أن قريشا سألت محمدا عليه السلام أن يجعل لهم الصفا ذهبا وفضة ، فقال : نعم هو لكم كالمائدة لبني إسرائيل فأبوا ورجعوا . القول الثالث : المراد اليهود ، وهذا القول أصح لأن هذه السورة من أول قوله : { خالدون يابنى إسراءيل اذكروا نعمتي } ( البقرة : 40 ، 47 ) حكاية عنهم ومحاجة معهم ولأن الآية مدنية ولأنه جرى ذكر اليهود وما جرى ذكر غيرهم ، ولأن المؤمن بالرسول لا يكاد يسأله فإذا سأله كا متبدلا كفرا بالإيمان . المسألة الثالثة : ليس في ظاهر قوله : { أم تريدون أن تسئلوا رسولكم كما سئل موسى من قبل } أنهم أتوا بالسؤال فضلا عن كيفية السؤال ، بل المرجع فيه إلى الروايات التي ذكرناها في أنهم سألوا والله أعلم . المسألة الرابعة : اعلم أن السؤال الذي ذكروه إن كان ذلك طلبا للمعجزات فمن أين أنه كفر ؟ ومعلوم أن طلب الدليل على الشيء لا يكون كفرا ، وإن كان ذلك طلبا لوجه الحكمة المفصلة في نسخ الأحكام ، فهذا أيضا لا يكون كفرا ؛ فإن الملائكة طلبوا الحكمة التفصيلية في خلقة البشر ولم يكن ذلك كفرا ، فلعل الأولى حمل الآية على أنهم طلبوا منه أن يجعل لهم إلها كما لهم آلهة ، وإن كانوا طلبوا المعجزات فإنهم يطلبونها على سبيل التعنت واللجاج فلهذا كفروا بسبب هذا السؤال .
/ المسألة الخامسة : ذكروا في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوها ، أحدها : أنه تعالى لما حكم بجواز النسخ في الشرائع فلعلهم كانوا يطالبونه بتفاصيل ذلك الحكم فمنعهم الله تعالى عنها وبين أنهم ليس لهم أن يشتغلوا بهذه الأسئلة كما أنه ما كان لقوم موسى أن يذكروا أسئلتهم الفاسدة . وثانيها : لما تقدم من الأوامر والنواهي قال لهم : إن لم تقبلوا ما أمرتكم به وتمردتم عن الطاعة كنتم كمن سأل موسى ما ليس له أن يسأله ، عن أبي مسلم ، وثالثها : لما أمر ونهى قال : أتفعلون ما أمرتم أم تفعلون كما فعل من قبلكم من قوم موسى ؟ المسألة السادسة : { سواء السبيل } وسطه قال تعالى : { فاطلع فرءاه فى سواء الجحيم } أي وسط الجحيم ، والغرض التشبيه دون نفس الحقيقة ، ووجه التشبيه في ذلك أن من سلك طريقة الإيمان فهو جار على الاستقامة المؤدية إلى الفوز والظفر بالطلبة من الثواب والنعيم ، فالمبدل لذلك بالكفر عادل عن الاستقامة فقيل فيه إنه ضل سواء السبيل . ! 7 < { ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتى الله بأمره إن الله على كل شىء قدير } > 7 ! < < البقرة : ( 109 ) ود كثير من . . . . . > > اعلم أن هذا هو النوع الثالث من كيد اليهود مع المسلمين ، وذلك لأنه روي أن فنحاص ابن عازوراء ، وزيد بن قيس ونفرا من اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر بعد وقعة أحد : ألم تروا ما أصابكم ، ولو كنتم على الحق ما هزمتم ، فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم وأفضل ونحن أهدى منكم سبيلا ، فقال عمار : كيف نقض العهد فيكم ؟ قالوا : شديد ، قال : فإني قد عاهدت أني لا أكفر بمحمد ما عشت ، فقالت اليهود : أما هذا فقد صبأ ، وقال حذيفة : وأما أنا فقد رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبالقرآن إماما وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخوانا ، ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبراه فقال : أصبتما خيرا وأفلحتما ، فنزلت هذه الآية ، واعلم أنا نتكلم أولا في الحسد ثم نرجع إلى التفسير .
المسألة الأولى : في ذم الحسد ويدل عليه أخبار كثيرة ، الأول : قوله عليه السلام : ( الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ) . الثاني : قال أنس : ( كنا يوما جالسين عند النبي / صلى الله عليه وسلم فقال : يطلع عليكم الآن من هذا الفج رجل من أهل الجنة ، فطلع رجل من الأنصار ينظف لحيته من وضوئه وقد علق نعليه في شماله فسلم ، فلما كان الغد قال عليه السلام مثل ذلك فطلع ذلك الرجل ، وقال في اليوم الثالث مثل ذلك فطلع ذلك الرجل ، فلما قام النبي عليه السلام تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص فقال : إني تأذيت من أبي فأقسمت لا أدخل عليه ثلاثا ، فإن رأيت أن تذهب بي إلى دارك فعلت ، قال : نعم ، فبات عنده ثلاث ليال فلم يره يقوم من الليل شيئا غير أنه إذا انقلب على فراشه ذكر الله ولا يقوم حتى يقوم لصلاة الفجر ، غير أني لم أسمعه يقول : إلا خيرا ، فلما مرت الثلاث وكدت أن أحتقر عمله ، قلت : يا عبد الله لم يكن بيني وبين والدي غضب ولا هجر ، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كذا وكذا ، فأردت أن أعرف عملك ، فلم أرك تعمل عملا كثيرا ، فما الذي بلغ بك ذاك ؟ قال : ما هو إلا ما رأيت . فلما وليت دعاني فقال : ما هو إلا ما رأيت غير أني لم أجد على أحد من المسلمين في نفسي عيبا ولا حسدا على خير أعطاه الله إياه ، فقال عبد الله : هي التي بلغت بك وهي التي لا تطاق ) . الثالث : قال عليه السلام : ( دب إليكم داء الأمم قبلكم ، الحسد والبغضاء والبغضة هي الحالقة ، لا أقول حالقة الشعر ولكن حالقة الدين ) . الرابع : قال : ( إنه سيصيب أمتي داء الأمم ، قالوا : ما داء الأمم ؟ قال : الأشر والبطر والتكاثر والتنافس في الدنيا والتباعد والتحاسد حتى يكون البغي ثم الهرج ) . الخامس : أن موسى عليه السلام لما ذهب إلى ربه رأى في ظل العرش رجلا يغبط بمكانه وقال : إن هذا لكريم على ربه فسأل ربه أن يخبره باسمه فلم يخبره باسمه وقال : أحدثك من عمله ثلاثا : كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله ، وكان لا يعق والديه ولا يمشي بالنميمة . السادس : قال عليه السلام : ( إن لنعم الله أعداء ، قيل : وما أولئك ؟ قال : الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ) . السابع : قال عليه السلام : ( ستة يدخلون النار قبل الحساب ، الأمراء بالجور ، والعرب بالعصبية والدهاقين بالتكبر ، والتجار بالخيانة ، وأهل الرستاق بالجهالة ، والعلماء بالحسد ) .
أما الآثار ، فالأول : حكي أن عوف بن عبد الله دخل على الفضل بن المهلب وكان يومئذ على واسط / فقال : إني أريد أن أعظك بشيء ، إياك والكبر فإنه أول ذنب عصى الله به إبليس ، ثم قرأ : { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر } ( البقرة : 34 ) وإياك والحرص فإنه أخرج آدم من الجنة . أسكنه الله في جنة عرضها السموات والأرض فأكل منها ، فأخرجه الله ، ثم قرأ : { اهبطا منها } ( طه : 123 ) وإياك والحسد فإنه قتل ابن آدم أخاه حين حسده ، ثم قرأ : { واتل عليهم نبأ ابنى ءادم بالحق } ( المائدة : 27 ) . الثاني : قال ابن الزبير : ما حسدت أحدا على شيء من أمر الدنيا لأنه إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على الدنيا وهي حقيرة في الجنة ، وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على أمر الدنيا وهو يصير إلى النار . الثالث : قال رجل للحسن : هل يحسد المؤمن ؟ قال : ما أنساك بني يعقوب إلا أنه لا يضرك ما لم تعد به يدا ولسانا . الرابع : قال معاوية : كل الناس أقدر على / رضاه إلا الحاسد فإنه لا يرضيه إلا زوال النعمة . الخامس : قيل : الحاسد لا ينال من المجالس إلا مذمة وذلا ، ولا ينال من الملائكة إلا لعنة وبغضا ، ولا ينال من الخلق إلا جزعا وغما ، ولا ينال عند الفزع إلا شدة وهولا ، وعند الموقف إلا فضيحة ونكالا .
المسألة الثانية : في حقيقة الحسد : إذا أنعم الله على أخيك فإن أردت زوالها فهذا هو الحسد ، وإن اشتهيت لنفسك مثلها فهذا هو الغبطة والمنافسة ، أما الأول : فحرام بكل حال ، إلا نعمة أصابها فاجر أو كافر يستعين بها على الشر والفساد فلا يضرك محبتك لزوالها فإنك ما تحب زوالها من حيث إنها نعمة ، بل من حيث إنها يتوسل بها إلى الفساد والشر والأذى . والذي يدل على أن الحسد ما ذكرنا آيات . أحدها : هذه الآية وهي قوله تعالى : { لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم } فأخبر أن حبهم زوال نعمة الإيمان حسد . وثانيها : قوله تعالى : { ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء } ( النساء : 89 ) . وثالثها : قوله تعالى : { إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها } ( آل عمران : 120 ) وهذا الفرح شماتة ، والحسد والشماتة متلازمان . ورابعها : ذكر الله تعالى حسد إخوة يوسف وعبر عما في قلوبهم بقوله : { قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفى ضلال مبين اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم } ( يوسف : 8 ، 9 ) فبين تعالى أن حسدهم له عبارة عن كراهتهم حصول تلك النعمة له . وخامسها : قوله تعالى : { ولا يجدون فى صدورهم حاجة مما أوتوا } ( الحشر : 9 ) أي لا تضيق به صدورهم ولا يغتمون ، فأثنى الله عليهم بعدم الحسد . وسادسها : قال تعالى في معرض الإنكار : { ما ءاتاهم الله من فضله فقد ءاتينا ءال إبراهيم } ( النساء : 54 ) . وسابعها : قال الله تعالى : { كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين } ( البقرة : 213 ) إلى قوله : { إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم } ( الشورى : 14 ) قيل في التفسير : حسدا . وثامنها : قوله تعالى : { وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم } فأنزل الله العلم ليؤلف بينهم على طاعته فتحاسدوا واختلفوا ، إذ أراد كل واحد أن ينفرد بالرياسة وقبول القول . وتاسعها : قال ابن عباس : كانت اليهود قبل مبعث النبي عليه السلام إذا قاتلوا قوما قالوا : نسألك بالنبي الذي وعدتنا أن ترسله وبالكتاب الذي تنزله إلا تنصرنا / فكانوا ينصرون ، فلما جاء النبي عليه السلام من ولد إسماعيل عرفوه وكفروا به بعد معرفتهم إياه فقال تعالى : { وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا } ( البقرة : 19 ) إلى قوله : { أن يكفروا بما أنزل الله بغيا } ( البقرة : 90 ) أي حسدا . وقالت صفية بنت حيي للنبي عليه السلام : جاء أبي وعمي من عندك فقال أبي لعمي ما تقول فيه ؟ قال : أقول : إنه النبي الذي بشر به موسى عليه السلام ، قال : فما ترى ؟ قال : أرى معاداته أيام الحياة ، فهذا حكم الحسد . أما المنافسة فليست بحرام وهي مشتقة من النفاسة ، والذي يدل على أنها ليست بحرام وجوه . أولها : قوله تعالى : { وفى ذلك فليتنافس المتنافسون } ( المطففين : 26 ) . وثانيها : قوله تعالى : { سابقوا إلى مغفرة من ربكم } وإنما المسابقة عند خوف الفوت وهو كالعبدين يتسابقان إلى خدمة / مولاهما إذ يجزع كل واحد أن يسبقه صاحبه فيحظى عند مولاه بمنزلة لا يحظى هو بها . وثالثها : قوله عليه السلام : ( لا حسد إلا في اثنتين ، رجل آتاه الله مالا فأنفقه في سبيل الله ، ورجل آتاه الله علما فهو يعمل به ويعلمه الناس ) .
وهذا الحديث يدل على أن لفظ الحسد قد يطلق على المنافسة ، ثم نقول : المنافسة قد تكون واجبة ومندوبة ومباحة ، أما الواجبة فكما إذا كانت تلك النعمة نعمة دينية واجبة كالإيمان والصلاة والزكاة ، فههنا يجب عليه أن يكون له مثل ذلك ، لأنه إن لم يحب ذلك كان راضيا بالمعصية وذلك حرام ، وأما إن كانت تلك النعمة من الفضائل المندوبة كالإنفاق في سبيل الله والتشمير لتعليم الناس كانت المنافسة فيها مندوبة ، وأما إن كانت تلك النعمة من المباحات كانت المنافسة فيها من المباحات ، وبالجملة فالمذموم أن يحب زوالها عن الغير ، فأما أن يحب حصولها له وزوال النقصان عنه فهذا غير مذموم ، لكن ههنا دقيقة وهي أن زوال النقصان عنه بالنسبة إلى الغير له طريقان . أحدهما : أن يحصل له مثل ما حصل للغير . والثاني : أن يزول عن الغير ما لم يحصل له فإذا حصل اليأس عن أحد الطريقين فيكاد القلب لا ينفك عن شهوة الطريق الآخر ، فههنا إن وجد قلبه بحيث لو قدر على إزالة تلك الفضيلة عن تلك الشخص لأزالها ، فهو صاحب الحسد المذموم وإن كان يجد قلبه بحيث تردعه التقوى عن إزالة تلك النعمة عن الغير فالمرجو من الله تعالى أن يعفو عن ذلك ، ولعل هذا هو المراد من قوله عليه السلام : ( ثلاث لا ينفك المؤمن منهن ، الحسد والظن والطيرة ، ثم قال : وله منهم مخرج إذا حسدت فلا تبغ ) ، أي إن وجدت في قلبك شيئا فلا تعمل به ، فهذا هو الكلام في حقيقة الحسد وكله من كلام الشيخ الغزالي رحمة الله عليه .
المسألة الثالثة : في مراتب الحسد ، قال الغزالي رحمه الله هي أربعة . الأولى : أن يحب زوال تلك النعمة وإن كان ذلك لا يحصل له وهذا غاية الحسد . والثانية : أن يحب زوال تلك النعمة عنه إلا وذلك مثل رغبته في دار حسنة أو امرأة جملة أو ولاية نافذة نالها غيره وهو يحب أن تكون له ، فالمطلوب بالذات حصوله له ، فأما زواله عن غيره فمطلوب بالعرض . الثالثة : أن لا يشتهي عنها بل يشتهي لنفسه مثلها ، فإن عجز عن مثلها أحب زوالها لكي لا يظهر التفاوت بينهما . الرابعة : أن يشتهي لنفسه مثلها ، فإن لم يحصل فلا يحب زوالها ، وهذا الأخير هو المعفو عنه إن كان في الدنيا والمندوب إليه إن كان في الدين ، والثالثة : منها مذمومة وغير مذمومة ، والثانية : أخف من الثالثة ، والأول : مذموم محض قال تعالى : { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض } ( النساء : 32 ) فتمنيه لمثل ذلك غير مذموم وأما تمنيه عين ذلك فهو مذموم . المسألة الرابعة : ذكر الشيخ الغزالي رحمة الله عليه للحسد سبعة أسباب : السبب الأول : العداوة والبغضاء ، فإن من آذاه إنسان أبغضه قلبه وغضب عليه ، وذلك / الغضب يولد الحقد والحقد يقتضي التشفي والانتقام ، فإن عجز المبغض عن التشفي بنفسه أحب أن يتشفى منه الزمان ، فمهما أصاب عدوه آفة وبلاء فرح ، ومهما أصابته نعمة ساءته ، وذلك لأنه ضد مراده ، فالحسد من لوازم البغض والعداوة ولا يفارقهما ، وأقصى الإمكان في هذا الباب أن لا يظهر تلك العداوة من نفسه وأن يكره تلك الحالة من نفسه ، فأما أن يبغض إنسانا ثم تستوي عنده مسرته ومساءته فهذا غير ممكن ، وهذا النوع من الحسد هو الذي وصف الله الكفار به ، إذ قال : { هاأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا ءامنا وإذا خلوا عضوا عليكم الانامل من الغيظ } ( آل عمران : 119 ، 120 ) وكذا قال : { ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم } ( آل عمران : 118 ) . واعلم أن الحسد ربما أفضى إلى التنازع والتقاتل . السبب الثاني : التعزز ، فإن واحدا من أمثاله إذا نال منصبا عاليا ترفع عليه وهو لا يمكنه تحمل ذلك ، فيريد زوال ذلك المنصب عنه وليس من غرضه أن يتكبر ، بل غرضه أن يدفع كبره فإنه قد يرضى بمساواته ولكنه لا يرضى بترفعه عليه . السبب الثالث : أن يكون في طبيعته أن يستخدم غيره فيريد زوال النعمة من ذلك الغير ليقدر على ذلك الغرض ، ومن هذا الباب كان حسد أكثر الكفار للرسول عليه الصلاة والسلام إذ قالوا : كيف يتقدم علينا غلام يتيم وكيف نطأطيء له رؤوسنا ؟ فقالوا : ( لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ) وقال تعالى يصف قول قريش : { أهؤلاء من الله عليهم من بيننا } ( الأنعام : 53 ) كالاستحقار بهم والأنفة منهم . السبب الرابع : التعجب كما أخبر الله عن الأمم الماضية إذ قالوا : { ما أنتم إلا بشرا مثلنا } ( إبراهيم : 10 ) ، وقالوا : { أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون } ( المؤمنون : 47 ) ، { ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون } ( المؤمنون : 34 ) وقالوا متعجبين : { أبعث الله بشرا رسولا } ( الإسراء : 94 ) وقالوا : { لولا نزل علينا الملئكة } ( الفرقان : 21 ) وقال : { عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم } ( الأعراف : 63 / 69 ) .
السبب الخامس : الخوف من فوت المقاصد وذلك يختص بالمتزاحمين على مقصود واحد ، فإن كل واحد منهما يحسد صاحبه في كل نعمة تكون عونا له في الانفراد بمقصوده ، ومن هذا الباب تحاسد الضرات في التزاحم على مقاصد الزوجية ، وتحاسد الأخوة في التزاحم على نيل المنزلة في قلوب الأبوين للتوصل إلى مقاصد المال والكرامة ، وكذلك تحاسد الواعظين المتزاحمين على أهل بلدة واحدة ، إذ كان غرضهما نيل المال والقبول عندهم . السبب السادس : حب الرياسة وطلب الجاه نفسه من غير توسل به إلى مقصوده ، وذلك كالرجل الذي يريد أن يكون عديم النظير في فن من الفنون ، فإنه لو سمع بنظير له في أقصى العالم ساءه ذلك وأحب موته وزوال النعمة التي بها يشاركه في المنزلة من شجاعة أو علم أو زهد أو ثروة ويفرح بسبب تفرده . / السبب السابع : شح النفس بالخير على عباد الله ، فإنك تجد من لا يشتغل برياسة ولا بكبر ولا بطلب مال إذا وصف عنده حسن حال عبد من عباد الله شق عليه ذلك ، وإذا وصف اضطراب أمور الناس وإدبارهم وتنغص عيشهم فرح به فهو أبدا يحب الإدبار لغيره ويبخل بنعمة الله على عباده / كأنهم يأخذون ذلك من ملكه وخزانته ، ويقال : البخيل من بخل بمال غيره ، فهذا يبخل بنعمة الله على عباده الذين ليس بينهم وبينه لا عداوة ولا رابطة وهذا ليس له سبب ظاهر إلا خبث النفس ورذالة جبلته في الطبع ، لأن سائر أنواع الحسد يرجى زواله لإزالة سببه ، وهذا خبث في الجبلة لا عن سبب عارض فتعسر إزالته . فهذه هي أسباب الحسد ، وقد يجتمع بعض هذه الأسباب أو أكثرها أو جميعها في شخص واحد فيعظم فيه الحسد ويقوى قوة لا يقوى صاحبها معها على الإخفاء والمجاملة بل يهتك حجاب المجاملة ويظهر العداوة بالمكاشفة وأكثر المحاسدات تجتمع فيها جملة من هذه الأسباب وقلما يتجرد واحد منها . المسألة الخامسة : في سبب كثرة الحسد وقلته وقوته وضعفه . اعلم أن الحسد إنما يكثر بين قوم تكثر فيهم الأسباب التي ذكرناها ، إذ الشخص الواحد يجوز أن يحسد لأنه يمتنع من قول المتكبر ولأنه يتكبر ولأنه عدو لغير ذلك من الأسباب وهذه الأسباب إنما تكثر بين قوم تجمعهم روابط يجتمعون بسببها في مجالس المخاطبات ويتواردون على الأغراض والمنازعة مظنة المنافرة ، والمنافرة مؤدية إلى الحسد فحيث لا مخالطة فليس هناك محاسدة ، ولما لم توجد الرابطة بين شخصين في بلدين لا جرم لم يكن بينهما محاسدة ، فلذلك ترى العالم يحسد العالم دون العابد والعابد يحسد العابد دون العالم ، والتاجر يحسد التاجر ، بل الاسكاف يحسد الإسكاف ولا يحسد البزاز ، ويحسد الرجل أخاه وابن عمه أكثر مما يحسد الأجانب والمرأة تحسد ضرتها وسرية زوجها أكثر مما تحسد أم الزوج وابنته ، لأن مقصد البزاز غير مقصد الإسكاف فلا يتزاحمون على المقاصد ، ثم مزاحمة البزاز المجاور له أكثر من مزاحمة البعيد عنه إلى طرف السوق وبالجملة فأصل الحسد العداوة وأصل العداوة التزاحم على غرض واحد والغرض الواحد لا يجمع متباعدين بل لا يجمع إلا متناسبين ، فلذلك يكثر الحسد بينهم ، نعم من اشتد حرصه على الجاه العريض والصيت في أطراف العالم فإنه يحسد كل من في العالم ممن يشاركه في الخصلة التي يتفاخر بها ، أقول : والسبب الحقيقي فيه أن الكمال محبوب بالذات وضد المحبوب مكروه ومن جملة أنواع الكمال التفرد بالكمال ، فلا جرم كان الشريك في الكمال مبغضا لكونه منازعا في الفردانية التي هي من أعظم أبواب الكمال ، إلا أن هذا النوع من الكمال لما امتنع حصوله إلا الله سبحانه ووقع اليأس عنه فاختص الحسد بالأمور الدنيوية ، وذلك لأن الدنيا لا تفي بالمتزاحمين ، أما الآخرة فلا ضيق فيها ، وإنما مثال الآخرة نعمة العلم ، فلا جرم من يحب معرفة الله تعالى ومعرفة صفاته وملائكته فلا يحسد غيره إذا عرف ذلك ، لأن المعرفة لا تضيق على العارفين بل المعلوم الواحد يعرفه ألف / ألف ويفرح بمعرفته ويلتذ به ولا تنقص لذة أحد بسبب غيره ، بل يحصل بكثرة العارفين زيادة الأنس ، فلذلك لا يكون بين علماء الدين محاسدة لأن مقصدهم معرفة الله ، وهي بحر واسع لا ضيق فيها وغرضهم المنزلة عند الله ولا ضيق فيها ، نعم إذا قصد العلماء بالعلم المال والجاه ، تحاسدوا لأن المال أعيان إذا وقعت في يد واحد خلت عنها يد الآخر ، ومعنى الجاه ملء القلوب ، ومهما امتلأ قلب شخص بتعظيم عالم انصرف عن تعظيم الآخر ، أما إذا امتلأ قلب بالفرح بمعرفة الله لم يمنع ذلك أن يمتلىء قلب غيره وأن يفرح به فلذلك وصفهم الله تعالى بعدم الحسد فقال : { ونزعنا ما فى صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين } ( الحجر : 47 ) .
المسألة السادسة : في الدواء المزيل للحسد وهو أمران : العلم والعمل . أما العلم ففيه مقامان إجمالي وتفصيلي ، أما الإجمالي فهو أن يعلم أن كل ما دخل في الوجود فقد كان ذلك من لوازم قضاء الله وقدره / لأن الممكن ما لم ينته إلى الواجب لم يقف ، ومتى كان كذلك فلا فائدة في النفرة عنه ، وإذا حصل الرضا بالقضاء زال الحسد . وأما التفصيلي فهو أن تعلم أن الحسد ضرر عليك في الدين والدنيا ، وأنه ليس فيه على المحسود ضرر في الدين والدنيا ، بل ينتفع به في الدين والدنيا ، أما أنه ضرر عليك في الدين فمن وجوه . أحدها : أنك بالحسد كرهت حكم الله ونازعته في قسمته التي قسمها لعباده وعدله الذي أقامه في خلقه بخفي حكمته ، وهذه جناية على حدقة التوحيد وقذى في عين الإيمان . وثانيها : أنك إن غششت رجلا من المؤمنين فارقت أولياء الله في حبهم الخير لعباد الله وشاركت إبليس وسائر الكفار في محبتهم للمؤمنين البلايا ، وثالثها : العقاب العظيم المرتب عليه في الآخرة ، وأما كونه ضررا عليك في الدنيا فهو أنك بسبب الحسد لا تزال تكون في الغم والكمد وأعداؤك لا يخليهم الله من أنواع النعم فلا تزال تتعذب بكل نعمة تراها وتتألم بكل بلية تنصرف عنهم فتبقى أبدا مغموما مهموما ، فقد حصل لك ما أردت حصوله لأعدائك وأراد أعداؤك حصوله لك فقد كنت تريد المحنة لعدوك فسعيت في تحصيل المحنة لنفسك . ثم إن ذلك الغم إذا استولى عليك أمرض بدنك وأزال الصحة عنك وأوقعك في الوساوس ونغص عليك لذة المطعم والمشرب . وأما أنه لا ضرر على المحسود في دينه ودنياه فواضح لأن النعمة لا تزول عنه بحسدك ، بل ما قدره الله من إقبال ونعمة فلا بد وأن يدوم إلى أجل قدرة الله ، فإن كان كل شيء عنده بمقدار ولكل أجل كتاب ، ومهما لم تزل النعمة بالحسد لم يكن على المحسود ضرر في الدنيا ولا عليه إثم في الآخرة ، ولعلك تقول : ليت النعمة كانت لي وتزول عن المحسود بحسدي وهذا غاية الجهل فإنه بلاء تشتهيه أولا لنفسك فإنك أيضا لا تخلو عن عدو يحسدك ، فلو زالت النعمة بالحسد لم يبق لله عليك نعمة لا في الدين ولا في الدنيا ، وإن اشتهيت أن تزول النعمة عن الخلق بحسدك ولا تزول عنك بحسد غيرك فهذا أيضا جهل ، فإن كل واحد من حمقى الحساد يشتهي أن يختص بهذه الخاصية ، ولست أولى بذلك من الغير ، فنعمة الله عليك في أن لم يزل النعمة بالحسد / مما يجب شكرها عليك وأنت بجهلك تكرهها . وأما أن المحسود ينتفع به في الدين والدنيا فواضح ، أما منفعته في الدين فهو أنه مظلوم من جهتك لا سيما إذا أخرجت الحسد إلى القول والفعل بالغيبة والقدح فيه وهتك ستره وذكر مساوئه ، فهي هدايا يهديها الله إليه ، أعني أنك تهدي إليه حسناتك فإنك كلما ذكرته بسوء نقل إلى ديوانه حسناتك وازدادت سيئاتك ، فكأنك اشتهيت زوال نعم الله عنه إليك فأزيلت نعم الله عنك إليه ، ولم تزل في كل حين وأوان تزداد شقاوة ، وأما منفعته في الدنيا فمن وجوه . الأول : أن أهم أغراض الخلق مساءة الأعداء وكونهم مغمومين معذبين ولا عذاب أعظم مما أنت فيه من ألم الحسد ، بل العاقل لا يشتهي موت عدوه بل يريد طول حياته ليكون في عذاب الحسد لينظر في كل حين وأوان إلى نعم الله عليه فيتقطع قلبه بذلك ، ولذلك قيل : لا مات أعداؤك بل خلدوا حتى يروا منك الذي يكمد لا زلت محسودا على نعمة فإنما الكامل من يحسد
الثاني : أن الناس يعلمون أن المحسود لا بد وأن يكون ذا نعمة فيستدلون بحسد الحاسد على كونه مخصوصا من عند الله بأنواع الفضائل والمناقب ، وأعظم الفضائل مما لا يستطاع دفعه وهو الذي يورث الحسد فصار الحسد من أقوى الدلائل على اتصاف المحسود بأنواع الفضائل والمناقب . الثالث : أن الحاسد يصير مذموما بين الخلق ملعونا عند الخالق وهذا من أعظم المقاصد للمحسود . الرابع : وهو أنه سبب لازدياد مسرة إبليس وذلك لأن الحاسد لما خلا عن الفضائل التي اختص المحسود بها فإن رضي بذلك استوجب الثواب العظيم فخاف إبليس من أن يرضى بذلك فيصير مستوجبا لذلك الثواب ، فلما لم يرض به بل أظهر الحسد فاته ذلك الثواب واستوجب العقاب فيصير ذلك سببا لفرح إبليس وغضب الله تعالى . الخامس : أنك عساك تحسد رجلا من أهل العلم وتحب أن يخطىء في دين الله وتكشف خطأه ليفتضح وتحب أن يخرس لسانه حتى لا يتكلم أو يمرض حتى لا يعلم ولا يتعلم وأي إثم يزيد على ذلك ، وأي مرتبة أخس من هذه . وقد ظهر من هذه الوجوه أيها الحاسد أنك بمثابة من يرمي حجرا إلى عدوه ليصيب به مقتله فلا يصيبه ، بل يرجع إلى حدقته اليمنى فيقلعها فيزداد غضبه فيعود ويرميه ثانيا أشد من الأول فيرجع الحجر على عينه الأخرى فيعميه فيزداد غيظه ويعود ثالثا فيعود على رأسه فيشجه وعدوه سالم في كل الأحوال ، والوبال راجع إليه دائما وأعداؤه حواليه يفرحون به ويضحكون عليه ، بل حال الحاسد أقبح من هذا لأن الحجر العائد لم يفوت إلا العين ولو بقيت لفاتت بالموت ، وأما حسده فإنه يسوق إلى غضب الله وإلى النار ، فلأن تذهب عينه في الدنيا خير له من أن يبقى له عين ويدخل بها النار فانظر كيف انتقم الله من الحاسد إذا أراد زوال النعمة عن المحسود فما أزالها عنه ثم أزال نعمة الحاسد تصديقا لقوله تعالى : { ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله } ( فاطر : 43 ) فهذه الأدوية العلمية فمهما تفكر / الإنسان فيها بذهن صاف وقلب حاضر انطفأ من قلبه نار الحسد ، وأما العمل النافع فهو أن يأتي بالأفعال المضادة لمقتضيات الحسد ، فإن بعثه الحسد على القدح فيه كلف لسانه المدح له وإن حمله على التكبر عليه كلف نفسه التواضع له وإن حمله على قطع أسباب الخير عنه كلف نفسه السعي في إيصال الخيرات إليه ، فمهما عرف المحسود ذلك طاب قلبه وأحب الحاسد وذلك يفضي آخر الأمر إلى زوال الحسد من وجهين . الأول : أن المسحود إذا أحب الحاسد فعل ما يحبه الحاسد فحينئذ يصير الحاسد محبا للمحسود ويزول الحسد حينئذ . الثاني : أن الحاسد إذا أتى بضد موجبات الحسد على سبيل التكلف يصير ذلك بالآخرة طبعا له فيزول الحسد عنه . المسألة السابعة : اعلم أن النفرة القائمة بقلب الحاسد من المحسود أمر غير داخل في وسعه ، فكيف يعاقب عليه ؟ وأما الذي في وسعه أمران ، أحدهما : كونه راضيا بتلك النفرة ، والثاني : إظهار آثار تلك النفرة من القدح فيه والقصد إلى إزالة تلك النعمة عنه وجر أسباب المحبة إليه ، فهذا هو الداخل تحت التكليف ، ولنرجع إلى التفسير :
أما قوله تعالى : { ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا } فالمراد أنهم كانوا يريدون رجوع المؤمنين عن الإيمان من بعد ما تبين لهم أن الإيمان صواب وحق ، والعالم بأن غيره على حق لا يجوز أن يريد رده عنه إلا بشبهة يلقيها إليه ، لأن المحق لا يعدل عن الحق إلا بشبهة والشبهة ضربان ، أحدهما : ما يتصل بالدنيا وهو أن يقال لهم : قد علمتم ما نزل بكم من إخراجكم من دياركم وضيق الأمر عليكم واستمرار المخافة بكم ، فاتركوا الإيمان الذي ساقكم إلى هذه الأشياء ، والثاني : في باب الدين : بطرح الشبه في المعجزات أو تحريف ما في التوراة . أما قوله تعالى : { حسدا من عند أنفسهم } ففيه مسائل : المسألة الأولى : أنه تعالى بين أن حبهم لأن يرجعوا عن الإيمان إنما كان لأجل الحسد . قال الجبائي : عني بقوله : { كفار حسد من عند أنفسهم } أنهم لم يؤتوا ذلك من قبله تعالى وإن كفرهم هو فعلهم لا من خلق الله فيهم / والجواب أن قوله : { من عند أنفسهم } فيه وجهان ، أحدهما : أنه متعلق ب ( ود ) على معنى أنهم أحبوا ذلك من بعد ما تبين لهم أنكم على الحق فكيف يكون تمنيهم من قبل طلب الحق ؟ الثاني : أنه متعلق بحسد أي حسد عظيم منبعث من عند أنفسهم . أما قوله تعالى : { فاعفوا واصفحوا } فهذا يدل على أن اليهود بعدما أرادوا صرف المؤمنين عن الإيمان احتالوا في ذلك بإلقاء الشبه على ما بيناه ، ولا يجوز أن يأمرهم تعالى بالعفو والصفح على وجه الرضا بما فعلوا ، لأن ذلك كفر ، فوجب حمله على أحد أمرين ، الأول : أن المراد ترك المقابلة والإعراض عن الجواب ، لأن ذلك أقرب إلى تسكين الثائرة في الوقت ، فكأنه تعالى أمر الرسول بالعفو والصفح عن اليهود فكذا أمره بالعفو والصفح عن مشركي العرب بقوله / تعالى : { قل للذين ءامنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله } ( الجاثية : 14 ) وقوله : { واهجرهم هجرا } ( المزمل : 10 ) ولذلك لم يأمر بذلك على الدوام بل علقه بغاية فقال : { واصفحوا حتى يأتى الله بأمره } وذكروا فيه وجوه ، أحدها : أنه المجازاة يوم القيامة عن الحسن ، وثانيها : أنه قوة الرسول وكثرة أمته . وثالثها : وهو قول أكثر الصحابة والتابعين ، إنه الأمر بالقتال لأن عنده يتعين أحد أمرين : إما الإسلام ، وإما الخضوع لدفع الجزية وتحمل الذل والصغار ، فلهذا قال العلماء : إن هذه الآية منسوخة بقوله تعلاى : { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر } ( التوبة : 29 ) وعن الباقر رضي الله عنه أنه لم يؤمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال حتى نزل جبريل عليه السلام بقوله : { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا } ( الحج : 39 ) وقلده سيف فكان أول قتال قاتل أصحاب عبد الله بن جحش ببطن نخل وبعده غزوة بدر ، وههنا سؤالان : السؤال الأول : كيف يكون منسوخا وهو معلق بغاية كقوله : { ثم أتموا الصيام إلى اليل } ( البقرة : 187 ) وإن لم يكن ورود الليل ناسخا فكذا ههنا ، الجواب : أن الغاية التي يعلق بها الأمر إذا كانت لا تعلم إلا شرعا لم يخرج ذلك الوارد شرعا عن أن يكون ناسخا ويحل محل قوله : { فاعفوا واصفحوا } إلى أن أنسحه عنكم . السؤال الثاني : كيف يعفون ويصفحون والكفار كانوا أصحاب الشوكة والقوة والصفح لا يكون إلا عن قدرة ؟ والجواب : أن الرجل من المسلمين كان ينال بالأذى فيقدر في تلك الحالة قبل اجتماع الأعداء أن يدفع عدوه عن نفسه وأن يستعين بأصحابه ، فأمر الله تعالى عند ذلك بالعفو والصفح كي لا يهيجوا شرا وقتالا .
Sorular
- Tevhid nedir; Müslümanların Allah'ın birliğine imanı?
- İslam'da imanın altı şartı nedir?
- Müslümanlar peygamberler hakkında neye inanır?
- İslam helal ve haram yiyecekler hakkında ne öğretir?
- Fâtiha Sûresi'nin anlamı nedir?
- Kur'an sabır hakkında ne öğretir?
- Kur'an hayatın amacı hakkında ne der?
- İhlas nedir ve neden önemlidir?