Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Bölüm V04/P069–V04/P070

فإن قيل : اسم الأبوة وإن حصل في الكل إلا أن رتبة الأدنى أقرب من رتبة الأبعد فلذلك صح فيه النفي . قلنا : لو كان الاسم حقيقة فيهما جميعا لم يكن الترتيب في الوجود سببا لنفي اسم الأب عنه ، وثالثها : لو كان الجد أبا على الحقيقة لصح القول بأنه مات وخلف أما وآباء كثيرين وذلك مما لم يطلقه أحد من الفقهاء وأرباب اللغة والتفسير . ورابعها : لو كان الجد أبا ولا شك أن الصحابة عارفون باللغة لما كانوا يختلفون في ميراث الجد ، ولو كان الجد أبا لكانت الجدة أما ، ولو كان كذلك لما وقعت الشبهة في ميراث الجدة حتى يحتاج أبو بكر رضي الله عنه إلى السؤال عنه / فهذه الدلائل دلت على أن الجد ليس بأب . وخامسها : قوله تعالى : { يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين } ( النساء : 11 ) فلو كان الجد أبا لكان ابن الابن ابنا لا محالة فكان يلزم بمقتضى هذه الآية حصول الميراث لابن الابن مع قيام الابن ، ولما لم يكن كذلك علمنا أن الجد ليس بأب ، فأما الآيات التي تمسكتم بها في بيان أن الجد أب فالجواب عن وجه التمسك بها من وجوه . أولها : أنه قرأ أبي : { وإلاه إبراهيم } بطرح آبائك إلا أن هذا لا يقدح في الغرض لأن القراءة الشاذة لا ترفع القراءة المتواترة ، بل الجواب أن يقال : إنه أطلق لفظ الأب على الجد وعلى العم وقال عليه الصلاة والسلام في العباس : ( هذا بقية آبائي ) وقال : ( ردوا على أبي ) فدلنا ذلك على أنه ذكره على سبيل المجاز ، والدليل عليه ما قدمناه أنه يصح نفي اسم الأب عن الجد ، ولو كان حقيقة لما كان كذلك ، وأما قول ابن عباس فإنما أطلق الاسم عليه نظرا إلى الحكم الشرعي لا إلى الاسم اللغوي لأن اللغات لا يقع الخلاف فيها بين أرباب اللسان والله أعلم . أما قوله تعالى : { إلاها واحدا } فهو بدل { إله آبائك } كقوله : { بالناصية ناصية كاذبة } ( العلق : 15 ، 16 ) أو على الاختصاص ، أي تريد بإله آبائك إلها واحدا ، أما قوله : { ونحن له مسلمون } ففيه وجوه . أحدها : / أنه حال من فاعل نعبد أو من مفعوله لرجوع الهاء إليه في ( له ) . وثانيها : يجوز أن تكون جملة معطوفة على نعبد . وثالثها : أن تكون جملة اعتراضية مؤكدة ، أي ومن حالنا أنا له مسلمون مخلصون للتوحيد أو مذعنون . أما قوله تعالى : { تلك أمة قد خلت } فهو إشارة إلى من ذكرهم الله تعالى في الآية المتقدمة ، وهم إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وبنوه الموحدون . و ( الأمة ) الصنف . ( خلت ) سلفت ومضت وانقرضت ، والمعنى أني اقتصصت عليكم أخبارهم وما كانوا عليه من الإسلام والدعوة إلى الإسلام فليس لكم نفع في سيرتهم دون أن تفعلوا ما فعلوه ، فإن أنتم فعلتم ذلك انتفعتم وإن أبيتم لم تنتفعوا بأفعالهم ، والآية دالة على مسائل : المسألة الأولى : الآية دالة على بطلان التقليد ، لأن قوله : { لها ما كسبت } يدل على أن كسب كل أحد يختص به ولا ينتفع به غيره ، ولو كان التقليد جائزا لكان كسب المتبوع نافعا للتابع ، فكأنه قال : إني ما ذكرت حكاية أحوالهم طلبا منكم أن تقلدوهم ، ولكن لتنبهوا على ما يلزمكم فتستدلوا وتعلموا أن ما كانوا عليه من الملة هو الحق . المسألة الثانية : الآية دالة على ترغيبهم في الإيمان ، واتباع محمد عليه الصلاة والسلام ، وتحذيرهم من مخالفته .

Bölüm V04/P070–V04/P071

المسألة الثالثة : الآية دالة على أن الأبناء لا يثابون على طاعة الآباء بخلاف قول اليهود من أن صلاح آبائهم ينفعهم ، وتحقيقه ما روي عنه عليه السلام أنه قال : ( يا صفية عمة محمد ، يا فاطمة بنت محمد ، ائتوني يوم القيامة بأعمالكم لا بأنسابكم فإني لا أغني عنكم من الله شيئا ) . وقال : ( ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه ) . وقال الله تعالى : { فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون } ( المؤمنون : 101 ) وقال تعالى : { ليس بأمانيكم ولا أمانى أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به } ( النساء : 123 ) وكذلك قوله تعالى : { ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى } ( الأنعام : 164 ) وقال : { فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم } ( النور : 54 ) . المسألة الرابعة : الآية تدل على بطلان قول من يقول : الأبناء يعذبون بكفر آبائهم ، وكان اليهود يقولون : إنهم يعذبون في النار لكفر آبائهم باتخاذ العجل . وهو قوله تعالى : { وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة } ( البقرة : 80 ) وهي أيام عبادة العجل فبين الله تعالى بطلان ذلك . المسألة الخامسة : الآية دالة على أن العبد مكتسب وقد اختلف أهل السنة والمعتزلة في تفسير الكسب . أما أهل السنة فقد اتفقوا على أنه ليس معنى كون العبد مكتسبا دخول شيء من الأعراض بقدرته من العدم إلى الوجود ، ثم بعد اتفاقهم على هذا الأصل ذكروا لهذا الكسب ثلاث تفسيرات . أحدها : وهو قول الأشعري رضي الله عنه أن القدرة صفة متعلقة بالمقدور من غير تأثير القدرة في المقدور ، بل القدرة والمقدور حصلا بخلق الله تعالى ، كما أن العلم والمعلوم حصلا بخلق الله تعالى ، لكن الشيء الذي حصل بخلق الله تعالى وهو متعلق القدرة الحادثة هو الكسب . وثانيها : / أن ذات الفعل توجد بقدرة الله تعالى ، ثم يحصل لذلك الفعل وصف كونه طاعة أو معصية وهذه الصفة حاصلة بالقدرة الحادثة . وهو قول أبي بكر الباقلاني . وثالثها : أن القدرة الحادثة والقدرة القديمة ، إذا تعلقتا بمقدور واحد وقع المقدور بهما ، وكأنه فعل العبد وقع بإعانة الله ، فهذا هو الكسب وهذا يعزى إلى أبي إسحاق الأسفرايني لأنه يروى عنه أنه قال الكسب والفعل الواقع بالمعين . أما القائلون بأن القدرة الحادثة مؤثرة ، فهم فريقان . الأول : الذين يقولون بأن القدرة مع الداعي توجب الفعل ، فالله تعالى هو الخالق للكل بمعنى أنه سبحانه وتعالى هو الذي وضع الأسباب المؤدية إلى دخول هذه الأفعال في الوجود والعبد هو المكتسب بمعنى أن المؤثر في وقوع فعله هو القدرة ، والداعية القائمتان به ، وهذا مذهب إمام الحرمين رحمه الله تعالى اختاره في الكتاب الذي سماه بالنظامية ويقرب قول أبي الحسين البصري منه وإن كان لا يصرح به .

Bölüm V04/P071–V04/P072

الفريق الثاني من المعتزلة : وهم الذين يقولون : القدرة مع الداعي لا توجب الفعل ، بل العبد قادر على الفعل والترك متمكن منهما ، إن شاء فعل وإن شاء ترك ، وهذا الفعل والكسب ، قالت المعتزلة للأشعري : إذا كان مقدور العبد واقعا بخلق الله تعالى ، فإذا خلقه فيه : استحال من العبد أن لا يتصف في ذلك الوقت بذلك الفعل ، وإذا لم يخلقه فيه : استحال منه في ذلك الوقت أن يتصف به . وإذا كان كذلك لم يكن ألبتة متمكنا من الفعل والترك ، ولا معنى للقادر إلا ذلك ، فالعبد ألبتة غير قادر ، وأيضا فهذا الذي هو مكتسب العبد . إما أن يكون واقعا بقدرة الله ، أو لم يقع ألبتة بقدرة الله ، أو وقع بالقدرتين معا ، فإن وقع بقدرة الله تعالى لم يكن العبد فيه مؤثرا فكيف يكون مكتسبا له ؟ وإن وقع بقدرة العبد فهذا هو المطلوب . وإن وقع بالقدرتين معا فهذا محال ، لأن قدرة الله تعالى مستقلة بالإيقاع ، فعند تعلق قدرة الله تعالى به ، فكيف يبقى لقدرة العبد فيه أثر ، وأما قول الباقلاني فضعيف ، لأن المحرم من الجلوس في الدار المغصوبة ليس إلا شغل تلك الأحياز ، فهذا الشغل إن حصل بفعل الله تعالى فنفس المنهي عنه قد خلقه الله تعالى فيه ، وهذا هو عين تكليف ما لا يطاق ، وإن حصل بقدرة العبد فهو المطلوب ، وأما قول الأسفرايني فضعيف لما بينا أن قدرة الله تعالى مستقلة بالتأثير ، فلا يبقى لقدرة العبد معها أثر ألبتة ، قال أهل السنة : كون العبد مستقلا بالإيجاد والخلق محال لوجوه . أولها : أن العبد لو كان موجدا لأفعاله ، لكان عالما بتفاصيل فعله ، وهو غير عالم بتلك التفاصيل ، فهو غير موجد لها . وثانيها : لو كان العبد موجدا لفعل نفسه ؛ لما وقع إلا ما أراده العبد ، وليس كذلك ، لأن الكافر يقصد تحصيل العلم فلا يحصل إلا الجهل . وثانيها : لو كان العبد موجدا لفعل نفسه لكان كونه موجدا لذلك الفعل زائدا على ذات ذلك الفعل ، وذات القدرة لأنه يمكننا أن نعقل ذات الفعل وذات القدرة مع الذهول عن كون العبد موجدا له ، والمعقول غير المغفول عنه ، ثم تلك الموجدية حادثة ، فإن كان حدوثها بالعبد لزم افتقارها إلى موجدية أخرى ، ولزم التسلسل وهو محال ، وإن كان الله / تعالى والأثر واجب الحصول عند حصول الموجدية فيلزم استناد الفعل إلى الله تعالى ، ولا يلزمنا ذلك في موجدية الله تعالى لأنه قديم ، فكانت موجديته قديمة ، فلا يلزم افتقار تلك الموجودية إلى موجودية أخرى . هذا ملخص الكلام من الجانبين والمنازعات بين الفريقن في الألفاظ والمعاني كثيرة والله الهادي . ! 7 < { وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين } > 7 ! < < البقرة : ( 135 ) وقالوا كونوا هودا . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين الدلائل التي تقدمت صحة دين الإسلام حكى بعدها أنواعا من شبه المخالفين الطاعنين في الإسلام .

Bölüm V04/P072–V04/P073

الشبهة الأولى : حكى عنهم أنهم قالوا : { كونوا هودا أو نصارى تهتدوا } ولم يذكروا في تقرير ذلك شبهة ، بل أصروا على التقليد ، فأجابهم الله تعالى عن هذه الشبهة من وجوه . الأول : ذكر جوابا إلزاميا وهو قوله : { قل بل ملة إبراهيم حنيفا } وتقرير هذا الجواب أنه إن كان طريق الدين التقليد فالأولى في ذلك اتباع ملة إبراهيم ، لأن هؤلاء المختلفين قد اتفقوا على صحة دين إبراهيم والأخذ بالمتفق أولى من الأخذ بالمختلف إن كان المعول في الدين على التقليد ، فكأنه سبحانه قال : إن كان المعول في الدين على الاستدلال والنظر ، فقد قدمنا الدلائل ، وإن كان المعول على التقليد فالرجوع إلى دين إبراهيم عليه السلام وترك اليهودية والنصرانية أولى . فإن قيل : أليس أن كل واحد من اليهود والنصارى يدعي أنه على دين إبراهيم عليه السلام . قلنا : لما ثبت أن إبراهيم كان قائلا بالتوحيد ، وثبت أن النصارى يقولون بالتثليث ، واليهود يقولون بالتشبيه ، فثبت أنهم ليسوا على دين إبراهيم عليه السلام ، وأن محمدا عليه السلام لما دعا إلى التوحيد ، كان هو على دين إبراهيم . ولنرجع إلى تفسير الألفاظ : أما قوله : { وقالوا كونوا هودا أو نصارى } فلا يجوز أن يكون المراد به التخيير ، إذ المعلوم من حال اليهود أنها لا تجوز اختيار النصرانية على اليهودية ، بل تزعم أنه كفر . والمعلوم من حال النصارى أيضا ذلك بل المراد أن اليهود تدعو إلى اليهودية والنصارى إلى النصرانية ، فكل فريق يدعو إلى دينه ، ويزعم أنه الهدي فهذا معنى قوله : { تهتدوا } أي أنكم إذا فعلتم ذلك اهتديتم وصرتم على سنن الاستقامة . أما قوله : { بل ملة إبراهيم } ففي اتنصاب ملة أربعة أقوال . الأول : لأنه عطف في المعنى على قوله : { كونوا هودا أو نصارى } وتقديره قالوا : اتبعوا / اليهودية قل بل اتبعوا ملة إبراهيم . الثاني : على الحذف تقديره : بل نتبع ملة إبراهيم . الثالث : تقديره : بل نكون أهل ملة إبراهيم ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه كقوله : { واسئل القرية } ( يوسف : 92 ) أي أهلها . الرابع : التقدير : بل اتبعوا ملة إبراهيم ، وقرأ الأعرج : ( ملة إبراهيم ) بالرفع أي ملته ملتنا ، أو ديننا ملة إبراهيم ، وبالجملة فأنت بالخيار في أن تجعله مبتدأ أو خبرا . أما قوله : { حنيفا } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : لأهل اللغة في الحنيف قولان . الأول : أن الحنيف هو المستقيم ، ومنه قيل للأعرج : أحنف ، تفاؤلا بالسلامة ، كما قالوا للديغ : سليم ، والمهلكة : مفازة ، قالوا : فكل من أسلم لله ولم ينحرف عنه في شيء فهو حنيف ، وهو مروي عن محمد بن كعب القرطي . الثاني : أن الحنيف المائل ، لأن الأحنف هو الذي يميل كل واحد من قدميه إلى الأخرى بأصابعها ، وتحنف إذا مال ، فالمعنى أن إبراهيم عليه السلام حنف إلى دين الله ، أي مال إليه ، فقوله : { بل ملة إبراهيم حنيفا } أي مخالفا لليهود والنصارى منحرفا عنهما ، وأما المفسرون فذكروا عبارات ، أحدها : قول ابن عباس والحسن ومجاهد : أن الحنيفية حج البيت . وثانيها : أنها اتباع الحق ، عن مجاهد . وثالثها : اتباع إبراهيم في شرائعه التي هي شرائع الإسلام . ورابعها : إخلاص العمل وتقديره : بل نتبع ملة إبراهيم التي هي التوحيد عن الأصم قال القفال : وبالجملة فالحنيف لقب لمن دان بالإسلام كسائر ألقاب الديانات ، وأصله من إبراهيم عليه السلام .

Bölüm V04/P073–V04/P074

المسألة الثانية : في نصب حنيفا قولان ، أحدهما : قول الزجاج أنه نصب على الحال من إبراهيم كقولك : رأيت وجه هند قائمة . الثاني : أنه نصب على القطع أراد بل ملة إبراهيم الحنيف فلما سقطت الألف واللام لم تتبع النكرة المعرفة فانقطع منه فانتصب ، قاله نحاة الكوفة . أما قوله : { وما كان من المشركين } ففيه وجوه ، أحدها : أنه تنبيه على أن في مذهب اليهود والنصارى شركاء على ما بيناه ، لأنه تعالى حكى عن بعض اليهود قولهم : عزير ابن الله ، والنصارى قالوا : المسيح ابن الله وذلك شرك . وثانيها : أن الحنيف اسم لمن دان بدين إبراهيم عليه السلام ومعلوم أنه عليه السلام أتى بشرائع مخصوصة ، من حج البيت والختان وغيرهما ، فمن دان بذلك فهو حنيف ، وكان العرب تدين بهذه الأشياء . ثم كانت تشرك ، فقيل من أجل هذا : { حنيفا وما كان من المشركين } ونظيره قوله : { حنفاء لله غير مشركين به } ( الحج : 31 ) ، وقوله : { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } ( يوسف : 106 ) قال القاضي : الآية تدل على أن للواحد منا أن يحتج على غيره بما يجري مجرى المناقضة لقوله : إفحا ماله وإن لم يكن ذلك حجة في نفسه لأن من المعلوم أنه عليه السلام لم يكن يحتج على نبوته بأمثال هذه الكلمات بل كان يحتج بالمعجزات الباهرة التي ظهرت عليه لكنه عليه السلام لما كان قد أقام الحجة بها وأزاح العلة ثم وجدهم معاندين مستمرين على باطلهم ، فعند ذلك أورد عليهم من الحجة ما يجانس / ما كانوا عليه فقال : إن كان الدين بالاتباع فالمتفق عليه وهو ملة إبراهيم عليه السلام أولى بالاتباع ، ولقائل أن يقول : اليهود والنصارى إن كانوا معترفين بفضل إبراهيم ، ومقرين أن إبراهيم ما كان من القائلين بالتشبيه والتثليث ، امتنع أن يقولوا بذلك ، بل لا بد وأن يكونوا قائلين بالتنزيه والتوحيد ، ومتى كانوا قائلين بذلك لم يكن في دعوتهم إليه فائدة ، وإن كانوا منكرين فضل إبراهيم أو كانوا مقرين به ، لكنهم أنكروا كونه منكرا للتجسيم والتثليث لم يكن ذلك متفقا عليه فحينئذ لا يصح إلزام القول بأن هذا متفق عليه فكان الأخذ به أولى . والجواب : أنه كان معلوما بالتواتر أن إبراهيم عليه السلام ما أثبت الولد لله تعالى فلما صح عن اليهود والنصارى أنهم قالوا بذلك ثبت أن طريقتهم مخالفة لطريقة إبراهيم عليه السلام . ! 7 < { قولوا ءامنا بالله ومآ أنزل إلينا ومآ أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ومآ أوتى موسى وعيسى ومآ أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون } > 7 ! < < البقرة : ( 136 ) قولوا آمنا بالله . . . . .

Bölüm V04/P074–V04/P075

> > اعلم أنه تعالى لما أجاب بالجواب الجدلي أولا ، ذكر بعده جوابا برهانيا في هذه الآية وهو : أن الطريق إلى معرفة نبوة الأنبياء عليهم السلام ظهور المعجز عليهم ، ولما ظهر المعجز على يد محمد صلى الله عليه وسلم وجب الاعتراف بنبوته والإيمان برسالته ، فإن تخصيص البعض بالقبول وتخصيص البعض بالرد يوجب المناقضة في الدليل وأنه ممتنع عقلا ، فهذا هو المراد من قوله : { قولوا ءامنا بالله وما أنزل إلينا } إلى آخر الآية ، وهذا هو الغرض الأصلي من ذكر هذه الآية . فإن قيل : كيف يجوز الإيمان بإبراهيم وموسى وعيسى مع القول بأن شرائعهم منسوخة ، قلنا : نحن نؤمن بأن كل واحد من تلك الشرائع كان حقا في زمانه فلا يلزم منا المناقضة ، أما اليهود والنصارى لما اعترفوا بنبوة بعض من ظهر المعجز عليه ، وأنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم مع قيام المعجز على يده ، فحينئذ يلزمهم المناقضة فظهر الفرق ، ثم نقول في الآية مسائل : المسألة الأولى : أن الله تعالى لما حكى عنهم أنهم قالوا : { كونوا هودا أو نصارى } ( البقرة : 135 ) ذكروا في مقابلته للرسول عليه السلام : { قل بل ملة إبراهيم } ( البقرة : 135 ) ثم قال لأمته : { قولوا ءامنا بالله } وهذا قول الحسن وقال القاضي قوله : { قولوا ءامنا بالله } يتناول جميع المكلفين ، أعني النبي عليه السلام وأمته ، والدليل عليه وجهان : / أحدهما : أن قوله : { قولوا } خطاب عام فيتناول الكل . الثاني : أن قوله : { وما أنزل إلينا } لا يليق إلا به صلى الله عليه وسلم ، فلا أقل من أن يكون هو داخلا فيه ، واحتج الحسن على قوله بوجهين . الأول : أنه عليه السلام أمر من قبل بقوله : { قل بل ملة إبراهيم } . الثاني : أنه في نهاية الشرف ، والظاهر إفراده بالخطاب . والجواب : أن هذه القرائن وإن كانت محتملة إلا أنها لا تبلغ في القوة إلى حيث تقتضي تخصيص عموم قوله : { قولوا ءامنا بالله } أما قوله : { قولوا ءامنا بالله } فإنما قدمه لأن الإيمان بالله أصل الإيمان بالشرائع ، فمن لا يعرف الله استحال أن يعرف نبيا أو كتابا ، وهذا يدل على فساد مذهب التعليمية والمقلدة القائلين بأن طريق معرفة الله تعالى : الكتاب والسنة . أما قوله : { والاسباط } قال الخليل : السبط في بني إسرائيل كالقبيلة في العرب ، وقال صاحب ( الكشاف ) السبط ، الحافد ، وكان الحسن والحسين سبطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والأسباط : الحفدة وهم حفدة يعقوب عليه السلام وذراري أبنائه الإثني عشر . أما قوله : { لا نفرق بين أحد منهم } ففيه وجهان . الأول : أنا لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض ، فإنا لو فعلنا ذلك كانت المناقضة لازمة على الدليل وذلك غير جائز . الثاني : لا نفرق بين أحد منهم ، أي لا نقول : إنهم متفرقون في أصول الديانات ، بل هم مجتمعون على الأصول التي هي الإسلام ، كما قال الله تعالى : { شرع لكم فى الدين ما وصى به نوحا والذى أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه } . الوجه الأول : أليق بسياق الآية . أما قوله : { ونحن له مسلمون } فالمعنى أن إسلامنا لأجل طاعة الله تعالى لا لأجل الهوى ، وإذا كان كذلك فهو يقتضي أنه متى ظهر المعجز وجب الإيمان به . فأما تخصيص بعض أصحاب المعجزات بالقبول ، والبعض بالرد ، فذلك يدل على أن المقصود من ذلك الإيمان ليس طاعة الله والانقياد له ، بل اتباع الهوى والميل .

Bölüm V04/P075–V04/P076

! 7 < { فإن ءامنوا بمثل مآ ءامنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم فى شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم } > 7 ! < < البقرة : ( 137 ) فإن آمنوا بمثل . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين الطريق الواضح في الدين ، وهو أن يعترف الإنسان بنبوة من قامت الدلالة على نبوته ، وأن يحترز في ذلك عن المناقضة : رغبهم في مثل هذا الإيمان فقال : { فإن ءامنوا بمثل ما ءامنتم به فقد اهتدوا } . / من وجوه : أحدها : أن المقصود منه التثبيت والمعنى : إن حصلوا دينا آخر مثل دينكم ومساويا له في الصحة والسداد فقد اهتدوا ، لما استحال أن يوجد دين آخر يساوي هذا الدين في السداد استحال الاهتداء بغيره ونظيره قولك للرجل الذي تشير عليه : هذا هو الرأي والصواب فإن كان عندك رأى أصوب منه فاعمل به وقد علمت أن لا أصوب من رأيك ولكنك تريد تثبيت صاحبك وتوقيفه على أن ما رأيت لا رأي وراءه ، وإنما قلنا : إنه يستحيل أن يوجد دين آخر يساوي هذا الدين في السداد لأن هذا الدين مبناه على أن كل من ظهر عليه المعجز وجب الاعتراف بنبوته ، وكل ما غاير هذا الدين لا بد وأن يشتمل على المناقضة ، والمتناقض يستحيل أن يكون مساويا لغير المتناقض في السداد والصحة . وثانيها : أن المثل صلة في الكلام قال الله تعالى : { ليس كمثله شىء } ( الشورى : 11 ) أي ليس كهو شيء ، وقال الشاعر : وصاليات ككما يؤثفين ، وكانت أم الأحنف ترقصه وتقول : والله لولا حنف برجله ودقة في ساقه من هزله ما كان منكم أحد كمثله وثالثها : أنكم آمنتم بالفرقان من غير تصحيف وتحريف ، فإن آمنوا بمثل ذلك وهو التوراة من غير تصحيف وتحريف فقد اهتدوا لأنهم يتصلون به إلى معرفة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم . ورابعها : أن يكون قوله : { فإن ءامنوا بمثل ما ءامنتم به } أي فإن صاروا مؤمنين بمثل ما به صرتم مؤمنين فقد اهتدوا ، فالتمثيل في الآية بين الإيمانين والتصديقين ، وروى محمد بن جرير الطبري أن ابن عباس قال : لا تقولوا فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فليس لله مثل ولكن قولوا فإن آمنوا بالذي آمنتم به ، قال القاضي : لا وجه لترك القراءة المتواترة من حيث يشكل المعنى ويلبس لأن ذلك إن جعله المرء مذهبا لزمه أن يغير تلاوة كل الآيات المتشابهات وذلك محظور والوجه الأول في الجواب هو المعتمد . أما قوله : { فقد اهتدوا } فالمراد فقد عملوا بما هدوا إليه وقبلوه ، ومن هذا حاله يكون وليا لله داخلا في أهل رضوانه ، فالآية تدل على أن الهداية كانت موجودة قبل هذا الاهتداء ، وتلك الهداية لا يمكن حملها إلا على الدلائل التي نصبها الله تعالى وكشف عنها وبين وجوه دلالتها ، ثم بين على وجه الزجر ما يلحقهم إن تولوا فقال : { وإن تولوا فإنما هم فى شقاق } وفي الشقاق بحثان : البحث الأول : قال بعض أهل اللغة : الشقاق مأخذو من الشق ، كأنه صار في شق غير شق صاحبه بسبب العداوة وقد شق عصا المسلمين إذا فرق جماعتهم وفارقها ، ونظيره : المحادة وهي أن يكون هذا في حد وذاك في حد آخر ، والتعادي مثله لأن هذا يكون في عدوة وذاك في عدوة ، والمجانبة أن يكون هذا في جانب وذاك في جانب آخر وقال آخرون : إنه من المشقة لأن كل واحد منهما يحرص على ما يشق على صاحبه ويؤذيه قال الله تعالى : { وإن خفتم شقاق بينهما } أي فراق بينهما في الاختلاف حتى يشق أحدهما على الآخر .

Bölüm V04/P076–V04/P077

البحث الثاني : قوله : { وإن تولوا فإنما هم فى شقاق } أي إن تركوا مثل هذا الإيمان فقد التزموا المناقضة والعاقل لا يلتزم المناقضة ألبتة فحيث التزموها علمنا أنه ليس غرضهم طلب الدين / والانقياد للحق وإنما غرضهم المنازعة وإظهار العداوة ثم للمفسرين عبارات . أولها : قال ابن عباس رضي الله عنهما : { فإنما هم فى شقاق } في خلاف مذ فارقوا الحق وتمسكوا بالباطل فصاروا مخالفين لله . وثانيها : قال أبو عبيدة ومقاتل في شقاتل . أي في ضلال . وثالثها : قال ابن زيد في منازعة ومحاربة . ورابعها : قال الحسن في عداوة قال القاضي : ولا يكاد يقال في المعاداة على وجه الحق أو المخالفة التي لا تكون معصية أنه شقاق وإنما يقال ذلك في مخالفة عظيمة توقع صاحبها في عداوة الله وغضبه ولعنه وفي استحقاق النار فصار هذا القول وعيدا منه تعالى لهم وصار وصفهم بذلك دليلا على أن القوم معادون للرسول مضمرون له السؤال مترصدون لإيقاعه في المحن ، فعند هذا آمنه الله تعالى من كيدهم وآمن المؤمنين من شرهم ومكرهم فقال : { فسيكفيكهم الله } تقوية لقلبه وقلب المؤمنين لأنه تعالى إذا تكفل بالكفاية في أمر حصلت الثقة به قال المتكلمون : هذا أخبار عن الغيب فيكون معجزا دالا على صدقة وإنما قلنا إنه إخبار عن الغيب وذلك لأنا وجدنا مخبر هذا القول على ما أخبر به لأنه تعالى كفاه شر اليهود والنصارى ونصره عليهم حتى غلبهم المسلمون وأخذوا ديارهم وأموالهم فصاروا أذلاء في أيديهم يؤدون إليهم الخراج والجزية أو لا يقدرون ألبتة على التخلص من أيديهم وإنما قلنا : إنه معجز لأنه المتخرص لا يصيب في مثل ذلك على التفصيل ، قال الملحدون : لا نسلم أن هذا معجز وذلك لأن المعجز هو الذي يكون ناقضا للعادة ، وقد جرت العادة بأن كل من كان مبتلى بإيذاء غيره فإنه يقال له : اصبر فإن الله يكفيك شره ، ثم قد يقع ذلك تارة ولا يقع أخرى ، وإذا كان هذا معتادا فكيف يقال : إنه معجز وأيضا لعله توصل إلى ذلك برؤيا رآها ، وذلك مما لاسبيل إلى دفعه ، فإن المنجمين يقولون : من كان سهم الغيب في طالعه فإنه يأتي بمثل هذه الأخبار وإن لم يكن نبيا . والجواب : أنه ليس غرضنا من قولنا أنه معجز أن هذا الإخبار وحده معجز ، بل غرضنا أن القرآن يشتمل على كثير من هذا النوع ، والإخبار عن الأشياء الكثيرة على سبيل التفصيل مما لا يتأتى من المتخرص الكاذب . ثم إنه تعالى لما وعده بالنصرة والمعونة أتبعه بما يدل على أن ما يسرون وما يعلنون من هذا الأمر لا يخفى عليه تعالى فقال : { وهو السميع العليم } وفيه وجهان . الأول : أنه وعيد لهم والمعنى أنه يدرك ما يضمرون ويقولون وهو عليم بكل شيء فلا يجوز لهم أن يقع منهم أمر إلا وهو قادر على كفايته إياهم فيه . الثاني : أنه وعد للرسول عليه السلام يعني : يسمع دعاءك ويعلم نيتك وهو يستجيب لك ويوصلك إلى مرداك ، واحتج الأصحاب بقوله : { وهو السميع العليم } على أن سمعه تعالى زائد على علمه بالمسموعات لأن قوله : { عليم } بناء مبالغة فيتناول كونه عالما بجميع المعلومات ، فلو كان كونه سميعا عبارة عن علمه بالمسموعات لزم التكرار وأنه غير جائز ، فوجب أن يكون صفة كونه تعالى سميعا أمرا زائدا على وصفه بكونه عليما والله أعلم بالصواب . أما قوله : { بمثل ما ءامنتم به } ففيه إشكال وهو أن الذي آمن به المؤمنون ليس له مثل ، وجوابه . ! 7 < { صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون } > 7 ! < < البقرة : ( 138 ) صبغة الله ومن . . . . .

Bölüm V04/P077–V04/P078

> > اعلم أنه تعالى لما ذكر الجواب الثاني وهو أن ذكر ما يدل على صحة هذا الدين ذكر بعده ما يدل على أن دلائل هذا الدين واضحة جلية فقال : { صبغة الله } ثم في الآية مسائل : المسألة الأولى : الصبغ ما يلون به الثياب ويقال : صبغ الثوب يصبغه بفتح الباء وكسرها وضمها ثلاث لغات صبغا بفتح الصاد وكسرها لغتان . ( والصبغة ) فعلة من صبغ كالجلسة من جلس ، وهي الحالة التي يقع عليها الصبغ ، ثم اختلفوا في المراد بصبغة الله على أقوال . الأول : أنه دين الله وذكروا في أنه لم سمي دين الله بصبغة الله وجوه . أحدها : أن بعض النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ويقولون : هو تطهير لهم . وإذا فعل الواحد بولده ذلك قال : الآن صار نصرانيا . فقال الله تعالى : اطلبوا صبغة الله وهي الدين ، والإسلام لا صبغتهم ، والسبب في إطلاق لفظ الصبغة على الدين طريقة المشاكلة كما تقول لمن يغرس الأشجار وأنت تريد أن تأمره بالكرم : اغرس كما يغرس فلان تريد رجلا مواظبا على الكرم ، ونظيره قوله تعالى : { إنما نحن مستهزءون الله يستهزىء بهم } ( البقرة : 14 ، 15 ) ، { يخادعون الله وهو خادعهم } ( النساء : 142 ) ، { ومكروا ومكر الله } ( آل عمران : 54 ) ، { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ( الشورى : 40 ) ، { إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم } ( هود : 38 ) . وثانيها : اليهود تصبغ أولادها يهودا والنصارى تصبغ أولادها نصارى بمعنى يلقونهم فيصبغونهم بذلك لما يشربون في قلوبهم ، عن قتادة قال ابن الأنباري : يقال : فلان يصبغ فلانا في الشيء ، أي يدخله فيه ويلزمه إياه كما يجعل الصبغ لازما للثواب وأنشد ثعلب : دع الشر وأنزل بالنجاة تحرزا إذا أنت لم يصبغك في الشر صابغ وثالثها : سمي الدين صبغة لأن هيئته تظهر بالمشاهدة من أثر الطهارة والصلاة ، قال الله تعالى : { سيماهم فى وجوههم من أثر السجود } ( الفتح : 29 ) . ورابعها : قال القاضي قوله : { صبغة الله } متعلق بقوله : { قولوا ءامنا بالله } ( البقرة : 136 ) إلى قوله : { ونحن له مسلمون } ( العنكبوت : 46 ) فوصف هذا الإيمان منهم بأنه صبغة الله تعالى ليبين أن المباينة بين هذا الدين الذي اختاره الله ، وبين الدين الذي اختاره المبطل ظاهرة جلية ، كما تظهر المباينة بين الألوان والأصباغ لذي الحس السليم . القول الثاني : أن صبغة الله فطرته وهو كقوله : { فطرة الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله } ( الروم : 30 ) ومعنى هذا الوجه أن الإنسان موسوم في تركيبه وبنيته بالعجز والفاقة ، والآثار الشاهدة عليه بالحدوث والافتقار إلى الخالق فهذه الآثار كالصبغة له وكالسمة اللازمة . قال القاضي : من حمل قوله : { صبغة الله } على الفطرة فهو مقارب في المعنى ، لقول من يقول : هو دين الله لأن الفطرة التي أمروا بها هو الذي تقتضيه الأدلة من عقل وشرع ، وهو الدين أيضا ، لكن الدين أظهر لأن المراد على ما بينا هو الذي وصفوا أنفسهم به في قوله / { قولوا ءامنا بالله } فكأنه تعالى قال في ذلك : إن دين الله الذي ألزمكم التمسك به فالنفع به سيظهر دينا ودنيا كظهور حسن الصبغة ، وإذا حمل الكلام على ما ذكرناه لم يكن لقول من يقول : إنما قال ذلك لعادة جارية لليهود والنصارى في صبغ يستعملونه في أولادهم معنى / لأن الكلام إذا استقام على أحسن الوجوه بدونه فلا فائدة فيه ولنذكر الآن بقية أقوال المفسرين :

Bölüm V04/P078–V04/P079

القول الثالث : أن صبغة الله هي الختان ، الذي هو تطهير ، أي كما أن المخصوص الذي للنصارى تطهير لهم فكذلك الختان تطهير للمسلمين عن أبي العالية . القول الرابع : إنه حجة الله ، عن الأصم ، وقيل : إنه سنة الله ، عن أبي عبيدة ، والقول الجيد هو الأول ، والله أعلم . المسألة الثانية : في نصب صبغة أقوال . أحدها : أنه بدل من ملة وتفسير لها . الثاني : اتبعوا صبغة الله . الثالث : قال سيبويه : إنه مصدر مؤكد فينتصب عن قوله : { بالله فإذا } كما انتصب وعد الله عما تقدمه . أما قوله : { ومن أحسن من الله صبغة } فالمراد أنه يصبغ عباده بالإيمان ويطهرهم به من أوساخ الكفر ، فلا صبغة أحسن من صبغته . أما قوله تعالى : { ونحن له عابدون } فقال صاحب ( الكشاف ) : إنه عطف على : { بالله فإذا } وهذا يرد قول من يزعم أن صبغة الله بدل من ملة إبراهيم أو نصب على الإغراء بمعنى عليكم صبغة الله لما فيه من فك النظم وانتصابها على أنها مصدر مؤكد هو الذي ذكره سيبويه ، والقول ما قالت حذام . ! 7 < { قل أتحآجوننا فى الله وهو ربنا وربكم ولنآ أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون } > 7 ! < < البقرة : ( 139 ) قل أتحاجوننا في . . . . . > > اعلم أن في الآية مسائل : المسألة الأولى : اختلفوا في تلك المحاجة وذكروا وجوها . أحدها : أن ذلك كان قولهم أنهم أولى بالحق والنبوة لتقدم النبوة فيهم والمعنى : أتجادلوننا في أن الله اصطفى رسول من العرب لا منكم وتقولون : لو أنزل الله على أحد لأنزل عليكم ، وترونكم أحق بالنبوة منا . وثانيها : قولهم : نحن أحق بالإيمان من العرب الذين عبدوا الأوثان . وثالثها : قولهم ؛ { نحن أبناء الله وأحباؤه } وقولهم : { لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى } ( البقرة : 111 ) وقولهم : { كونوا هودا أو نصارى تهتدوا } ( البقرة : 135 ) عن الحسن . ورابعها : { أتحاجوننا فى الله } أي : أتحاجوننا في دين الله . المسألة الثانية : هذه المحاجة كانت مع من ؟ ذكروا فيه وجوها . أحدها : أنه خطاب لليهود / والنصارى . وثانيها : أنه خطاب مع مشركي العرب حيث قالوا : { لولا أنزل هاذا القرءان على رجل من القريتين عظيم } ( الزخرف : 31 ) والعرب كانوا مقرين بالخالق . وثالثها : أنه خطاب مع الكل ، والقول الأول أليق بنظم الآية . أما قوله : { وهو ربنا وربكم } ففيه وجهان . الأول : أنه أعلم بتدبير خلقه وبمن يصلح للرسالة وبمن لا يصلح لها ، فلا تعترضوا على ربكم ، فإن العبد ليس له أن يعترض على ربه ، بل يجب عليه تفويض الأمر بالكلية له . الثاني : أنه لا نسبة لكم إلى الله تعالى إلا بالعبودية ، وهذه النسبة مشتركة بيننا وبينكم ، فلم ترجحون أنفسكم علينا ، بل الترجيح من جانبنا لأنا مخلصون له في العبودية ، ولستم كذلك ، وهو المراد بقوله : { ونحن له } وهذا التأويل أقرب .

Bölüm V04/P079–V04/P080

أما قوله تعالى : { وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم } فالمراد منه النصيحة في الدين كأنه تعالى قال لنبيه : قل لهم هذا القول على وجه الشفقة والنصيحة ، أي لا يرجع إلى من أفعالكم القبيحة ضرر حتى يكون المقصود من هذا القول دفع ذلك الضرر وإنما المراد نصحكم وإرشادكم إلى الأصلح ، وبالجملة فالإنسان إنما يكون مقبول القول إذا كان خاليا عن الأغراض الدنيوية ، فإذا كان لشيء من الأغراض لم ينجع قوله في القلب ألبتة فهذا هو المراد فيكون فيه من الردع والزجر ما يبعث على النظر وتحرك الطباع على الاستدلال وقبول الحق ، وأما معنى الإخلاص فقد تقدم . ! 7 < { أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل ءأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون } > 7 < البقرة : ( 140 ) أم تقولون إن . . . . . > > @81@ اعلم أن في الآية مسألتين : المسألة الأولى : قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم : { أم تقولون } بالتاء على المخاطبة كأنه قال : أتحاجوننا أم تقولون ، والباقون بالياء على أنه إخبار عن اليهود والنصارى فعلى الأول يحتمل أن تكون ( أم ) متصلة وتقديره : بأي الحجتين تتعلقون في أمرنا ، أبالتوحيد فنحن موحدون ، أم باتباع دين الأنبياء فنحن متبعون ؟ وأن تكون منقطعة بمعنى : بل أتقولون والهمزة للإنكار أيضا ، وعلى الثاني تكون منقطعة لانقطاع معناه بمعنى الانقطاع إلى حجاج آخر غير الأول ، كأنه قيل : أتقولون إن الأنبياء كانوا قبل نزول التوراة والإنجيل هودا أو نصارى . / المسألة الثانية : إنما أنكر الله تعالى ذلك القول عليهم لوجوه . أحدها : لأن محمدا صلى الله عليه وسلم ثبتت نبوته بسائر المعجزات ، وقد أخبر عن كذبهم في ذلك فثبت لا محالة كذبهم فيه . وثانيها : شهادة التوراة والإنجيل على أن الأنبياء كانوا على التوحيد والحنيفية . وثالثها : أن التوراة والإنجيل أنزلا بعدهم . ورابعها : أنهم ادعوا ذلك من غير برهان فوبخهم الله تعالى على الكلام في معرض الاستفهام على سبيل الإنكار والغرض منه الزجر والتوبيخ وأن يقرر الله في نفوسهم أنهم يعلمون أنهم كانوا كاذبين فيما يقولون . أما قوله تعالى : { قل ءأنتم أعلم أم الله } فمعناه أن الله أعلم وخبره أصدق وقد أخبر في التوراة والإنجيل وفي القرآن على لسان محمد صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا مسلمين مبرئين عن اليهودية والنصرانية . فإن قيل : إنما يقال هذا فيمن لا يعلم وهم علموه وكتموه فكيف يصح الكلام ؟ قلنا : من قال : إنهم كانوا على ظن وتوهم فالكلام ظاهر ومن قال : علموا وجحدوا فمعناه أن منزلتكم منزلة المعترضين على ما يعلم أن الله أخبر به فلا ينفعه ذلك مع إقراره بأن الله أعلم .

Bölüm V04/P080–V04/P081

أما قوله : { ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله } ففيه ثلاثة أوجه . أحدها : أن في الآية تقديما وتأخيرا والتقدير : ومن أظلم عند الله ممن كتم شهادة حصلت عنده كقولك : ومن أظلم من زيد من جملة الكاتمين للشهادة والمعنى . لو كان إبراهيم وبنوه هود أو نصارى ، ثم إن الله كتم هذه الشهادة لم يكن أحد ممن يكتم شهادة أظلم منه لكن لما استحال ذلك مع عدله وتنزهه عن الكذب ، علمنا أنه ليس الأمر كذلك . وثانيها : ومن أظلم منكم معاشر اليهود والنصارى إن كتمتم هذه الشهادة من الله فمن في قوله : { من الله } تتعلق بالكاتم على القول الأول وبالمكتوم منه على القول الثاني كأنه قال : ومن أظلم ممن عنده شهادة فلم يقمها عند الله بل كتمها وأخفاها . وثالثها : أن يكون : { من } في قوله : { من الله } صلة الشهادة والمعنى : ومن أظلم ممن كتم شهادة جاءته من عند الله فجحدها كقول الرجل لغيره عندي شهادة منك ، أي شهادة سمعتها منك وشهادة جاءتني من جهتك ومن عندك . أما قوله : { وما الله بغافل عما تعملون } فهو الكلام الجامع لكل وعيد ، ومن تصور أنه تعالى عالم بسره وإعلانه ولا يخفى عليه خافية أنه من وراء مجازاته إن خيرا فخير وإن شرا فشر لا يمضي عليه طرفة عين إلا وهو حذر خائف ألا ترى أن أحدنا لو كان عليه رقيب من جهة سلطان يعد عليه الأنفاس لكان دائم الحذر والوجل مع أن ذلك الرقيب لا يعرف إلا الظاهر / فكيف بالرب الرقيب الذي يعلم السر وأخفى إذا هدد وأوعد بهذا الجنس من القول . ! 7 < { تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون } > 7 < البقرة : ( 141 - 142 ) تلك أمة قد . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما حاج اليهود في هؤلاء الأنبياء بهذه الآية لوجوه . أحدها : ليكون وعظا لهم وزجرا حتى لا يتكلوا على فضل الآباء فكل واحد يؤخذ بعمله . وثانيها : أنه تعالى بين أنه متى لا يستنكر أن يكون فرضكم عين فرضهم لاختلاف المصالح لم يستنكر أن تختلف المصالح فينقلكم محمد صلى الله عليه وسلم من ملة إلى ملة أخرى . وثالثها : أنه تعالى لما ذكر حسن طريقة الأنبياء الذين ذكرهم في هذه الآيات بين أن الدليل لا يتم بذلك بل كل إنسان مسؤول عن عمله ، ولا عذر له في ترك الحق بأن توهم أنه متمسك بطريقة من تقدم ، لأنهم أصابوا أم أخطأوا لا ينفع هؤلاء ولا يضرهم لئلا يتوهم أن طريقة الدين التقليد ، فإن قيل لم كررت الآية ؟ قلنا فيه قولان ، أحدهما : أنه عني بالآية الأولى إبراهيم ومن ذكر معه ، والثانية أسلاف اليهود . قال الجبائي قال القاضي : هذا بعيد لأن أسلاف اليهود والنصارى لم يجر لهم ذكر مصرح وموضع الشبهة في هذا القول أن القوم لما قالوا في إبراهيم وبنيه إنهم كانوا هودا فكأنهم قالوا : إنهم كانوا على مثل طريقة أسلافنا من اليهود فصار سلفهم في حكم المذكورين فجاز أن يقول : { تلك أمة قد خلت } ويعينهم ولكن ذلك كالتعسف بل المذكور السابق هو إبراهيم وبنوه فقوله : { تلك أمة } يجب أن يكون عائدا إليهم ، والقول الثاني : أنه متى اختلفت الأوقات والأحوال والمواطن لم يكن التكرار عبثا فكأنه تعالى قال : ما هذا إلا بشر فوصف هؤلاء الأنبياء فيما أنتم عليه من الدين لا يسوغ التقليد في هذا الجنس فعليكم بترك الكلام في تلك الأمة فلها ما كسبت وانظروا فيما دعاكم إليه محمد صلى الله عليه وسلم ، فإن ذلك أنفع لكم وأعود عليكم ولا تسألون إلا عن عملكم .

Bölüm V04/P081–V04/P082

! 7 < { سيقول السفهآء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدى من يشآء إلى صراط مستقيم } > 7 ! < < البقرة : ( 142 ) سيقول السفهاء من . . . . . > > اعلم أن هذا هو الشبهة الثانية من الشبه التي ذكرها اليهود والنصارى طعنا في الإسلام فقالوا : النسخ يقتضي إما الجهل أو التجهيل ، وكلاهما لا يليق بالحكيم ، وذلك لأن الأمر إما أن يكون خاليا عن القيد ، وإما أن يكون مقيدا بلا دوام ، وإما أن يكون مقيدا بقيد الدوام ، فإن كان خاليا عن القيد لم يقتض الفعل إلا مرة واحدة ، فلا يكون ورود الأمر بعد ذلك على خلافه ناسخا وإن كان مقيدا بقيد اللا دوام فههنا ظاهر أن الوارد بعده على خلافه لا يكون ناسخا له ، وإن كان مقيدا بقيد الدوام فإن كان الأمر يعتقد فيه أنه يبقى دائما مع أنه ذكر لفظا يدل على أنه يبقى دائما ثم إنه رفعه بعد ذلك ، فههنا كان جاهلا ثم بدا له ذلك ، وإن كان عالما بأنه لا يبقى دائما مع أنه / ذكر لفظا يدل على أنه يبقى دائما كان ذلك تجهيلا فثبت أن النسخ يقتضي إما الجهل أو التجهيل وهما محالان على الله تعالى ، فكان النسخ منه محالا ، فالآتي بالنسخ في أحكام الله تعالى يجب أن يكون مبطلا فبهذا الطريق توصلوا بالقدح في نسخ القبلة إلى الطعن في الإسلام ، ثم إنهم خصصوا هذه الصورة بمزيد شبهة فقالوا : إنا إذا جوزنا النسخ إنما نجوزه عند اختلاف المصالح وههنا الجهات متساوية في أنها لله تعالى ومخلوقة له فتغيير القبلة من جانب فعل خال عن المصلحة فيكون عبثا والعبث لا يليق بالحكيم ، فدل هذا على أن هذا التغيير ليس من الله تعالى ، فتوصلوا بهذا الوجه إلى الطعن في الإسلام ، ولنتكلم الآن في تفسير الألفاظ ثم لنذكر الجواب عن هذه الشبهة على الوجه الذي قرره الله تعالى في كتابه الكريم .

Bölüm V04/P082–V04/P083

أما قوله : { سيقول السفهاء } ففيه قولان . الأول : وهو اختيار القفال أن هذا اللفظ وإن كان للمستقبل ظاهرا لكنه قد يستعمل في الماضي أيضا ، كالرجل يعمل عملا فيطعن فيه بعض أعدائه فيقول : أنا أعلم أنهم سيطعنون علي فيما فعلت ، ومجاز هذا أن يكون القول فيما يكرر ويعاد ، فإذا ذكروه مرة فسيذكرونه بعد ذلك مرة أخرى ، فصح على هذا التأويل أن يقال : سيقول السفهاء من الناس ذلك ، وقد وردت الأخبار أنهم لما قالوا ذلك نزلت الآية . القول الثاني : إن الله تعالى أخبر عنهم قبل أن ذكروا هذا الكلام أنهم سيذكرونه وفيه فوائد . أحدها : أنه عليه الصلاة والسلام إذا أخبر عن ذلك قبل وقوعه ، كان هذا اخبارا عن الغيب فيكون معجزا . وثانيها : أنه تعالى إذا أخبر عن ذلك أولا ثم سمعه منهم ، فإنه يكون تأذية من هذا الكلام أقل مما إذا سمعه منهم أولا . وثالثها : أن الله تعالى إذا أسمعه ذلك أولا ثم ذكر جوابه معه فحين يسمعه النبي عليه الصلاة والسلام منهم يكون الجواب حاضرا ، فكان ذلك أولى مما إذا سمعه ولا يكون الجواب حاضرا ، وأما السفه في أصل اللغة فقد شرحناه في تفسير قوله تعالى : { قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء } ( البقرة : 13 ) وبالجملة فإن من لا يميز بين ما له وعليه ، ويعدل عن طريق منافعه إلى ما يضره ، يوصف بالخفة والسفه ، ولا شك أن الخطأ في باب الدين أعظم مضرة منه في باب الدنيا فإذا كان العادل عن الرأي الواضح في أمر دنياه يعد سفيها ، فمن يكون كذلك في أمر دينه كان أولى بهذا الاسم فلا كافر إلا وهو سفيه فهذا اللفظ يمكن حمله على اليهود ، وعلى المشركين وعلى المنافقين ، وعلى جملتهم ، ولقد ذهب إلى كل واحد من هذه الوجوه قوم من المفسرين . فأولها : قال ابن عباس ومجاهد : هم اليهود ، وذلك لأنهم كانوا يأتسون بموافقة الرسول لهم في القبلة ، وكانوا يظنون أن موافقته لهم في القبلة ربما تدعوه إلى أن يصير موافقا لهم بالكلية ، فلما تحول عن تلك القبلة استوحشوا من ذلك واغتموا وقالوا : قد عاد إلى طريقة آبائه ، واشتاق إلى دينهم ، ولو ثبت على قبلتنا لعلمنا أنه الرسول المنتظر المبشر به في التوراة ، فقالوا : ما حكى الله عنهم في هذه الآية . وثالثها : قال ابن عباس والبراء بن عازب والحسن والأصم ، إنهم مشركو العرب ، وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام كان متوجها إلى / بيت المقدس حين كان بمكة ، والمشركون كانوا يتأذون منه بسبب ذلك فلما جاء إلى المدينة وتحول إلى الكعبة قالوا : أبى إلا الرجوع إلى موافقتنا ، ولو ثبت عليه لكان أولى به . وثالثها : أنهم المنافقون وهو قول السدي ، وهؤلاء إنما ذكروا ذلك استهزاء من حيث لا يتميز بعض الجهات عن بعض بخاصية معقولة تقتضي تحويل القبلة إليها ، فكان هذا التحويل مجرد البعث والعمل بالرأي والشهوة ، وإنما حملنا لفظ السفهاء على المنافقين لأن هذا الاسم مختص بهم ، قال الله تعالى : { ألا إنهم هم السفهاء ولاكن لا يعلمون } ( البقرة : 13 ) . ورابعها : أنه يدخل فيه الكل لأن لفظ السفهاء لفظ عموم دخل فيه الألف واللام ، وقد بينا صلاحيته لكل الكفار بحسب الدليل العقلي والنص أيضا يدل عليه وهو قوله : { ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه } ( البقرة : 130 ) فوجب أن يتناول الكل .

Bölüm V04/P083

قال القاضي : المقصود من الآية بيان وقوع هذا الكلام منهم في الجملة وإذا كان كذلك لم يكن ادعاء العموم فيه بعيدا قلنا : هذا القدر لا ينافي العموم ولا يقتضي تخصيصه بل الأقرب أن يكون الكل قد قال ذلك لأن الأعداء مجبولون على القدح والطعن فإذا وجدوا مجالا لم يتركوا مقالا ألبتة .

Bölüm V04/P083–V04/P084

أما قوله تعالى : { ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها } ففيه مسائل : المسألة الأولى : ولاه عنه صرفه عنه وولى إليه بخلاف ولى عنه ومنه قوله : { ومن يولهم يومئذ دبره } ( الأنفال : 16 ) وقوله : { ما ولاهم } استفهام على جهة الاستهزاء والتعجب . المسألة الثانية : في هذا التولي وجهان . الأول : وهو المشهور المجمع عليه عند المفسرين : أنه لما حولت القبلة إلى الكعبة من بيت المقدس عاب الكفار المسلمين فقالوا : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها فالضمير في قوله : { ما ولاهم } للرسول والمؤمنين والقبلة التي كانوا عليها هي بيت المقدس ، واختلفت الروايات في أنه عليه الصلاة والسلام متى حول القبلة بعد ذهابه إلى المدينة فعن أنس بن مالك رضي الله عنه بعد تسعة أشهر أو عشرة أشهر ، وعن معاذ بعد ثلاثة عشر شهرا وعن قتادة بعد ستة عشر شهرا وعن ابن عباس والبراء بن عازب بعد سبعة عشر شهرا ، وهذا القول أثبت عندنا من سائر الأقوال وعن بعضهم ثمانية عشر شهرا من مقدمه . قال الواقدي : صرفت القبلة يوم الاثنين النصف من رجب على رأس سبعة عشر شهرا ، وقال آخرون : بل سنتان . الوجه الثاني : قول أب مسلم وهو أنه لما صح الخبر بأن الله تعالى حوله عن بيت المقدس إلى الكعبة وجب القول به ، ولولا ذلك لاحتمل لفظ الآية أن يراد بقوله كانوا عليها ، أي السفهاء كانوا عليها فإنهم كانوا لا يعرفون إلا قبلة اليهود وقبلة النصارى ، فالأولى إلى المغرب والثانية إلى المشرق ، وما جرت عادتهم بالصلاة حتى يتوجهوا إلى شيء من الجهات فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم متوجها نحو الكعبة كان ذلك عندهم مستنكرا ، فقالوا : كيف يتوجه أحد إلى هاتين الجهتين المعروفتين ، فقال الله تعالى رادا عليهم ؛ { قل لله المشرق والمغرب } واعلم أن أبا مسلم صدق فإنه لولا الروايات الظاهرة لكان هذا القول محتملا والله أعلم . / المسألة الثالثة : قال القفال : القبلة هي الجهة التي يستقبلها الإنسان ، وهي من المقابلة ، وإنما سميت القبلة قبلة لأن المصلي يقابلها وتقابله ، وقال قطرب : يقولون في كلامهم ليس لفلان قبلة ، أي ليس له جهة يأوي إليها ، وهو أيضا مأخوذ من الإستقبال ، وقال غيره : إذ تقابل الرجلان فكل واحد منهما قبلة للآخر ، وقال بعض المحدثين : جعلت مأواك لي قرارا وقبلة حيثما لجأت

Bölüm V04/P084

أما قوله تعالى : { قل لله المشرق والمغرب } فاعلم أن هذا هو الجواب الأول عن تلك الشبهة ، وتقريره أن الجهات كلها لله ملكا وملكا ، فلا يستحق شيء منها لذاته أن يكون قبلة ، بل إنما تصير قبلة لأن الله تعالى جعلها قبلة ، وإذا كان الأمر كذلك فلا اعتراض عليه بالتحويل من جهة إلى جهة أخرى ، فإن قيل : ما الحكمة أولا في تعيين القبلة ؟ ثم ما الحكمة في تحويل القبلة من جهة إلى جهة ؟ قلنا : أما المسألة الأولى ففيها الخلاف الشديد بين أهل السنة والمعتزلة ، أما أهل السنة فإنهم يقولون : لا يجب تعليل أحكام الله تعالى ألبتة ، واحتجوا عليه بوجوه . أحدها : أن كل من فعل فعلا لغرض ، فإما أن يكون وجود ذلك الغرض أولى له من لا وجوده ، وإما أن لا يكون كذلك ، بل الوجود والعدم بالنسبة إليه سيان ، فإن كان الأول ، كان ناقصا لذاته مستكملا بغيره ، وذلك على الله محال ، وإن كان الثاني استحال أن يكون غرضا ومقصودا ومرجحا فإن قيل : إنه وإن كان وجوده وعدمه بالنسبة إليه على السوية إلا أن وجوده لما كان أنفع للغير من عدمه ، فالحكيم يفعله ليعود النفع إلى الغير قلنا : عود النفع إلى الغير ولا عوده إليه ، هل هما بالنسبة إلى الله تعالى على السواء ، أو ليس الأمر كذلك ، وحينئذ يعود التقسيم . وثانيها : أن كل من فعل فعلا لغرض فإما أن يكون قادرا على تحصيل ذلك الغرض من دون تلك الواسطة ، أو لا يكون قادرا عليه . فإن كان الأول كان توسط تلك الواسطة عبثا ، وإن كان الثاني كان عجزا وهو على الله محال . وثالثها : أنه تعالى إن فعل فعلا لغرض فذلك الغرض وإن كان قديما لزم من قدمه قدم الفعل وهو محال ، وإن كان محدثا توقف إحداثه على غرض آخر ، ولزم الدور أو التسلسل وهو محال . ورابعها : أن تخصيص إحداث العالم بوقت معين دون ما قبله وما بعده إن كان لحكمة اختص بها ذلك الوقت دون ما قبله وما بعده كان طلب العلة في أنه لم حصلت تلك الحكمة في ذلك الوقت دون سائر الأوقات كطلب العلة في أنه لم حصل العالم في ذلك الوقت دون سائر الأوقات ، فإن استغنى أحدهما عن المرجح فكذا الآخر ، وإن افتقر فكذا الآخر وإن لم يتوقف ذلك على الحكمة فقد بطل توفيق فاعلية الله على الحكمة والغرض . وخامسها : ما سبق من الدلائل على أن جميع الكائنات من الخير والشر ، والكفر والإيمان ، والطعة والعصيان واقع بقدرة الله تعالى وإرادته ، وذلك يبطل القول بالغرض ، لأنه يستحيل أن يكون لله غرض يرجع إلى العبد في خلق الكفر فيه وتعذيبه عليه أبد الآباد .

Bölüm V04/P084–V04/P085

وسادسها : أن تعلق قدرة الله تعالى وإرادته بإيجاد الفعل المعين في / الأزل ، إما أن يكون جائزا أو وجبا ، فإن كان جائزا افتقر إلى مؤثر آخر ويلزم التسلسل ، ولأنه يلزم صحة العدم على القديم ، وإن كان واجبا فالواجب لا يعلل فثبت عندنا بهذه الوجوه أن تعليل أفعالي الله وأحكامه بالدواعي والأغراض محال ، وإذا كان كذلك كانت فاعليته بمحض الإلهية والقدرة والنفاذ والاستيلاء ، وهذا هو الذي دل عليه صريح قوله تعالى : { قل لله المشرق والمغرب } فإنه علل جواز النسخ بكونه مالكا للمشرق والمغرب ، والملك يرجع حاصله إلى القدرة / ولم يعلل ذلك بالحكمة على ما تقوله المعتزلة ، فثبت أن هذه الآية دالة بصريحها على قولنا ومذهبنا ، أما المعتزلة فقد قالوا : لما دلت الدلائل على أنه تعالى حكيم ، والحكيم لا يجوز أن تكون أفعاله خالية عن الأغراض ، علمنا أن له سبحانه في كل أفعاله وأحكامه حكما وأغراضا ، ثم إنها تارة تكون ظاهرة جلية لنا ، وتارة مستورة خفية عنا ، وتحويل القبلة من جهة إلى جهة أخرى يمكن أن يكون لمصالح خفية وأسرار مطوية عنا ، وإذا كان الأمر كذلك : استحال الطعن بهذا التحويل في دين الإسلام .

Bölüm V04/P085–V04/P086

المسألة الرابعة : في الكلام في تلك الحكم على سبيل التفصيل ، واعلم أن أمثال هذه المباحث لا تكون قطعية ، بل غايتها أن تكون أمورا احتمالية أما تعيين القبلة في الصلاة فقد ذكروا فيه حكما . أحدها : أن الله تعالى خلق في الإنسان قوة عقلية مدركة للمجردات والمعقولات ، وقوة خيالية متصرفة في عالم الأجساد ، وقلما تنفك القوة العقلية عن مقارنة القوة الخيالية ومصاحبتها ، فإذا أراد الإنسان استحضار أمر عقلي مجرد وجب أن يضع له صورة خيالية يحسبها حتى تكون تلك الصورة الخيالية معينة على إدراك تلك المعاني العقلية ، ولذلك فإن المهندس إذا أراد إدراك حكم من أحكام المقادير ، وضع له صورة معينة وشكلا معينا ليصير الحس والخيال معينين للعقل على إدراك ذلك الحكم الكلي ، ولما كان العبد الضعيف إذا وصل إلى مجلس الملك العظيم ، فإنه لا بد وأن يستقبله بوجهه ، وأن لا يكون معرضا عنه ، وأن يبالغ في الثناء عليه بلسانه ، ويبالغ في الخدمة والتضرع له ، فاستقبال القبلة في الصلاة يجري مجرى كونه مستقبلا للملك لا معرضا عنه ، والقراءة والتسبيحات تجري مجرى الثناء عليه والركوع والسجود يجري مجرى الخدمة . وثانيها : أن المقصود من الصلاة حضور القلب وهذا الحضور لا يحصل إلا مع السكون وترك الالتفات والحركة ، وهذا لا يتأتى إلا إذا بقي في جميع صلاته مستقبلا لجهة واحدة على التعيين ، فإذا اختص بعض الجهات بمزيد شرف في الأوهام ، كان استقبال تلك الجهة أولى . وثالثها : أن الله تعالى يحب الموافقة والألفة بين المؤمنين ، وقد ذكر المنة بها عليهم ، حيث قال : { واذكروا نعمة الله عليكم } ( المائدة : 7 ) إلى قوله : { إخوانا } ولو توجه كل واحد في صلاته إلى ناحية أخرى ، لكان ذلك يوهم اختلافا ظاهرا ، فعين الله تعالى لهم جهة معلومة ، وأمرهم جميعا بالتوجه نحوها ، ليحصل لهم الموافقة بسبب ذلك ، وفيه إشارة إلى أن الله تعالى يحب الموافقة بين عباده في أعمال الخير . ورابعها : أن الله تعالى خص الكعبة بإضافتها إليه في قوله : { بيتى } وخص المؤمنين باضافتهم بصفة العبودية إليه ، وكلتا / الإضافتين للتخصيص والتكريم فكأنه تعالى قال : يا مؤمن أنت عبدي ، والكعبة بيتي ، والصلاة خدمتي ، فأقبل بوجهك في خدمتي إلى بيتي ، وبقلبك إلي . وخامسها : قال بعض المشايخ : إن اليهود استقبلوا القبلة لأن النداء لموسى عليه السلام جاء منه ، وذلك قوله : { وما كنت بجانب الغربى } ( القصص : 44 ) الآية ، والنصارى استقبلوا المغرب ، لأن جبريل عليه السلام إنما ذهب إلى مريم عليها السلام من جانب المشرق ، لقوله تعالى : { واذكر فى الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا } ( مريم : 16 ) والمؤمنون استقبلوا الكعبة لأنها قبلة خليل الله ، ومولد حبيب الله ، وهي موضع حرم الله ، وكان بعضهم يقول : استقبلت النصارى مطلع الأنوار ، وقد استقبلنا مطلع سيد الأنوار ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم ، فمن نوره خلقت الأنوار جميعا . وسادسها : قالوا : الكعبة سرة الأرض ووسطها ، فأمر الله تعالى جميع خلقه بالتوجه إلى وسط الأرض في صلاتهم / وهو إشارة إلى أنه يجب العدل في كل شيء ، ولأجله جعل وسط الأرض قبلة للخلق .

Bölüm V04/P086

وسابعها : أنه تعالى أظهر حبه لمحمد عليه الصلاة والسلام بواسطة أمره باستقبال الكعبة ، وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام كان يتمنى ذلك مدة لأجل مخالفة اليهود ، فأنزل الله تعالى : { قد نرى تقلب وجهك في السماء } ( البقرة : 144 ) الآية ، وفي الشاهد إذا وصف واحد من الناس بمحبة آخر قالوا : فلان يحول القبلة لأجل فلان على جهة التمثيل ، فالله تعالى قد حول القبلة لأجل حبيبه محمد عليه الصلاة والسلام على جهة التحقيق ، وقال : { فلنولينك قبلة ترضاها } ( البقرة : 144 ) ولم يقل قبلة أرضاها ، والإشارة فيه كأنه تعالى قال : يا محمد كل أحد يطلب رضاي وأنا أطلب رضاك في الدارين ، أما في الدنيا فهذا الذي ذكرناه وأما في الآخرة فقوله تعالى : { ولسوف يعطيك ربك فترضى } ( الضحى : 5 ) وفيه إشارة أيضا إلى شرف الفقراء : { فتطردهم فتكون من الظالمين } ( الأنعام : 52 ) وقال في الإعراض عن القبلة : { ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين } فكأنه تعالى قال : الكعبة قبلة وجهك ، والفقراء قبلة رحمتي ، فإعراضك عن قبلة وجهك ، يوجب كونك ظالما ، فالأعراض عن قبلة رحمتي كيف يكون . وثامنها : العرش قبلة الحملة ، والكرسي قبلة البررة ، والبيت المعمور قبلة السفرة ، والكعبة قبلة المؤمنين ، والحق قبلة المتحيرين من المؤمنين ، قال الله تعالى : { فأينما تولوا فثم وجه الله } ( البقرة : 115 ) وثبت أن العرش مخلوق من النور ، والكرسي من الدر ، والبيت المعمور من الياقوت ، والكعبة من جبال خمسة : من طور سينا ، وطور زيتا ، والجودي ، ولبنان ، وحراء ، والإشارة فيه كأن الله تعالى يقول : إن كانت عليك ذنوب بمثقال هذه الجبال فأتيت الكعبة حاجا أو توجهت نحوها مصليا كفرتها عنك وغفرتها لك فهذا جملة الوجوه المذكورة في هذا الباب ، والتحقيق هو الأول .

Sorular