Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Bölüm V09/P146–V09/P147

والقول الثالث : في تفسير النحلة قال أبو عبيدة : معنى قوله { نحلة } أي عن طيب نفس ، وذلك لأن النحلة في اللغة العطية من غير أخذ عوض ، كما ينحل الرجل لولده شيئا من ماله / وما أعطى من غير طلب عوض لا يكون إلا عن طيب النفس ، فأمر الله باعطاء مهور النساء من غير مطالبة منهن ولا مخاصمة ، لأن ما يؤخذ بالمحاكمة لا يقال له نحلة . المسألة الخامسة : إن حملنا النحلة على الديانة ففي انتصابها وجهان : أحدهما : أن يكون مفعولا له ، والمعنى آتوهن مهورهن ديانة . والثاني : أن يكون حالا من الصدقات أي دينا من الله شرعه وفرضه ، وأما إن حملنا النحلة على العطية ففي انتصابها أيضا وجهان : أحدهما : أنه نصب / على المصدر ، وذلك لأن النحلة والايتاء بمعنى الاعطاء ، فكأنه قيل : وانحلوا النساء صدقاتهن نحلة أي أعطوهن مهورهن عن طيبة أنفسكم . والثاني : أنها نصب على الحال ، ثم فيه وجهان : أحدهما : على الحال من المخاطبين أي آتوهن صدقاتهن ناحلين طيبي النفوس بالاعطاء . والثاني : على الحال من الصدقات ، أي منحولة معطاة عن طيبة الأنفس . المسألة السادسة : قال أبو حنيفة رضي الله عنه : الخلوة الصحيحة تقرر المهر ، وقال الشافعي رضي الله عنه : لا تقرره احتج أبو حنيفة على صحة قوله بهذه الآية ، وذلك لأن هذا النص يقتضي إيجاب إيتاء المهر بالكلية مطلقا ، ترك العمل به فيما إذا لم يحصل المسيس ولا الخلوة ، فعند حصولهما وجب البقاء على مقتضى الآية . أجاب أصحابنا بأن هذه عامة وقوله تعالى : { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم } ( البقرة : 237 ) يدل على أنه لا يجب فيها إلا نصف المهر ، وهذه الآية خاصة ولا شك أن الخاص مقدم على العام . قوله تعالى : { فإن طبن لكم عن شىء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا } . اعلم أنه تعالى لما أمرهم بايتائهن صدقاتهن عقبه بذكر جواز قبول إبرائها وهبتها له ، لئلا يظن أن عليه إيتاءها مهرها وإن طابت نفسها بتركه ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : نفسا : نصب على التمييز والمعنى : طابت أنفسهن لكم عن شيء من الصداق بنقل الفعل من الأنفس إليهن ، فخرجت النفس مفسرة كما قالوا : أنت حسن وجها ، والفعل في الأصل للوجه ، فلما حول إلى صاحب الوجه خرج الوجه مفسرا لموقع الفعل ، ومثله : قررت به عينا وضقت به ذرعا . المسألة الثانية : إنما وحد النفس لأن المراد به بيان موقع الفعل ، وذلك يحصل بالواحد ومثله عشرون درهما . قال الفراء : لو جمعت كان صوابا كقوله : { الاخسرين أعمالا } ( الكهف : 103 ) . المسألة الثالثة : من : في قوله : { منه } ليس للتبعيض ، بل للتبيين والمعنى عن شيء من هذا الجنس الذي هو مهر كقوله : { فاجتنبوا الرجس من الاوثان } ( الحج : 30 ) وذلك أن المرأة لو طابت نفسها عن جميع المهر حل للزوج أن يأخذه بالكلية . المسألة الرابعة : منه : أي من الصدقات أو من ذلك وهو كقوله تعالى : { قل أؤنبئكم بخير من ذالكم } ( آل عمران : 15 ) بعد ذكر الشهوات . وروي أنه لما قال رؤبة : فيها خطوط من سواد وبلق كأنه في الجلد توليع البهق

Bölüm V09/P147–V09/P148

فقيل له : الضمير في قوله ( كأنه ) ان عاد إلى الخطوط كان يجب أن تقول : كأنها ، وان عاد إلى السواد والبلق كان يجب أن تقول : كأنهما ، فقال : أردت كأن ذاك ، وفيه وجه آخر وهو أن الصدقات في معنى الصداق لأنك لو قلت : وآتوا النساء صداقهن لكان المقصود حاصلا ، وفيه وجه ثالث : وهو أن الفائدة في تذكير الضمير أن يعود ذلك إلى بعض الصداق ، والغرض منه ترغيبها في أن لا تهب إلا بعض الصداق . المسألة الخامسة : معنى الآية : فان وهبن لكم شيئا من الصداق عن طيبة النفس من غير أن يكون السبب فيه شكاسة أخلاقكم معهن ، أو سوء معاشرتكم معهن ، فكلوه وأنفقوه ، وفي الآية دليل على ضيق المسلك في هذا الباب / ووجوب الاحتياط ، حيث بنى الشرط على طيب النفس فقال : { فإن طبن } ولم يقل : فان وهبن أو سمحن ، إعلاما بأن المراعى هو تجافي نفسها عن الموهوب طيبة . المسألة السادسة : الهنيء والمريء : صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ ، إذا كان سائغا لا تنغيص فيه ، وقيل : الهنىء ما يستلذه الآكل ، والمريء ما يحمد عاقبته ، وقيل : ما ينساغ في مجراه ، وقيل : لمدخل الطعام من الحلقوم إلى فم المعدة : المريء لمروء الطعام فيه وهو انسياغه . وحكى الواحدي عن بعضهم أن أصل الهنيء من الهناء وهو معالجة الجرب بالقطران ، فالهنيء شفاء من الجرب ، قال المفسرون : المعنى انهن إذا وهبن مهورهن من أزواجهن عن طيبة النفس لم يكن على الأزواج في ذلك تبعة لا في الدنيا ولا في الآخرة ، وبالجملة فهو عبارة عن التحليل ، والمبالغة في الاباحة وإزالة التبعة . المسألة السابعة : قوله : { هنيئا مريئا } وصف للمصدر ، أي أكلا هنيئا مريئا ، أو حال من الضمير أي كلوهو وهو هنيء مريء ، وقد يوقف على قوله : { فكلوه } ثم يبتدأ بقوله : { هنيئا مريئا } على الدعاء وعلى أنهما صفتان أقيمتا مقام المصدرين كأنه قيل : هنأ مرأ . المسألة الثامنة : دلت هذه الآية على أمور : منها : ان المهر لها ولا حق للولي فيه ، ومنها جواز هبتها المهر للزوج ، وجواز أن يأخذه الزوج ، لأن قوله : { فكلوه هنيئا مريئا } يدل على المعنيين ، ومنها جواز هبتها المهر قبل القبض ، لأن الله تعالى لم يفرق بين الحالتين . وههنا بحث وهو أن قوله : { فكلوه هنيئا مريئا } يتناول ما إذ كان المهر عينا ، أما إذا كان دينا / فالآية غير متناولة له ، فانه لا يقال لما في الذمة : كله هنيئا مريئا . قلنا : المراد بقوله : { فكلوه هنيئا مريئا } ليس نفس الأكل ، بل المراد منه حل التصرفات ، وإنما خص الأكل بالذكر لأن معظم المقصود من المال إنما هو الأكل ، ونظيره قوله تعالى : { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما } ( النساء : 10 ) وقال : { لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } .

Bölüm V09/P148–V09/P149

المسألة التاسعة : قال بعض العلماء : ان وهبت ثم طلبت بعد الهبة علم أنها لم تطب عنه نفسا ، وعن الشعبي : أن امرأة جاءت مع زوجها شريحا في عطية أعطتها إياه وهي تطلب الرجوع فقال شريح : رد عليها ، فقال الرجل أليس قد قال الله تعالى : { فإن طبن لكم عن شىء } فقال : لو طابت نفسها عنه لما رجعت فيه . وروي عنه أيضا : أقيلها فيما وهبت ولا أقيله لأنهن يخدعن ، وحكي أن رجلا من آل أبي معيط أعطته امرأته ألف دينار صداقا كان لها عليه ، فلبث شهرا ثم طلقها ، فخاصمته إلى عبد الملك بن مروان ، فقال الرجل : أعطتني طيبة به نفسها ، فقال عبد الملك : فان الآية التي بعدها { فلا تأخذوا منه شيئا } اردد عليها . وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه كتب إلى قضاته : ان النساء يعطين رغبة ورهبة ، فايما امرأة أعطته ثم أرادت أن ترجع فذلك لها والله أعلم . ! 7 < { ولا تؤتوا السفهآء أموالكم التى جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا } . > 7 ! < < النساء : ( 5 ) ولا تؤتوا السفهاء . . . . . > > واعلم أن هذا هو النوع الثالث من الأحكام المذكورة في هذه السورة . واعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها هو كأنه تعالى يقول : إني وإن كنت أمرتكم بايتاء اليتامى أموالهم وبدفع صدقات النساء اليهن ، فانما قلت ذلك إذا كانوا عاقلين بالغين متمكنين من حفظ أموالهم ، فأما إذا كانوا غير بالغين ، أو غير عقلاء ، أو ان كانوا بالغين عقلاء إلا أنهم كانوا سفهاء مسرفين ، فلا تدفعوا اليهم أموالهم وأمسكوها لأجلهم إلى أن يزول عنهم السفه ، والمقصود من كل ذلك الاحتياط في حفظ أموال الضعفاء والعاجزين . وفي الآية مسائل : / المسألة الأولى : في الآية قولان : الأول : أنها خطاب الأولياء فكأنه تعالى قال : أيها الأولياء لا تؤتوا الذين يكونون تحت ولايتكم وكانوا سفهاء أموالهم . والدليل على أنه خطاب الأولياء قوله : { وارزقوهم فيها واكسوهم } وأيضا فعلى هذا القول يحسن تعلق الآية بما قبلها كما قررناه . فان قيل : فعلى هذا الوجه كان يجب أن يقال : ولا تؤتوا السفهاء أموالهم ، فلم قال أموالكم ؟ قلنا : في الجواب وجهان : الأول : أنه تعالى أضاف المال اليهم لا لأنهم ملكوه ، لكن من حيث ملكوا التصرف فيه ، ويكفي في حسن الاضافة أدنى سبب ، الثاني : إنما حسنت هذه الاضافة إجراء للوحدة بالنوع مجرى الوحدة بالشخص ، ونظيره قوله تعالى : { لقد جاءكم رسول من أنفسكم } ( التوبة : 128 ) وقوله : { وما ملكت أيمانكم } ( النساء : 36 ) وقوله : { فاقتلوا أنفسكم } وقوله : { ثم أنتم هاؤلاء تقتلون أنفسكم } ( البقرة : 85 ) ومعلوم أن الرجل منهم ما كان يقتل نفسه ، ولكن كان بعضهم يقتل بعضا ، وكان الكل من نوع واحد ، فكذا ههنا المال شيء ينتفع به نوع الانسان ويحتاج اليه . فلأجل هذه الوحدة النوعية حسنت إضافة أموال السفهاء إلى أوليائهم .

Bölüm V09/P149–V09/P150

والقول الثاني : أن هذه الآية خطاب الآباء فنهاهم الله تعالى اذا كان أولادهم سفهاء لا يستقلون بحفظ المال وإصلاحه أن يدفعوا أموالهم أو بعضها اليهم ، لما كان في ذلك من الافساد ، فعلى هذا الوجه يكون إضافة الأموال اليهم حقيقة ، وعلى هذا القول يكون الغرض من الآية الحث على حفظ المال والسعي في أن لا يضيع ولا يهلك ، وذلك يدل على أنه ليس له أن يأكل جميع أمواله ويهلكها ، واذا قرب أجله فانه يجب عليه أن يوصي بماله إلى أمين يحفظ ذلك المال على ورثته ، وقد ذكرنا أن القول الأول أرجح لوجهين ، ومما يدل على هذا الترجيح أن ظاهر النهي للتحريم ، وأجمعت الأمة على أنه لا يحرم عليه أن يهب من أولاده الصغار ومن النسوان ما شاء من ماله ، وأجمعوا على أنه يحرم على الولي أن يدفع إلى السفهاء أموالهم ، واذا كان كذلك وجب حمل الآية على القول الأول لا على هذا القول الثاني والله أعلم . الثاني : أنه قال في آخر الآية : { وقولوا لهم قولا معروفا } ولا شك أن هذه الوصية بالأيتام أشبه ، لان المرء مشفق بطبعه على ولده ، فلا يقول له إلا المعروف ، وإنما يحتاج إلى هذه الوصية مع الأيتام الأجانب ، ولا يمتنع أيضا حمل الآية على كلا الوجهين . قال القاضي : هذا بعيد لأنه يقتضي حمل قوله : { أموالكم } على الحقيقة والمجاز جميعا ، ويمكن أن يجاب عنه بأن قوله : { أموالكم } يفيد كون تلك الأموال مختصة بهم اختصاصا يمكنه التصرف فيها ، ثم إن هذا الاختصاص حاصل في المال الذي يكون مملوكا له / وفي المال الذي يكون مملوكا للصبي ، إلا أنه يجب تصرفه ، فهذا التفاوت واقع في مفهوم خارج من المفهوم المستفاد من قوله : / { أموالكم } واذا كان كذلك لم يبعد حمل اللفظ عليهما من حيث أن اللفظ أفاد معنى واحدا مشتركا بينهما . المسألة الثانية : ذكروا في المراد بالسفهاء أوجها : الأول : قال مجاهد وجويبر عن الضحاك السفهاء ههنا النساء سواء كن أزواجا أو أمهات أو بنات . وهذا مذهب ابن عمر ، ويدل على هذا ما روى أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ألا انما خلقت النار للسفهاء يقولها ثلاثا ألا وإن السفهاء النساء الا امرأة أطاعت قيمها ) . فان قيل : لو كان المراد بالسفهاء النساء لقال : السفائه . أو السفيهات في جمع السفيهة نحو غرائب وغريبات في جمع الغريبة . أجاب الزجاج : بأن السفهاء في جمع السفيهة جائز كما أن الفقراء في جمع الفقيرة جائز . والقول الثاني : قال الزهري وابن زيد : عني بالسفهاء ههنا السفهاء من الأولاد ، يقول : لا تعط مالك الذي هو قيامك ، ولدك السفيه فيفسده . القول الثالث : المراد بالسفهاء هم النساء والصبيان في قول ابن عباس والحسن وقتادة وسعيد ابن جبير ، قالوا اذا علم الرجل أن امرأته سفيهة مفسدة ، وان ولده سفيه مفسد فلا ينبغي له أن يسلط واحدا منهما على ماله فيفسده . والقول الرابع : أن المراد بالسفهاء كل من لم يكن له عقل يفي بحفظ المال ، ويدخل فيه النساء والصبيان والايتام كل من كان موصوفا بهذه الصفة ، وهذا القول أولى لان التخصيص بغير دليل لا يجوز ، وقد ذكرنا في سورة البقرة أن السفه خفة العقل ، ولذلك سمي الفاسق سفيها لانه لا وزن له عند أهل الدين والعلم ، ويسمى الناقص العقل سفيها لخفة عقله . المسألة الثالثة : أنه ليس السفه في هؤلاء صفة ذم ، ولا يفيد معنى العصيان لله تعالى ، وإنما سموا سفهاء لخفة عقولهم ونقصان تمييزهم عن القيام بحفظ الاموال .

Bölüm V09/P150–V09/P151

المسألة الرابعة : اعلم أنه تعالى أمر المكلفين في مواضع من كتابه بحفظ الأموال ، قال تعالى : { ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين } ( الإسراء : 26 27 ) وقال تعالى : { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا } ( الإسراء : 29 ) وقال تعالى : { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا } ( الفرقان : 67 ) وقد رغب الله في حفظ المال في آية المداينة حيث أمر بالكتابة والاشهاد والرهن ، والعقل أيضا يؤيد ذلك ، لأن الانسان ما لم يكن فارغ البال لا يمكنه القيام بتحصيل مصالح الدنيا والآخرة ، ولا يكون فارغ البال إلا بواسطة المال لأن به يتمكن من جلب المنافع ودفع المضار ، فمن أراد الدنيا بهذا الغرض كانت الدنيا في حقه من أعظم الأسباب المعينة له على اكتساب سعادة الآخرة ، أما / من أرادها لنفسها ولعينها كانت من أعظم المعوقات عن كسب سعادة الآخرة . المسألة الخامسة : قوله تعالى : { التى جعل الله لكم قياما } معناه أنه لا يحصل قيامكم ولا معاشكم إلا بهذا المال ، فلما كان المال سببا للقيام والاستقلال سماه بالقيام إطلاقا لاسم المسبب على السبب على سبيل المبالغة ، يعني كان هذا المال نفس قيامكم وابتغاء معاشكم ، وقرأ نافع وابن عامر { التى جعل الله لكم قيما } وقد يقال : هذا قيم وقيم ، كما قال : ( دينا قيما ملة إبراهيم ) وقرأ عبدالله بن عمر ( قواما ) بالواو ، وقوام الشيء ما يقام به كقولك : ملاك الأمر لما يملك به . المسألة السادسة : قال الشافعي رحمه الله : البالغ إذا كان مبذرا للمال مفسدا له يحجر عليه وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : لا يحجر عليه . حجة الشافعي : أنه سفيه ، فوجب أن يحجر عليه ، إنما قلنا إنه سفيه ، لأن السفيه في اللغة ، هو من خف وزنه . ولا شك أن من كان مبذرا للمال مفسدا له من غير فائدة ، فانه لا يكون له في القلب وقع عند العقلاء ، فكان خفيف الوزن عندهم ، فوجب أن يسمى بالسفيه ، وإذا ثبت هذا لزم اندراجه تحت قوله تعالى : { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم } . ثم قال تعالى : { وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا } . واعلم أنه تعالى لما نهى عن إيتاء المال السفيه أمر بعد ذلك بثلاثة أشياء : أولها : قوله : { وارزقوهم } ومعناه : وأنفقوا عليهم ومعنى الرزق من العباد هو الاجراء الموظف لوقت معلوم يقال : فلان رزق عياله أي أجرى عليهم ، وإنما قال : { فيها } ولم يقل : منها لئلا يكون ذلك أمرا بأن يجعلوا بعض أموالهم رزقا لهم ، بل أمرهم أن يجعلوا أموالهم مكانا لرزقهم بأن يتجروا فيها ويثمروها فيجعلوا أرزاقهم من الأرباح لا من أصول الأموال ، وثانيها : قوله : { واكسوهم } والمراد ظاهر ، وثالثها : قوله : { وقولوا لهم قولا معروفا } . واعلم انه تعالى إنما أمر بذلك لأن القول الجميل يؤثر في القلب فيزيل السفه ، أما خلاف القول المعروف فانه يزيد السفيه سفها ونقصانا .

Bölüm V09/P151–V09/P152

والمفسرون ذكروا في تفسير القول المعروف وجوها : أحدها : قال ابن جريج ومجاهد : انه العدة الجميلة من البر والصلة ، وقال ابن عباس : هو مثل أن يقول : اذا ربحت في سفرتي هذه فعلت بك ما انت أهله ، وان غنمت في غزاتي أعطيتك ، وثانيها : قال ابن زيد : انه الدعاء مثل أن يقول : عافانا الله وإياك بارك الله فيك ، وبالجملة كل ما سكنت اليه النفوس وأحبته من قول وعمل فهو معروف وكل ما أنكرته وكرهته ونفرت منه فهو منكر ، وثالثها : قال الزجاج : المعنى علموهم مع إطعامكم وكسوتكم إياهم أمر دينهم مما يتعلق بالعلم والعمل ، ورابعها : قال القفال رحمه الله القول المعروف / هو أنه ان كان المولى عليه صبيا ، فالولي يعرفه ان المال ماله وهو خازن له ، وأنه اذا زال صباه فانه يرد المال اليه ، ونظير هذه الآية قوله : { فأما اليتيم فلا تقهر } ( الضحى : 9 ) معناه لا تعاشره بالتسلط عليه كما تعاشر العبيد ، وكذا قوله : { وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا } ( الإسراء : 28 ( وان كان المولى عليه سفيها وعظه ونصحه وحثه على الصلاة ، ورغبه في ترك التبذير والاسراف ، وعرفه أن عاقبة التبذير الفقر والاحتياج إلى الخلق إلى ما يشبه هذا النوع من الكلام ، وهذا الوجه أحسن من سائر الوجوه التى حكيناها . ! 7 < { وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن ءانستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوهآ إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا } . > 7 ! < < النساء : ( 6 ) وابتلوا اليتامى حتى . . . . . > > واعلم أنه تعالى لما أمر من قبل بدفع مال اليتيم اليه بقوله : { وءاتوا اليتامى أموالهم } ( النساء : 2 ) بين بهذه الآية متى يؤتيهم أموالهم ، فذكر هذه الآية وشرط في دفع أموالهم اليهم شرطين : أحدهما : بلوغ النكاح ، والثاني : إيناس الرشد ، ولا بد من ثبوتهما حتى يجوز دفع مالهم اليهم ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه : تصرفات الصبي العاقل المميز باذن الولي صحيحة ، وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه : غير صحيحة ، احتج أبو حنيفة على قوله بهذه الآية ، وذلك لان قوله : { وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح } يقتضي ان هذا الابتلاء انما يحصل قبل البلوغ ، والمراد من هذا الابتلاء اختبار حاله في أنه هل له تصرف صالح للبيع والشراء ، وهذا الاختبار انما يحصل إذا أذن له في البيع والشراء ، وإن لم يكن هذا المعنى نفس الاختبار ، فهو داخل في الاختبار بدليل أنه يصح الاستثناء ، يقال : وابتلوا اليتامى إلا في البيع والشراء ، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه / لدخل ، فثبت أن قوله : { وابتلوا اليتامى } أمر للأولياء بأن يأذنوا لهم في البيع والشراء قبل البلوغ ، وذلك يقتضي صحة تصرفاتهم .

Bölüm V09/P152–V09/P153

أجاب الشافعي رضي الله عنه بأن قال : ليس المراد بقوله : { وابتلوا اليتامى } الاذن لهم في التصرف حال الصغر بدليل قوله تعالى بعد ذلك : { وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن } فانما أمر بدفع المال اليهم بعد البلوغ وإيناس الرشد ، وإذا ثبت بموجب هذه الآية أنه لا يجوز دفع المال اليه حال الصغر ، وجب أن لا يجوز تصرفه حال الصغر ، لأنه لا قائل بالفرق ، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على قول الشافعي ، وأما الذي احتجوا به ، فجوابه : أن المراد من الابتلاء اختبار عقله واستبراء حاله ، في أنه هل له فهم وعقل وقدرة في معرفة المصالح والمفاسد ، وذلك إذا باع الولي واشترى بحضور الصبي ، ثم يستكشف من الصبي أحوال ذلك البيع والشراء وما فيهما من المصالح والمفاسد ولا شك أن بهذا القدر يحصل الاختبار والابتلاء ، وأيضا : هب أنا سلمنا أنه يدفع اليه شيئا ليبيع أو يشتري ، فلم قلت إن هذا القدر يدل على صحة ذلك البيع والشراء ، بل إذا باع واشترى وحصل به اختبار عقله ، فالولي بعد ذلك يتمم البيع وذلك الشراء ، وهذا محتمل والله أعلم . المسألة الثانية : المراد من بلوغ النكاح هو الاحتلام المذكور في قوله : { وإذا بلغ الاطفال منكم الحلم } ( النور : 59 ) وهو في قول عامة الفقهاء عبارة عن البلوغ مبلغ الرجال الذي عنده يجري على صاحبه القلم ويلزمه الحدود والأحكام ، وإنما سمي الاحتلام بلوغ النكاح لأنه إنزال الماء الدافق الذي يكون في الجماع . واعلم أن للبلوغ علامات خمسة : منها ثلاثة مشتركة بين الذكور والاناث ، وهو الاحتلام والسن المخصوص ، ونبات الشعر الخشن على العانة ، واثنان منها مختصان بالنساء ، وهما : الحيض والحبل . المسألة الثالثة : أما إيناس الرشد فلا بد فيه من تفسير الايناس ومن تفسير الرشد ، أما الايناس فقوله : { ءانستم } أي عرفتم وقيل : رأيتم ، وأصل الايناس في اللغة الابصار ، ومنه قوله : { من جانب الطور نارا قال } ( القصص : 29 ) وأما الرشد فمعلوم أنه ليس المراد الرشد الذي لا تعلق له بصلاح ماله ، بل لا بد وأن يكون هذا مرادا ، وهو أن يعلم أنه مصلح لما له حتى لا يقع منه إسراف ولا يكون بحيث يقدر الغير على خديعته ، ثم اختلفوا في أنه هل يضم إليه الصلاح في الدين ؟ فعند الشافعي رضي الله عنه لا بد منه ، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه هو غير معتبر ، والأول أولى ، ويدل عليه وجوه : أحدها : أن أهل اللغة قالوا : الرشد هو إصابة الخير ، والمفسد في دينه لا يكون مصيبا للخير . وثانيها : أن الرشد نقيض / الغي قال تعالى : { قد تبين الرشد من الغي } ( البقرة : 256 ) والغي هو الضلال والفساد وقال تعالى : { وعصى ءادم ربه فغوى } ( طه : 121 ) فجعل العاصي غويا ، وهذا يدل على أن الرشد لا يتحقق إلا مع الصلاح في الدين ، وثالثها : أنه تعالى قال : { وما أمر فرعون برشيد } ( هود : 97 ) نفي الرشد عنه لأنه ما كان يراعي مصالح الدين والله أعلم . إذا عرفت هذا فنقول : فائدة هذا الاختلاف أن الشافعي رحمه الله يرى الحجر على الفاسق ، وأبو حنيفة رضي الله عنه لا يراه .

Bölüm V09/P153–V09/P154

المسألة الرابعة : اتفقوا على أنه إذا بلغ غير رشيد فانه لا يدفع اليه ماله ، ثم عند أبي حنيفة لا يدفع اليه ماله حتى يبلغ خمسا وعشرين سنة ، فاذا بلغ ذلك دفع اليه ماله على كل حال ، وإنما اعتبر هذا السن لأن مدة بلوغ الذكر عنده بالسن ثماني عشرة سنة ، فاذا زاد عليه سبع سنين وهي مدة معتبر في تغير أحوال الانسان لقوله عليه الصلاة والسلام : ( مروهم بالصلاة لسبع ) فعند ذلك تمت المدة التي يمكن فيها حصول تغير الأحوال ، فعندها يدفع اليه ماله ، أونس منه الرشد أو لم يؤنس وقال الشافعي رضي الله عنه : لا يدفع إليه أبدا إلا بايناس الرشد ، وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله . احتج أبو بكر الرازي لأبي حنيفة بهذه الآية فقال : لا شك أن اسم الرشد واقع على العقل في الجملة ، والله تعالى شرط رشدا منكرا ولم يشترط سائر ضروب الرشد ، فاقتضى ظاهر الآية أنه لما حصل العقل فقد حصل ما هو الشرط المذكور في هذه الآية ، فيلزم جواز دفع المال اليه ترك العمل به فيما دون خمس وعشرين سنة ، فوجب العمل بمقتضى الآية فيما زاد على خمس وعشرين سنة ويمكن أن يجاب عنه بأنه تعالى قال : { وابتلوا اليتامى } ولا شك أن المراد ابتلاؤهم فيما يتعلق بمصالح حفظ المال ، ثم قال : { وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا } ويجب أن يكون المراد : فان آنستم منهم رشدا في حفظ المال وضبط مصالحه ، فانه ان لم يكن المراد ذلك تفكك النظم ولم يبق للبعض تعلق بالبعض ، وإذا ثبت هذا علمنا أن الشرط المعتبر في الآية هو حصول الرشد في رعاية مصالح المال ، وعند هذا سقط استدلال أبي بكر الرازي ، بل تنقلب هذه الآية دليلا عليه لأنه جعل رعاية مصالح المال شرطا في جواز دفع المال اليه ، فاذا كان هذا الشرط مفقودا بعد خمس وعشرين سنة ، وجب أن لا يجوز دفع المال اليه ، والقياس الجلي أيضا يقوي الاستدلال بهذا النص ، لأن الصبي إنما منع منه المال لفقدان العقل الهادي إلى كيفية حفظ المال وكيفية الانتفاع به ، فاذا كان هذا المعنى حاصلا في الشباب والشيخ كان في حكم الصبي ، فثبت أنه لا وجه لقول من يقول : انه إذا بلغ خمسا وعشرين سنة دفع اليه ماله وان لم يؤنس منه الرشد . / المسألة الخامسة : إذا بلغ رشيدا ثم تغير وصار سفيها حجر عليه عند الشافعي ولا يحجر عليه عند أبي حنيفة وقد مرت هذه المسألة عند قوله تعالى : { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التى جعل الله لكم قياما } ( النسار : 5 ) والقياس الجلي أيضا يدل عليه ، لأن هذه الآية دالة على أنه إذا بلغ غير رشيد لم يدفع اليه ماله ، وإنما لم يدفع اليه ماله لئلا يصير المال ضائعا فيكون باقيا مرصدا ليوم حاجته ، وهذا المعنى قائم في السفه الطارىء ، فوجب اعتباره والله أعلم . المسألة السادسة : قال صاحب ( الكشاف ) : الفائدة في تنكير الرشد التنبيه على ان المعتبر هو الرشد في التصرف والتجارة ، أو على أن المعتبر هو حصول طرف من الرشد وظهور أثر من آثاره حتى لا ينتظر به تمام الرشد . المسألة السابعة : قال صاحب ( الكشاف ) : قرأ ابن مسعود فان أحستم ، بمعنى أحسستم قال : أحسن به فهن اليه شوس وقرىء رشدا بفتحتين ورشدا بضمتين . ثم قال تعالى : { فادفعوا إليهم أموالهم } والمراد أن عند حصول الشرطين أعني البلوغ وإيناس الرشد يجب دفع المال اليهم ، وإنما لم يذكر تعالى مع هذين الشرطين كمال العقل ، لأن إيناس الرشد لا يحصل إلا مع العقل لأنه أمر زائد على العقل .

Bölüm V09/P154–V09/P155

ثم قال تعالى : { ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا } أي مسرفين ومبادرين كبرهم أو لاسرافكم ومبادرتكم كبرهم تفرطون في إنفاقها وتقولون : ننفق كما نشتهي قبل أن يكبر اليتامى فينزعوها من أيدينا ، ثم قسم الأمر بين أن يكون الوصي غنيا وبين أن يكون فقيرا فقال : { ومن كان غنيا فليستعفف } قال الواحدي رحمه الله : استعف عن الشيء وعف اذا امتنع منه وتركه ، وقال صاحب ( الكشاف ) : استعف أبلغ من عف كأنه طالب زيادة العفة وقال : { ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف } واختلف العلماء في أن الوصي هل له أن ينتفع بمال اليتيم ؟ وفي هذه المسألة أقوال : أحدهما : أن له أن يأخذ بقدر ما يحتاج اليه من مال اليتيم وبقدر أجر عمله ، واحتج القائلون بهذا القول بوجوه : الأول : أن قوله تعالى : { ولا تأكلوها إسرافا } مشعر بأن له أن يأكل بقدر الحاجة ، وثانيها : أنه قال : { ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف } فقوله : { ومن كان غنيا فليستعفف } ليس المراد منه نهي الوصي الغني عن الانتفاع بمال نفسه ، بل المراد منه نهيه عن الانتفاع بمال اليتيم ، وإذا كان كذلك لزم أن يكون قوله : { ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف } إذنا للوصي في أن ينتفع بمال اليتيم بمقدار الحاجة ، وثالثها : قوله : { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما } ( النساء : 10 ) وهذا دليل على أن مال اليتيم قد يؤكل ظلما وغير ظلم ، ولو لم يكن ذلك لم يكن لقوله : { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما } فائدة ، وهذا يدل على أن للوصي المحتاج أن يأكل من ماله بالمعروف ، ورابعها : ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا قال له : ان تحت حجري يتيما أآكل من ماله ؟ قال : بالمعروف غير متأثل مالا ولا واق مالك بماله ، قال : أفأضربه ؟ قال : مما كنت ضاربا منه ولدك ، وخامسها : ما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى عمار وابن مسعود وعثمان بن حنيف : سلام عليكم أما بعد : فاني رزقتكم كل يوم شاة شطرها لعمار ، وربعها لعبدالله ابن مسعود ، وربعها لعثمان ، ألا وإني قد أنزلت نفسي وإياكم من مال الله بمنزلة ولي مال اليتيم : من كان غنيا فليستعفف ، ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف . وعن ابن عباس أن ولي يتيم قال له : أفأشرب من لبن إبله ؟ قال : إن كنت تبغي ضالتها وتلوط حوضها وتهنأ جرباها وتسقيها يوم وردها ، فاشرب غير مضر بنسل ، ولا ناهك في الحلب وعنه أيضا : يضرب بيده مع أيديهم فليأكل بالمعروف ولا يلبس عمامة فما فوقها / وسادسها : أن الوصي لما تكفل باصلاح مهمات الصبي وجب أن يتمكن من أن يأكل من ماله بقدر عمله قياسا على الساعي في أخذ الصدقات وجمعها ، فانه يضرب له في تلك الصدقات بسهم ، فكذا ههنا ، فهذا تقرير هذا القول . والقول الثاني : أن له أن يأخذ بقدر ما يحتاج اليه من مال اليتيم قرضا ، ثم إذا أيسر قضاه ، وإن مات ولم يقدر على القضاء فلا شيء عليه ، وهذا قول سعيد بن جبير ومجاهد وأبي العالية ، وأكثر الروايات عن ابن عباس . وبعض أهل العلم خص هذا الاقراض بأصول الأموال من الذهب والفضة وغيرها ، فأما التناول من ألبان المواشي واستخدام العبيد وركوب الدواب ، فمباح له إذا كان غير مضر بالمال ، وهذا قول أبي العالية وغيره ، واحتجوا بأن الله تعالى قال : { فإذا دفعتم إليهم أموالهم } فحكم في الأموال بدفعها اليهم .

Bölüm V09/P155–V09/P156

والقول الثالث : قال أبو بكر الرازي : الذي نعرفه من مذهب أصحابنا أنه لا يأخذ على سبيل القرض ولا على سبيل الابتداء ، سواء كان غنيا أو فقيرا . واحتج عليه بآيات : منها : قوله تعالى : { وءاتوا اليتامى أموالهم } إلى قوله : { إنه كان حوبا كبيرا } ( النساء : 2 ) ومنها : قوله : { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون فى بطونهم نارا وسيصلون سعيرا } ( النساء : 10 ) ومنها : { قوله وأن تقوموا لليتامى بالقسط } ( النساء : 127 ) ومنها : قوله : { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } ( البقرة : 188 ) قال : فهذه الآية محكمة حاصرة لمال اليتيم على وصية في حال الغنى والفقر ، وقوله : { ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف } متشابه محتمل فوجب رده لكونه متشابها إلى تلك المحكمات ، وعندي أن هذه الآيات لا تدل على ما ذهب الرازي / اليه . أما قوله : { وءاتوا اليتامى أموالهم } فهو عام وهذه الآية التي نحن فيها خاصة ، والخاص مقدم على العام . وقوله : { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما } فهو إنما يتناول هذه الواقعة لو ثبت أن أكل الوصي من مال الصبي بالمعروف ظلم ، وهل النزاع الا فيه ، وهو الجواب بعينه عن قوله : { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } أما قوله : { وأن تقوموا لليتامى بالقسط } فهو إنما يتناول محل النزاع لو ثبت أن هذا الأكل ليس بقسط ، والنزاع ليس إلا فيه ، فثبت أن كلامه في هذا الموضع ساقط ركيك والله أعلم . ثم قال تعالى : { فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم } . واعلم أن الأمة مجمعة على أن الوصي إذا دفع المال إلى اليتيم بعد صيرورته بالغا ، فان الأولى والأحوط أن يشهد عليه لوجوه : أحدها : أن اليتيم إذا كان عليه بينة بقبض المال كان أبعد من أن يدعي ما ليس له ، وثانيها : أن اليتيم إذا أقدم على الدعوى الكاذبة أقام الوصي الشهادة على أنه دفع ماله اليه . ثالثها : أن تظهر أمانة الوصي وبراءة ساحته ، ونظيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل ولا يكتم ولا يغيب ) فأمره بالاشهاد لتظهر أمانته وتزول التهمة عنه ، فثبت بما ذكرنا من الاجماع والمعقول أن الاحوط هو الاشهاد . واختلفوا في أن الوصي إذا ادعى بعد بلوغ اليتيم انه قد دفع المال اليه هل هو مصدق ؟ وكذلك لو قال : أنفقت عليه في صغره هل هو مصدق ؟ قال مالك والشافعي : لا يصدق ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : يصدق ، واحتج الشافعي بهذه الآية فان قوله : { فأشهدوا عليهم } أمر ، وظاهر الأمر الوجوب ، وأيضا قال الشافعي : القيم غير مؤتمن من جهة اليتيم / وإنما هو مؤتمن من جهة الشرع ، وطعن أبو بكر الرازي في هذا الكلام مع السفاهة الشديدة وقال : لو كان ما ذكره علة لنفي التصديق لوجب أن لا يصدق القاضي إذا قال لليتيم : قد دفعت اليك لأنه لم يأتمنه ، وكذلك يلزمه أن يقول في الأب إذا قال بعد بلوغ الصبي : قد دفعت مالك اليك أن لا يصدق لأنه لم يأتمنه ، ويلزمه أيضا أن يوجب الضمان عليهم إذا تصادقوا بعد البلوغ انه قد هلك لأنه أمسك ماله من غير ائتمان له عليه ، فيقال له : ان قولك هذا لبعيد عن معاني الفقه ، أما النقض بالقاضي فبعيد ، لأن القاضي حاكم فيجب إزالة التهمة عنه ليصير قضاؤه نافذا ، ولولا ذلك لتمكن كل من قضى القاضي عليه بأن ينسبه إلى الكذب والميل والمداهنة ، وحينئذ يحتاج القاضي إلى قاض آخر ، ويلزم التسلسل ، ومعلوم أن هذا المعنى غير موجود في وصي اليتيم ، وأما الأب فالفرق ظاهر لوجين : أحدهما : ان شفقته أتم من شفقة الاجنبي ، ولا يلزم من قلة التهمة في حق الأب قلتها في حق الأجنبي ، وأما إذا تصادقوا بعد / البلوغ أنه قد هلك فنقول : ان كان قد اعترف بأنه هلك لسبب تقصيره فههنا يلزمه الضمان ، أما إذا اعترف بأنه هلك لا بتقصيره ، فههنا يجب أن يقبل قوله ، والا لصار ذلك مانعا للناس من قبول الوصاية ، فيقع الخلل في هذا المهم العظيم ، فأما الاشهاد عند الرد اليه بعد البلوغ فانه لا يفضي إلى هذه المفسدة فظهر الفرق ، ومما يؤكد هذا الفرق أنه تعالى ذكر قبل هذه الآية ما يدل على أن اليتيم حصل في حقه ما يوجب التهمة ، وهو قوله : { ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا } وهذا يدل على جريان العادة بكثرة إقدام الولي على ظلم الايتام والصبيان ، وإذن دلت هذه الآية على تأكد موجبات التهمة في حق ولي اليتيم :

Bölüm V09/P156–V09/P157

ثم قال بعده : { فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا } أشعر ذلك بأن الغرض منه رعاية جانب الصبي ؛ لأنه إذا كان لا يتمكن من ادعاء دفع المال اليه إلا عند حضور الشاهد ، صار ذلك مانعا له من الظلم والبخس والنقصان ، وإذا كان الأمر كذلك علمنا أن قوله : { فأشهدوا } كما أنه يجب لظاهر الايجاب ، فكذلك يجب أن القرائن والمصالح تقتضي الايجاب ، ثم قال هذا الرازي ، ويدل على أنه مصدق فيه بغير إشهاد ، اتفاق الجميع على أنه مأمور بحفظه وإمساكه على وجه الأمانة حتى يوصله إلى اليتيم في وقت استحقاقه ، فهو بمنزلة الودائع والمضاربات ، فوجب أن يكون مصدقا على الرد كما يصدق على رد الوديعة ، فيقال له : أما الفرق بين هذه الصورة وصورة الوديعة فقد ذكره الشافعي رضي الله تعالى عنه ، واعتراضك على ذلك الفرق قد سبق إبطاله ، وأيضا فعادتك ترك الالتفات إلى كتاب الله لقياس ركيك تتخيله ، ومثل هذا الفقه مسلم لك ، ولا يجب المشاركة فيه معك وبالله التوفيق . ثم قال تعالى : { وكفى بالله حسيبا } قال ابن الانباري والأزهري : يحتمل أن يكون الحسيب بمعنى المحاسب ، وأن يكون بمعنى الكافي ، فمن الأول قولهم للرجل للتهديد : حسبه الله ومعناه يحاسبه الله على ما يفعل من الظلم ، ونظير قولنا الحسيب بمعنى المحاسب ، قولنا الشريب بمعنى المشارب ، ومن الثاني قولهم : حسيبك الله أي كافيك الله . واعلم أن هذا وعيد لولي اليتيم وإعلام له أنه تعالى يعلم باطنه كما يعلم ظاهره لئلا ينوي أو يعمل في ماله ما لا يحل ، ويقوم بالأمانة التامة في ذلك إلى أن يصل اليه ماله ، وهذا المقصود حاصل سواء فسرنا الحسيب بالمحاسب أو بالكافي . واعلم أن الباء في قوله : { وكفى بالله } { وكفى بربك } ( الإسراء : 65 ) في جميع القرآن زائدة ، هكذا نقله الواحدي عن الزجاج و { حسيبا } نصب على الحال أي كفى الله حال كونه محاسبا ، وحال كونه كافيا . ! 7 < { للرجال نصيب مما ترك الوالدان والا قربون وللنسآء نصيب مما ترك الوالدان والا قربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا } . > 7 < النساء : ( 7 ) للرجال نصيب مما . . . . . > > @158@ اعلم أن هذا هو النوع الرابع من الأحكام المذكورة في هذه السورة وهو ما يتعلق بالمواريث والفرائض وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في سبب نزول هذه الآية قال ابن عباس : ان أوس بن ثابت الانصاري توفي عن ثلاث بنات وامرأة ، فجاء رجلان من بني عمه وهما وصيان له يقال لهما : سويد ، وعرفجة وأخذا ماله . فجاءت امرأة أوس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرت القصة ، وذكرت أن الوصيين ما دفعا إلي شيئا ، وما دفعا إلى بناته شيئا من المال ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( ارجعي إلى بيتك حتى أنظر ما يحدث الله في أمرك ) فنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية ، ودلت على أن للرجال نصيبا وللنساء نصيبا ، ولكنه تعالى لم يبين المقدار في هذه الآية ، فأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الوصيين وقال : ( لا تقربا من مال أوس شيئا ) ثم نزل بعد : { يوصيكم الله فى أولادكم } ( مريم : 11 ) ونزل فرض الزوج وفرض المرأة ، فأمر الرسول عليه الصلاة والسلام الوصيين أن يدفعا إلى المرأة الثمن ويمسكا نصيب البنات ، وبعد ذلك أرسل عليه الصلاة والسلام اليهما أن ادفعا نصيب بناتها اليها فدفعاه اليها ، فهذا هو الكلام في سبب النزول .

Bölüm V09/P157–V09/P158

المسألة الثانية : كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والأطفال ، ويقولون لا يرث إلا من طاعن بالرماح وذاد عن الحوزة وحاز الغنيمة ، فبين تعالى أن الارث غير مختص بالرجال ، بل هو أمر مشترك فيه بين الرجال والنساء ، فذكر في هذه الآية هذا القدر ، ثم ذكر التفصيل بعد ذلك ولا يمتنع إذا كان للقوم عادة في توريث الكبار دون الصغار ودون النساء ، أن ينقلهم سبحانه وتعالى عن تلك العادة قليلا قليلا على التدريج ، لأن الانتقال عن العادة شاق ثقيل على الطبع ، فاذا كان دفعة عظم وقعه على القلب ، وإذا كان على التدريج سهل ، فلهذا المعنى ذكر الله تعالى هذا المجمل أولا ، ثم أردفه بالتفصيل . المسألة الثالثة : احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على توريث ذوي الارحام قال : / لأن العمات والخالات والاخوال وأولاد البنات من الأقربين ، فوجب دخولهم تحت قوله : { للرجال نصيب مما ترك الوالدان والاقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والاقربون } أقصى ما في الباب أن قدر ذلك النصيب غير مذكور في هذه الآية ، إلا أنا نثبت كونهم مستحقين لأصل النصيب بهذه الآية ، وأما المقدار فنستفيده من سائر الدلائل . وأجاب أصحابنا عنه من وجهين : أحدهما : انه تعالى قال في آخر الآية { نصيبا مفروضا } أي نصيبا مقدرا ، وبالاجماع ليس لذوي الأرحام نصيب مقدر ، فثبت أنهم ليسوا داخلين في هذه الآية ، وثانيهما : أن هذه الآية مختصة بالأقربين ، فلم قلتم إن ذوي الأرحام من الأقربين ؟ وتحقيقه أنه إما أن يكون المراد من الأقربين من كان أقرب من شيء آخر ، أو المراد منه من كان أقرب من جميع الأشياء ، والأول باطل ؛ لأنه يقتضي دخول أكثر الخلق فيه ، لأن كل إنسان له نسب مع غيره إما بوجه قريب أو بوجه بعيد ، وهو الانتساب إلى آدم عليه السلام ، ولا بد وأن يكون هو أقرب إليه من ولده ، فيلزم دخول كل الخلق في هذا النص وهو باطل ، ولما بطل هذا الاحتمال وجب حمل النص على الاحتمال الثاني وهو أن يكون المراد من الأقربين من كان أقرب الناس إليه ، وما ذاك إلا الوالدان والأولاد / فثبت أن هذا النص لا يدخل فيه ذو الأرحام ، لا يقال : لو حملنا الأقربين على الوالدين لزم التكرار ، لأنا نقول : الأقرب جنس يندرج تحته نوعان : الوالد والولد ، فثبت أنه تعالى ذكر الوالد ، ثم ذكر الأقربين ، فيكون المعنى أنه ذكر النوع ، ثم ذكر الجنس فلم يلزم التكرار . المسألة الرابعة : قوله : { نصيبا } في نصبه وجوه : أحدها : أنه نصب على الاختصاص بمعنى أعني نصيبا مفروضا مقطوعا واجبا ، والثاني : يجوز أن ينتصب انتصاب المصدر ، لأن النصيب اسم في معنى المصدر كأنه قيل : قسما واجبا ، كقوله : { فريضة من الله } ( التوبة : 60 ، النساء : 11 ) أي قسمة مفروضة .

Bölüm V09/P158–V09/P159

المسألة الخامسة : أصل الفرض الحز ، ولذلك سمي الحز الذي في سية القوس فرضا ، والحز الذي في القداح يسمى أيضا فرضا ، وهو علامة لها تميز بينها وبين غيرها ، والفرضة العلامة في مقسم الماء ، يعرف بها كل ذي حق حقه من الشرب ، فهذا هو أصل الفرض في اللغة ، ثم ان أصحاب أبي حنيفة خصصوا لفظ الفرض بما عرف وجوبه بدليل قاطع ، واسم الوجوب بما عرف وجوبه بدليل مظنون ، قالوا : لأن الفرض عبارة عن الحز والقطع ، وأما الوجوب فانه عبارة عن السقوط ، يقال : وجبت الشمس إذا سقطت ، ووجب الحائط إذا سقط ، وسمعت وجبة يعني سقطة قال الله تعالى : { فإذا وجبت جنوبها } ( الحج : 36 ) يعني سقطت ، فثبت أن الفرض عبارة عن الحز والقطع ، وأن الوجوب عبارة عن السقوط ، ولا شك أن تأثير الحز والقطع أقوى وأكمل من تأثير السقوط . / فلهذا السبب خصص أصحاب أبي حنيفة لفظة الفرض بما عرف وجوبه بدليل قاطع ، ولفظ الوجوب بما عرف وجوبه بدليل مظنون . إذا عرفت هذا فنقول : هذا الذي قرروه يقضي عليهم بأن الآية ما تناولت ذوي الأرحام لأن توريث ذوي الأرحام ليس من باب ما عرف بدليل قاطع باجماع الأمة ، فلم يكن توريثهم فرضا ، والآية إنما تناولت التوريث المفروض ، فلزم القطع بأن هذه الآية ما تناولت ذوي الأرحام ، والله أعلم . ! 7 < { وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا } . > 7 ! < < النساء : ( 8 ) وإذا حضر القسمة . . . . . > > وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن قوله : { وإذا حضر القسمة } ليس فيه بيان أي قسمة هي ، فلهذا المعنى حصل للمفسرين فيه أقوال : الأول : أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى أن النساء أسوة الرجال في أن لهن حظا من الميراث ، وعلم تعالى أن في الأقارب من يرث ومن لا يرث ، وأن الذين لا يرثون إذا حضروا وقت القسمة ، فان تركوا محرومين بالكلية ثقل ذلك عليهم ، فلا جرم أمر الله تعالى أن يدفع اليهم شيء عند القسمة حتى يحصل الأدب الجميل وحسن العشرة ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا ، فمنهم من قال : إن ذلك واجب ، ومنهم من قال : إنه مندوب ، أما القائلون بالوجوب ، فقد اختلفوا في أمور : أحدها : أن منهم من قال : الوارث إن كان كبيرا وجب عليه أن يرضخ لمن حضر القسمة شيئا من المال بقدر ما تطيب نفسه به ، وإن كان صغيرا وجب على الولي إعطاؤهم من ذلك المال ، ومنهم من قال : إن كان الوارث كبيرا ، وجب عليه الاعطاء من ذلك المال ، وإن كان صغيرا وجب على الولي أن يعتذر إليهم ، ويقول : إني لا أملك هذا المال إنما هو لهؤلاء الضعفاء الذين لا يعقلون ما عليهم من الحق ، وان يكبروا فسيعرفون حقكم ، فهذا هو القول المعروف ، وثانيها : قال الحسن والنخعي : هذا الرضخ مختص بقسمة الأعيان ، فاذا آل الأمر إلى قسمة الأرضين والرقيق وما أشبه ذلك ، قال لهم قولا معروفا ، مثل أن يقول لهم : ارجعوا بارك الله فيكم ، وثالثها : قالوا : مقدار ما يجب فيه الرضخ شيء قليل ، ولا تقدير / فيه بالاجماع . ورابعها : أن على تقدير وجوب هذا الحكم تكون هذه الآية منسوخة . قال ابن عباس في رواية عطاء : وهذه الآية منسوخة بآية المواريث ، وهذا قول سعيد بن المسيب والضحاك وقال في رواية عكرمة : الآية محكمة غير منسوخة وهو مذهب أبي موسى الأشعري وإبراهيم النخعي والشعبي والزهري ومجاهد والحسن وسعيد بن جبير ، فهؤلاء كانوا يعطون من حضر شيئا من التركة . روي أن عبدالله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قسم ميراث أبيه وعائشة حية ، فلم يترك في الدار أحدا إلا أعطاه ، وتلا هذه الآية ، فهذا كله تفصيل قول من قال بأن هذا الحكم ثبت على سبيل الوجوب ، ومنهم من قال : انه ثبت على سبيل الندب والاستحباب ، لا على سبيل الفرض والايجاب ، وهذا الندب أيضا إنما يحصل اذا كانت الورثة كبارا ، أما اذا كانوا صغارا فليس إلا القول المعروف ، وهذا المذهب هو الذي عليه فقهاء الأمصار . واحتجوا بأنه لو كان لهؤلاء حق معين لبين الله تعالى قدر ذلك الحق كما في سائر الحقوق ، وحيث لم يبين علمنا أنه غير واجب ، ولأن ذلك لو كان واجبا لتوفرت الدواعي على نقله لشدة حرص الفقراء والمساكين على تقديره ، ولو كان ذلك لنقل على سبيل التواتر ، ولما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنه غير واجب .

Bölüm V09/P159–V09/P160

القول الثاني : في تفسير الآية : أن المراد بالقسمة الوصية ، فاذا حضرها من لا يرث من الأقرباء واليتامى والمساكين أمر الله تعالى أن يجعل لهم نصيبا من تلك الوصية ، ويقول لهم مع ذلك : قولا معروفا في الوقت ، فيكون ذلك سببا لوصول السرور اليهم في الحال والاستقبال ، والقول الأول أولى ، لأنه تقدم ذكر الميراث ولم يتقدم ذكر الوصية ، ويمكن أن يقال : هذا القول أولى لأن الآية التي تقدمت في الوصية . القول الثالث : في تفسير الآية أن قوله : { وإذا حضر القسمة أولوا القربى } فالمراد من { أولى القربى } الذين يرثون والمراد من { اليتامى والمساكين } الذين لا يرثون . ثم قال : { فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا } فقوله : { فارزقوهم } راجع إلى القربى الذين يرثون وقوله : { وقولوا لهم قولا معروفا } راجع إلى اليتامى والمساكين الذين لا يرثون ، وهذا القول محكى عن سعيد بن جبير . المسألة الثانية : قال صاحب الكشاف : الضمير في قوله : { فارزقوهم منه } عائد إلى ما ترك الوالدان والأقربون ، وقال الواحدي : الضمير عائد إلى الميراث فتكون الكناية على هذا الوجه عائدة إلى معنى القسمة ، لا إلى لفظها كقوله : { ثم استخرجها من وعاء أخيه } ( يوسف : 76 ) والصواع مذكر لا يكنى عنه بالتأنيث ، لكن أريد به المشربة فعادت الكناية إلى المعنى لا إلى اللفظ ، وعلى هذا التقدير / فالمراد بالقسمة المقسوم ، لأنه إنما يكون الرزق من المقسوم لا من نفس القسمة . المسألة الثالثة : إنما قدم اليتامى على المساكين لأن ضعف اليتامى أكثر ، وحاجتهم أشد ، فكان وضع الصدقات فيهم أفضل وأعظم في الأجر . المسألة الرابعة : الأشبه هو أن المراد بالقول المعروف أن لا يتبع العطية المن والأذى بالقول أو يكون المراد الوعد بالزيادة والاعتذار لمن لم يعطه شيئا . ! 7 < { وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا } . > 7 ! < < النساء : ( 9 ) وليخش الذين لو . . . . . > > وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : الجملة الشرطية وهو قوله : { لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم } هي صلة لقوله : { الذين } والمعنى : وليخش الذين من صفتهم أنهم لو تركوا ذرية ضعافا خافوا عليهم وأما الذي يخشى عليه فغير منصوص عليه ، وسنذكر وجوه المفسرين فيه . المسألة الثانية : لا شك أن قوله : { وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم } يوجب الاحتياط للذرية الضعاف ، وللمفسرين فيه وجوه : الأول : أن هذا خطاب مع الذين يجلسون عند المريض فيقولون : ان ذريتك لا يغنون عنك من الله شيئا ، فأوص بمالك لفلان وفلان ، ولا يزالون يأمرونه بالوصية إلى الأجانب إلى أن لا يبقى من ماله للورثة شيء أصلا ، فقيل لهم : كما أنكم تكرهون بقاء أولادكم في الضعف والجوع من غير مال ، فاخشوا الله ولا تحملوا المريض على أن يحرم أولاده الضعفاء من ماله . وحاصل الكلام أنك لا ترضى مثل هذا الفعل لنفسك ، فلا ترضه لأخيك المسلم . عن أنس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم ( لا يؤمن العبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) .

Bölüm V09/P160–V09/P161

والقول الثاني : قال حبيب بن أبي ثابت : سألت مقسما عن هذه الآية فقال : هو الرجل الذي يحضره الموت ويريد الوصية للأجانب ، فيقول له من كان عنده : اتق الله وأمسك على ولدك مالك ، مع أن ذلك الانسان يحب أن يوصي له ، ففي القول الأول الآية محمولة على نهي الحاضرين / عن الترغيب في الوصية ، وفي القول الثاني محمولة على نهي الحاضرين عن النهي عن الوصية ، والأولى أولى ، لأن قوله : { لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا } أشبه بالوجه الأول وأقرب اليه . والقول الثالث : يحتمل أن تكون الآية خطابا لمن قرب أجله ، ويكون المقصود نهيه عن تكثير الوصية لئلا تبقى ورثته ضائعين جائعين بعد موته ، ثم إن كانت هذه الآية إنما نزلت قبل تقدير الوصية بالثلث ، كان المراد منها أن لا يجعل التركة مستغرقة بالوصية ، وإن كانت نزلت بعد تقدير الوصية بالثلث ، كان المراد منها أن لا يجعل التركة مستغرقة بالوصية ، وإن كانت نزلت بعد تقدير الوصية بالثلث . كان المراد منها أن يوصي أيضا بالثلث ، بل ينقص إذا خاف على ذريته والمروي عن كثير من الصحابة أنهم وصوا بالقليل لأجل ذلك ، وكانوا يقولون : الخمس أفضل من الربع ، والربع أفضل من الثلث ، وخبر سعد يدل عليه وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ( الثلث والثلث كثير لأن تدع ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالة يتكففون الناس ) . والقول الرابع : أن هذا أمر لأولياء اليتيم ، فكأنه تعالى قال : وليخش من يخاف على ولده بعد موته أن يضيع مال اليتيم الضعيف الذي هو ذرية غيره إذا كان في حجره ، والمقصود من الآية على هذا الوجه أن يبعثه سبحانه وتعالى على حفظ ماله ، وأن يترك نفسه في حفظه والاحتياط في ذلك بمنزلة ما يحبه من غيره في ذريته لو خلفهم وخلف لهم مالا . قال القاضي : وهذا أليق بما تقدم وتأخر من الآيات الواردة في باب الأيتام ، فجعل تعالى آخر ما دعاهم إلى حفظ مال اليتيم أن ينبههم على حال أنفسهم وذريتهم إذا تصوروها ، ولا شك أنه من أقوى الدواعي والبواعث في هذا المقصود . المسألة الثالثة : قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء ضعفاء ، وضعافى ، وضعافى : نحو سكارى وسكارى . قال الواحدي : قرأ حمزة { ضعافا خافوا عليهم } بالامالة فيهما ثم قال : ووجه إمالة ضعاف أن ما كان على وزن فعال ، وكان أوله حرفا مستعليا مكسورا نحو ضعاف ، وغلاب ، وخباب ، يحسن فيه الامالة ، وذلك لأنه تصعد بالحرف المستعلي ثم انحدر بالكسرة ، فيستحب أن لا يتصعد بالتفخيم بعد الكسر حتى يوجد الصوت على طريقة واحدة ، وأما الامالة في { خافوا } فهي حسنة لأنها تطلب الكسرة التي في خفت ، ثم قال : { فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا } وهو كالتقرير لما تقدم ، فكأنه قال : فليتقوا الله في الأمر الذي تقدم ذكره والاحتياط فيه ، وليقولوا قولا سديدا إذا أرادوا بعث غيرهم على فعل وعمل ، والقول السديد هو العدل والصواب من القول . قال صاحب ( الكشاف ) : القول السديد من الأوصياء أن لا يؤذوا اليتامى ، ويكلموهم كما يكلمون أولادهم بالترحيب وإذا خاطبوهم قالوا يا بني ، يا ولدي ، والقول السديد من الجالسين إلى المريض أن يقولوا : إذا أردت / الوصية لا تسرف في وصيتك ولا تحجف بأولادك ، مثل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد والقول السديد من الورثة حال قسمة الميراث للحاضرين الذين لا يرثون ، أن يلطفوا القول لهم ويخصوهم بالاكرام . ! 7 < { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون فى بطونهم نارا وسيصلون سعيرا } . > 7 ! < <

Bölüm V09/P161–V09/P162

النساء : ( 10 ) إن الذين يأكلون . . . . . > > اعلم أنه تعالى أكد الوعيد في أكل مال اليتيم ظلما ، وقد كثر الوعيد في هذه الآيات مرة بعد أخرى على من يفعل ذلك ، كقوله : { ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا } ( النساء : 2 ) { وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا } ( النساء : 9 ) ثم ذكر بعدها هذه الآية مفردة في وعيد من يأكل أموالهم ، وذلك كله رحمة من الله تعالى باليتامى لأنهم لكمال ضعفهم وعجزهم استحقوا من الله مزيد العناية والكرامة ، وما أشد دلالة هذا الوعيد على سعة رحمته وكثرة عفوه وفضله ، لأن اليتامى لما بلغوا في الضعف إلى الغاية القصوى بلغت عناية الله بهم إلى الغاية القصوى . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : دلت هذه الآية على أن مال اليتيم قد يؤكل غير ظلم ، والا لم يكن لهذا التخصيص فائدة ، وذلك ما ذكرناه فيما تقدم أن للولي المحتاج أن يأكل من ماله بالمعروف . المسألة الثانية : قوله : { إنما يأكلون فى بطونهم نارا } فيه قولان : الأول : أن يجري ذلك على ظاهره قال السدي : إذا أكل الرجل مال اليتيم ظلما يبعث يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه ومسامعه وأذنيه وعينيه ، يعرف كل من رآه أنه أكل مال اليتيم . وعن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ليلة أسرى بي رأيت قوما لهم مشافر كمشافر الابل وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ثم يجعل في أفواههم صخرا من النار يخرج من أسافلهم فقلت يا جبريل من هؤلاء : فقال : هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ) . والقول الثاني : ان ذلك توسع ، والمراد : ان أكل مال اليتيم جار مجرى أكل النار من حيث انه يفضي اليه ويستلزمه ، وقد يطلق اسم أحد المتلازمين على الآخر ، كقوله تعالى : / { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ( الشورى : 40 ) قال القاضي : وهذا أولى من الأول لأن قوله : { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون فى بطونهم نارا } الاشارة فيه إلى كل واحد ، فكان حمله على التوسع الذي ذكرناه أولى . المسألة الثالثة : لقائل أن يقول : الأكل لا يكون إلا في البطن فما فائدة قوله : { إنما يأكلون فى بطونهم نارا } . وجوابه : أنه كقوله : { يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم } ( آل عمران : 167 ) والقول لا يكون إلا بالفهم ، وقال : { ولاكن تعمى القلوب التى فى الصدور } ( الحج : 46 ) والقلب لا يكون إلا في الصدر ، وقال : { ولا طائر يطير بجناحيه } ( الأنعام : 38 ) والطيران لا يكون إلا بالجناح ، والغرض من كل ذلك التأكيد والمبالغة . المسألة الرابعة : انه تعالى وإن ذكر الأكل إلا أن المراد منه كل أنواع الاتلافات ، فان ضرر اليتيم لا يختلف بأن يكون إتلاف ماله بالأكل ، أو بطريق آخر ، وإنما ذكر الأكل وأراد به كل التصرفات المتلفة لوجوه : أحدها : أن عامة مال اليتيم في ذلك الوقت هو الأنعام التي يأكل لحومها ويشرب ألبانها . فخرج الكلام على عادتهم . وثانيها : أنه جرت العادة فيمن أنفق ماله في وجوه مراداته خيرا كانت أو شرا ، أنه يقال : إنه أكل ماله . وثالثها : أن الأكل هو المعظم فيما يبتغي من التصرفات .

Bölüm V09/P162–V09/P163

المسألة الخامسة : قالت المعتزلة : الآية دالة على وعيد كل من فعل هذا الفعل / سواء كان مسلما أو لم يكن ؛ لأن قوله تعالى : { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما } عام يدخل فيه الكل فهذا يدل على القطع بالوعيد وقوله : { وسيصلون سعيرا } يوجب القطع على أنهم إذا ماتوا على غير توبة يصلون هذا السعير لا محالة ، والجواب عنه قد ذكرناه مستقصى في سورة البقرة ، ثم نقول : لم لا يجوز أن يكون هذا الوعيد مخصوصا بالكفار لقوله تعالى : { والكافرون هم الظالمون } ( البقرة : 254 ) ثم قالت المعتزلة : ولا يجوز أن يدخل تحت هذا الوعيد أكل اليسير من ماله لأن الوعيد مشروط بأن لا يكون معه توبة ولا طاعة أعظم من تلك المعصية ، وإذا كان كذلك ، فالذي يقطع على أنه من أهل الوعيد من تكون معصيته كبيرة ولا يكون معها توبة ، فلا جرم وجب أن يطلب قدر ما يكون كثيرا من أكل ماله ، فقال أبو علي الجبائي : قدره خمسة دراهم لأنه هو القدر الذي وقع الوعيد عليه في آية الكنز في منع الزكاة ، هذا جملة ما ذكره القاضي ، فيقال له : فأنت قد خالفت ظاهر هذا العموم من وجهين أحدهما : أنك زدت فيه شرط عدم التوبة . والثاني : أنك زدت فيه عدم كونه صغيرا ، وإذا جاز ذلك فلم لا يجوز لنا أن نزيد فيه شرط عدم العفو ؟ أقصى ما في الباب أن يقال : ما وجدنا دليلا يدل / على حصول العفو ، لكنا نجيب عنه من وجهين : أحدهما : أنا لا نسلم عدم دلائل العفو ، بل هي كثيرة على ما قررناه في سورة البقرة . والثاني : هب أنكم ما وجدتموها لكن عدم الوجدان لا يفيد القطع بعدم الوجود ، بل يبقى الاحتمال ، وحينئذ يخرج التمسك بهذه الآية من إفادة القطع والجزم والله أعلم . المسألة السادسة : أنه تعالى ذكر وعيد مانعي الزكاة بالكي فقال : { يوم يحمى عليها فى نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم } ( التوبة : 35 ) وذكر وعيد آكل مال اليتيم بامتلاء البطن من النار ، ولا شك أن هذا الوعيد أشد ، والسبب فيه أن في باب الزكاة الفقير غير مالك لجزء من النصاب ، بل يجب على المالك أن يملكه جزأ من ماله ، أما ههنا اليتيم مالك لذلك المال فكان منعه من اليتيم أقبح ، فكان الوعيد أشد ، ولأن الفقير قد يكون كبيرا فيقدر على الاكتساب ، أما اليتيم فانه لصغره وضعفه عاجز فكان الوعيد في إتلاف ماله أشد . ثم قال تعالى : { وسيصلون سعيرا } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم { وسيصلون } بضم الياء ، أي يدخلون النار على ما لم يسم فاعله ، والباقون بفتح الياء قال أبو زيد يقال : صلى الرجل النار يصلاها صلى وصلاء ، وهو صالي النار ، وقوم صالون وصلاء قال تعالى : { إلا من هو صال الجحيم } ( الصافات : 163 ) وقال : { أولى بها صليا } ( مريم : 70 ) وقال : { جهنم يصلونها } ( إبراهيم : 29 ، ص: 56 ، المجادلة : 8 ) قال الفراء : الصلي : اسم الوقود وهو الصلاء إذا كسرت مدت ، وإذا فتحت قصرت ، ومن ضم الياء فهو من قولهم : أصلاه الله حر النار اصلاء . قال : { فسوف نصليه نارا } ( النساء : 30 ) وقال تعالى : { سأصليه سقر } ( المدثر : 26 ) قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء { سيصلون } بضم الياء وتخفيف اللام وتشديدها .

Bölüm V09/P163–V09/P164

المسألة الثانية : السعير : هو النار المستعرة يقال : سعرت النار أسعرها سعرا فهي مسعورة وسعير ، والسعير معدول عن مسعورة كما عدل كف خضيب عن مخضوبة ، وإنما قال : { وسيصلون سعيرا } لأن المراد نار من النيران مبهمة لا يعرف غاية شدتها إلا الله تعالى . المسألة الثالثة : روي أنه لما نزلت هذه الآية ثقل ذلك على الناس فاحترزوا عن مخالطة اليتامى بالكلية ، فصعب الأمر على اليتامى فنزل قوله تعالى : { وإن تخالطوهم فإخوانكم } ( البقرة : 220 ) ومن الجهال من قال : صارت هذه الآية منسوخة بتلك ، وهو بعيد لأن هذه الآية في المنع من الظلم وهذا لا يصير منسوخا ، بل المقصود أن مخالطة أموال اليتامى إن كان على سبيل الظلم فهو من أعظم أبواب الاثم كما في هذه الآية ، وإن كان على سبيل التربية والاحسان فهو من أعظم أبواب البر ، كما في قوله : { وإن تخالطوهم فإخوانكم } والله أعلم . ! 7 < { يوصيكم الله فىأولادكم للذكر مثل حظ الا نثيين فإن كن نسآء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولابويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلا مه الثلث فإن كان له إخوة فلا مه السدس من بعد وصية يوصى بهآ أو دين ءابآؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما } . > 7 < النساء : ( 11 ) يوصيكم الله في . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن أهل الجاهلية كانوا يتوارثون بشيئين : أحدهما : النسب ، والآخر العهد ، أما النسب فهم ما كانوا يورثون الصغار ولا الاناث . وإنما كانوا يورثون من الأقارب الرجال الذين يقاتلون على الخيل ويأخذون الغنيمة ، وأما العهد فمن وجهين : الأول : الحلف ، كان الرجل في الجاهلية يقول لغيره : دمي دمك ، وهدمي هدمك ، وترثني وأرثك ، وتطلب بي وأطلب بك ، فاذا تعاهدوا على هذا الوجه فأيهما مات قبل صاحبه كان للحي ما اشترط من مال الميت ، والثاني : التبني ، فان الرجل منهم كان يتبنى ابن غيره فينسب إليه دون أبيه من النسب ويرثه ، وهذا التبني نوع من أنواع المعاهدة ، ولما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم تركهم في أول الأمر على ما كانوا عليه في الجاهلية ، ومن العلماء من قال : بل قررهم الله على ذلك فقال : { ولكل جعلنا موالى مما ترك الوالدان والاقربون } ( النساء : 33 ) والمراد التوارث بالنسب . ثم قال : { والذين عقدت أيمانكم فئاتوهم نصيبهم } ( النساء : 33 ) والمراد به التوارث بالعهد ، والأولون قالوا المراد بقوله : { والذين عليما ولكل جعلنا موالى } ليس المراد منه النصيب من المال ، بل المراد فآتوهم نصيبهم من النصرة والنصيحة وحسن العشرة ، فهذا شرح أسباب التوارث في الجاهلية . وأما أسباب التوارث في الاسلام ، فقد ذكرنا أن في أول الأمر قرر الحلف والتبني ، وزاد فيه أمرين آخرين : أحدهما : الهجرة ، فكان المهاجر يرث من المهاجر . وان كان أجنبيا عنه ، إذا كان كل واحد منهما مختصا بالآخر بمزيد المخالطة والمخالصة ، ولا يرثه غير المهاجر ، وإن كان من أقاربه . والثاني : المؤاخاة ، كان الرسول صلى الله عليه وسلم يؤاخي بين كل اثنين منهم ، وكان ذلك سببا للتوارث ، ثم إنه تعالى نسخ كل هذه الأسباب بقوله : { وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } ( الأحزاب : 6 ) والذي تقرر عليه دين الاسلام أن أسباب التوريث ثلاثة : النسب ، والنكاح ، والولاء .

Bölüm V09/P164–V09/P165

المسألة الثانية : روى عطاء قال : استشهد سعد بن الربيع وترك ابنتين وامرأة وأخا ، فأخذ / الأخ المال كله ، فأتت المرأة وقالت يا رسول الله هاتان ابنتا سعد ، وإن سعدا قتل وان عمهما أخذ مالهما ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( ارجعي فلعل الله سيقضي فيه ) ثم إنها عادت بعد مدة وبكت فنزلت هذه الآية ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمهما وقال : ( أعط ابنتي سعد الثلثين ، وأمهما الثمن وما بقي فهو لك ، فهذا أول ميراث قسم في الاسلام . المسألة الثالثة : في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان : الأول : أنه تعالى لما بين الحكم في مال الأيتام ، وما على الأولياء فيه ، بين كيف يملك هذا اليتيم المال بالارث ، ولم يكن ذلك إلا ببيان جملة أحكام الميراث / الثاني : أنه تعالى أثبت حكم الميراث بالاجمال في قوله : { للرجال نصيب مما ترك الوالدان والاقربون } ( النساء : 7 ) فذكر عقيب ذلك المجمل ، هذا المفصل فقال : { يوصيكم الله فى أولادكم } . المسألة الرابعة : قال القفال : قوله : { يوصيكم الله فى أولادكم } أي يقول الله لكم قولا يوصلكم إلى إيفاء حقوق أولادكم بعد موتكم ، وأصل الايصاء هو الايصال يقال : وصى يصي اذا وصل ، وأوصى يوصي اذا أوصل ، فاذا قيل : أوصاني فمعناه أوصلني إلى علم ما أحتاج إلى علمه ، وكذلك وصى وهو على المبالغة قال الزجاج : معنى قوله ههنا : { يوصيكم } أي يفرض عليكم ، لأن الوصية من الله إيجاب والدليل عليه قوله : { ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق ذالكم وصاكم به } ولا شك في كون ذلك واجبا علينا . فان قيل : انه لا يقال في اللغة أوصيك لكذا فكيف قال ههنا : { يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين } . قلنا : لما كانت الوصية قولا ، لا جرم ذكر بعد قوله : { يوصيكم الله } خبرا مستأنفا وقال : { للذكر مثل حظ الانثيين } ونظيره قوله تعالى : { وعد الله الذين ءامنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما } ( الفتح : 29 ) أي قال الله : لهم مغفرة لأن الوعد قول . المسألة الخامسة : اعلم أنه تعالى بدأ بذكر ميراث الأولاد وإنما فعل ذلك لأن تعلق الانسان بولده أشد التعلقات ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : ( فاطمة بضعة مني ) فلهذا السبب قدم الله ذكر ميراثهم . واعلم أن للأولاد حال انفراد ، وحال اجتماع مع الوالدين : أما حال الانفراد فثلاثة ، وذلك لأن الميت إما أن يخلف الذكور والاناث معا ، وإما أن يخلف الاناث فقط ، أو الذكور فقط . القسم الأول : ما اذا خلف الذكران والاناث معا ، وقد بين الله الحكم فيه بقوله : { للذكر مثل حظ الانثيين } . / واعلم أن هذا يفيد أحكاما : أحدهما : اذا خلف الميت ذكرا واحدا وأنثى واحدة فللذكر سهمان وللأنثى سهم ، وثانيها : إذا كان الوارث جماعة من الذكور وجماعة من الاناث كان لكل ذكر سهمان ، ولك أنثى سهم . وثالثها : إذا حصل مع الأولاد جمع آخرون من الوارثين كالأبوين والزوجين فهم يأخذون سهامهم ، وكان الباقي بعد تلك السهام بين الأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين فثبت أن قوله : { للذكر مثل حظ الانثيين } يفيد هذه الأحكام الكثيرة .

Bölüm V09/P165–V09/P166

القسم الثاني : ما إذا مات وخلف الاناث فقط : بين تعالى أنهم إن كن فوق اثنتين ، فلهن الثلثان ، وإن كانت واحدة فلها النصف ، إلا أنه تعالى لم يبين حكم البنتين بالقول الصريح . واختلفوا فيه ، فعن ابن عباس أنه قال : الثلثان فرض الثلاث من البنات فصاعدا ، وأما فرض البنتين فهو النصف ، واحتج عليه بأنه تعالى قال : { فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك } وكلمة ( إن ) في اللغة للاشتراط ، وذلك يدل على أن أخذ الثلثين مشروط بكونهن ثلاثا فصاعدا ، وذلك ينفي حصول الثلثين للبنتين . والجواب من وجوه : الأول : أن هذا الكلام لازم على ابن عباس ، لأنه تعالى قال : { وإن كانت واحدة فلها النصف } فجعل حصول النصف مشروطا بكونها واحدة ، وذلك ينفي حصول النصف نصيبا للبنتين ، فثبت أن هذا الكلام إن صح فهو يبطل قوله . الثاني : أنا لا نسلم أن كلمة ( ان ) تدل على انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف ؛ ويدل عليه أنه لو كان الأمر كذلك لزم التناقض بين هاتين الآيتين ، لأن الاجماع دل على أن نصيب الثنتين إما النصف / وإما الثلثان ، وبتقدير أن يكون كلمة ( إن ) للاشتراط وجب القول بفسادهما ، فثبت أن القول بكلمة الاشتراط يفضي إلى الباطل فكان باطلا ، ولأنه تعالى قال : { وإن لم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة } ( البقرة : 283 ) وقال : لا جناح عليكم أن تقصروا من الصلاة إن خفتم ، ولا يمكن أن يفيد معنى الاشتراط في هذه الآيات . الوجه الثالث : في الجواب : هو أن في الآية تقديما وتأخيرا ، والتقدير : فان كن نساء اثنتين فما فوقهما فلهن الثلثان ، فهذا هو الجواب عن حجة ابن عباس ، وأما سائر الأمة فقد أجمعوا على أن فرض البنتين الثلثان ، قالوا : وإنما عرفنا ذلك بوجوه : الأول : قال أبو مسلم الاصفهاني : عرفناه من قوله تعالى : { للذكر مثل حظ الانثيين } وذلك لأن من مات وخلف ابنا وبنتا فههنا يجب أن يكون نصيب الابن الثلثين لقوله تعالى : { للذكر مثل حظ الانثيين } فاذا كان نصيب الذكر مثل نصيب الأنثيين ، ونصيب الذكر ههنا هو الثلثان ، وجب لا محالة أن يكون نصيب الابنتين / الثلثين ، الثاني : قال أبو بكر الرازي : اذا مات وخلف ابنا وبنتا فههنا نصيب البنت الثلث بدليل قوله تعالى : { للذكر مثل حظ الانثيين } فاذا كان نصيب البنت مع الولد الذكر هو الثلث ، فبأن يكون نصيبهما مع ولد آخر أنثى هو الثلث كان أولى ، لأن الذكر أقوى من الأنثى . الثالث : أن قوله تعالى : { للذكر مثل حظ الانثيين } يفيد أن حظ الأنثيين أزيد من حظ الأنثى الواحدة ، وإلا لزم أن يكون حظ الذكر مثل حظ الأنثى الواحدة وذلك على خلاف النص ، واذا ثبت أن حظ الأنثيين أزيد من حظ الواحدة فنقول وجب أن يكون ذلك هو الثلثان ، لأنه لا قائل بالفرق ، والرابع : أنا ذكرنا في سبب نزول هذه الآية أنه عليه الصلاة والسلام أعطى بنتي سعد بن الربيع الثلثين ، وذلك يدل على ما قلناه . الخامس : أنه تعالى ذكر في هذه الآية حكم الواحدة من البنات وحكم الثلاث فما فوقهن ، ولم يذكر حكم الثنتين ، وقال في شرح ميراث الأخوات : { إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك } فههنا ذكر ميراث الأخت الواحدة والأختين ولم يذكر ميراث الأخوات الكثيرة ، فصار كل واحدة من هاتين الآيتين مجملا من وجه ومبينا من وجه ، فنقول : لما كان نصيب الأختين الثلثين كانت البنتان أولى بذلك ، لأنهما أقرب إلى الميت من الأختين ، ولما كان نصيب البنات الكثيرة لا يزداد على الثلثين وجب أن لا يزداد نصيب الأخوات الكثيرة على ذلك ، لأن البنت لما كانت أشد اتصالا بالميت امتنع جعل الأضعف زائدا على الأقوى ، فهذا مجموع الوجوه المذكورة في هذا الباب ، فالوجوه الثلاثة الاول مستنبطة من الآية ، والرابع مأخوذ من السنة ، والخامس من القياس الجلي .

Sorular