Qur'an&Sunnah

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân

Bölüm V05/P084–V05/P089

> فيه سبع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( واللذان ) اللذان تثنية الذي وكان القياس أن يقال : اللذيان كرحيان ومصطفيان وشجيان قال سيبويه : حذفت الياء ليفرق بين الأسماء المتمكنة والأسماء المبهمات وقال أبو علي : حذفت الياء تخفيفا إذ قد أمن اللبس في اللذان لأن النون لا تنحذف ونون التثنية في الأسماء المتمكنة قد تنحذف مع الإضافة في رحياك ومصطفيا القوم فلو حذفت الياء لاشتبه المفرد بالاثنين وقرأ إبن كثير اللذان بتشديد النون وهي لغة قريش وعلته أنه جعل التشديد عوضا من ألف ذا على ما يأتي بيانه في سورة القصص عند قوله تعالى : فذانك برهانان وفيها لغة أخرى اللذا بحذف النون هذا قول الكوفيين وقال البصريون : إنما حذفت النون لطول الأسم بالصلة وكذلك قرأ هذان وفذانك برهانان بالتشديد فيهما والباقون بالتخفيف وشدد أبو عمرو فذانك برهانان وحدها واللذان رفع بالإبتداء قال سيبويه : المعنى وفيما يتلى عليكم اللذان يأتيانها أي الفاحشة منكم ودخلت الفاء في فآذوهما لأن في الكلام معنى الأمر لأنه لما وصل الذي بالفعل تمكن فيه معنى الشرط إذ لا يقع عليه شيء بعينه فلما تمكن الشرط والإبهام فيه جرى مجرى الشرط فدخلت الفاء ولم يعمل فيه ما قبله من الإضمار كما لا يعمل في الشرط ما قبله فلما لم يحسن إضمار الفعل قبلهما لينصبا رفعا بالإبتداء وهذا إختيار سيبويه ويجوز النصب على تقدير إضمار فعل وهو الإختيار إذا كان في الكلام معنى الأمر والنهي نحو قولك : اللذين عندك فأكرمهما الثانية قوله تعالى : ( فآذوهما ) قال قتادة والسدي : معناه التوبيخ والتعيير وقالت فرقة : هو السب والجفاء دون تعيير إبن عباس : النيل باللسان والضرب بالنعال قال النحاس : وزعم قوم أنه منسوخ قلت : رواه إبن أبي نجيح عن مجاهد قال : واللاتي يأتين الفاحشة واللذان يأتيانها كان في أول الأمر فنسختهما الآية التي في النور قاله النحاس : وقيل وهو أولى : إنه ليس بمنسوخ وأنه واجب أن يؤدبا بالتوبيخ فيقال لهما : فجرتما وفسقتما وخالفتما أمر الله عزوجل الثالثة واختلف العلماء في تأويل قوله تعالى : واللاتي وقوله : واللذان فقال مجاهد وغيره : الآية الأولى في النساء عامة محصنات وغير محصنات والآية الثانية في الرجال خاصة وبين لفظ التثنية صنفى الرجال من أحصن ومن لم يحصن فعقوبة النساء الحبس وعقوبة الرجال الأذى وهذا قول يقتضيه اللفظ ويستوفي نص الكلام أصناف الزناة ويؤيده من جهة اللفظ قوله في الأولى : من نسائكم وفي الثانية منكم واختاره النحاس ورواه عن إبن عباس وقال السدي وقتادة وغيرهما : الأولى في النساء المحصنات يريد : ودخل معهن من أحصن من الرجال بالمعنى والثانية في الرجل والمرأة البكرين قال إبن عطية : ومعنى هذا القول تام إلا أن لفظ الآية يقلق عنه وقد رجحه الطبري وأباه النحاس وقال : تغليب المؤنث على المذكر بعيد لأنه لا يخرج الشئ إلى المجاز ومعناه صحيح في الحقيقة وقيل : كان الإمساك للمرأة الزانية دون الرجل فخصت المرأة بالذكر في الإمساك ثم جمعا في الإيذاء قال قتادة : كانت المرأة تحبس ويؤذيان جميعا وهذا لأن الرجل يحتاج إلى السعي والإكتساب الرابعة واختلف العلماء أيضا في القول بمقتضى حديث عبادة الذي هو بيان لأحكام الزناة على ما بيناه فقال بمقتضاه علي بن أبي طالب لا إختلاف عنه في ذلك وأنه جلد شراحة الهمدانية مائة ورجمها بعد ذلك وقال : جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال بهذا القول الحسن البصري والحسن بن صالح بن حي وإسحاق وقال جماعة من العلماء : بل على الثيب الرجم بلا جلد وهذا يروى عن عمر وهو قول الزهري والنخعي ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وأحمد وأبي ثور متمسكين بأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا والغامدية ولم يجلدهما وبقوله عليه السلام لأنيس : ( أغد على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها ( ولم يذكر الجلد فلو كان مشروعا لما سكت عنه قيل لهم : إنما سكت عنه لأنه ثابت بكتاب الله تعالى فليس يمتنع أن يسكت عنه لشهرته والتنصيص عليه في القرآن لأن قوله تعالى : والزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة يعم جميع الزناة والله أعلم ويبين هذا فعل علي بأخذه عن الخلفاء رضي الله عنهم ولم ينكر عليه فقيل له : عملت بالمنسوخ وتركت الناسخ وهذا واضح الخامسة واختلفوا في نفي البكر مع الجلد فالذي عليه الجمهور أنه ينفي مع الجلد قاله الخلفاء الراشدون : أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وهو قول إبن عمر رضوان الله عليهم أجمعين وبه قال عطاء وطاوس وسفيان ومالك وإبن أبي ليلى والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وقال بتركه حماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن والحجة للجمهور حديث عبادة المذكور وحديث أبي هريرة وزيد بن خالد حديث العسيف وفيه : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله أما غنمك وجاريتك فرد عليك ( وجلد إبنه مائة وغربه عاما أخرجه الأئمة احتج من لم ير نفيه بحديث أبي هريرة في الأمة ذكر فيه الجلد دون النفي وذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال : غرب عمر ربيعة بن أبي أمية بن خلف في الخمر إلى خيبر فلحق بهرقل فتنصر فقال عمر : لا أغرب مسلما بعد هذا قالوا : ولو كان التغريب حدا لله تعالى ما تركه عمر بعد ثم إن النص الذي في الكتاب إنما هو الجلد والزيادة على النص نسخ فيلزم عليه نسخ القاطع بخبر الواحد والجواب : أما حديث أبي هريرة فإنما هو في الإماء لا في الأحرار وقد صح عن عبد الله بن عمر أنه ضرب أمته في الزنى ونفاها وأما حديث عمر وقوله : لا أغرب بعده مسلما فيعني في الخمر والله أعلم لما رواه نافع عن إبن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب وغرب وأن أبا بكر ضرب وغرب وأن عمر ضرب وغرب أخرجه الترمذي في جامعه والنسائي في سننه عن أبي كريب محمد بن العلا الهمداني عن عبد الله إبن إدريس عن عبيد الله بن عمر عن نافع قال الدارقطني : تفرد به عبد الله بن إدريس ولم يسنده عنه أحد من الثقات غير أبي كريب وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم النفي فلا كلام لأحد معه ومن خالفته السنة خاصمته وبالله التوفيق وأما قولهم : الزيادة على النص نسخ فليس بمسلم بل زيادة حكم آخر مع الأصل ثم هو قد زاد الوضوء بالنبيذ بخبر لم يصح على الماء واشترط الفقر في القربى إلى غير ذلك مما ليس منصوصا عليه في القرآن وقد مضى هذا المعنى في البقرة ويأتي السادسة : القائلون بالتغريب لم يختلفوا في تغريب الذكر الحر واختلفوا في تغريب العبد والأمة فممن رأى التغريب فيهما إبن عمر جلد مملوكة له في الزنى ونفاها إلى فدك وبه قال الشافعي وأبو ثور والثوري والطبري وداؤد واختلف قول الشافعي في نفي العبد فمرة قال : أستخير الله في نفي العبد ومرة قال : ينفي نصف سنة ومرة قال : ينفي سنة إلى غير بلده وبه قال الطبري واختلف أيضا قوله في نفي الأمة على قولين وقال مالك : ينفي الرجل ولا تنفى المرأة ولا العبد ومن نفى حبس في الموضع الذي ينفى إليه وينفى من مصر إلى الحجاز وشغب وأسوان ونحوها ومن المدينة إلى خيبر وفدك وكذلك فعل عمر بن عبد العزيز ونفى علي من الكوفة إلى البصرة وقال الشافعي : أقل ذلك يوم وليلة قال إبن العربي : كان أصل النفي أن بني إسماعيل أجمع رأيهم على أن من أحدث حدثا في الحرم غرب منه فصارت سنة فيهم يدينون بها فلأجل ذلك استن الناس إذا أحدث أحد حدثا غرب عن بلده وتمادى ذلك في الجاهلية إلى أن جاء الإسلام فأقره في الزنى خاصة احتج من لم ير النفي على العبد بحديث أبي هريرة في الأمة ولأن تغريبه عقوبة لمالكه تمنعه من منافعه في مدة تغريبه ولا يناسب ذلك تصرف الشرع فلا يعاقب غير الجاني وأيضا فقد سقط عنه الجمعة والحج والجهاد الذي هو حق لله تعالى لأجل السيد فكذلك التغريب والله أعلم والمرأة إذا غربت ربما يكون ذلك سببا لوقوعها فيما أخرجت من سببه وهو الفاحشة وفي التغريب سبب لكشف عورتها وتضييع لحالها ولأن الأصل منعها من الخروج من بيتها وأن صلاتها فيه أفضل وقال صلى الله عليه وسلم : ( أعروا النساء يلزمن الحجال ( فحصل من هذا تخصيص عموم حديث التغريب بالمصلحة المشهود لها بالإعتبار وهو مختلف فيه عند الأصوليين والنظار وشذت طائفة فقالت : يجمع الجلد والرجم على الشيخ ويجلد الشاب تمسكا بلفظ الشيخ في حديث زيد بن ثابت أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ( خرجه النسائي وهذا فاسد لأنه قد سماه في الحديث الآخر الثيب السابعة قوله تعالى : ( فإن تابا ) أي من الفاحشة ( وأصلحا ) يعني العمل فيما بعد ذلك ( فأعرضوا عنهما ) أي اتركوا أذاهما وتعييرهما وإنما كان هذا قبل نزول الحدود فلما نزلت الحدود نسخت هذه الآية وليس المراد بالإعراض الهجرة ولكنها متاركة معرض وفي ذلك إحتقار لهم بسبب المعصية المتقدمة وبحسب الجهالة في الآية الأخرى والله تواب أي راجع بعباده عن المعاصي < <

Bölüm V05/P089

النساء : ( 17 ) إنما التوبة على . . . . . > > < > ( النساء 17 : 18 ) <

Bölüm V05/P089–V05/P093

> فيهما أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( إنما التوبة على الله ) قيل : هذه الآية عامة لكل من عمل ذنبا وقيل : لمن جهل فقط والتوبة لكل من عمل ذنبا في موضع آخر واتفقت الأمة على أن التوبة فرض على المؤمنين لقوله تعالى : وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون وتصح من ذنب مع الإقامة على غيره من غير نوعه خلافا للمعتزلة في قولهم : لا يكون تائبا من أقام على ذنب ولا فرق بين معصية ومعصية هذا مذهب أهل السنة وإذا تاب العبد فالله سبحانه بالخيار إن شاء قبلها وإن شاء لم يقبلها وليس قبول التوبة واجبا على الله من طريق العقل كما قال المخالف لأن من شرط الواجب أن يكون أعلى رتبة من الموجب عليه والحق سبحانه خالق الخلق ومالكهم والمكلف لهم فلا يصح أن يوصف بوجوب شيء عليه تعالى عن ذلك غير أنه قد أخبر سبحانه وهو الصادق في وعده بأنه يقبل التوبة عن العاصين من عباده بقوله تعالى : وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات الشورى وقول : ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده وقوله : وإني لغفار لمن تاب فإخباره سبحانه وتعالى عن أشياء أوجبها على نفسه يقتضي وجوب تلك الأشياء والعقيدة أنه لا يجب عليه شيء عقلا فأما السمع فظاهره قبول توبة التائب قال أبو المعالي وغيره : وهذه الظواهر إنما تعطى غلبة ظن لا قطعا على الله تعالى بقبول التوبة قال إبن عطية : وقد خولف أبو المعالي وغيره في هذا المعنى فإذا فرضنا رجلا قد تاب توبة نصوحا تامة الشروط فقال أبو المعالي : يغلب على الظن قبول توبته وقال غيره : يقطع على الله تعالى بقبول توبته كما أخبر عن نفسه جل وعز قال إبن عطية : وكان أبي رحمه الله يميل إلى هذا القول ويرجحه وبه أقول والله تعالى أرحم بعباده من أن ينخرم في هذا التائب المفروض معنى قوله : وهو الذي يقبل التوبة عن عباده وقوله تعالى : وإني لغفار وإذا تقرر هذا فاعلم أن في قوله على الله حذفا وليس على ظاهره وإنما المعنى على فضل الله ورحمته بعباده وهذا نحو قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ : ( أتدري ما حق العباد على الله ( قال : الله ورسوله أعلم قال : ( أن يدخلهم الجنة ( فهذا كله معناه : على فضله ورحمته بوعده الحق وقوله الصدق دليله قوله تعالى : كتب على نفسه الرحمة أي وعد بها وقيل : على ها هنا معناها عند والمعنى واحد التقدير : عند الله أي إنه وعد ولا خلف في وعده أنه يقبل التوبة إذا كانت بشروطها المصححة لها وهي أربعة : الندم بالقلب وترك المعصية في الحال والعزم على ألا يعود إلى مثلها وأن يكون ذلك حياء من الله تعالى لا من غيره فإذا اختل شرط من هذه الشروط لم تصح التوبة وقد قيل من شروطها : الإعتراف بالذنب وكثرة الإستغفار وقد تقدم في آل عمران كثير من معاني التوبة وأحكامها ولا خلاف فيما أعلمه أن التوبة لا تسقط حدا ولهذا قال علماؤنا : إن السارق والسارقة والقاذف متى تابوا وقامت الشهادة عليهم أقيمت عليهم الحدود وقيل : على بمعنى من أي إنما التوبة من الله للذين قاله أبو بكر بن عبدوس والله أعلم وسيأتي في التحريم الكلام في التوبة النصوح والأشياء التي يتاب منها الثانية قوله تعالى ( للذين يعملون السوء بجهالة ) السوء في هذه الآية والأنعام أنه من عمل منكم سوءا بجهالة يعم الكفر والمعاصي فكل من عصى ربه فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته قال قتادة : أجمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على أن كل معصية فهي بجهالة عمدا كانت أو جهلا وقاله إبن عباس وقتادة والضحاك ومجاهد والسدي وروى عن الضحاك ومجاهد أنهما قالا : الجهالة هنا العمد وقال عكرمة : أمور الدنيا كلها جهالة يريد الخاصة بها الخارجة عن طاعة الله وهذا القول جار مع قوله تعالى : إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وقال الزجاج : يعني قوله بجهالة إختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية وقيل : بجهالة أي لا يعلمون كنه العقوبة ذكره إبن فورك قال إبن عطية : وضعف قوله هذا ورد عليه الثالثة قوله تعالى : ( ثم يتوبون من قريب ) قال إبن عباس والسدي : معناه قبل المرض والموت وروى عن الضحاك أنه قال : كل ما كان قبل الموت فهو قريب وقال أبو مجلز والضحاك أيضا وعكرمة وإبن زيد وغيرهم : قبل المعاينة للملائكة والسوق وأن يغلب المرء على نفسه ولقد أحسن محمود الوراق حيث قال : قدم لنفسك توبة مرجوة قبل الممات وقبل حبس الألسن بادر بها غلق النفوس فإنها ذخر وغنم للمنيب المحسن قال علماؤنا رحمهم الله : وإنما صحت التوبة منه في هذا الوقت لأن الرجاء باق ويصح منه الندم والعزم على ترك الفعل وقد روى الترمذي عن إبن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ( قال : هذا حديث حسن غريب ومعنى ما لم يغرغر : ما لم تبلغ روحه حلقومه فيكون بمنزلة الشئ الذي يتغرغر به قاله الهروي وقيل : المعنى يتوبون على قرب عهد من الذنب من غير إصرار والمبادر في الصحة أفضل وألحق لأمله من العمل الصالح والبعد كل البعد الموت كما قال : وأين مكان البعد إلا مكانيا وروى صالح المري عن الحسن قال : من عير أخاه بذنب قد تاب إلى الله منه ابتلاه الله به وقال الحسن أيضا : إن إبليس لما هبط قال : بعزتك لا أفارق إبن آدم ما دام الروح في جسده قال الله تعالى فبعزتي لا أحجب التوبة عن إبن آدم ما لم تغرغر نفسه الرابعة قوله تعالى : ( وليست التوبة ) نفى سبحانه أن يدخل في حكم التائبين من حضره الموت وصار في حين اليأس كما كان فرعون حين صار في غمرة الماء والغرق فلم ينفعه ما أظهر من الإيمان لأن التوبة في ذلك الوقت لا تنفع لأنها حال زوال التكليف وبهذا قال إبن عباس وإبن زيد وجمهور المفسرين وأما الكفار يموتون على كفرهم فلا توبة لهم في الآخرة وإليهم الإشارة بقوله تعالى : أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما وهو الخلود وإن كانت الإشارة بقوله إلى الجميع فهو في جهة العصاة عذاب لا خلود معه وهذا على أن السيئات ما دون الكفر أي ليست التوبة لمن عمل دون الكفر من السيئات ثم تاب عند الموت ولا لمن مات كافرا فتاب يوم القيامة وقد قيل : إن السيئات هنا الكفر فيكون المعنى وليست التوبة للكفار الذين يتوبون عند الموت ولا للذين يموتون وهم كفار وقال أبو العالية : نزل أول الآية في المؤمنين إنما التوبة على الله والثانية في المنافقين ( وليست التوبة للذين يعملون السيئات ) يعني قبول التوبة للذين أصروا على فعلهم ( حتى إذا حضر أحدهم الموت ) يعني الشرق والنزع ومعاينة ملك الموت ( قال إني تبت الآن ) فليس لهذا توبة ثم ذكر توبة الكفار فقال تعالى : ( ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما ) أي وجيعا دائما وقد تقدم < <

Bölüm V05/P093

النساء : ( 19 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( النساء 19 ) <

Bölüm V05/P093–V05/P098

> فيه ثمان مسائل : الأولى قوله تعالى : ( لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ) هذا متصل بما تقدم ذكره من الزوجات والمقصود نفي الظلم عنهن وإضرارهن والخطاب للأولياء وأن في موضع رفع ب يحل أي لا يحل لكم وراثة النساء وكرها مصدر في موضع الحال واختلفت الروايات وأقوال المفسرين في سبب نزولها فروى البخاري عن إبن عباس يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن قال : كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها وإن شاؤوا زوجوها وإن شاؤوا لم يزوجوها فهم أحق بها من أهلها فنزلت هذه الآية في ذلك وأخرجه أبو داؤد بمعناه وقال الزهري وأبو مجلز : كان من عادتهم إذا مات الرجل يلقى إبنه من غيرها أو أقرب عصبته ثوبه على المرأة فيصير أحق بها من نفسها ومن أوليائها فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداق الذي أصدقها الميت وإن شاء زوجها من غيره وأخذ صداقها ولم يعطها شيئا وإن شاء عضلها لتفتدى منه بما ورثته من الميت أو تموت فيرثها فأنزل الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها فيكون المعنى : لا يحل لكم أن ترثوهن من أزواجهن فتكونوا أزواجا لهن وقيل : كان الوارث إن سبق فألقى عليها ثوبا فهو أحق بها وإن سبقته فذهبت إلى أهلها كانت أحق بنفسها قاله السدي وقيل : كان يكون عند الرجل عجوز ونفسه تتوق إلى الشابة فيكره فراق العجوز لما لها فيمسكها ولا يقربها حتى تفتدى منه بمالها أو تموت فيرث مالها فنزلت هذه الآية وأمر الزوج أن يطلقها إن كره صحبتها ولا يمسكها كرها فذلك قوله تعالى : لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها والمقصود من الآية إذهاب ما كانوا عليه في جاهليتهم وألا تجعل النساء كالمال يورثن عن الرجال كما يورث المال وكرها بضم الكاف قراءة حمزة والكسائي الباقون بالفتح وهما لغتان وقال القتبي : الكره ( بالفتح ) بمعنى الإكراه والكره ( بالضم ) المشقة يقال : لتفعل ذلك طوعا أو كرها يعني طائعا أو مكرها والخطاب للأولياء وقيل : لأزواج النساء إذا حبسوهن مع سوء العشرة طماعية إرثها أو يفتدين ببعض مهورهن وهذا أصح واختاره إبن عطية قال : ودليل ذلك قوله تعالى : ( إلا أن يأتين بفاحشة ) وإذا أتت بفاحشة فليس للولي حبسها حتى يذهب بمالها إجماعا من الأمة وإنما ذلك للزوج على ما يأتي بيانه في المسألة بعد هذا الثانية قوله تعالى : ( ولا تعضلوهن ) قد تقدم معنى العضل وأنه المنع في البقرة ( إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ) اختلف الناس في معنى الفاحشة فقال الحسن : هو الزنى وإذا زنت البكر فإنها تجلد مائة وتنفى سنة وترد إلى زوجها ما أخذت منه وقال أبو قلابة : إذا زنت امرأة الرجل فلا بأس أن يضارها ويشق عليها حتى تفتدى منه وقال السدي : إذا فعلن ذلك فخذوا مهورهن وقال إبن سيرين وأبو قلابة : لا يحل له أن يأخذ منها فدية إلا أن يجد على بطنها رجلا قال الله تعالى : إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وقال إبن مسعود وإبن عباس والضحاك وقتادة : الفاحشة المبينة في هذه الآية البغض والنشوز قالوا : فإذا نشزت حل له أن يأخذ مالها وهذا هو مذهب مالك قال إبن عطية : إلا أني لا أحفظ له نصا في الفاحشة في الآية وقال قوم : الفاحشة البذاء باللسان وسوء العشرة قولا وفعلا وهذا في معنى النشوز ومن أهل العلم من يجيز أخذ المال من الناشز على جهة الخلع إلا أنه يرى ألا يتجاوز ما أعطاها ركونا إلى قوله تعالى : ( لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ) وقال مالك وجماعة من أهل العلم : للزوج أن يأخذ من الناشز جميع ما تملك قال إبن عطية : والزنا أصعب على الزوج من النشوز والأذى وكل ذلك فاحشة تحل أخذ المال قال أبو عمر : قول إبن سيرين وأبي قلابة عندي ليس بشئ لأن الفاحشة قد تكون البذاء والأذى ومنه قيل للبذيء فاحش ومتفحش وعلى أنه لو أطلع منها على الفاحشة كان له لعانها وإن شاء طلقها وأما أن يضارها حتى تفتدي منه بما لها فليس له ذلك ولا أعلم أحدا قال : له أن يضارها ويسئ إليها حتى تختلع منه إذا وجدها تزني غير أبي قلابة والله أعلم وقال الله عزوجل : فإن خفتم ألا يقيما حدود الله يعني في حسن العشرة والقيام بحق الزوج وقيامه بحقها فلا جناح عليهما فيما افتدت به وقال الله عزوجل : فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا فهذه الآيات أصل هذا الباب وقال عطاء الخرساني : كان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها فنسخ ذلك بالحدود وقول رابع إلا أن يأتين بفاحشة مبينة إلا أن يزنين فيحبسن في البيوت فيكون هذا قبل النسخ وهذا في معنى قول عطاء وهو ضعيف الثالثة وإذا تنزلنا على القول بأن المراد بالخطاب في العضل الأولياء ففقهه أنه متى صح في ولي أنه عاضل نظر القاضي في أمر المرأة وزوجها إلا الأب في بناته فإنه إن كان في عضله صلاح فلا يعترض قولا واحد وذلك بالخاطب والخاطبين وإن صح عضله ففيه قولان في مذهب مالك : أنه كسائر الأولياء يزوج القاضي من شاء التزويج من بناته وطلبه والقول الآخر لا يعرض له : الرابعة يجوز أن يكون تعضلوهن جزما على النهي فتكون الواو عاطفة جملة كلام مقطوعة من الأولى ويجوز أن يكون نصبا عطفا على أن ترثوا فتكون الواو مشتركة عطفت فعلا على فعل وقرأ إبن مسعود ولا أن تعضلوهن فهذه القراءة تقوي إحتمال النصب وأن العضل مما لا يجوز بالنص الخامسة قوله تعالى : ( مبينة ) بكسر الياء قراءة نافع وأبي عمرو والباقون بفتح الياء وقرأ إبن عباس مبينة بكسر الباء وسكون الياء من أبان الشئ يقال : أبان الأمر بنفسه وأبنته وبين وبينته وهذه القراءات كلها لغات فصيحة السادسة قوله تعالى : ( وعاشروهن بالمعروف ) أي على ما أمر الله به من حسن المعاشرة والخطاب للجميع إذ لكل أحد عشرة زوجا كان أو وليا ولكن المراد بهذا الأمر في الأغلب الأزواج وهو مثل قوله تعالى : فإمساك بمعروف وذلك توفية حقها من المهر والنفقة وألا يعبس في وجهها بغير ذنب وأن يكون منطلقا في القول لا فظا ولا غليظا ولا مظهرا ميلا إلى غيرها والعشرة : المخالطة والممازجة ومنه قول طرفة : فلئن شطت نواها مرة لعلى عهد حبيب معتشر جعل الحبيب جمعا كالخليط والغريق وعاشره معاشرة وتعاشر القوم واعتشروا فأمر الله سبحانه بحسن صحبة النساء إذا عقدوا عليهن لتكون أدمة ما بينهم وصحبتهم على الكمال فإنه أهدأ للنفس وأهنأ للعيش وهذا واجب على الزوج ولا يلزمه في القضاء وقال بعضهم : هو أن يتصنع لها كما تتصنع له قال يحيى بن عبد الرحمن الحنظلي : أتيت محمد بن الحنفية فخرج إلى في ملحفة حمراء ولحيته تقطر من الغالية فقلت : ما هذا قال : إن هذه الملحفة ألقتها علي امرأتي ودهنتني بالطيب وإنهن يشتهين منا ما نشتهيه منهن وقال إبن عباس رضي الله عنه : إني أحب أن أتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين المرأة لي وهذا داخل فيما ذكرناه قال إبن عطية : وإلى معنى الآية ينظر قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( فاستمتع بها وفيها عوج ( أي لا يكن منك سوء عشرة مع إعوجاجها فعنها تنشأ المخالفة وبها يقع الشقاق وهو سبب الخلع السابعة استدل علماؤنا بقوله تعالى : وعاشروهن بالمعروف على أن المرأة إذا كانت لا يكفيها خادم واحد أن عليه أن يخدمها قدر كفايتها كإبنة الخليفة والملك وشبههما ممن لا يكفيها خادم واحد وأن ذلك هو المعاشرة بالمعروف وقال الشافعي وأبو حنيفة : لا يلزمه إلا خادم واحد وذلك يكفيها خدمة نفسها وليس في العالم امرأة إلا وخادم واحد يكفيها وهذا كالمقاتل تكون له أفراس عدة فلا يسهم له إلا لفرس واحد لأنه لا يمكنه القتال إلا على فرس واحد قال علماؤنا : وهذا غلط لأن مثل بنات الملوك اللائي لهن خدمة كثيرة لا يكفيها خادم واحد لأنها تحتاج من غسل ثيابها وإصلاح مضجعها وغير ذلك إلى ما لا يقوم به الواحد وهذا بين والله أعلم الثامنة قوله تعالى : ( فإن كرهتموهن ) أي لدمامة أو سوء خلق من غير إرتكاب فاحشة أو نشوز فهذا يندب فيه إلى الإحتمال فعسى أن يؤل الأمر إلى أن يرزق الله منها أولادا صالحين و ( أن ) رفع ب عسى وأن والفعل مصدر قلت : ومن هذا المعنى ما ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها آخر ( أو قال غيره المعنى : أي لا يبغضها بغضا كليا يحمله على فراقها أي لا ينبغي له ذلك بل يغفر سيئتها لحسنتها ويتغاضى عما يكره لما يحب وقال مكحول : سمعت إبن عمر يقول : إن الرجل ليستخير الله تعالى فيخار له فيسخط على ربه عزوجل فلا يلبث أن ينظر في العاقبة فإذا هو قد خير له وذكر إبن العربي قال أخبرني أبو القاسم بن حبيب بالمهدية عن أبي القاسم السيوري عن أبي بكر بن عبد الرحمن حيث قال : كان الشيخ أبو محمد بن أبي زيد من العلم والدين في المنزلة والمعرفة وكانت له زوجة سيئة العشرة وكانت تقصر في حقوقه وتؤذيه بلسانها فيقال له في أمرها ويعذل بالصبر عليها فكان يقول : أنا رجل قد أكمل الله علي النعمة في صحة بدني ومعرفتي وما ملكت يميني فلعلها بعثت عقوبة على ذنبي فأخاف إن فارقتها أن تنزل بي عقوبة هي أشد منها قال علماؤنا : في هذا دليل على كراهة الطلاق مع الإباحة وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إن الله لا يكره شيئا أباحه إلا الطلاق والأكل وإن الله ليبغض المعي إذا امتلأ < <

Bölüm V05/P098

النساء : ( 20 ) وإن أردتم استبدال . . . . . > > < > ( النساء 20 : 21 ) <

Bölüm V05/P098–V05/P102

> فيه ست مسائل : الأولى لما مضى في الآية المتقدمة حكم الفراق الذي سببه المرأة وأن للزوج أخذ المال منها عقب ذلك بذكر الفراق الذي سببه الزوج وبين أنه إذا أراد الطلاق من غير نشوز وسوء عشرة فليس له أن يطلب منها مالا الثانية واختلف العلماء إذا كان الزوجان يريدان الفراق وكان منهما نشوز وسوء عشرة فقال مالك رضي الله عنه : للزوج أن يأخذ منها إذا تسببت في الفراق ولا يراعى تسببه هو وقال جماعة من العلماء : لا يجوز له أخذ المال إلا أن تنفرد هي بالنشوز وتطلبه في ذلك الثالثة قوله تعالى : ( وآتيتم إحداهن قنطارا ) الآية دليل على جواز المغالاة في المهور لأن الله تعالى لا يمثل إلا بمباح وخطب عمر رضي الله عنه فقال : ألا لا تغالوا في صدقات النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصدق قط امرأة من نسائه ولا بناته فوق إثنتي عشرة أوقية فقامت إليه امرأة فقالت : يا عمر يعطينا الله وتحرمنا أليس الله سبحانه وتعالى يقول : وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا فقال عمر : أصابت امرأة وأخطأ عمر وفي رواية فأطرق عمر ثم قال : كل الناس أفقه منك يا عمر وفي أخرى : امرأة أصابت ورجل أخطأ وترك الإنكار أخرجه أبو حاتم البستي في صحيح مسنده عن أبي العجفاء السلمي قال : خطب عمر الناس فذكره إلى قوله : اثنتي عشرة أوقية ولم يذكر فقامت إليه امرأة إلى آخره وأخرجه إبن ماجه في سننه عن أبي العجفاء وزاد بعد قوله : أوقية وأن الرجل ليثقل صدقة امرأته حتى تكون لها عداوة في نفسه ويقول : قد كلفت إليك علق القربة أو عرق القربة وكنت رجلا عربيا مولدا ما أدري ما علق القربة أو عرق القربة قال الجوهري : وعلق القربة لغة في عرق القربة قال غيره : ويقال علق القربة عصامها الذي تعلق به يقول كلفت إليك حتى عصام القربة وعرق القربة ماؤها يقول : جشمت إليك حتى سافرت واحتجت إلى عرق القربة وهو ماؤها في السفر ويقال : بل عرق القربة أن يقول : نصبت لك وتكلفت حتى عرقت عرق القربة وهو سيلانها وقيل : إنهم كانوا يتزودون الماء فيعلقونه على الإبل يتناوبونه فيشق على الظهر ففسر به اللفظان : العرق والعلق وقال الأصمعي : عرق القربة كلمة معناها الشدة قال : ولا أدري ما أصلها قال الأصمعي : وسمعت إبن أبي طرفة وكان من أفصح من رأيت يقول : سمعت شيخاننا يقولون : لقيت من فلان عرق القربة يعنون الشدة وأنشدني لإبن الأحمر : ليست بمشتمة تعد وعفوها عرق السقاء على القعود اللاغب قال أبو عبيد : أراد أنه يسمع الكلمة تغيظه وليست بشتم فيؤاخذ صاحبها بها وقد أبلغت إليه كعرق القربة فقال : كعرق السقا لما لم يمكنه الشعر ثم قال : على القعود اللاغب وكان معناه أن تعلق القربة على القعود في أسفارهم وهذا المعنى شبيه بما كان الفراء يحكيه زعم أنهم كانوا في المفاوز في أسفارهم يتزودون الماء فيعلقونه على الإبل يتناوبونه فكان في ذلك تعب ومشقة على الظهر وكان الفراء يجعل هذا التفسير في علق القربة باللام وقال قوم : لا تعطى الآية جواز المغالاة بالمهور لأن التمثيل بالقنطار إنما هو على جهة المبالغة كأنه قال : وآتيتم هذا القدر العظيم الذي لا يؤتيه أحد وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم : ( من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة ( ومعلوم أنه لا يكون مسجد كمفحص قطاة وقد قال صلى الله عليه وسلم لإبن أبي حدرد وقد جاء يستعينه في مهره فسأله عنه فقال : مائتين فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ( كأنكم تقطعون الذهب والفضة من عرض الحرة أو جبل ( فاستقرأ بعض الناس من هذا منع المغالاة بالمهور وهذا لا يلزم وإنكار النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الرجل المتزوج ليس إنكارا لأجل المغالاة والإكثار في المهور وإنما الإنكار لأنه كان فقيرا في تلك الحال فأحوج نفسه إلى الإستعانة والسؤال وهذا مكروه بإتفاق وقد أصدق عمر أم كلثوم بنت علي من فاطمة رضوان الله عليهم أربعين ألف درهم وروى أبو داؤد عن عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل : ( أترضى أن أزوجك فلانة ( قال : نعم وقال للمرأة : ( أترضين أن أزوجك فلانا ( قالت : نعم فزوج أحدهما من صاحبه فدخل بها الرجل ولم يفرض لها صداقا ولم يعطها شيئا وكان ممن شهد الحديبية وله سهم بخيبر فلما حضرته الوفاة قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجني فلانة ولم أفرض لها صداقا ولم أعطها شيئا وإني أشهدكم أني قد أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر فأخذت سهمها فباعته بمائة ألف وقد أجمع العلماء على ألا تحديد في أكثر الصداق لقوله تعالى : وآتيتم إحداهن قنطارا واختلفوا في أقله وسيأتي عند قوله تعالى : أن تبتغوا بأموالكم ومضى القول في تحديد القنطار في آل عمران وقرأ إبن محيصن وآتيتم أحداهن بوصل ألف إحداهن وهي لغة ومنه قول الشاعر : وتسمع من تحت العجاج لها أزملا وقول الآخر : إن لم أقاتل فألبسوني برقعا الرابعة قوله تعالى : ( فلا تأخذوا منه شيئا ) قال بكر بن عبد الله المزني : لا يأخذ الزوج من المختلعة شيئا لقول الله تعالى : فلا تأخذوا وجعلها ناسخة لآية البقرة وقال إبن زيد وغيره : هي منسوخة بقوله تعالى في سورة البقرة ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا والصحيح أن هذه الآيات محكمة وليس فيها ناسخ ولا منسوخ وكلها يبني بعضها على بعض قال الطبري : هي محكمة ولا معنى لقول بكر : إن أرادت هي العطاء فقد جوز النبي صلى الله عليه وسلم لثابت أن يأخذ من زوجته ما ساق إليها ( بهتانا ) مصدر في موضع الحال ( وإثما ) معطوف عليه ( مبينا ) من نعته الخامسة قوله تعالى : ( وكيف تأخذونه ) الآية تعليل لمنع الأخذ مع الخلوة وقال بعضهم : الإفضاء إذا كان معها في لحاف واحد جامع أو لم يجامع حكاه الهروي وهو قول الكلبي وقال الفراء : الإفضاء أن يخلو الرجل والمرأة وأن يجامعها وقال إبن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم : الإفضاء في هذه الآية الجماع قال إبن عباس : ولكن الله كريم يكنى وأصل الإفضاء في اللغة المخالطة ويقال للشئ المختلط : فضا قال الشاعر : فقلت لها يا عمتي لك ناقتي وتمر فضا في عيبتي وزبيب ويقال : القوم فوضي فضا أي مختلطون لا أمير عليهم وعلى أن معنى أفضى خلا وإن لم يكن جامع هل يتقرر المهر بوجود الخلوة أم لا اختلف علماؤنا في ذلك على أربعة أقوال : يستقر بمجرد الخلوة لا يستقر إلا بالوطء يستقر بالخلوة في بيت الإهداء التفرقة بين بيته وبيتها والصحيح إستقراره بالخلوة مطلقا وبه قال أبو حنيفة وأصحابه قالوا : إذا خلا بها خلوة صحيحة يجب كمال المهر والعدة دخل بها أو لم يدخل بها لما رواه الدار قطني عن ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من كشف خمار امرأة ونظر إليها وجب الصداق ( وقال عمر : إذا أغلق بابا وأرخى سترا ورأى عورة فقد وجب الصداق وعليها العدة ولها الميراث وعن علي : إذا أغلق بابا وأرخى سترا ورأى عورة فقد وجب الصداق وقال مالك : إذا طال مكثه معها مثل السنة ونحوها واتفقا على ألا مسيس وطلبت المهر كله كان لها وقال الشافعي : لا عدة عليها ولها نصف المهر وقد مضى في البقرة السادسة قوله تعالى : ( وأخذن منكم ميثاقا غليظا ) فيه ثلاثة أقوال قيل : هو قوله عليه السلام : ( فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ( قاله عكرمة والربيع الثاني قوله تعالى : فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان قاله الحسن وإبن سيرين وقتادة والضحاك والسدي الثالث عقدة النكاح قول الرجل : نكحت وملكت عقدة النكاح قاله مجاهد وإبن زيد وقال قوم : الميثاق الغليظ الولد والله أعلم < <

Bölüm V05/P102

النساء : ( 22 ) ولا تنكحوا ما . . . . . > > < > ( النساء 22 ) <

Bölüm V05/P102–V05/P104

> فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ) يقال : كان الناس يتزوجون امرأة الأب برضاها بعد نزول قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها حتى نزلت هذه الآية : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم فصار حراما في الأحوال كلها لأن النكاح يقع على الجماع والتزوج فإن كان الأب تزوج امرأة أو وطئها بغير نكاح حرمت على إبنه على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى الثانية قوله تعالى ( ما نكح ) قيل : المراد بها النساء وقيل : العقد أي نكاح آبائكم الفاسد المخالف لدين الله إذ الله قد أحكم وجه النكاح وفصل شروطه وهو إختيار الطبري ف من متعلقه ب تنكحوا وما نكح مصدر قال : ولو كان معناه ولا تنكحوا النساء اللاتي نكح آباؤكم لوجب أن يكون موضع ما من فالنهي على هذا إنما وقع على ألا ينكحوا مثل نكاح آبائهم الفاسد والأول أصح وتكون ما بمعنى الذي ومن والدليل عليه أن الصحابة تلقت الآية على ذلك المعنى ومنه استدلت على منع نكاح الأبناء حلائل الآباء وقد كان في العرب قبائل قد اعتادت أن يخلف إبن الرجل على امرأة أبيه وكانت هذه السيرة في الأنصار لازمة وكانت في قريش مباحة مع التراضي ألا ترى أن عمرو بن أمية خلف على امرأة أبيه بعد موته فولدت له مسافرا وأبا معيط وكان لها من أمية أبو العيص وغيره فكان بنو أمية إخوة مسافر وأبي معيط وأعمامهما ومن ذلك صفوان بن أمية بن خلف تزوج بعد أبيه امرأته فاختة بنت الأسود بن المطلب بن أسد وكان أمية قتل عنها ومن ذلك منظور بن زبان خلف على مليكة بنت خارجة وكانت تحت أبيه زبان بن سيار ومن ذلك حصن بن أبي قيس تزوج امرأة أبيه كبيشة بنت معن والأسود بن خلف تزوج امرأة أبيه وقال الأشعث بن سوار : توفى أبو قيس وكان من صالحي الأنصار فخطب إبنه قيس امرأة أبيه فقالت : إني أعدك ولدا ولكني أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم استأمره فأتته فأخبرته فأنزل الله هذه الآية وقد كان في العرب من تزوج إبنته وهو حاجب بن زرارة تمجس وفعل هذه الفعلة ذكر ذلك النضر بن شميل في كتاب المثالب فنهى الله المؤمنين عما كان عليه آباؤهم من هذه السيرة الثالثة قوله تعالى : ( إلا ما قد سلف ) أي تقدم ومضى والسلف : من تقدم من آبائك وذوي قرابتك وهذا إستثناء منقطع أي لكن ما قد سلف فاجتنبوه ودعوه وقيل : إلا بمعنى بعد أي بعد ما سلف كما قال تعالى : لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى الدخان أي بعد الموتة الأولى وقيل : إلا ما قد سلف أي ولا ما سلف كقوله تعالى : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ يعني ولا خطأ وقيل : في الآية تقديم وتأخير معناه : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا إلا ما قد سلف وقيل : في الآية إضمار لقوله ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء فإنكم إن فعلتم تعاقبون وتؤاخذون إلا ما قد سلف الرابعة قوله تعالى : ( إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا ) عقب بالذم البالغ المتتابع وذلك دليل على أنه فعل إنتهى من القبح إلى الغاية قال أبو العباس : سألت إبن الأعرابي عن نكاح المقت فقال : هو أن يتزوج الرجل امرأة أبيه إذا طلقها أو مات عنها ويقال لهذا الرجل : الضيزن وقال إبن عرفة : كانت العرب إذا تزوج الرجل امرأة أبيه فأولدها قيل للولد : المقتي وأصل المقت البغض من مقته يمقته مقتا فهو ممقوت ومقيت فكانت العرب تقول للرجل من امرأة أبيه : مقيت فسمى تعالى هذا النكاح مقتا إذ هو ذا مقت يلحق فاعله وقيل : المراد بالآية النهي عن أن يطأ الرجل امرأة وطئها الآباء إلا ما قد سلف من الآباء في الجاهلية من الزنى بالنساء لا على وجه المناكحة فإنه جائز لكم زواجهن وأن تطئوا بعقد النكاح ما وطئه آباؤكم من الزنى قاله إبن زيد وعليه فيكون الإستثناء متصلا ويكون أصلا في أن الزنى لا يحرم على ما يأتي بيانه والله أعلم < <

Bölüm V05/P104

النساء : ( 23 ) حرمت عليكم أمهاتكم . . . . . > > < > ( النساء 23 ) <

Bölüm V05/P104–V05/P119

> فيه إحدى وعشرون مسألة : الأولى قوله تعالى : ( حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم ) الآية أي نكاح أمهاتكم ونكاح بناتكم فذكر الله تعالى في هذه الآية ما يحل من النساء وما يحرم كما ذكر تحريم حليلة الأب فحرم الله سبعا من النسب وستا من رضاع وصهر وألحقت السنة المتواترة سابعة وذلك الجمع بين المرأة وعمتها ونص عليه الإجماع وثبتت الرواية عن إبن عباس قال : حرم من النسب سبع ومن الصهر سبع وتلا هذه الآية وقال عمرو بن سالم مولى الأنصار مثل ذلك وقال : السابعة قوله تعالى : والمحصنات فالسبع المحرمات من النسب : الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت والسبع المحرمات بالصهر والرضاع : الأمهات من الرضاعة والأخوات من الرضاعة وأمهات النساء والربائب وحلائل الأبناء والجمع بين الأختين والسابعة ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم قال الطحاوي : وكل هذا من المحكم المتفق عليه وغير جائز نكاح واحدة منهن بإجماع إلا أمهات النساء اللواتي لم يدخل بهن أزواجهن فإن جمهور السلف ذهبوا إلى أن الأم تحرم بالعقد على الإبنة ولا تحرم الإبنة إلا بالدخول بالأم وبهذا قول جميع أئمة الفتوى بالأمصار وقالت طائفة من السلف : الأم والربيبة سواء لا تحرم منهما واحدة إلا بالدخول بالأخرى قالوا : ومعنى قوله وأمهات نسائكم أي اللاتي دخلتم بهن وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن وزعموا أن شرط الدخول راجع إلى الأمهات والربائب جميعا رواه خلاس عن علي بن أبي طالب وروى عن إبن عباس وجابر وزيد إبن ثابت وهو قول إبن الزبير ومجاهد قال مجاهد : الدخول مراد في النازلتين وقول الجمهور مخالف لهذا وعليه الحكم والفتيا وقد شدد أهل العراق فيه حتى قالوا : لو وطئها بزنى أو قبلها أو لمسها بشهوة حرمت عليه إبنتها وعندنا وعند الشافعي إنما تحرم بالنكاح الصحيح والحرام لا يحرم الحلال على ما يأتي وحديث خلاس عن علي لا تقوم به حجة ولا تصح روايته عند أهل العلم بالحديث والصحيح عنه مثل قول الجماعة قال إبن جريج : قلت لعطاء الرجل ينكح المرأة ثم لا يراها ولا يجامعها حتى يطلقها أو تحل له أمها قال : لا هي مرسلة دخل بها أو لم يدخل فقلت له : أكان إبن عباس يقرأ : وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن قال : لا لا وروى سعيد عن قتادة عن عكرمة عن إبن عباس في قوله تعالى : وأمهات نسائكم قال : هي مبهمة لا تحل بالعقد على الإبنة وكذلك روى مالك في موطئه عن زيد بن ثابت وفيه : فقال زيد لا الأم مبهمة ] ليس فيها شرط [ وإنما الشرط في الربائب قال إبن المنذر : وهذا هو الصحيح لدخول جميع أمهات النساء في قوله تعالى : وأمهات نسائكم ويؤيد هذا القول من جهة الإعراب أن الخبرين إذا اختلفا في العامل لم يكن نعتهما واحدا فلا يجوز عند النحويين مررت بنسائك وهربت من نساء زيد الظريفات على أن تكون الظريفات نعتا لنسائك ونساء زيد فكذلك الآية لا يجوز أن يكون اللاتي من نعتهما جميعا لأن الخبرين مختلفان ولكنه يجوز على معنى أعنى وأنشد الخليل وسيبويه : إن بها أكتل أو رزاما خويربين ينقفان إلهاما خو يربين يعني لصين بمعنى أعني وينفقان : يكسران نقفت رأسه كسرته وقد جاء صريحا من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها دخل بالبنت أو لم يدخل وإذا تزوج الأم فلم يدخل بها ثم طلقها فإن شاء تزوج البنت ( أخرجه في الصحيحين الثانية وإذا تقرر هذا وثبت فأعلم أن التحريم ليس صفة للأعيان والأعيان ليست موردا للتحليل والتحريم ولا مصدرا وإنما يتعلق التكليف بالأمر والنهي بأفعال المكلفين من حركة وسكون لكن الأعيان لما كانت موردا للأفعال أضيف الأمر والنهي والحكم إليها وعلق بها مجازا على معنى الكناية بالمحل عن الفعل الذي يحل به الثالثة قوله تعالى : أمهاتكم تحريم الأمهات عام في كل حال لا يتخصص بوجه من الوجوه ولهذا يسميه أهل العلم المبهم أي لا باب فيه ولا طريق إليه لإنسداد التحريم وقوته وكذلك تحريم البنات والأخوات ومن ذكر من المحرمات والأمهات جمع أمهة يقال : أم وأمهة بمعنى واحد وجاء القرآن بهما وقد تقدم في الفاتحة بيانه وقيل : إن أصل أم أمهة على وزن فعلة مثل قبرة وحمرة لطيرين فسقطت وعادت في الجمع قال الشاعر : أمهتي خندف والدوس أبى وقيل : أصل الأم أمة وأنشدوا : تقبلتها عن أمة لك طالما تثوب إليها في النوائب أجمعا ويكون جمعها أمات قال الراعي : كانت نجائب منذر ومحرق أماتهن وطرقهن فحيلا فالأم اسم لكل أنثى لها عليك ولادة فيدخل في ذلك الأم دنية وأمهاتها وجداتها وأم الأب وجداته وإن علون والبنت اسم لكل أنثى لك عليها ولادة وإن شئت قلت : كل أنثى يرجع نسبها إليك بالولادة بدرجة أو درجات فيدخل في ذلك بنت الصلب وبناتها وبنات الأبناء وإن نزلن والأخت اسم لكل أنثى جاورتك في أصليك أو في أحدهما والبنات جمع بنت والأصل بنية والمستعمل إبنة وبنت قال الفراء : كسرت الباء من بنت لتدل الكسرة على الياء وضمت الألف من أخت لتدل على حذف الواو فإن أصل أخت أخوة والجمع أخوات والعمة اسم لكل أنثى شاركت أباك أو جدك في أصليه أو في أحدهما وإن شئت قلت : كل ذكر رجع نسبه إليك فأخته عمتك وقد تكون العمة من جهة الأم وهي أخت أب أمك والخالة اسم لكل أنثى شاركت أمك في أصليها أو في أحدهما وإن شئت قلت : كل أنثى رجع نسبها إليك بالولادة فأختها خالتك وقد تكون الخالة من جهة الأب وهي أخت أم أبيك وبنت الأخ اسم لكل أنثى لأخيك عليها ولادة بواسطة أو مباشرة وكذلك بنت الأخت فهذه السبع المحرمات من النسب وقرأ نافع في رواية أبي بكر بن أبي أويس بتشديد الخاء من الأخ إذا كانت فيه الألف واللام مع نقل الحركة الرابعة قوله تعالى : ( وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ) وهي في التحريم مثل من ذكرنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ( وقرأ عبد الله وأمهاتكم اللائي بغير تاء كقوله تعالى : واللائي يئسن من المحيض قال الشاعر : من اللاء لم يحججن يبغين حسبة ولكن ليقتلن البرئ المغفلا أرضعنكم فإذا أرضعت المرأة طفلا حرمت عليه لأنها أمه وبنتها لأنها أخته وأختها لأنها خالته وأمها لأنها جدته وبنت زوجها صاحب اللبن لأنها أخته وأخته لأنها عمته وأمه لأنها جدته وبنات بنيها وبناتها لأنهن بنات إخوته وأخواته الخامسة قال أبو نعيم عبيد الله بن هشام الحلبي : سئل مالك عن المرأة أيحج معها أخوها من الرضاعة قال : نعم قال أبو نعيم : وسئل مالك عن امرأة تزوجت فدخل بها زوجها ثم جاءت امرأة فزعمت أنها أرضعتهما قال : يفرق بينهما وما أخذت من شيء له فهو لها وما بقي عليه فلا شيء عليه ثم قال مالك : إن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن مثل هذا فأمر بذلك فقالوا : يا رسول الله إنها امرأة ضعيفة فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أليس يقال إن فلانا تزوج أخته ( السادسة التحريم بالرضاع إنما يحصل إذا اتفق الإرضاع في الحولين كما تقدم في البقرة ولا فرق بين قليل الرضاع وكثيره عندنا إذا وصل إلى الأمعاء ولو مصة واحدة واعتبر الشافعي في الإرضاع شرطين : أحدهما خمس رضعات لحديث عائشة قالت : كان فيما أنزل الله عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات وتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن مما يقرأ من القرآن موضع الدليل منه أنها أثبتت أن العشر نسخن بخمس فلو تعلق التحريم بما دون الخمس لكان ذلك نسخا للخمس ولا يقبل على هذا خبر واحد ولا قياس لأنه لا ينسخ بهما وفي حديث سهلة ( أرضعيه خمس رضعات يحرم بهن ( الشرط الثاني أن يكون في الحولين فإن كان خارجا عنهما لم يحرم لقوله تعالى : حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وليس بعد التمام والكمال شيء واعتبر أبو حنيفة بعد الحولين ستة أشهر ومالك الشهر ونحوه وقال زفر : ما دام يجترئ باللبن ولم يفطم فهو رضاع وإن أتى عليه ثلاث سنين وقال الأوزاعي : إذا فطم لسنة واستمر فطامه فليس بعده رضاع وانفرد الليث بن سعد من بين العلماء إلى أن رضاع الكبير يوجب التحريم وهو قول عائشة رضي الله عنها وروى عن أبي موسى الأشعري وروى عنه ما يدل على رجوعه عن ذلك وهو ما رواه أبو حصين عن أبي عطية قال : قدم رجل بامرأته من المدينة فوضعت وتورم ثديها فجعل يمصه ويمجه فدخل في بطنه جرعة منه فسأل أبا موسى فقال : بانت منك وأت إبن مسعود فأخبره ففعل فأقبل بالأعرابي إلى أبي موسى الأشعري وقال : أرضيعا ترى هذا الأشمط إنما يحرم من الرضاع ما ينبت اللحم والعظم فقال الأشعري : لا تسألوني عن شيء وهذا الحبر بين أظهركم فقوله : لا تسألوني يدل على أنه رجع عن ذلك واحتجت عائشة بقصة سالم مولى أبي حذيفة وأنه كان رجلا فقال النبي صلى الله عليه وسلم لسلهة بنت سهيل : ( أرضعيه ( خرجه الموطأ وغيره وشذت طائفة فاعتبرت عشر رضعات تمسكا بأنه كان فيما أنزل : عشر رضعات وكأنهم لم يبلغهم الناسخ وقال داؤد : لا يحرم إلا بثلاث رضعات واحتج بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تحرم الإملاجة والإملاجتان ( خرجه مسلم وهو مروى عن عائشة وإبن الزبير وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد وهو تمسك بدليل الخطاب وهو مختلف فيه وذهب من عدا هؤلاء من أئمة الفتوى إلى أن الرضعة الواحدة تحرم إذا تحققت كما ذكرنا متمسكين بأقل ما ينطلق عليه اسم الرضاع وعضد هذا بما وجد من العمل عليه بالمدينة وبالقياس على الصهر بعلة أنه معنى طارئ يقتضى تأبيد التحريم فلا يشترط فيه العدد كالصهر وقال الليث بن سعد : وأجمع المسلمون على أن قليل الرضاع وكثيره يحرم في المهد ما يفطر الصائم قال أبو عمر : لم يقف الليث على الخلاف في ذلك قلت وأنص ما في هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا تحرم المصة ولا المصتان ( أخرجه مسلم في صحيحه وهو يفسر معنى قوله تعالى : وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم أي أرضعنكم ثلاث رضعات فأكثر غير أنه يمكن أن يحمل على ما إذا لم يتحقق وصوله إلى جوف الرضيع لقوله : ( عشر رضعات معلومات وخمس رضعات معلومات ( فوصفها بالمعلومات إنما هو تحرز مما يتوهم أو يشك في وصوله إلى الجوف ويفيد دليل خطابه أن الرضعات إذا كانت غير معلومات لم تحرم والله أعلم وذكر الطحاوي أن حديث الإملاجة والإملاجتين لا يثبت لأنه مرة يرويه إبن الزبير عن النبي صلى الله عليه وسلم ومرة يرويه عن عائشة ومرة يرويه عن أبيه ومثل هذا الإضطراب يسقطه وروى عن عائشة أنه لا يحرم إلا سبع رضعات وروى عنها أنها أمرت أختها أم كلثوم أن ترضع سالم بن عبد الله عشر رضعات وروى عن حفصة مثله وروى عنها ثلاث وروى عنها خمس كما قال الشافعي رضي الله عنه وحكى عن إسحاق السابعة قوله تعالى : ( وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ) استدل به من نفى لبن الفحل وهو سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وأبو سلمة بن عبد الرحمن وقالوا : لبن الفحل لا يحرم شيئا من قبل الرجل وقال الجمهور : قوله تعالى : وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم يدل على أن الفحل أب لأن اللبن منسوب إليه فإنه در بسبب ولده وهذا ضعيف فإن الولد خلق من ماء الرجل والمرأة جميعا واللبن من المرأة ولم يخرج من الرجل وما كان من الرجل إلا وطء هو سبب لنزول الماء منه وإذا فصل الولد خلق الله اللبن من غير أن يكون مضافا إلى الرجل بوجه ما ولذلك لم يكن للرجل حق في اللبن وإنما اللبن لها فلا يمكن أخذ ذلك من القياس على الماء وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ( يقتضى التحريم من الرضاع ولا يظهر وجه نسبة الرضاع إلى الرجل مثل ظهور نسبة الماء إليه والرضاع منها نعم الأصل فيه حديث الزهري وهشام بن عروة عن عروة عن عائشة رضي الله عنها : أن أفلح أخا القعيس جاء يستأذن عليها وهو عمها من الرضاعة بعد أن نزل الحجاب قالت : فأبيت أن آذن له فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته فقال : ( ليلج عليك فإنه عمك تربت يمينك ( وكان أبو القعيس زوج المرأة التي أرضعت عائشة رضي الله عنها وهذا أيضا خبر واحد ويحتمل أن يكون ( أفلح ( مع أبي بكر رضيعي لبان فلذلك قال ( ليلج عليك فإنه عمك وبالجملة فالقول فيه مشكل والعلم عند الله ولكن العمل عليه والإحتياط في التحريم أولى مع أن قوله تعالى : وأحل لكم ما وراء ذلكم يقوي قول المخالف الثامنة قوله تعالى : ( وأخواتكم من الرضاعة ) وهي الأخت لأب وأم وهي التي أرضعتها أمك بلبان أبيك سواء أرضعتها معك أو ولدت قبلك أو بعدك والأخت من الأب دون الأم وهي التي أرضعتها زوجة أبيك والأخت من الأم دون الأب وهي التي أرضعتها أمك بلبان رجل آخر ثم ذكر التحريم بالمصاهرة فقال تعالى : ( وأمهات نسائكم ) والصهر أربع : أم المرأة وإبنتها وزوجة الأب وزوجة الإبن فأم المرأة تحرم بمجرد العقد الصحيح على إبنتها على ما تقدم التاسعة قوله تعالى : ( وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ) هذا مستقل بنفسه ولا يرجع قوله : من نسائكم اللاتي دخلتم بهن إلى الفريق الأول بل هو راجع إلى الربائب إذ هو أقرب مذكور كما تقدم والربيبة : بنت امرأة الرجل من غيره سميت بذلك لأنه يربيها في حجره فهي مربوبة فعيلة بمعنى مفعولة واتفق الفقهاء على أن الربيبة تحرم على زوج أمها إذا دخل بالأم وإن لم تكن الربيبة في حجره وشذ بعض المتقدمين وأهل الظاهر فقالوا : لا تحرم عليه الربيبة إلا أن تكون في حجر المتزوج بأمها فلو كانت في بلد آخر وفارق الأم بعد الدخول فله أن يتزوج بها واحتجوا بالآية فقالوا : حرم الله تعالى الربيبة بشرطين : أحدهما أن تكون في حجر المتزوج بأمها والثاني الدخول بالأم فإذا عدم أحد الشرطين لم يوجد التحريم واحتجوا بقوله عليه السلام : ( لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها إبنة أخي من الرضاعة ( فشرط الحجر ورووا عن علي بن أبي طالب إجازة ذلك قال إبن المنذر والطحاوي : أما الحديث عن علي فلا يثبت لأن راويه إبراهيم بن عبيد عن مالك بن أوس عن علي وإبراهيم هذا لا يعرف وأكثر أهل العلم قد تلقوه بالدفع والخلاف قال أبو عبيد : ويدفعه قوله : ( فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن فعم ولم يقل : اللائي في حجري ولكنه سوى بينهن في التحريم قال الطحاوي : وإضافتهن إلى الحجور إنما ذلك على الأغلب مما يكون عليه الربائب لا أنهن لا يحرمن إذا لم يكن كذلك العاشرة قوله تعالى : ( فإن لم تكونوا دخلتم بهن ) يعني بالأمهات ( فلا جناح عليكم ) يعني في نكاح بناتهن إذا طلقتموهن أو متن عنكم وأجمع العلماء على أن الرجل إذا تزوج المرأة ثم طلقها أو ماتت قبل أن يدخل بها حل له نكاح إبنتها واختلفوا في معنى الدخول بالأمهات الذي يقع به تحريم الربائب فروى عن إبن عباس أنه قال : الدخول الجماع وهو قول طاوس وعمرو بن دينار وغيرهما واتفق مالك والثوري وأبو حنيفة والأوزاعي والليث على أنه إذا مسها بشهوة حرمت عليه أمها وإبنتها وحرمت على الأب والإبن وهو أحد قولي الشافعي واختلفوا في النظر فقال مالك : إذا نظر إلى شعرها أو صدرها أو شيء من محاسنها للذة حرمت عليه أمها وإبنتها وقال الكوفيون : إذا نظر إلى فرجها للشهوة كان بمنزلة اللمس للشهوة وقال الثوري : ] يحرم [ إذا نظر إلى فرجها متعمدا أو لمسها ولم يذكر الشهوة وقال إبن أبي ليلى : لا تحرم بالنظر حتى يلمس وهو قول الشافعي والدليل على أن بالنظر يقع التحريم أن فيه نوع إستمتاع فجرى مجرى النكاح إذ الأحكام تتعلق بالمعاني لا بالألفاظ وقد يحتمل أن يقال : إنه نوع من الإجتماع بالإستمتاع فإن النظر إجتماع ولقاء وفيه بين المحبين إستمتاع وقد بالغ في ذلك الشعراء فقالوا : أليس الليل يجمع أم عمرو وإيانا فذاك بنا تدان نعم وترى الهلال كما أراه ويعلوها النهار كما علاني فكيف بالنظر والمجالسة ] والمحادثة [ واللذة الحادية عشرة قوله تعالى : ( وحلائل أبنائكم ) الحلائل جمع حليلة وهي الزوجة سميت حليلة لأنها تحل مع الزوج حيث حل فهي فعيلة بمعنى فاعلة وذهب الزجاج وقوم إلى أنها من لفظة الحلال فهي حليلة بمعنى محللة وقيل : لأن كل واحد منهما يحل إزار صاحبه الثانية عشرة أجمع العلماء على تحريم ما عقد عليه الآباء على الأبناء وما عقد عليه الأبناء على الآباء كان مع العقد وطء أو لم يكن لقوله تعالى : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء وقوله تعالى : ( وحلائل أبتائكم الذين من أصلابكم ) فإن نكح أحدهما نكاحا فاسدا حرم على الآخر العقد عليها كما يحرم بالصحيح لأن النكاح الفاسد لا يخلو : إما أن يكون متفقا على فساده أو مختلفا فيه فإن كان متفقا على فساده لم يوجب حكما وكان وجوده كعدمه وإن كان مختلفا فيه فيتعلق به من الحرمة ما يتعلق بالصحيح لإحتمال أن يكون نكاحا فيدخل تحت مطلق اللفظ والفروج إذا تعارض فيها التحريم والتحليل غلب التحريم والله أعلم قال إبن المنذر : أجمع كل من يحفظ عنه من علماء الأمصار على أن الرجل إذا وطىء امرأة بنكاح فاسد أنها تحرم على أبيه وإبنه وعلى أجداده وولد ولده وأجمع العلماء وهي المسألة على أن عقد الشراء على الجارية لا يحرمها على أبيه وإبنه فإذا اشترى الرجل جارية فلمس أو قبل حرمت على أبيه وإبنه لا أعلمهم يختلفون فيه فوجب تحريم ذلك تسليما لهم ولما اختلفوا في تحريمها بالنظر دون اللمس لم يجز ذلك لإختلافهم قال إبن المنذر : ولا يصح عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما قلناه وقال يعقوب ومحمد : إذا نظر رجل في فرج امرأة من شهوة حرمت على أبيه وإبنه وتحرم عليه أمها وإبنتها وقال مالك : إذا وطىء الأمة أو قعد منها مقعدا لذلك وإن لم يفض إليها أو قبلها أو باشرها أو غمزها تلذذا فلا تحل لإبنه وقال الشافعي : إنما تحرم باللمس ولا تحرم بالنظر دون اللمس وهو قول الأوزاعي الرابعة عشرة واختلفوا في الوطء بالزنى هل يحرم أم لا فقال أكثر أهل العلم : لو أصاب رجل امرأة بزنى لم يحرم عليه نكاحها بذلك وكذلك لا تحرم عليه امرأته إذا زنى بأمها أو بإبنتها وحسبه أن يقام عليه الحد ثم يدخل بامرأته ومن زنى بامرأة ثم أراد نكاح أمها أو إبنتها لم تحرما عليه بذلك وقالت طائفة : تحرم عليه روى هذا القول عن عمران بن حصين وبه قال الشعبي وعطاء والحسن وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي وروى عن مالك وأن الزنى يحرم الأم والإبنة وأنه بمنزلة الحلال وهو قول أهل العراق والصحيح من قول مالك وأهل الحجاز : أن الزنى لا حكم له لأن الله سبحانه وتعالى قال : وأمهات نسائكم وليست التي زنى بها من أمهات نسائه ولا إبنتها من ربائبه وهو قول الشافعي وأبي ثور لأنه لما ارتفع الصداق في الزنى ووجوب العدة والميراث ولحوق الولد ووجوب الحد ارتفع أن يحكم له بحكم النكاح الجائز وروى الدارقطني من حديث الزهري عن عروة عن عائشة قالت : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل زنى بامرأة فأراد أن يتزوجها أو إبنتها فقال : ( لا يحرم الحرام الحلال إنما يحرم ما كان بنكاح ( ومن الحجة للقول الآخر إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن جريج وقوله : ( يا غلام من أبوك ( قال : فلان الراعي فهذا يدل على أن الزنى يحرم كما يحرم الوطء الحلال فلا تحل أم المزنى بها ولا بناتها لآباء الزاني ولا لأولاده وهي رواية إبن القاسم في المدونة ويستدل به أيضا على أن المخلوقة من ماء الزاني لا تحل للزاني بأمها وهو المشهور قال عليه السلام : ( لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وإبنتها ( ولم يفصل بين الحلال والحرام وقال عليه السلام : ( لا ينظر الله إلى من كشف قناع امرأة وإبنتها ( قال إبن خويز منداد : ولهذا قلنا إن القبلة وسائر وجوه الإستمتاع ينشر الحرمة وقال عبد الملك الماجشون : إنها تحل وهو الصحيح لقوله تعالى : وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا يعني بالنكاح الصحيح على ما يأتي في الفرقان بيانه ووجه التمسك من الحديث على تلك المسألتين أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حكى عن جريج أنه نسب إبن الزنى للزاني وصدق الله نسبته بما خرق له من العادة في نطق الصبي بالشهادة له بذلك وأخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم عن جريج في معرض المدح وإظهار كرامته فكانت تلك النسبة صحيحة بتصديق الله تعالى وبإخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فثبتت البنوة وأحكامها فإن قيل : فيلزم على هذا أن تجرى أحكام البنوة والأبوة من التوارث والولايات وغير ذلك وقد اتفق المسلمون على أنه لا توارث بينهما فلم تصح تلك النسبة فالجواب إن ذلك موجب ما ذكرناه وما انعقد عليه الإجماع من الأحكام إستثنيناه وبقى الباقي على أصل ذلك الدليل والله أعلم الخامسة عشرة واختلف العلماء أيضا من هذا الباب في مسألة اللائط فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم : لا يحرم النكاح باللواط وقال الثوري : إذا لعب بالصبي حرمت عليه أمه وهو قول أحمد بن حنبل قال : إذا تلوط بإبن امرأته أو أبيها أو أخيها حرمت عليه امرأته وقال الأوزاعي : إذا لاط بغلام وولد للمفجور به بنت لم يجز للفاجر أن يتزوجها لأنها بنت من قد دخل به وهو قول أحمد بن حنبل السادسة عشرة قوله تعالى : ( الذين من أصلابكم ) تخصيص ليخرج عنه كل من كانت العرب تتبناه ممن ليس للصلب ولما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم امرأة زيد إبن حارثة قال المشركون : تزوج امرأة إبنه وكان عليه السلام تبناه على ما يأتي بيانه في الأحزاب وحرمت حليلة الإبن من الرضاع وإن لم يكن للصلب بالإجماع المستند إلى قوله عليه السلام : ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ( السابعة عشرة قوله تعالى : ( وأن تجمعوا بين الأختين ) موضع أن رفع على العطف على حرمت عليكم أمهاتكم والأختان لفظ يعم الجميع بنكاح وبملك يمين وأجمعت الأمة على منع جمعهما في عقد واحد من النكاح لهذه الآية وقوله عليه السلام : ( لا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن ( واختلفوا في الأختين بملك اليمين فذهب كافة العلماء إلى أنه لا يجوز الجمع بينهما بالملك في الوطء وإن كان يجوز الجمع بينهما في الملك بإجماع وكذلك المرأة وإبنتها صفقة واحدة واختلفوا في عقد النكاح على أخت الجارية التي وطئها فقال الأوزاعي : إذا وطىء جارية له بملك اليمين لم يجز له أن يتزوج أختها وقال الشافعي : ملك اليمين لا يمنع نكاح الأخت قال أبو عمر : من جعل عقد النكاح كالشراء أجازه ومن جعله كالوطء لم يجزه وقد أجمعوا على أنه لا يجوز العقد على أخت الزوجة لقول الله تعالى : وأن تجمعوا بين الأختين يعني الزوجتين بعقد النكاح فقف على ما اجتمعوا عليه وما اختلفوا فيه يتبين لك الصواب ] إن شاء الله [ والله أعلم الثامنة عشرة شذ أهل الظاهر فقالوا : يجوز الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطء كما يجوز الجمع بينهما في الملك واحتجوا بما روى عن عثمان في الأختين من ملك اليمين : حرمتهما آية وأحلتهما آية ذكره عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن قبيصة إبن ذؤيب أن عثمان بن عفان سئل عن الأختين مما ملكت اليمين فقال : لا آمرك ولا أنهاك أحلتهما آية وحرمتهما آية فخرج السائل فلقي رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال معمر : أحسبه قال علي قال : وما سألت عنه عثمان فأخبره بما سأله وبما أفتاه فقال له : لكني أنهاك ولو كان لي عليك سبيل ثم فعلت لجعلتك نكالا وذكر الطحاوي والدارقطني عن علي وإبن عباس مثل قول عثمان والآية التي أحلتهما قوله تعالى : وأحل لكم ما وراء ذلكم ولم يلتفت أحد من أئمة الفتوى إلى هذا القول لأنهم فهموا من تأويل كتاب الله خلافه ولا يجوز عليهم تحريف التأويل وممن قال ذلك من الصحابة : عمر وعلي وإبن مسعود ] وعثمان [ وإبن عباس وعمار وإبن عمر وعائشة وإبن الزبير وهؤلاء أهل العلم بكتاب الله فمن خالفهم فهو متعسف في التأويل وذكر إبن المنذر أن إسحاق بن راهويه حرم الجمع بينهما بالوطء وأن جمهور أهل العلم كرهوا ذلك وجعل مالكا فيمن كرهه ولا خلاف في جواز جمعهما في الملك وكذلك الأم وإبنتها قال إبن عطية : ويجئ من قول إسحاق أن يرجم الجامع بينهما بالوطء وتستقرأ الكراهية من قول مالك : إنه إذا وطىء واحدة ثم وطىء الأخرى وقف عنهما حتى يحرم إحداهما فلم يلزمه حدا قال أبو عمر : أما قول علي لجعلته نكالا ولم يقل لحددته حد الزاني فلأن من تأول آية أو سنة ولم يطأ عند نفسه حراما فليس ] بزان [ بإجماع وإن كان مخطئا إلا أن يدعى من ذلك ما لا يعذر بجهله وقول بعض السلف في الجمع بين الأختين بملك اليمين : أحلتهما آية وحرمتهما آية معلوم محفوظ فكيف يحد حد الزاني من فعل ما فيه مثل هذا من الشبهة القوية وبالله التوفيق التاسعة عشرة واختلف العلماء إذا كان يطأ واحدة ثم اراد أن يطأ الأخرى فقال علي وإبن عمر والحسن البصري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق : لا يجوز له وطء الثانية حتى يحرم فرج الأخرى بإخراجها من ملكه ببيع أو عتق أو بأن يزوجها قال إبن المنذر : وفيه قول ثان لقتادة وهو أنه إذا كان يطأ واحدة وأراد وطء الأخرى فإنه ينوي تحريم الأولى على نفسه وألا يقربها ثم يمسك عنهما حتى يستبرئ الأولى المحرمة ثم يغشى الثانية وفيه قول ثالث وهو إذا كان عنده أختان فلا يقرب واحدة منهما هكذا قال الحكم وحماد وروى معنى ذلك عن النخعي ومذهب مالك : إذا كان أختان عند رجل بملك فله أن يطأ أيتهما شاء والكف عن الأخرى موكول إلى أمانته فإن أراد وطء الأخرى فيلزمه أن يحرم على نفسه فرج الأولى بفعل يفعله من إخراج عن الملك : إما بتزويج أو بيع أو عتق إلى أجل أو كتابة أو إخدام طويل فإن كان يطأ إحداهما ثم وثب على الأخرى دون أن يحرم الأولى وقف عنهما ولم يجز له قرب إحداهما حتى يحرم الأخرى ولم يوكل ذلك إلى أمانته لأنه متهم فيمن قد وطىء ولم يكن قبل متهما إذ كان لم يطأ إلا الواحدة ومذهب الكوفيين في هذا الباب : الثوري وأبي حنيفة وأصحابه أنه إن وطىء إحدى أمتيه لم يطأ الأخرى فإن باع الأولى أو زوجها ثم رجعت إليه أمسك عن الأخرى وله أن يطأها ما دامت أختها في العدة من طلاق أو وفاة فأما بعد إنقضاء العدة فلا حتى يملك فرج التي يطأ غيره وروى معنى ذلك عن علي رضي الله عنه قالوا : لأن الملك الذي منع وطء الجارية في الإبتداء موجود فلا فرق بين عودتها إليه وبين بقائها في ملكه وقول مالك حسن لأنه تحريم صحيح في الحال ولا يلزم مراعاة المآل وحسبه إذا حرم فرجها عليه ببيع أو بتزويج أنها حرمت عليه في الحال ولم يختلفوا في العتق لأنه لا يتصرف فيه بحال وأما المكاتبة فقد تعجز فترجع إلى ملكه فإن كان عند رجل أمة يطؤها ثم تزوج أختها ففيها في المذهب ثلاثة أقوال في النكاح الثالث في المدونة أنه يوقف عنهما إذا وقع عقد النكاح حتى يحرم إحداهما مع كراهية لهذا النكاح إذ هو عقد في موضع لا يجوز فيه الوطء وفي هذا ما يدل على أن ملك اليمين لا يمنع النكاح كما تقدم عن الشافعي وفي الباب بعينه قول آخر : أن النكاح لا ينعقد وهو معنى قول الأوزاعي وقال أشهب في كتاب الإستبراء : عقد النكاح في الواحدة تحريم لفرج المملوكة الموفية عشرين وأجمع العلماء على أن الرجل إذا طلق زوجته طلاقا يملك رجعتها أنه ليس له أن ينكح أختها أو أربعا سواها حتى تنقضي عدة المطلقة واختلفوا إذا طلقها طلاقا لا يملك رجعتها فقالت طائفة : ليس له أن ينكح أختها ولا رابعة حتى تنقضي عدة التي طلق وروى عن علي وزيد بن ثابت وهو مذهب مجاهد وعطاء بن أبي رباح والنخعي وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وأصحاب الرأي وقالت طائفة : له أن ينكح أختها وأربعا سواها وروى عن عطاء وهي أثبت الروايتين عنه وروى عن زيد بن ثابت أيضا وبه قال سعيد بن المسيب والحسن والقاسم وعروة بن الزبير وإبن أبي ليلى والشافعي وأبو ثور وأبو عبيد قال إبن المنذر : ولا أحسبه إلا قول مالك وبه نقول الحادية والعشرون قوله تعالى : ( إلا ما قد سلف ) يحتمل أن يكون معناه معنى قوله : إلا ما قد سلف في قوله : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف ويحتمل معنى زائدا وهو جواز ما سلف وأنه إذا جرى الجمع في الجاهلية كان النكاح صحيحا وإذا جرى في الإسلام خير بين الأختين على ما قاله مالك والشافعي من غير إجراء عقود الكفار على موجب الإسلام ومقتضى الشرع وسواء عقد عليهما عقدا واحدا جمع به بينهما أو جمع بينهما في عقدين وأبو حنيفة يبطل نكاحهما إن جمع في عقد واحد وروى هشام بن عبد الله عن محمد بن الحسن أنه قال : كان أهل الجاهلية يعرفون هذه المحرمات كلها التي ذكرت في هذه الآية إلا أثنتين إحداهما نكاح امرأة الأب والثانية الجمع بين الأختين ألا ترى أنه قال : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف ولم يذكر في سائر المحرمات إلا ما قد سلف والله أعلم < <

Bölüm V05/P119

النساء : ( 24 ) والمحصنات من النساء . . . . . > > < > ( النساء 24 ) <

Bölüm V05/P119–V05/P135

> فيه أربعة عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( والمحصنات ) عطف على المحرمات والمذكورات قبل والتحصن : التمنع ومنه الحصن لأنه يمتنع فيه ومنه قوله تعالى : وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم الأنبياء أي لتمنعكم ومنه الحصان للفرس ( بكسر الحاء ) لأنه يمنع صاحبه من الهلاك والحصان ( بفتح الحاء ) : المرأة العفيفة لمنعها نفسها من الهلاك وحصنت المرأة تحصن فهي حصان مثل جبنت فهي جبان وقال حسان في عائشة رضي الله عنها : حصان رزان ما تزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل والمصدر الحصانة ( بفتح الحاء ) والحصن كالعلم فالمراد بالمحصنات ها هنا ذوات الأزواج يقال : امرأة محصنة أي متزوجة ومحصنة أي حرة ومنه والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ومحصنة أي عفيفة قال الله تعالى : محصنات غير مسافحات وقال : محصنين غير مسافحين ومحصنة ومحصنة وحصان أي عفيفة أي ممتنعة من الفسق والحرية تمنع الحرة مما يتعاطاه العبيد قال الله تعالى : والذين يرمون المحصنات أي الحرائر وكان عرف الإماء في الجاهلية الزنى ألا ترى إلى قول هند بنت عتبة للنبي صلى الله عليه وسلم حين بايعته : ( وهل تزنى الحرة ( والزوج أيضا يمنع زوجه من أن تزوج غيره فبناء ( ح ص ن ) معناه المنع كما بينا ويستعمل الإحصان في الإسلام لأنه حافظ ومانع ولم يرد في الكتاب وورد في السنة ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( الإيمان قيد الفتك ( ومنه قول الهذلي : فليس كعهد الدار يا أم مالك ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل وقال الشاعر : قالت هلم إلى الحديث فقلت لا يأبى عليك الله والإسلام ومنه قول سحيم : كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا الثانية إذا ثبت هذا فقد اختلف العلماء في تأويل هذه الآية فقال إبن عباس وأبو قلابة وإبن زيد ومكحول والزهري وأبو سعيد الخدري : المراد بالمحصنات هنا المسبيات ذوات الأزواج خاصة أي هن محرمات إلا ما ملكت اليمين بالسبي من أرض الحرب فإن تلك حلال للذي تقع في سهمه وإن كان لها زوج وهو قول الشافعي في أن السباء يقطع العصمة وقاله إبن وهب وإبن عبدالحكم وروياه عن مالك وقال به أشهب يدل عليه ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين بعث جيشا إلى أوطاس فلقوا العدو فقاتلوهم وظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا فكان ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين فأنزل الله عزوجل ] في ذلك [ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم أي فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن وهذا نص ] صحيح [ صريح في أن الآية نزلت بسبب تحرج أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن وطء المسبيات ذوات الأزواج فأنزل الله تعالى في جوابهم إلا ما ملكت أيمانكم وبه قال مالك وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وهو الصحيح إن شاء الله تعالى واختلفوا في إستبرائها بماذا يكون فقال الحسن : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يستبرئون المسبية بحيضة وقد روى ذلك من حديث أبي سعيد الخدري في سبايا أوطاس ( لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض ( ولم يجعل لفراش الزوج السابق أثرا حتى يقال إن المسبية مملوكة ولكنها كانت زوجة زال نكاحها فتعتد عدة الإماء على ما نقل عن الحسن بن صالح قال : عليها العدة حيضتان إذا كان لها زوج في دار الحرب وكافة العلماء رأوا إستبراءها وإستبراء التي لا زوج لها واحدا في أن الجميع بحيضة واحدة والمشهور من مذهب مالك أنه لا فرق بين أن يسبي الزوجان مجتمعين أو متفرقين وروى عنه إبن بكير أنهما إن سبيا جميعا واستبقى الرجل أقرا على نكاحهما فرأى في هذه الرواية أن استبقاءه إبقاء لما يملكه لأنه قد صار له عهد وزوجته من جملة ما يملكه فلا يحال بينه وبينها وهو قول أبي حنيفة والثوري وبه قال إبن القاسم ورواه عن مالك والصحيح الأول لما ذكرناه ولأن الله تعالى قال : إلا ما ملكت أيمانكم فأحال على ملك اليمين وجعله هو المؤثر فيتعلق الحكم به من حيث العموم والتعليل جميعا إلا ما خصه الدليل وفي الآية قول ثان قاله عبد الله بن مسعود وسعيد بن المسيب والحسن بن أبي الحسن وأبي بن كعب وجابر بن عبد الله وإبن عباس في رواية عكرمة : أن المراد بالآية ذوات الأزواج أي فهن حرام إلا أن يشترى الرجل الأمة ذات الزوج فإن بيعها طلاقها والصدقة بها طلاقها وأن تورث طلاقها وتطليق الزوج طلاقها قال إبن مسعود : فإذا بيعت الأمة ولها زوج فالمشتري أحق ببضعها وكذلك المسبية كل ذلك موجب للفرقة بينها وبين زوجها قالوا : وإذا كان كذلك فلا بد أن يكون بيع الأمة طلاقا لها لأن الفرج محرم على أثنين في حال واحدة بإجماع من المسلمين قلت : وهذا يرده حديث بريرة لأن عائشة رضي الله عنها اشترت بريرة وأعتقتها ثم خيرها النبي صلى الله عليه وسلم وكانت ذات زوج وفي إجماعهم على أن بريرة قد خيرت تحت زوجها مغيث بعد أن اشترتها عائشة فأعتقتها لدليل على أن بيع الأمة ليس طلاقها وعلى ذلك جماعة فقهاء الأمصار من أهل الرأي والحديث وألا طلاق لها إلا الطلاق وقد احتج بعضهم بعموم قوله : إلا ما ملكت أيمانكم وقياسا على المسبيات وما ذكرناه من حديث بريرة يخصه ويرده وأن ذلك إنما هو خاص بالمسبيات على حديث أبي سعيد وهو الصواب والحق إن شاء الله تعالى وفي الآية قول ثالث روى الثوري عن مجاهد عن إبراهيم قال إبن مسعود في قوله تعالى : والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم قال : ذوات الأزواج من المسلمين والمشركين وقال علي بن أبي طالب : ذوات الأزواج من المشركين وفي الموطأ عن سعيد بن المسيب والمحصنات من النساء هن ذوات الأزواج ويرجع ذلك إلى أن الله حرم الزنى وقالت طائفة : المحصنات في هذه الآية يراد به العفائف أي كل النساء حرام وألبسهن اسم الإحصان من كان منهن ذات زوج أو غير ذات زوج إذ الشرائع في أنفسها تقتضي ذلك ( إلا ما ملكت أيمانكم ) قالوا : معناه بنكاح أو شراء هذا قول أبي العالية وعبيدة السلماني وطاوس وسعيد بن جبير وعطاء ورواه عبيدة عن عمر فأدخلوا النكاح تحت ملك اليمين ويكون معنى الآية عندهم في قوله تعالى : إلا ما ملكت أيمانكم يعني تملكون عصمتهن بالنكاح وتملكون الرقبة بالشراء فكأنهن كلهن ملك يمين وما عدا ذلك فزنى وهذا قول حسن وقد قال إبن عباس : المحصنات العفائف من المسلمين ومن أهل الكتاب قال إبن عطية : وبهذا التأويل يرجع معنى الآية إلى تحريم الزنى وأسند الطبري أن رجلا قال لسعيد بن جبير : أما رأيت إبن عباس حين سئل عن هذه الآية فلم يقل فيها شيئا فقال سعيد : كان إبن عباس لا يعلمها وأسند أيضا عن مجاهد أنه قال : لو أعلم من يفسر لي هذه الآية لضربت إليه أكباد الإبل : قوله والمحصنات إلى قوله حكيما قال إبن عطية : ولا أدري كيف نسب هذا القول إلى إبن عباس ولا كيف إنتهى مجاهد إلى هذا القول الثالثة قوله تعالى : ( كتاب الله عليكم ) نصب على المصدر المؤكد أي حرمت هذه النساء كتابا من الله عليكم ومعنى حرمت عليكم كتب الله عليكم وقال الزجاج والكوفيون : هو نصب على الإغراء أي الزموا كتاب الله أو عليكم كتاب الله وفيه نظر على ما ذكره أبو علي فإن الإغراء لا يجوز فيه تقديم المنصوب على حرف الإغراء فلا يقال : زيدا عليك أو زيدا دونك بل يقال : عليك زيدا ودونك عمرا وهذا الذي قاله صحيح على أن يكون منصوبا ب عليكم وأما على تقدير حذف الفعل فيجوز ويجوز الرفع على معنى هذا كتاب الله وفرضه وقرأ أبو حيوة ومحمد بن السميقع كتب الله عليكم على الفعل الماضي المسند إلى اسم الله تعالى والمعنى كتب الله عليكم ما قصه من التحريم وقال عبيدة السلماني وغيره : قوله كتاب الله عليكم إشارة إلى ما ثبت في القرآن من قوله تعالى : مثنى وثلاث ورباع وفي هذا بعد والأظهر أن قوله : كتاب الله عليكم إنما هو آشارة إلى التحريم الحاجز بين الناس وبين ما كانت العرب تفعله الرابعة قوله تعالى : ( وأحل لكم ما وراء ذلكم ) قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص وأحل لكم ردا على حرمت عليكم الباقون بالفتح ردا على قوله تعالى : كتاب الله عليكم وهذا يقتضي الأ يحرم من النساء إلا من ذكر وليس كذلك فإن الله تعالى قد حرم على لسان نبيه من لم يذكر في الآية فيضم إليها قال الله تعالى : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا روى مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها ( وقال إبن شهاب : فنرى خالة أبيها وعمة أبيها بتلك المنزلة وقد قيل : إن تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها متلقى من الآية نفسها لأن الله تعالى حرم الجمع بين الأختين والجمع بين المرأة وعمتها في معنى الجمع بين الأختين أو لأن الخالة في معنى الوالدة والعمة في معنى الوالد والصحيح الأول لأن الكتاب والسنة كالشئ الواحد فكأنه قال : أحللت لكم ما وراء ما ذكرنا في الكتاب وما وراء ما أكملت به البيان على لسان محمد عليه السلام وقول إبن شهاب : فنرى خالة أبيها وعمة أبيها بتلك المنزلة إنما صار إلى ذلك لأنه حمل الخالة والعمة على العموم وتم له ذلك لأن العمة اسم لكل أنثى شاركت أباك في أصليه أو في أحدهما والخالة كذلك كما بيناه وفي مصنف أبي داؤد وغيره عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تنكح المرأة على عمتها ولا العمة على بنت أخيها ولا المرأة على خالتها ولا الخالة على بنت أختها ولا تنكح الكبرى على الصغرى ولا الصغرى على الكبرى ( وروى أبو داؤد أيضا عن إبن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كره أن يجمع بين العمة والخالة وبين العمتين والخالتين الرواية ( لا يجمع ( برفع العين على الخبر على المشروعية فيتضمن النهي عن ذلك وهذا الحديث مجمع على العمل به في تحريم الجمع بين من ذكر فيه بالنكاح وأجاز الخوارج الجمع بين الأختين وبين المرأة وعمتها وخالتها ولا يعتد بخلافهم لأنهم مرقوا من الدين وخرجوا منه ولأنهم مخالفون للسنة الثابتة وقوله : ( لا يجمع بين العمتين والخالتين ( فقد أشكل على بعض أهل العلم وتحير في معناه حتى حمله على ما يبعد أو لا يجوز فقال : معنى بين العمتين على المجاز أي بين العمة وبنت أخيها فقيل لهما : عمتان كما قيل : سنة العمرين أبي بكر وعمر قال : وبين الخالتين مثله قال النحاس : وهذا من التعسف الذي لا يكاد يسمع بمثله وفيه أيضا مع التعسف أنه يكون كلاما مكررا لغير فائدة لأنه إذا كان المعنى نهى أن يجمع بين العمة وبنت أخيها وبين العمتين يعني به العمة وبنت أخيها صار الكلام مكررا لغير فائدة وأيضا فلو كان كما قال لوجب أن يكون وبين الخالة وليس كذلك الحديث لأن الحديث نهى أن يجمع بين العمة والخالة فالواجب على لفظ الحديث ألا يجمع بين امرأتين إحداهما عمة الأخرى والأخرى خالة الأخرى قال النحاس : وهذا يخرج على معنى صحيح يكون رجل وإبنه تزوجا امرأة وإبنتها تزوج الرجل البنت وتزوج الإبن الأم فولد لكل واحد منهما إبنة من هاتين الزوجتين فإبنة الأب عمة إبنة الإبن وإبنة الإبن خالة إبنة الأب وأما الجمع بين الخالتين فهذا يوجب أن يكونا امرأتين كل واحدة منهما خالة الأخرى وذلك أن يكون رجل تزوج إبنة رجل وتزوج الآخر إبنته فولد لكل واحد منهما إبنة فإبنة كل واحد منهما خالة الأخرى وأما الجمع بين العمتين فيوجب ألا يجمع بين امرأتين كل واحدة منهما عمة الأخرى وذلك أن يتزوج رجل أم رجل ويتزوج الآخر أم الآخر فيولد لكل واحد منهما إبنة فإبنة كل واحد منهما عمة الأخرى فهذا ما حرم الله على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم مما ليس في القرآن الخامسة وإذا تقرر هذا فقد عقد العلماء فيمن يحرم الجمع بينهن عقدا حسنا فروى معتمر بن سليمان عن فضيل بن ميسرة عن أبي جرير عن الشعبي قال : كل امرأتين إذا جعلت موضع إحداهما ذكرا لم يجز له أن يتزوج الأخرى فالجمع بينهما باطل فقلت له : عمن هذا قال : عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سفيان الثوري : تفسيره عندنا أن يكون من النسب ولا يكون بمنزلة امرأة وإبنة زوجها يجمع بينهما إن شاء قال أبو عمر : وهذا على مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة والأوزاعي وسائر فقهاء الأمصار من أهل الحديث وغيرهم فيما علمت لا يختلفون في هذا الأصل وقد كره قوم من السلف أن يجمع الرجل بين إبنة رجل وامرأته من أجل أن أحدهما لو كان ذكرا لم يحل له نكاح الأخرى والذي عليه العلماء أنه لا بأس بذلك وأن المراعى النسب دون غيره من المصاهرة ثم ورد في بعض الأخبار التنبيه على العلة في منع الجمع بين من ذكر وذلك ما يفضي إليه الجمع من قطع الأرحام القريبة مما يقع بين الضرائر من الشنآن والشرور بسبب الغيرة فروى إبن عباس قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوج الرجل المرأة على العمة أو على الخالة وقال : ( إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم ( ذكره أبو محمد الأصيلي في فوائده وبن عبد البر وغيرهما ومن مراسيل أبي داؤد عن حسين بن طلحة قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تنكح المرأة على أخواتها مخافة القطيعة وقد طرد بعض السلف هذه العلة فمنع الجمع بين المرأة وقريبتها وسواء كانت بنت عم أو بنت عمة أو بنت خال أو بنت خالة روى ذلك عن إسحاق بن طلحة وعكرمة وقتادة وعطاء في رواية إبن أبي نجيح وروى عنه إبن جريج أنه لا بأس بذلك وهو الصحيح وقد نكح حسن بن حسين بن علي في ليلة واحدة إبنة محمد بن علي وإبنة عمر بن علي فجمع بين إبنتي عم ذكره عبد الرزاق زاد إبن عيينة : فأصبح نساؤهم لا يدرين إلى أيتهما يذهبن وقد كره مالك هذا وليس بحرام عنده وفي سماع إبن القاسم : سئل مالك عن إبنتي العم أيجمع بينهما فقال : ما أعلمه حراما قيل له : أفتكرهه قال : إن ناسا ليتقونه قال إبن القاسم : وهو حلال لا بأس به قال إبن المنذر : لا أعلم أحدا أبطل هذا النكاح وهما داخلتان في جملة ما أبيح بالنكاح غير خارجتين منه بكتاب ولا سنة ولا إجماع وكذلك الجمع بين إبنتي عمة وإبنتي خالة وقال السدي في قوله تعالى : وأحل لكم ما وراء ذلكم : يعني النكاح فيما دون الفرج وقيل : المعنى وأحل لكم ما وراء ذوات المحارم من أقربائكم قتادة : يعني بذلك ملك اليمين خاصة السادسة قوله تعالى : ( أن تبتغوا بأموالكم ) لفظ يجمع التزوج والشراء وأن في موضع نصب بدل من ما وعلى قراءة حمزة في موضع رفع ويحتمل أن يكون المعنى لأن أو بأن فتحذف اللام أو الباء فيكون في موضع نصب و ( محصنين ) نصب على الحال ومعناه متعففين عن الزنى ( غير مسافحين ) أي غير زانين والسفاح الزنى وهو مأخوذ من سفح الماء أي صبه وسيلانه ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع الدفاف في عرس : ( هذا النكاح لا السفاح ولا نكاح السر ( وقد قيل : إن قوله محصنين غير مسافحين يحتمل وجهين : أحدهما ما ذكرناه وهو الإحصان بعقد النكاح تقديره أطلبوا منافع البضع بأموالكم على وجه النكاح لا على وجه السفاح فيكون للآية على هذا الوجه عموم ويحتمل أن يقال : محصنين أي الإحصان صفة لهن ومعناه لتزوجوهن على شرط الإحصان فيهن والوجه الأول أولى لأنه متى أمكن جري الآية على عمومها والتعلق بمقتضاها فهو أولى ولأن مقتضى الوجه الثاني أن المسافحات لا يحل التزوج بهن وذلك خلاف الإجماع السابعة قوله تعالى : بأموالكم أباح الله تعالى الفروج بالأموال ولم يحصل فوجب إذا حصل بغير المال ألا تقع الإباحة به لأنها على غير الشرط المأذون فيه كما لو عقد على خمر أو خنزير أو ما لا يصح تملكه ويرد على أحمد قوله في أن العتق يكون صداقا لأنه ليس فيه تسليم مال وإنما فيه إسقاط الملك من غير أن استحقت به تسليم مال إليها فإن الذي كان يملكه المولى من عنده لم ينتقل إليها وإنما سقط فإذا لم يسلم الزوج إليها شيئا ولم تستحق عليه شيئا وإنما أتلف به ملكه لم يكن مهرا وهذا بين مع قوله تعالى : وأتوا النساء وذلك أمر يقتضي الإيجاب وإعطاء العتق لا يصح وقوله تعالى : فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه وذلك محال في العتق فلم يبق أن يكون الصداق إلا مالا لقوله تعالى : بأموالكم واختلف من قال بذلك في قدر ذلك فتعلق الشافعي بعموم قوله تعالى : بأموالكم في جواز الصداق بقليل وكثير وهو الصحيح ويعضده قوله عليه السلام في حديث الموهوبة ( ولو خاتما من حديد ( وقوله عليه السلام : ( أنكحوا الأيامى ( ثلاثا قيل : ما العلائق بينهم يا رسول الله قال : ( ما تراضى عليه الأهلون ولو قضيبا من أراك ( وقال : أبو سعيد الخدري : سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صداق النساء فقال : ( هو ما أصطلح عليه أهلوهم ( وروى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لو أن رجلا أعطى امرأة ملء يديه طعاما كانت به حلالا ( أخرجهما الدارقطني في سننه قال الشافعي : كل ما جاز أن يكون ثمنا لشئ أو جاز أن يكون أجرة جاز أن يكون صداقا وهذا قول جمهور أهل العلم وجماعة أهل الحديث من أهل المدينة وغيرها كلهم أجازوا الصداق بقليل المال وكثيره وهو قول عبد الله بن وهب صاحب مالك واختاره إبن المنذر وغيره قال سعيد بن المسيب : لو أصدقها سوطا حلت به وأنكح إبنته من عبد الله بن وداعة بدرهمين وقال ربيعة : يجوز النكاح بدرهم وقال أبو الزناد : ما تراضى به الأهلون وقال مالك : لا يكون الصداق أقل من ربع دينار أو ثلاثة دراهم كيلا قال بعض أصحابنا في تعليل له : وكان أشبه الأشياء بذلك قطع اليد لأن البضع عضو واليد عضو يستباح بمقدر من المال وذلك ربع دينار أو ثلاثة دراهم كيلا فرد مالك البضع إليه قياسا على اليد قال أبو عمر : قد تقدمه إلى هذا أبو حنيفة فقاس الصداق على قطع اليد واليد عنده لا تقطع إلا في دينار ذهبا أو عشرة دراهم كيلا ولا صداق عنده أقل من ذلك وعلى ذلك جماعة أصحابه وأهل مذهبه وهو قول أكثر أهل بلده في قطع اليد لا في أقل الصداق وقد قال الدراوردي لمالك إذ قال لا صداق أقل من ربع دينار : تعرقت فيها يا أبا عبد الله أي سلكت فيها سبيل أهل العراق وقد احتج أبو حنيفة بما رواه جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا صداق دون عشرة دراهم ( أخرجه الدارقطني وفي سنده مبشر بن عبيد متروك وروى عن داؤد الأودي عن الشعبي عن علي عليه السلام : لا يكون المهر أقل من عشرة دراهم قال أحمد بن حنبل : لقن غياث بن إبراهيم داؤد الأودي عن الشعبي عن علي : لا مهر أقل من عشرة دراهم فصار حديثا وقال النخعي : أقله أربعون درهما سعيد بن جبير : خمسون درهما إبن شبرمة : خمسة دراهم ورواه الدارقطني عن إبن عباس عن علي رضي الله عنه : لا مهر أقل من خمسة دراهم الثامنة قوله تعالى : ( فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ) الإستمتاع التلذذ والأجور المهور وسمى المهر أجرا لأنه أجر الإستمتاع وهذا نص على أن المهر يسمى أجرا و ] ذلك [ دليل على أنه في مقابلة البضع لأن ما يقابل المنفعة يسمى أجرا وقد اختلف العلماء في المعقود عليه في النكاح ما هو : بدن المرأة أو منفعة البضع أو الحل ثلاثة اقوال والظاهر المجموع فإن العقد يقتضى كل ذلك والله أعلم التاسعة واختلف العلماء في معنى الآية فقال الحسن ومجاهد وغيرهما : المعنى فما انتفعتم وتلذذتم بالجماع من النساء بالنكاح الصحيح فآتوهن أجورهن أي مهورهن فإذا جامعها مرة واحدة فقد وجب المهر كاملا إن كان مسمى أو مهر مثلها إن لم يسم فإن كان النكاح فاسدا فقد اختلفت الرواية عن مالك في النكاح الفاسد هل تستحق به مهر المثل أو المسمى إذا كان مهرا صحيحا فقال مرة : المهر المسمى وهو ظاهر مذهبه وذلك أن ما تراضوا عليه يقين ومهر المثل إجتهاد فيجب أن يرجع إلى ما تيقناه لأن الأموال لا تستحق بالشك ووجه قوله : مهر المثل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فإن دخل بها فلها مهر مثلها بما استحل من فرجها ( قال إبن خويز منداد : ولا يجوز أن تحمل الآية على جواز المتعة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح المتعة وحرمه ولأن الله تعالى قال : فأنكحوهن بإذن أهلهن ومعلوم أن النكاح بإذن الأهلين هو النكاح الشرعي بولي وشاهدين ونكاح المتعة ليس كذلك وقال الجمهور : المراد نكاح المتعة الذي كان في صدر الإسلام وقرأ إبن عباس وأبي وإبن جبير فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن ثم نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم وقال سعيد بن المسيب : نسختها آية الميراث إذ كانت المتعة لا ميراث فيها وقالت عائشة والقاسم بن محمد : تحريمها ونسخها في القرآن وذلك في قوله تعالى : والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين وليست المتعة نكاحا ولا ملك يمين وروى الدارقطني عن علي بن أبي طالب قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المتعة قال : وإنما كانت لمن لم يجد فلما نزل النكاح والطلاق والعدة والميراث بين الزوج والمرأة نسخت وروى عن علي رضي الله عنه أنه قال : نسخ صوم رمضان كل صوم ونسخت الزكاة كل صدقة ونسخ الطلاق والعدة والميراث المتعة ونسخت الأضحية كل ذبح وعن إبن مسعود قال : المتعة منسوخة نسخها الطلاق والعدة والميراث وروى عطاء عن إبن عباس قال : ما كانت المتعة إلا رحمة من الله تعالى رحم بها عباده ولولا نهى عمر عنها ما زنى إلا شقي العاشرة واختلف العلماء كم مرة أبيحت ونسخت ففي صحيح مسلم عن عبد الله قال : كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس لنا نساء فقلنا : ألا نستخصي فنهانا عن ذلك ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل قال أبو حاتم البستي في صحيحه : قولهم للنبي صلى الله عليه وسلم ألا نستخصي دليل على أن المتعة كانت محظورة قبل أن أبيح لهم الإستمتاع ولو لم تكن محظورة لم يكن لسؤالهم عن هذا معنى ثم رخص لهم في الغزو أن ينكحوا المرأة بالثوب إلى أجل ثم نهى عنها عام خيبر ثم أذن فيها عام الفتح ثم حرمها بعد ثلاث فهي محرمة إلى يوم القيامة وقال إبن العربي : وأما متعة النساء فهي من غرائب الشريعة لأنها أبيحت في صدر الإسلام ثم حرمت يوم خيبر ثم أبيحت في غزوة أوطاس ثم حرمت بعد ذلك واستقر الأمر على التحريم وليس لها أخت في الشريعة إلا مسألة القبلة لأن النسخ طرأ عليها مرتين ثم استقرت بعد ذلك وقال غيره ممن جمع طرق الأحاديث فيها : إنها تقتضي التحليل والتحريم سبع مرات فروى إبن أبي عمرة أنها كانت في صدر الإسلام وروى سلمة بن الأكوع أنها كانت عام أوطاس ومن رواية علي تحريمها يوم خيبر ومن رواية الربيع بن سبرة إباحتها يوم الفتح قلت : وهذه الطرق كلها في صحيح مسلم وفي غيره عن علي نهيه عنها في غزوة تبوك رواه إسحاق بن راشد عن الزهري عن عبد الله بن محمد بن علي عن أبيه عن علي ولم يتابع إسحاق بن راشد على هذه الرواية عن إبن شهاب قاله أبو عمر رحمه الله وفي مصنف أبي داؤد من حديث الربيع بن سبرة النهي عنها في حجة الوداع وذهب أبو داؤد إلى أن هذا أصح ما روى في ذلك وقال عمرو عن الحسن : ما حلت المتعة قط إلا ثلاثا في عمرة القضاء ما حلت قبلها ولا بعدها وروى هذا عن سبرة أيضا فهذه سبعة مواطن أحلت فيها المتعة وحرمت قال أبو جعفر الطحاوي : كل هؤلاء الذين رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم إطلاقها أخبروا أنها كانت في سفر وأن النهي لحقها في ذلك السفر بعد ذلك فمنع منها وليس أحد منهم يخبر أنها كانت في حضر وكذلك روى عن إبن مسعود فأما حديث سبرة الذي فيه إباحة النبي صلى الله عليه وسلم لها في حجة الوداع فخارج عن معانيها كلها وقد اعتبرنا هذا الحرف فلم نجده إلا في رواية عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز خاصة وقد رواه إسماعيل بن عياش عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز فذكر أن ذلك كان في فتح مكة وأنهم شكوا إليه العزبة فرخص لهم فيها ومحال أن يشكوا إليه العزبة في حجة الوداع لأنهم كانوا حجوا بالنساء وكان تزويج النساء بمكة يمكنهم ولم يكونوا حينئذ كما كانوا في الغزوات المتقدمة ويحتمل أنه لما كانت عادة النبي صلى الله عليه وسلم تكرير مثل هذا في مغازيه وفي المواضع الجامعة ذكر تحريمها في حجة الوداع لإجتماع الناس حتى يسمعه من لم يكن سمعه فأكد ذلك حتى لا تبقى شبهة لأحد يدعى تحليلها ولأن أهل مكة كانوا يستعملونها كثيرا الحادية عشرة روى الليث بن سعد عن بكير بن الأشج عن عمار مولى الشريد قال : سألت إبن عباس عن المتعة أسفاح هي أم نكاح قال : لا سفاح ولا نكاح قلت : فما هي قال : المتعة كما قال الله تعالى قلت : هل عليها عدة قال : نعم حيضة قلت : يتوارثان قال : لا قال أبو عمر : لم يختلف العلماء من السلف والخلف أن المتعة نكاح إلى أجل لا ميراث فيه والفرقة تقع عند إنقضاء الأجل من غير طلاق وقال إبن عطية : وكانت المتعة أن يتزوج الرجل المرأة بشاهدين وإذن الولي إلى أجل مسمى وعلى أن لا ميراث بينهما ويعطيها ما اتفقا عليه فإذا انقضت المدة فليس له عليها سبيل ويستبرئ رحمها : لأن الولد لا حق فيه بلا شك فإن لم تحمل حلت لغيره وفي كتاب النحاس : في هذا خطأ وأن الولد لا يلحق في نكاح المتعة قلت : هذا هو المفهوم من عبارة النحاس فإنه قال : وإنما المتعة أن يقول لها : أتزوجك يوما أو ما أشبه ذلك على أنه لا عدة عليك ولا ميراث بيننا ولا طلاق ولا شاهد يشهد على ذلك وهذا هو الزنى بعينه ولم يبح قط في الإسلام ولذلك قال عمر : لا أوتى برجل تزوج متعة إلا غيبته تحت الحجارة الثانية عشرة وقد اختلف علماؤنا إذا دخل في نكاح المتعة هل يحد ولا يلحق به الولد أو يدفع الحد للشبهة ويلحق به الولد على قولين ولكن يعذر ويعاقب وإذا لحق اليوم الولد في نكاح المتعة في قول بعض العلماء مع القول بتحريمه فكيف لا يلحق في ذلك الوقت الذي أبيح فدل على أن نكاح المتعة كان على حكم النكاح الصحيح ويفارقه في الأجل والميراث وحكى المهدوي عن إبن عباس أن نكاح المتعة كان بلا ولي ولا شهود وفيما حكاه ضعف لما ذكرنا قال إبن العربي : وقد كان إبن عباس يقول بجوازها ثم ثبت رجوعه عنها فانعقد الإجماع على تحريمها فإذا فعلها أحد رجم في مشهور المذهب وفي رواية أخرى عن مالك : لا يرجم لأن نكاح المتعة ليس بحرام ولكن لأصل آخر لعلمائنا غريب انفردوا به دون سائر العلماء وهو أن ما حرم بالسنة هل هو مثل ما حرم بالقرآن أم لا فمن رواية بعض المدنيين عن مالك أنهما ليسا بسواء وهذا ضعيف وقال أبو بكر الطرطوسي : ولم يرخص في نكاح المتعة إلا عمران بن حصين وإبن عباس وبعض الصحابة وطائفة من أهل البيت وفي قول إبن عباس يقول الشاعر : أقول للركب إذ طال الثواء بنا يا صاح هل لك في فتيا إبن عباس في بضة رخصة الأطراف ناعمة تكون مثواك حتى مرجع الناس وسائر العلماء والفقهاء من الصحابة والتابعين والسلف الصالحين على أن هذه الآية منسوخة وأن المتعة حرام وقال أبو عمر : أصحاب إبن عباس من أهل مكة واليمن كلهم يرون المتعة حلالا على مذهب إبن عباس وحرمها سائر الناس وقال معمر قال الزهري : ازداد الناس لها مقتا حتى قال الشاعر : قال المحدث لما طال مجلسه يا صاح هل لك في فتيا إبن عباس كما تقدم الثالثة عشرة قوله تعالى : ( أجورهن ) يعم المال وغيره فيجوز أن يكون الصداق منافع أعيان وقد اختلف في هذا العلماء فمنعه مالك والمزني والليث وأحمد وأبو حنيفة وأصحابه إلا أن أبا حنيفة قال : إذا تزوج على ذلك فالنكاح جائز وهو في حكم من لم يسم لها ولها مهر مثلها إن دخل بها وإن لم يدخل بها فلها المتعة وكرهه إبن القاسم في كتاب محمد وأجازه أصبغ قال إبن شاس : فإن وقع مضى في قول أكثر الأصحاب وهي رواية أصبغ عن إبن القاسم وقال الشافعي : النكاح ثابت وعليه أن يعلمها ما شرط لها فإن طلقها قبل الدخول ففيها للشافعي قولان : أحدهما أن لها نصف أجر تعليم تلك السورة والآخر أن لها نصف مهر مثلها وقال إسحاق : النكاح جائز قال أبو الحسن اللخمي : والقول بجواز جميع ذلك أحسن والإجارة والحج كغيرهما من الأموال التي تتملك وتباع وتشترى وإنما كره ذلك مالك لأنه يستحب أن يكون الصداق معجلا والإجارة والحج في معنى المؤجل احتج أهل القول الأول بأن الله تعالى قال : بأموالكم وتحقيق المال ما تتعلق به الأطماع ويعد للإنتفاع ومنفعة الرقبة في الإجارة ومنفعة التعليم للعلم كله ليس بمال قال الطحاوي : والأصل المجتمع عليه أن رجلا لو استأجر رجلا على أن يعلمه سورة من القرآن سماها بدرهم لم يجز لأن الإجارات لا تجوز إلا لأحد معنيين إما على عمل بعينه كخياطة ثوب وما أشبهه وإما على وقت معلوم وكان إذا استأجره على تعليم سورة فتلك إجارة لا على وقت معلوم ولا على عمل معلوم وإنما استأجره على أن يعلم وقد يفهم بقليل التعليم وكثيره في قليل الأوقات وكثيرها وكذلك لو باعه داره على أن يعلمه سورة من القرآن لم يجز للمعاني التي ذكرناها في الإجارات وإذا كان التعليم لا يملك به المنافع ولا أعيان الأموال ثبت بالنظر أنه لا تملك به الأبضاع والله الموفق احتج من أجاز ذلك بحديث سهل بن سعد في حديث الموهوبة وفيه فقال : ( اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن ( في رواية قال : ( انطلق فقد زوجتكها فعلمها من القرآن ( قالوا : ففي هذا دليل على إنعقاد النكاح وتأخر المهر الذي هو التعليم وهذا على الظاهر من قوله : ( بما معك من القرآن ( فإن الباء للعوض كما تقول : خذ هذا بهذا أي عوضا منه وقوله في الرواية الأخرى : ( فعلمها ( نص في الأمر بالتعليم والمساق يشهد بأن ذلك لأجل النكاح ولا يلتفت لقول من قال إن ذلك كان إكراما للرجل بما حفظه من القرآن أي لما حفظه فتكون الباء بمعنى اللام فإن الحديث الثاني يصرح بخلافه في قوله : ( فعلمها من القرآن ( ولا حجة فيما روى عن أبي طلحة أنه خطب أم سليم فقالت : إن أسلم تزوجته فأسلم فتزوجها فلا يعلم مهر كان أكرم من مهرها كان مهرها الإسلام فإن ذلك خاص به وأيضا فإنه لا يصل إليها منه شيء بخلاف التعليم وغيره من المنافع وقد زوج شعيب عليه السلام إبنته من موسى عليه السلام على أن يرعى له غنما في صداقها على ما يأتي بيانه في سورة القصص وقد روى من حديث إبن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل من أصحابه : ( يا فلان هل تزوجت ( قال : لا وليس معي ما أتزوج به قال : ( أليس معك قل هو الله أحد الإخلاص ( قال : بلى قال : ( ثلث القرآن أليس معك آية الكرسي ( قال : بلى قال : ( ربع القرآن أليس معك إذا جاء نصر الله والفتح الفتح ( قال : بلى قال : ( ربع القرآن أليس معك إذا زلزلت الزلزلة ( قال : بلى قال : ( ربع القرآن تزوج تزوج ( قلت : وقد أخرج الدارقطني حديث سهل من حديث إبن مسعود وفيه زيادة تبين ما احتج به مالك وغيره وفيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من ينكح هذه ( فقام ذلك الرجل فقال : أنا يا رسول الله فقال : ( ألك مال ( قال : لا يا رسول الله قال : ( فهل تقرأ من القرآن شيئا ( قال : نعم سورة البقرة وسورة المفصل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قد أنكحتكها على أن تقرئها وتعلمها وإذا رزقك الله عوضتها ( فتزوجها الرجل على ذلك وهذا نص لو صح في أن التعليم لا يكون صداقا قال الدارقطني : تفرد به عتبة بن السكن وهو متروك الحديث و ( فريضة ) نصب على المصدر في موضع الحال أي مفروضة الرابعة عشرة قوله تعالى : ( ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة ) أي من زيادة ونقصان في المهر فإن ذلك سائغ عند التراضي بعد إستقرار الفريضة والمراد إبراء المرأة عن المهر أو توفية الرجل كل المهر إن طلق قبل الدخول وقال القائلون بأن الآية في المتعة : هذا إشارة إلى ما تراضيا عليه من زيادة في مدة المتعة في أول الإسلام فإنه كان يتزوج الرجل المرأة شهرا على دينار مثلا فإذا إنقضى الشهر فربما كان يقول : زيديني في الأجل أزدك في المهر فبين أن ذلك كان جائزا عند التراضي < <

Bölüm V05/P135

النساء : ( 25 ) ومن لم يستطع . . . . . > > < > ( النساء 25 ) <

Bölüm V05/P135–V05/P146

> فيه إحدى وعشرون مسألة : الأولى قوله تعالى : ( ومن لم يستطع منكم طولا ) الآية نبه تعالى على تخفيف في النكاح وهو نكاح الأمة لمن لم يجد الطول واختلف العلماء في معنى الطول على ثلاثة أقوال : الأول السعة والغنى قاله إبن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والسدي وإبن زيد ومالك في المدونة يقال : طال يطول طولا في الإفضال والقدرة وفلان ذو طول أي ذو قدرة في ماله ( بفتح الطاء ) وطولا ( بضم الطاء ) في ضد القصر والمراد ها هنا القدرة على المهر في قول أكثر أهل العلم وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور قال أحمد بن المعذل قال عبد الملك : الطول كل ما يقدر به على النكاح من نقد أو عرض أو دين على ملي قال : وكل ما يمكن بيعه وإجارته فهو طول قال : وليست الزوجة ولا الزوجتان ولا الثلاثة طولا وقال : وقد سمعت ذلك من مالك رضي الله عنه قال عبد الملك : لأن الزوجة لا ينكح بها ولا يصل بها إلى غيرها إذ ليست بمال وقد سئل مالك عن رجل يتزوج أمة وهو ممن يجد الطول فقال : أرى أن يفرق بينهما قيل له : إنه يخاف العنت قال : السوط يضرب به ثم خففه بعد ذلك القول الثاني الطول الحرة وقد اختلف قول مالك في الحرة هل هي طول أم لا فقال في المدونة : ليست الحرة بطول تمنع من نكاح الأمة إذا لم يجد سعة لأخرى وخاف العنت وقال في كتاب محمد ما يقتضي أن الحرة بمثابة الطول قال اللخمي : وهو ظاهر القرآن وروى نحو هذا عن إبن حبيب وقاله أبو حنيفة فيقتضي هذا أن من عنده حرة فلا يجوز له نكاح الأمة وإن عدم السعة وخاف العنت لأنه طالب شهوة وعنده امرأة وقال به الطبري واحتج له قال أبو يوسف : الطول هو وجود الحرة تحته فإذا كانت تحته حرة فهو ذو طول فلا يجوز له نكاح الأمة القول الثالث الطول الجلد والصبر لمن أحب أمة وهويها حتى صار لذلك لا يستطيع أن يتزوج غيرها فإن له أن يتزوج الأمة إذا لم يملك هواها وخاف أن يبغي بها وإن كان يجد سعة في المال لنكاح حرة هذا قول قتادة والنخعي وعطاء وسفيان الثوري فيكون قوله تعالى : لمن خشي العنت على هذا التأويل في صفة عدم الجلد وعلى التأويل الأول يكون تزويج الأمة معلقا بشرطين : عدم السعة في المال وخوف العنت فلا يصح إلا بإجتماعهما وهذا هو نص مذهب مالك في المدونة من رواية إبن نافع وإبن القاسم وإبن وهب وإبن زياد قال مطرف وإبن الماجشون : لا يحل للرجل أن ينكح أمة ولا يقران إلا أن يجتمع الشرطان كما قال الله تعالى وقاله أصبغ وروى هذا القول عن جابر بن عبد الله وإبن عباس وعطاء وطاوس والزهري ومكحول وبه قال الشافعي وأبو ثور وأحمد وإسحاق واختاره إبن المنذر وغيره فإن وجد المهر وعدم النفقة فقال مالك في كتاب محمد : لا يجوز له أن يتزوج أمة وقال أصبغ : ذلك جائز إذ نفقة الأمة على أهلها إذا لم يضمها إليه وفي الآية قول رابع قال مجاهد : مما وسع الله على هذه الأمة نكاح الأمة والنصرانية وإن كان موسرا وقال بذلك أبو حنيفة أيضا ولم يشترط خوف العنت إذا لم تكن تحته حرة قالوا : لأن كل مال يمكن أن يتزوج به الأمة يمكن أن يتزوج به الحرة فالآية على هذا أصل في جواز نكاح الأمة مطلقا قال مجاهد : وبه يأخذ سفيان وذلك أني سألته عن نكاح الأمة فحدثني عن إبن أبي ليلى عن المنهال عن عباد بن عبد الله عن علي رضي الله عنه قال : إذا نكحت الحرة على الأمة كان للحرة يومان وللأمة يوم قال : ولم ير علي به بأسا وحجة هذا القول عموم قوله تعالى : وأحل لكم ما وراء ذلكم وقوله تعالى : ومن لم يستطع منكم طولا إلى قوله : ذلك لمن خشي العنت منكم لقوله عزوجل : فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة وقد اتفق الجميع على أن للحر أن يتزوج أربعا وإن خاف ألا يعدل قالوا : وكذلك له تزوج الأمة وإن كان واجدا للطول غير خائف للعنت وقد روى عن مالك في الذي يجد طولا لحرة أنه يتزوج أمة مع قدرته على طول الحرة وذلك ضعيف من قوله وقد قال مرة أخرى : ما هو بالحرام البين وأجوزه والصحيح أنه لا يجوز للحر المسلم أن ينكح أمة غير مسلمة بحال ولا له أن يتزوج بالأمة المسلمة إلا بالشرطين المنصوص عليهما كما بينا والعنت الزنى فإن عدم الطول ولم يخش العنت لم يجز له نكاح الأمة وكذلك إن وجد الطول وخشي العنت فإن قدر على طول حرة كتابية وهي المسألة : الثانية فهل يتزوج الأمة اختلف علماؤنا في ذلك فقيل : يتزوج الأمة فإن الأمة المسلمة لا تلحق بالكافرة فأمة مؤمنة خير من حرة مشركة واختاره إبن العربي وقيل : يتزوج الكتابية لأن الأمة وإن كانت تفضلها بالإيمان فالكافرة تفضلها بالحرية وهي زوجة وأيضا فإن ولدها يكون حرا لا يسترق وولد الأمة يكون رقيقا وهذا هو الذي يتمشى على أصل المذهب الثالثة واختلف العلماء في الرجل يتزوج الحرة على الأمة ولم تعلم بها فقالت طائفة : النكاح ثابت كذلك قال سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وروى عن علي وقيل : للحرة الخيار إذا علمت ثم في أي شيء يكون لها الخيار فقال الزهري وسعيد بن المسيب ومالك وأحمد وإسحاق في أن تقيم معه أو تفارقه وقال عبد الملك : في أن تقر نكاح الأمة أو تفسخه وقال النخعي : إذا تزوج الحرة على الأمة فارق الأمة إلا أن يكون له منها ولد فإن كان لم يفرق بينهما وقال مسروق : يفسخ نكاح الأمة لأنه أمر أبيح للضرورة كالميتة فإذا ارتفعت الضرورة أرتفعت الإباحة الرابعة فإن كانت تحته أمتان علمت الحرة بواحدة منهما ولم تعلم بالأخرى فإنه يكون لها الخيار ألا ترى لو أن حرة تزوج عليها أمة فرضيت ثم تزوج عليها أمة فرضيت ثم تزوج عليها أخرى فأنكرت كان ذلك لها فكذلك هذه إذا لم تعلم بالأمتين وعلمت بواحدة قال إبن القاسم قال مالك : وإنما جعلنا الخيار للحرة في هذه المسائل لما قالت العلماء قبلي يريد سعيد بن المسيب وإبن شهاب وغيرهما قال مالك : ولولا ما قالوه لرأيته حلالا لأنه في كتاب الله حلال فإن لم تكفه الحرة واحتاج إلى أخرى ولم يقدر على صداقها جاز له أن يتزوج الأمة حتى ينتهي إلى أربع بالتزويج بظاهر القرآن رواه إبن وهب عن مالك وروى إبن القاسم عنه : يرد نكاحه قال إبن العربي : والأول أصح في الدليل وكذلك هو في القرآن فإن من رضي بالسبب المحقق رضي بالمسبب المرتب عليه وألا يكون لها خيار لأنها قد علمت أن له نكاح الأربع وعلمت أنه إن لم يقدر على نكاح حرة تزوج أمة وما شرط الله سبحانه عليها كما شرطت على نفسها ولا يعتبر في شروط الله سبحانه وتعالى علمها وهذا غاية التحقيق في الباب والإنصاف فيه الخامسة قوله تعالى : ( المحصنات ) يريد الحرائر يدل عليه التقسيم بينهن وبين الإماء في قوله : من فتياتكم المؤمنات وقالت فرقة : معناه العفائف وهو ضعيف لأن الإماء يقعن تحته فأجازوا نكاح إماء أهل الكتاب وحرموا البغايا من المؤمنات والكتابيات وهو قول إبن ميسرة والسدي وقد اختلف العلماء فيما يجوز للحر الذي لا يجد الطول ويخشى العنت من نكاح الإماء فقال مالك وأبو حنيفة وإبن شهاب الزهري والحارث العكلي : له أن يتزوج أربعا وقال حماد بن أبي سليمان : ليس له أن ينكح من الإماء أكثر من اثنتين وقال الشافعي وأبو ثور وأحمد وإسحاق : ليس له أن ينكح من الإماء إلا واحدة وهو قول إبن عباس ومسروق وجماعة واحتجوا بقوله تعالى : ذلك لمن خشي العنت منكم وهذا المعنى يزول بنكاح واحدة السادسة قوله تعالى : ( فمن ما ملكت أيمانكم ) أي فليتزوج بأمة الغير ولا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز له أن يتزوج أمة نفسه لتعارض الحقوق وإختلافها السابعة قوله تعالى : ( من فتياتكم ) أي المملوكات وهي جمع فتاة والعرب تقول للمملوك : فتى وللمملوكة فتاة وفي الحديث الصحيح : ( لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي ولكن ليقل فتاي وفتاتي ( وسيأتي ولفظ الفتى والفتاة يطلق أيضا على الأحرار في إبتداء الشباب فأما في المماليك فيطلق في الشباب وفي الكبر الثامنة قوله تعالى : ( المؤمنات ) بين بهذا أنه لا يجوز التزوج بالأمة الكتابية فهذه الصفة مشترطة عند مالك وأصحابه والشافعي وأصحابه والثوري والأوزاعي والحسن البصري والزهري ومكحول ومجاهد وقالت طائفة من أهل العلم منهم أصحاب الرأي : نكاح الأمة الكتابية جائز قال أبو عمر : ولا أعلم لهم سلفا في قولهم إلا أبا ميسرة عمرو إبن شرحبيل فإنه قال : إماء أهل الكتاب بمنزلة الحرائر منهن قالوا : وقوله المؤمنات على جهة الوصف الفاضل وليس بشرط ألا يجوز غيرها وهذا بمنزلة قوله تعالى : فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة فإن خاف ألا يعدل فتزوج أكثر من واحدة جاز ولكن الأفضل ألا يتزوج فكذلك هنا الأفضل ألا يتزوج إلا مؤمنة ولو تزوج غير المؤمنة جاز واحتجوا بالقياس على الحرائر وذلك أنه لما لم يمنع قوله : المؤمنات في الحرائر من نكاح الكتابيات فكذلك لا يمنع قوله : المؤمنات في الإماء من نكاح إماء الكتابيات وقال أشهب في المدونة : جائز للعبد المسلم أن يتزوج أمة كتابية فالمنع عنده أن يفضل الزوج في الحرية والدين معا ولا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز لمسلم نكاح مجوسية ولا وثنية وإذا كان حراما بإجماع نكاحهما فكذلك وطؤهما بملك اليمين قياسا ونظرا وقد روى عن طاوس ومجاهد وعطاء وعمرو بن دينار أنهم قالوا : لا بأس بنكاح الأمة المجوسية بملك اليمين وهو قول شاذ مهجور لم يلتفت إليه أحد من فقهاء الأمصار وقالوا : لا يحل أن يطأها حتى تسلم وقد تقدم القول في هذه المسألة في البقرة مستوفي والحمد لله التاسعة قوله تعالى : ( والله أعلم بإيمانكم ) المعنى أن الله عليم ببواطن الأمور ولكم ظواهرها وكلكم بنو آدم وأكرمكم عند الله أتقاكم فلا تستنكفوا من التزوج بالإماء عند الضرورة وإن كانت حديثة عهد بسباء أو كانت خرساء وما أشبه ذلك ففي اللفظ تنبيه على أنه ربما كان إيمان أمة أفضل من إيمان بعض الحرائر العاشرة قوله تعالى : ( بعضكم من بعض ) إبتداء وخبر كقولك زيد في الدار والمعنى أنتم بنو آدم وقيل : أنتم مؤمنون وقيل : في الكلام تقديم وتأخير المعنى : ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فلينكح بعضكم من بعض : هذا فتاة هذا وهذا فتاة هذا فبعضكم على هذا التقدير مرفوع بفعله وهو فلينكح والمقصود بهذا الكلام توطئة نفوس العرب التي كانت تستهجن ولد الأمة وتعيره وتسميه الهجين فلما جاء الشرع بجواز نكاحها علموا أن ذلك التهجين لا معنى له وإنما انحطت الأمة فلم يجز للحر التزوج بها إلا عند الضرورة لأنه تسبب إلى إرقاق الولد وأن الأمة لا تفرغ للزوج على الدوام لأنها مشغولة بخدمة المولى الحادية عشرة قوله تعالى : ( فأنكحوهن بإذن أهلهن ) أي بولاية أربابهن المالكين وإذنهم وكذلك العبد لا ينكح إلا بإذن سيده لأن العبد مملوك لا أمر له وبدنه كله مستغرق لكن الفرق بينهما أن العبد إذا تزوج بغير إذن سيده فإن أجازه السيد جاز هذا مذهب مالك وأصحاب الرأي وهو قول الحسن البصري وعطاء بن أبي رباح وسعيد إبن المسيب وشريح والشعبي والأمة إذا تزوجت بغير إذن أهلها فسخ ولم يجز بإجازة السيد لأن نقصان الأنوثة في الأمة يمنع من إنعقاد النكاح البتة وقالت طائفة : إذا نكح العبد بغير إذن سيده فسخ نكاحه هذا قول الشافعي والأوزاعي وداؤد بن علي قالوا : لا تجوز إجازة المولى إن لم يحضره لأن العقد الفاسد لا تصح إجازته فإن أراد النكاح استقبله على سنته وقد أجمع علماء المسلمين على أنه لا يجوز نكاح العبد بغير إذن سيده وقد كان إبن عمر يعد العبد بذلك زانيا ويحده وهو قول أبي ثور وذكر عبد الرزاق عن عبد الله بن عمر عن نافع عن إبن عمر وعن معمر عن أيوب عن نافع عن إبن عمر أنه أخذ عبدا له نكح بغير إذنه فضربه الحد وفرق بينهما وأبطل صداقها قال : وأخبرنا إبن جريج عن موسى بن عقبة أنه أخبره عن نافع عن إبن عمر أنه كان يرى نكاح العبد بغير إذن وليه زنى ويرى عليه الحد ويعاقب الذين أنكحوهما قال : وأخبرنا إبن جريج عن عبد الله بن محمد بن عقيل قال سمعت جابر بن عبد الله يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أيما عبد نكح بغير إذن سيده فهو عاهر ( وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : هو نكاح حرام فإن نكح بإذن سيده فالطلاق بيد من يستحل الفرج قال أبو عمر : على هذا مذهب جماعة فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق ولم يختلف عن إبن عباس أن الطلاق بيد السيد وتابعه على ذلك جابر بن زيد وفرقة وهو عند العلماء شذوذ لا يعرج عليه وأظن إبن عباس تأول في ذلك قول الله تعالى : ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء وأجمع أهل العلم على أن نكاح العبد جائز بإذن مولاه فإن نكح نكاحا فاسدا فقال الشافعي : إن لم يكن دخل فلا شيء لها وإن كان دخل فعليه المهر إذا عتق هذا هو الصحيح من مذهبه وهو قول أبي يوسف ومحمد لا مهر عليه حتى يعتق وقال أبو حنيفة : إن دخل عليها فلها المهر وقال مالك والشافعي : إذا كان عبد بين رجلين فأذن له أحدهما في النكاح فنكح فالنكاح باطل فأما الأمة إذا آذنت أهلها في النكاح فأذنوا جاز وإن لم تباشر العقد لكن تولى من يعقده عليها الثانية عشرة قوله تعالى : ( وآتوهن أجورهن ) دليل على وجوب المهر في النكاح وأنه للأمة ( بالمعروف ) معناه بالشرع والسنة وهذا يقتضي أنهن أحق بمهورهن من السادة وهو مذهب مالك قال في كتاب الرهون : ليس للسيد أن يأخذ مهر أمته ويدعها بلا جهاز وقال الشافعي : الصداق للسيد لأنه عوض فلا يكون للأمة اصله إجازة المنفعة في الرقبة وإنما ذكرت لأن المهر وجب بسببها وذكر القاضي إسماعيل في أحكامه : زعم بعض العراقيين إذا زوج أمته من عبده فلا مهر وهذا خلاف الكتاب والسنة وأطنب فيه الثالثة عشرة قوله تعالى : ( محصنات ) أي عفائف وقرأ الكسائي محصنات بكسر الصاد في جميع القرآن إلا في قوله تعالى : والمحصنات من النساء وقرأ الباقون بالنصب في جميع القرآن ثم قال : ( غير مسافحات ) أي غير زوان أي معلنات بالزنى لأن أهل الجاهلية كان فيهم الزواني في العلانية ولهن رايات منصوبات كراية البيطار ( ولا متخذات أخدان ) أصدقاء على الفاحشة وأحدهم خدن وخدين وهو الذي يخادنك ورجل خدنة إذا اتخذ أخدانا أي أصحابا عن أبي زيد وقيل : المسافحة المجاهرة بالزنى أي التي تكرى نفسها لذلك وذات الخدن هي التي تزني سرا وقيل : المسافحة المبذولة وذات الخدن التي تزني بواحد وكانت العرب تعيب الإعلان بالزنى ولا تعيب إتخاذ الأخدان ثم رفع الإسلام جميع ذلك وفي ذلك نزل قوله تعالى : ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن عن إبن عباس وغيره الرابعة عشرة قوله تعالى : ( فإذا أحصن ) قراءة عاصم وحمزة والكسائي بفتح الهمزة الباقون بضمها فبالفتح معناه أسلمن وبالضم زوجن فإذا زنت الأمة المسلمة جلدت نصف جلد الحرة وإسلامها هو إحصانها في قول الجمهور : إبن مسعود والشعبي والزهري وغيرهم وعليه فلا تحد كافرة إذا زنت وهو قول الشافعي فيما ذكر إبن المنذر وقال آخرون : إحصانها التزوج بحر فإذا زنت الأمة المسلمة التي لم تتزوج فلا حد عليها قاله سعيد بن جبير والحسن وقتادة وروى عن إبن عباس وأبي الدرداء وبه قال أبو عبيد قال : وفي حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سئل عن حد الأمة فقال : إن الأمة ألقت فروة رأسها من وراء الدار قال الأصمعي : الفروة جلدة الرأس قال أبو عبيد : وهو لم يرد الفروة بعينها وكيف تلقى جلدة رأسها من وراء الدار ولكن هذا مثل إنما أراد بالفروة القناع يقول ليس عليها قناع ولا حجاب وأنها تخرج إلى كل موضع يرسلها أهلها إليه لا تقدر على الإمتناع من ذلك فتصير حيث لا تقدر على الإمتناع من الفجور مثل رعاية الغنم وأداء الضريبة ونحو ذلك فكأنه رأى أن لا حد عليها إذا فجرت لهذا المعنى وقالت فرقة : إحصانها التزوج إلا أن الحد واجب على الأمة المسلمة غير المتزوجة بالسنة كما في صحيح البخاري ومسلم أنه قيل : يا رسول الله الأمة إذا زنت ولم تحصن فأوجب عليها الحد قال الزهري : فالمتزوجة محدودة بالقرآن والمسلمة غير المتزوجة محدودة بالحديث قال القاضي إسماعيل في قول من قال إذا أحصن أسلمن : بعد لأن ذكر الإيمان قد تقدم لهن في قوله تعالى : من فتياتكم المؤمنات وأما من قال : إذا أحصن تزوجن وأنه لا حد على الأمة حتى تتزوج فإنهم ذهبوا إلى ظاهر القرآن وأحسبهم لم يعلموا هذا الحديث والأمر عندنا أن الأمة إذا زنت وقد أحصنت مجلودة بكتاب الله وإذا زنت ولم تحصن مجلودة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم ولا رجم عليها لأن الرجم لا يتنصف قال أبو عمر : ظاهر قول الله عزوجل يقتضي ألا حد على أمة وإن كانت مسلمة إلا بعد التزويج ثم جاءت السنة بجلدها وإن لم تحصن فكان ذلك زيادة بيان قلت : ظهر المؤمن حمى لا يستباح إلا بيقين ولا يقين مع الإختلاف لولا ما جاء في صحيح السنة من الجلد في ذلك والله أعلم وقال أبو ثور فيما ذكر إبن المنذر : وإن كانوا اختلفوا في رجمهما فإنهما يرجمان إذا كانا محصنين وإن كان إجماع فالإجماع أولى الخامسة عشرة واختلف العلماء فيمن يقيم الحد عليهما فقال إبن شهاب : مضت السنة أن يحد العبد والأمة أهلوهم في الزنى إلا أن يرفع أمرهم إلى السلطان فليس لأحد أن يفتات عليه وهو مقتضى قوله عليه السلام : ( إذا زنت أمة أحدكم فليحدها الحد ( وقال علي رضي الله عنه في خطبته : يا أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحد من أحصن منهم ومن لم يحصن فإن أمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم زنت فأمرني أن أجلدها فإذا هي حديث عهد بنفاس فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( أحسنت ( أخرجه مسلم موقوفا عن علي وأسنده النسائي وقال فيه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم من أحصن منهم ومن لم يحصن ( وهذا نص في إقامة السادة الحدود على المماليك من أحصن منهم ومن لم يحصن قال مالك رضي الله عنه : يحد المولى عبده في الزنى وشرب الخمر والقذف إذا شهد عنده الشهود بذلك ولا يقطعه في السرقة وإنما يقطعه الإمام وهو قول الليث وروى عن جماعة من الصحابة أنهم أقاموا الحدود على عبيدهم منهم إبن عمر وأنس ولا مخالف لهم من الصحابة وروى عن إبن أبي ليلى أنه قال : أدركت بقايا الأنصار يضربون الوليدة من ولائدهم إذا زنت في مجالسهم وقال أبو حنيفة : يقيم الحدود على العبيد والإماء السلطان دون المولى في الزنى وسائر الحدود وهو قول الحسن بن حي وقال الشافعي : يحده المولى في كل حد ويقطعه واحتج بالأحاديث التي ذكرنا وقال الثوري والأوزاعي : يحده في الزنى وهو مقتضى الأحاديث والله أعلم وقد مضى القول في تغريب العبيد في هذه السورة السادسة عشرة فإن زنت الأمة ثم عتقت قبل أن يحدها سيدها لم يكن له سبيل إلى حدها والسلطان يجلدها إذا ثبت ذلك عنده فإن زنت ثم تزوجت لم يكن لسيدها أن يجلدها أيضا لحق الزوج إذ قد يضره ذلك وهذا مذهب مالك إذا لم يكن الزوج ملكا للسيد فلو كان جاز للسيد ذلك لأن حقهما حقه السابعة عشرة فإن أقر العبد بالزنى وأنكره المولى فإن الحد يجب على العبد لإقراره ولا إلتفات لما أنكره المولى وهذا مجمع عليه بين العلماء وكذلك المدبر وأم الولد والمكاتب والمعتق بعضه وأجمعوا أيضا على أن الأمة إذا زنت ثم أعتقت حدت حد الإماء وإذا زنت وهي لا تعلم بالعتق ثم علمت وقد حدت أقيم عليها تمام حد الحرة ذكره إبن المنذر الثامنة عشرة واختلفوا في عفو السيد عن عبده وأمته إذا زنيا فكان الحسن البصري يقول : له أن يعفو وقال غير الحسن : لا يسعه إلا إقامة الحد كما لا يسع السلطان أن يعفو عن حد إذا علمه لم يسع السيد كذلك أن يعفو عن أمته إذا وجب عليها الحد وهذا ] على [ مذهب أبي ثور قال بن المنذر : وبه نقول التاسعة عشرة قوله تعالى : ( فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ) أي الجلد ويعني بالمحصنات ها هنا الأبكار الحرائر لأن الثيب عليها الرجم والرجم لا يتبعض وإنما قيل للبكر محصنة وإن لم تكن متزوجة لأن الإحصان يكون بها كما يقال : أضحية قبل أن يضحي بها وكما يقال للبقرة : مثيرة قبل أن تثير وقيل : المحصنات المتزوجات لأن عليها الضرب والرجم في الحديث والرجم لا يتبعض فصار عليهن نصف الضرب والفائدة في نقصان حدهن أنهن أضعف من الحرائر ويقال : إنهن لا يصلن إلى مرادهن كما تصل الحرائر وقيل لأن العقوبة تجب على قدر النعمة ألا ترى أن الله تعالى قال لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم : يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين فلما كانت نعمتهن أكثر جعل عقوبتهن أشد وكذلك الإماء لما كانت نعمتهن أقل فعقوبتهن أقل وذكر في الآية حد الإماء خاصة ولم يذكر حد العبيد ولكن حد العبيد والإماء سواء : خمسون جلدة في الزنى وفي القذف وشرب الخمر أربعون لأن حد الأمة إنما نقص لنقصان الرق فدخل الذكور من العبيد في ذلك بعلة المملوكية كما دخل الإماء تحت قوله عليه السلام : ( من أعتق شركا له في عبد ( وهذا الذي يسميه العلماء القياس في معنى الأصل ومنه قوله تعالى : والذين يرمون المحصنات الآية فدخل في ذلك المحصنين قطعا على ما يأتي بيانه في سورة النور إن شاء الله تعالى الموفية عشرين وأجمع العلماء على أن بيع الأمة الزانية ليس ] بيعها [ بواجب لازم على ربها وإن اختاروا له ذلك لقوله عليه السلام : ( إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها ثم إن زنت فليجلدها الحد ولا يثرب عليها ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر ( أخرجه مسلم عن أبي هريرة وقال أهل الظاهر بوجوب بيعها في الرابعة منهم داؤد وغيره لقوله : ( فليبعها ( وقوله : ( ثم بيعوها ولو بضفير ( قال إبن شهاب : فلا أدري بعد الثالثة أو الرابعة والضفير الحبل فإذا باعها عرف بزناها لأنه عيب فلا يحل أن يكتم فإن قيل : إذا كان مقصود الحديث إبعاد الزانية ووجب على بائعها التعريف بزناها فلا ينبغي لأحد أن يشتريها لأنها مما قد أمرنا بإبعادها فالجواب أنها مال ولا تضاع للنهي عن إضاعة المال ولا تسيب لأن ذلك إغراء لها بالزنى وتمكين منه ولا تحبس دائما فإن فيه تعطيل منفعتها على سيدها فلم يبق إلا بيعها ولعل السيد الثاني يعفها بالوطء أو يبالغ في التحرز فيمنعها من ذلك وعلى الجملة فعند تبدل الملاك تختلف عليها الأحوال والله أعلم الحادية والعشرون قوله تعالى : ( وأن تصبروا خير لكم ) أي الصبر على العزبة خير من نكاح الأمة لأنه يفضى إلى إرقاق الولد والغض من النفس والصبر على مكارم الأخلاق أولى من البذالة وروى عن عمر رضي الله عنه أنه قال : أيما حر تزوج بأمة فقد أرق نصفه يعني يصير ولده رقيقا فالصبر عن ذلك أفضل لكيلا يرق الولد وقال سعيد بن جبير : ما نكاح الأمة من الزنى إلا قريب قال الله تعالى : وأن تصبروا خير لكم أي عن نكاح الإماء وفي سنن إبن ماجه عن الضحاك بن مزاحم قال : سمعت أنس بن مالك يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من أراد أن يلقى الله طاهرا مطهرا فليتزوج الحرائر ( ورواه أبو إسحاق الثعلبي من حديث يونس بن مرداس وكان خادما لأنس وزاد : فقال أبو هريرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( الحرائر صلاح البيت والإماء هلاك البيت أو قال فساد البيت < <

Bölüm V05/P146–V05/P147

النساء : ( 26 ) يريد الله ليبين . . . . . > > < > ( النساء 26 ) < > أي ليبين لكم أمر دينكم ومصالح أمركم وما يحل لكم وما يحرم عليكم وذلك يدل على إمتناع خلو واقعة عن حكم الله تعالى ومنه قوله تعالى : ما فرطنا في الكتاب من شيء على ما يأتي وقال بعد هذا : يريد الله أن يخفف عنكم فجاء هذا بأن والأول باللام فقال الفراء : العرب تعاقب بين لام كي وأن فتأتي باللام التي على معنى كي في موضع أن في أردت وأمرت فيقولون : أردت أن تفعل وأردت لتفعل لأنهما يطلبان المستقبل ولا يجوز ظننت لتفعل لأنك تقول ظننت أن قد قمت وفي التنزيل وأمرت لأعدل بينكم وأمرنا لنسلم لرب العالمين يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم يريدون أن يطفئوا نور الله قال الشاعر أريد لأنسى ذكرها فكأنما تمثل لي ليلى بكل سبيل يريد أن أنسى قال النحاس : وخطأ الزجاج هذا القول وقال : لو كانت اللام بمعنى أن لدخلت عليها لام أخرى كما تقول : جئت كي تكرمني ثم تقول جئت لكي تكرمني وأنشدنا : أردت لكيما يعلم الناس أنها سراويل قيس والوفود شهود قال : والتقدير إرادته ليبين لكم قال النحاس : وزاد الأمر على هذا حتى سماها بعض القراء لام أن وقيل : المعنى يريد الله هذا من أجل أن يبين لكم ( ويهديكم سنن الذين من قبلكم ) أي من أهل الحق وقيل : معنى يهديكم يبين لكم طرق الذين من قبلكم من أهل الحق وأهل الباطل وقال بعض أهل النظر : في هذا دليل على أن كل ما حرم الله قبل هذه الآية علينا فقد حرم على من كان قبلنا قال النحاس : وهذا غلط لأنه يكون المعنى ويبين لكم أمر من كان قبلكم ممن كان يجتنب ما نهى عنه وقد يكون ويبين لكم كما بين لمن كان قبلكم من الأنبياء فلا يومي به إلى هذا بعينه ويقال : إن قوله يريد الله إبتداء القصة أي يريد الله أن يبين لكم كيفية طاعته ويهديكم يعرفكم سنن الذين من قبلكم أنهم لما تركوا أمري كيف عاقبتهم وأنتم إذا فعلتم ذلك لا أعاقبكم ولكني أتوب عليكم ( والله عليم ) بمن تاب ( حكيم ) بقبول التوبة < < النساء : ( 27 ) والله يريد أن . . . . . > > < > ( النساء 27 : 28 ) <

Bölüm V05/P147–V05/P148

> قوله تعالى : ( والله يريد أن يتوب عليكم ) إبتداء وخبر وأن في موضع نصب ب يريد وكذلك يريد الله أن يخفف عنكم ف أن يخفف في موضع نصب ب يريد والمعنى : يريد توبتكم أي يقبلها فيتجاوز عن ذنوبكم ويريد التخفيف عنكم قيل : هذا في جميع أحكام الشرع وهو الصحيح وقيل : المراد بالتخفيف نكاح الأمة أي لما علمنا ضعفكم عن الصبر عن النساء خففنا عنكم بإباحة الإماء قاله مجاهد وإبن زيد وطاوس قال طاوس : ليس يكون الإنسان في شيء أضعف منه في أمر النساء واختلف في تعيين المتبعين للشهوات فقال مجاهد : هم الزناة السدي : هم اليهود والنصارى وقالت فرقة : هم اليهود خاصة لأنهم أرادوا أن يتبعهم المسلمون في نكاح الأخوات من الأب وقال إبن زيد : ذلك على العموم وهو الأصح والميل : العدول عن طريق الإستواء فمن كان عليها أحب أن يكون أمثاله عليها حتى لا تلحقه معرة قوله تعالى : ( وخلق الإنسان ضعيفا ) نصب على الحال والمعنى أن هواه يستميله وشهوته وغضبه يستخفانه وهذا أشد الضعف فاحتاج إلى التخفيف وقال طاوس : ذلك في أمر النساء خاصة وروى عن إبن عباس أنه قرأ وخلق الإنسان ضعيفا أي وخلق الله الإنسان ضعيفا أي لا يصبر عن النساء قال إبن المسيب : لقد أتى علي ثمانون سنة وذهبت إحدى عيني وأنا أعشو بالأخرى وصاحبي أعمى أصم يعني ذكره وإني أخاف من فتنة النساء ونحوه عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال عبادة : ألا تروني لا أقوم إلا رفدا ولا آكل إلا ما لوق لي قال يحيى : يعني لين وسخن وقد مات صاحبي منذ زمان قال يحيى : يعني ذكره وما يسرني أني خلوت بامرأة لا تحل لي وأن لي ما تطلع عليه الشمس مخافة أن يأتيني الشيطان فيحركه علي إنه لا سمع له ولا بصر < < النساء : ( 29 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( النساء 29 ) <

Bölüm V05/P148–V05/P156

> فيه تسع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( بالباطل ) أي بغير حق ووجوه ذلك تكثر على ما بيناه وقد قدمنا معناه في البقرة ومن أكل المال ] بالباطل [ بيع العربان وهو أن يأخذ منك السلعة أو يكترى منك الدابة ويعطيك درهما فما فوقه على أنه إن إشتراها أو ركب الدابة فهو من ثمن السلعة أو كراء الدابة وإن ترك إبتياع السلعة أو كراء الدابة فما أعطاك فهو لك فهذا لا يصلح ولا يجوز عند جماعة فقهاء الأمصار من الحجازيين والعراقيين لأنه من باب بيع القمار والغرر والمخاطرة وأكل المال بالباطل بغير عوض ولا هبة وذلك باطل بإجماع وبيع العربان مفسوخ إذا وقع على هذا الوجه قبل القبض وبعده وترد السلعة إن كانت قائمة فإن فاتت رد قيمتها يوم قبضها وقد روى عن قوم منهم إبن سيرين ومجاهد ونافع إبن عبدالحارث وزيد بن أسلم أنهم أجازوا بيع العربان على ما وصفنا وكان زيد بن أسلم يقول : أجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو عمر : هذا لا يعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه يصح وإنما ذكره عبد الرزاق عن الأسلمي عن زيد بن أسلم مرسلا وهذا ومثله ليس حجة ويحتمل أن يكون بيع العربان الجائز على ما تأوله مالك والفقهاء معه وذلك أن يعربنه ثم يحسب عربانه من الثمن إذا اختار تمام البيع وهذا لا خلاف في جوازه عن مالك وغيره وفي موطأ مالك عن الثقة عنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( نهى عن بيع العربان ( قال أبو عمر : قد تكلم الناس في الثقة عنده في هذا الموضع وأشبه ما قيل فيه : أنه أخذه عن إبن لهيعة أو عن إبن وهب عن إبن لهيعة لأن إبن لهيعة سمعه من عمرو بن شعيب ورواه عنه حدث به عن إبن لهيعة إبن وهب وغيره وإبن لهيعة أحد العلماء إلا أنه يقال : إنه أحترقت كتبه فكان إذا حدث بعد ذلك من حفظه غلط وما رواه عنه إبن المبارك وإبن وهب فهو عند بعضهم صحيح ومنهم من يضعف حديثه كله وكان عنده علم واسع وكان كثير الحديث إلا أن حاله عندهم كما وصفنا الثانية قوله تعالى : ( إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) هذا إستثناء منقطع أي ولكن تجارة عن تراض والتجارة هي البيع والشراء وهذا مثل قوله تعالى : وأحل الله البيع وحرم الربا على ما تقدم وقرئ تجارة بالرفع أي إلا أن تقع تجارة وعليه أنشد سيبويه : فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي إذا كان يوم ذو كواكب أشهب وتسمى هذه كان التامة لأنها تمت بفاعلها ولم تحتج إلى مفعول وقرئ تجارة بالنصب فتكون كان ناقصة لأنها لا تتم بالاسم دون الخبر فاسمها مضمر فيها وإن شئت قدرته أي إلا أن تكون الأموال أموال تجارة فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وقد تقدم هذا ومنه قوله تعالى : وإن كان ذو عسرة الثالثة قوله تعالى : ( تجارة ) التجارة في اللغة عبارة عن المعاوضة ومنه الأجر الذي يعطيه البارئ سبحانه العبد عوضا عن الأعمال الصالحة التي هي بعض من فعله قال الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم وقال تعالى : يرجون تجارة لن تبور وقال تعالى : إن الله إشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم الآية فسمى ذلك كله بيعا وشراء على وجه المجاز تشبيها بعقود الأشرية والبياعات التي تحصل بها الأغراض وهي نوعان : تقلب في الحضر من غير نقلة ولا سفر وهذا تربص وإحتكار قد رغب عنه أولو الأقدار وزهد فيه ذوو الأخطار والثاني تقلب المال بالأسفار ونقله إلى الأمصار فهذا أليق بأهل المروءة وأعم جدوى ومنفعة غير أنه أكثر خطرا وأعظم غررا وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إن المسافر وماله لعلى قلت إلا ما وقى الله ( يعني على خطر وقيل : في التوراة يا بن آدم أحدث سفرا أحدث لك رزقا الطبري : وهذه الآية أدل دليل على فساد قول الرابعة أعلم أن كل معاوضة تجارة على أي وجه كان العوض إلا أن قوله بالباطل أخرج منها كل عوض لا يجوز شرعا من ربا أو جهالة أو تقدير عوض فاسد كالخمر والخنزير وغير ذلك وخرج منها أيضا كل عقد جائز لا عوض فيه كالقرض والصدقة والهبة لا للثواب وجازت عقود التبرعات بأدلة أخرى مذكورة في مواضعها فهذان طرفان متفق عليهما وخرج منها أيضا دعاء أخيك إياك إلى طعامه روى أبو داؤد عن إبن عباس في قوله تعالى : لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم فكان الرجل يحرج أن يأكل عند أحد من الناس بعد ما نزلت هذه الآية فنسخ ذلك بالآية الأخرى التي في النور فقال : ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم إلى قوله أشتاتا فكان الرجل الغني يدعو الرجل من أهله إلى طعامه فيقول : إني لأجنح أن آكل منه والتجنح الحرج ويقول : المسكين أحق به مني فأحل في ذلك أن يأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وأحل طعام أهل الكتاب الخامسة لو اشتريت من السوق شيئا فقال لك صاحبه قبل الشراء : ذقه وأنت في حل فلا تأكل منه لأن إذنه بالأكل لأجل الشراء فربما لا يقع بينكما شراء فيكون ذلك شبهة ولكن لو وصف لك صفة فاشتريته فلم تجده على تلك الصفة فأنت بالخيار السادسة والجمهور على جواز الغبن في التجارة مثل أن يبيع رجل ياقوتة بدرهم وهي تساوي مائة فذلك جائز وأن المالك الصحيح الملك جائز له أن يبيع ماله الكثير بالتافه اليسير وهذا ما لا إختلاف فيه بين العلماء إذا عرف قدر ذلك كما تجوز الهبة لو وهب واختلفوا فيه إذا لم يعرف قدر ذلك فقال قوم : عرف قدر ذلك أو لم يعرف فهو جائز إذا كان رشيدا حرا بالغا وقالت فرقة : الغبن إذا تجاوز الثلث مردود وإنما أبيح منه المتقارب المتعارف في التجارات وأما المتفاحش الفادح فلا وقاله إبن وهب من أصحاب مالك رحمه الله والأول أصح لقوله عليه السلام في حديث الأمة الزانية : ( فليبعها ولو بضفير ( وقوله عليه السلام لعمر : ( لا تبتعه يعني الفرس ولو أعطاكه بدرهم واحد ( وقوله عليه السلام : ( دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض ( وقوله عليه السلام : ( لا يبع حاضر لباد ( وليس فيها تفصيل بين القليل والكثير من ثلث ولا غيره السابعة قوله تعالى : ( عن تراض منكم ) أي عن رضى إلا أنها جاءت من المفاعلة إذ التجارة من إثنين واختلف العلماء في التراضي فقالت طائفة : تمامه وجزمه بإفتراق الأبدان بعد عقدة البيع أو بأن يقول أحدهما لصاحبه : إختر فيقول : قد اخترت وذلك بعد العقدة أيضا فينجزم أيضا وإن لم يتفرقا قاله جماعة من الصحابة والتابعين وبه قال الشافعي والثوري والأوزاعي والليث وإبن عيينة وإسحاق وغيرهم قال الأوزاعي : هما بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيوعا ثلاثة : بيع السلطان المغانم والشركة في الميراث والشركة في التجارة فإذا صافقه في هذه الثلاثة فقد وجب البيع وليسا فيه بالخيار وقال : وحد التفرقة أن يتوارى كل واحد منهما عن صاحبه وهو قول أهل الشام وقال الليث : التفرق أن يقوم أحدهما وكان أحمد بن حنبل يقول : هما بالخيار أبدا ما لم يتفرقا بأبدانهما وسواء قالا : اخترنا أو لم يقولاه حتى يفترقا بأبدانهما من مكانهما وقاله الشافعي أيضا وهو الصحيح في هذا الباب للأحاديث الواردة في ذلك وهو مروى عن إبن عمر وأبي برزة وجماعة من العلماء وقال مالك وأبو حنيفة : تمام البيع هو أن يعقد البيع بالألسنة فينجزم العقد بذلك ويرتفع الخيار قال محمد بن الحسن : معنى قوله في الحديث ( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ( أن البائع إذا قال : قد بعتك فله أن يرجع ما لم يقل المشتري قد قبلت وهو قول أبي حنيفة ونص مذهب مالك أيضا حكاه إبن خويز منداد وقيل : ليس له أن يرجع وقد مضى في البقرة واحتج الأولون بما ثبت من حديث سمرة بن جندب وأبي برزة وإبن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة وحكيم بن حزام وغيرهم عن النبي صلى الله عليه وسلم ( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما لصاحبه اختر ( رواه أيوب عن نافع عن إبن عمر فقوله عليه السلام في هذه الرواية : ( أو يقول أحدهما لصاحبه اختر ( هو معنى الرواية الأخرى ( إلا بيع الخيار ( وقوله : ( إلا أن يكون بيعهما عن خيار ( ونحوه أي يقول أحدهما بعد تمام البيع لصاحبه : اختر إنفاذ البيع أو فسخه فإن اختار إمضاء البيع تم البيع بينهم وإن لم يتفرقا وكان إبن عمر وهو راوي الحديث إذا بايع أحدا وأحب أن ينفذ البيع مشى قليلا ثم رجع وفي الأصول : إن من روى حديثا فهو أعلم بتأويله لا سيما الصحابة إذ هم أعلم بالمقال وأقعد بالحال وروى أبو داؤد والدارقطني عن أبي الوضئ قال : كنا في سفر في عسكر فأتى رجل معه فرس فقال له رجل منا : أتبيع هذا الفرس بهذا الغلام قال نعم فباعه ثم بات معنا فلما أصبح قام إلى فرسه فقال له صاحبنا : مالك والفرس أليس قد بعتنيها فقال : ما لي في هذا البيع من حاجة فقال : ما لك ذلك لقد بعتني فقال لهما القوم : هذا أبو برزة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتياه فقال لهما : أترضيان بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا : نعم فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ( وإني لا أراكما افترقتما فهذان صحابيان قد علما مخرج الحديث وعملا بمقتضاه بل هذا كان عمل الصحابة قال سالم قال إبن عمر : كنا إذا تبايعنا كان كل واحد منا بالخيار ما لم يتفرق المتبايعان قال : فتبايعت أنا وعثمان فبعته مالي بالوادي بمال له بخيبر قال : فلما بعته طفقت أنكص القهقري خشية أن يرادني عثمان البيع قبل أن أفارقه أخرجه الدارقطني ثم قال : إن أهل اللغة فرقوا بين فرقت مخففا وفرقت مثقلا فجعلوه بالتخفيف في الكلام وبالتثقيل في الأبدان قال أحمد إبن يحيى ثعلب : أخبرني إبن الأعرابي عن المفضل قال : يقال فرقت بين الكلامين مخففا فافترقا وفرقت بين أثنين مشددا فتفرقا فجعل الإفتراق في القول والتفرق في الأبدان احتجت المالكية بما تقدم بيانه في آية الدين وبقوله تعالى : أوفوا بالعقود وهذان قد تعاقدا وفي هذا الحديث إبطال الوفاء بالعقود قالوا : وقد يكون التفرق بالقول كعقد النكاح ووقوع الطلاق الذي قد سماه الله فراقا قال الله تعالى : وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وقال تعالى : ولا تكونوا كالذين تفرقوا وقال عليه السلام : ( تفترق أمتي ( ولم يقل بأبدانها وقد روى الدارقطني وغيره عن عمرو بن شعيب قال سمعت شعيبا يقول سمعت عبد الله بن عمرو يقول سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( أيما رجل إبتاع من رجل بيعة فإن كل واحد منهما بالخيار حتى يتفرقا من مكانهما إلا أن تكون صفقة خيار فلا يحل لأحدهما أن يفارق صاحبه مخافة أن يقيله ( قالوا : فهذا يدل على أنه قد تم البيع بينهما قبل الإفتراق لأن الإقالة لا تصح إلا فيما قد تم من البيوع قالوا : ومعنى قوله ( المتبايعان بالخيار ( أي المتساومان بالخيار ما لم يعقدا فإذا عقدا بطل الخيار فيه والجواب أما ما أعتلوا به من الإفتراق بالكلام فإنما المراد بذلك الأديان كما بيناه في آل عمران وإن كان صحيحا في بعض المواضع فهو في هذا الموضع غير صحيح وبيانه أن يقال : خبرونا عن الكلام الذي وقع به الإجتماع وتم به البيع أهو الكلام الذي أريد به الإفتراق أم غيره فإن قالوا : هو غيره فقد أحالوا وجاءوا بما لا يعقل لأنه ليس ثم كلام غير ذلك وإن قالوا : هو ذلك الكلام بعينه قيل لهم : كيف يجوز أن يكون الكلام الذي به إجتمعا وتم به بيعهما به إفترقا هذا عين المحال والفاسد من القول وأما قوله : ( ولا يحل له أن يفارق صاحبه مخافة أن يقيله ( فمعناه إن صح على الندب بدليل قوله عليه السلام : ( من أقال مسلما أقاله الله عثرته ( وبإجماع المسلمين على أن ذلك يحل لفاعله على خلاف ظاهر الحديث ولإجماعهم أنه جائز له أن يفارقه لينفذ بيعه ولا يقيله إلا أن يشاء وفيما أجمعوا عليه من ذلك رد لرواية من روى ( لا يحل ( فإن لم يكن وجه هذا الخبر الندب وإلا فهو باطل بالإجماع وأما تأويل ( المتبايعان ( بالمتساومين فعدول عن ظاهر اللفظ وإنما معناه المتبايعان بعد عقدهما مخيران ما داما في مجلسهما إلا بيعا يقول أحدهما لصاحبه فيه : إختر فيختار فإن الخيار ينقطع بينهما وإن لم يتفرقا فإن فرض خيار فالمعنى : إلا بيع الخيار فإنه يبقى الخيار بعد التفرق بالأبدان وتتميم هذا الباب في كتب الخلاف وفي قول عمرو إبن شعيب سمعت أبي يقول دليل على صحة حديثه فإن الدارقطني قال حدثنا أبو بكر النيسابوري حدثنا محمد بن علي الوراق قال قلت لأحمد بن حنبل : شعيب سمع من أبيه شيئا قال : يقول حدثني أبي قال فقلت : فأبوه سمع من عبد الله بن عمرو قال : نعم أراه قد سمع منه قال الدارقطني سمعت أبا بكر النيسابوري يقول : هو عمرو بن شعيب بن محمد إبن عبد الله بن عمرو بن العاص وقد صح سماع عمرو بن شعيب من أبيه شعيب وسماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو الثامنة روى الدارقطني عن إبن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( التاجر الصدوق الأمين المسلم مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة ( ويكره للتاجر أن يحلف لأجل ترويج السلعة وتزيينها أو يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في عرض سلعته وهو أن يقول : صلى الله على محمد ما أجود هذا ويستحب للتاجر ألا تشغله تجارته عن أداء الفرائض فإذا جاء وقت الصلاة ينبغي أن يترك تجارته حتى يكون من أهل هذه الآية : رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ( ( وسيأتي التاسعة وفي هذه الآية مع الأحاديث التي ذكرناها ما يرد قول من ينكر طلب الأقوات بالتجارات والصناعات من المتصوفة الجهلة لأن الله تعالى حرم أكلها بالباطل وأحلها بالتجارة وهذا بين قوله تعالى : ( ولا تقتلوا أنفسكم ) فيه مسألة واحدة قرأ الحسن تقتلوا على التكثير وأجمع أهل التأويل على أن المراد بهذه الآية النهي أن يقتل بعض الناس بعضا ثم لفظها يتناول أن يقتل الرجل نفسه بقصد منه للقتل في الحرص على الدنيا وطلب المال بأن يحمل نفسه على الغرر المؤدي إلى التلف ويحتمل أن يقال : ولا تقتلوا أنفسكم في حال ضجر أو غضب فهذا كله يتناوله النهي وقد احتج عمرو بن العاص بهذه الآية حين إمتنع من الإغتسال بالماء البارد حين أجنب في غزوة ذات السلاسل خوفا على نفسه منه فقرر النبي صلى الله عليه وسلم إحتجاجه وضحك عنده ولم يقل شيئا خرجه أبو داؤد وغيره وسيأتي < <

Bölüm V05/P156–V05/P157

النساء : ( 30 ) ومن يفعل ذلك . . . . . > > < > ( النساء 30 ) < > ذلك إشارة إلى القتل لأنه أقرب مذكور قاله عطاء وقيل : هو عائد إلى أكل المال بالباطل وقتل النفس لأن النهي عنهما جاء متسقا مسرودا ثم ورد الوعيد حسب النهي وقيل : هو عام على كل ما نهى عنه من القضايا من أول السورة إلى قوله تعالى : ومن يفعل ذلك وقال الطبري : ذلك عائد على ما نهى عنه من آخر وعيد وذلك قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها لأن كل ما نهى عنه من أول السورة قرن به وعيد إلا من قوله : يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم فإنه لا وعيد بعده إلا قوله : ومن يفعل ذلك عدوانا والعدوان تجاوز الحد والظلم وضع الشئ في غير موضعه وقد تقدم وقيد الوعيد بذكر العدوان والظلم ليخرج منه فعل السهو والغلط وذكر العدوان والظلم مع تقارب معانيهما لإختلاف ألفاظهما وحسن ذلك في الكلام كما قال : وألفى قولها كذبا ومينا وحسن العطف لإختلاف اللفظين يقال : بعدا وسحقا ومنه قول يعقوب : إنما أشكو بثي وحزني إلى الله فحسن ذلك لإختلاف اللفظ و ( نصليه ) معناه نمسه حرها وقد بينا معنى الجمع بين هذه الآي وحديث أبي سعيد الخدري في العصاة وأهل الكبائر لمن أنفذ عليه الوعيد فلا معنى لإعادة ذلك وقرأ الأعمش والنخعي نصليه بفتح النون على أنه منقول من صلي نارا أي أصليته وفي الخبر ( شاة مصلية ( ومن ضم النون منقول بالهمزة مثل طعمت وأطعمت < < النساء : ( 31 ) إن تجتنبوا كبائر . . . . . > > < > ( النساء 31 ) <

Bölüm V05/P157–V05/P161

> فيه مسألتان : الأولى لما نهى تعالى في هذه السورة عن آثام هي كبائر وعد على إجتنابها التخفيف من الصغائر ودل هذا على أن في الذنوب كبائر وصغائر وعلى هذا جماعة أهل التأويل وجماعة الفقهاء وأن اللمسة والنظرة تكفر بإجتناب الكبائر قطعا بوعده الصدق وقوله الحق لا أنه يجب عليه ذلك ونظير الكلام في هذا ما تقدم بيانه في قبول التوبة في قوله تعالى : إنما التوبة على الله فالله تعالى يغفر الصغائر بإجتناب الكبائر لكن بضميمة أخرى إلى الإجتناب وهي إقامة الفرائض روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر ( وروى أبو حاتم البستي في صحيح مسنده عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر ثم قال : ( والذي نفسي بيده ( ثلاث مرات ثم سكت فأكب كل رجل منا يبكي حزينا ليمين رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : ( ما من عبد يؤدي الصلوات الخمس ويصوم رمضان ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له ثمانية أبواب من الجنة يوم القيامة حتى إنها لتصفق ( ثم تلا إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم فقد تعاضد الكتاب وصحيح السنة بتكفير الصغائر قطعا كالنظر وشبهه وبينت السنة أن المراد ب تجتنبوا ليس كل الإجتناب لجميع الكبائر والله أعلم وأما الأصوليون فقالوا : لا يجب على القطع تكفير الصغائر بإجتناب الكبائر وإنما محمل ذلك على غلبة الظن وقوة الرجاء والمشيئة ثابتة ودل على ذلك أنه لو قطعنا لمجتنب الكبائر وممتثل الفرائض تكفير صغائره قطعا لكانت له في حكم المباح الذي يقطع بألا تباعة فيه وذلك نقض لعرى الشريعة ولا صغيرة عندنا قال القشيري عبد الرحيم : والصحيح أنها كبائر ولكن بعضها أعظم وقعا من بعض والحكمة في عدم التمييز أن يجتنب العبد جميع المعاصي قلت : وأيضا فإن من نظر إلى نفس المخالفة كما قال بعضهم : لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن أنظر من عصيت كانت الذنوب بهذه النسبة كلها كبائر وعلى هذا النحو يخرج كلام القاضي أبي بكر بن الطيب والأستاذ أبي إسحاق الأسفرايني وأبي المعالي وأبي نصر عبد الرحيم القشيري وغيرهم قالوا : وإنما يقال لبعضها صغيرة بالإضافة إلى ما هو أكبر منها كما يقال الزنى صغيرة بإضافته إلى الكفر والقبلة المحرمة صغيرة بالنسبة إلى الزنى ولا ذنب عندنا يغفر بإجتناب ذنب آخر بل كل ذلك كبيرة ومرتكبه في المشيئة غير الكفر لقوله تعالى : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء واحتجوا بقراءة من قرأ إن تجتنبوا كبير ما تنهون عنه على التوحيد وكبير الإثم الشرك قالوا : وعلى الجمع فالمراد أجناس الكفر والآية التي قيدت الحكم فترد إليها هذه المطلقات كلها قوله تعالى : ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء واحتجوا بما رواه مسلم وغيره عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من اقتطع حق أمرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة ( فقال له رجل : يا رسول الله وإن كان شيئا يسيرا قال : ( وإن كان قضيبا من أراك ( فقد جاء الوعيد الشديد على اليسير كما جاء على الكثير وقال بن عباس : الكبيرة كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب وقال إبن مسعود : الكبائر ما نهى الله عنه في هذه السورة إلى ثلاث وثلاثين آية وتصديقه قوله تعالى : إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه وقال طاوس : قيل لإبن عباس الكبائر سبع قال : هي إلى السبعين أقرب وقال سعيد بن جبير : قال رجل لإبن عباس الكبائر سبع قال : هي إلى السبعمائة أقرب منها إلى السبع غير أنه لا كبيرة مع إستغفار ولا صغيرة مع إصرار وروى عن إبن مسعود أنه قال الكبائر أربعة : اليأس من روح الله والقنوط من رحمة الله والأمن من مكر الله والشرك بالله دل عليها القرآن وروى عن إبن عمر : هي تسع : قتل النفس وأكل الربا وأكل مال اليتيم ورمي المحصنة وشهادة الزور وعقوق الوالدين والفرار من الزحف والسحر والإلحاد في البيت الحرام ومن الكبائر عند العلماء : القمار والسرقة وشرب الخمر وسب السلف الصالح وعدول الحكام عن الحق وإتباع الهوى واليمين الفاجرة والقنوط من رحمة الله وسب الإنسان أبويه بأن يسب رجلا فيسب ذلك الرجل أبويه والسعي في الأرض فسادا إلى غير ذلك مما يكثر تعداده حسب ما جاء بيانها في القرآن وفي أحاديث خرجها الأئمة وقد ذكر مسلم في كتاب الإيمان منها جملة وافرة وقد اختلف الناس في تعدادها وحصرها لإختلاف الآثار فيها والذي أقول : إنه قد جاءت فيها أحاديث كثيرة صحاح وحسان لم يقصد بها الحصر ولكن بعضها أكبر من بعض بالنسبة إلى ما يكثر ضرره فالشرك أكبر ذلك كله وهو الذي لا يغفر لنص الله تعالى على ذلك وبعده اليأس من رحمة الله لأن فيه تكذيب القرآن إذ يقول وقوله الحق : ورحمتي وسعت كل شيء وهو يقول : لا يغفر له فقد حجر واسعا هذا إذا كان معتقدا لذلك ولذلك قال الله تعالى : إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون وبعده القنوط قال الله تعالى : ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون وبعده الأمن من مكر الله فيسترسل في المعاصي ويتكل على رحمة الله من غير عمل قال الله تعالى : أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون وقال تعالى : وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين وبعده القتل لأن فيه إذهاب النفوس وإعدام الوجود واللواط فيه قطع النسل والزنى فيه إختلاط الأنساب بالمياه والخمر فيه ذهاب العقل الذي هو مناط التكليف وترك الصلاة والأذان فيه ترك إظهار شعائر الإسلام وشهادة الزور فيها إستباحة الدماء والفروج والأموال إلى غير ذلك مما هو بين الضرر فكل ذنب عظم الشرع التوعد عليه بالعقاب وشدده أو عظم ضرره في الوجود كما ذكرنا فهو كبيرة وما عداه صغيرة فهذا يربط لك هذا الباب ويضبطه والله أعلم الثانية قوله تعالى : ( وندخلكم مدخلا كريما ) قرأ أبو عمرو وأكثر الكوفيين مدخلا بضم الميم فيحتمل أن يكون مصدرا أي إدخالا والمفعول محذوف أي وندخلكم الجنة إدخالا ويحتمل أن يكون بمعنى المكان فيكون مفعولا وقرأ أهل المدينة بفتح الميم فيجوز أن يكون مصدر دخل وهو منصوب بإضمار فعل التقدير وندخلكم فتدخلون مدخلا ودل الكلام عليه ويجوز أن يكون اسم مكان فينتصب على أنه مفعول ] به [ أي وندخلكم مكانا كريما وهو الجنة وقال أبو سعيد بن الأعرابي : سمعت أبا داؤد السجستاني يقول : سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول : المسلمون كلهم في الجنة فقلت له : وكيف قال : يقول الله عزوجل إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما يعني الجنة وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أدخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ( فإذا كان الله عزوجل يغفر ما دون الكبائر والنبي صلى الله عليه وسلم يشفع في الكبائر فأي ذنب يبقى على المسلمين وقال علماؤنا : الكبائر عند أهل السنة تغفر لمن أقلع عنها قبل الموت حسب ما تقدم وقد يغفر لمن مات عليها من المسلمين كما قال تعالى : ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء والمراد بذلك من مات على الذنوب فلو كان المراد من تاب قبل الموت لم يكن للتفرقة بين الإشراك وغيره معنى إذ التائب من الشرك أيضا مغفور له وروى عن إبن مسعود أنه قال : خمس آيات من سورة النساء هي أحب إلي من الدنيا جميعا قوله تعالى : إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه وقوله إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر الآية وقوله تعالى : ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه الآية وقوله تعالى : وإن تك حسنة يضاعفها وقوله تعالى : والذين آمنوا بالله ورسله وقال إبن عباس : ثمان آيات في سورة النساء هن خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت : يريد الله ليبين لكم والله يريد أن يتوب عليكم يريد الله أن يخفف عنكم إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم الآية إن الله لا يغفر أن يشرك به إن الله لا يظلم مثقال ذرة ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ما يفعل الله بعذابكم الآية < <

Sorular