Qur'an&Sunnah

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân

Bölüm V01/P182–V01/P184

> لما ذكر المؤمنين وأحوالهم ذكر الكافرين ومآلهم والكفر ضد الإيمان وهو المراد في الآية وقد يكون بمعنى جحود النعمة والإحسان ومنه قوله عليه السلام في النساء في حديث الكسوف : ( ورأيت النار فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع ورأيت أكثر أهلها النساء ( قيل بم يا رسول الله قال : ( بكفرهن ( قيل أيكفرن بالله قال : ( يكفرن العشير ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئا قالت ما رأيت منك خيرا قط ( أخرجه البخاري وغيره وأصل الكفر في كلام العرب : الستر والتغطية ومنه قول الشاعر : في ليلة كفر النجوم غمامها أي سترها ومنه سمي الليل كافرا لأنه يغطي كل شيء بسواده قال الشاعر : فتذكرا ثقلا رثيدا بعد ما ألقت ذكاء يمينها في كافر ذكاء ( بضم الذال والمد ) : أسم للشمس ومنه قول الآخر : فوردت قبل أنبلاج الفجر وأبن ذكاء كامن في كفر أي في ليل والكافر أيضا : البحر والنهر العظيم والكافر : الزارع والجمع كفار قال الله تعالى : كمثل غيث أعجب الكفار نباته يعني الزراع لأنهم يغطون الحب ورماد مكفور : سفت الريح عليه التراب والكافر من الأرض : ما بعد عن الناس لا يكاد ينزله ولا يمر به أحد ومن حل بتلك المواضع فهم أهل الكفور ويقال الكفور : القري قوله تعالى : ( سواء عليهم ) معناه معتدل عندهم الإنذار وتركه أي سواء عليهم هذا وجيء بالأستفهام من أجل التسوية ومثله قوله تعالى : سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين وقال الشاعر : وليل يقول الناس من ظلماته سواء صحيحات العيون وعورها قوله تعالى : ( أأنذرتهم ) الإنذار الإبلاغ والإعلام ولا يكاد يكون إلا في تخويف يتسع زمانه للاحتراز فإن لم يتسع زمانه للاحتراز كان إشعارا ولم يكن إنذارا قال الشاعر : أنذرت عمرا وهو في مهل قبل الصباح فقد عصى عمرو وتناذر بنو فلان هذا الأمر إذا خوفه بعضهم بعضا وأختلف العلماء في تأويل هذه الآية فقيل : هي عامة ومعناها الخصوص فيمن حقت عليه كلمة العذاب وسبق في علم الله أنه يموت على كفره أراد الله تعالى أن يعلم أن في الناس من هذه حاله دون أن يعين أحدا وقال أبن عباس والكلبي : نزلت في رؤساء اليهود منهم حيي بن أخطب وكعب أبن الأشرف ونظراؤهما وقال الربيع بن أنس : نزلت فيمن قتل يوم بدر من قادة الأحزاب والأول أصح فإن من عين أحدا فإنما مثل بمن كشف الغيب عنه بموته على الكفر وذلك داخل في ضمن الآية قوله تعالى : ( لا يؤمنون ) موضعه رفع خبر إن أي إن الذين كفروا لا يؤمنون وقيل : خبر إن سواء وما بعده يقوم مقام الصلة قاله بن كيسان وقال محمد بن يزيد : سواء رفع بالأبتداء أأنذرتهم أم لم تنذرهم الخبر والجملة خبر إن قال النحاس : أي إنهم تبالهوا فلم تغن فيهم النذارة شيئا وأختلف القراء في قراءة أأنذرتهم فقرأ أهل المدينة وأبو عمرو والأعمش وعبد الله بن أبي إسحاق : آنذرتهم بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية وأختارها الخليل وسيبويه وهي لغة قريش وسعد بن بكر وعليها قول الشاعر : أيا ظبية الوعساء بين جلاجل وبين النقا آنت أم أم سالم هجاء آنت ألف واحدة وقال آخر : تطاللت فأستشرفته فعرفته فقلت له آنت زيد الأرانب وروي عن أبن محيصن أنه قرأ : أنذرتهم أم لم تنذرهم بهمزة لا ألف بعدها فحذف لألتقاء الهمزتين أو لأن أم تدل على الأستفهام كما قال الشاعر : تروح من الحي أم تبتكر وماذا يضيرك لو تنتظر أراد : أتروح فأكتفى بأم من الألف وروي عن أبن أبي إسحاق أنه قرأ : أأنذرتهم فحقق الهمزتين وأدخل بينهما ألفا لئلا يجمع بينهما قال أبو حاتم : ويجوز أن تدخل بينهما ألفا وتخفف الثانية وأبو عمرو ونافع يفعلان ذلك كثيرا وقرأ حمزة وعاصم والكسائي بتحقيق الهمزتين : أأنذرتهم وهو اختيار أبي عبيد وذلك بعيد عند الخليل وقال سيبويه : يشبه في الثقل ضننوا قال الأخفش : ويجوز تخفيف الأولى من الهمزتين وذلك رديء لأنهم إنما يخففون بعد الاستثقال وبعد حصول الواحدة قال أبو حاتم : ويجوز تخفيف الهمزتين جميعا فهذه سبعة أوجه من القراءات ووجه ثامن يجوز في غير القرآن لأنه مخالف للسواد قال الأخفش سعيد : تبدل من الهمزة هاء تقول : هأنذرتهم كما يقال هياك وإياك وقال الأخفش في قوله تعالى : ها أنتم إنما هو أاأنتم قوله تعالى : < <

Bölüm V01/P184

البقرة : ( 7 ) ختم الله على . . . . . > > < > ( البقره 7 ) <

Bölüm V01/P184–V01/P191

> فيها عشر مسائل : الأولى قوله تعالى ( ختم الله ) بين سبحانه في هذه الآية المانع لهم من الإيمان بقوله ختم الله والختم مصدر ختمت الشيء ختما فهو مختوم ومختم شدد للمبالغة ومعناه التغطية على الشيء والاستيثاق منه حتى لا يدخله شيء ومنه : ختم الكتاب والباب وما يشبه ذلك حتى لا يوصل إلى ما فيه ولا يوضع فيه غير ما فيه وقال اهل المعاني : وصف الله تعالى قلوب الكفار بعشرة أوصاف : بالختم والطبع والضيق والمرض والرين والموت والقساوة والانصراف والحمية والإنكار فقال في الإنكار : قلوبهم منكرة وهم مستكبرون وقال في الحمية : إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية الفتح وقال في الانصراف : ثم أنصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون التوبة وقال في القساوة : فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله وقال : ثم قست قلوبكم من بعد ذلك وقال في الموت : أو من كان ميتا فأحييناه وقال إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله وقال في الرين : كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون وقال في المرض : في قلوبهم مرض محمد وقال في الضيق : ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا وقال في الطبع : فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون وقال : بل طبع الله عليها بكفرهم وقال في الختم : ختم الله على قلوبهم وسيأتي بيانها كلها في مواضعها إن شاء الله تعالى الثانية الختم يكون محسوسا كما بينا ومعنى كما في هذه الآية فالختم على القلوب : عدم الوعي عن الحق سبحانه مفهوم مخاطباته والفكر في آياته وعلى السمع : عدم فهمهم للقرآن إذا تلى عليهم أو دعوا إلى وحدانيته وعلى الأبصار : عدم هدايتها للنظر في مخلوقاته وعجائب مصنوعاته هذا معنى قول أبن عباس وأبن مسعود وقتادة وغيرهم الثالثة في هذه الآية أدل دليل وأوضح سبيل على أن الله سبحانه خالق الهدى والضلال والكفر والإيمان فأعتبروا أيها السامعون وتعجبوا أيها المفكرون من عقول القدرية القائلين بخلق إيمانهم وهداهم فإن الختم هو الطبع فمن أين لهم الإيمان ولو جهدوا وقد طبع على قلوبهم وعلى سمعهم وجعل على أبصارهم غشاوة فمتى يهتدون أو من يهديهم من بعد الله إذا أضلهم وأصمهم وأعمى أبصارهم ومن يضلل الله فما له من هاد وكان فعل الله ذلك عدلا فيمن أضله وخذله إذ لم يمنعه حقا وجب له فتزول صفة العدل وإنما منعهم ما كان له أن يتفضل به عليهم لا ما وجب لهم فإن قالوا : إن معنى الختم والطبع والغشاوة التسمية والحكم والإخبار بأنهم لا يؤمنون لا الفعل قلنا : هذا فاسد لأن حقيقة الختم والطبع إنما هو فعل ما يصير به القلب مطبوعا مختوما لا يجوز أن تكون حقيقته التسمية والحكم ألا ترى أنه إذا قيل : فلان طبع الكتاب وختمه كان حقيقة أنه فعل ما صار به الكتاب مطبوعا ومختوما لا التسمية والحكم هذا ما لا خلاف فيه بين أهل اللغة ولأن الأمة مجمعة على أن الله تعالى قد وصف نفسه بالختم والطبع على قلوب الكافرين مجازاة لكفرهم كما قال تعالى : بل طبع الله عليها بكفرهم النساء وأجمعت الأمة على أن الطبع والختم على قلوبهم من جهة النبي عليه السلام والملائكة والمؤمنين ممتنع فلو كان الختم والطبع هو التسمية والحكم لما أمتنع من ذلك الأنبياء والمؤمنون لأنهم كلهم يسمون الكفار بأنهم مطبوع على قلوبهم وأنهم مختوم عليها وأنهم في ضلال لا يؤمنون ويحكمون عليهم بذلك فثبت أن الختم والطبع هو معنى غير التسمية والحكم وإنما هو معنى يخلقه الله في القلب يمنع من الإيمان به دليله قوله تعالى : كذلك نسلكه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به وقال : وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه أي لئلا يفقهوه وما كان مثله الرابعة قوله : ( على قلوبهم ) فيه دليل على فضل القلب على جميع الجوارح والقلب للإنسان وغيره وخالص كل شيء وأشرفه قلبه فالقلب موضع الفكر وهو في الأصل مصدر قلبت الشيء أقلبه قلبا إذا رددته على بداءته وقلبت الإناء : رددته على وجهه ثم نقل هذا اللفظ فسمي به هذا العضو الذي هو أشرف الحيوان لسرعة الخواطر إليه ولترددها عليه كما قيل : ما سمي القلب إلا من تقلبه فأحذر على القلب من قلب وتحويل ثم لما نقلت العرب هذا المصدر لهذا العضو الشريف التزمت فيه تفخيم قافه تفريقا بينه وبين أصله روى أبن ماجة عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( مثل القلب مثل ريشة تقلبها الرياح بفلاة ( ولهذا المعنى كان عليه الصلاة والسلام يقول : ( اللهم يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك ( فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوله مع عظيم قدره وجلال منصبه فنحن أولى بذلك أقتداء به قال الله تعالى : وأعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وسيأتي الخامسة الجوارح وإن كانت تابعة للقلب فقد يتأثر القلب وإن كان رئيسها وملكها بأعمالها للأرتباط الذي بين الظاهر والباطن قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الرجل ليصدق فتنكت في قلبه نكتة بيضاء وإن الرجل ليكذب الكذبة فيسود قلبه ( وروي الترمذي وصححه عن أبي هريرة : ( أن الرجل ليصيب الذنب فيسود قلبه فإن هو تاب صقل قلبه ( قال : وهو الرين الذي ذكره الله في القرآن في قوله : كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون وقال مجاهد : القلب كالكف يقبض منه بكل ذنب إصبع ثم يطبع قلت : وفي قول مجاهد هذا وقوله عليه السلام : ( إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ( دليل على أن الختم يكون حقيقيا والله أعلم وقد قيل : إن القلب يشبه الصنوبرة وهو يعضد قول مجاهد والله أعلم وقد روى مسلم عن حذيفة قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر : حدثنا ( أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة ( ثم حدثنا عن رفع الأمانة قال : ( ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل الوكت ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل المجل كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبرا وليس فيه شيء ثم أخذ حصى فدحرجه على رجله فيصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتى يقال إن في بني فلان رجلا أمينا حتى يقال للرجل ما أجلده ما أظرفه ما أعقله وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ولقد أتى على زمان وما أبالي أيكم بايعت لئن كان مسلما ليردنه علي دينه ولئن كان نصرانيا أو يهوديا ليردنه على ساعيه وأما اليوم فما كنت لأبايع منكم إلا فلانا وفلانا ( ففي قوله : ( الوكت ( وهو الأثر اليسير ويقال للبسر إذا وقعت فيه نكتة من الإرطاب : قد وكت فهو موكت وقوله : ( المجل ( وهو أن يكون بين الجلد واللحم ماء وقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( كجمر دحرجته ( أي دورته على رجلك فنفط ( فتراه منتبرا ( أي مرتفعا ما يدل على أن ذلك كله محسوس في القلب يفعل فيه وكذلك الختم والطبع والله أعلم وفي حديث حذيفة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض والآخر أسود مرباد كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه ( وذكر الحديث ( مجخيا ( : يعني مائلا السادسة القلب قد يعبر عنه بالفؤاد والصدر قال الله تعالى : كذلك لنثبت به فؤادك وقال : ألم نشرح لك صدرك الشرح يعني في الموضعين قلبك وقد يعبر به عن العقل قال الله تعالى : إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ق أي عقل لأن القلب محل العقل في قول الأكثرين والفؤاد محل القلب والصدر محل الفؤاد والله أعلم السابعة قوله تعالى : ( وعلى سمعهم ) أستدل بها من فضل السمع على البصر لتقدمه عليه وقال تعالى : قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وقال : وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قال : والسمع يدرك به من الجهات الست وفي النور والظلمة ولا يدرك بالبصر إلا من الجهة المقابلة وبواسطة من ضياء وشعاع وقال أكثر المتكلمين بتفضيل البصر على السمع لأن السمع لا يدرك به إلا الأصوات والكلام والبصر يدرك به الأجسام والألوان والهيئات كلها قالوا : فلما كانت تعلقاته أكثر كان أفضل وأجازوا الإدراك بالبصر من الجهات الست الثامنة إن قال قائل : لم جمع الأبصار ووحد السمع قيل له : إنما وحده لأنه مصدر يقع للقليل والكثير يقال : سمعت الشيء أسمعه سمعا وسماعا فالسمع مصدر سمعت والسمع أيضا أسم للجارحة المسموع بها سميت بالمصدر وقيل : إنه لما أضاف السمع إلى الجماعة دل على أنه يراد به أسماع الجماعة كما قال الشاعر : بها جيف الحسرى فأما عظامها فبيض وأما جلدها فصليب إنما يريد جلودها فوحد لأنه قد علم أنه لا يكون للجماعة جلد واحد وقال آخر في مثله : لا تنكر القتل وقد سبينا في حلقكم عظم وقد شجينا يريد في حلوقكم ومثله قول الآخر : كأنه وجه تركيين قد غضبا مستهدف لطعان غير تذبيب وإنما يريد وجهين فقال وجه تركيين لأنه قد علم أنه لا يكون للأثنين وجه واحد ومثله كثير جدا وقريء : وعلى أسماعهم ويحتمل أن يكون المعنى وعلى مواضع سمعهم لأن السمع لا يختم وأنما يختم موضع السمع فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وقد يكون السمع بمعنى الأستماع يقال : سمعك حديثي أي أستماعك إلى حديثي يعجبني ومنه قول ذي الرمة يصف ثورا تسمع إلى صوت صائد وكلاب : وقد توجس ركزا مقفر ندس بنبأة الصوت ما في سمعه كذب أي ما في أستماعه كذب أي هو صادق الأستماع والندس : الحاذق والنبأة : الصوت الخفي وكذلك الركز والسمع بكسر السين وإسكان الميم : ذكر الإنسان بالجميل يقال : ذهب سمعه في الناس أي ذكره والسمع أيضا : ولد الذئب من الضبع والوقف هنا : وعلى سمعهم وغشاوة رفع على الأبتداء وما قبله خبر والضمائر في قلوبهم وما عطف عليه لمن سبق في علم الله أنه لا يؤمن من كفار قريش وقيل من المنافقين وقيل من اليهود وقيل من الجميع وهو أصوب لأنه يعم فالختم على القلوب والأسماع والغشاوة على الأبصار والغشاء : الغطاء وهي : التاسعة ومنه غاشية السرج وغشيت الشيء أغشيه قال النابغة : هلا سألت بني ذبيان ما حسبي إذا الدخان تغشى الأشمط البرما وقال آخر : صحبتك إذ عيني عليها غشاوة فلما أنجلت قطعت نفسي ألومها قال أبن كيسان : فإن جمعت غشاوة قلت : غشاء بحذف الهاء وحكى الفراء : غشاوى مثل أداوى وقريء : غشاوة بالنصب على معنى وجعل فيكون من باب قوله : علفتها تبنا وماء باردا وقول الآخر : يا ليت زوجك قد غدا متقلدا سيفا ورمحا المعنى وأسقيتها ماء وحاملا رمحا لأن الرمح لا يتقلد قال الفارسي : ولا تكاد تجد هذا الأستعمال في حال سعة وأختيار فقراءة الرفع أحسن وتكون الواو عاطفة جملة على جملة قال : ولم أسمع من الغشاوة فعلا متصرفا بالواو وقال بعض المفسرين : الغشاوة على الأسماع والأبصار والوقف على قلوبهم وقال آخرون : الختم في الجميع والغشاوة هي الختم فالوقف على هذا على غشاوة وقرأ الحسن غشاوة بضم الغين وقرأ أبو حيوة بفتحها وروي عن أبي عمرو : غشوة رده إلى أصل المصدر قال بن كيسان : ويجوز غشوة وغشوة وأجودها غشاوة كذلك تستعمل العرب في كل ما كان مشتملا على الشيء نحو عمامة وكنانة وقلادة وعصابة وغير ذلك العاشرة قوله تعالى : ( ولهم ) أي للكافرين المكذبين ( عذاب عظيم ) نعته والعذاب مثل الضرب بالسوط والحرق بالنار والقطع بالحديد إلى غير ذلك مما يؤلم الإنسان وفي التنزيل : وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين وهو مشتق من الحبس والمنع يقال في اللغة : أعذبه عن كذا أي أحبسه وأمنعه ومنه سمي عذوبة الماء لأنها قد أعذبت وأستعذب بالحبس في الوعاء ليصفو ويفارقه ما خالطه ومنه قول علي رضي الله عنه : أعذبوا نساءكم عن الخروج أي أحبسوهن وعنه رضي الله عنه وقد شيع سرية فقال : أعذبوا عن ذكر النساء أنفسكم فإن ذلك يكسركم عن الغزو وكل من منعته شيئا فقد أعذبته وفي المثل : لألجمنك لجاما معذبا أي مانعا عن ركوب الناس ويقال : أعذب أي أمتنع وأعذب غيره فهو لازم ومتعد فسمي العذاب عذابا لأن صاحبه يحبس ويمنع عنه جميع ما يلائم الجسد من الخير ويهال عليه أضدادها < <

Bölüm V01/P191

البقرة : ( 8 ) ومن الناس من . . . . . > > < > ( البقره 8 ) <

Bölüm V01/P191–V01/P194

> فيه سبع مسائل : الأولى روي أبن جريج عن مجاهد قال : نزلت أربع آيات من سورة البقرة في المؤمنين وأثنتان في نعت الكافرين وثلاث عشرة في المنافقين وروى أسباط عن السدي في قوله : ومن الناس قال : هم المنافقون وقال علماء الصوفية : الناس أسم جنس وأسم الجنس لا يخاطب به الأولياء الثانية وأختلف النحاة في لفظ الناس فقيل : هو أسم من أسماء الجموع جمع أنسان وإنسانة على غير اللفظ وتصغيره نويس فالناس من النوس وهو الحركة يقال : ناس ينوس أي تحرك ومنه حديث أم زرع : أناس من حلى أذنى وقيل أصله : من نسى فأصل ناس نسى قلب فصار نيس تحركت الياء فأنفتح ما قبلها فانقلبت ألفا ثم دخلت الالف واللام فقيل : الناس قال أبن عباس : نسى آدم عهد الله فسمي إنسانا وقال عليه السلام : ( نسى آدم فنسيت ذريته ( وفي التنزيل : ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى وسيأتي وعلى هذا فالهمزة زائدة قال الشاعر : لا تنسين تلك العهود فإنما سميت إنسانا لأنك ناسي وقال آخر : فإن نسيت عهودا منك سالفة فأغفر فأول ناس أول الناس وقيل : سمي إنسانا لأنسه بحواء وقيل : لأنسه بربه فالهمزة أصلية قال الشاعر : وما سمي الإنسان إلا لأنسه ولا القلب إلا أنه يتقلب الثالثة لما ذكر الله جل وتعالى المؤمنين أولا وبدأ بهم لشرفهم وفضلهم ذكر الكافرين في مقابلتهم إذ الكفر والإيمان طرفان ثم ذكر المنافقين بعدهم وألحقهم بالكافرين قبلهم لنفي الإيمان عنهم بقوله الحق : وما هم بمؤمنين ففي هذا رد على الكرامية حيث قالوا : إن الإيمان قول باللسان وإن لم يعتقد بالقلب وأحتجوا بقوله تعالى : فأثابهم اللهبما قالوا ولم يقل : بما قالوا وما أضمروا وبقوله عليه السلام : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم ( وهذا منهم قصور وجمود وترك نظر لما نطق به القرآن والسنة من العمل مع القول والأعتقاد وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الإيمان معرفة بالقلب وقول باللسان وعمل بالأركان ( أخرجه أبن ماجه في سننه فما ذهب إليه محمد بن كرام السجستاني وأصحابه هو النفاق وعين الشقاق ونعوذ بالله من الخذلان وسوء الأعتقاد الرابعة قال علماؤنا رحمة الله عليهم : المؤمن ضربان : مؤمن يحبه الله ويواليه ومؤمن لا يحبه الله ولا يواليه بل يبغضه ويعاديه فكل من علم الله أنه يوافي بالإيمان فالله محب له موال له راض عنه وكل من علم الله أنه يوافي بالكفر فالله مبغض له ساخط عليه معاد له لا لأجل إيمانه ولكن لكفره وضلاله الذي يوافي به والكافر ضربان : كافر يعاقب لا محالة وكافر لا يعاقب فالذي يعاقب هو الذي يوافي بالكفر فالله ساخط عليه معاد له والذي لا يعاقب هو الموافي بالإيمان فالله غير ساخط على هذا ولا مبغض له بل محب له موال لا لكفره لكن لإيمانه الموافي به فلا يجوز أن يطلق القول وهي : الخامسة بأن المؤمن يستحق الثواب والكافر يستحق العقاب بل يجب تقييده بالموافاة ولأجل هذا قلنا : إن الله راض عن عمر في الوقت الذي كان يعبد الأصنام ومريد لثوابه ودخوله الجنة لا لعبادته الصنم لكن لإيمانه الموافي به وإن الله تعالى ساخط على إبليس في حال عبادته لكفره الموافي به وخالفت القدرية في هذا وقالت : إن الله لم يكن ساخطا على إبليس وقت عبادته ولا راضيا عن عمر وقت عبادته للصنم وهذا فاسد لما ثبت أن الله سبحانه عالم بما يوافي به إبليس لعنه الله وبما يوافي به عمر رضى الله عنه فيما لم يزل فثبت أنه كان ساخطا على إبليس محبا لعمر ويدل عليه إجماع الأمة على أن الله سبحانه وتعالى غير محب لمن علم أنه من أهل النار بل هو ساخط عليه وأنه محب لمن علم أنه من أهل الجنة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وإنما الأعمال بالخواتيم ( ولهذا قال علماء الصوفية : ليس الإيمان ما يتزين به العبد قولا وفعلا لكن الإيمان جرى السعادة في سوابق الأزل وأما ظهوره على الهياكل فربما يكون عاريا وربما يكون حقيقة قلت : هذا كما ثبت في صحيح مسلم وغيره عن عبد الله بن مسعود قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق : ( إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك ثم يرسل الله الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وأن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها ( فإن قيل وهي السادسة فقد خرج الإمام الحافظ أبو محمد عبد الغني بن سعيد المصري من حديث محمد بن سعيد الشامي المصلوب في الزندقة وهو محمد بن أبي قيس عن سليمان بن موسى وهو الأشدق عن مجاهد بن جبر عن أبن عباس أخبرنا أبو رزين العقيلي قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لأشربن أنا وأنت يا أبا رزين من لبن لم يتغير طعمه ( قال قلت : كيف يحيي الله الموتى قال : ( أما مررت بأرض لك مجدبة ثم مررت بها مخصبة ثم مررت بها مجدبة ثم مررت بها مخصبة ( قلت : بلى قال : ( كذلك النشور ( قال قلت : كيف لي أن أعلم أني مؤمن قال : ( ليس أحد من هذه الأمة قال بن أبي قيس : أو قال من أمتي عمل حسنة وعلم أنها حسنة وأن الله جازيه بها خيرا أو عمل سيئة وعلم أنها سيئة وأن الله جازيه بها شرا أو يغفرها إلا مؤمن ( قلت : وهذا الحديث وإن كان سنده ليس بالقوي فإن معناه صحيح وليس بمعارض لحديث أبن مسعود فإن ذلك موقوف على الخاتمة كما قال عليه السلام : ( وإنما الأعمال بالخواتيم ( وهذا إنما يدل على أنه مؤمن في الحال والله أعلم السابعة قال علماء اللغة : إنما سمي المنافق منافقا لإظهاره غير ما يضمر تشبيها باليربوع له جحر يقال له : النافقاء وآخر يقال له : القاصعاء وذلك أنه يخرق الأرض حتى إذا كاد يبلغ ظاهر الأرض أرق التراب فإذا رابه ريب دفع ذلك التراب برأسه فخرج فظاهر جحره تراب وباطنه حفر وكذلك المنافق ظاهره إيمان وباطنه كفر وقد تقدم هذا المعنى < <

Bölüm V01/P194–V01/P196

البقرة : ( 9 ) يخادعون الله والذين . . . . . > > < > ( البقره 9 ) < > قال علماؤنا : معنى يخادعون الله أي يخادعونه عند أنفسهم وعلى ظنهم وقيل : قال ذلك لعملهم عمل المخادع وقيل : في الكلام حذف تقديره : يخادعون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحسن وغيره وجعل خداعهم لرسوله خداعا له لأنه دعاهم برسالته وكذلك إذا خادعوا المؤمنين فقد خادعوا الله ومخادعتهم : ما أظهروه من الإيمان خلاف ما أبطنوه من الكفر ليحقنوا دماءهم وأموالهم ويظنون أنهم قد نجوا وخدعوا قاله جماعة من المتأولين وقال أهل اللغة : أصل الخدع في كلام العرب الفساد حكاه ثعلب عن أبن الأعرابي وأنشد : أبيض اللون لذيذ طعمه طيب الريق إذا الريق خدع قلت : ف يخادعون الله على هذا أي يفسدون إيمانهم وأعمالهم فيما بينهم وبين الله تعالى بالرياء وكذا جاء مفسرا عن النبي صلى الله عليه وسلم على ما يأتي وفي التنزيل : يراءون الناس وقيل : أصله الإخفاء ومنه مخدع البيت الذي يحرز فيه الشيء حكاه أبن فارس وغيره وتقول العرب : أنخدع الضب في جحره قوله تعالى : ( وما يخدعون إلا أنفسهم ) نفي وأيجاب أي ما تحل عاقبة الخدع إلا بهم ومن كلامهم : من خدع من لا يخدع فإنما يخدع نفسه وهذا صحيح لأن الخداع إنما يكون مع من لا يعرف البواطن وأما من عرف البواطن فمن دخل معه في الخداع فإنما يخدع نفسه ودل هذا على أن المنافقين لم يعرفوا الله إذ لو عرفوه لعرفوا أنه لا يخدع وقد تقدم من قوله عليه السلام أنه قال : ( لا تخادع الله فإنه من يخادع الله يخدعه الله ونفسه يخدع لو يشعر ( قالوا : يا رسول الله وكيف يخادع الله قال : ( تعمل بما أمرك الله به وتطلب به غيره ( وسيأتي بيان الخدع من الله تعالى كيف هو عند قوله تعالى : الله يستهزئ بهم وقرأ نافع وأبن كثير وأبو عمرو : يخادعون في الموضعين ليتجانس اللفظان وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وأبن عامر : يخدعون الثاني والمصدر خدع بكسر الخاء وخديعه حكى ذلك أبو زيد وقرأ مورق العجلى : يخدعون الله بضم الياء وفتح الخاء وتشديد الدال على التكثير وقرأ أبو طالوت عبد السلام بن شداد والجارود بضم الياء وإسكان الخاء وفتح الدال على معنى وما يخدعون إلا عن أنفسهم فحذف حرف الجر كما قال تعالى : وأختار موسى قومه أي من قومه قوله تعالى : ( وما يشعرون ) أي يفطنون أن وبال خدعهم راجع عليهم فيظنون أنهم قد نجوا بخدعهم وفازوا وإنما ذلك في الدنيا وفي الآخرة يقال لهم : أرجعوا وراءكم فألتمسوا نورا على ما يأتي قال أهل اللغة : شعرت بالشيء أي فطنت له ومنه الشاعر لفطنته لأنه يفطن لما لا يفطن له غيره من غريب المعانى ومنه قولهم : ليت شعري أي ليتني علمت قوله تعالى : < < البقرة : ( 10 ) في قلوبهم مرض . . . . . > > < > ( البقره 10 ) <

Bölüm V01/P196–V01/P199

> قوله تعالى : ( في قلوبهم مرض ) إبتداء وخبر والمرض عبارة مستعارة للفساد الذي في عقائدهم وذلك إما أن يكون شكا ونفاقا وإما جحدا وتكذيبا والمعنى : قلوبهم مرضى لخلوها عن العصمة والتوفيق والرعاية والتأييد قال أبن فارس اللغوي : المرض كل ما خرج به الإنسان عن حد الصحة من علة أو نفاق أو تقصير في أمر والقراء مجمعون على فتح الراء من مرض إلا ما روى الأصمعي عن أبي عمرو أنه سكن الراء قوله تعالى : ( فزادهم الله مرضا ) قيل : هو دعاء عليهم ويكون معنى الكلام : زادهم الله شكا ونفاقا جزاء على كفرهم وضعفا عن الأنتصار وعجزا عن القدرة كما قال الشاعر : يا مرسل الريح جنوبا وصبا إذ غضبت زيد فزدها غضبا أي لا تهدها على الأنتصار فيما غضبت منه وعلى هذا يكون في الآية دليل على جواز الدعاء على المنافقين والطرد لهم لأنهم شر خلق الله وقيل : هو إخبار من الله تعالى عن زيادة مرضهم أي فزادهم الله مرضا إلى مرضهم كما قال في آية أخرى : فزادتهم رجسا إلى رجسهم وقال أرباب المعاني : في قلوبهم مرض أي بسكونهم ألى الدنيا وحبهم لها وغفلتهم عن الآخرة وإعراضهم عنها وقوله : فزادهم الله مرضا أي وكلهم إلى أنفسهم وجمع عليهم هموم الدنيا فلم يتفرغوا من ذلك إلى أهتمام بالدين ولهم عذاب أليم بما يفنى عما يبقى وقال الجنيد : علل القلوب من أتباع الهوى كما أن علل الجوارح من مرض البدن قوله تعالى : ( ولهم عذاب أليم ) أليم في كلام العرب معناه مؤلم أي موجع مثل السميع بمعنى المسمع قال ذو الرمة يصف إبلا : ونرفع من صدور شمردلات يصك وجوهها وهج اليم وآلم إذا أوجع والإيلام : الإيجاع والألم : الوجع وقد ألم يألم ألما والتألم : التوجع ويجمع أليم على الماء مثل كريم وكرماء وآلام مثل أشراف قوله تعالى : ( بما كانوا يكذبون ) م مصدرية أي بتكذيبهم الرسل وردهم على الله جل وعز وتكذيبهم بآياته قاله أبو حاتم وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالتخفيف ومعناه بكذبهم وقولهم آمنا وليسوا بمؤمنين مسألة وأختلف العلماء في إمساك النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل المنافقين مع علمه بنفاقهم على أربعة أقوال : القول الأول قال بعض العلماء : إنما لم يقتلهم لأنه لم يعلم حالهم أحد سواه وقد أتفق العلماء على بكرة أبيهم على أن القاضي لا يقتل بعلمه وإنما أختلفوا في سائر الأحكام قال أبن العربي : وهذا منتقض فقد قتل بالمجذر بن زياد الحارث بن سويد بن الصامت لأن المجذر قتل أباه سويدا يوم بعاث فأسلم الحارث وأغفله يوم أحد فقتله فأخبر به جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقتله به لأن قتله كان غيلة وقتل الغيلة حد من حدود الله قلت : وهذه غفله من هذا الإمام لأنه إن ثبت الإجماع المذكور فليس بمنتقض بما ذكر لأن الإجماع لا ينعقد ولا يثبت إلا بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وأنقطاع الوحي وعلى هذا فتكون تلك قضية في عين بوحى فلا يحتج بها أو منسوخة بالإجماع والله أعلم القول الثاني قال أصحاب الشافعي : إنما لم يقتلهم لأن الزنديق وهو الذي يسر الكفر ويظهر الإيمان يستتاب ولا يقتل قال أبن العربي : وهذا وهم فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستتبهم ولا نقل ذلك أحد ولا يقول أحد إن أستتابه الزنديق واجبة وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم معرضا عنهم مع علمه بهم فهذا المتأخر من أصحاب الشافعي الذي قال : إن أستتابه الزنديق جائزة قال قولا لم يصح لأحد القول الثالث إنما لم يقتلهم مصلحة لتأليف القلوب عليه لئلا تنفر عنه وقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى بقوله لعمر : ( معاذ الله أن يتحدث الناس أنى أقتل أصحابي ( أخرجه البخاري ومسلم وقد كان يعطي للمؤلفة قلوبهم مع علمه بسوء أعتقادهم تألفا وهذا هو قول علمائنا وغيرهم قال أبن عطية : وهي طريقة أصحاب مالك رحمه الله في كف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنافقين نص على هذا محمد بن الجهم والقاضي إسماعيل والأبهري وأبن الماجشون وأحتج بقوله تعالى : لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض إلى قوله وقتلوا تقتيلا قال قتادة : معناه إذا هم أعلنوا النفاق قال مالك رحمه الله : النفاق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الزندقة فينا اليوم فيقتل الزنديق إذا شهد عليه بها دون أستتابة وهو أحد قولي الشافعي قال مالك : وإنما كف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنافقين ليبين لأمته أن الحاكم لا يحكم بعلمه إذ لم يشهد على المنافقين قال القاضي إسماعيل : لم يشهد على عبد الله بن أبي إلا زيد بن أرقم وحده ولا على الجلاس بن سويد إلا عمير بن سعد ربيبه ولو شهد على أحد منهم رجلان بكفره ونفاقه لقتل وقال الشافعي رحمه الله محتجا للقول الآخر : السنة فيمن شهد عليه بالزندقة فجحد وأعلن بالإيمان وتبرأ من كل دين سوى الإسلام أن ذلك يمنع من إراقة دمه وبه قال أصحاب الرأي وأحمد والطبري وغيرهم قال الشافعي وأصحابه : وإنما منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل المنافقين ما كانوا يظهرونه من الإسلام مع العلم بنفاقهم لأن ما يظهرونه يجب ما قبله وقال الطبري : جعل الله تعالى الأحكام بين عباده على الظاهر وتولى الحكم في سرائرهم دون أحد من خلقه فليس لأحد أن يحكم بخلاف ما ظهر لأنه حكم بالظنون ولو كان ذلك لأحد كان أولى الناس به رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حكم للمنافقين بحكم المسلمين بما أظهروا ووكل سرائرهم إلى الله وقد كذب الله ظاهرهم في قوله : والله يشهد إن المنافقين لكاذبون قال أبن عطية : ينفصل المالكيون عما لزموه من هذه الآية بأنها لم تعين أشخاصهم فيها وإنما جاء فيها توبيخ لكل مغموص عليه بالنفاق وبقي لكل واحد منهم أن يقول : لم أرد بها وما أنا إلا مؤمن ولو عين أحد لما جب كذبه شيئا قلت : هذا الأنفصال فيه نظر فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم أو كثيرا منهم بأسمائهم وأعيانهم بأعلام الله تعالى إياه وكان حذيفة يعلم ذلك بأخبار النبي عليه السلام إياه حتى كان عمر رضى الله عنه يقول له : يا حذيفة هل أنا منهم فيقول له : لا القول الرابع وهو إن الله تعالى كان قد حفظ أصحاب نبيه عليه السلام بكونه ثبتهم أن يفسدهم المنافقون أو يفسدوا دينهم فلم يكن في تبقيتهم ضرر وليس كذلك اليوم لأنا لا نأمن من الزنادقة أن يفسدوا عامتنا وجهالنا < <

Bölüm V01/P199

البقرة : ( 11 ) وإذا قيل لهم . . . . . > > < > ( البقره 11 ) <

Bölüm V01/P199–V01/P203

> إذا في موضع نصب على الظرف والعامل فيها قالوا وهي تؤذن بوقوع الفعل المنتظر قال الجوهري : إذا أسم يدل على زمان مستقبل ولم تستعمل إلا مضافة إلى جملة تقول أجيئك إذا أحمر البسر وإذا قدم فلان والذي يدل على أنها أسم وقوعها موقع قولك : آتيك يوم يقدم فلان فهي ظرف وفيها معنى المجازاة وجزاء الشرط ثلاثة : الفعل والفاء وإذا فالفعل قولك : إن تأتني آتك والفاء : إن تأتني فأنا أحسن إليك وإذا كقوله تعالى : وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون ومما جاء من المجازاة بإذا في الشعر قول قيس بن الخطيم : إذا قصرت أسيافنا كان وصلها خطانا إلى أعدائنا فنضارب فعطف فنضارب بالجزم على كان لأنه مجزوم ولو لم يكن مجزوما لقال فنضارب بالنصب وقد تزاد على إذا ما تأكيدا فيجزم بها أيضا ومنه قول الفرزدق : فقام أبو ليلى إليه أبن ظالم وكان إذا ما يسلل السيف يضرب قال سيبويه : والجيد ما قال كعب بن زهير : وإذا ما تشاء تبعث منها مغرب الشمس ناشطا مذعورا يعني أن الجيد ألا يجزم بإذا كما لم يجزم في هذا البيت وحكى عن المبرد أنها في قولك في المفاجأة : خرجت فأذا زيد ظرف مكان لأنها تضمنت جثة وهذا مردود لأن المعنى خرجت فإذا حضور زيد فإنما تضمنت المصدر كما يقتضيه سائر ظروف الزمان ومنه قولهم : اليوم خمر وغدا أمر فمعناه وجود خمر ووقوع أمر قوله : ( قيل ) من القول وأصله قول نقلت كسرة الواو إلى القاف فأنقلبت الواو ياء ويجوز : قيل لهم بإدغام اللام في اللام وجاز الجمع بين ساكنين لأن الياء حرف مد ولين قال الأخفش : ويجوز قيل بضم القاف والياء وقال الكسائي : ويجوز إشمام القاف الضم ليدل على أنه لما لم يسم فاعله وهي لغة قيس وكذلك جيء وغيض وحيل وسيق وسيء وسيئت وكذلك روى هشام عن أبن عباس ورويس عن يعقوب وأشم منها نافع سيء وسيئت خاصة وزاد أبن ذكوان : حيل وسيق وكسر الباقون في الجميع فإما هذيل وبنو دبير من أسد وبني فقعس فيقولون : قول بواو ساكنة قوله : ( لا تفسدوا ) لا نهي والفساد ضد الصلاح وحقيقته العدول عن الإستقامة إلى ضدها فسد الشيء يفسد فسادا وفسودا وهو فاسد وفسيد والمعنى في الآية : لا تفسدوا في الأرض بالكفر وموالاة أهله وتفريق الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وقيل : كانت الأرض قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم فيها الفساد ويفعل فيها بالمعاصي فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم أرتفع الفساد وصلحت الأرض فإذا عملوا بالمعاصي فقد أفسدوا في الأرض بعد إصلاحها كما قال في آية أخرى : ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها قوله : ( في الأرض ) الأرض مؤنثة وهي أسم جنس وكان حق الواحدة منها أن يقال أرضة ولكنهم لم يقولوا والجمع أرضات لأنهم قد يجمعون المؤنث الذي ليست فيه هاء التأنيث بالتاء كقولهم : عرسات ثم قالوا أرضون فجمعوا بالواو والنون والمؤنث لا يجمع بالواو والنون إلا أن يكون منقوصا كثبة وظبة ولكنهم جعلوا الواو والنون عوضا من حذفهم الألف والتاء وتركوا فتحة الراء على حالها وربما سكنت وقد تجمع على أروض وزعم أبو الخطاب إنهم يقولون : أرض وآراض كما قالوا : أهل وآهال والأراضي أيضا على غير قياس كأنهم جمعوا أرضا وكل ما سفل فهو أرض وأرض أريضة أي زكية بينة الأراضة وقد أرضت بالضم أي زكت قال أبو عمرو : نزلنا أرضا أريضة أي معجبة للعين ويقال : لا أرض لك كما يقال : لا أم لك والأرض : أسفل قوائم الدابة قال حميد يصف فرسا : ولم يقلب أرضها البيطار ولا لحبليه بها حبار أي أثر والأرض : النفضة والرعدة روى حماد بن سلمة عن قتادة عن عبد الله بن الحارث قال : زلزلت الأرض بالبصرة فقال أبن عباس : والله ما أدري أزلزلت الأرض أم بي أرض أي أم بي رعدة وقال ذو الرمة يصف صائدا : إذا توجس ركزا من سنابكها أو كان صاحب أرض أو به الموم والأرض : الزكام وقد أرضه الله أيراضا أي أزكمه فهو مأروض وفسيل مستأرض وودية مستأرضة بكسر الراء وهو أن يكون له عرق في الأرض فأما إذا نبت على جذع النخل فهو الراكب والإراض بالكسر : بساط ضخم من صوف أو وبر ورجل أريض أي متواضع خليق للخير قال الأصمعي يقال : هو أرضهم أن يفعل ذلك أي أخلقهم وشيء عريض أريض إتباع له وبعضهم يفرده ويقول : جدي أريض أي سمين قوله : ( نحن ) أصل نحن نحن قلبت حركة الحاء على النون وأسكنت الحاء قاله هشام بن معاوية النحوي وقال الزجاج : نحن لجماعة ومن علامة الجماعة الواو والضمة من جنس الواو فلما أضطروا إلى حركة نحن لألتقاء الساكنين حركوها بما يكون للجماعة قال : لهذا ضموا واو الجمع في قوله عز وجل : أولئك الذين أشتروا الضلالة وقال محمد أبن يزيد : نحن مثل قبل وبعد لأنها متعلقة بالإخبار عن إثنين وأكثر ف أنا للواحد ونحن للتثنية والجمع وقد يخبر به المتكلم عن نفسه في قوله : نحن قمنا قال الله تعالى : نحن قسمنا بينهم معيشتهم والمؤنث في هذا إذا كانت متكلمة بمنزلة المذكر تقول المرأة : قمت وذهبت وقمنا وذهبنا وأنا فعلت ذاك ونحن فعلنا هذا كلام العرب فأعلم قوله تعالى : ( مصلحون ) أسم فاعل من أصلح والصلاح : ضد الفساد وصلح الشيء بضم اللام وفتحها لغتان قال بن السكيت والصلوح بضم الصاد مصدر صلح بضم اللام قال الشاعر فكيف بإطراقي إذا ما شتمتني وما بعد شتم الوالدين صلوح وصلاح من أسماء مكة والصلح بكسر الصاد : نهر وإنما قالوا ذلك على ظنهم لأن إفسادهم عندهم إصلاح أي أن ممالأتنا للكفار إنما نريد بها الإصلاح بينهم وبين المؤمنين قال بن عباس وغيره < <

Bölüm V01/P203–V01/P205

البقرة : ( 12 ) ألا إنهم هم . . . . . > > < > ( البقره 12 ) < > قوله عز وجل : ( ألا إنهم هم المفسدون ) ردا عليهم وتكذيبا لقولهم قال أرباب المعاني : من أظهر الدعوى كذب ألا ترى أن الله عز وجل يقول : ألا إنهم هم المفسدون وهذا صحيح وكسرت إن لأنها مبتدأة قاله النحاس وقال علي بن سليمان يجوز فتحها كما أجاز سيبويه : حقا إنك منطلق بمعنى ألا وهم يجوز أن يكون مبتدأ والمفسدون خبره والمبتدأ وخبره خبر إن ويجوز أن تكون هم توكيدا للهاء والميم في إنهم ويجوز أن تكون فاصلة والكوفيون يقولون عمادا والمفسدون خبر إن والتقدير ألا إنهم المفسدون كما تقدم في قوله : وأولئك هم المفلحون قوله تعالى : ( ولكن لا يشعرون ) قال أبن كيسان يقال : ما على من لم يعلم إنه مفسد من الذم إنما يذم إذا علم إنه مفسد ثم أفسد على علم قال : ففيه جوابان : أحدهما إنهم كانوا يعملون الفساد سرا ويظهرون الصلاح وهم لا يشعرون أن أمرهم يظهر عند النبي صلى الله عليه وسلم والوجه الآخر : أن يكون فسادهم عندهم صلاحا وهم لا يشعرون أن ذلك فساد وقد عصوا الله ورسوله في تركهم تبيين الحق وأتباعه ولكن حرف تأكيد وأستدراك ولا بد فيه من نفي وإثبات إن كان قبله نفي كان بعده إيجاب وإن كان قبله إيجاب كان بعده نفي ولا يجوز الأقتصار بعده على أسم واحد إذا تقدم الإيجاب ولكنك تذكر جملة مضادة لما قبلها كما في هذه الآية وقولك : جاءني زيد لكن عمرو لم يجئ ولا يجوز جاءني زيد لكن عمرو ثم تسكت لأنهم قد أستغنوا ببل في مثل هذا الموضع عن لكن وإنما يجوز ذلك إذا تقدم النفي كقولك : ما جاءني زيد لكن عمرو < < البقرة : ( 13 ) وإذا قيل لهم . . . . . > > < > ( البقره 13 ) < > قوله تعالى : ( وإذا قيل لهم ) يعني المنافقين في قول مقاتل وغيره ( آمنوا كما آمن الناس ) أي صدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وشرعه كما صدق المهاجرون والمحققون من أهل يثرب وألف آمنوا ألف قطع لأنك تقول : يؤمن والكاف في موضع نصب لأنها نعت لمصدر محذوف أي أيمانا كأيمان الناس ) يعني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم عن أبن عباس وعنه أيضا : مؤمنو أهل الكتاب وهذا القول من المنافقين إنما كانوا يقولونه في خفاء وأستهزاء فأطلع الله نبيه والمؤمنين على ذلك وقرر أن السفه ورقة الحلوم وفساد البصائر إنما هي في حيزهم وصفة لهم وأخبر أنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون للرين الذي على قلوبهم وروى الكلبي عن أبي صالح عن أبن عباس أنها نزلت في شأن اليهود أي وإذا قيل لهم يعني اليهود آمنوا كما آمن الناس : عبد الله بن سلام وأصحابه قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء يعني الجهال والخرقاء وأصل السفة في كلام العرب : الخفة والرقة يقال : ثوب سفية إذا كان رديء النسج خفيفة أو كان باليا رقيقا وتسفهت الريح الشجر : مالت به قال ذو الرمة : مشين كما أهتزت رماح تسفهت أعاليها مر الرياح النواسم وتسفهت الشيء : أستحقرته والسفة : ضد الحلم ويقال : إن السفة أن يكثر الرجل شرب الماء فلا يروي ويجوز في همزتي السفهاء أربعة أوجه أجودها أن تحقق الأولى وتقلب الثانية واوا خالصة وهي قراءة أهل المدينة والمعروف من قراءة أبي عمرو وإن شئت خففتهما جميعا فجعلت الأولى بين الهمزة والواو وجعلت الثانية واوا خالصة وإن شئت خففت الأولى وحققت الثانية وإن شئت حققتهما جميعا قوله تعالى : ( ولكن لا يعلمون ) مثل ولكن لا يشعرون وقد تقدم والعلم معرفة المعلوم على ما هو به تقول : علمت الشيء أعلمه علما عرفته وعالمت الرجل فعلمته أعلمه بالضم في المستقبل : غلبته بالعلم < <

Bölüm V01/P205–V01/P206

البقرة : ( 14 ) وإذا لقوا الذين . . . . . > > < > ( البقره 14 ) < > قوله تعالى : ( وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ) أنزلت هذه الآية في ذكر المنافقين أصل لقوا : لقيوا نقلت الضمة إلى القاف وحذفت الياء لألتقاء الساكنين وقرأ محمد بن السميقع اليماني : لاقوا الذين آمنوا والأصل لاقيوا تحركت الياء وقبلها فتحة أنقلبت ألفا أجتمع ساكنان الألف والواو فحذفت الألف لألتقاء الساكنين ثم حركت الواو بالضم وإن قيل : لم ضمت الواو في لاقوا في الإدراج وحذفت من لقوا فالجواب : أن قبل الواو التي في لقوا ضمة فلو حركت الواو بالضم لثقل على اللسان النطق بها فحذفت لثقلها وحركت في لاقوا لأن قبلها فتحة قال تعالى : ( وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم ) إن قيل : لم وصلت خلوا ب إلى وعرفها أن توصل بالباء قيل له : خلوا هنا بمعنى ذهبوا وانصرفوا ومنه قول الفرزدق : كيف تراني قالبا مجني أضرب أمري ظهره لبطن قد قتل الله زيادا عنى لما أنزله منزلة صرف وقال قوم : إلى بمعنى مع وفيه ضعف وقال قوم : إلى بمعنى الباء وهذا يأباه الخليل وسيبويه وقيل المعنى وإذا خلوا من المؤمنين إلى شياطينهم ف إلى على بابها والشياطين جمع شيطان على التكسير وقد تقدم القول في أشتقاقه ومعناه في الأستعاذه وأختلف المفسرون في المراد بالشياطين هنا فقال أبن عباس والسدي : هم رؤساء الكفر وقال الكلبي : هم شياطين الجن وقال جمع من المفسرين : هم الكهان ولفظ الشيطنة الذي معناه البعد عن الإيمان والخير يعم جميع من ذكر والله أعلم قوله تعالى : ( إنما نحن مستهزئون ) أي مكذبون بما ندعى إليه وقيل ساخرون والهزء : السخرية واللعب يقال هزئ به وأستهزأ قال الراجز : قد هزئت مني أم طيسلة قالت أراه معدما لا مال له وقيل أصل الأستهزاء : الأنتقام كما قال الآخر : قد أستهزءوا منهم بألفي مدجج سراتهم وسط الصحاصح جثم < < البقرة : ( 15 ) الله يستهزئ بهم . . . . . > > < > ( البقره 15 ) < > <

Bölüm V01/P206–V01/P209

> قوله تعالى : ( الله يستهزيء بهم ) أي ينتقم منهم ويعاقبهم ويسخر بهم ويجازيهم على أستهزائهم فسمى العقوبة بأسم الذنب هذا قول الجمهور من العلماء والعرب تستعمل ذلك كثيرا في كلامهم من ذلك قول عمرو بن كلثوم : ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا فسمى أنتصاره جهلا والجهل لا يفتخر به ذو عقل وإنما قاله ليزدوج الكلام فيكون أخف على اللسان من المخالفة بينهما وكانت العرب إذا وضعوا لفظا بإزاء لفظ جوابا له وجزاء ذكروه بمثل لفظه وإن كان مخالفا له في معناه وعلى ذلك جاء القرآن والسنة وقال الله عز وجل : وجزاء سيئة سيئة مثلها وقال : فمن أعتدى عليكم فأعتدوا عليه بمثل ما أعتدى عليكم والجزاء لا يكون سيئة والقصاص لا يكون أعتداء لأنه حق وجب ومثله : ومكروا ومكر الله وإنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا الطارق وإنما نحن مستهزئون الله يستهزئ بهم وليس منه سبحانه مكر ولا هزء ولا كيد إنما هو جزاء لمكرهم وأستهزائهم وجزاء كيدهم وكذلك يخادعون الله وهو خادعهم فيسخرون منهم سخر الله منهم وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله لا يمل حتى تملوا ولا يسأم حتى تسأموا ( قيل : حتى بمعنى الواو أي وتملوا وقيل المعنى وأنتم تملون وقيل : المعنى لا يقطع عنكم ثواب أعمالكم حتى تقطعوا العمل وقال قوم : إن الله تعالى يفعل بهم أفعالا هي في تأمل البشر هزء وخدع ومكر حسب ما روي : ( إن النار تجمد كما تجمد الإهالة فيمشون عليها ويظنونها منجاة فتخسف بهم ( وروى الكلبي عن أبي صالح عن أبن عباس في قوله تعالى : وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا هم منافقو أهل الكتاب فذكرهم وذكر أستهزاءهم وأنهم إذا خلوا إلى شياطينهم يعني رؤساءهم في الكفر على ما تقدم قالوا : إنا معكم على دينكم إنما نحن مستهزئون بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الله يستهزئ بهم في الآخرة يفتح لهم باب جهنم من الجنة ثم يقال لهم : تعالوا فيقبلون يسبحون في النار والمؤمنون على الأرائك وهي السرر في الحجال ينظرون اليهم فإذا أنتهوا إلى الباب سد عنهم فيضحك المؤمنون منهم فذلك قول الله عز وجل : الله يستهزئ بهم أي في الآخرة ويضحك المؤمنون منهم حين غلقت دونهم الأبواب فذلك قوله تعالى : فاليوم الذين ءامنوا من الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون إلى أهل النار هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون وقال قوم : الخداع من الله والأستهزاء هو أستدراجهم بدرور النعم الدنيوية عليهم فالله سبحانه وتعالى يظهر لهم من الإحسان في الدنيا خلاف ما يغيب عنهم ويستر عنهم من عذاب الآخرة فيظنون أنه راض عنهم وهو تعالى قد حتم عذابهم فهذا على تأمل البشر كأنه أستهزاء ومكر وخداع ودل على هذا التأويل قوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا رأيتم الله عز وجل يعطي العبد ما يحب وهو مقيم على معاصيه فإنما ذلك منه أستدراج ( ثم نزع بهذه الآية : فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين وقال بعض العلماء في قوله تعالى سنستدرجهم من حيث لا يعلمون الأعراف : كلما أحدثوا ذنبا أحدث لهم نعمة قوله تعالى : ( ويمدهم ) أي يطيل لهم المدة ويمهلهم ويملي لهم كما قال إنما نملي لهم ليزدادوا إثما وأصله الزيادة قال يونس بن حبيب : يقال مد لهم في الشر وأمد في الخير قال الله تعالى : وأمددناكم بأموال وبنين وقال : وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون وحكى عن الأخفش : مددت له إذا تركته وأمددته إذا أعطيته وعن الفراء واللحياني : مددت فيما كانت زيادته من مثله يقال : مد النهر النهر وفي التنزيل : والبحر يمده من بعده سبعة أبحر لقمان وأمددت فيما كانت زيادته من غيره كقولك : أمددت الجيش بمدد ومنه : يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة وأمد الجرح لأن المدة من غيره أي صارت فيه مدة قوله تعالى : ( في طغيانهم ) كفرهم وضلالهم وأصل الطغيان مجاوزة الحد ومنه قوله تعالى : إنا لما طغى الماء أي أرتفع وعلا وتجاوز المقدار الذي قدرته الخزان وقوله في فرعون : إنه طغى أي أسرف في الدعوى حيث قال : أنا ربكم الأعلى والمعنى في الآية : يمدهم بطول العمر حتى يزيدوا في الطغيان فيزيدهم في عذابهم قوله تعالى ( يعمهون ) يعمون وقال مجاهد : أي يترددون متحيرين في الكفر وحكى أهل اللغة : عمه الرجل يعمه عموها وعمها فهو عمه وعامه إذا حار ويقال رجل عامه وعمه : حائر متردد وجمعه عمه وذهبت إبله العمهي إذا لم يدر أين ذهبت والعمى في العين والعمه في القلب وفي التنزيل : فإنها لاتعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور < <

Bölüm V01/P209–V01/P210

البقرة : ( 16 ) أولئك الذين اشتروا . . . . . > > < > ( البقره 16 ) < > قوله تعالى : ( أولئك الذين أشتروا الضلالة بالهدى ) قال سيبويه : ضمت الواو في أشتروا فرقا بينها وبين الواو الأصلية نحو : وأن لو أستقاموا على الطريقة الجن وقال بن كيسان : الضمة في الواو أخف من غيرها لأنها من جنسها وقال الزجاج : حركت بالضم كما فعل في نحن وقرأ أبن أبي إسحاق ويحيى بن يعمر بكسر الواو على أصل ألتقاء الساكنين وروى أبو زيد الأنصاري عن قعنب أبي السمال العدوي أنه قرأ بفتح الواو لخفة الفتحة وإن كان ما قبلها مفتوحا وأجاز الكسائي همز الواو وضمها كأدور وأشتروا : من الشراء والشراء هنا مستعار والمعنى أستحبوا الكفر على الإيمان كما قال : فأستحبوا العمى على الهدى فعبر عنه بالشراء لأن الشراء إنما يكون فيما يحبه مشتريه فأما أن يكون معنى شراء المعاوضة فلا لأن المنافقين لم يكونوا مؤمنين فيبيعون أيمانهم وقال أبن عباس : أخذوا الضلالة وتركوا الهدى ومعناه أستبدلوا وأختاروا الكفر على الإيمان وإنما أخرجه بلفظ الشراء توسعا لأن الشراء والتجارة راجعان إلى الأستبدال والعرب تستعمل ذلك في كل من أستبدل شيئا بشيء قال أبو ذؤيب : فإن تزعميني كنت أجهل فيكم فإني شريت الحلم بعدك بالجهل وأصل الضلالة : الحيرة ويسمى النسيان ضلالة لما فيه من الحيرة قال جل وعز : فعلتها إذا وأنا من الضالين أي الناسين ويسمى الهلاك ضلالة كما قال عز وجل : وقالوا أئذا ضللنا في الأرض قال تعالى : ( فما ربحت تجارتهم ) أسند تعالى الربح إلى التجارة على عادة العرب في قولهم : ربح بيعك وخسرت صفقتك وقولهم : ليل قائم ونهار صائم والمعنى : ربحت وخسرت في بيعك وقمت في ليلك وصمت في نهارك أي فما ربحوا في تجارتهم وقال الشاعر : نهارك هائم وليلك نائم كذلك في الدنيا تعيش البهائم بن كيسان : ويجوز تجارة وتجائر وضلالة وضلائل قوله تعالى : ( وما كانوا مهتدين ) في أشترائهم الضلالة وقيل : في سابق علم الله والأهتداء ضد الضلال وقد تقدم < < البقرة : ( 17 ) مثلهم كمثل الذي . . . . . > > < > ( البقره 17 ) <

Bölüm V01/P210–V01/P212

> قوله تعالى : ( مثلهم كمثل الذي أستوقد نارا ) فمثلهم رفع بالأبتداء والخبر في الكاف فهي أسم كما هي في قول الأعشى : أتنتهون ولن ينهى ذوى شطط كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل وقول امرئ القيس : ورحنا بكابن الماء يجنب وسطنا تصوب فيه العين طورا وترتقي أراد مثل الطعن وبمثل أبن الماء ويجوز أن يكون الخبر محذوفا تقديره مثلهم مستقر كمثل فالكاف على هذا حرف والمثل والمثل والمثيل واحد ومعناه الشبيه والمتماثلان : المتشابهان هكذا قال أهل اللغة قوله ( الذي ) يقع للواحد والجمع قال أبن الشجري هبة الله بن علي : ومن العرب من يأتي بالجمع بلفظ الواحد كما قال : وأن الذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم كل القوم يا أم خالد وقيل في قول الله تعالى والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون : إنه بهذه اللغة وكذلك قوله : مثلهم كمثل الذي قيل : المعنى كمثل الذين أستوقدوا ولذلك قال : ذهب الله بنورهم فحمل أول الكلام على الواحد وآخره على الجمع فأما قوله تعالى : وخضتم كالذي خاضوا التوبة فإن الذي ها هنا وصف لمصدر محذوف تقديره وخضتم كالخوض الذي خاضوا وقيل : إنما وحد الذي وأستوقد لأن المستوقد كان واحدا من جماعة تولى الإيقاد لهم فلما ذهب الضوء رجع عليهم جميعا فقال بنورهم وأستوقد بمعنى أوقد مثل أستجاب بمعنى أجاب فالسين والتاء زائدتان قاله الأخفش ومنه قول الشاعر : وداع دعا يا من يجيب إلى الندى فلم يستجبه عند ذاك مجيب أي يجبه وأختلف النحاة في جواب لما وفي عود الضمير من نورهم فقيل : جواب لما محذوف وهو طفئت والضمير في نورهم على هذا للمنافقين والإخبار بهذا عن حال تكون في الآخرة كما قال تعالى : فضرب بينهم بسور له باب وقيل : جوابه ذهب والضمير في نورهم عائد على الذي وعلى هذا القول يتم تمثيل المنافق بالمستوقد لأن بقاء المستوقد في ظلمات لا يبصر كبقاء المنافق في حيرته وتردده والمعنى المراد بالآية ضرب مثل للمنافقين وذلك أن ما يظهرونه من الإيمان الذي تثبت لهم به أحكام المسلمين من المناكح والتوارث والغنائم والأمن على أنفسهم وأولادهم وأموالهم بمثابة من أوقد نارا في ليلة مظلمة فأستضاء بها ورأى ما ينبغي أن يتقيه وأمن منه فإذا طفئت عنه أو ذهبت وصل إليه الأذى وبقي متحيرا فكذلك المنافقون لما آمنوا أغتروا بكلمة الإسلام ثم يصيرون بعد الموت إلى العذاب الأليم كما أخبر التنزيل : إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ويذهب نورهم ولهذا يقولون : انظرونا نقتبس من نوركم وقيل : إن إقبال المنافقين إلى المسلمين وكلامهم معهم كالنار وأنصرافهم عن مودتهم وأرتكاسهم عندهم كذهابها وقيل غير هذا قوله : ( نارا ) النار مؤنثة وهي من النور وهو أيضا الإشراق وهي من الواو لأنك تقول في التصغير : نويرة وفي الجمع نور وأنوار ونيران أنقلبت الواو ياء لكسر ما قبلها وضاءت وأضاءت لغتان يقال : ضاء القمر يضوء ضوءا وأضاء يضيء يكون لازما ومتعديا وقرأ محمد بن السميقع : ضاءت بغير ألف والعامة بالألف قال الشاعر : أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه ( ما حوله ) ما زائدة مؤكدة وقيل : مفعولة بأضاءت وحوله ظرف مكان والهاء في موضع خفض بأضافته إليها و ( ذهب ) وأذهب لغتان من الذهاب وهو زوال الشيء ( وتركهم ) أي أبقاهم ( في ظلمات ) جمع ظلمة وقرأ الأعمش : ظلمات بإسكان اللام على الأصل ومن قرأها بالضم فللفرق بين الأسم والنعت وقرأ أشهب العقيلي : ظلمات بفتح اللام قال البصريون : أبدل من الضمة فتحة لأنها أخف وقال الكسائي : ظلمات جمع الجمع جمع ظلم ( لا يبصرون ) فعل مستقبل في موضع الحال كأنه قال : غير مبصرين فلا يجوز الوقف على هذا على ظلمات < < البقرة : ( 18 ) صم بكم عمي . . . . . > > <

Bölüm V01/P212–V01/P214

> ( البقره 18 ) < > قوله تعالى : ( صم بكم عمي ) صم أي هم صم فهو خبر أبتداء مضمر وفي قراءة عبد الله بن مسعود وحفصة : صما بكما عميا فيجوز النصب على الذم كما قال تعالى : ملعونين أينما ثقفوا وكما قال : وأمرأته حمالة الحطب المسد وكما قال الشاعر : سقوني الخمر ثم تكنفوني عداة الله من كذب وزور فنصب عداة الله على الذم فالوقف على يبصرون على هذا المذهب صواب حسن ويجوز أن ينصب صما ب تركهم كأنه قال : وتركهم صما بكما عميا فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على يبصرون والصمم في كلام العرب : الأنسداد يقال : قناة صماء إذا لم تكن مجوفة وصممت القارورة إذا سددتها فالأصم : من أنسدت خروق مسامعه والأبكم : الذي لا ينطق ولا يفهم فإذا فهم فهو الأخرس وقيل : الأخرس والأبكم واحد ويقال : رجل أبكم وبكيم أي أخرس بين الخرس والبكم قال : فليت لساني كان نصفين منهما بكيم ونصف عند مجرى الكواكب والعمى : ذهاب البصر وقد عمي فهو أعمى وقوم عمي وأعماه الله وتعامى الرجل : أرى ذلك من نفسه وعمي عليه الأمر إذا التبس ومنه قوله تعالى : فعميت عليهم الأنباء يومئذ وليس الغرض مما ذكرناه نفي الإدراكات عن حواسهم جملة وإنما الغرض نفيها من جهة ما تقول : فلان أصم عن الخنا ولقد أحسن الشاعر حيث قال : أصم عما ساءه سميع وقال آخر : وعوراء الكلام صممت عنها ولو أنى أشاء بها سميع وقال الدارمي : أعمى إذا ما جارتي خرجت حتى يوارى جارتي الجدر وقال بعضهم في وصاته لرجل يكثر الدخول على الملوك : أدخل إذا ما دخلت أعمى وأخرج إذا ما خرجت أخرس وقال قتادة : صم عن أستماع الحق بكم عن التكلم به عمي عن الإبصار له قلت وهذا المعنى هو المراد في وصف النبي صلى الله عليه وسلم ولاة آخر الزمان في حديث جبريل ( وإذا رأيت الحفاة العراة الصم البكم ملوك الأرض فذاك من أشراطها ( والله أعلم قوله تعالى : ( فهم لا يرجعون ) أي إلى الحق لسابق علم الله تعالى فيهم يقال : رجع بنفسه رجوعا ورجعه غيره وهذيل تقول : أرجعه غيره وقوله تعالى : يرجع بعضهم إلى بعض القول أي يتلاومون فيما بينهم حسب ما بينه التنزيل في سورة سبأ < < البقرة : ( 19 ) أو كصيب من . . . . . > > < > ( البقره 19 ) <

Bölüm V01/P214–V01/P220

> قوله تعالى : ( أوكصيب من السماء ) قال الطبري : أو بمعنى الواو وقاله الفراء وأنشد : وقد زعمت ليلى بأنى فاجر لنفسي تقاها أو عليها فجورها وقال آخر : نال الخلافة أو كانت له قدرا كما أتى ربه موسى على قدر أي وكانت وقيل : أو للتخيير أي مثلوهم بهذا أو بهذا لا على الأقتصار على أحد الأمرين والمعنى أو كأصحاب صيب والصيب : المطر وأشتقاقه من صاب يصوب إذا نزل قال علقمة : فلا تعدلي بيني وبين مغمر سقتك روايا المزن حيث تصوب وأصله : صيوب إجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت كما فعلوا في ميت وسيد وهين ولين وقال بعض الكوفيين : أصله صويب على مثال فعيل قال النحاس : لو كان كما قالوا لما جاز إدغامه كما لا يجوز أدغام طويل وجمع صيب صيايب والتقدير في العربية : مثلهم كمثل الذي أستوقد نارا أو كمثل صيب قوله تعالى : ( من السماء ) السماء تذكر وتؤنث وتجمع على أسمية وسموات وسمى على فعول قال العجاج : تلفه الرياح والسمى والسماء : كل ما علاك فأظلك ومنه قيل لسقف البيت : سماء والسماء : المطر سمي به لنزوله من السماء قال حسان بن ثابت : ديار من بني الحسحاس قفر تعفيها الروامس والسماء وقال آخر : إذا سقط السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا ويسمى الطين والكلا أيضا سماء يقال : ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم يريدون الكلأ والطين ويقال لظهر الفرس أيضا سماء لعلوه قال : وأحمر كالديباج أما سماؤه فريا وأما أرضه فمحول والسماء : ما علا والأرض : ما سفل على ما تقدم قوله تعالى : ( فيه ظلمات ) أبتداء وخبر ( ورعد وبرق ) معطوف عليه وقال : ظلمات بالجمع إشارة إلى ظلمة الليل وظلمة الدجن وهو الغيم ومن حيث تتراكب وتتزايد جمعت وقد مضى ما فيه من اللغات فلا معنى للإعادة وكذا كل ما تقدم إن شاء الله تعالى وأختلف العلماء في الرعد ففي الترمذي عن أبن عباس قال : سألت اليهود النبي صلى الله عليه وسلم عن الرعد ما هو قال : ( ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله ( فقالوا : فما هذا الصوت الذي نسمع قال : ( زجره بالسحاب إذا زجره حتى ينتهي إلى حيث أمر الله ( قالوا : صدقت الحديث بطوله وعلى هذا التفسير أكثر العلماء فالرعد : أسم الصوت المسموع وقاله علي رضى الله عنه وهو المعلوم في لغة العرب وقد قال لبيد في جاهليته : فجعني الرعد والصواعق بال فارس يوم الكريهة النجد وروي عن أبن عباس أنه قال : الرعد ريح تختنق بين السحاب فتصوت ذلك الصوت وأختلفوا في البرق فروي عن علي وأبن مسعود وأبن عباس رضوان الله عليهم : البرق مخراق حديد بيد الملك يسوق به السحاب قلت : وهو الظاهر من حديث الترمذي وعن أبن عباس أيضا هو سوط من نور بيد الملك يزجر به السحاب وعنه أيضا : البرق ملك يتراءى وقالت الفلاسفة : الرعد صوت أصطكاك أجرام السحاب والبرق ما ينقدح من أصطكاكها وهذا مردود لا يصح به نقل والله أعلم ويقال : أصل الرعد من الحركة ومنه الرعديد للجبان وأرتعد : أضطرب ومنه الحديث : ( فجيء بهما ترعد فرائصهما ( الحديث أخرجه أبو داود والبرق أصله من البريق والضوء ومنه البراق : دابة ركبها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به وركبها الأنبياء عليهم السلام قبله ورعدت السماء من الرعد وبرقت من البرق ورعدت المرأة وبرقت : تحسنت وتزينت ورعد الرجل وبرق : تهدد وأوعد قال أبن أحمر : يا جل ما بعدت عليك بلادنا وطلابنا فأبرق بأرضك وأرعد وأرعد القوم وأبرقوا : أصابهم رعد وبرق وحكى أبو عبيدة وأبو عمرو : أرعدت السماء وأبرقت وأرعد الرجل وأبرق إذا تهدد وأوعد وأنكره الأصمعي وأحتج عليه بقول الكميت : أبرق وأرعد يا يزي د فما وعيدك لي بضائر فقال ليس الكميت بحجة فائدة روى أبن عباس قال : كنا مع عمر بن الخطاب في سفرة بين المدينة والشام ومعنا كعب الأحبار قال : فأصابتنا ريح وأصابنا رعد ومطر شديد وبرد وفرق الناس قال فقال لي كعب : إنه من قال حين يسمع الرعد : سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته عوفي مما يكون في ذلك السحاب والبرد والصواعق قال : فقلتها أنا وكعب فلما أصبحنا وأجتمع الناس قلت لعمر : يا أمير المؤمنين كأنا كنا في غير ما كان فيه الناس قال : وما ذاك قال : فحدثته حديث كعب قال : سبحان الله أفلا قلتم لنا فنقول كما قلتم في رواية فإذا بردة قد أصابت أنف عمر فأثرت به وستأتي هذه الرواية في سورة الرعد إن شاء الله ذكر الروايتين أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب في روايات الصحابة عن التابعين رحمة الله عليهم أجمعين وعن أبن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع الرعد والصواعق قال : ( اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك ( قوله تعالى : ( يجعلون أصابعهم في آذانهم ) جعلهم أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا القرآن فيؤمنوا به وبمحمد عليه السلام وذلك عندهم كفر والكفر موت وفي واحد الأصابع خمس لغات : إصبع بكسر الهمزة وفتح الباء وأصبع بفتح الهمزة وكسر الباء ويقال بفتحهما جميعا وضمهما جميعا وبكسرهما جميعا وهي مؤنثه وكذلك الأذن وتخفف وتثقل وتصغر فيقال : أذينة ولو سميت بها رجلا ثم صغرته قلت : أذين فلم تؤنث لزوال التأنيث عنه بالنقل إلى المذكر فأما قولهم : أذينه في الأسم العلم فإنما سمي به مصغرا والجمع آذان وتقول : أذنته إذا ضربت أذنه ورجل أذن إذا كان يسمع كلام كل أحد يستوي فيه الواحد والجمع وأذاني : عظيم الأذنين ونعجة أذناء وكبش آذن وأذنت النعل وغيرها تأذينا : إذا جعلت لها أذنا وأذنت الصبي : عركت أذنه قوله تعالى : ( من الصواعق ) أي من أجل الصواعق والصواعق جمع صاعقة قال أبن عباس ومجاهد وغيرهما : إذا اشتد غضب الرعد الذي هو الملك طار النار من فيه وهي الصواعق وكذا قال الخليل قال : هي الواقعة الشديدة من صوت الرعد يكون معها أحيانا قطعة نار تحرق ما أتت عليه وقال أبو زيد : الصاعقة نار تسقط من السماء في رعد شديد وحكى الخليل عن قوم : الساعقة ( بالسين ) وقال أبو بكر النقاش : يقال صاعقة وصعقة وصاقعة بمعنى واحد وقرأ الحسن : من الصواقع ( بتقديم القاف ) ومنه قول أبي النجم : يحكون بالمصقولة القواطع تشقق البرق عن الصواقع قال النحاس : وهي لغة تميم وبعض بني ربيعة ويقال : صعقتهم السماء إذا ألقت عليهم الصاعقة والصاعقة أيضا صيحة العذاب قال الله عز وجل : فأخذتهم صاعقة العذاب الهون ويقال : صعق الرجل صعقة وتصعاقا أي غشي عليه ومنه قوله تعالى : وخر موسى صعقا فأصعقه غيره قال أبن مقبل : ترى النعرات الزرق تحت لبانه أحاد ومثنى أصعقتها صواهله وقوله تعالى : فصعق من في السماوات ومن في الأرض الزمر أي مات وشبه الله تعالى في هذه الآية أحوال المنافقين بما في الصيب من الظلمات والرعد والبرق والصواعق فالظلمات مثل لما يعتقدونه من الكفر والرعد والبرق مثل لما يخوفون به وقيل : مثل الله تعالى القرآن بالصيب لما فيه من الإشكال عليهم والعمى هو الظلمات وما فيه من الوعيد والزجر هو الرعد وما فيه من النور والحجج الباهرة التي تكاد أحيانا أن تبهرهم هو البرق والصواعق مثل لما في القرآن من الدعاء إلى القتال في العاجل والوعيد في الآجل وقيل : الصواعق تكاليف الشرع التي يكرهونها من الجهاد والزكاة وغيرهما قوله : ( حذر الموت ) حذر وحذار بمعنى وقرئ بهما قال سيبويه : هو منصوب لأنه موقوع له أي مفعول من أجله وحقيقته أنه مصدر وأنشد سيبويه : وأغفر عوراء الكريم أدخاره وأعرض عن شتم اللئيم تكرما وقال الفراء : هو منصوب على التمييز والموت : ضد الحياة وقد مات يموت ويمات أيضا قال الراجز : بنيتي سيدة البنات عيشي ولا يؤمن أن تماتي فهو ميت وميت وقوم موتى وأموات وميتون وميتون والموات ( بالضم ) : الموت والموات ( بالفتح ) : ما لا روح فيه والموات أيضا : الأرض التي لا مالك لها من الآدميين ولا ينتفع بها أحد والموتان ( بالتحريك ) : خلاف الحيوان يقال : أشتر الموتان ولا تشتر الحيوان أي أشتر الأرضين والدور ولا تشتر الرقيق والدواب والموتان ( بالضم ) : موت يقع في الماشية يقال : وقع في المال موتان وأماته الله وموته شدد للمبالغة وقال : فعروة مات موتا مستريحا فهأنذا أموت كل يوم وأماتت الناقة إذا مات ولدها فهي مميت ومميتة قال أبو عبيد : وكذلك المرأة وجمعها مماويت قال أبن السكيت : أمات فلان إذا مات له أبن أو بنون والمتماوت من صفة الناسك المرائي وموت مائت كقولك ليل لائل يؤخذ من لفظه ما يؤكد به والمستميت للأمر : المسترسل له قال رؤبة وزبد البحر له كتيت والليل فوق الماء مستميت المستميت أيضا : المستقتل الذي لا يبالي في الحرب من الموت وفي الحديث : ( أرى القوم مستميتين ( وهم الذين يقاتلون على الموت والموتة ( بالضم ) : جنس من الجنون والصرع يعترى الإنسان فإذا أفاق عاد إليه كمال عقله كالنائم والسكران ومؤتة ( بضم الميم وهمز الواو ) : أسم أرض قتل بها جعفر بن أبي طالب عليه السلام قوله تعالى : ( والله محيط بالكافرين ) أبتداء وخبر أي لا يفوتونه يقال : أحاط السلطان بفلان إذا أخذه أخذا حاصرا من كل جهة قال الشاعر : أحطنا بهم حتى إذا ما تيقنوا بما قد رأوا مالوا جميعا إلى السلم ومنه قوله تعالى : وأحيط بثمره وأصله محيط نقلت حركة الياء إلى الحاء فسكنت فالله سبحانه محيط بجميع المخلوقات أي هي في قبضته وتحت قهره كما قال : والأرض جميعا قبضته يوم القيامة وقيل : محيط بالكافرين أي عالم بهم دليله : وإن الله قد أحاط بكل شيء علما وقيل : مهلكهم وجامعهم دليله قوله تعالى : إلا أن يحاط بكم أي إلا أن تهلكوا جميعا وخص الكافرين بالذكر لتقدم ذكرهم في الآية والله أعلم < <

Bölüm V01/P220

البقرة : ( 20 ) يكاد البرق يخطف . . . . . > > < > ( البقره 20 ) <

Bölüm V01/P220–V01/P224

> قوله تعالى : ( يكاد البرق يخطف أبصارهم ) يكاد معناه يقارب يقال : كاد يفعل كذا إذا قارب ولم يفعل ويجوز في غير القرآن : يكاد أن يفعل كما قال رؤبة : قد كاد من طول البلى أن يمصحا مشتق من المصح وهو الدرس والأجود أن تكون بغير أن لآنها لمقاربة الحال وأن تصرف الكلام إلى الأستقبال وهذا متناف قال الله عز وجل : يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار ومن كلام العرب : كاد النعام يطير وكاد العروس يكون أميرا لقربهما من تلك الحال وكاد فعل متصرف على فعل يفعل وقد جاء خبره بالأسم وهو قليل قال : وما كدت آئبا ويجري مجرى كاد كرب وجعل وقارب وطفق في كون خبرها بغير أن قال الله عز وجل : وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة لأنها كلها بمعنى الحال والمقاربة والحال لا يكون معها أن فأعلم قوله تعالى : ( يخطف أبصارهم ) الخطف : الأخذ بسرعة ومنه سمي الطير خطافا لسرعته فمن جعل القرآن مثلا للتخويف فالمعنى أن خوفهم مما ينزل بهم يكاد يذهب أبصارهم ومن جعله مثلا للبيان الذي في القرآن فالمعنى أنهم جاءهم من البيان ما بهرهم ويخطف ويخطف لغتان قرئ بهما وقد خطفه بالكسر يخطفه خطفا وهي اللغة الجيدة واللغة الأخرى حكاها الأخفش : خطف يخطف الجوهري : وهي قليلة رديئة لا تكاد تعرف وقد قرأ بها يونس في قوله تعالى : يكاد البرق يخطف أبصارهم وقال النحاس : في يخطف سبعة أوجه القراءة الفصيحة : يخطف وقرأ علي بن الحسين ويحيى بن وثاب : يخطف بكسر الطاء قال سعيد الأخفش : هي لغة وقرأ الحسن وقتادة وعاصم الجحدري وأبو رجاء العطاردي بفتح الياء وكسر الخاء والطاء وروي عن الحسن أيضا أنه قرأ بفتح الخاء قال الفراء : وقرأ بعض أهل المدينة بإسكان الخاء وتشديد الطاء قال الكسائي والأخفش والفراء : يجوز يخطف بكسر الياء والخاء والطاء فهذه ستة أوجه موافقة للخط والسابعة حكاها عبد الوارث قال : رأيت في مصحف أبي بن كعب يتخطف وزعم سيبويه والكسائي أن من قرأ يخطف بكسر الخاء والطاء فالأصل عنده يختطف ثم أدغم التاء في الطاء فألتقى ساكنان فكسرت الخاء لالتقاء الساكنين قال سيبويه : ومن فتح الخاء ألقى حركة التاء عليها وقال الكسائي : ومن كسر الياء فلأن الألف في أختطف مكسورة فأما ما حكاه الفراء عن أهل المدينة من أسكان الخاء والإدغام فلا يعرف ولا يجوز لأنه جمع بين ساكنين قاله النحاس وغيره قلت : وروي عن الحسن أيضا وأبي رجاء يخطف قال أبن مجاهد : وأظنه غلطا وأستدل على ذلك بأن خطف الخطفة لم يقرأه أحد بالفتح ( أبصارهم ) جمع بصر وهي حاسة الرؤية والمعنى : تكاد حجج القرآن وبراهينه الساطعة تبهرهم ومن جعل البرق مثلا للتخويف فالمعنى أن خوفهم مما ينزل بهم يكاد يذهب أبصارهم قوله تعالى : ( كلما أضاء لهم مشوا فيه ) كلما منصوب لأنه ظرف وإذا كان كلما بمعنى إذا فهي موصولة والعامل فيه مشوا وهو جوابه ولا يعمل فيه أضاء لأنه في صلة ما والمفعول في قول المبرد محذوف التقدير عنده : كلما أضاء لهم البرق الطريق وقيل : يجوز أن يكون فعل وأفعل بمعنى كسكت وأسكت فيكون أضاء وضاء سواء فلا يحتاج إلى تقدير حذف مفعول قال الفراء : يقال ضاء وأضاء وقد تقدم والمعنى أنهم كلما سمعوا القرآن وظهرت لهم الحجج أنسوا ومشوا معه فإذا نزل من القرآن ما يعمون فيه ويضلون به أو يكلفونه قاموا أي ثبتوا على نفاقهم عن أبن عباس وقيل : المعنى كلما صلحت أحوالهم في زروعهم ومواشيهم وتوالت النعم قالوا : دين محمد دين مبارك وإذا نزلت بهم مصيبة وأصابتهم شدة سخطوا وثبتوا في نفاقهم عن أبن مسعود وقتادة قال النحاس : وهذا قول حسن ويدل على صحته : ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير أطمأن به وإن أصابته فتنة أنقلب على وجهه وقال علماء الصوفية هذا مثل ضربه الله تعالى لمن لم تصح له أحوال الإرادة بدءا فأرتقى من تلك الأحوال بالدعاوي إلى أحوال الأكابر كأن تضيء عليه أحوال الإرادة لو صححها بملازمة آدابها فلما مزجها بالدعاوي أذهب الله عنه تلك الأنوار وبقي في ظلمات دعاوية لا يبصر طريق الخروج منها وروي عن أبن عباس أن المراد اليهود لما نصر النبي صلى الله عليه وسلم ببدر طمعوا وقالوا : هذا والله النبي الذي بشرنا به موسى لا ترد له راية فلما نكب بأحد أرتدوا وشكوا وهذا ضعيف والآية في المنافقين وهذا أصح عن أبن عباس والمعنى يتناول الجميع قوله تعالى ( ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم ) لو حرف تمن وفيه معنى الجزاء وجوابه اللام والمعنى : ولو شاء الله لأطلع المؤمنين عليهم فذهب منهم عز الإسلام بالإستيلاء عليهم وقتلهم وإخراجهم من بينهم وخص السمع والبصر لتقدم ذكرهما في الآية أولا أو لأنهما أشرف ما في الأنسان وقرئ بأسماعهم على الجمع وقد تقدم الكلام في هذا قوله تعالى : ( إن الله على كل شيء قدير ) عموم ومعناه عند المتكلمين فيما يجوز وصفه تعالى بالقدرة عليه وأجمعت الامة على تسمية الله تعالى بالقدير فهو سبحانه قدير قادر مقتدر والقدير أبلغ في الوصف من القادر قاله الزجاجي وقال الهروي : والقدير والقادر بمعنى واحد يقال : قدرت على الشيء أقدر قدرا وقدرا ومقدرة ومقدرة وقدرانا أي قدرة والأقتدار على الشيء : القدرة عليه فالله جل وعز قادر مقتدر قدير على كل ممكن يقبل الوجود والعدم فيجب على كل مكلف أن يعلم أن الله تعالى قادر له قدرة بها فعل ويفعل ما يشاء على وفق علمه وأختياره ويجب عليه أيضا أن يعلم أن للعبد قدرة يكتسب بها ما أقدره الله تعالى عليه على مجرى العادة وأنه غير مستبد بقدرته وإنما خص هنا تعالى صفته التي هي القدرة بالذكر دون غيرها لأنه تقدم ذكر فعل مضمنه الوعيد والإخافة فكان ذكر القدرة مناسبا لذلك والله أعلم فهذه عشرون آية على عدد الكوفيين أربع آيات في وصف المؤمنين ثم تليها آيتان في ذكر الكافرين وبقيتها في المنافقين وقد تقدمت الرواية فيها عن بن جريج وقاله مجاهد أيضا < <

Bölüm V01/P224

البقرة : ( 21 ) يا أيها الناس . . . . . > > < > ( البقره 21 ) <

Bölüm V01/P224–V01/P226

> قوله سبحانه وتعالى : ( يأيها الناس أعبدوا ربكم ) قال علقمة ومجاهد : كل آية أولها يأيها الناس فإنما نزلت بمكة وكل آية أولها يأيها الذين آمنوا فإنما نزلت بالمدينة قلت : وهذا يرده أن هذه السورة والنساء مدنيتان وفيهما يأيها الناس وأما قولهما في يأيها الذين آمنوا فصحيح وقال عروة بن الزبير : ما كان من حد أو فريضة فإنه نزل بالمدينة وما كان من ذكر الأمم والعذاب فإنه نزل بمكة وهذا واضح ويا في قوله : يأيها حرف نداء أي منادى مفرد مبني على الضم لأنه منادى في اللفظ وها للتنبيه الناس مرفوع صفة لأي عند جماعة النحويين ما عدا المازني فإنه أجاز النصب قياسا على جوازه في : يا هذا الرجل وقيل : ضمت أي كما ضم المقصود المفرد وجاءوا ب ها عوضا عن ياء أخرى وإنما لم يأتوا بياء لئلا ينقطع الكلام فجاؤوا بها حتى يبقى الكلام متصلا قال سيبويه : كأنك كررت يا مرتين وصار الأسم بينهما كما قالوا : ها هو ذا وقيل : لما تعذر عليهم الجمع بين حرفي تعريف أتوا في الصورة بمنادى مجرد عن حرف تعريف وأجروا عليه المعرف باللام المقصود بالنداء وألتزموا رفعه لأنه المقصود بالنداء فجعلوا إعرابه بالحركة التي كان يستحقها لو باشرها النداء تنبيها على أنه المنادى فأعلمه واختلف من المراد بالناس هنا على قولين : أحدهما الكفار الذين لم يعبدوه يدل عليه قوله : وإن كنتم في ريب الثاني أنه عام في جميع الناس فيكون خطابه للمؤمنين بأستدامة العبادة وللكافرين بأبتدائها وهذا حسن قوله تعالى : ( أعبدوا ) أمر بالعبادة له والعبادة هنا عبارة عن توحيده وألتزام شرائع دينه وأصل العبادة الخضوع والتذلل يقال طريق معبدة إذا كانت موطوءة بالأقدام قال طرفة : وظيفا وظيفا فوق مور معبد والعبادة : الطاعة والتعبد : التنسك وعبدت فلانا : أتخذته عبدا قوله تعالى : ( الذي خاقكم ) خص تعالى خلقه لهم من بين سائر صفاته إذ كانت العرب مقرة بأن الله خلقها فذكر ذلك حجة عليهم وتقريعا لهم وقيل : ليذكرهم بذلك نعمته عليهم وفي أصل الخلق وجهان : أحدهما التقدير يقال : خلقت الأديم للسقاء إذا قدرته قبل القطع قال الشاعر : ولأنت تفري ما خلقت وبع ض القوم يخلق ثم لا يفري وقال الحجاج : ما خلقت إلا فريت ولا وعدت إلا وفيت الثاني : الإنشاء والأختراع والإبداع قال الله تعالى : وتخلقون إفكا قوله تعالى : ( والذين من قبلكم ) فيقال إذا ثبت عندهم خلقهم ثبت عندهم خلق غيرهم فالجواب : أنه إنما يجري الكلام على التنبيه والتذكير ليكون أبلغ في العظة فذكرهم من قبلهم ليعلموا أن الذي أمات من قبلهم وهو خلقهم يميتهم وليفكروا فيمن مضى قبلهم كيف كانوا وعلى أي الأمور مضوا من إهلاك من أهلك وليعلموا أنهم يبتلون كما أبتلوا والله أعلم قوله تعالى : ( لعلكم تتقون ) لعل متصلة بأعبدوا لا بخلقكم لأن من ذرأة الله لجهنم لم يخلقه ليتقي وهذا وما كان مثله فيما ورد في كلام الله تعالى من قوله : لعلكم تعقلون لعلكم تشكرون لعلكم تذكرون لعلكم تهتدون فيه ثلاث تأويلات الأول أن لعل على بابها من الترجي والتوقع والترجي والتوقع إنما هو في حيز البشر فكأنه قيل لهم أفعلوا ذلك على الرجاء منكم والطمع أن تعقلوا وأن تذكروا وأن تتقوا هذا قول سيبويه ورؤساء اللسان قال سيبويه في قوله عز وجل : إذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى طه قال معناه : إذهبا على طمعكما ورجائكما أن يتذكر أو يخشى وأختار هذا القول أبو المعالي الثاني أن العرب أستعملت لعل مجردة من الشك بمعنى لام كي فالمعنى لتعقلوا ولتذكروا ولتتقوا وعلى ذلك يدل قول الشاعر : وقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا نكف ووثقتم لنا كل موثق فلما كففنا الحرب كانت عهودكم كلمع سراب في الملا متألق المعنى : كفوا الحروب لنكف ولو كانت لعل هنا شكا لم يوثقوا لهم كل موثق وهذا القول عن قطرب والطبري الثالث أن تكون لعل بمعنى التعرض للشيء كأنه قيل : أفعلوا ذلك متعرضين لأن تعقلوا أو لأن تذكروا أو لأن تتقوا والمعنى في قوله لعلكم تتقون : أي لعلكم أن تجعلوا بقبول ما أمركم الله به وقاية بينكم وبين النار وهذا من قول العرب : أتقاه بحقه إذا أستقبله به فكأنه جعل دفعه حقه إليه وقاية له من المطالبة ومنه قول علي رضى الله عنه : كنا إذا أحمر البأس أتقينا بالنبي صلى الله عليه وسلم أي جعلناه وقاية لنا من العدو وقال عنترة : ولقد كررت المهر يدمى نحره حتى أتقتني الخيل بأبنى حذيم < <

Sorular