Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân
النحل : ( 121 ) شاكرا لأنعمه اجتباه . . . . . > > < > ( النحل 121 : 122 ) < > قوله تعالى : ( شاكرا ) أي كان شاكرا ( لأنعمه ) الأنعم جمع نعمة وقد تقدم ( اجتباه ) أي اختاره ( وهداه إلى صراط مستقيم وآتيناه في الدنيا حسنة ) قيل : الولد الطيب وقيل الثناء الحسن وقيل : النبوة وقيل : الصلاة مقرونة بالصلاة على محمد عليه السلام في التشهد وقيل : إنه ليس أهل دين إلا وهم يتولونه وقيل : بقاء ضيافته وزيارة قبره وكل ذلك أعطاه الله وزاده صلى الله عليه وسلم ( وإنه في الآخرة لمن الصالحين ) من بمعنى مع أي مع الصالحين لأنه كان في الدنيا أيضا مع الصالحين وقد تقدم هذا في البقرة < < النحل : ( 123 ) ثم أوحينا إليك . . . . . > > < > ( النحل 123 ) < > قال بن عمر : أمر باتباعه في مناسك الحج كما علم إبراهيم جبريل عليهما السلام وقال الطبري : أمر باتباعه في التبرؤ من الأوثان والتزين بالإسلام وقيل : أمر باتباعه في جميع ملته إلا ما أمر بتركه قاله بعض أصحاب الشافعي على ما حكاه الماوردي والصحيح الاتباع في عقائد الشرع دون الفروع لقوله تعالى : لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا مسألة : وفي هذه الآية دليل على جواز اتباع الأفضل للمفضول لما تقدم في الأصول والعمل به ولا درك على الفاضل في ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء عليهم السلام وقد أمر بالاقتداء بهم فقال : فبهداهم اقتده وقال هنا : ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم < < النحل : ( 124 ) إنما جعل السبت . . . . . > > < > ( النحل 124 ) < > قوله تعالى : ( إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه ) أي لم يكن في شرع إبراهيم ولا من دينه بل كان سمحا لا تغليظ فيه وكان السبت تغليظا على اليهود في رفض الأعمال وترك التبسط في المعاش بسبب اختلافهم فيه ثم جاء عيسى عليه السلام بيوم الجمعة فقال : تفرغوا للعبادة في كل سبعة أيام يوما واحدا فقالوا : لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا فاختاروا الأحد وقد اختلف العلماء في كيفية ما وقع لهم من الاختلاف فقالت طائفة : إن موسى عليه السلام أمرهم بيوم الجمعة وعينه لهم وأخبرهم بفضيلته على غيره فناظروه أن السبت أفضل فقال الله له : ( دعهم وما اختاروا لأنفسهم ( وقيل : إن الله تعالى لم يعينه لهم وإنما أمرهم بتعظيم يوم في الجمعة فاختلف اجتهادهم في تعيينه فعينت اليهود السبت لأن الله تعالى فرغ فيه من الخلق وعينت النصارى يوم الأحد لأن الله تعالى بدأ فيه بالخلق فألزم كل منهم ما أداه إليه اجتهاده وعين الله لهذه الأمة يوم الجمعة من غير أن يكلهم إلى اجتهادهم فضلا منه ونعمة فكانت خير الأمم أمة روى الصحيح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( نحن الآخرون الأولون يوم القيامة ونحن أول من يدخل الجنة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم فاختلفوا فيه فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له قال يوم الجمعة فاليوم لنا وغدا لليهود وبعد غد للنصارى ( فقوله : ( فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه ( يقوي قول من قال : إنه لم يعين لهم فإنه لو عين لهم وعاندوا لما قيل اختلفوا وإنما كان ينبغي أن يقال فخالفوا فيه وعاندوا ومما يقويه أيضا قوله عليه السلام : ( أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا ( وهذا نص في المعنى وقد جاء في بعض طرقه ( فهذا يومهم الذي فرض الله عليهم اختلفوا فيه ( وهو حجة للقول الأول وقد روي : ( إن الله كتب الجمعة على من كان قبلنا فاختلفوا فيه وهدانا الله له فالناس لنا فيه تبع ( قوله تعالى : ( على الذين اختلفوا فيه ) يريد في يوم الجمعة كما بيناه أختلفوا على نبيهم موسى وعيسى ووجه الأتصال بما قبله أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر باتباع الحق وحذر الله الأمة من الاختلاف عليه فيشدد عليهم كما شدد على اليهود < <
النحل : ( 125 ) ادع إلى سبيل . . . . . > > < > ( النحل 125 ) < > فيه مسألة واحدة هذه الآية نزلت بمكة في وقت الأمر بمهادنة قريش وأمره أن يدعو إلى دين الله وشرعه بتلطف ولين دون مخاشنة وتعنيف وهكذا ينبغي أن يوعظ المسلمون إلى يوم القيامة فهي محكمة في جهة العصاة من الموحدين ومنسوخة بالقتال في حق الكافرين وقد قيل : إن من أمكنت معه هذه الأحوال من الكفار ورجي إيمانه بها دون قتال فهي فيه محكمة والله أعلم < < النحل : ( 126 ) وإن عاقبتم فعاقبوا . . . . . > > < > ( النحل 126 ) < > فيه أربع مسائل : الأولى أطبق جمهور أهل التفسير أن هذه الآية مدنية نزلت في شأن التمثيل بحمزة في يوم أحد ووقع ذلك في صحيح البخاري وفي كتاب السير وذهب النحاس إلى أنها مكية والمعنى متصل بما قبلها من المكي اتصالا حسنا لأنها تتدرج الرتب من الذي يدعى ويوعظ إلى الذي يجادل إلى الذي يجازى على فعله ولكن ما روى الجمهور أثبت روى الدارقطني عن بن عباس قال : لما انصرف المشركون عن قتلى أحد انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى منظرا ساءه رأى حمزة قد شق بطنه واصطلم أنفه وجدعت أذناه فقال : ( لولا أن يحزن النساء أو تكون سنة بعدي لتركته حتى يبعثه الله من بطون السباع والطير لأمثلن مكانه بسبعين رجلا ( ثم دعا ببردة وغطي بها وجهه فخرجت رجلاه فغطى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه وجعل على رجليه من الإذخر ثم قدمه فكبر عليه عشرا ثم جعل يجاء بالرجل فيوضع وحمزة مكانه حتى صلى عليه سبعين صلاة وكان القتلى سبعين فلما دفنوا وفرغ منهم نزلت هذه الآية : أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة إلى قوله واصبر وما صبرك إلا بالله فصبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يمثل بأحد خرجه إسماعيل بن إسحاق من حديث أبي هريرة وحديث بن عباس أكمل وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت : إنما نزلت هذه الآية فيمن أصيب بظلامة ألا ينال من ظالمه إذا تمكن إلا مثل ظلامته لا يتعداه إلى غيره وحكاه الماوردي عن بن سيرين ومجاهد الثانية واختلف أهل العلم فيمن ظلمه رجل في أخذ مال ثم اؤتمن الظالم المظلوم على مال هل يجوز له خيانته في القدر الذي ظلمه فقالت فرقة : له ذلك منهم بن سيرين وإبراهيم النخعي وسفيان ومجاهد واحتجت بهذه الآية وعموم لفظها وقال مالك وفرقة معه : لا يجوز له ذلك واحتجوا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك ( رواه الدارقطني وقد تقدم هذا في البقرة مستوفى ووقع في مسند بن إسحاق أن هذا الحديث إنما ورد في رجل زنى بامرأة آخر ثم تمكن الآخر من زوجة الثاني بأن تركها عنده وسافر فاستشار ذلك الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمر فقال له : ( أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك ( وعلى هذا يتقوى قول مالك في أمر المال لأن الخيانة لاحقة في ذلك وهي رذيلة لا انفكاك عنها فينبغي أن يتجنبها لنفسه فإن تمكن من الانتصاف من مال لم يأتمنه عليه فيشبه أن ذلك جائز وكأن الله حكم له كما لو تمكن الأخذ بالحكم من الحاكم وقد قيل : إن هذه الآية منسوخة نسختها واصبر وما صبرك إلا بالله الثالثة في هذه الآية دليل على جواز التماثل في القصاص فمن قتل بحديدة قتل بها ومن قتل بحجر قتل به ولا يتعدى قدر الواجب وقد تقدم هذا المعنى في البقرة مستوفى والحمد لله الرابعة سمى الله تعالى الإذايات في هذه الآية عقوبة والعقوبة حقيقة إنما هي الثانية وإنما فعل ذلك ليستوي اللفظان وتتناسب دباجة القول وهذا بعكس قوله : ومكروا ومكر الله وقوله : الله يستهزىء بهم فإن الثاني هنا هو المجاز والأول هو الحقيقة قاله بن عطية < <
النحل : ( 127 ) واصبر وما صبرك . . . . . > > < > ( النحل 127 : 128 ) < > فيه مسألة واحدة قال بن زيد : هي منسوخة بالقتال وجمهور الناس على أنها محكمة أي اصبر بالعفو عن المعاقبة بمثل ما عاقبوا من المثلة ( ولاتحزن عليهم ) أي على قتلى أحد فإنهم صاروا إلى رحمة الله ( ولاتك في ضيق ) ضيق جمع ضيقة قال الشاعر : كشف الضيقة عنا وفسح وقراءة الجمهور بفتح الضاد وقرأ بن كثير بكسر الضاد ورويت عن نافع وهو غلط ممن رواه قال بعض اللغويين : الكسر والفتح في الضاد لغتان في المصدر قال الأخفش : الضيق والضيق مصدر ضاق يضيق والمعنى : لا يضيق صدرك من كفرهم وقال الفراء : الضيق ما ضاق عنه صدرك والضيق ما يكون في الذي يتسع ويضيق مثل الدار والثوب وقال بن السكيت : هما سواء يقال : في صدره ضيق وضيق القتبي : ضيق مخفف ضيق أي لا تكن في أمر ضيق فخفف مثل هين وهين وقال بن عرفة : يقال ضاق الرجل إذا بخل وأضاق إذا افتقر وقوله ( إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ) أي الفواحش والكبائر بالنصر والمعونة والفضل والبر والتأييد وتقدم معنى الإحسان وقيل لهرم بن حبان عند موته : أوصنا فقال : أوصيكم بآيات الله وآخر سورة النحل : ادع إلى سبيل ربك إلى آخرها تمت سورة النحل والحمد لله رب العالمين تفسير سورة الإسراء هذه السورة مكية إلا ثلاث آيات : قوله عز وجل وإن كادوا ليستفزونك نزلت حين جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد ثقيف وحين قالت اليهود : ليست هذه بأرض الأنبياء وقوله عز وجل : وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق وقوله تعالى إن ربك أحاط بالناس الآية وقال مقاتل : وقوله عز وجل إن الذين أوتوا العلم من قبله الإسراء الآية وقال بن مسعود رضي الله عنه في بني إسرائيل والكهف ومريم : إنهن من العتاق الأول وهن من تلادي يريد من قديم كسبه < > بسم الله الرحمن الرحيم < > < > تفسير سورة الإسراء < > < < الإسراء : ( 1 ) سبحان الذي أسرى . . . . . > > < > ( الاسراء 1 ) <
> فيه ثمان مسائل : الأولى قوله تعالى : ( سبحان ) سبحان اسم موضوع موضع المصدر وهو غير متمكن لأنه لا يجري بوجوه الإعراب ولا تدخل عليه الألف واللام ولم يجر منه فعل ولم ينصرف لأن في آخره زائدتين تقول : سبحت تسبيحا وسبحانا مثل كفرت اليمين تكفيرا وكفرانا ومعناه التنزيه والبراءة لله عز وجل من كل نقص فهو ذكر عظيم لله تعالى لا يصلح لغيره فأما قول الشاعر : أقول لما جاءني فخره سبحان من علقمة الفاخر فإنما ذكره على طريق النادر وقد روى طلحة بن عبيد الله الفياض أحد العشرة أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : ما معنى سبحان الله فقال : ( تنزيه الله من كل سوء ( والعامل فيه على مذهب سيبويه الفعل الذي من معناه لا من لفظه إذ لم يجر من لفظه فعل وذلك مثل قعد القرفصاء واشتمل الصماء فالتقدير عنده : انزه الله تنزيها فوقع سبحان الله مكان قولك تنزيها الثانية قوله تعالى : ( أسرى بعبده ) أسرى فيه لغتان : سرى وأسرى كسقى وأسقى كما تقدم قال : أسرت عليه من الجوزاء سارية تزجي الشمال عليه جامد البرد وقال آخر : حي النضيرة ربة الخدر أسرت إلي ولم تكن تسري فجمع بين اللغتين في البيتين والإسراء : سير الليل يقال : سريت مسرى وسرى وأسريت إسراء قال الشاعر : وليلة ذات ندى سريت ولم يلتني من سراها ليت وقيل : أسرى سار من أول الليل وسرى سار من آخره والأول أعرف الثالثة قوله تعالى : ( بعبده ) قال العلماء : لو كان للنبي صلى الله عليه وسلم اسم أشرف منه لسماه به في تلك الحالة العلية وفي معناه أنشدوا : يا قوم قلبي عند زهراء يعرفه السامع والرائي لا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أشرف أسمائي وقد تقدم قال القشيري : لما رفعه الله تعالى إلى حضرته السنية وأرقاه فوق الكواكب العلوية ألزمه اسم العبودية تواضعا للأمة الرابعة ثبت الإسراء في جميع مصنفات الحديث وروي عن الصحابة في كل أقطار الإسلام فهو من المتواتر بهذا الوجه وذكر النقاش : ممن رواه عشرين صحابيا روى الصحيح عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه قال فركبته حتى أتيت بيت المقدس قال فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء قال ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فجاءني جبريل عليه السلام بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال جبريل اخترت الفطرة قال ثم عرج بنا إلى السماء ( وذكر الحديث ومما ليس في الصحيحين ما خرجه الآجري والسمرقندي قال الآجري عن أبي سعيد الخدري في قوله تعالى سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله قال أبو سعيد : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة أسري به قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أتيت بدابة هي أشبه الدواب بالبغل له أذنان يضطربان وهو البراق الذي كانت الأنبياء تركبه قبل فركبته فانطلق تقع يداه عند منتهى بصره فسمعت نداء عن يميني يا محمد على رسلك حتى أسألك فمضيت ولم أعرج عليه ثم سمعت نداء عن يساري يا محمد على رسلك فمضيت ولم أعرج عليه ثم استقبلتني امرأة عليها من كل زينة الدنيا رافعة يديها تقول على رسلك حتى أسألك فمضيت ولم أعرج ثم أتيت بيت المقدس الأقصى فنزلت عن الدابة فأوثقته في الحلقة التي كانت الأنبياء توثق بها ثم دخلت المسجد وصليت فيه فقال لي جبريل عليه السلام ما سمعت يا محمد فقلت سمعت نداء عن يميني يا محمد على رسلك حتى أسألك فمضيت ولم أعرج فقال ذلك داعي اليهود ولو وقفت لتهودت أمتك قال ثم سمعت نداء عن يساري على رسلك حتى أسألك فمضيت ولم أعرج عليه فقال ذلك داعي النصارى أما إنك لو وقفت لتنصرت أمتك قال ثم استقبلتني امرأة عليها من كل زينة الدنيا رافعة يديها تقول على رسلك فمضيت ولم أعرج عليها فقال تلك الدنيا لو وقفت لاخترت الدنيا على الآخرة قال ثم أتيت بإناءين أحدهما فيه لبن والآخر فيه خمر فقيل لي خذ فاشرب أيهما شئت فأخذت اللبن فشربته فقال لي جبريل أصبت الفطرة ولو أنك أخذت الخمر غوت أمتك ثم جاء بالمعراج الذي تعرج فيه أرواح بني آدم فإذا هو أحسن ما رأيت أولم تروا إلى الميت كيف يحد بصره إليه فعرج بنا حتى اتينا باب السماء الدنيا فاستفتح جبريل فقيل من هذا قال جبريل قالوا ومن معك قال محمد قالوا وقد أرسل إليه قال نعم ففتحوا لي وسلموا علي وإذا ملك يحرس السماء يقال له إسماعيل معه سبعون ألف ملك مع كل ملك مائة ألف قال وما يعلم جنود ربك إلا هو ( وذكر الحديث إلى أن قال : ( ثم مضينا إلى السماء الخامسة وإذا أنا بهارون بن عمران المحب في قومه وحوله تبع كثير من أمته فوصفه النبي صلى الله عليه وسلم وقال طويل اللحية تكاد لحيته تضرب في سرته ثم مضينا إلى السماء السادسة فإذا أنا بموسى فسلم علي ورحب بي فوصفه النبي صلى الله عليه وسلم فقال رجل كثير الشعر ولو كان عليه قميصان خرج شعره منهما ( الحديث وروى البزار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بفرس فحمل عليه كل خطوة منه أقصى بصره وذكر الحديث وقد جاء في صفة البراق من حديث بن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بينا أنا نائم في الحجر إذ أتاني آت فحركني برجله فاتبعت الشخص فإذا هو جبريل عليه السلام قائم على باب المسجد معه دابة دون البغل وفوق الحمار وجهها وجه إنسان وخفها خف حافر وذنبها ذنب ثور وعرفها عرف الفرس فلما أدناها مني جبريل عليه السلام نفرت ونفشت عرفها فمسحها جبريل عليه السلام وقال يا برقة لا تنفري من محمد فوالله ما ركبك ملك مقرب ولا نبي مرسل أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم ولا أكرم على الله منه قالت قد علمت أنه كذلك وأنه صاحب الشفاعة وإني أحب أن أكون في شفاعته فقلت أنت في شفاعتي إن شاء الله تعالى ( الحديث وذكر أبو سعيد عبد الملك بن محمد النيسابوري عن أبي سعيد الخدري قال : لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بإدريس عليه السلام في السماء الرابعة قال : مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح الذي وعدنا أن نراه فلم نره إلا الليلة قال فإذا فيها مريم بنت عمران لها سبعون قصرا من لؤلؤ ولأم موسى بن عمران سبعون قصرا من مرجانة حمراء مكللة باللؤلؤ أبوابها وأسرتها من عرق واحد فلما عرج المعراج إلى السماء الخامسة وتسبيح أهلها سبحان من جمع بين الثلج والنار من قالها مرة واحدة كان له مثل ثوابهم استفتح الباب جبريل عليه السلام ففتح له فإذا هو بكهل لم ير قط كهل أجمل منه عظيم العينين تضرب لحيته قريبا من سرته قد كاد أن تكون شمطة وحوله قوم جلوس يقص عليهم فقلت يا جبريل من هذا قال هارون المحب في قومه ( وذكر الحديث فهذه نبذة مختصرة من أحاديث الإسراء خارجة عن الصحيحين ذكرها أبو الربيع سليمان بن سبع بكمالها في كتاب [ شفاء الصدور ] له ولا خلاف بين أهل العلم وجماعة أهل السير أن الصلاة إنما فرضت على النبي صلى الله عليه وسلم بمكة في حين الإسراء حين عرج به إلى السماء واختلفوا في تاريخ الإسراء وهيئة الصلاة وهل كان إسراء بروحه أو جسده فهذه ثلاث مسائل تتعلق بالآية وهي مما ينبغي الوقوف عليها والبحث عنها وهي أهم من سرد تلك الأحاديث وأنا أذكر ما وقفت عليه فيها من أقاويل العلماء واختلاف الفقهاء بعون الله تعالى فأما المسألة الأولى وهي هل كان إسراء بروحه أو جسده اختلف في ذلك السلف والخلف فذهبت طائفة إلى أنه إسراء بالروح ولم يفارق شخصه مضجعه وأنها كانت رؤيا رأى فيها الحقائق ورؤيا الأنبياء حق ذهب إلى هذا معاوية وعائشة وحكي عن الحسن وبن إسحاق وقالت طائفة : كان الإسراء بالجسد يقظة إلى بيت المقدس وإلى السماء بالروح واحتجوا بقوله تعالى : سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى فجعل المسجد الأقصى غاية الإسراء قالوا : ولو كان الإسراء بجسده إلى زائد على المسجد الأقصى لذكره فإنه كان يكون أبلغ في المدح وذهب معظم السلف والمسلمين إلى أنه كان إسراء بالجسد وفي اليقظة وأنه ركب البراق بمكة ووصل إلى بيت المقدس وصلى فيه ثم أسري بجسده وعلى هذا تدل الأخبار التي أشرنا إليها والآية وليس في الإسراء بجسده وحال يقظته استحالة ولا يعدل عن الظاهر والحقيقة إلى التأويل إلا عند الاستحالة ولو كان مناما لقال بروح عبده ولم يقل بعبده وقوله ما زاغ البصر وما طغى النجم يدل على ذلك ولو كان مناما لما كانت فيه آية ولا معجزة ولما قالت له أم هانئ : لا تحدث الناس فيكذبوك ولا فضل أبو بكر بالتصديق ولما أمكن قريشا التشنيع والتكذيب وقد كذبه قريش فيما أخبر به حتى ارتد أقوام كانوا آمنوا فلو كان بالرؤيا لم يستنكر وقد قال له المشركون : إن كنت صادقا فخبرنا عن عيرنا أين لقيتها قال : ( بمكان كذا وكذا مررت عليها ففزع فلان فقيل له : ما رأيت يا فلان قال : ما رأيت شيئا غير أن الإبل قد نفرت ( قالوا : فأخبرنا متى تأتنا العير قال : ( تأتيكم يوم كذا وكذا ( قالوا : أية ساعة قال : ( ما أدري طلوع الشمس من ها هنا أسرع أم طلوع العير من ها هنا ( فقال رجل : ذلك اليوم هذه الشمس قد طلعت وقال رجل : هذه عيركم قد طلعت واستخبروا النبي صلى الله عليه وسلم عن صفة بيت المقدس فوصفه لهم ولم يكن رآه قبل ذلك روى الصحيح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها فكربت كربا ما كربت مثله قط قال فرفعه الله لي أنظر إليه فما سألوني عن شيء إلا أنبأتهم به ( الحديث وقد اعترض قول عائشة ومعاوية : إنما أسري بنفس رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها كانت صغيرة لم تشاهد ولا حدثت عن النبي صلى الله عليه وسلم وأما معاوية فكان كافرا في ذلك الوقت غير مشاهد للحال ولم يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم ومن أراد الزيادة على ما ذكرنا فليقف على كتاب [ الشفاء ] للقاضي عياض يجد من ذلك الشفاء وقد احتج لعائشة بقوله تعالى : وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس فسماها رؤيا وهذا يرده قوله تعالى : سبحان الذي أسرى بعبده ليلا ولا يقال في النوم أسري وأيضا فقد يقال لرؤية العين : رؤيا على ما يأتي بيانه في هذه السورة وفي نصوص الأخبار الثابتة دلالة واضحة على أن الإسراء كان بالبدن وإذا ورد الخبر بشيء هو مجوز في العقل في قدرة الله تعالى فلا طريق إلى الإنكار لا سيما في زمن خرق العوائد وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم معارج فلا يبعد أن يكون البعض بالرؤيا وعليه يحمل قوله عليه السلام في الصحيح : ( بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان ( الحديث ويحتمل أن يرد من الإسراء إلى نوم والله أعلم المسألة الثانية في تاريخ الإسراء وقد اختلف العلماء في ذلك أيضا واختلف في ذلك علي بن شهاب فروى عنه موسى بن عقبة أنه أسري به إلى بيت المقدس قبل خروجه إلى المدينة بسنة وروي عنه يونس عن عروة عن عائشة قالت : توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة قال بن شهاب : وذلك بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بسبعة أعوام وروى عنه الوقاصي قال : أسري به بعد مبعثه بخمس سنين قال بن شهاب : وفرض الصيام بالمدينة قبل بدر وفرضت الزكاة والحج بالمدينة وحرمت الخمر بعد أحد وقال بن إسحاق : أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وهو بيت المقدس وقد فشا الإسلام بمكة في القبائل وروى عنه يونس بن بكير قال : صلت خديجة مع النبي صلى الله عليه وسلم وسيأتي قال أبو عمر : وهذا يدلك على أن الإسراء كان قبل الهجرة بأعوام لأن خديجة قد توفيت قبل الهجرة بخمس سنين وقيل بثلاث وقيل بأربع وقول بن إسحاق مخالف لقول بن شهاب على أن بن شهاب قد اختلف عنه كما تقدم وقال الحربي : أسري به ليلة سبع وعشرين من شهر ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة وقال أبو بكر محمد بن علي بن القاسم الذهبي في تاريخه : أسري به من مكة إلى بيت المقدس وعرج به إلى السماء بعد مبعثه بثمانية عشر شهرا قال أبو عمر : لا أعلم أحدا من أهل السير قال ما حكاه الذهبي ولم يسند قوله إلى أحد ممن يضاف إليه هذا العلم منهم ولا رفعه إلى من يحتج به عليهم المسألة الثالثة وأما فرض الصلاة وهيئتها حين فرضت فلا خلاف بين أهل العلم وجماعة أهل السير أن الصلاة إنما فرضت بمكة ليلة الإسراء حين عرج به إلى السماء وذلك منصوص في الصحيح وغيره وإنما اختلفوا في هيئتها حين فرضت فروي عن عائشة رضي الله عنها أنها فرضت ركعتين ركعتين ثم زيد في صلاة الحضر فأكملت أربعا وأقرت صلاة السفر على ركعتين وبذلك قال الشعبي وميمون بن مهران ومحمد بن إسحاق قال الشعبي : إلا المغرب قال يونس بن بكير : وقال بن إسحاق ثم إن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم حين فرضت عليه الصلاة يعني في الإسراء فهمز له بعقبه في ناحية الوادي فانفجرت عين ماء فتوضأ جبريل ومحمد ينظر عليهما السلام فوضأ وجهه واستنشق وتمضمض ومسح برأسه وأذنيه ورجليه إلى الكعبين ونضح فرجه ثم قام يصلي ركعتين بأربع سجدات فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أقر الله عينه وطابت نفسه وجاءه ما يحب من أمر الله تعالى فأخذ بيد خديجة ثم أتى بها العين فتوضأ كما توضأ جبريل ثم ركع ركعتين وأربع سجدات هو وخديجة ثم كان هو وخديجة يصليان سواء وروي عن بن عباس أنها فرضت في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وكذلك قال نافع بن جبير والحسن بن أبي الحسن البصري وهو قول بن جريج وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يوافق ذلك ولم يختلفوا في أن جبريل عليه السلام هبط صبيحة ليلة الإسراء عند الزوال فعلم النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة ومواقيتها وروى يونس بن بكير عن سالم مولى أبي المهاجر قال سمعت ميمون بن مهران يقول : كان أول الصلاة مثنى ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعا فصارت سنة وأقرت الصلاة للمسافر وهي تمام قال أبو عمر : وهذا إسناد لا يحتج بمثله وقوله فصارت سنة قول منكر وكذلك استثناء الشعبي المغرب وحدها ولم يذكر الصبح قول لا معنى له وقد أجمع المسلمون أن فرض الصلاة في الحضر أربع إلا المغرب والصبح ولا يعرفون غير ذلك عملا ونقلا مستفيضا ولا يضرهم الاختلاف فيما كان أصل فرضها الخامسة قد مضى الكلام في الأذان في المائدة والحمد لله ومضى في آل عمران أن أول مسجد وضع في الأرض المسجد الحرام ثم المسجد الأقصى وأن بينهما أربعين عاما من حديث أبي ذر وبناء سليمان عليه السلام المسجد الأقصى ودعاؤه له من حديث عبد الله بن عمرو ووجه الجمع في ذلك فتأمله هناك فلا معنى للإعادة ونذكر هنا قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد إلى المسجد الحرام وإلى مسجدي هذا وإلى مسجد إيلياء أو بيت المقدس ( خرجه مالك من حديث أبي هريرة وفيه ما يدل على فضل هذه المساجد الثلاثة على سائر المساجد لهذا قال العلماء : من نذر صلاة في مسجد لا يصل إليه إلا برحلة وراحلة فلا يفعل ويصلي في مسجده إلا في الثلاثة المساجد المذكورة فإنه من نذر صلاة فيها خرج إليها وقد قال مالك وجماعة من أهل العلم فيمن نذر رباطا في ثغر يسده : فإنه يلزمه الوفاء حيث كان الرباط لأنه طاعة لله عز وجل وقد زاد أبو البختري في هذا الحديث مسجد الجند ولا يصح وهو موضوع وقد تقدم في مقدمة الكتاب السادسة قوله تعالى : ( إلى المسجد الأقصى ) سمي القصى لبعد ما بينه وبين المسجد الحرام وكان أبعد مسجد عن أهل مكة في الأرض يعظم بالزيارة ثم قال : ( الذي باركنا حوله ) قيل : بالثمار وبمجاري الأنهار وقيل : بمن دفن حوله من الأنبياء والصالحين وبهذا جعله مقدسا وروي معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( يقول الله تعالى يا شام أنت صفوتي من بلادي وأنا سائق إليك صفوتي من عبادي ( لنريه من آياتنا ) هذا من باب تلوين الخطاب والآيات التي أراه الله من العجائب التي أخبر بها الناس وإسراؤه من مكة إلى المسجد الأقصى في ليلة وهو مسيرة شهر وعروجه إلى السماء ووصفه الأنبياء واحدا واحدا حسبما ثبت في صحيح مسلم وغيره ( إنه هو السميع البصير ) تقدم < <
الإسراء : ( 2 ) وآتينا موسى الكتاب . . . . . > > < > ( الاسراء 2 ) < > أي كرمنا محمدا صلى الله عليه وسلم بالمعراج وأكرمنا موسى بالكتاب وهو التوراة ( وجعلناه ) أي ذلك الكتاب وقيل موسى وقيل معنى الكلام : سبحان الذي أسرى بعبده ليلا وآتى موسى الكتاب فخرج من الغيبة إلى الإخبار عن نفسه جل وعز وقيل : إن معنى سبحان الذي أسرى بعبده ليلا معناه أسرينا يدل عليه ما بعده من قوله : لنريه من آياتنا فحمل وآتينا موسى الكتاب على المعنى ( ألا تتخذوا ) قرأ أبو عمرو يتخذوا بالياء الباقون بالتاء فيكون من باب تلوين الخطاب ( وكيلا ) أي شريكا عن مجاهد وقيل : كفيلا بأمورهم حكاه الفراء وقيل : ربا يتوكلون عليه في أمورهم قاله الكلبي وقال الفراء : كافيا والتقدير : عهدنا إليه في الكتاب ألا تتخذوا من دوني وكيلا وقيل : التقدير لئلا تتخذوا والوكيل : من يوكل إليه الأمر < < الإسراء : ( 3 ) ذرية من حملنا . . . . . > > < > ( الاسراء 3 ) < > أي يا ذرية من حملنا على النداء قاله مجاهد ورواه عنه بن أبي نجيح والمراد بالذرية كل من احتج عليه بالقرآن وهم جميع من على الأرض ذكره المهدوي وقال الماوردي : يعني موسى وقومه من بني إسرائيل والمعنى يا ذرية من حملنا مع نوح لا تشركوا وذكر نوحا ليذكرهم نعمة الإنجاء من الغرق على آبائهم وروى سفيان عن حميد عن مجاهد أنه قرأ ذرية بفتح الذال وتشديد الراء والياء وروى هذه القراءة عامر بن الواجد عن زيد بن ثابت وروي عن زيد بن ثابت أيضا ذرية بكسر الذال وشد الراء ثم بين أن نوحا كان عبدا شكورا يشكر الله على نعمه ولا يرى الخير إلا من عنده قال قتادة : كان إذا لبس ثوبا قال : بسم الله فإذا نزعه قال : الحمد لله كذا روى عنه معمر وروى معمر عن منصور عن إبراهيم قال : شكره إذا أكل قال : بسم الله فإذا فرغ من الأكل قال : الحمد لله قال سلمان الفارسي : لأنه كان يحمد الله على طعامه وقال عمران بن سليم : إنما سمى نوحا عبدا شكورا لأنه كان إذا أكل قال : الحمد لله الذي أطعمني ولو شاء لأجاعني وإذا شرب قال : الحمد لله الذي سقاني ولو شاء لأظمأني وإذا اكتسى قال : الحمد لله الذي كساني ولو شاء لأعراني وإذا احتذى قال : الحمد لله الذي حذاني ولو شاء لأحفاني وإذا قضى حاجته قال : الحمد لله الذي أخرج عني الأذى ولو شاء لحبسه في ومقصود الآية : إنكم من ذرية نوح وقد كان عبدا شكورا فأنتم أحق بالاقتداء به دون آبائكم الجهال وقيل : المعنى أن موسى كان عبدا شكورا إذ جعله الله من ذرية نوح وقيل : يجوز أن يكون ذرية مفعولا ثانيا ل تتخذوا ويكون قوله : وكيلا يراد به الجمع فيسوغ ذلك في القراءتين جميعا أعني الياء والتاء في تتخذوا ويجوز أيضا في القراءتين جميعا أن يكون ذرية بدلا من قوله وكيلا لأنه بمعنى الجمع فكأنه قال لا تتخذوا ذرية من حملنا مع نوح ويجوز نصبها بإضمار أعني وأمدح والعرب تنصب على المدح والذم ويجوز رفعها على البدل من المضمر في تتخذوا في قراءة من قرأ بالياء ولا يحسن ذلك لمن قرأ بالتاء لأن المخاطب لا يبدل منه الغائب ويجوز جرها على البدل من بني إسرائيل في الوجهين فأما أن من قوله ألا تتخذوا فهي على قراءة من قرأ بالياء في موضع نصب بحذف الجار التقدير : هديناهم لئلا يتخذوا ويصلح على قراءة التاء أن تكون زائدة والقول مضمر كما تقدم ويصلح أن تكون مفسرة بمعنى أي لا موضع لها من الإعراب وتكون لا للنهي فيكون خروجا من الخبر إلى النهي < <
الإسراء : ( 4 ) وقضينا إلى بني . . . . . > > < > ( الاسراء 4 ) < > قوله تعالى : ( وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب ) وقرأ سعيد بن جبير وأبو العالية في الكتب على لفظ الجمع وقد يرد لفظ الواحد ويكون معناه الجمع فتكون القراءتان بمعنى واحد ومعنى قضينا أعلمنا وأخبرنا قاله بن عباس : وقال قتادة : حكمنا وأصل القضاء الإحكام للشيء والفراغ منه وقيل : قضينا أوحينا ولذلك قال : إلى بني إسرائيل وعلى قول قتادة يكون إلى بمعنى على أي قضينا عليهم وحكمنا وقاله بن عباس أيضا والمعنى بالكتاب اللوح المحفوظ ( لتفسدن ) وقرأ بن عباس لتفسدن عيسى الثقفي لتفسدن والمعنى في القراءتين قريب لأنهم إذا أفسدوا فسدوا والمراد بالفساد مخالفة أحكام التوراة ( في الأرض ) يريد أرض الشام وبيت المقدس وما والاها ( مرتين ولتعلن ) اللام في لتفسدن ولتعلن لام قسم مضمر كما تقدم ( علوا كبيرا ) أراد التكبر والبغي والطغيان والاستطالة والغلبة والعدوان < < الإسراء : ( 5 ) فإذا جاء وعد . . . . . > > < > ( الاسراء 5 ) < > قوله تعالى : ( فإذا جاء وعد أولاهما ) أي أولى المرتين من فسادهم ( بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد ) هم أهل بابل وكان عليهم بختنصر في المرة الأولى حين كذبوا إرمياء وجرحوه وحبسوه قاله بن عباس وغيره وقال قتادة : أرسل عليهم جالوت فقتلهم فهو وقومه أولوا بأس شديد وقال مجاهد : جاءهم جند من فارس يتجسسون أخبارهم ومعهم بختنصر فوعى حديثهم من بين أصحابه ثم رجعوا إلى فارس ولم يكن قتال وهذا في المرة الأولى فكان منهم جوس خلال الديار لا قتل ذكره القشيري أبو نصر وذكر المهدوي عن مجاهد أنه جاءهم بختنصر فهزمه بنو إسرائيل ثم جاءهم ثانية فقتلهم ودمرهم تدميرا ورواه بن أبي نجيح عن مجاهد ذكره النحاس وقال محمد بن إسحاق في خبر فيه طول : إن المهزوم سنحاريب ملك بابل جاء ومعه ستمائة ألف راية تحت كل راية مائة ألف فارس فنزل حول بيت المقدس فهزمه الله تعالى وأمات جميعهم إلا سنحاريب وخمسة نفر من كتابه وبعث ملك بني إسرائيل واسمه صديقة في طلب سنحاريب فأخذ مع الخمسة احدهم بختنصر فطرح في رقابهم الجوامع وطاف بهم سبعين يوما حول بيت المقدس وإيلياء ويرزقهم كل يوم خبزتين من شعير لكل رجل منهم ثم أطلقهم فرجعوا إلى بابل ثم مات سنحاريب بعد سبع سنين واستخلف بختنصر وعظمت الأحداث في بني إسرائيل واستحلوا المحارم وقتلوا نبيهم شعيا فجاءهم بختنصر ودخل هو وجنوده بيت المقدس وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم وقال بن عباس وبن مسعود : أول الفساد قتل زكريا وقال بن إسحاق : فسادهم في المرة الأولى قتل شعيا نبي الله في الشجرة وذلك أنه لما مات صديقة ملكهم مرج أمرهم وتنافسوا على الملك وقتل بعضهم بعضا وهم لا يسمعون من نبيهم فقال الله تعالى له قم في قومك أوح على لسانك فلما فرغ مما أوحي الله إليه عدوا عليه ليقتلوه فهرب فانفلقت له شجرة فدخل فيها وأدركه الشيطان فأخذ هدبة من ثوبه فأراهم إياها فوضعوا المنشار في وسطها فنشروها حتى قطعوها وقطعوه في وسطها وذكر بن إسحاق أن بعض العلماء أخبره أن زكريا مات موتا ولم يقتل وإنما المقتول شعيا وقال سعيد بن جبير في قوله تعالى : ثم بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار هو سنحاريب من أهل نينوى بالموصل ملك بابل وهذا خلاف ما قال بن إسحاق فالله أعلم وقيل : إنهم العمالقة وكانوا كفارا قاله الحسن ومعنى جاسوا : عاثوا وقتلوا وكذلك جاسوا وهاسوا وداسوا قاله بن عزيز وهو قول القتبي وقرأ بن عباس : حاسوا بالحاء المهملة قال أبو زيد : الحوس والجوس والعوس والهوس : الطواف بالليل وقال الجوهري : الجوس مصدر قولك جاسوا خلال الديار أي تخللوها فطلبوا ما فيها كما يجوس الرجل الأخبار أي يطلبها وكذلك الاجتياس والجوسان [ بالتحريك ] الطوفان بالليل وهو قول أبي عبيدة وقال الطبري : طافوا بين الديار يطلبونهم ويقتلونهم ذاهبين وجائين فجمع بين قول أهل اللغة قال بن عباس : مشوا وترددوا بين الدور والمساكن وقال الفراء : قتلوكم بين بيوتكم وأنشد لحسان : ومنا الذي لاقى بسيف محمد فجاس به الأعداء عرض العساكر وقال قطرب : نزلوا قال : فجسنا ديارهم عنوة وأبنا بسادتهم موثقينا ( وكان وعدا مفعولا ) أي قضاء كائنا لا خلف فيه < <
الإسراء : ( 6 ) ثم رددنا لكم . . . . . > > < > ( الاسراء 6 ) < > قوله تعالى : ( ثم رددنا لكم الكرة عليهم ) أي الدولة والرجعة وذلك لما تبتم وأطعتم ثم قيل : ذلك بقتل داود جالوت أو بقتل غيره على الخلاف في من قتلهم ( وأمددناكم بأموال وبنين ) حتى عاد أمركم كما كان ( وجعلناكم أكثر نفيرا ) أي أكثر عددا ورجالا من عدوكم والنفير من نفر مع الرجل من عشيرته يقال : نفير ونافر مثل قدير وقادر ويجوز أن يكون النفير جمع نفر كالكليب والمعيز والعبيد قال الشاعر : فأكرم بقحطان من والد وحمير أكرم بقوم نفيرا والمعنى : أنهم صاروا بعد هذه الوقعة الأولى أكثر انضماما وأصلح أحوالا جزاء من الله تعالى لهم على عودهم إلى الطاعة < < الإسراء : ( 7 ) إن أحسنتم أحسنتم . . . . . > > < > ( الاسراء 7 ) <
> قوله تعالى : ( إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم ) أينفع إحسانكم عائد عليكم ( وإن أسأتم فلها ) أي فعليها نحو سلام لك أي سلام عليك قال : فخر صريعا لليدين وللفم أي على اليدين وعلى الفم وقال الطبري : اللام بمعنى إلى يعني وإن أسأتم فإليها أي فإليها ترجع الإساءة لقوله تعالى : بأن ربك أوحى لها الزلزلة أي إليها وقيل : فلها الجزاء والعقاب وقال الحسين بن الفضل : فلها رب يغفر الإساءة ثم يحتمل أن يكون هذا خطابا لبني إسرائيل في أول الأمر أي أسأتم فحل بكم القتل والسبي والتخريب ثم أحسنتم فعاد إليكم الملك والعلو وانتظام الحال ويحتمل أنه خوطب بهذا بنو إسرائيل في زمن محمد صلى الله عليه وسلم أي عرفتم استحقاق أسلافكم للعقوبة على العصيان فارتقبوا مثله أو يكون خطابا لمشركي قريش على هذا الوجه ( فإذا جاء وعد الآخرة ) من إفسادكم وذلك أنهم قتلوا في المرة الثانية يحيى بن زكريا عليهما السلام قتله ملك من بني إسرائيل يقال له لاخت قاله القتبي وقال الطبري : اسمه هردوس ذكره في التاريخ حمله على قتله امرأة اسمها أزبيل وقال السدي : كان ملك بني إسرائيل يكرم يحيى بن زكريا ويستشيره في الأمر فاستشاره الملك أن يتزوج بنت امرأة له فنهاه عنها وقال : إنها لا تحل لك فحقدت أمها على يحيى عليه السلام ثم ألبست ابنتها ثيابا حمرا رقاقا وطيبتها وأرسلتها إلى الملك وهو على شرابه وأمرتها أن تتعرض له وإن أرادها أبت حتى يعطيها ما تسأله فإذا أجاب سألت أن يؤتى برأس يحيى بن زكريا في طست من ذهب ففعلت ذلك حتى أتي براس يحيى بن زكريا والرأس تتكلم حتى وضع بين يديه وهو يقول : لا تحل لك لا تحل لك فلما أصبح إذا دمه يغلي فألقى عليه التراب فغلى فوقه فلم يزل يلقى عليه التراب حتى بلغ سور المدينة وهو في ذلك يغلي ذكره الثعلبي وغيره وذكر بن عساكر الحافظ في تاريخه عن الحسين بن علي قال : كان ملك من هذه الملوك مات وترك امرأته وابنته فورث ملكه أخوه فأراد أن يتزوج امرأة أخيه فاستشار يحيى بن زكريا في ذلك وكانت الملوك في ذلك الزمان يعملون بأمر الأنبياء فقال له : لا تتزوجها فإنها بغي فعرفت ذلك المرأة أنه قد ذكرها وصرفه عنها فقالت : من أين هذا حتى بلغها أنه من قبل يحيى فقالت : ليقتلن يحيى أو ليخرجن من ملكه فعمدت إلى ابنتها وصنعتها ثم قالت : اذهبي إلى عمك عند الملأ فإنه إذا رآك سيدعوك ويجلسك في حجره ويقول سليني ما شئت فإنك لن تسأليني شيئا إلا أعطيتك فإذا قال لك ذلك فقولي : لا أسأل إلا رأس يحيى قال : وكانت الملوك إذا تكلم أحدهم بشيء على رؤوس الملأ ثم لم يمض له نزع من ملكه ففعلت ذلك قال : فجعل يأتيه الموت من قتله يحيى وجعل يأتيه الموت من خروجه من ملكه فاختار ملكه فقتله قال : فساخت بأمها الأرض قال بن جدعان : فحدثت بهذا الحديث بن المسيب فقال أفما أخبرك كيف كان قتل زكريا قلت لا قال : إن زكريا حيث قتل ابنه انطلق هاربا منهم واتبعوه حتى أتى على شجرة ذات ساق فدعته إليها فانطوت عليه وبقيت من ثوبه هدبة تكفتها الرياح فانطلقوا إلى الشجرة فلم يجدوا أثره بعدها ونظروا بتلك الهدبة فدعوا بالمنشار فقطعوا الشجرة فقطعوه معها قلت : وقع في التاريخ الكبير للطبري فحدثني أبو السائب قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال : بعث عيسى بن مريم يحيى بن زكريا في اثني عشر من الحواريين يعلمون الناس قال : كان فيما نهوهم عنه نكاح ابنة الأخ قال : وكان لملكهم ابنة أخ تعجبه وذكر الخبر بمعناه وعن بن عباس قال : بعث يحيى بن زكريا في اثني عشر من الحواريين يعلمون الناس وكان فيما يعلمونهم ينهونهم عن نكاح بنت الأخت وكان لملكهم بنت أخت تعجبه وكان يريد أن يتزوجها وكان لها كل يوم حاجة يقضيها فلما بلغ ذلك أمها أنهم نهوا عن نكاح بنت الأخت قالت لها : إذا دخلت على الملك فقال ألك حاجة فقولي : حاجتي أن تذبح يحيى بن زكريا فقال : سليني سوى هذا قالت : ما أسألك إلا هذا فلما أبت عليه دعا بطست ودعا به فذبحه فندرت قطرة من دمه على وجه الأرض فلم تزل تغلي حتى بعث الله عليهم بختنصر فألقى في نفسه أن يقتل على ذلك الدم منهم حتى يسكن ذلك الدم فقتل عليه منهم سبعين ألفا في رواية خمسة وسبعين ألفا قال سعيد بن المسيب : هي دية كل نبي وعن بن عباس قال : أوحى الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم إني قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفا وإني قاتل بابن ابنتك سبعين ألفا وسبعين ألفا وعن سمير بن عطية قال : قتل على الصخرة التي في بيت المقدس سبعون نبيا منهم يحيى بن زكريا وعن زيد بن واقد قال : رأيت رأس يحيى عليه السلام حيث أرادوا بناء مسجد دمشق أخرج من تحت ركن من أركان القبة التي تلي المحراب مما يلي الشرق فكانت البشرة والشعر على حاله لم يتغير وعن قرة بن خالد قال : ما بكت السماء على أحد إلا على يحيى بن زكريا والحسين بن علي وحمرتها بكاؤها وعن سفيان بن عيينة قال : أوحش ما يكون بن آدم في ثلاثة مواطن : يوم ولد فيخرج إلى دارهم وليلة يبيت مع الموتى فيجاور جيرانا لم ير مثلهم ويوم يبعث فيشهد مشهدا لم ير مثله قال الله تعالى ليحيى في هذه الثلاثة مواطن : وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا كله من التاريخ المذكور واختلف فيمن كان المبعوث عليهم في المرة الآخرة فقيل : بختنصر وقاله القشيري أبو نصر لم يذكر غيره قال السهيلي : وهذا لا يصح لأن قتل يحيى كان بعد رفع عيسى وبختنصر كان قبل عيسى بن مريم عليهما السلام بزمان طويل وقبل الإسكندر وبين الإسكندر وعيسى نحو من ثلاثمائة سنة ولكنه أريد بالمرة الأخرى حين قتلوا شعيا فقد كان بختنصر إذ ذاك حيا فهو الذي قتلهم وخرب بيت المقدس وأتبعهم إلى مصر وأخرجهم منها وقال الثعلبي : ومن روى أن بختنصر هو الذي غزا بني إسرائيل عند قتلهم يحيى بن زكريا فغلط عند أهل السير والأخبار لأنهم مجمعون على أن بختنصر إنما غزا بني إسرائيل عند قتلهم شعيا وفي عهد إرمياء قالوا : ومن عهد إرمياء وتخريب بختنصر بيت المقدس إلى مولد يحيى بن زكريا عليهما السلام أربعمائة سنة وإحدى وستون سنة وذلك أنهم يعدون من عهد تخريب بيت المقدس إلى عمارته في عهد كوسك سبعين سنة ثم من بعد عمارته إلى ظهور الإسكندر على بيت المقدس ثمانية وثمانين سنة ثم من بعد مملكة الإسكندر إلى مولد يحيى ثلاثمائة وثلاثا وستين سنة قلت : ذكر جميعه الطبري في التاريخ رحمه الله قال الثعلبي : والصحيح من ذلك ما ذكره محمد بن إسحاق قال : لما رفع الله عيسى من بين أظهرهم وقتلوا يحيى وبعض الناس يقول : لما قتلوا زكريا بعث الله إليهم ملكا من ملوك بابل يقال له خردوس فسار إليهم بأهل بابل وظهر عليهم بالشام ثم قال لرئيس جنوده : كنت حلفت بإلهي لئن أظهرني الله على بيت المقدس لأقتلنهم حتى تسيل دماؤهم في وسط عسكري وأمر أن يقتلهم حتى يبلغ ذلك منهم فدخل الرئيس بيت المقدس فوجد فيها دماء تغلي فسألهم فقالوا : دم قربان قربناه فلم يتقبل منا منذ ثمانين سنة قال ما صدقتموني فذبح على ذلك الدم سبعمائة وسبعين رجلا من رؤسائهم فلم يهدأ فأتي بسبعمائة غلام من غلمانهم فذبحوا على الدم فلم يهدأ فأمر بسبعة آلاف من سبيهم وأزواجهم فذبحهم على الدم فلم يبرد فقال : يا بني إسرائيل أصدقوني قبل ألا أترك منكم نافخ نار من أنثى ولا من ذكر إلا قتلته فلما رأوا الجهد قالوا : أن هذا دم نبي منا كان ينهانا عن أمور كثيرة من سخط الله فقتلناه فهذا دمه كان اسمه يحيى بن زكريا ما عصى الله قط طرفة عين ولا هم بمعصية فقال : الآن صدقتموني وخر ساجدا ثم قال : لمثل هذا ينتقم منكم وأمر بغلق الأبواب وقال : أخرجوا من كان ها هنا من جيش خردوس وخلا في بني إسرائيل وقال : يا نبي الله يا يحيى بن زكريا قد علم ربي وربك ما قد أصاب قومك من أجلك فاهدأ بإذن الله قبل ألا أبقي منهم أحدا فهدأ دم يحيى بن زكريا بإذن الله عز وجل ورفع عنهم القتل وقال : رب إني آمنت بما آمن به بنو إسرائيل وصدقت به فأوحى الله تعالى إلى رأس من رؤوس الأنبياء : إن هذا الرئيس مؤمن صدوق ثم قال : إن عدو الله خردوس أمرني أن أقتل منكم حتى تسيل دماؤكم وسط عسكره وإني لا أعصيه فأمرهم فحفروا خندقا وأمر بأموالهم من الإبل والخيل والبغال والحمير والبقر والغنم فذبحوها حتى سال الدم إلى العسكر وأمر بالقتلى الذين كانوا قتلوا قبل ذلك فطرحوا على ما قتل من مواشيهم ثم انصرف عنهم إلى بابل وقد كاد أن يفني بني إسرائيل قلت : قد ورد في هذا الباب حديث مرفوع فيه طول من حديث حذيفة وقد كتبناه في [ كتاب التذكرة ] مقطعا في أبواب في أخبار المهدي نذكر منها هنا ما يبين معنى الآية ويفسرها حتى لا يحتاج معه إلى بيان قال حذيفة : قلت يا رسول الله لقد كان بيت المقدس عند الله عظيما جسيم الخطر عظيم القدر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هو من أجل البيوت ابتناه الله لسليمان بن داود عليهما السلام من ذهب وفضة ودر وياقوت وزمرد ( : وذلك أن سليمان بن داود لما بناه سخر الله له الجن فأتوه بالذهب والفضة من المعادن وأتوه بالجواهر والياقوت والزمرد وسخر الله تعالى له الجن حتى بنوه من هذه الأصناف قال حذيفة : فقلت يا رسول الله وكيف أخذت هذه الأشياء من بيت المقدس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن بني إسرائيل لما عصوا الله وقتلوا الأنبياء سلط الله عليهم بختنصر وهو من المجوس وكان ملكه سبعمائة سنة وهو قوله : فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا فدخلوا بيت المقدس وقتلوا الرجال وسبوا النساء والأطفال وأخذوا الأموال وجميع ما كان في بيت المقدس من هذه الأصناف فاحتملوها على سبعين ألفا ومائة ألف عجلة حتى أودعوها أرض بابل فأقاموا يستخدمون بني إسرائيل ويستملكونهم بالخزي والعقاب والنكال مائة عام ثم إن الله عز وجل رحمهم فأوحى إلى ملك من ملوك فارس أن يسير إلى المجوس في أرض بابل وأن يستنقذ من في أيديهم من بني إسرائيل فسار إليهم ذلك الملك حتى دخل أرض بابل فاستنقذ من بقي من بني إسرائيل من أيدي المجوس واستنقذ ذلك الحلي الذي كان من بيت المقدس ورده الله إليه كما كان أول مرة وقال لهم : يا بني إسرائيل إن عدتم إلى المعاصي عدنا عليكم بالسبي والقتل وهو قوله : عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا فلما رجعت بنو إسرائيل إلى بيت المقدس عادوا إلى المعاصي فسلط الله عليهم ملك الروم قيصر وهو قوله : فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا فغزاهم في البر والبحر فسباهم وقتلهم وأخذ أموالهم ونساءهم وأخذ حلي جميع بيت المقدس واحتمله على سبعين ألفا ومائة ألف عجلة حتى أودعه في كنيسة الذهب فهو فيها الآن حتى يأخذه المهدي فيرده إلى بيت المقدس وهو ألف سفينة وسبعمائة سفينة يرسى بها على يافا حتى تنقل إلى بيت المقدس وبها يجمع الله الأولين والآخرين وذكر الحديث قوله تعالى : ( فإذا جاء وعد الآخرة ) أي من المرتين وجواب إذا محذوف تقديره بعثناهم دل عليه بعثنا الأول ( ليسوءوا وجوهكم ) أي بالسبي والقتل فيظهر أثر الحزن في وجوهكم فليسوءوا متعلق بمحذوف أي بعثنا عبادا ليفعلوا بكم ما يسوء وجوهكم قيل المراد بالوجوه السادة أي ليذلوهم وقرأ الكسائي لنسوء بنون وفتح الهمزة فعل مخبر عن نفسه معظم اعتبارا بقوله وقضينا وبعثنا ورددنا ونحوه عن علي وتصديقها قراءة أبي لنسوءن بالنون وحرف التوكيد وقرأ أبو بكر والأعمش وبن وثاب وحمزة وبن عامر ليسوء بالياء على التوحيد وفتح الهمزة ولها وجهان : أحدهما ليسوء الله وجوهكم والثاني ليسوء الوعد وجوهكم وقرأ الباقون ليسوءوا بالياء وضم الهمزة على الجمع أي ليسوء العباد الذين هم أولوا بأس شديد وجوهكم ( وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ) أي ليدمروا ويهلكوا وقال قطرب : يهدموا قال الشاعر : فما الناس إلا عاملان فعامل يتبر ما يبني وآخر رافع ( ما علوا ) أي غلبوا عليه من بلادكم ( تتبيرا ) < <
الإسراء : ( 8 ) عسى ربكم أن . . . . . > > < > ( الاسراء 8 ) < > قوله تعالى : ( عسى ربكم أن يرحمكم ) وهذا مما أخبروا به في كتابهم وعسى وعد من الله أن يكشف عنهم وعسى من الله واجبة ( أن يرحمكم ) بعد انتقامه منكم وكذلك كان فكثر عددهم وجعل منهم الملوك ( وإن عدتم عدنا ) قال قتادة فعادوا فبعث الله عليهم محمدا صلى الله عليه وسلم فهم يعطون الجزية بالصغار وروي عن بن عباس وهذا خلاف ما تقدم في الحديث وغيره وقال القشيري : وقد حل العقاب ببني إسرائيل مرتين على أيدي الكفار ومرة على أيدي المسلمين وهذا حين عادوا فعاد الله عليهم وعلى هذا يصح قول قتادة ( وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا ) أي محبسا وسجنا من الحصر وهو الحبس قال الجوهري : يقال حصره يحصره حصرا ضيق عليه وأحاط به والحصير : الضيق البخيل والحصير : البارية والحصير : الجنب قال الأصمعي : هو ما بين العرق الذي يظهر في جنب البعير والفرس معترضا فما فوقه إلى منقطع الجنب والحصير : الملك لأنه محجوب قال لبيد : وقماقم غلب الرقاب كأنهم جن لدى باب الحصير قيام ويروى : ومقامة غلب الرقاب على أن يكون غلب بدلا من مقامة كأنه قال : ورب غلب الرقاب وروي عن أبي عبيدة : لدى طرف الحصير قيام أي عند طرف البساط للنعمان بن المنذر والحصير : المحبس قال الله تعالى : وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا قال القشيري : ويقال للذي يفترش حصير لحصر بعضه على بعض بالنسج وقال الحسن : أي فراشا ومهادا ذهب إلى الحصير الذي يفرش لأن العرب تسمي البساط الصغير حصيرا قال الثعلبي : وهو وجه حسن < < الإسراء : ( 9 ) إن هذا القرآن . . . . . > > < > ( الاسراء 9 : 10 ) < > قوله تعالى : ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ) لما ذكر المعراج ذكر ما قضى إلى بني إسرائيل وكان ذلك دلالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ثم بين أن الكتاب الذي أنزله الله عليه سبب اهتداء ومعنى ( للتي هي أقوم ) أي الطريقة التي هي أسد وأعدل وأصوب فالتي نعت لموصوف محذوف أي الطريقة إلى نص أقوم وقال الزجاج : للحال التي هي أقوم الحالات وهي توحيد الله والإيمان برسله وقاله الكلبي والفراء وقوله تعالى : ( ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات ) تقدم ( أن لهم ) أي بأن لهم ( أجرا كبيرا ) أي الجنة ( وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة ) أي ويبشرهم بأن لأعدائهم العقاب والقرآن معظمه وعد ووعيد وقرأ حمزة والكسائي ويبشر مخففا بفتح الياء وضم الشين وقد ذكر < < الإسراء : ( 11 ) ويدع الإنسان بالشر . . . . . > > < > ( الاسراء 11 ) <
> قوله تعالى : ( ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير ) قال بن عباس وغيره : هو دعاء الرجل على نفسه وولده عند الضجر بما لا يحب أن يستجاب له : اللهم أهلكه ونحوه ( دعاءه بالخير ) أي كدعائه ربه أن يهب له العافية فلو استجاب الله دعاءه على نفسه بالشر هلك لكن بفضله لا يستجيب له في ذلك نظيره : ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير وقد تقدم وقيل : نزلت في النضر بن الحارث كان يدعو ويقول : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم وقيل : هو أن يدعو في طلب المحظور كما يدعو في طلب المباح قال الشاعر وهو بن جامع : أطوف بالبيت فيمن يطوف وأرفع من مئزري المسبل وأسجد بالليل حتى الصباح وأتلو من المحكم المنزل عسى فارج الهم عن يوسف يسخر لي ربة المحمل قال الجوهري : يقال ما على فلان محمل مثال مجلس أي معتمد والمحمل أيضا : واحد محامل الحاج والمحمل مثال المرجل : علاقة السيف وحذفت الواو من ويدع الإنسان في اللفظ والخط ولم تحذف في المعنى لأن موضعها رفع فحذفت لاستقبالها اللام الساكنة كقوله تعالى : سندع الزبانية العلق ويمح الله الباطل وسوف يؤت الله المؤمنين يناد المناد ق فما تغن النذر ( وكان الإنسان عجولا ) أي طبعه العجلة فيعجل بسؤال الشر كما يعجل بسؤال الخير وقيل : أشار به إلى آدم عليه السلام حين نهض قبل أن تركب فيه الروح على الكمال قال سلمان : أول ما خلق الله تعالى من آدم رأسه فجعل ينظر وهو يخلق جسده فلما كان عند العصر بقيت رجلاه لم ينفخ فيهما الروح فقال : يا رب عجل قبل الليل فذلك قوله : وكان الإنسان عجولا وقال بن عباس : لما انتهت النفخة إلى سرته نظر إلى جسده فذهب لينهض فلم يقدر فذلك قوله : وكان الإنسان عجولا وقال بن مسعود : لما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة فذلك حين يقول : خلق الإنسان من عجل ذكره البيهقي وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لما صور الله تعالى آدم في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه فجعل إبليس يطيف به ينظر ما هو فلما رآه أجوف عرف أنه خلق خلقا لا يتمالك ( وقد تقدم وقيل : سلم عليه السلام أسيرا إلى سودة فبات يئن فسألته فقال : أنيني لشدة القد والأسر فأرخت من كتافه فلما نامت هرب فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( قطع الله يديك ( فلما أصبحت كانت تتوقع الآفة فقال عليه السلام : ( إني سألت الله تعالى أن يجعل دعائي على من لا يستحق من أهلي رحمة لأني بشر أغضب كما يغضب البشر ( ونزلت الآية ذكره القشيري أبو نصر رحمه الله وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( اللهم إنما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر وإني قد اتخذت عندك عهدا لن تخلفنيه فأيما مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته فاجعلها له كفارة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة ( وفي الباب عن عائشة وجابر وقيل : معنى وكان الإنسان عجولا أي يؤثر العاجل وإن قل على الآجل وإن جل قوله تعالى : < < الإسراء : ( 12 ) وجعلنا الليل والنهار . . . . . > > < > ( الاسراء 12 ) <
> قوله تعالى : ( وجعلنا الليل والنهار آيتين ) أي علامتين على وحدانيتنا ووجودنا وكمال علمنا وقدرتنا والآية فيهما : إقبال كل واحد منهما من حيث لا يعلم وإدباره إلى حيث لا يعلم ونقصان أحدهما بزيادة الآخر وبالعكس آية أيضا وكذلك ضوء النهار وظلمة الليل وقد مضى هذا ( فمحونا آية الليل ) ولم يقل : فمحونا الليل فلما أضاف الآية إلى الليل والنهار دل على أن الآيتين المذكورتين لهما لا هما ومحونا معناه طمسنا وفي الخبر أن الله تعالى أمر جبريل عليه السلام فأمر جناحه على وجه القمر فطمس عنه الضوء وكان كالشمس في النور والسواد الذي يرى في القمر من أثر المحو قال بن عباس : جعل الله الشمس سبعين جزءا والقمر سبعين جزءا فمحا من نور القمر تسعة وستين جزءا فجعله مع نور الشمس فالشمس على مائة وتسع وثلاثين جزءا والقمر على جزءا واحد وعنه أيضا : خلق الله شمسين من نور عرشه فجعل ما سبق في علمه أن يكون شمسا مثل الدنيا على قدرها ما بين مشارقها إلى مغاربها وجعل القمر دون الشمس فأرسل جبريل عليه السلام فأمر جناحه على وجهه ثلاث مرات وهو يومئذ شمس فطمس ضوءه وبقي نوره فالسواد الذي ترونه في القمر أثر المحو ولو تركه شمسا لم يعرف الليل من النهار ذكر عنه الأول الثعلبي والثاني المهدوي وسيأتي مرفوعا وقال علي رضي الله عنه وقتادة : يريد بالمحو اللطخة السوداء التي في القمر ليكون ضوء القمر أقل من ضوء الشمس فيتميز به الليل من النهار ( وجعلنا آية النهار مبصرة ) أي جعلنا شمسه مضيئة للابصار قال أبو عمرو بن العلاء : أي يبصر بها قال الكسائي : وهو من قول العرب أبصر النهار إذا أضاء وصار بحالة يبصر بها وقيل : هو كقولهم خبيث مخبث إذا كان أصحابه خبثاء ورجل مضعف إذا كان دوابه ضعافا فكذلك النهار مبصرا إذا كان أهله بصراء ( لتبتغوا فضلا من ربكم ) يريد التصرف في المعاش ولم يذكر السكون في الليل اكتفاء بما ذكر في النهار وقد قال في موضع آخر : هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا ( ولتعلموا عدد السنين والحساب ) أي لو لم يفعل ذلك لما عرف الليل من النهار ولا كان يعرف الحساب والعدد ( وكل شيء فصلناه تفصيلا ) أي من أحكام التكليف وهو كقوله : تبيانا لكل شيء ما فرطنا في الكتاب من شيء وعن بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لما أبرم الله خلقه فلم يبق من خلقه غير آدم خلق شمسا من نور عرشه وقمرا فكانا جميعا شمسين فأما ما كان في سابق علم الله أن يدعها شمسا فخلقها مثل الدنيا ما بين مشارقها ومغاربها وأما ما كان في علم الله أن يخلقها قمرا فخلقها دون الشمس في العظم ولكن إنما يرى صغرهما من شدة ارتفاع السماء وبعدها من الأرض فلو ترك الله الشمس والقمر كما خلقهما لم يعرف الليل من النهار ولا كان الأجير يدري إلى متى يعمل ولا الصائم إلى متى يصوم ولا المرأة كيف تعتد ولا تدرى أوقات الصلوات والحج ولا تحل الديون ولا حين يبذرون ويزرعون ولا متى يسكنون للراحة لأبدانهم وكأن الله نظر إلى عباده وهو أرحم بهم من أنفسهم فأرسل جبريل فأمر جناحه على وجه القمر ثلاث مرات وهو يومئذ شمس فطمس عنه الضوء وبقي فيه النور فذلك قوله وجعلنا الليل والنهار آيتين ( الآية < < الإسراء : ( 13 ) وكل إنسان ألزمناه . . . . . > > < > ( الاسراء 13 : 14 ) <
> قوله تعالى : ( وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ) قال الزجاج : ذكر العنق عبارة عن اللزوم كلزوم القلادة للعنق وقال بن عباس : طائره عمله وما قدر عليه من خير وشر وهو ملازمه أينما كان وقال مقاتل والكلبي : خيره وشره معه لا يفارقه حتى يحاسب به وقال مجاهد : عمله ورزقه وعنه ما من مولود يولد إلا وفي عنقه ورقة فيها مكتوب شقي أو سعيد وقال الحسن : ألزمناه طائره أي شقاوته وسعادته وما كتب له من خير وشر وما طار له من التقدير أي صار له عند القسمة في الأزل وقيل : أراد به التكليف أي قدرناه إلزام الشرع وهو بحيث لو أراد أن يفعل ما أمر به وينزجر عما زجر به أمكنه ذلك ( ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا ) يعني كتاب طائره الذي في عنقه وقرأ الحسن وأبو رجاء ومجاهد : طيره بغير ألف ومنه ما روي في الخبر ( اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك ولا رب غيرك ( وقرأ بن عباس والحسن ومجاهد وبن محيصن وأبو جعفر ويعقوب ويخرج بفتح الياء وضم الراء على معنى ويخرج له الطائر كتابا ف كتابا منصوب على الحال ويحتمل أن يكون المعنى : ويخرج الطائر فيصير كتابا وقرأ يحيى بن وثاب ويخرج بضم الياء وكسر الراء وروي عن مجاهد أي يخرج الله وقرأ شيبة ومحمد بن السميقع وروي أيضا عن أبي جعفر : ويخرج بضم الياء وفتح الراء على الفعل المجهول ومعناه : ويخرج له الطائر كتابا الباقون ونخرج بنون مضمومة وكسر الراء أي ونحن نخرج احتج أبو عمرو في هذه القراءة بقوله ألزمناه وقرأ أبو جعفر والحسن وبن عامر يلقاه بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف بمعنى يؤتاه الباقون بفتح الياء خفيفة أي يراه منشورا وقال منشورا تعجيلا للبشرى بالحسنة والتوبيخ بالسيئة وقال أبو السوار العدوي وقرأ هذه الآية وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه قال : هما نشرتان وطية أما ما حييت يابن آدم فصحيفتك المنشورة فأمل فيها ما شئت فغذا مت طويت حتى إذا بعثت نشرت ( اقرأ كتابك ) قال الحسن : يقرأ الإنسان كتابه أميا كان أو غير أمي ( كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ) أي محاسبا وقال بعض الصلحاء : هذا كتاب لسانك قلمه وريقك مداده وأعضاؤك قرطاسه أنت كنت المملي على حفظتك ما زيد فيه ولا نقص منه ومتى أنكرت منه شيئا يكون فيه الشاهد منك عليك < < الإسراء : ( 15 ) من اهتدى فإنما . . . . . > > < > ( الاسراء 15 ) <
> قوله تعالى : ( ومن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ) أي إنما كل أحد يحاسب عن نفسه لا عن غيره فمن اهتدى فثواب اهتدائه له ومن ضل فعقاب كفره عليه ( ولاتزر وازرة وزر أخرى ) تقدم في الأنعام وقال بن عباس : نزلت في الوليد بن المغيرة قال لأهل مكة : أتبعون واكفروا بمحمد وعلي أوزاركم فنزلت هذه الآية أي إن الوليد لا يحمل آثامكم وإنما إثم كل واحد عليه يقال : وزر يزر وزرا ووزرة أي أثم والوزر : الثقل المثقل والجمع أوزار ومنه يحملون أوزارهم على ظهورهم أي أثقال ذنوبهم وقد وزر إذا حمل فهو وازر ومنه وزير السلطان الذي يحمل ثقل دولته والهاء في قوله كناية عن النفس أي لا تؤخذ نفس آثمة بإثم أخرى حتى أن الوالدة تلقي ولدها يوم القيامة فتقول : يا بني ألم يكن حجري لك وطاء ألم يكن ثديي لك سقاء ألم يكن بطني لك وعاء فيقول : بلى يا أمه فتقول : يا بني فإن ذنوبي أثقلتني فاحمل عني منها ذنبا واحدا فيقول : إليك عني يا أمه فإني بذنبي عنك اليوم مشغول مسألة نزعت عائشة رضي الله عنه الله عنها بهذه الآية في الرد على بن عمر حيث قال : إن الميت ليعذب ببكاء أهله قال علماؤنا : وإنما حملها على ذلك أنه لم تسمعه وأنه معارض للآية ولا وجه لإنكارها فإن الرواة لهذا المعنى كثير كعمر وابنه والمغيرة بن شعبة وقيلة بنت مخرمة وهم جازمون بالرواية فلا وجه لتخطئتهم ولا معارضة بين الآية والحديث فإن الحديث محمله على ما إذا كان النوح من وصية الميت وسنته كما كانت الجاهلية تفعله حتى قال طرفة : إذا مت فانعيني بما أنا أهله وشقي على الجيب يا بنت معبد وقال : إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر وإلى هذا نحا البخاري وقد ذهب جماعة من أهل العلم منهم داود إلى اعتقاد ظاهر الحديث وأنه إنما يعذب بنوحهم لأنه أهمل نهيهم عنه قبل موته وتأديبهم بذلك فيعذب بتفريطه في ذلك وبترك ما أمره الله به من قوله : قوا أنفسكم وأهليكم نارا لا بذنب غيره والله أعلم قوله تعالى : ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) أي لم نترك الخلق سدى بل أرسلنا الرسل وفي هذا دليل على أن الأحكام لا تثبت إلا بالشرع خلافا للمعتزلة القائلين بأن العقل يقبح ويحسن ويبيح ويحظر وقد تقدم في البقرة القول فيه والجمهور على أن هذا في حكم الدنيا أي ان الله لا يهلك أمة بعذاب إلا بعد الرسالة إليهم والإنذار وقالت فرقة : هذا عام في الدنيا والآخرة لقوله تعالى : كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا قال بن عطية : والذي يعطيه النظر أن بعثه آدم عليه السلام بالتوحيد وبث المعتقدات في بنيه مع نصب الأدلة الدالة على الصانع مع سلامة الفطر توجب على كل أحد من العالم الإيمان واتباع شريعة الله ثم تجدد ذلك في زمن نوح عليه السلام بعد غرق الكفار وهذه الآية أيضا يعطي احتمال ألفاظها نحو هذا في الذين لم تصلهم رسالة وهم أهل الفترات الذين قد قدر وجودهم بعض أهل العلم وأما ما روي من أن الله تعالى يبعث إليهم يوم القيامة وإلى المجانين والأطفال فحديث لم يصح ولا يقتضي ما تعطيه الشريعة من أن الآخرة ليست دار تكليف قال المهدوي : وروي عن أبي هريرة أن الله عز وجل يبعث يوم القيامة رسولا إلى أهل الفترة والأبكم والأخرس والأصم فيطيعه منهم من كان يريد أن يطيعه في الدنيا وتلا الآية رواه معمر عن بن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة ذكره النحاس قلت : هذا موقوف وسيأتي مرفوعا في آخر سورة طه إن شاء الله تعالى ولا يصح وقد استدل قوم في أن أهل الجزائر إذا سمعوا بالإسلام وآمنوا فلا تكليف عليهم فيما مضى وهذا صحيح ومن لم تبلغه الدعوة فهو غير مستحق للعذاب من جهة العقل والله أعلم < <
الإسراء : ( 16 ) وإذا أردنا أن . . . . . > > < > ( الاسراء 16 ) <
> فيه ثلاث مسائل : الأولى أخبر الله تعالى في الآية التي قبل أنه لم يهلك القرى قبل ابتعاث الرسل لا لأنه يقبح منه ذلك إن فعل ولكنه وعد منه ولا خلف في وعده فإذا أراد إهلاك قرية مع تحقيق وعده على ما قاله تعالى أمر مترفيها بالفسق والظلم فيها فحق عليها القول بالتدمير يعلمك أن من هلك هلك بإرادته فهو الذي يسبب الأسباب ويسوقها إلى غاياتها ليحق القول السابق من الله تعالى الثانية قوله تعالى : ( أمرنا ) قرأ أبو عثمان النهدي وأبو رجاء وأبو العالية والربيع ومجاهد والحسن أمرنا بالتشديد وهي قراءة علي رضي الله عنه أي سلطنا شرارها فعصوا فيها فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم وقال أبو عثمان النهدي أمرنا بتشديد الميم جعلناهم أمراء مسلطين وقاله بن عزيز وتأمر عليهم تسلط عليهم وقرأ الحسن أيضا وقتادة وأبو حيوة الشامي ويعقوب وخارجة عن نافع وحماد بن سلمة عن بن كثير وعلي وبن عباس باختلاف عنهما آمرنا بالمد والتخفيف أي أكثرنا جبابرتها وأمراءها قاله الكسائي وقال أبو عبيدة : آمرته بالمد وأمرته لغتان بمعنى كثرته ومنه الحديث ( خير المال مهرة مأمورة أو سكة مأبورة ( أي كثيرة النتاج والنسل وكذلك قال بن عزيز : آمرنا وأمرنا بمعنى واحد أي أكثرنا وعن الحسن أيضا ويحيى بن يعمر امرنا بالقصر وكسر الميم على فعلنا ورويت عن بن عباس قال قتادة والحسن : المعنى أكثرنا وحكى نحوه أبو زيد وأبو عبيد وأنكره الكسائي وقال : لا يقال من الكثرة إلا آمرنا بالمد قال وأصلها أأمرنا فخفف حكاه المهدوي وفي الصحاح : وقال أبو الحسن أمر ماله [ بالكسر ] أي كثر وأمر القوم أي كثروا قال الشاعر : أمرون لا يرثون سهم القعدد وآمر الله ماله [ بالمد ] الثعلبي : ويقال للشيء الكثير أمر والفعل منه : أمر القوم يأمرون أمرا إذا كثروا قال بن مسعود : كنا نقول في الجاهلية للحي إذا كثروا : أمر أمر بني فلان قال لبيد : كل بني حرة مصيرهم قل وإن أكثرت من العدد إن يغبطوا يهبطوا وإن أمروا يوما يصيروا للهلك والنكد قلت : وفي حديث هرقل الحديث الصحيح : ( لقد أمر أمر بن أبي كبشة إنه ليخافه ملك بني الأصفر ( أي كثر وكله غير متعد ولذلك أنكره الكسائي والله أعلم قال المهدوي : ومن قرأ أمر فهي لغة ووجه تعدية أمر أنه شبهه بعمر من حيث كانت الكثرة أقرب شيء إلى العمارة فعدى كما عدى عمر الباقون أمرنا من الأمر أي أمرناهم بالطاعة إعذارا وإنذارا وتخويفا ووعيدا ( ففسقوا ) أي فخرجوا عن الطاعة عاصين لنا ( فحق عليها القول ) فوجب عليها الوعيد عن بن عباس وقيل : أمرنا جعلناهم أمراء لأن العرب تقول : أمير غير مأمور أي غير مؤمر وقيل : معناه بعثنا مستكبريها قال هارون : وهي قراءة أبي بعثنا أكابر مجرميها ففسقوا ذكره الماوردي وحكى النحاس : وقال هارون في قراءة أبي وإذا أردنا أن نهلك قرية بعثنا فيها أكابر مجرميها فمكروا فيها فحق عليها القول ويجوز أن يكون أمرنا بمعنى أكثرنا ومنه ( خير المال مهرة مأمورة ( على ما تقدم وقال قوم : مأمورة اتباع لمأبورة كالغدايا والعشايا وكقوله : ( ارجعن مأزورات غير مأجورات ( وعلى هذا لا يقال : أمرهم الله بمعنى كثرهم بل يقال : آمره وأمره واختار أبو عبيد وأبو حاتم قراءة العامة قال أبو عبيد : وإنما اخترنا أمرنا لأن المعاني الثلاثة تجتمع فيها من الأمر والإمارة والكثرة والمترف : المنعم وخصوا بالأمر لأن غيرهم تبع لهم الثالثة قوله تعالى : ( فدمرناها ) أي أستأصلناها بالهلاك ( تدميرا ) وذكر المصدر للمبالغة في العذاب الواقع بهم وفي الصحيح من حديث زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فزعا محمرا وجهه يقول : ( لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه ( وحلق بأصبعه الإبهام والتي تليها قالت : فقلت يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون قال : ( نعم إذا كثر الخبث ( وقد تقدم الكلام في هذا الباب وأن المعاصي إذا ظهرت ولم تغير كانت سببا لهلاك الجميع والله أعلم < <
الإسراء : ( 17 ) وكم أهلكنا من . . . . . > > < > ( الاسراء 17 ) < > قوله تعالى : ( وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح ) أي كم من قوم كفروا حل بهم البوار يخوف كفار مكة وقد تقدم القول في القرن في أول سورة الأنعام والحمد لله ( وكفى بربك بذنوب عبادك خبيرا بصيرا ) خبيرا عليما بهم بصيرا يبصر أعمالهم وقد تقدم < < الإسراء : ( 18 ) من كان يريد . . . . . > > < > ( الاسراء 18 : 19 ) < > قوله تعالى : ( من كان يريد العاجلة ) يعني الدنيا والمراد الدار العاجلة فعبر بالنعت عن المنعوت ( عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ) أي لم نعطه منها إلا ما نشاء ثم نؤاخذه بعمله وعاقبته دخول النار ( مذموما مدحورا ) أي مطردا مبعدا من رحمة الله وهذه صفة المنافقين الفاسقين والمرائين المداجين يلبسون الإسلام والطاعة لينالوا عاجل الدنيا من الغنائم وغيرها فلا يقبل ذلك العمل منهم في الآخرة ولا يعطون في الدنيا إلا ما قسم لهم وقد تقدم في هود أن هذه الآية تقيد تلك الآيات المطلقة فتأمله ( ومن أراد الآخرة ) أي الدار الآخرة ( وسعى لها سعيها ) أي عمل لها عملها من الطاعات ( وهو مؤمن ) لأن الطاعات لا تقبل إلا من مؤمن ( فأولئك كان سعيهم مشكورا ) أي مقبولا غير مردود وقيل : مضاعفا أي تضاعف لهم الحسنات إلى عشر وإلى سبعين وإلى سبعمائة ضعف وإلى أضعاف كثيرة كما روي عن أبي هريرة وقد قيل له : أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الله ليجزي على الحسنة الواحدة ألف ألف حسنة ( فقال سمعته يقول : ( إن الله ليجزي على الحسنة الواحدة ألفي ألف حسنة ( < < الإسراء : ( 20 ) كلا نمد هؤلاء . . . . . > > < > ( الاسراء 20 : 22 ) < > قوله تعالى : ( كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك ) أعلم أنه يرزق المؤمنين والكافرين ( وما كان عطاء ربك محظورا ) أي محبوسا ممنوعا من حظر يحظر حظرا وحظارا ثم قال تعالى : ( أنظر كيف فضلنا بعضهم على بعض ) في الرزق والعمل فمن مقل ومكثر ( وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا ) أي للمؤمنين فالكافر وإن وسع عليه في الدنيا مرة وقتر على المؤمن مرة فالآخرة لا تقسم إلا مرة واحدة بأعمالهم فمن فاته شيء منها لم يستدركه فيهاوقوله ( لا تجعل مع الله إلها آخر ) الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته وقيل : الخطاب للإنسان أي تبقى ( مذموما مخذولا ) لا ناصر لك ولا وليا < < الإسراء : ( 23 ) وقضى ربك ألا . . . . . > > < > ( الاسراء 23 : 24 ) <
> فيه ست عشرة مسألة : الأولى ( قضى ) أي أمر وألزم وأوجب قال بن عباس والحسن وقتادة : وليس هذا قضاء حكم بل هو قضاء أمر وفي مصحف بن مسعود ووصى وهي قراءة أصحابه وقراءة بن عباس أيضا وعلي وغيرهما وكذلك عند أبي بن كعب قال بن عباس : إنما هو ووصى ربك فالتصقت إحدى الواوين فقرئت وقضى ربك إذ لو كان على القضاء ما عصى الله أحد وقال الضحاك : تصحفت على قوم وصى بقضى حين اختلطت الواو بالصاد وقت كتب المصحف وذكر أبو حاتم عن بن عباس مثل قول الضحاك وقال عن ميمون بن مهران أنه قال : إن على قول بن عباس لنورا قال الله تعالى : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك ثم أبى أبو حاتم أن يكون بن عباس قال ذلك وقال : لو قلنا هذا لطعن الزنادقة في مصحفنا ثم قال علماؤنا المتكلمون وغيرهم : القضاء يستعمل في اللغة على وجوه : فالقضاء بمعنى الأمر كقوله تعالى : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه معناه أمر والقضاء بمعنى الخلق كقوله : فقضاهن سبع سماوات في يومين فصلت يعني خلقهن والقضاء بمعنى الحكم كقوله تعالى : فاقض ما أنت قاض يعني احكم ما أنت تحكم والقضاء بمعنى الفراغ كقوله : قضي الأمر الذي فيه تستفتيان أي فرغ منه ومنه قوله تعالى : فإذا قضيتم مناسككم وقوله تعالى : فإذا قضيت الصلاة والقضاء بمعنى الإرادة كقوله تعالى : إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون والقضاء بمعنى العهد كقوله تعالى : وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر فإذا كان القضاء يحتمل هذه المعاني فلا يجوز إطلاق القول بأن المعاصي بقضاء الله لأنه إن أريد به الأمر فلا خلاف أنه لا يجوز ذلك لأن الله تعالى لم يأمر بها فإنه لا يأمر بالفحشاء وقال زكريا بن سلام : جاء رجل إلى الحسن فقال إنه طلق امرأته ثلاثا فقال : إنك قد عصيت ربك وبانت منك فقال الرجل : قضى الله ذلك علي فقال الحسن وكان فصيحا : ما قضى الله ذلك أي ما أمر الله به وقرأ هذه الآية : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه الثانية أمر الله سبحانه بعبادته وتوحيده وجعل بر الوالدين مقرونا بذلك كما قرن شكرهما بشكره فقال : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا وقال : أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير وفي صحيح البخاري عن عبد الله قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى الله عز وجل قال : ( الصلاة على وقتها ( قال : ثم أي قال ثم : ( بر الوالدين ( قال ثم أي قال : ( الجهاد في سبيل الله ( فأخبر صلى الله عليه وسلم أن بر الوالدين أفضل الأعمال بعد الصلاة التي هي أعظم دعائم الإسلام ورتب ذلك ب ثم التي تعطي الترتيب والمهلة الثالثة من البر بهما والإحسان إليهما ألا يتعرض لسبهما ولا يعقهما فإن ذلك من الكبائر بلا خلاف وبذلك وردت السنة الثابتة ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن من الكبائر شتم الرجل والديه ( قالوا : يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه قال ( نعم يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه ( الرابعة عقوق الوالدين مخالفتهما في أغراضهما الجائزة لهما كما أن برهما موافقتهما على أغراضهما وعلى هذا إذا أمرا أو أحدهما ولدهما بأمر وجبت طاعتهما فيه إذا لم يكن ذلك الأمر معصية وإن كان ذلك المأمور به من قبيل المباح في أصله وكذلك إذا كان من قبيل المندوب وقد ذهب بعض الناس إلى أن أمرهما بالمباح يصيره في حق الولد مندوبا إليه وأمرهما بالمندوب يزيده تأكيدا في ندبيته الخامسة روى الترمذي عن بن عمر قال : كانت تحتي امرأة أحبها وكان أبي يكرهها فأمرني أن أطلقها فأبيت فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( يا عبد الله بن عمر طلق امرأتك ( قال هذا حديث حسن صحيح السادسة روى الصحيح عن أبي هريرة قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : من أحق الناس بحسن صحابتي قال : ( أمك ( قال : ثم من قال : ( ثم أمك ( قال : ثم من قال : ( ثم أمك ( قال : ثم من قال : ( ثم أبوك ( فهذا الحديث يدل على أن محبة الأم والشفقة عليها ينبغي أن تكون ثلاثة أمثال محبة الأب لذكر النبي صلى الله عليه وسلم الأم ثلاث مرات وذكر الأب في الرابعة فقط وإذا توصل هذا المعنى شهد له العيان وذلك أن صعوبة الحمل وصعوبة الوضع وصعوبة الرضاع والتربية تنفرد بها الأم دون الأب فهذه ثلاث منازل يخلو منها الأب وروي عن مالك أن رجلا قال له : إن أبي في بلد السودان وقد كتب إلي أن أقدم عليه وأمي تمنعني من ذلك فقال له : أطع أباك ولا تعص أمك فدل قول مالك هذا أن برهما متساو عنده وقد سئل الليث عن هذه المسألة فأمره بطاعة الأم وزعم أن لها ثلثي البر وحديث أبي هريرة يدل على أن لها ثلاثة أرباع البر وهو الحجة على من خالف وقد زعم المحاسبي في [ كتاب الرعاية ] له أنه لا خلاف بين العلماء أن للأم ثلاثة أرباع البر وللأب الربع على مقتضى حديث أبي هريرة رضي الله عنه والله أعلم السابعة لا يختص بر الوالدين بأن يكونا مسلمين بل إن كانا كافرين يبرهما ويحسن إليهما إذا كان لهما عهد قال الله تعالى : لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم الممتحنة وفي صحيح البخاري عن أسماء قالت : قدمت أمي وهي مشركة في عهد قريش ومدتهم إذ عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم مع أبيها فاستفتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : إن أمي قدمت وهي راغبة أفأصلها قال : ( نعم صلي أمك وروي أيضا عن أسماء قالت : أتتني أمي راغبة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فسألت النبي صلى الله عليه وسلم أأصلها قال : ( نعم ( قال بن عيينة : فأنزل الله عز وجل فيها : لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين الممتحنة الأول معلق والثاني مسند الثامنة من الإحسان إليهما والبر بهما إذا لم يتعين الجهاد ألا يجاهد إلا بإذنهما روى الصحيح عن عبد الله بن عمرو قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد فقال : ( أحي والداك ( قال نعم قال : ( ففيهما فجاهد ( لفظ مسلم في غير الصحيح قال : نعم وتركتهما يبكيان قال : ( اذهب فاضحكهما كما أبكيتهما ( وفي خبر آخر أنه قال : ( نومك مع أبويك على فراشهما يضاحكانك ويلاعبانك أفضل لك من الجهاد معي ( ذكره بن خويز منداد ولفظ البخاري في كتاب بر الوالدين : أخبرنا أبو نعيم أخبرنا سفيان عن عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يبايعه على الهجرة وترك أبويه يبكيان فقال : ( ارجع إليهما فاضحكهما كما أبكيتهما ( قال بن المنذر : في هذا الحديث النهي عن الخروج بغير إذن الأبوين ما لم يقع النفير فإذا وقع وجب الخروج على الجميع وذلك بين في حديث أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث جيش الأمراء فذكر قصة زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وبن رواحة وأن منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى بعد ذلك : أن الصلاة جامعة فاجتمع الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : ( أيها الناس اخرجوا فامدوا إخوانكم ولا يتخلفن أحد ( فخرج الناس مشاة وركبانا في حر شديد فدل قوله : ( اخرجوا فامدوا إخوانكم ( أن العذر في التخلف عن الجهاد إنما هو ما لم يقع النفير مع قوله عليه السلام : ( فإذا استنفرتم فانفروا ( قلت : وفي هذه الأحاديث دليل على أن المفروض أو المندوبات متى اجتمعت قدم الأهم منها وقد استوفى هذا المعنى المحاسبي في كتاب الرعاية التاسعة واختلفوا في الوالدين المشركين هل يخرج بإذنهما إذا كان الجهاد من فروض الكفاية فكان الثوري يقول : لا يغزو إلا بإذنهما وقال الشافعي : له أن يغزو بغير إذنهما قال بن المنذر : والأجداد آباء والجدات أمهات فلا يغزو المرء إلا بإذنهم ولا أعلم دلالة توجب ذلك لغيرهم من الإخوة وسائر القرابات وكان طاوس يرى السعي على الأخوات أفضل من الجهاد في سبيل الله عز وجل العاشرة من تمام برهما صلة أهل ودهما ففي الصحيح عن بن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن من أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولي ( وروي أبو أسيد وكان بدريا قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم جالسا فجاءه رجل من الأنصار فقال : يا رسول الله هل بقي من بر والدي من بعد موتهما شيء أبرهما به قال : ( نعم الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما بعدهما وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما فهذا الذي بقي عليك ( وكان صلى الله عليه وسلم يهدي لصدائق خديجة برا بها ووفاء لها وهي زوجته فما ظنك بالوالدين الحادية عشرة قوله تعالى : ( إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما ) خص حالة الكبر لأنها الحالة التي يحتاجان فيها إلى بره لتغير الحال عليهما بالضعف والكبر فألزم في هذه الحالة من مراعاة أحوالهما أكثر مما ألزمه من قبل لأنهما في هذه الحالة قد صارا كلا عليه فيحتاجان أن يلي منهما في الكبر ما كان يحتاج في صغره أن يليا منه فلذلك خص هذه الحالة بالذكر وأيضا فطول المكث للمرء يوجب الاستثقال للمرء عادة ويحصل الملل ويكثر الضجر فيظهر غضبه على أبويه وتنتفخ لهما أوداجه ويستطيل عليهما بدالة البنوة وقلة الديانة وأقل المكروه ما يظهره بتنفسه المتردد من الضجر وقد أمر أن يقابلهما بالقول الموصوف بالكرامة وهو السالم عن كل عيب فقال : فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( رغم أنفه رغم أنفه رغم أنفه ( قيل : من يا رسول الله قال : ( من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة ( وقال البخاري في كتاب بر الوالدين : حدثنا مسدد حدثنا بشر بن المفضل حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي رغم انف رجل أدرك أبويه عند الكبر أو احدهما فلم يدخلاه الجنة ورغم انف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له ( حدثنا بن أبي أويس حدثني أخي عن سليمان بن بلال عن محمد بن هلال عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة السالمي عن أبيه رضي الله عنه قال : إن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أحضروا المنبر ( فلما خرج رقى إلى المنبر فرقى في أول درجة منه قال آمين ثم رقى في الثانية فقال آمين ثم لما رقى في الثالثة قال آمين فلما فرغ ونزل من المنبر قلنا : يا رسول الله لقد سمعنا منك اليوم شيئا ما كنا نسمعه منك قال : ( وسمعتموه ( قلنا نعم قال : ( إن جبريل عليه السلام اعترض قال : بعد من أدرك رمضان فلم يغفر له فقلت آمين فلما رقيت في الثالثة قال بعد من ذكرت عنده فلم يصل عليك فقلت آمين فلما رقيت في الثالثة قال بعد من أدرك عنده أبواه الكبر أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة قلت آمين ( حدثنا أبو نعيم حدثنا سلمة بن وردان سمعت أنسا رضي الله عنه يقول : ارتقى رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر درجة فقال آمين ثم ارتقى درجة فقال آمين ثم ارتقى الدرجة الثالثة فقال آمين ثم استوى وجلس فقال أصحابه : يا رسول الله علام أمنت قال : ( أتاني جبريل عليه السلام فقال رغم أنف من ذكرت عنده فلم يصل عليك فقلت آمين ورغم أنف من أدرك أبويه أو احدهما فلم يدخل الجنة فقلت آمين ( الحديث فالسعيد الذي يبادر اغتنام فرصة برهما لئلا تفوته بموتهما فيندم على ذلك والشقي من عقهما لا سيما من بلغه الأمر ببرهما الثانية عشرة قوله تعالى : ( فلا تقل لهما أف ) أي لا تقل لهما ما يكون فيه أدنى تبرم وعن أبي رجاء العطاردي قال : الأف الكلام القذع الرديء الخفي وقال مجاهد : معناه إذا رأيت منهما في حال الشيخ الغائط والبول الذي رأياه منك في الصغر فلا تقذرهما وتقول أف والآية أعم من هذا والأف والتف وسخ الأظفار ويقال لكل ما يضجر ويستثقل : أف له قال الأزهري : والتف أيضا الشيء الحقير وقرىء أف منون مخفوض كما تخفض الأصوات وتنون تقول : صه ومه وفيه عشر لغات : أف وأف وأف وأفا وأف وأف وأفه وإف لك [ بكسر الهمزة ] وأف [ بضم الهمزة وتسكين الفاء ] وأفا [ مخففة الفاء ] وفي الحديث : ( فألقى طرف ثوبه على أنفه ثم قال أف أف ( قال أبو بكر : معناه استقذار لما شم وقال بعضهم : معنى أف الاحتقار والاستقلال أخذ من الأفف وهو القليل وقال القتبي : أصله نفخك الشيء يسقط عليك من رماد وتراب وغير ذلك وللمكان تريد إماطة شيء لتقعد فيه فقيلت هذه الكلمة لكل مستثقل وقال أبو عمرو بن العلاء : الألف وسخ بين الأظفار والتف قلامتها وقال الزجاج : معنى أف النتن وقال الأصمعي : الأف وسخ الأذن والتف وسخ الأظفار فكثر استعماله حتى ذكر في كل ما يتأذى به وروي من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لو علم الله من العقوق شيئا أردأ من أف لذكره فليعمل البار ما شاء أن يعمل فلن يدخل النار وليعمل العاق ما شاء أن يعمل فلن يدخل الجنة ( قال علماؤنا : وإنما صارت قولة أف للأبوين أردأ شيء لأنه رفضهما رفض كفر النعمة وجحد التربية ورد الوصية التي أوصاه في التنزيل وأف كلمة مقولة لكل شيء مرفوض ولذلك قال إبراهيم لقومه : أف لكم ولما تعبدون من دون الله أي رفض لكم ولهذه الأصناممعكم الثالثة عشرة قوله تعالى : ( ولاتنهرهما ) النهر : الزجروالغلظة ( وقل لهما قولا كريما ) أي لينا لطيفا مثل : يا أبتاه ويا أماه من غير أن يسميهما ويكنيهما قال عطاء وقال بن البداح التجيبي : قلت لسعيد بن المسيب كل ما في القرآن من بر الوالدين قد عرفته إلا قوله : وقل لهما قولا كريما ما هذا القول الكريم قال بن المسيب : قول العبد المذنب للسيد الفظ الغليظ الرابعة عشرة قوله تعالى : ( واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ) هذه استعارة في الشفقة والرحمة بهما والتذلل لهما تذلل الرعية للأمير والعبيد للسادة كما أشار إليه سعيد بن المسيب وضرب خفض الجناح ونصبه مثلا لجناح الطائر حين ينتصب بجناحه لولده والذل : هو اللين وقراءة الجمهور بضم الذال من ذل يذل ذلا وذلة ومذلة فهو ذال وذليل وقرأ سعيد بن جبير وبن عباس وعروة بن الزبير الذل بكسر الذال ورويت عن عاصم من قولهم : دابة ذلول بينة الذل والذل في الدواب المنقاد السهل دون الصعب فينبغي بحكم هذه الآية أن يجعل الإنسان نفسه مع أبويه في خير ذلة في أقواله وسكناته ونظره ولا يحد إليهما بصره فإن تلك هي نظرة الغاضب الخامسة عشرة الخطاب في هذه الآية للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته إذ لم يكن له عليه السلام في ذلك الوقت أبوان ولم يذكر الذل في قوله تعالى : واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين وذكره هنا بحسب عظم الحق وتأكيده ومن في قوله : من الرحمة لبيان الجنس أي إن هذا الخفض يكون من الرحمة المستكنة في النفس لا بأن يكون ذلك استعمالا ويصح أن يكون لانتهاء الغاية ثم أمر تعالى عباده بالترحم على آبائهم والدعاء لهم وأن ترحمهما كما رحماك وترفق بهما كما رفقا بك إذ ولياك صغيرا جاهلا محتاجا فآثراك على أنفسهما وأسهرا ليلهما وجاعا وأشبعاك وتعريا وكسواك فلا تجزيهما إلا أن يبلغا من الكبر الحد الذي كنت فيه من الصغر فتلي منهما ما وليا منك ويكون لهما حينئذ فضل التقدم قال صلى الله عليه وسلم : ( لا يجزئ ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه ( وسيأتي في سورة مريم الكلام على هذا الحديث السادسة عشرة قوله تعالى : ( كما ربياني ) خص التربية بالذكر ليتذكر العبد شفقة الأبوين وتعبهما في التربية فيزيده ذلك إشفاقا لهما وحنانا عليهما وهذا كله في الأبوين المؤمنين وقد نهى القرآن عن الاستغفار للمشركين الأموات ولو كانوا أولي قربي كما تقدم وذكر عن بن عباس وقتادة أن هذا كله منسوخ بقوله : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين إلى قوله أصحاب الجحيم فإذا كان والدا المسلم ذميين استعمل معهما ما أمره الله به ها هنا إلا الترحم لهما بعد موتهما على الكفر لأن هذا وحده نسخ بالآية المذكورة وقيل : ليس هذا موضع نسخ فهو دعاء بالرحمة الدنيوية للأبوين المشركين ما داما حيين كما تقدم أو يكون عموم هذه الآية خص بتلك لا رحمة الآخرة لا سيما وقد قيل إن قوله : وقل رب ارحمهما نزلت في سعد بن أبي وقاص فإنه أسلم فألقت أمه نفسها في الرمضاء متجردة فذكر ذلك لسعد فقال : لتمت فنزلت الآية وقيل : الآية خاصة في الدعاء للأبوين المسلمين والصواب أن ذلك عموم كما ذكرنا وقال بن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من أمسى مرضيا لوالديه وأصبح أمسى وأصبح وله بابان مفتوحان من الجنة وإن واحدا فواحدا ومن أمسى وأصبح مسخطا لوالديه أمسى وأصبح وله بابان مفتوحان إلى النار وإن واحدا فواحدا ( فقال رجل : يا رسول الله وإن ظلماه قال : ( وإن ظلماه وإن ظلماه وإن ظلماه ( وقد روينا بالإسناد المتصل عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إن أبي أخذ مالي فقال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل : ( فأتني بأبيك ( فنزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( إن الله عز وجل يقرئك السلام ويقول لك إذا جاءك الشيخ فاسأله عن شيء قاله في نفسه ما سمعته أذناه ( فلما جاء الشيخ قال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما بال ابنك يشكوك أتريد أن تأخذ ماله ( فقال : سله يا رسول الله هل أنفقه إلا على إحدى عماته أو خالاته أو على نفسي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إيه دعنا من هذا أخبرني عن شيء قلته في نفسك ما سمعته أذناك ( فقال الشيخ : والله يا رسول الله ما زال الله عز وجل يزيدنا بك يقينا لقد قلت في نفسي شيئا ما سمعته أذناي قال : ( قل وأنا أسمع ( قال قلت غذوتك مولودا ومنتك يافعا تعل بما أجني عليك وتنهل إذا ليلة ضافتك بالسقم لم أبت لسقمك إلا ساهرا أتململ كأني أنا المطروق دونك بالذي طرقت به دوني فعيني تهمل تخاف الردى نفسي عليك وإنها لتعلم أن الموت وقت مؤجل فلما بلغت السن والغاية التي إليها مدى ما كنت فيك أؤمل جعلت جزائي غلظة وفظاظة كأنك أنت المنعم المتفضل فليتك إذ لم ترع حق أبوتي فعلت كما الجار المصاقب يفعل فأوليتني حق الجوار ولم تكن علي بمال دون مالك تبخل قال : فحينئذ أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بتلابيب ابنه وقال : ( أنت ومالك لأبيك ( قال الطبراني : اللخمي لا يروي يعني هذا الحديث عن بن المنكدر بهذا التمام والشعر إلا بهذا الإسناد وتفرد به عبيد الله بن خلصة والله أعلم < <
الإسراء : ( 25 ) ربكم أعلم بما . . . . . > > < > ( الاسراء 25 ) < > قوله تعالى : ( ربكم أعلم بما في نفوسكم ) أي من اعتقاد الرحمة بهما والحنو عليهما أو من غير ذلك من العقوق أو من جعل ظاهر برهما رياء وقال بن جبير : يريد البادرة التي تبدر كالفلتة والزلة تكون من الرجل إلى أبويه أو أحدهما لا يريد بذلك بأسا قال الله تعالى : ( إن تكونوا صالحين ) أي صادقين في نية البر بالوالدين فإن الله يغفر البادرة وقوله : ( فإنه كان للأوابين غفورا ) وعد بالغفران مع شرط الصلاح والأوبة بعد الأوبة إلى طاعة الله سبحانه وتعالى قال سعيد بن المسيب : هو العبد يتوب ثم يذنب ثم يتوب ثم يذنب وقال بن عباس رضي الله عنه : الأواب : الحفيظ الذي إذا ذكر خطاياه استغفر منها وقال عبيد بن عمير : هم الذين يذكرون ذنوبهم في الخلاء ثم يستغفرون الله عز وجل وهذه الأقوال متقاربة وقال عون العقيلي : الأوابون هم الذين يصلون صلاة الضحى وفي الصحيح : ( صلاة الأوابين حين ترمض الفصال ( وحقيقة اللفظ من آب يؤوب إذا رجع < < الإسراء : ( 26 ) وآت ذا القربى . . . . . > > < > ( الاسراء 26 : 27 ) < > فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وآت ذا القربة حقه ) أي كما راعيت حق الوالدين فصل الرحم ثم تصدق على المسكين وبن السبيل وقال علي بن الحسين في قوله تعالى وآت ذا القربى حقه : هم قرابة النبي صلى الله عليه وسلم أمر صلى الله عليه وسلم بإعطائهم حقوقهم من بيت المال أي من سهم ذوي القربي من الغزو والغنيمة ويكون خطابا للولاة أو من قام مقامهم وألحق في هذه الآية ما يتعين من صلة الرحم وسد الخلة والمواساة عند الحاجة بالمال والمعونة بكل وجه الثانية قوله تعالى : ( ولاتبذر ) أي لا تسرف في الإنفاق في غير حق قال الشافعي رضي الله عنه : والتبذير إنفاق المال في غير حقه ولا تبذير في عمل الخير وهذا قول الجمهور وقال أشهب عن مالك : التبذير هو أخذ المال من حقه ووضعه في غير حقه وهو الإسراف وهو حرام لقوله تعالى : إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وقوله إخوان يعني أنهم في حكمهم إذ المبذر ساع في إفساد كالشياطين أو أنهم يفعلون ما تسول لهم أنفسهم أو أنهم يقرنون بهم غدا في النار ثلاثة أقوال والإخوان هنا جمع أخ من غير النسب ومنه قوله تعالى : إنما المؤمنون إخوة وقوله تعالى : ( وكان الشيطان لربه كفورا ) أي احذروا متابعته والتشبه في الفساد والشيطان اسم جنس وقرأ الضحاك إخوان الشيطان على الإفراد وكذلك ثبت في مصحف أنس بن مالك رضي الله عنه الثالثة من أنفق ما له في الشهوات زائدا على قدر الحاجات وعرضه بذلك للنفاد فهو مبذر ومن أنفق ربح ماله في شهواته وحفظ الأصل أو الرقبة فليس بمبذر ومن أنفق درهما في حرام فهو مبذر ويحجر عليه في نفقته الدرهم في الحرام ولايحجر عليه إن بذله في الشهوات إلا إذا خيف عليه النفاد < < الإسراء : ( 28 ) وإما تعرضن عنهم . . . . . > > < > ( الاسراء 28 ) <
> فيه ثلاث مسائل : الأولى وهو أنه سبحانه وتعالى خص نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله : وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها وهو تأديب عجيب وقول لطيف بديع أي لا تعرض عنهم إعراض مستهين عن ظهر الغنى والقدرة فتحرمهم وإنما يجوز أن تعرض عنهم عند عجز يعرض وعائق يعوق وأنت عند ذلك ترجو من الله سبحانه وتعالى فتح باب الخير لتتوصل به إلى مواساة السائل فإن قعد بك الحال فقل لهم قولا ميسورا الثانية في سبب نزولها قال بن زيد : نزلت الآية في قوم كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأبى أن يعطيهم لأنه كان يعلم منهم نفقة المال في فساد فكان يعرض عنهم رغبة في الأجر في منعهم لئلا يعينهم على فسادهم وقال عطاء الخرساني في قوله تعالى وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها قال : ليس هذا في ذكر الوالدين جاء ناس من مزينة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستحملونه فقال : ( لا أجد ما أحملكم عليه ( فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا فأنزل الله تعالى : وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها والرحمة الفيء الثالثة قوله تعالى : ( فقل لهم قولا ميسورا ) أمره بالدعاء لهم أي يسر فقرهم عليهم بدعائك لهم وقيل : أدع لهم دعاء يتضمن الفتح لهم والإصلاح وقيل : المعنى ( وإما تعرضن ( أي إن أعرضت يا محمد عن إعطائهم لضيق يد فقل لهم قولا ميسورا أي أحسن القول وأبسط العذر وادع لهم بسعة الرزق وقل إذا وجدت فعلت وأكرمت فإن ذلك يعمل في مسرة نفسه عمل المواساة وكان عليه الصلاة والسلام إذا سئل وليس عنده ما يعطي سكت انتظارا لرزق يأتي من الله سبحانه وتعالى كراهة الرد فنزلت هذه الآية فكان صلى الله عليه وسلم إذا سئل وليس عنده ما يعطي قال : ( يرزقنا الله وإياكم من فضله ( فالرحمة على هذا التأويل الرزق المنتظر وهذا قول بن عباس ومجاهد وعكرمة والضمير في عنهم عائد على من تقدم ذكرهم من الآباء والقرابة والمساكين وأبناء السبيل وقولا ميسورا أي لينا لطيفا طيبا مفعول بمعنى الفاعل من لفظ اليسر كالميمون أي وعدا جميلا على ما بيناه ولقد أحسن من قال : إلا تكن ورق يوما أجود بها للسائلين فإني لين العود لا يعدم السائلون الخير من خلقي إما نوالي وإما حسن مردودي تقول : يسرت لك كذا إذا أعددته < < الإسراء : ( 29 ) ولا تجعل يدك . . . . . > > < > ( الاسراء 29 ) <
> فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ولاتجعل يدك مغلولة إلى عنقك ) هذا مجاز عبر به عن البخيل الذي لا يقدر من قلبه على إخراج شيء من ماله فضرب له مثل الغل الذي يمنع من التصرف باليد وفي صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى ثديهما وتراقيهما فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه حتى تغشى أنامله وتعفو أثره وجعل البخيل كلما هم بصدقة قلصت وأخذت كل حلقة بمكانها قال أبو هريرة رضي الله عنه : فأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بأصبعيه هكذا في جيبه فلو رأيته يوسعها ولاتتوسع الثانية قوله تعالى : ( ولاتبسطها كل البسط ) ضرب بسط اليد مثلا لذهاب المال فإن قبض الكف يحبس ما فيها وبسطها يذهب ما فيها وهذا كله خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته وكثيرا ما جاء في القرآن فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان سيدهم وواسطتهم إلى ربهم عبر به عنهم على عادة العرب في ذلك وأيضا فإنه عليه الصلاة والسلام لم يكن يدخر شيئا لغد وكان يجوع حتى يشد الحجر على بطنه من الجوع وكان كثير من الصحابة ينفقون في سبيل الله جميع أموالهم فلم يعنفهم النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليهم لصحة يقينهم وشدة بصائرهم وإنما نهى الله سبحانه وتعالى عن الإفراط في الإنفاق وإخراج ما حوته يده من المال من خيف عليه الحسرة على ما خرج من يده فأما من وثق بموعود الله عز وجل وجزيل ثوابه فيما أنفقه فغير مراد بالآية والله أعلم وقيل : إن هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم في خاصة نفسه علمه فيه كيفية الإنفاق وأمره بالإقتصاد قال جابر وبن مسعود : جاء غلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن أمي تسألك كذا وكذا فقال : ( ما عندنا اليوم شيء ( قال : فتقول لك اكسني قميصك فخلع قميصه فدفعه إليه وجلس في البيت عريانا وفي رواية جابر : فأذن بلال للصلاة وانتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج واشتغلت القلوب فدخل بعضهم فإذا هو عار فنزلت هذه الآية وكل هذا في إنفاق الخير وأما إنفاق الفساد فقليله وكثيره حرام كما تقدم الثالثة نهت هذه الآية عن استفراغ الوجد فيما يطرأ أولا من سؤال المؤمنين لئلا يبقى من يأتي بعد ذلك لا شيء له أو لئلا يضيع المنفق عياله ونحوه من كلام الحكمة : ما رأيت قط سرفا إلا ومعه حق مضيع وهذه من آيات فقه الحال فلا يبين حكمها إلا باعتبار شخص شخص من الناس الرابعة قوله تعالى : ( فتقعد ملوما محسورا ) قال بن عرفة : يقول لا تسرف ولا تتلف مالك فتبقى محسورا منقطعا عن النفقة والتصرف كما يكون البعير الحسير وهو الذي ذهبت قوته فلا انبعاث به ومنه قوله تعالى : ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير أي كليل منقطع وقال قتادة : أي نادما على ما سلف منك فجعله من الحسرة وفيه بعد لأن الفاعل من الحسرة حسر وحسران ولا يقال محسور والملوم : الذي يلام على إتلاف ماله أو يلومه من لا يعطيه < < الإسراء : ( 30 ) إن ربك يبسط . . . . . > > < > ( الاسراء 30 ) < > < < الإسراء : ( 31 ) ولا تقتلوا أولادكم . . . . . > > < > ( الاسراء 31 ) <